7

الكتاب ( 57 ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيِّي هَذَا إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِياً وَ إِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ وَ إِنِّي أُذَكِّرُ اَللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي وَ إِنْ كُنْتُ مُسِيئاً اِسْتَعْتَبَنِي أقول : روى هذا الكتاب أبو مخنف في ( جمله ) ، و قد نقله ( ابن أبي الحديد ) في شرح كتابه الأوّل ، روى : أنّه عليه السّلام لمّا نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة إلى أبي موسى ، فتوعده أبو موسى ، فكتب هاشم إليه عليه السّلام بذلك ، فبعث عليه السّلام ابن عبّاس و محمّد بن أبي بكر إلى أبي موسى فأبطآ عنه عليه السّلام ، فرحل عن الربذة إلى ذي قار و بعث منها الحسن عليه السّلام و عمّارا و زيد بن صوحان و قيس بن سعد بن عبادة ، و كتب معهم هذا الكتاب . و لقد حكى مضمونه الحسن عليه السّلام و عمّار لأهل الكوفة 2 .

ففي ( الطبري ) : أنّه عليه السّلام كتب مع الحسن و عمّار إلى أبي موسى باعتزاله ، و ولاية قرظة بن كعب مكانه ، و لمّا دخل الحسن عليه السّلام و عمّار مسجد الكوفة قالا : أيّها النّاس إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : إنّي خرجت مخرجي هذا ظالما أو مظلوما ، و إنّي اذكّر اللّه رجلا دعي للّه حقا إلاّ نفر ، فإن كنت مظلوما

-----------
( 1 ) وقعة صفّين : 4 5 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 14 : 9 11 .

[ 64 ]

أعانني ، و إن كنت ظالما أخذ منّي . و اللّه إن طلحة و الزبير لأول من بايعني و أوّل من غدر ، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما ؟ فانفروا ، فمروا بمعروف ، و انهوا عن منكر 1 .

و إنّما كتب عليه السّلام إلى أهل الكوفة هذا الكتاب لأن أبا موسى كان يأمرهم بالتقاعد ، و يقول لهم : « هذه فتنة صماء ، النائم فيها خير من اليقظان ، و اليقظان خير من القاعد ، و القاعد خير من القائم ، و القائم خير من الراكب . اغمدوا سيوفكم و انصلوا أسنّتكم ، و اقطعوا أوتار قسيّكم حتّى يلتئم هذا الأمر ،

و تنجلي هذه الفتنة . و إنّي سمعت ذلك من النّبيّ » 2 .

قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة » قد عرفت من خبر أبي مخنف أنّه كان من ذي قار .

قوله : « أمّا بعد فإنّي خرجت من حيي هذا » هكذا في ( المصرية ) 3 و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 4 : « عن حيي هذا » . ثم « حيي » في كل النسخ ، قال ابن أبي الحديد : معناه منزلي 5 . و قال ابن ميثم : قبيلتي 6 .

و أقول : « من حيي » أو « عن حيي » تصحيف من الرضي رضي اللّه عنه ، و الأصل ( مخرجي ) . فمستنده ، و هو كتاب أبي مخنف « فاني خرجت مخرجي هذا » 7 .

و مرّ أيضا : نقل الحسن عليه السّلام و عمّار رضى اللّه عنه كلامه عليه السّلام لأهل الكوفة بلفظ

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 500 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه 4 : 486 487 ، سنة 36 .

-----------
( 3 ) نهج البلاغة 3 : 125 .

-----------
( 4 ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد 17 : 140 ، و لكن في شرح ابن ميثم 5 : 193 : من حيّي أيضا .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 17 : 140 .

-----------
( 6 ) شرح ابن ميثم 5 : 193 .

-----------
( 7 ) شرح ابن أبي الحديد 14 : 11 .

[ 65 ]

( مخرجي ) و لا يخفى قربهما خطأ فاشتبه عليه .

« امّا ظالما و امّا مظلوما ، و امّا باغيا و امّا مبغيا عليه » فإن من خرج لقتال لا بد أن يكون من أحدهما .

« و إنّي » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و الصواب : ( و انا ) ، كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 2 و الخطية ) .

« اذكّر اللّه » اللّه مفعول ثان قدّم للأهميّة .

« من » مفعول أوّل .

« بلغه كتابي هذا لما » قال ابن أبي الحديد : « لمّا » بمعنى إلاّ كقوله تعالى :

إن كل نفس لمّا عليها حافظ 3 ، و قال 4 ابن ميثم : لمّا مشددة بمعنى إلاّ و مخففة ، و ( ما ) زائدة دخل عليها لام التأكيد أي : لينفرن إليّ 5 .

قلت : كون لمّا بمعنى إلاّ إن ثبت ، شرطه تقدّم ( ان ) نفي و ليس في كلامه عليه السّلام فتعيّن الثاني .

« نفر » أي : شخص .

