2

الخطبة ( 148 ) و من كلام له عليه السّلام في ذكر أهل البصرة :

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو اَلْأَمْرَ لَهُ وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اَللَّهِ بِحَبْلٍ وَ لاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وَ عَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا اَلَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا

-----------
( 1 ) الطوسي : الفهرست ، ص 64 ، رقم 249 بمنشورات المكتبة المرتضوية ، النجف .

-----------
( 2 ) عيون الأخبار 2 : 126 .

-----------
( 3 ) الأغاني 10 : 60 .

-----------
( 4 ) عيون الأخبار 2 : 125 .

[ 15 ]

عَلَى هَذَا قَدْ قَامَتِ اَلْفِئَةُ اَلْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ اَلْمُحْتَسِبُونَ فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ اَلسُّنَنُ وَ قُدِّمَ لَهُمُ اَلْخَبَرُ وَ لِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَ لِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ وَ اَللَّهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اَللَّدْمِ يَسْمَعُ اَلنَّاعِيَ وَ يَحْضُرُ اَلْبَاكِيَ ثُمَّ لاَ يَعْتَبِرُ

[ 15 ]

أقول : قد عرفت في سابقة أنّ الأصل فيهما واحد رواهما أبو مخنف 1 و المفيد 2 ، و غفل ابن أبي الحديد هنا كما غفل ثمة ، و إنّما نقل رواية أبي مخنف عند قوله عليه السّلام : ( يزعم أنّه بايع بيده ) 3 ، و هي : أيّها النّاس إنّ عايشة سارت إلى البصرة معها طلحة و الزبير و كلّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه .

أمّا طلحة فابن عمّها ، و أمّا الزبير فختنها و اللّه لو ظفروا بما أرادوا و لن ينالوا ذلك أبدا ليضربنّ أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد ،

و اللّه إنّ راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة و لا تحل عقدة إلاّ في معصية اللّه و سخطه ، حتى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة ، أي و اللّه ليقتلن ثلثهم و ليهربن ثلثهم و ليتوبن ثلثهم ، و إنّها التي تنبحها كلاب الحوأب ،

و إنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان ، و ربّ عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه ،

حسبنا اللّه و نعم الوكيل ، فقد قامت الفتنة ، فيها الفئة الباغية ، أين المحتسبون أين المؤمنون ، مالي و لقريش أما و اللّه لقد قتلتهم كافرين و لأقتلنهم مفتونين ، و ما لنا إلى عايشة من ذنب إلاّ أنّا أدخلناها في حيزنا ، و اللّه لأبقرن الباطل حتّى يظهر الحقّ من خاصرته ، فقل لقريش فلتضجّ ضجيجها 4 .

-----------
( 1 ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 : 233 .

-----------
( 2 ) الإرشاد 1 : 246 247 ، بحار الأنوار 32 : 112 113 .

-----------
( 3 ) نهج البلاغة 1 : 38 ، الخطبة 8 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 233 .

[ 16 ]

و مثله ( الإرشاد ) مع اختلاف يسير 1 .

قول المصنف « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) 2 و مثله في ( ابن ميثم ) 3 و لكن في ( ابن أبي الحديد ) 4 و ( الخطية ) : « و من خطبة له عليه السّلام » .

« في ذكر أهل البصرة » كان عليه أن يقول ( في طلحة و الزبير لمّا سارا إلى البصرة ) فإنّ المنصرف من أهل البصرة أهلها الأصليون و ليس الكلام فيهم بل فيهما .

قوله عليه السّلام « كلّ واحد منهما يرجو الأمر له و يعطفه عليه دون صاحبه » في ( الطبري ) : أذن مروان حين فصل من مكّة ، ثمّ جاء حتى وقف على طلحة و الزبير فقال : أيّكما أسلّم عليه بالامرة و اوزنه بالصلاة ، فقال عبد اللّه بن الزبير على أبي عبد اللّه ، و قال محمّد بن طلحة على أبي محمّد ، فأرسلت عايشة إلى مروان : مالك تريد أن تفرّق أمرنا ليصلّ ابن اختي ، فكان يصلّي بهم ابن الزبير حتّى قدموا البصرة ، فكان معاذ بن عبيد اللّه يقول : و اللّه لو ظفرنا لأفتتنا ما خلى الزبير بين طلحة و الأمر و لا خلّى طلحة بين الزبير و الأمر 5 .

و في ( المروج ) : تشاحّ طلحة و الزبير في الصلاة بالناس في البصرة ، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي ابن الزبير يوما و ابن طلحة يوما في خطب طويل كان بين طلحة و الزبير ، و جذب صاحبه حتّى فات وقت الصلاة ، و صاح النّاس :

الصلاة الصلاة يا أصحاب محمّد 6 .

