5

الخطبة ( 169 ) و من خطبة له عليه السّلام عند مسير أهل الجمل إلى البصرة :

إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ لاَ يَهْلِكُ عَنْهُ إِلاَّ هَالِكٌ وَ إِنَّ اَلْمُبْتَدَعَاتِ اَلْمُشَبَّهَاتِ مِنَ اَلْمُهْلِكَاتُ إِلاَّ مَا حَفِظَ اَللَّهُ مِنْهَا وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اَللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لاَ مُسْتَكْرَهَةٍ بِهَا وَ اَللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اَللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ اَلْإِسْلاَمِ ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ اَلْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا اَلرَّأْيِ اِنْقَطَعَ نِظَامُ اَلْمُسْلِمِينَ أقول : العنوان كلّه مأخوذ من ( الطبري ) 2 في رواية سيفه ، التي إمّا مصنوعة كلا و إمّا مدخولة منه ، كما أخذ منه عنوان قبله « قيل له عليه السّلام : لو عاقبت قوما ممّن اجلب على عثمان » كما مر في فصل عثمان ، و مر ثمة شرح مقدار من افتعالاته و تصرفاته ، و مر بعضها في 3 من هذا الفصل .

و روايته هنا هكذا : « استأذن طلحة و الزبير عليّا في العمرة فأذن لهما ،

-----------
( 1 ) الطبقات الكبرى 2 : 27 28 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبريّ 4 : 444 ، سنة 36 .

[ 41 ]

فلحقا بمكّة ، و أحبّ أهل المدينة أن يعلموا ما رأي عليّ في معاوية و انتقاضه ،

ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة ، أ يجسر عليه أو ينكل عنه ؟ و قد بلغهم أنّ الحسن دخل عليه و دعاه إلى القعود و ترك النّاس إلى أن قال و دعا عليّ ابن الحنفية فدفع إليه اللواء ، و ولّى ابن عبّاس ميمنته و عمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان ميسرته ، و أبا ليلى ابن أخي ابن عبيدة مقدمته ، و استخلف على المدينة قثم بن عبّاس ، و لم يولّ ممّن خرج على عثمان أحدا ، و كتب إلى قيس بن سعد و إلى عثمان بن حنيف و إلى أبي موسى أن يندبوا النّاس إلى الشام ،

و دعا أهل المدينة إلى قتال أهل الفرقة ، و قال : « إنّ اللّه بعث رسولا هاديا مهديا ،

بكتاب ناطق ، و أمر قائم واضح ، لا يهلك عنه إلاّ هالك . و إنّ المبتدعات و الشبهات هنّ المهلكات إلاّ من حفظ اللّه ، و إنّ في سلطان اللّه عصمة أمركم ،

فأعطوه طاعتكم غير ملوية و لا مستكره بها ، و اللّه لتفعلن أو لينقلن اللّه عنكم سلطان الإسلام ، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر إليها . انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يفرّقون جماعتكم ، لعل اللّه يصلح بكم ما أفسد أهل الافاق ،

و تقضون الذي عليكم » .

فبيناهم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكّة بنحو آخر و تمام على خلاف ،

فقام فيهم بذلك ، فقال : « إنّ اللّه جعل لظالم هذه الأمّة العفو و المغفرة ، و جعل لمن لزم الأمر و استقام الفوز و النجاة ، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل . ألا و إنّ طلحة و الزبير و امّ المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي ، و دعوا النّاس إلى الاصلاح ، و سأصبر ما لم أخف على جماعتكم . و أكفّ إن كفّوا و أقتصر على ما بلغني منهم » .

