1

الحكمة ( 107 ) و قال عليه السّلام :

رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَ عِلْمُهُ مَعَهُ لاَ يَنْفَعُهُ أقول : قاله عليه السّلام في طلحة و الزبير فإنّهما كانا عالمين بأنّه عليه السّلام على الحقّ ،

و أنّهما على الباطل و مع ذلك قاتلاه فقتلهما جهلهما الناشى‏ء عن حبّ الدّنيا

-----------
( 1 ) الإيضاح : 82 84 .

[ 12 ]

و الحرص على الإمارة و لم يغن علمهما بكونه عليه السّلام على الحقّ عنهما شيئا .

رواه أبو مخنف في ( جمله ) و رواه ( الإرشاد ) و في الأوّل : لمّا سار الزبير و طلحة من مكّة و معهما عايشة يريدون البصرة خطب عليّ عليه السّلام فقال :

أيّها النّاس إنّ عايشة سارت إلى البصرة و معها طلحة و الزبير ، و كلّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه ، أمّا طلحة فابن عمّها ، و أمّا الزبير فختنها ، و اللّه لو ظفروا بما أرادوا و لن ينالوا ذلك أبدا ليضربنّ أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد و اللّه إنّ راكبة الجمل ما تقطع عقبة و لا تحلّ عقدة إلاّ في معصية اللّه و سخطه ، حتى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة . أي و اللّه ليقتلن ثلثهم و ليهربن ثلثهم و ليتوبنّ ثلثهم ، و إنّها التي تنبحها كلاب الحوأب ،

و إنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان ، و ربّ عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه .

حسبنا اللّه و نعم الوكيل ، فقد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون 1 ؟

و رواه الثاني مثله لكن فيه بدل قوله : ( أما طلحة فابن عمّها ، و أما الزبير فختنها : « لا يدّعي طلحة الخلافة إلاّ أنّه ابن عمّ عايشة و لا يدّعيها الزبير إلاّ أنّه صهر أبيها » 2 ، و هو جزء الآتي كما يأتي .

و لم يتفطّن ابن أبي الحديد و ابن ميثم للمراد ، فتوهّم الأوّل أنّ المراد بالقتل القتل الظاهري فقال : جرى مثل ذلك لابن المقفّع و فضله مشهور ، فقتله المنصور لمّا كتب كتاب أمان لعمّه عبد اللّه بن علي بأنّه إن غدر بعمّه ، فنساؤه طوالق و النّاس في حل من بيعته 3 .

و توهّم الثاني أنّه عليه السّلام أراد بالعلم علما لا نفع فيه ، كعلم السحر

-----------
( 1 ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 : 233 .

-----------
( 2 ) الإرشاد 1 : 246 247 ، بحار الأنوار 32 : 112 113 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 269 .

[ 13 ]

و النيرنجات و علوم صناعية ، و بالجهل الجهل بالشرايع 1 ، و كلّ منهما نفخ في غير ضرام .

و من الغريب أنّ الأوّل نقل رواية ( جمل أبي مخنف ) عند قوله عليه السّلام في الزبير : ( يزعم انّه بايع بيده ) 2 بلا مناسبة و هنا غفل رأسا .

ثمّ إنّه عليه السّلام و إن قال الكلام في الناكثين ، إلاّ أنّه يجري في القاسطين و المارقين و في الثلاثة المتقدمين عليه ، و قد عبّر بمعنى الكلام للجميع في الشقشقية ، في قوله عليه السّلام بعد ذكرهم : « كأنّهم لم يسمعوا اللّه حيث يقول تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين 3 ، بلى و اللّه لقد سمعوها و لكن حليت الدّنيا في أعينهم وراقهم زبرجها » 4 .

و قد قال عليه السّلام قريبا من هذا الكلام في كعب بن سور قاضي البصرة ، لمّا مر عليه السّلام به قتيلا في أهل الجمل ، فروى أبو مخنف في ( جمله ) عن الأصبغ قال :

لمّا انهزم أهل البصرة ركب عليّ عليه السّلام بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الشهباء و كانت باقية عنده و سار في القتلى يستعرضهم فمر بكعب بن سور قاضي البصرة و هو قتيل ، فقال : أجلسوه فأجلس فقال : « ويل أمّك كعب بن سور لقد كان لك علم لو نفعك و لكن الشيطان أضلّك فأزلك فعجلك إلى النّار أرسلوه » 5 .

هذا و عدّ ( فهرست الشيخ ) في مصنّفات حيدر بن محمّد بن نعيم تلميذ

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 5 : 295 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 233 عند شرح الخطبة 8 .

-----------
( 3 ) القصص : 83 .

-----------
( 4 ) نهج البلاغة 1 : 31 الخطبة 3 .

-----------
( 5 ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 : 248 .

[ 14 ]

العياشي ، كتاب تنبيه عالم قتله علمه الذي هو معه 1 .

و في ( عيون القتيبي ) : كتب كسرى إلى بزرجمهر و هو في الحبس : كان ثمرة علمك أن صرت بها أهلا للحبس و القتل . فكتب إليه بزرجمهر : أمّا ما كان مع الجدّ فقد كنت أنتفع بثمرة العلم ، فالآن إذ لا جد صرت أنتفع بثمرة الصبر ،

مع أنّي إن كنت فقدت كثير الخير فقد استرحت من كثير الشرّ 2 .

و في ( الأغاني ) : كان لإبراهيم بن العبّاس الصولي الشاعر قينة كان يهواها ، فغضبت عليه فقال فيها :

و علّمتني كيف الهوى و جهلته
و علّمكم صبري على ظلمكم ظلمي

و أعلم مالي عندكم فيردّني
هواي إلى جهل فأقصر عن علمي 3

و لبعضهم :

لا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة ، يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم 4 .