« إليّ فإن كنت محسنا أعانني » و روى الطبري عن محمّد بن الحنفية قال :

أقبلنا من المدينة بسبعمائة رجل ، و خرج إلينا من الكوفة سبعة آلاف ، و انضمّ إلينا من حولنا ألفان ، أكثرهم بكر بن وائل و يقال ستة آلاف 6 .

و عن أبي الطفيل قال عليّ عليه السّلام : يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 3 : 125 .

-----------
( 2 ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد 17 : 140 ، و لكن في شرح ابن ميثم 5 : 193 : و إنّي أيضا .

-----------
( 3 ) الطارق : 4 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 17 : 140 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 5 : 193 .

-----------
( 6 ) تاريخ الطبري 4 : 506 ، سنة 36 .

[ 66 ]

و رجل ، فقعدت على نجفة ذي قار ، فأحصيتهم فما زادوا رجلا و لا نقصوا رجلا 1 .

« و إن كنت مسيئا استعتبني » أي : طلب رجوعي .

في ( خلفاء ابن قتيبة ) : قال عمّار لأهل الكوفة : أيّها النّاس إنّ أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين ، و ما صدق فيما قال و ما رضي اللّه عن عباده بما قال ، قال عزّ و جل : و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل و أقسطوا إنّ اللّه يحب المقسطين 2 . و قال تعالى : و قاتلوهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه للّه . . . 3 ، فلم يرض من عباده بما ذكره أبو موسى ، من أن يجلسوا في بيوتهم و يخلّوا النّاس فيسفك بعضهم دماء بعض ، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين و اسمعوا من حججهم و انظروا من أولى بالنصر فاتّبعوه ، فإن أصلح اللّه أمرهم رجعتم مأجورين ، و قد قضيتم حق اللّه ، و إن بغى بعضهم على بعض ،

نظرتم إلى الفئة الباغية فقاتلتموها حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه كما أمركم اللّه و افترض عليكم 4 .

و روى ( جمل أبي مخنف ) : أنّ عمّارا قال لأبي موسى : أما إنّي أشهد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمر عليّا بقتال النّاس ، و سمّى له فيهم من سمّى ، و أمرهم بقتال القاسطين و إن شئت لأقيمن لك شهودا يشهدون أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّما نهاك

-----------
( 1 ) المصدر نفسه 4 : 500 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) الحجرات : 9 .

-----------
( 3 ) الأنفال : 39 .

-----------
( 4 ) الإمامة و السياسة 1 : 66 .

[ 67 ]

وحدك و حذّرك من الدخول في الفتنة 1 .

قلت : و نهي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأبي موسى وحده ، كما نقله عمّار من آيات نبوّته ، فأبو موسى صار منشأ لفتنتين ، الاولى فتنة تثبيطه النّاس عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، فهو كان متفرّدا في ذلك ، فعبد اللّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص و محمّد بن مسلمة و المغيرة بن شعبة اعتزلوه عليه السّلام و اعتزلوا غيره و لم يثبطوا النّاس مثل أبي موسى عنه عليه السّلام .

و قد أشار إلى ذلك زيد بن صوحان و كان من الجلال بمكان اعترفت به عايشة مع كونها مبغضة لشيعة أمير المؤمنين عليه السّلام مثله 2 .

ففي ( الطبري ) : لمّا أمر أبو موسى النّاس بالتثبيط ، قام إليه زيد بن صوحان و شال يده المقطوعة و أومى إلى أبي موسى و تلا : ألم أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين 3 ثم نادى : سيروا إلى أمير المؤمنين صراط سيّد المرسلين ، و انفروا إليه أجمعين 4 .

و الثانية : فتنة حكميته و خبطه في ذلك أيضا واضح لا يحتاج إلى بيان .

و قد رد على أبي موسى غير عمّار و زيد عبد خير الخيواني ، ففي ( الطبري ) : أنّه قال لأبي موسى : أخبرني عن هذين الرجلين ألم يبايعا عليّا عليه السّلام ؟ قال : بلى . قال : أفأحدث عليّ عليه السّلام حدثا يحل به نقض بيعته ؟ قال : لا أدري ، قال : لا دريت و لا أتيت ، إذا كنت لا تدري فنحن تاركوك حتّى تدري ،

أخبرني هل تعلم أحدا خارجا عن هذه الفرق الأربع عليّ بظهر الكوفة و طلحة

-----------
( 1 ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 14 : 15 .

-----------
( 2 ) انظر الجمل للمفيد : 51 ، 248 ، 251 ، 431 ، و أماليه : 217 218 .

-----------
( 3 ) العنكبوت : 1 3 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 4 : 484 ، سنة 36 .

[ 68 ]

و الزبير . البصرة و معاوية بالشام و فرقة رابعة بالحجاز قعود لا يجبى بهم في‏ء و لا يقاتل بهم عدوّ ؟ قال أبو موسى : أولئك خير النّاس ، فقال له عبد خير :

اسكت يا أبا موسى فقد غلب عليك غشّك 1 .