14

الحكمة ( 321 ) وَ قَالَ ع ؟ لِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ ؟ وَ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي شَيْ‏ءٍ لَمْ يُوَافِقْ رَأْيَهُ لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَ أَرَى فَإِنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي أقول : هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( فاذا عصيتك فأطعني ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 2 و ( الخطيّة ) و ما يأتي من سنده .

و في ( ابن ميثم ) بعد قوله ( لعبد اللّه بن عبّاس ) : ( رحمه اللّه ) 3 ، و في ( ابن أبي الحديد ) : ( رضي اللّه عنه ) 4 ، و في الأوّل بدل ( في شي‏ء ) : ( بشي‏ء ) 5 .

ثم إنّ الأصل في العنوان : أنّ المغيرة أشار عليه عليه السّلام بإبقاء معاوية على

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 3 : 230 .

-----------
( 2 ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد 19 : 233 و لكن في شرح ابن ميثم 5 : 402 « فإن » أيضا .

-----------
( 3 ) ليست كلمة « رحمه اللّه » في شرح ابن ميثم 5 : 402 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 19 : 233 .

-----------
( 5 ) في شرح ابن ميثم 5 : 402 « في شي‏ء » أيضا .

[ 2 ]

الشام ، ثمّ يعزله إن شاء ، حتّى يستقر أمر سلطنته ، فلم يقبل عليه السّلام منه ، ثمّ جاء ابن عباس فصدق رأي المغيرة و أصرّ على قبوله عليه السّلام ذلك ، فقال عليه السّلام له ما قال .

ففي ( الطبري ) : روى الواقدي عن هشام بن سعد ، عن أبي هلال قال : قال ابن عبّاس : قدمت المدينة من مكّة بعد قتل عثمان بخمسة أيام فجئت عليّا عليه السّلام أدخل عليه ، فقيل لي : عنده المغيرة . فجلست بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلّم عليّ و قال لي : متى قدمت ؟ فقلت : الساعة ، ثمّ دخلت على عليّ عليه السّلام فقلت له :

أخبرني عن شأن المغيرة و لم خلا بك ؟ قال : جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال لي : اخلني ، ففعلت فقال لي : إنّ النصح رخيص و أنت بقيّة النّاس و إنّي لك ناصح ، و إنّي اشير عليك بردّ عمّال عثمان عامك هذا ، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم ، فإذا بايعوك و اطمأنّ الأمر لك عزلت من أحببت و أقررت من أحببت . فقلت له : و اللّه لا اداهن في ديني و لا اعطي الدني في أمري . فقال : فإن كنت قد أبيت عليّ فانزع من شئت و اترك معاوية فإنّ لمعاوية جرأة ، و هو في أهل الشام يسمع منه ، و لك حجّة في إثباته كان عمر قد ولاّه الشام كلّها . فقلت له : لا و اللّه لا أستعمل معاوية يومين أبدا . فخرج من عندي على ما أشار به ، ثمّ عاد اليوم فقال لي : إنّي أشرت عليك بما أشرت فأبيت عليّ ، ثم نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب ، لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة ، و لا يكون في أمرك دلسة .

فقال ابن عباس : فقلت لعليّ عليه السّلام : أمّا أوّل ما أشار به عليك فقد نصحك ،

و أمّا الآخر فغشّك ، و أنا اشير عليك بأن تثبت معاوية ، فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله ، فقال عليه السّلام : لا و اللّه لا اعطيه إلاّ السيف ، ثم تمثل :

ما ميتة إن متّها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها فقلت : لست بأرب بالحرب ، أما سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : الحرب خدعة ؟

فقال : بلى . فقلت له : أما و اللّه لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورد ، و لأتركنهم

[ 3 ]

ينظرون في دبر الامور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك و لا إثم لك . فقال : « يا بن عبّاس لست من هنياتك و هنيات معاوية في شي‏ء تشير عليّ و أرى فإن عصيتك فأطعني » فقلت : أفعل ، إنّ أيسر ما لك عندي الطاعة 1 .

