10

الخطبة ( 156 ) و من كلام له عليه السّلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم :

فَمَنِ اِسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ عَلَى سَبِيلِ اَلْجَنَّةِ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ وَ أَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ اَلنِّسَاءِ وَ ضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ اَلْقَيْنِ وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَ لَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا اَلْأُولَى وَ اَلْحِسَابُ عَلَى اَللَّهِ قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام خاطب به » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) 1 ، و لكن في ( ابن ميثم ) : ( و من خطبة له عليه السّلام خاطب بها ) 2 .

« أهل البصرة » بعد فتحها .

« و على جهة اقتصاص الملاحم » جمع الملحمة : الوقعة العظيمة في الفتن ، و يمكن أن يريد عليه السّلام ملاحم عصره من معاوية و أتباعه و ملاحم بعده .

قوله عليه السّلام :

« فمن استطاع عند ذلك » أي : وقوع ملحمة اقتصها عليه السّلام لهم .

« أن يعتقل » أي : يحبس .

« نفسه على اللّه فليفعل » فقد قال تعالى : . . . و من يتق اللّه يجعل له مخرجا ، و يرزقه من حيث لا يحتسب . . . 3 .

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 2 : 62 ، شرح ابن أبي الحديد 9 : 189 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 258 .

-----------
( 3 ) الطلاق : 2 3 .

[ 95 ]

« فإن أطعمتوني فإنّي حاملكم إن شاء اللّه على سبيل الجنّة » سبيلها : العمل بالحق ، و معلوم من حاله عليه السّلام أيّام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أيّام المتقدمين عليه و أيّامه التزامه بالعمل بالحق و حمل النّاس عليه .

و قد كان أعداؤه معترفين بذلك ، ففي ( الخلفاء ) : قال عمر يوم الشورى له عليه السّلام و إنّك أحرى القوم ، إن وليتها تقيم على الحق المبين و الصراط المستقيم .

و في ( الطبريّ ) : لمّا بلغ عمرو بن العاص و هو بوادي السباع قتل عثمان ،

قال : و إن يل الأمر بعده ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنظف الحقّ ، و هو أكره من يليه إليّ 1 .

« و إن كان » أي : سبيل الجنّة .

« ذا مشقّة شديدة و مذاقة مريرة » أي : مرّة « لأنّ الجنّة حفّت بالمكاره ، كما أنّ النار حفّت بالشهوات » 2 ، و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى . فإنّ الجنّة هي المأوى 3 .

« و أمّا فلانة » هي بنت فلان الذي قال عليه السّلام فيه : « أما و اللّه لقد تقمصها فلان و إنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى » 4 .

« فأدركها رأي النساء » و في ( ابن أبي الحديد ) 5 : ضعف رأي النساء .

في ( الخلفاء ) : أنكر عليّ عليه السّلام على طلحة إخراجه بعائشة ، فقال طلحة : إنّها إنّما جاءت للإصلاح . فقال عليّ عليه السّلام : هي لعمر اللّه إلى من يصلح

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 560 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) مأخوذ من نهج البلاغة 2 : 110 ، الخطبة 176 .

-----------
( 3 ) النازعات : 40 41 .

-----------
( 4 ) نهج البلاغة 1 : 25 الخطبة 3 .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 192 .

[ 96 ]

لها أمرها أحوج 1 .

و في ( جمل المفيد ) : روى الواقدي عن الحسن البصريّ قال : أقبل أبو بكرة يريد أن يدخل مع طلحة و الزبير في أمرهما ، فلمّا رأى أنّ عايشة تدبرهما رجع عنهما فقيل له : مالك لم تدخل ؟ قال : رأيت امرأة تلي أمرهما ، و قد سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد ذكر ملكة سبأ يقول : « لا أفلح قوم تدبر أمرهم امرأة » فكرهت الدخول معهما 2 .

و قال ابن أبي الحديد في شرح ( و من كلام له عليه السّلام عند ذكر السائرين إلى البصرة ) : في ( غريب حديث ابن قتيبة ) : في حديث حذيفة ذكر خروج عائشة قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : تقاتل معها مضر مضرها اللّه في النار و أزر عمان سلت اللّه أقدامها ، و إنّ قيسا لا تنفك تبغي دين اللّه شرّا حتى يركبها اللّه بالملائكة فلا يمحو ذنب تلعة .

و هذا الحديث من أعلام نبوّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، لأنّه إخبار عن غيب تلقاه حذيفة قبل الجمل ، و هذا الحديث يؤكد مذهب أصحابنا في فسق أهل الجمل ، إلاّ من ثبت توبته و هم الثلاثة 3 .

قلت : لو كان قال بثبوت عدم توبتهم كان أقرب إلى الحقّ و الواقع .

و في ( العقد ) : دخلت امّ أو فى العبدية بعد الجمل على عائشة فقالت : يا امّ المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ؟ قالت : وجبت لها النار .

قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا في صعيد واحد . قالت : خذوا بيد عدوّة اللّه . و ماتت عايشة في أيّام معاوية ، و قد قاربت

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 75 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 297 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 121 122 .

[ 97 ]

السبعين و قيل لها تدفنين مع النّبيّ ، فقالت : إنّي أحدثت بعده حدثا فادفنوني مع إخوتي بالبقيع .

و قد كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لها : يا حميرا كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب ،

تقاتلين عليّا و أنت له ظالمة .

و الحوأب : قرية في طريق المدينة إلى البصرة ، و بعض النّاس يسمّونها الحوب ، و قد زعموا أنّ الحوأب ماء في طريق البصرة ، قال في ذلك بعض الشيعة :

إنّي ادين بحبّ آل محمّد
و بني الوصيّ شهودهم و الغيّب

و أنا البري‏ء من الزبير و طلحة
و من التي نبحت كلاب الحوأب 1

و في ( فصول المرتضى ) المنتخبة من ( محاسن المفيد ) : مرّ فضّال بن الحسن بن فضّال الكوفي بأبي حنيفة و هو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه و حديثه فقال فضّال لصاحب كان معه : و اللّه لا أبرح أو اخجل أبا حنيفة .