-----------
( 1 ) الإرشاد 1 : 246 247 .

-----------
( 2 ) نهج البلاغة 2 : 44 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 205 .

-----------
( 4 ) في شرح ابن أبي الحديد 9 : 109 « من كلام له عليه السّلام » أيضا .

-----------
( 5 ) تاريخ الطبريّ 4 : 454 455 ، سنة 36 .

-----------
( 6 ) مروج الذهب 2 : 367 .

[ 17 ]

و في ( جمل أبي مخنف ) : لمّا صفت البصرة لطلحة و الزبير بعد قتل حكيم بن جبلة و أصحابه ، و طرد عثمان بن حنيف عنها ، اختلفا في الصلاة و أراد كل منهما أن يؤمّ بالنّاس و خاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما و رضى بتقدمه ، فأصلحت عايشة بينهما 1 .

و في ( جمل المفيد ) نقلا عن ابن دأب و أبي مخنف و الواقدي و المدائني :

أنّ طلحة و الزبير لمّا ظفرا في البصرة بعثمان بن حنيف و حكيم بن جبلة ، نزلا دار الإمارة فقدمت عايشة و حملت مالا من بيت المال لتفرّقه على أنصارها ،

فدخل عليها طلحة و الزبير في طائفة معهما و احتملا منه شيئا كثيرا ، فلمّا خرجا نصبا على أبوابه الأقفال و وكلا به من قبلهما قوما ، فأمرت عايشة بختمه فبدر طلحة ليختمه فمنعه الزبير ، و أراد الزبير أن يختمه فتدافعا ، فبلغ ذلك عايشة فقالت : يختمها عنّي ابن اختي عبد اللّه فنختم يومئذ بثلاثة ختوم 2 .

« لا يمتّان » أي : لا يتوسلان .

« إلى اللّه بحبل و لا يمدّان إليه بسبب » أي : توصل .

في ( الطبري ) عن عوف الأعرابي قال : جاء رجل إلى طلحة و الزبير و هما في المسجد بالبصرة فقال : نشدتكما باللّه في مسيركما أعهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليكما فيه شيئا ؟ فقام طلحة و لم يجبه ، فناشد الزبير فقال : لا ، و لكن بلغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها 3 .

و عن الزهري : أنّ طلحة و الزبير قاما خطيبين فقالا : يا أهل البصرة توبة بحوبة إنّما أردنا أن نستعتب عثمان و لم نرد قتله ، فغلب سفهاء النّاس الحلماء

-----------
( 1 ) قريب منه ما في الجمل للمفيد : 281 282 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، تاريخ الطبريّ 4 : 468 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 284 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبريّ 4 : 475 ، سنة 36 .

[ 18 ]

حتّى قتلوه . فقال النّاس لطلحة : قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا . فقال لهم الزبير :

فهل جاءكم منّي كتاب في شأنه ؟ ثمّ ذكر قتل عثمان و ما أتى إليه و أظهر عيب عليّ عليه السّلام ، فقام إليه رجل من عبد القيس فقال : أيّها الرجل انصت حتّى نتكلّم ،

فقال له ابن الزبير : مالك و للكلام . فقال الرجل : يا معشر المهاجرين أنتم أوّل من أجاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فكان لكم بذلك فضل ، ثم دخل النّاس في الإسلام كما دخلتم ، فلمّا توفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بايعتم رجلا منكم و اللّه ما استأمرتمونا في شي‏ء من ذلك فرضينا ، ثم أنكرتم من عثمان فقتلتموه عن غير مشورة منّا ، ثمّ بايعتم عليّا عن غير مشورة ، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله ، هل استأثر بفي‏ء ، أو عمل بغير الحق ، أو عمل شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه ؟ و إلاّ فما هذا فهمّوا بقتل ذلك الرجل ، فقام من دونه عشيرته فلمّا كان الغد و ثبوا عليه و على من كان معه فقتلوا سبعين رجلا 1 .

« كلّ واحد منهم حامل ضب » في ( الأساس ) : ( في قلبه ضبّ ) أي : غل داخل كالضب الممعن في جحره .

قال سابق البربريّ :

و لا تك ذا وجهين يبدي بشاشة
و في صدره ضبّ من الغلّ كامن 2

« لصاحبه و عمّا قليل يكشف قناعه به » أي : عنه ، و أهل الدّنيا كلّهم كذلك ،

و اصطلاحهم في الظاهر إنّما هو من حيث أنّ الدّنيا محبوبة جميعهم ، في قبال مبغضيها . و أمّا هم في أنفسهم و تزاحمهم عليها فيتهارشون كل مع الآخر حال الكلاب و الجيفة .