و روى خبرا عن ابن عبّاس في قدومه من مكّة عليه عليه السّلام و عنده المغيرة ،

و انّه عليه السّلام قال لابن عبّاس ما أشار عليه المغيرة أوّلا و ثانيا كالأوّل .

فقال ابن عبّاس له عليه السّلام : نصحك في الاولى لأنّك تعلم أنّ معاوية و أصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبتهم لا يبالون بمن ولّي هذا الأمر ، و متى تعزلهم يقولون : قد أخذ هذا الأمر بغير شورى ، و هو قتل صاحبنا و يؤلبون عليك ،

فينتقض عليك أهل الشام و أهل العراق ، مع أنّي لا آمن طلحة و الزبير أن يكرّا عليك .

فقال عليه السّلام له : أمّا ما ذكرت من إقرارهم ، فو اللّه ما أشك أنّ ذلك خير في عاجل الدّنيا لإصلاحها ، و أمّا الذي يلزمني من الحقّ و المعرفة بعمّال عثمان ،

فو اللّه لا اولّي منهم أحدا أبدا ، فإن أقبلوا فذلك لهم خير ، و إن أدبروا بذلت لهم السيف إلى أن قال قال ابن عبّاس له عليه السّلام : اكتب إلى معاوية فمنّه وعده . فأبى و قال : و اللّه لا كان هذا أبدا 2 .

و عبّر بمضمون الخبرين المسعودي في ( مروجه ) 3 ، و أما تبديل صاحب ( الاستيعاب ) ابن عبّاس بالحسن عليه السّلام ، و أنّه قال لأبيه : نصحك المغيرة في الاولى فغلط منه 4 .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبريّ 4 : 440 441 ، سنة 35 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبريّ 4 : 439 440 ، سنة 35 .

-----------
( 3 ) مروج الذهب 2 : 364 365 .

-----------
( 4 ) الاستيعاب بهامش الإصابة 3 : 390 391 .

[ 4 ]

ثمّ شتّان بينه عليه السّلام و بين صدّيقهم و فاروقهم ، يشير المغيرة عليه نصحا فلا يقبله منه ، لكونه نصحا دنيويا لا دينيا ، و يرسلان إلى المغيرة يطلبان منه حيلة لاستيلائهما على الأمر ، فيشير عليهما باشتراك العباس . و لو لم يكن في حقيقته عليه السّلام و بطلان أمر الرجلين إلاّ هذا الموضع ، لكفى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .

و من محاجات ابن عبّاس مع المغيرة و جمع آخر في مجلس معاوية ، ما رواه المدائني : أنّ المغيرة قال لابن عبّاس : أما و اللّه لقد أشرب على عليّ عليه السّلام بالنصح فآثر رأيه و مضى على غلوائه ، فكانت العاقبة عليه لا له ، و إنّي لأحسب أنّ خلفه يقتدون منهجه .

فقال له بن عبّاس : كان أمير المؤمنين عليه السّلام و اللّه أعلم بوجوه الرأي و معاقد الحزم و تصاريف الامور ، من أن يقبل مشاورتك في ما نهى اللّه عنه و عنّف عليه ، قال سبحانه : لا تجد قوما يؤمنون باللّه و اليوم الآخر يوادّون من حادّ اللّه و رسوله . . . 1 ، و لقد وقفك عليه السّلام على ذكر متين و آية متلوة في قوله سبحانه : . . . و ما كنت متّخذ المضلّين عضدا 2 ، و هل يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين و في‏ء المؤمنين من ليس بمأمون عنده و لا موثق به في نفسه ؟ هيهات هيهات ، هو أعلم بفرض اللّه و سنّة رسوله ، أن يبطن خلاف ما يظهر إلاّ للتّقيّة و لات حين تقيّة ، مع وضوح الحق و ثبوت الجنان و كثرة الأنصار يمضي كالسيف المصلت 3 .

-----------
( 1 ) المجادلة : 22 .

-----------
( 2 ) الكهف : 51 .

-----------
( 3 ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6 : 298 303 .

[ 5 ]