فقال صاحبه : إنّ أبا حنيفة ممّن قد علت حاله و ظهرت حجّته . فقال : مه هل رأيت حجّة كافر علت على مؤمن . ثم دنا منه فسلّم عليه و قال له : إنّ لي أخا يقول خير النّاس بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّ ، و أنا أقول : أبو بكر ثم عمر ، فما تقول أنت ؟ فأطرق مليا ، ثمّ رفع رأسه و قال : كفى بمكانهما من النّبيّ كرما و فخرا ،

أما علمت انّهما ضجيعاه في قبره ، فأي حجّة أوضح لك من هذا ؟ فقال فضال :

قد قلت ذلك لأخي ، فقال : و اللّه إن كان الموضع للنّبي صلّى اللّه عليه و آله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حقّ ، و إن كان الموضع لهما فوهباه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقد أساءا و ما أحسنا إذ رجعا في هبتهما و نكثا عهدهما فأطرق

-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 79 .

[ 98 ]

أبو حنيفة ساعة . ثم قال : قل له لم يكن لهما و لا له خاصّة ، و لكنّهما نظرا في حق عايشة و حفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما .

فقال له فضال : قد قلت ذلك له ، فقال : أنت تعلم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات عن تسع حشايا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن ، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر ، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟ و بعد فما بال عايشة و حفصة ترثان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و فاطمة ابنته عليها السّلام تمنع الميراث ؟ فقال أبو حنيفة :

يا قوم نحّوه فإنّه رافضيّ خبيث 1 .

قلت : و الغريب « أنّ عمر لمّا طعن بعث إلى عايشة يستأذن منها في دفنه مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله 2 ، فلم لم يستأذن ابنته حفصة كما قال أبو حنيفة ؟ لكنّه أراد أن يجرئها و يعرّفها مالكة للبيت ، حتّى تمنع دفن بني هاشم فيه ، كما منعت من دفن الحسن عليه السّلام فيه .

ففي ( مقاتل أبي الفرج ) : قال يحيى بن الحسن : سمعت عليّ بن طاهر بن زيد يقول لمّا أرادوا دفن الحسن بن عليّ عليه السّلام : ركبت عايشة بغلا و استعونت بني اميّة و مروان و من كان هناك منهم و من حشمهم ، و هو قول القائل :

فيوما على بغل و يوما على جمل 3

و في ( تاريخ اليعقوبي ) : في دفن الحسن عليه السّلام قيل : أنّ عايشة ركبت بغلة شهباء و قالت : بيتي لا آذن فيه لأحد ، فأتاها القاسم بن محمّد بن أبي بكر فقال لها : يا عمّة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء 4 .

-----------
( 1 ) فصول المرتضى : 74 ، الاحتجاج 2 : 382 .

-----------
( 2 ) نقله ابن سعد في الطبقات 3 : 363 .

-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 49 .

-----------
( 4 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 225 .

[ 99 ]

و في ( الكافي ) بأسانيد عن أبي جعفر عليه السّلام : لمّا احتضر الحسن عليه السّلام قال لأخيه عليه السّلام : اوصيك بوصيّة فأحفظها ، إذا مت هيئني ثم وجّهني إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأحدث به عهدا ، ثم اصرفني إلى امّي ، ثم ردني فادفنّي بالبقيع ،

و اعلم أنّه سيصيبني من الحمراء ما يعلم النّاس من ضغنها و عداوتها للّه و رسوله و عداوتها لنا أهل البيت .

فلمّا قبض الحسن عليه السّلام وضع على سريره ، و انطلقوا به إلى مصلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الذي كان يصلّي فيه على الجنائز ، فصلّوا على الحسن عليه السّلام ، ثمّ حمل فلمّا أوقف على قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بلغ عايشة الخبر ، و قيل لها : إنّهم أقبلوا به ليدفن مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فخرجت مبادرة على بغل بسرج . فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجا ، فوقفت و قالت : نحّوا ابنكم عن بيتي ، فإنّه لا يدفن فيه و لا يهتك على النّبيّ حجابه . فقال لها الحسين عليه السّلام : قديما هتكت أنت و أبوك حجاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و أدخلت بيته من لا يحبّ قربه و إنّ اللّه يسألك عن ذلك ، يا عائشة إنّ أخي أمرني أن اقرّبه من أبيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليحدث به عهدا ،

و اعلمي أنّ أخي أعلم النّاس باللّه و رسوله ، و أعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على النّبيّ سرّه و إنّ اللّه تعالى يقول :

يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم . . . 1 ، و قد أدخلت أنت بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الرجال بغير إذنه ، و قد قال تعالى : يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ . . . 2 ، و لعمري لقد ضربت أنت لأبيك و فاروقه عند اذن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المعاول . و قال تعالى : إنّ الذين يغضون

-----------
( 1 ) الأحزاب : 53 .

-----------
( 2 ) الحجرات : 2 .

[ 100 ]

أصواتهم عند رسول اللّه اولئك الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى . . . 1 و لعمري لقد أدخل أبوك و فاروقه على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقربهما منه الأذى و ما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه به على لسان رسوله ان اللّه حرّم من المؤمنين امواتا ، ما حرّم منهم أحياء . و تاللّه يا عايشة لو كان هذا الذي كرهته من دفن الحسن عليه السّلام عند أبيه جائزا فيما بيننا و بين اللّه تعالى ، لعلمت أنّه سيدفن و إن رغم معطسك .

ثم تكلم محمّد بن الحنفية و قال : يا عايشة يوما على بغل و يوما على جمل ، فما تملكين نفسك عداوة لبني هاشم . . . 2 .

