
27
من الخطبة ( 171 ) أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ اَلنَّاسِ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اَللَّهِ فِيهِ فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اُسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ اَلْإِمَامَةُ لاَ تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ اَلنَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ أَلاَ وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ رَجُلاً اِدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ اَلَّذِي عَلَيْهِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى اَلْعِبَادُ بِهِ وَ خَيْرُ عَوَاقِبِ اَلْأُمُورِ عِنْدَ اَللَّهِ وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ اَلْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ اَلْقِبْلَةِ وَ لاَ يَحْمِلُ هَذَا اَلْعَلَمَ إِلاَّ أَهْلُ اَلْبَصَرِ وَ اَلصَّبْرِ وَ اَلْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ اَلْحَقِّ فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ وَ لاَ تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً
-----------
( 1 ) أخرجه السروي في مناقبه 2 : 113 و الكليني في الكافي 7 : 268 ، ح 40 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) اختيار معرفة الرجال : 38 رقم 78 .
[ 563 ]
أقول : أمّا قوله عليه السّلام : « أيّها النّاس إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه فيه » فيشهد له قوله تعالى : أ فمن يهدي إلى الحقّ أحق ان يتّبع أمّن لا يهدّيّ إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون 1 .
و هو دليل على عدم لياقة غيره و غير أهل بيته ، ففي خطبته الّتي خطب بها بعد قتل محمّد ابن أبي بكر ، و فتح معاوية لمصر في حكايته عليه السّلام يوم الشورى ، و قد رواها ابن قتيبة في ( خلفائه ) ، و غيره « فما كانوا لولاية أحد منهم أشدّ كراهية لولايتي عليهم . كانوا يستمعونني عند وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم أحاجّ أبا بكر ، و أقول : يا معشر قريش إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة ، و يدين بدين الحقّ ، فخشي القوم إن أنا ولّيت عليهم أن لا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان ، و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها ، و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي » 2 .
و إخواننا أخذوا دينهم عن معاوية . فجعلوا المناط في الخلافة الغدر و المكر ، و السياسة الدنيوية دون رعاية الشريعة . فجعلوا أبا بكر أحقّ ، فكتب معاوية إلى الحسن عليه السّلام كما في ( المقاتل ) و غيره : « و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه ( أي أبي بكر ) أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم المسلمين ذبّه ،
ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره إلى أن قال و الحال في ما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم ، و لو علمت أنّك أضبط منّي للرعيّة ، و أحوط على هذه الامّة ، و أحسن سياسة ، و أقوى على جمع الأموال ، و أكيد للعدو ، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ، و رأيتك لذلك أهلا ،
-----------
( 1 ) يونس : 35 .
-----------
( 2 ) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 : 155 و الثقفي في الغارات 1 : 307 .
[ 564 ]
و لكنّي قد علمت أنّي اطول منك ولاية . . . » 1 .
و لو كان استدلال أبي بكر ، صحيحا كان أبوه أبو سفيان أولى من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنبوّة . فالنبوة و الإمامة خلافة اللّه .
« فإن شغب شاغب » قال الجوهري : الشغب تهييج الشرّ و هو شغب الجند 2 .
« استعتب » و قال أيضا : « استعتب و اعتب » بمعنى واحد أي : عاد إلى المسرّة راجعا عن الاساءة 3 .
« فإن أبى قوتل » كما أمر اللّه تعالى في قوله : فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه 4 .
و لقد استعتب عليه السّلام أهل الجمل و صفّين و النهروان . فأبوا ، فقاتلهم على حسب أمر اللّه تعالى و أمر رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم عموما و خصوصا .
« و لعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى يحضرها عامّة الناس فما » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب « ما » بدون فاء . كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 5 .
« إلى ذلك سيبل » لأنّه من المحالات العاديّة .
« و لكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد » للبيعة .
« أن يرجع » عن بيعته و ينكثها كأهل الجمل طلحة و الزبير .
« و لا للغائب » عن البيعة « أن يختار » كمعاوية و أهل الشام .
-----------
( 1 ) رواه أبو الفرج في المقاتل : 37 ، و المدائني ، و عنه شرح ابن أبي الحديد 4 : 9 ، شرح الكتاب 31 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 1 : 157 ، مادة ( شغب ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 1 : 176 ، مادة ( عتب ) ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 4 ) الحجرات : 9 .