ثمّ أتاه أنّهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس و الإصلاح ، فتعبّى للخروج إليهم و قال : إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين ، و ما كان عليهم

[ 42 ]

في المقام فينا مؤنة و لا إكراه . فاشتدّ على أهل المدينة الأمر فتثاقلوا ، فبعثت إلى عبد اللّه بن عمر كميلا النخعي فجاء به إلى أن قال : فرجع ابن عمر إلى المدينة و هم يقولون : لا و اللّه ما ندري كيف نصنع ، فإنّ هذا الأمر مشتبه علينا ،

و نحن مقيمون حتّى يضي‏ء لنا و يسفر . فخرج تحت ليلته و أخبر ام كلثوم بنت علي بالذي سمع من أهل المدينة ، و إنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة عليّ ما خلا النهوض ، و كان صدوقا ، فاستقرّ عندها ، و أصبح عليّ فقيل له : حدث البارحة حدث هو أشدّ عليك من طلحة و الزبير و ام المؤمنين و معاوية . قال :

و ما ذلك ؟ قال : خرج ابن عمر إلى الشام ، فأتى على السوق و دعا بالظهر ، فحمل الرجال و أعد لكل طريق طلابا و ماج أهل المدينة ، و سمعت ام كلثوم بالذي هو فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثم أتت عليّا و هو واقف في السوق يفرّق الرجال في طلبه ، فقالت : مالك لا تزند من هذا الرجل ؟ إنّ الأمر على خلاف ما بلغته و حدثته ، أنا ضامنة له . فطابت نفسه و قال : انصرفوا ، لا و اللّه ما كذبت و لا كذب ، و إنّه عندي ثقة 1 .

فمن أكاذيبه : أنّه عليه السّلام لم يولّ أحدا ممّن خرج على عثمان ، ألم يولّ محمّد بن أبي بكر و الأشتر و هما ممّن خرج عليه قطعا .

و منها قوله : إنّ الحسن دخل عليه و دعاه إلى القعود ، فقد عرفت كون ما نسب إليه عليه السّلام خلاف العقل .

و منها قوله : كتب إلى قيس و عثمان بن حنيف و أبي موسى أن يندبوا النّاس إلى الشام ، و إنّ ابن حنيف كان مبتلى بطلحة و الزبير ، و أبو موسى إنّما كتب إليه بندب أهل الكوفة إلى البصرة ، و كان عليه السّلام يومئذ مشغولا بالبصرة فما يكتب إلى قيس .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 444 446 ، سنة 36 ، و النقل بتصرّف و تلخيص .

[ 43 ]

و منها : ما نسبه إليه عليه السّلام « ان اللّه جعل لظالم هذه الامّة العفو و المغفرة » ،

هل اللّه ابن عمّ ظلمة هذه الامّة حتى يجعل لهم العفو و المغفرة ؟ و سيجزي اللّه المفترين . إلا أن أئمته و أشياعهم لمّا كانوا ظلمة ، لا بد أن يقول ذلك حتّى يصحّ ايتمامه بهم .

و منها : قوله و هو مضحك انّه عليه السّلام قال : إنّ طلحة و الزبير و امهم دعوا النّاس إلى الإصلاح . فيقال له : الإصلاح بين من و من ؟ و إذا كانوا أرادوا الاصلاح فلا بد أنّه عليه السّلام أراد الإفساد قبّح اللّه هذا الرجل ما يدري ما يقول و كذلك قوله : « ثمّ أتاه أنّهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس و الإصلاح » . فهل كان أهل المدينة نسناسا فأرادوا أن يخرجوا إلى البصرة حتّى يروا النّاس ؟ و منها قوله : « إنّ أهل المدينة قالوا إنّ الأمر مشتبه علينا و نحن مقيمون حتى يضي‏ء لنا » . فإنّه إنّما تخلّف عنه باتفاق السير سعد و ابن عمر و محمّد بن مسلمة و المغيرة معتذرين أنّ الأمر مشتبه علينا ، و أمّا باقي النّاس فبايعوه شوقا و عاونوه طوعا .

و منها : قوله « قيل له عليه السّلام حدث حادث أشدّ عليك من طلحة و الزبير و عايشة و معاوية » فأي سفيه كان يتوهم ذلك ؟ فإنّ الرجل لم يكن له قابلية أصلا ، و لذا زجر عمر من قال له : لم لا تجعله ولي عهدك ؟ و إنّما قال عليه السّلام لعمّار ،

لمّا دعاه و اعتذر : « دعه فإنّه ضعيف » .

و أين هو من طلحة و الزبير و كانا يعدّان أنفسهما فوق عمر ؟ و أين وجاهته عند النّاس من عايشة ؟ و أين هو من معاوية الذي كان في الدهاء آية و كان ذا سلطان ، كان بيده الشام و كانوا يعبدونه ؟ و من المضحك أنه بدل قوله عليه السّلام في ابن عمر بكونه ضعيفا بقوله ثقة .