و في ( أمالي الشيخ ) بأسانيد عن ابن عبّاس في وصية الحسن عليه السّلام و دفنه إلى أن قال قال ابن عبّاس : فإذا أنا بعايشة في أربعين راكبا على بغل مرحل تقدمهم و تأمرهم بالقتال ، فلمّا رأتني قالت : إليّ إليّ يا بن عبّاس ، لقد اجترأتم عليّ في الدّنيا تؤذونني مرّة بعد اخرى ، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى و لا احبّ . فقلت : و اسوأتاه يوم على بغل و يوم على جمل ، تريدين أن تطفئي نور اللّه و تقاتلي أولياء اللّه ، و تحولي بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين حبيبه أن يدفن معه ارجعي فقد كفى اللّه المؤونة ، و دفن الحسن إلى جنب امّه ، فلم يزدد من اللّه إلاّ قربا و ما ازددتم منه و اللّه إلاّ بعدا . يا سوأتاه انصرفي فقد رأيت ما سرّك .

فقطبت في وجهي و نادت بأعلى صوتها : ما نسيتم الجمل يا بن عبّاس إنّكم لذووا أحقاد فقلت : أم و اللّه ما نسيه أهل السماء فكيف ينساه أهل الأرض .

فانصرفت و هي تقول :

-----------
( 1 ) الحجرات : 3 .

-----------
( 2 ) الكافي 1 : 302 303 ، الإرشاد 2 : 17 19 ، شرح ابن أبي الحديد 16 : 49 .

[ 101 ]

فألقت عصاها و استقرّت بها النوى
كما قرّ عينا بالإياب المسافر 1

و في ( المروج ) : رئي بالبصرة رجل مصطلم الاذن ، فسئل عن قصّته ،

فذكر أنّه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه و يرفعه و هو يقول :

لقد أوردتنا حومة الموت امّنا
فلم تنصرف إلاّ و نحن رواء

أطعنا بني تيم لشقوة جدنا
و ما تيم إلاّ أعبد و إماء

فقلت : سبحان اللّه لو تتشهد بدل ذلك كان خيرا لك . فصاح بي : ادن منّي لقنّي الشهادة . فصرت إليه ، فلمّا قربت منه استدناني ثم التقم اذني فذهب بها ،

فجعلت ألعنه فقال : إذا صرت إلى امك فقالت : من فعل بك هذا ؟ فقل : عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أميرة المؤمنين 2 .

و إخواننا افتعلوا لامّهم روايات و ما تغني عنها ، و قد تحقّق أنّه نزل في ذمّها آيات . قال بعض الشيعة مشيرا إلى ما ذكرت العامّة لها ، أنّها حفظت أربعين ألف حديث ، و لكن نست قوله تعالى : و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهليّة الاولى . . . 3 .

حفظت أربعين ألف حديثا
و من الذكر آية تنساها

و من الآيات التي قلنا قوله تعالى : . . . و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن . . . 4 .

روى الثعلبي كما في ( غبن العترة ) أنّها نزلت في عايشة و حفصة ،

سخرتا من ام سلمة ، و ذلك أنّ ام سلمة ربطت حقويها بسبيبة و هي ثوب

-----------
( 1 ) أمالي الطوسي 1 : 159 162 ، بحار الأنوار 44 : 151 153 .

-----------
( 2 ) مروج الذهب 2 : 379 .

-----------
( 3 ) الأحزاب : 33 .

-----------
( 4 ) الحجرات : 11 .

[ 102 ]

أبيض و كان سللت طرفها خلفها فكانت تجرّه . فقالت عايشة لحفصة : انظري ما تجر خلفها كأنّه لسان كلب . إلاّ انّهما كانتا تسخران النّبيّ كما يأتي فكيف تباليان من مسخرة امّ سلمة 1 .

الثانية : قوله تعالى : . . . لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك . . . 2 .

ففي ( الكشاف ) : روى أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش ، فتواطأت عايشة و حفصة فقالتا له : إنّا نشم منك ريح المغافير فحرّم العسل ، فنزلت الآية 3 .

و روى الحميدي في ( الجمع بين الصحيحين ) : عن عائشة قالت : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا ، فآليت أنا و حفصة أن أيّنا دخل النّبيّ عليها تقول له : انّي أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير إلى أن قال فقال صلّى اللّه عليه و آله لها : بل شربت عسلا عند زينب و لن أعود ،

فنزلت : لم تحرم ما أحل اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك 4 .

الثالثة : قوله تعالى : إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما و إن تظاهرا عليه فإن اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير 5 .

قال في ( الكشاف ) : خطاب لحفصة و عايشة على طريقة الالتفات ليكون

-----------
( 1 ) مجمع البيان للطبري 9 : 135 و كذلك بحار الأنوار للمجلسي 22 : 228 باب 4 .

-----------
( 2 ) التحريم : 1 .

-----------
( 3 ) الكشّاف .

-----------
( 4 ) صحيح البخاري 6 : 167 و في صحيح مسلم حديث رقم 2694 . و الآية 1 من سورة التحريم .

-----------
( 5 ) التحريم : 4 .

[ 103 ]

أبلغ في معاتبتهما 1 .

قال : و عن ابن عبّاس : لم أزل حريصا على أن أسأل عنهما عمر ، حتّى حجّ و حججت معه ، فلمّا كان ببعض الطريق عدل و عدلت معه ، فسكبت الماء على يده فتوضأ فقلت من هما ؟ فقال : عجبا يابن عبّاس كأنّه كره ما سألته عنه ثم قال : هما حفصة و عايشة 2 .

و تدبّر في قوله تعالى : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير 3 ، حيث جعل في مقابل مظاهرة عايشة و حفصة على عداوة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله ، معاونته تعالى له ، ثم معاونة جبرئيل و صالح المؤمنين و هو أمير المؤمنين عليه السّلام له ، ثم مظاهرة ملائكته له .