-----------
( 5 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2 : 483 ، و شرح ابن ميثم 3 : 339 ، « فما » أيضا .
[ 565 ]
قال عليه السّلام : هذا الكلام جدلا ردّا على معاوية فكان معاوية كتب إليه عليه السّلام كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) : « و لعمري ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة ، و لا حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة و الزبير . لأنّ أهل البصرة بايعوك ، و لم يبايعك أحد من أهل الشام ، و أنّ طلحة و الزبير بايعاك و لم ابايعك » 1 .
فقول ابن أبي الحديد : « هذا الكلام تصريح بصحّة مذهبنا في أنّ الاختيار طريق إلى الإمامة ، و مبطل لما تقوله الامامية من دعوى النصّ عليه » 2 غلط و شطط .
فالواجب أن يدحض الانسان حجّة الخصم بما يقرّ به الخصم لا بما ينكره ، و معاوية كان ينكر النص و لا ينكر البيعة .
« ألا و إنّي اقاتل رجلين رجلا ادّعى ما ليس له ، و آخر منع الّذي عليه » قال ابن أبي الحديد : « إنّ الأوّل الّذي ادّعى الخلافة ، و الثاني الّذي لا يدّعيها و لكنّه يمتنع من الطاعة » 3 .
قلت : إنّ سعدا و ابن عمر ، و محمّد بن مسلمة و المغيرة ، و جمعا آخر لم يدّعوا الخلافة ، و امتنعوا من طاعته عليه السّلام ، و مع ذلك خلاّهم و لم يقاتلهم . فلا بدّ أنّه عليه السّلام أراد بالأوّل معاوية ، و بالثاني طلحة و الزبير حيث نكثا و قاما في وجهه .
« أوصيكم عباد اللّه » ليس كلمة « عباد اللّه » في ( ابن ميثم و الخطيّة ) 4 .
« بتقوى اللّه » قال تعالى : إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم 5 .
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 101 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 483 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 483 .
-----------
( 4 ) توجد الكلمة في شرح ابن ميثم 3 : 339 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 483 .
-----------
( 5 ) الحجرات : 13 .
[ 566 ]
« فإنّها خير ما تواصى العباد به » و العصر إنّ الانسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحقّ و تواصوا بالصبر 1 .
« و خير عواقب الامور عند اللّه » قال جلّ و علا : و لا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و أبقى و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك و العاقبة للتقوى 2 ، إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين 3 تلك الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين 4 و إن منكم إلاّ واردها كان على ربّك حتما مقضيا ثم ننجّي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيّا 5 .
« و قد فتح باب الحرب بينكم و بين أهل القبلة » قال ابن أبي الحديد : « لم يكن المسلمون قبل حرب الجمل يعرفون كيفية قتال أهل القبلة ، و إنّما تعلّموا فقه ذلك من أمير المؤمنين عليه السّلام و قال الشافعي : « لو لا عليّ عليه السّلام لما عرف شيء من أحكام أهل البغي » 6 .
« و لا يحمل هذا العلم » بفتحتين أي : الراية .
« إلاّ أهل البصر و الصبر و العلم بمواضع الحقّ » في ( الطبري ) : قال أبو عبد الرحمن السلمي : رأيت عمّارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلاّ تبعه من كان هناك من أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم ، و رأيته جاء إلى هاشم بن عتبة المر قال ،
-----------
( 1 ) العصر : 1 3 .
-----------
( 2 ) طه : 131 132 .
-----------
( 3 ) الأعراف : 128 .
-----------
( 4 ) القصص : 83 .
-----------
( 5 ) مريم : 72 .
-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 484 .
[ 567 ]
و هو صاحب راية عليّ عليه السّلام . فقال : يا هاشم أعورا و جنبا لا خير في أعور لا يغشى البأس إلى أن قال تقدّم يا هاشم ، الجنّة تحت ظلال السيوف ، و الموت في أطراف الأسل ، و قد فتحت أبواب السماء ، و تزيّنت الحور العين . اليوم ألقى الأحبّة محمّدا و حزبه . فلم يرجعا ، و قتلا .
و قال السلمي أيضا : سمعت عمارا بصفين و هو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و هذه الرابعة ما هي بأبّر و لا أتقى 1 2 .
« و لا تعجلوا في أمر حتّى تتبيّنوا » وجهه و حكمته .
« فإنّ لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا » أي : منافع و مصالح للمسلمين أنتم لا تعلمونها . « غيرا » من غار يغير و يغور بمعنى نفع و أصلح . قال الهذلي :
« ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما » 3 .