و منها : قوله إنّ امّ كلثوم دعت ببغلتها ، فوضع هذا في مقابل ركوب

[ 44 ]

عايشة بغلتها لمنع دفن الحسن عليه السّلام عند جدّه . و حينئذ فأي عبرة تبقى بما فيه ؟ و الكذّاب لا يصدق ، إلاّ إذا كان شاهد على صدقه ، و الدخيل لا يروج إلاّ أن يستخرج غشّه . و الرضي رضى اللّه عنه فعل ذلك هنا فأسقط قوله : « إنّ اللّه جعل لظالم هذه الامّة العفو و المغفرة » . و أسقط قوله : « و دعوا النّاس إلى الإصلاح » .

قوله : « و إنّ المبدعات المشبهات » أي : بالسنن .

« من المهلكات » لأنّ الإنسان يغتر بها .

« إلاّ ما حفظ اللّه منها » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و لفظة ( منها ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن ميثم ) 2 ، و كذا في ( المستند ) ، و منه يظهر أنّ وجودها في نسخة من ( ابن أبي الحديد ) غير صحيحة 3 .

« و إن في سلطان اللّه عصمة » أي : حفظ .

« لأمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوّمة » هكذا في ( المصرية ) 4 ، و قال ( ابن ميثم ) و في نسخة ( ملوية ) 5 ، و هو الأنسب مع أنّه كذا في ( المستند ) .

« و اللّه لتفعلن أو لينقلن عنكم سلطان الإسلام ، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر » أي : يجتمع و ينضمّ ، يقال : « أرزت الحيّة إلى حجرها » .

و قال الشاعر :

و قد أرزت من بردهنّ الأنامل

« إلى غيركم » قال ابن أبي الحديد : فإن قيل : كيف لم يعد إليهم و قد عاد بالخلافة العباسية ؟ قلت : لأن الشرط و هو عدم الطاعة لم يقع . و قال قوم :

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 2 : 99 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 324 عند شرح فقرات الخطبة .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 295 .

-----------
( 4 ) نهج البلاغة 2 : 99 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 3 : 325 .

[ 45 ]

خاطب الشيعة الطالبيّة فقال : إن لم تعطوني الطاعة المحضة نقل الخلافة عن هذا البيت حتّى ينضمّ إلى بيت آخر البيت العباسي 1 .

قلت : عنده عليه السّلام العبّاسية مع الاموية سواء كالتيميّة و العدوية ، و الظاهر من السياق نقل سلطان الإسلام إلى غير المسلمين لقوله : « أو لينقلنّ سلطان الإسلام عنكم ثم لا ينقله إليكم أبدا » .

فالظاهر كونه إشارة إلى الدولة الهلاكوية استأصلت الخلافة العباسية ،

و ختم اسم الخلافة من العامّة ، فإنّهم قبلها يدّعون كون سلطنتهم الخلافة الإسلاميّة .

كما أنّ الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السّلام : « حتّى يأرز الأمر إلى غيركم » قيام المهديّ عليه السّلام و دولة أهل بيته ، فإنّ أهل بيته عليهم السّلام كانوا من غير المخاطبين لاختلاف عقيدتهم معهم بأنّهم لمّا كانوا أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يجب أن يكونوا خلفاءه ، كما هو مقتضى العقل و جرت عليه الشرايع ذريّة بعضها من بعض . . . 2 .

هذا و من روايات سيف المجعولة : أنّ عليّا خرج من المدينة في تعبيته التي تعبّا بها إلى الشام ، لمّا بلغه إرادة طلحة و الزبير الخروج إلى البصرة ،

يرجو أن يدركهم فيحول بينهم و بين الخروج ، فلقيه عبد اللّه بن سلام فأخذ بعنانه و قال : لا تخرج منها فو اللّه لئن خرجت منها لا ترجع إليها و لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا . فسبّوه ، فقال : دعوا الرجل ، فنعم الرجل من أصحاب محمّد 3 .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 296 297 .

-----------
( 2 ) آل عمران : 34 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبريّ 4 : 455 ، سنة 36 .

[ 46 ]