قال الزمخشري : فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه 4 .

و في ( ذيل الطبريّ ) : قال أبو أسيد الساعديّ : تزوّج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أسماء ابنة النعمان الجونيّة ، و أرسلني فجئت بها ، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة : اخضبيها أنت ، و أنا امشطها ، ففعلتها ، ثم قالت إحداهما لها : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعجبه من المرأة إذا ادخلت عليه أن تقول : أعوذ باللّه منك . فلمّا ادخلت عليه و أغلق الباب و أرخى الستر و مدّ يده إليها قالت : أعوذ باللّه منك ،

فجعل كمّه على وجهه و قال : عذت معاذا ثلاث مرّات و خرج ، و قال لأبي أسيد : الحقها بأهلها ، فقالت : ادعوني الشقيّة و ماتت كمدا 5 .

-----------
( 1 ) الكشاف للزمخشري 4 : 566 ، دار الكتاب العربي ، بيروت .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه 4 : 566 .

-----------
( 3 ) التحريم : 4 .

-----------
( 4 ) الكشاف للزمخشري 4 : 566 567 .

-----------
( 5 ) ذيل المذيل من تاريخ الطبري 11 : 614 .

[ 104 ]

فتظاهرتا على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في منعه عمّا أحل اللّه له ، و تسببتا لهلاك مؤمنة .

و روى أبو مخنف و الواقدي و المدائني كما نقل ابن أبي الحديد في شرح ( و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة ) 1 أنّ عايشة كتبت إلى حفصة : أمّا بعد فإنّي اخبرك أنّ عليّا قد نزل ذاقار و أقام بها مرعوبا خائفا لمّا بلغه من عدتنا و جماعتنا ، فهو بمنزلة الأشقر إن تقدّم عقر ، و إن تأخّر نحر . فدعت حفصة جواري لها يتغنين و يضربن بالدفوف ، فأمرتهن أن يقلن في غنائهن : ( ما الخبر ، عليّ في السفر ، كالفرس الأشقر ، إن تقدّم عقر ، و إن تأخّر نحر ) ، و جعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة و يجتمعن لسماع ذلك الغناء . فبلغ ذلك امّ كلثوم بنت عليّ عليه السّلام ، فلبست جلابيبها و دخلت عليهنّ في نسوة منكرات ، ثم أسفرت عن وجهها ، فلمّا عرفتها حفصة خجلت و استرجعت ، فقالت لها امّ كلثوم : لئن تظاهرتما على أبي منذ اليوم لقد تظاهرتما على أخيه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأنزل تعالى فيكما ما أنزل 2 .

الرابعة : قوله تعالى : ضرب اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئا و قيل ادخلا النار مع الداخلين 3 .

روى إبراهيم الثقفيّ في ( تاريخه ) كما في ( تقريب الحلبيّ ) : أنّ عثمان صعد المنبر فنادته عايشة و رفعت قميص النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لقد خالفت صاحب هذا القميص . فقال عثمان : إنّ هذه الزعراء عدوّة اللّه ، ضرب اللّه مثلها و مثل

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 3 : 2 الكتاب 1 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 14 : 13 .

-----------
( 3 ) التحريم : 10 .

[ 105 ]

صاحبتها حفصة في الكتاب بامرأة نوح و امرأة لوط 1 .

و قال الزمخشريّ في ( الكشّاف ) مشيرا إلى هذه الآية و إلى الآية التي بعدها : و ضرب اللّه مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون . . . 2 ، في طيّ هذين التمثيلين تعريض بامّي المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة ، و ما فرط منهما من التظاهر على رسول اللّه بما كرهه ، و تحذير لهما على أغلظ وجه و أشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر ، و أشار إلى أنّ من حقّهما أن تكونا في الإخلاص و الكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، و ألاّ تتّكلا على أنّهما زوجا النّبيّ ، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما ، إلاّ مع كونهما مخلصتين . و التعريض بحفصة أرجح ، لأن امراة لوط أفشت عليه ، كما أفشت حفصة على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و أسرار التنزيل و رموزه في كل باب بالغة في اللطف و الخفاء حدّا يدق عن تفطّن العالم و يزل عن تبصره 3 .

قلت : نعم أسرار التنزيل كما ذكر ، إلاّ ان آيات امّي المؤمنين لهم من اعلانها لا أسرارها ، و من محكماتها لا متشابهاتها ، إلاّ أنّ المكابر لا علاج له و لو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة و كلّمهم الموتى و حشرنا عليهم كلّ شي‏ء قُبلا ما كانوا ليؤمنوا . . . 4 .

الخامسة : قوله تعالى : يا نساء النّبيّ من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا 5 ، و هل فاحشة أبين ممّا أتت به في الجمل ؟

-----------
( 1 ) تقريب المعارف ، مخطوط ، و نقل مثله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ط الكمباني ، 8 نقلا عن كشف الغمّة .

-----------
( 2 ) الزمخشري : الكشاف 4 571 ، و الآية 11 من سورة التحريم .

-----------
( 3 ) الكشاف .

-----------
( 4 ) الأنعام : 111 .

-----------
( 5 ) الأحزاب : 30 .