« و اللّه لئن أصابوا الذي يريدون » أي : من نيل الإمارة ، و قد عرفت من رواية

-----------
( 1 ) تاريخ الطبريّ 4 : 469 470 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 265 ، مادة : ( ضبب ) .

[ 19 ]

أبي مخنف أنّه عليه السّلام أخبر بعدم نيلهما ذلك ، كما أخبر عليه السّلام بقتل ثلث أهل الجمل و هرب ثلثهم و توبة ثلثهم .

« لينزعن هذا نفس هذا و ليأتين هذا على نفس هذا » قد عرفت أنّ رواية أبي مخنف بدله بقوله : ( ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد ) .

و كذلك أهل الدّنيا في كل عصر ، فانتزع عبد الملك بن مروان لمّا نال الأمر نفس عمرو بن سعيد الأشدق و ذبحه بيده ، و انتزع منصور الدوانيقي نفس أبي مسلم الخراساني ، و قتل المأمون الأمين . قال هارون لرجل : ما عندك في ما كان من العهد الذي عهدت إلى ولاة العهد ؟ فاستعفاه فلم يعفه . فقال :

رأيتك قد أخذت ثلاثة أسياف مشحوذة فجعلتها في غمد واحد .

و روى ( أمالي الشيخ ) عن الصادق عليه السّلام : أنّ إيتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا و إن لم يظهروا التودّد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر السماء على مياه الأنهار ، و إنّ بعد إيتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا و إن أظهروا التودّد بألسنتهم ،

كبعد البهائم من التعاطف و إن طال اعتلافها على مذود واحد 1 .

« قد قامت الفئة الباغية » التي أخبر بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

« فأين المحتسبون » في جهادهم .

« فقد » هكذا في ( المصرية ) 2 ، و لكن في ( ابن ميثم ) 3 : ( و قد ) و في ( ابن أبي الحديد ) 4 و ( الخطية ) : ( قد ) .

« سنّت لهم السنن » في حرب الناكثين .

« و قدم لهم الخبر » في ( الطبري ) عن أبي عمرة مولى الزبير قال : لمّا

-----------
( 1 ) الأمالي للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه 2 : 25 26 ، بحار الأنوار 74 : 281 .

-----------
( 2 ) نهج البلاغة 2 : 44 .

-----------
( 3 ) في شرح ابن ميثم 3 : 205 « فقد » أيضا .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 109 .

[ 20 ]

بايعهما أهل البصرة قال الزبير : ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ ، فأمّا بيّته و أما صبّحته لعليّ أقتله قبل أن يصل إلينا . فلم يجبه أحد فقال : إنّ هذه لهي الفتنة التي كنّا نحدّث عنها ، فقال له مولاه : أتسميها فتنة و تقاتل فيها ؟ قال :

ويحك إنّا نبصر و لا نصبر 1 .

و في ( جمل المفيد ) : روى عبد اللّه بن رباح مولى الأنصار عن عبد اللّه بن زياد مولى عثمان قال : خرج عمّار يوم الجمل إلينا فقال : يا هؤلاء على أي شي‏ء تقاتلونا ؟ فقلنا : على أنّ عثمان قتل مؤمنا ، فقال : نحن نقاتلكم على أنّه قتل كافرا . و قال : و اللّه لو ضربتمونا حتّى نبلغ سعفات هجر ، إنّا على الحقّ و إنّكم على الباطل . و قال : ما نزل تأويل هذه الآية يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم و يحبونه . . . الاّ اليوم 2 .

« و لكل ضلّة علة و لكل ناكث شبهة » يعني و أمّا طلحة و الزبير فلا علّة لضلّتهم بقتالهم معه عليه السّلام ، و لا شبهة لهما في نكث بيعته عليه السّلام ، فعلّة ضلّتهم كانت طلب دم عثمان و هم كانوا قاتليه ، و قد عرفت أنّ الرجل العبدي قال لطلحة : جاءت كتبك بقتل عثمان ، و سبب نكثهم كان عدم توليتهم الولايات ،

و ليس هو شبهة و إنّما تكون شبهة لو كان أمكنهم ادّعاء وقوع خلاف شرع منه عليه السّلام .

و روى ( أمالي المفيد ) : عن أبي عثمان مؤذن بني افصى أنّه سمع عليّا عليه السّلام حين خرج طلحة و الزبير لقتاله تلا هذه الآية و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر انهم لا أيمان

-----------
( 1 ) تاريخ الطبريّ 4 : 475 476 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 366 ، و الآية 54 من سورة المائدة .