قال الجوهري : غاره يغيره و يغوره أي : نفعه و غار أهله يغيرهم غيارا أي يميرهم و ينفعهم ، و أغارهم اللّه بمطر يغيرهم و يغورهم أي : سقاهم . يقال :
نزل القوم يغيرون أي : يصلحون الرجال « و غارنا اللّه بخير » كقولك : أعطانا خيرا 4 .
و ممّا أنكروا عليه عليه السّلام قتاله أهل القبلة قال ابن قتيبة في ( خلفائه ) بعد ذكر اعتزال ابن عمر و سعد ، و محمّد بن مسلمة عن مشاهده و حروبه قال عمار ، لعليّ عليه السّلام : إيذن لي آت ابن عمر فاكلّمه . فقال : نعم . فأتاه فقال له : « قد بايع عليا المهاجرون ، و الأنصار ، و من إن فضّلناه عليك لم يسخطك ، و إن
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 28 ، سنة 37 .
-----------
( 2 ) أسقط الشارح هنا شرح قوله : « فامضوا لما تؤمرون به ، وقفوا عند ما تنهون عنه » .
-----------
( 3 ) أورده لسان العرب 5 : 40 ، مادة ( غير ) .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 2 : 775 ، مادة ( غير ) ، و النقل بتقطيع .
[ 568 ]
فضّلناك عليه لم يرضك ، و قد أنكرت السيف في أهل الصلاة ، و قد علمت أنّ على القاتل القتل ، و على المحصن الرجم ، و هذا يقتل بالسيف ، و هذا يقتل بالرجم » فقال ابن عمر « إنّ أبي جمع أهل الشورى فكان أحقّهم بها عليّ ، غير أنّه جاء أمر فيه السيف و لا أعرفه ، و لكن و اللّه ما أحبّ أنّ لي الدنيا و ما فيها ،
و أنّي أضمرت عداوة عليّ » ، فانصرف عمار فأخبر عليا عليه السّلام بقوله . فقال له : لو أتيت محمّد بن مسلمة الأنصاري . فأتاه فقال له ابن مسلمة : لو لا ما في يدي من النبيّ لبايعته ، و لو أنّ الناس كلّهم كانوا عليه لكنت معه ، و لكنّه كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي . فقال له عمار : أفتريد من النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قولا بعد قوله يوم حجّة الوداع « دماؤكم و أموالكم عليكم حرام إلاّ بحدث » أفتقول : لا نقاتل المحدثين ؟ قال : حسبك . ثم أتى عمر سعدا فكلّمه فأظهر الكلام القبيح ،
فانصرف عمار إلى عليّ عليه السّلام فقال له : دع هؤلاء الرهط أمّا ابن عمر فضعيف ،
و أما سعد فحسود ، و ذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه يوم مرحب 1 .
و أخطأ ابن أبي الحديد فتوهم أنّ غيرا من غيّر ، كما أخطأ في بيان المراد من الفقرة فقال : « معناها أنّ عندنا تغييرا لكلّ ما تنكرونه من الامور الّتي يثبت أنّه يجب إنكارها و تغييرها أي لست كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغيّر كل ما ينكره المسلمون ، و يقتضي الحال و الشرع تغييره » 2 .
قلت : إنّ ما قاله ممّا يضحك الثكلى ، فلم يستطع أحد من أعدائه حتّى مثل معاوية أن يدّعي عليه أمرا منكرا في الشرع حتّى يقول ابن أبي الحديد إنّه عليه السّلام قال « لست كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه ، بل أغيّر كل ما ينكره المسلمون » 3 و إنّما أنكر المغرضون عليه امورا معروفة . فأنكر معاوية عليه
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 53 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 484 .
-----------
( 3 ) المصدر نفسه .
[ 569 ]
ايواءه قتلة عثمان كعمار ، و محمّد بن أبي بكر ، و عمرو بن الحمق و نظرائهم ،
و أنكر ابن عمر و سعد و محمّد بن مسلمة عليه قتاله مع أهل الجمل و صفّين بشبهة لفّقوها ، و أنكر الخوارج عليه عليه السّلام تحكيم القرآن .
و لو كان عليه السّلام أراد المعنى الّذي ذكر ، لقال : « فعليّ في كلّ أمر منكر تغييره » لا « أنّ لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا » و بالجملة ما قاله في غاية السقوط .