[ 106 ]

و في ( الطبريّ ) عن عمّار الدّهني : أخذ عليّ عليه السّلام مصحفا يوم الجمل فطاف به في أصحابه ، و قال : من يأخذ هذا المصحف و يدعوهم إلى ما فيه و هو مقتول ؟ فقام إليه فتى من أهل الكوفة عليه قباء أبيض محشوّ ، فقال : أنا ،

فأعرض عنه . ثم قال : من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه و هو مقتول ؟

فقال الفتى : أنا . فأعرض عنه . ثم قال : من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه و هو مقتول ؟ فقال الفتى : أنا . فدفعه إليه فدعاهم ، فقطعوا يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى ، فدعاهم فقطعوا يده اليسرى فأخذه بصدره و الدماء تسيل على قبائه ، فقتل . فقالت امّ الفتى :

لا همّ إنّ مسلما دعاهم
يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم

و امّهم قائمة تراهم
يأتمرون الغيّ لا تنهاهم 1

و عن الزهريّ ، قال : قال عليّ عليه السّلام لأصحابه : أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف و ما فيه ، فإن قطعت يده أخذه بيده الاخرى ، و إن قطعت أخذه بأسنانه ؟ قال فتى شاب أنا . . . 2 .

و مرّ خبر أبي مخنف بعد ذكر غدر عائشة و طلحة و الزبير بعثمان بن حنيف و أسره فلمّا ضرب ضرب الموت و نتف حاجباه و أشفار عينيه و كل شعرة في رأسه و وجهه و أخذوا السبابجة و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بابن حنيف إلى عائشة فقالت لأبان بن عثمان : اخرج إليه فاضرب عنقه ، فإنّ الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله . فنادى ابن حنيف : يا عائشة و يا طلحة و يا زبير ، إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب على المدينة ،

و اقسم باللّه أن لو قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم و رهطكم . فكفّوا عنه

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 511 512 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه 4 : 509 ، سنة 36 .

[ 107 ]

و خافوا أن يوقع سهل بأهليهم بالمدينة .

و أرسلت عائشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة ، فإنّه قد بلغني الذي صنعوا بك تعني تأخير السبابجة الزبير عن أمام الصفوف حتّى يصلّي بهم ابن حنيف فذبحهم و اللّه كما يذبح الغنم ، ولّي ذلك منهم ابن الزبير و هم سبعون رجلا .

و اللّه تعالى يقول : . . . من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا 1 ، و اخواننا يقولون : إنّ عايشة و إن أتت بما أتت من الفواحش المبيّنات إلاّ انّ عذابها عندنا عسير .

فقال الجرزي بعد نقل رجز ربيعة العقيلي من أصحابه عليه السّلام :

يا امّنا أعقّ امّ نعلم
و الامّ تغذو ولدا و ترحم

أ لا ترين كم شجاع يكلم
و تختلى منه يد و معصم

كذب ربيعة ، هي أبرّ امّ نعلم .

السادسة : قوله تعالى : و قرن في بيوتكنّ و لا تبرجن تبرج الجاهليّة الاولى . . . 2 .

و في ( الطبريّ ) : أقبل زيد بن صوحان و معه كتاب من عائشة إليه خاصّة ، و كتاب منها إلى أهل الكوفة عامة ، تثبطهم عن نصرة عليّ عليه السّلام و تأمرهم بلزوم الأرض .

فقال زيد : أيّها النّاس انظروا إلى هذه امرت أن تقرّ في بيتها ، و امرنا نحن أن نقاتل حتّى لا تكون فتنة ، فأمرتنا بما امرت به و ركبت ما امرنا به . ثم قرأ :

ألم . أ حسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون . و لقد فتنا

-----------
( 1 ) الأحزاب : 30 .

-----------
( 2 ) الأحزاب : 33 .

[ 108 ]

الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين 1 .

و في ( طبقات ابن سعد ) كاتب الواقدي : كانت عايشة تكشف قناعها حيث دفن أبوها مع النّبيّ ، فلمّا دفن عمر تقنعت فلم تطرح القناع 2 .

قلت : إذا كانت بذاك الحياء و تلك العفّة حتّى تتقنّع من ميت عمر تحت التراب ، فلم تبرجت لآلاف من أخلاط النّاس و الجنود ؟ و معلوم من حالهم ان أغلبهم فسقة و طالبوا الفجور ، و كيف لم تلاحظ طلحة يلازمها ركوبا و نزولا ،

و قد كان له فيها نظر في حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى قال : إن مات محمّد أنكح عائشة كما ينكح هو امرأة كلّ من مات منّا 3 .

و قالوا : قال ابن الجوزيّ يوما على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني ،

فسألته امرأة عمّا روي أنّ عليّا عليه السّلام سار في ليلة إلى سلمان فجهّزه و رجع ،

فقال : روي ذلك . فقالت : فعثمان طرح ثلاثة أيّام منبوذا إلى المزابل و عليّ حاضر ؟ قال : نعم . فقالت : فقد الزم الخطأ لأحدهما ، فقال لها : إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة اللّه و إلاّ فعليه . فقالت له : فعائشة خرجت إلى حرب عليّ بإذن النبيّ أو بغير إذنه ؟ فانقطع و لم يحر جوابا 4 .

السابعة : قوله تعالى : إنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدّنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم . يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون 5 .

روى كتاب الواقدي في ( طبقاته ) : عن الواقدي عن محمّد بن عبد اللّه عن

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 483 484 ، سنة 36 ، و الآيات 1 3 من سورة العنكبوت .

-----------
( 2 ) الطبقات لابن سعد 2 : 294 .

-----------
( 3 ) الطرائف 2 : 492 493 و عنه البحراني في تفسير البرهان 3 : 333 334 .

-----------
( 4 ) نقله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار 8 : 183 ، ط الكمباني .

-----------
( 5 ) النور : 23 24 .

[ 109 ]

الزهري عن عروة عن عايشة قالت : لمّا ولد إبراهيم جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليّ ،

فقال : انظري إلى شبهه بي فقلت : ما أرى شبها فقال : ألا ترين إلى بياضه و لحمه ؟ فقلت : من قصر عليه اللقاح ابيضّ و سمن 1 .

و عنه عن ابن حزم عن عروة عن عائشة مثله إلاّ أنّه قال : قالت عايشة من سقى ألبان سمن و ابيض . قال الواقدي : كانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قطعة غنم تروح عليه و لبن لقاح له . . . 2 و سيأتي زيادة كلام في نقل كلام ابن أبي الحديد .