[ 21 ]

لهم لعلهم ينتهون 1 .

« و اللّه لا أكون كمستمع اللدم » في ( الصحاح ) لدمت المرأة وجهها أي :

ضربته ، و التدام النساء : ضربهن صدورهن في النياحة 2 .

« يسمع الناعي » و هو الذي يأتي بخبر الميّت .

« و يحضر الباكي » و المراد أنّي لا اساهل في أمر طلحة و الزبير ، اخليهما و إفساد البلاد .

و قال الشاعر :

و لست كمن يرضى بما غيره الرضا
و يمسح رأس الذئب و الذئب آكله

و قال ابن أبي الحديد في معنى قوله عليه السّلام : ( و اللّه ) إلى مستمع اللدم :

كناية عن الضبع تسمع وقع الحجر بباب حجرها من يد الصائد ، فتنخذل و تكف جوارحها إليها حتى يدخل عليها فيربطها ، يعني لا أكون مقرّا بالضيم أسمع الناعي المخبر عن قتل عسكر الجمل ، حكيم بن جبلة و أتباعه ، فلا يكون عندي من التغير و الإنكار لذلك ، إلاّ أن أسمعه و أحضر الباكين على قتلاهم 3 .

و تبعه الخوئيّ 4 .

و قال ابن ميثم : أقسم عليه السّلام أنّه لا يكون معهم كمن يسمع الضرب و البكاء ، الذي هو مظنّة الخطر ، ثم لا يصدق حتّى يجي‏ء لمشاهدة الحال و يحضر الباكي ، و قد كان الأولى أن يكتفي بذلك السماع و يأخذ في الاستعداد للعدوّ و الهرب منه 5 .

-----------
( 1 ) الأمالي للمفيد رحمه اللّه : 73 ، و الآية 12 من سورة التوبة .

-----------
( 2 ) الصحاح 5 : 2028 2029 ، مادة : ( لدم ) .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 109 110 .

-----------
( 4 ) منهاج البراعة 9 : 109 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 3 : 207 .

[ 22 ]

قلت : و هما كما ترى ، أما قول ابن أبي الحديد : فلم يقل أحد ان مستمع اللدم كناية عن الضبع ، و إنّما قالوا : إنّ الضبع تسمع اللدم ، أي : الصوت فتخرج فتصاد .

ففي ( الصحاح ) قال الأصمعي : اللدم صوت الحجر ، أو الشي‏ء يقع بالأرض و ليس بالصوت الشديد .

و في الحديث : و اللّه لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد . . . 1 ، و أين هو ممّا قال و إنّما اللدم هنا ضرب المرأة وجهها و صدرها في النياحة كما مر ، و يشهد له قوله : « يسمع الناعي و يحضر الباكي » . و أيّ ربط لسماع الناعي و حضور الباكي بالضبع ؟ كما أنّ تفسيره ( يسمع الناعي ) بسماعه خبر قتل عسكر الجمل حكيم بن جبلة 2 من أين قاله ؟ مع أنّ الأصل في ( الخطية ) كما عرفت من رواية أبي مخنف و المفيد كان عند شخوص أصحاب الجمل من مكة قبل وصولهم إلى البصرة ، و قتلهم لحكيم كان بعد وصولهم إلى البصرة ، اللهمّ إلاّ أن يقال إنّ قوله عليه السّلام « و اللّه . . . » لم يكن من الروايتين ، و إنّما أخذه الرضي من موضع آخر ،

حيث إنّ دأبه الجمع بين مختلفات موضوع من مواضع ، و لعلّه لذا قال في عنوانه : « في ذكر أهل البصرة » .

و أيضا قوله : « يسمع الناعي و يحضر الباكي » على سياق واحد ، فكيف فسّرهما بما قال من إنّه يسمع الناعي بقتل أصحابه ، فلا يكون عنده إنكار إلاّ أن يحضر الباكي 3 .

-----------
( 1 ) الصحاح 5 : 2028 ، مادة : ( لدم ) .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 110 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 109 110 ، و النقل بتصرّف .

[ 23 ]

و أمّا ما ذكره ابن ميثم : فاللفظ أيضا قاصر عن إفادته مع أنّه غير السياق أيضا .

« ثم لا يعتبر » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و ليس هذا الكلام في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 2 رأسا ، و الظاهر أنّه كان حاشية اخذت من قول ابن أبي الحديد في ما مرّ في تفسيره ما قبله : « فلا يكون عندي من التغير . . . » و خلطت بالمتن .