و روى ابن حمدان الحضيني كما في ( تفسير البحرانيّ ) عن الرضا عليه السّلام : أنّ مارية لمّا أهداها المقوقس إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان معها خادم ممسوح يقال له جريح ، و حسن إسلامهما و إيمانهما ، ثمّ ملكت مارية النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فحسدها بعض أزواجه ، فأقبلت حفصة و عايشة تشكيان إلى أبويهما ميل النبيّ إلى مارية و إيثاره إيّاها عليهما ، حتّى سوّلت لهما و لأبويهما أنفسهم بأن يقذفوا مارية بأنّها حملت بإبراهيم من جريح ، و هم لا يظنّون أنّ جريحا خادم ممسوح فأقبل أبواهما و قالا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس في مسجده أنّ جريحا لا يحلّ لنا أن نكتمك من أمره و ما يظهر من خيانته شيئا ،

فقال : ما تقولان ؟ قالا : يأتي من مارية الفاحشة العظمى ، و إنّ حملها من جريح و ليس هو بخادم . فأربد وجهه و تلوّن ، ثمّ قال : ويحكما ما تقولان ؟ قالا : إنّا خلفنا جريحا و مارية في مشربتها يعنيان حجرتها و هو يفاكهها و يروم منها ما يروم الرجل من النساء ، فابعث إلى جريح فإنّك تجده على هذه الحال ،

فانفذ فيه حكم اللّه . فانثنى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام و قال : قم يا أخي ، و معك ذو الفقار حتّى تمضي إلى مشربة مارية ، فإن صادفتها و جريحا يصنعان

-----------
( 1 ) الطبقات لابن سعد 1 : 137 .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه .

[ 110 ]

فأخمدهما بسيفك ، فقام و اتّشح بسيفه و اتّخذه تحت ثيابه ، فلمّا ولّى قال : يا رسول اللّه أكون في ما أمرتني به كالسكة المحماة في العهن ، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال : بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب . فأقبل عليه السّلام سيفه في يده حتى تسوّر من فوق مشربة مارية و هي في جوف المشربة جالسة و يقول لها : عظمي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كرميه و نحو هذا الكلام حتّى التفت إليه عليه السّلام و سيفه مشهور في يده ففزع إلى نخلة في المشربة ، فصعد إلى رأسها ،

فنزل عليه السّلام إلى المشربة و كشت الريح عن أثواب جريح فاذا خادم ممسوح .

فقال له : انزل . فقال : آمنا على نفسي ؟ فقال : امنا على نفسك . فنزل فأخذ بيده و جاء به إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فقال : إنّ جريحا خادم ممسوح إلى أن قال فأنزل تعالى : ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات . . . 1 .

و في ( تفسير القمي ) : قال ابن بكير لأبي عبد اللّه عليه السّلام : جعلت فداك أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقتل القبطي ، و قد علم أنّها كذبت أو لم يعلم ، و إنّما دفع اللّه تعالى القتل عن القبطي بتثبيت عليّ عليه السّلام . . . فقال : بل كان و اللّه يعلم و لو كان عزيمة من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما انصرف عليّ عليه السّلام حتّى يقتله ، و لكن إنّما فعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك لترجع عن ذنبها ، فما رجعت و لا اشتدّ عليها قتل رجل مسلم 2 .

الثامنة : قوله تعالى : و الّذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و اولئك هم الفاسقون 3 .

روى ( العلل ) مسندا عن أبي جعفر عليه السّلام قال : أما لو قد قام قائمنا لقد

-----------
( 1 ) البرهان في تفسير القرآن 3 : 127 128 ، و قريب منه ما في تفسير القمّي 2 : 99 100 و الآية 23 من سورة النور .

-----------
( 2 ) تفسير القمّي 2 : 319 .

-----------
( 3 ) النور : 4 .

[ 111 ]

ردت إليه الحميراء حتّى يجلدها الحدّ ، و حتّى ينتقم اللّه لابنة محمّد صلّى اللّه عليه و آله فاطمة عليها السّلام . قلت له : جعلت فداك و لم يجلدها الحدّ ؟ قال : لفريتها على امّ إبراهيم 1 .

قلت : و لا يستنكر ما في الخبر ، فلا ريب أنّ عائشة رمت مارية باتّفاق الخاصّة و العامّة ، و أنّها استحقت الحدّ ، و لم يقل أحد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أجرى عليها الحد ، و لم يكن النّبيّ ليعطّل حدا من حدود اللّه على قريب و لا بعيد . فلا بد أنّ الحكمة اقتضت تأخير إجرائه على يد المهدي من ولده عليه السّلام .

و رجعة جمع في أيّام المهديّ عليه السّلام عند الإمامية قطعية .

و يناسب أن ننقل كلام شيخ ابن أبي الحديد ، يوسف بن إسماعيل اللمعانيّ ، الذي نقله عنه بعد التحقيق ، ما في الخبر من رمي عائشة لمارية و إيذائها لسيّدة نساء العالمين . و كلامه و إن كان مشتملا على الغثّ و السمين ،

لكن نشير بعد إلى ما في غشّه .

فقال : أوّل بدء الضغن كان بين عائشة و بين فاطمة ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم تزوّجها عقيب خديجة ، و معلوم أنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها و تزوّج أبوها اخرى كان بينهما كدر و شنآن ، ثم اتفق أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مال إليها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله . و أكرم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاطمة إكراما عظيما ، أكثر ممّا كان النّاس يظنّونه و أكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتّى خرج بها عن حد حبّ الآباء للأولاد ، فقال بمحضر الخاص و العام مرارا لا مرّة واحدة ، و في مقامات مختلفة لا في مقام واحد : إنّها سيّدة نساء العالمين ، و إنّها عديلة مريم بنت عمران ، و إنّها إذا مرّت في الموقف نادى مناد من جهة العرش : يا أهل الموقف غضّوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و هذا من الأحاديث الصحيحة

-----------
( 1 ) علل الشرايع 2 : 303 304 .

[ 112 ]

و ليس من الأخبار المستضعفة .

و إنّ إنكاحه عليّا إيّاها ما كان إلاّ بعد أن أنكحه اللّه تعالى إيّاها في السماء بشهادة الملائكة .

و كم قال لا مرّة : « يؤذيني ما يؤذيها ، و يغضبني ما يغضبها ، و إنّها بضعة منّي يريبني ما رابها » .

فكان هذا و أمثاله زيادة الضغن عند الزوجة ، حسب زيادة هذا التعظيم و التبجيل ، و النفوس البشرية تغيظ على ما دون هذا ، فكيف هذا ؟ ثم حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها ، أعني عليّا فإنّ النساء كثيرا ما يحصلن الاحقاد في قلوب الرجال ، لا سيّما و هنّ محدّثات الليل كما قيل في المثل .

و كانت تكثر الشكوى من عائشة ، و يغشاها نساء المدينة و جيران بيتها فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن إلى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة ، و كما كانت فاطمة تشكو إلى بعلها كذلك كانت عايشة تشكو إلى أبيها ، لعلمها أنّ بعلها لا يشكيها على ابنته فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما . ثم تزايد تقريظ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام و تقريبه و اختصاصه ، فأحدث ذلك حسدا له و غبطة في نفس أبي بكر عنه و هو أبوها ، و في نفس طلحة و هو ابن عمّها و هي تجلس إليهما و تسمع كلامهما و هما يجلسان إليها و يحادثانها ،

فأعدى إليها منهما كما أعدى إليهما .

و لست أبرّى‏ء عليّا عليه السّلام من مثل ذلك ، فإنّه كان ينفس على أبي بكر سكون النبيّ عليه السّلام إليه و ثناءه عليه ، و يحب أن ينفرد هو بهذه المزايا و الخصائص دونه و دون النّاس أجمعين ، و من انحرف عن إنسان انحرف عن أهله و أولاده ، فتأكدت البغضة بين الفريقين . ثم كان من أمر القذف ما كان ،

و لم يكن عليّ عليه السّلام من القاذفين ، و لكنّه كان من المشيرين على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله

[ 113 ]

بطلاقها ، تنزيها لعرض النبيّ عليه السّلام عن أقوال الشنأة و المنافقين .

و قال له لمّا استشاره : إن هي إلاّ شسع نعلك ، و قال له : سل الخادم و خوّفها و إن أقامت على الجحود فاضربها ، و بلغ عائشة هذا الكلام و سمعت أضعافه ممّا جرت عادة النّاس أن يتداولوه في مثل هذه الواقعة .

و نقل النساء إليها كلاما كثيرا عن عليّ و فاطمة ، و أنّهما قد أظهرا الشماتة بها جهارا و سرّا بوقوع هذه الحادثة لها ، فتفاقم الأمر و غلظ . ثم إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صالحها و رجع إليها و نزل القرآن ببراءتها ، فكان منها ما يكون من الإنسان ينتصر بعد أن قهر ، و يستظهر بعد أن غلب ، و يبرأ بعد أن اتّهم ، من بسط اللسان و فلتات القول ، و بلغ ذلك كلّه عليّا و فاطمة ، فاشتدت الحال و غلظ و طوى كل من الفريقين قلبه على الشنآن لصاحبه .

ثمّ كان بين عائشة و عليّ عليه السّلام في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أحوال و أقوال ، كلّها تهيج ما في النفوس نحو قولها له و قد استدناه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجاء حتّى قعد بينه و بينها و هما متلاصقان : أما وجدت مقعدا لكذا لا تكني عنه إلاّ فخذي و نحو ما روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ساير عليّا عليه السّلام يوما و أطال مناجاته ، و هي سائرة خلفهما حتّى دخلت بينهما و قالت : فيم أنتما فقد أطلتما . فيقال إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غضب ذلك اليوم .

و ما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادم فوقفت لها فأكفأتها ، و نحو ذلك ممّا يكون بين الأهل و بين المرأة و أحمائها .

ثمّ اتّفق أنّ فاطمة ولدت كثيرا بنين و بنات و لم تلد هي ولدا ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه و يسمّي الواحد منهما ابني و يقول :

دعو إليّ ابني و لا ترزموا على ابني و ما فعل ابني . فما ظنّك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ، ثم رأت البعل تبنّى بني ابنته من غيرها ، و يحنو عليهم حنوّ

[ 114 ]

الولد المشفق ، هل تكون محبّة لاولئك البنين و لامّهم و لأبيهم أم مبغضة و هل تودّ دوام ذلك و استمراره أم زواله و انقضاءه ؟ ثمّ اتفق أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله سدّ باب أبيها إلى المسجد و فتح باب صهره ، ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثمّ عزله عنها بصهره ، فقدح ذلك أيضا في نفسها .

و ولد للنبي صلّى اللّه عليه و آله إبراهيم من مارية فأظهر عليّ عليه السّلام بذلك سرورا كثيرا ، و كان يتعصّب لمارية ، و يقوم بأمرها عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ميلا على غيرها ، و جرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة فبرّأها عليّ عليه السّلام منها و كشف بطلانها ، أو كشفه اللّه تعالى على يده ، و كان ذلك كشفا محسا بالبصر لا يتهيّأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة ، و كلّ ذلك ممّا كان يوغر صدر عائشة عليه ، و يؤكّد ما في نفسها منه ، ثمّ مات إبراهيم فأبطنت شماتة و إن أظهرت كآبة ، و وجم عليّ عليه السّلام من ذلك و كذلك فاطمة ، و كانا يؤثران و يريدان أن تتميّز مارية عليها بالولد ، فلم يقدر لهما و لا لمارية ذلك و بقيت الامور على ما هي عليه و في النفوس ما فيها حتّى مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المرض الذي توفي فيه فكانت فاطمة و عليّ عليهما السّلام يريدان أن يمرّضاه ، و كذلك كان أزواجه ، فمال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبّة القلبيّة التي كانت لها دون نسائه ، و كره أن يزاحم فاطمة و بعلها في بيتهما ، فلا يكون عنده من الانبساط لوجودهما ، ما يكون إذا خلا بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه . و علم أنّ المريض يحتاج إلى فضل مداواة و نوم و يقظة و انكشاف و خروج حدث ،

فكانت نفسه إلى بيتها أسكن منها إلى بيت صهره و بنته ، فإنّه إذا تصوّر حياءهما منه استحيى هو أيضا منهما ، و كلّ أحد يجب أن تخلو بنفسه و يحتشم الصهر و البنت ، و لم يكن له الميل إلى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها ، فمرض في بيتها فغبطت على ذلك ، و لم يمرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منذ قدم

[ 115 ]

المدينة مثل هذا المرض ، و إنّما كان مرضه الشقيقة يوما أو بعض يوم ثم يبرأ ،

فتطاول هذا المرض ، و كان عليّ عليه السّلام لا يشكّ أنّ الأمر له ، و أنّه لا ينازعه فيه أحد من النّاس . و لقد قال له عمّه و قد مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : امدد يدك ابايعك ، فيقول النّاس عمّ رسول اللّه بايع ابن عمّ رسول اللّه فلا يتخلّف عليك اثنان ، قال : يا عم و هل يطمع فيها طامع غيري ؟ قال : ستعلم . قال : فإنّي لا احب هذا الأمر من وراء رتاج ، و احبّ أن أصحر به . فسكت عنه . فلمّا ثقل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه أنفذ جيش اسامة و جعل فيه أبا بكر و غيره من أعلام المهاجرين و الأنصار . فكان عليّ بوصوله إلى الأمر إن حدث بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله حدث أوثق . و غلب على ظنّه أنّ المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكليّة فيأخذه صفوا عفوا و يتمّ له البيعة ، فلا يتهيّأ فسخها لو رام ضدّ منازعته عليها . فكان من عود أبي بكر من جيش اسامة بإرسال عائشة إليه ، و إعلامه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يموت ما كان ،

و من حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب عليّ عليه السّلام عائشة إلى أنّها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمر أباها فليصلّ بالنّاس ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما روي قال :

يصلّي بالناس أحدهم و لم يعيّن و كانت صلاة الصبح فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو في آخر رمق يتهادى بين عليّ عليه السّلام و الفضل بن عبّاس ، حتّى قام في المحراب كما ورد في الخبر ، ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى . فجعل عمر صلاته حجّة في صرف الأمر إليه ، و قال : أيّكم يطيب نفسا أن يتقدّم قدمين قدمهما النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الصلاة . و لم يحملوا خروج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن ، فبويع على هذه النكتة التي اتّهمها عليّ عليه السّلام انّها ابتدئت منها ، و كان عليّ عليه السّلام يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا ، و يقول : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يقل : ( إنّكن لصويحبات يوسف ) إلاّ إنكارا لهذه الحال و غضبا منها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما ، و أنّه استدركهما

[ 116 ]

بخروجه و صرفه عن المحراب ، فلم يجد ذلك و لا أثر مع قوّة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر و يمهّد له قاعدة الأمر ، و تقرّر حاله في نفوس النّاس و من اتّبعه على ذلك من أعيان المهاجرين و الأنصار ، و لمّا ساعد على ذلك من الحظّ الفلكيّ ، الأمر السمائيّ الذي جمع عليه القلوب و الأهواء ، فكانت هذه الحال عند عليّ عليه السّلام أعظم من كلّ عظيم و هي الطامّة الكبرى و المصيبة العظمى ، و لم ينسبها إلاّ إلى عائشة وحدها ، و لا علّق الأمر الواقع إلاّ بها ، فدعا عليها في خلواته و بين خواصّه ، و تظلّم إلى اللّه منها ، و جرى له في تخلّفه عن البيعة ما هو مشهور حتّى بايع ، و كان يبلغه و فاطمة عنها كلّ ما يكرهانه منذ مات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أن توفيت فاطمة عليها السّلام ، و هما صابران على مضض و رمض ،

و استظهرت بولاية أبيها و استطالت و عظم شأنها و انخذل عليّ عليه السّلام و فاطمة عليها السّلام و قهرا ، و أخذت فدك ، و خرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا ، فلم تظفر بشي‏ء ، و في كلّ ذلك تبلغها النساء الداخلات و الخارجات عن عائشة كلّ كلام يسؤوها ، و يبلغن عائشة عنها و عن بعلها مثل ذلك ، إلاّ أنّ شتّان ما بين الحالين ، و بعد ما بين الفريقين هذه غالبة و هذه مغلوبة ، و هذه آمرة و هذه مأمورة ، و ظهر التشفّي و الشماتة ، و لا شي‏ء أعظم مرارة و مشقّة من شماتة العدوّ 1 .

قال ابن أبي الحديد قلت له : أفتقول إنّ عائشة عيّنت أباها للصلاة و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعيّنه ؟ فقال : أمّا أنا فلا أقول ذلك ، و لكنّ عليّا كان يقول و تكليفي غير تكليفه ، كان حاضرا و لم أكن حاضرا ، فأنا محجوج بالأخبار التي اتّصلت بي ، و هي تتضمّن تعيين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأبي بكر في الصلاة ، و هو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنّه من الحال التي كان حضرها ، قال :

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 192 198 .

[ 117 ]

ثم ماتت فاطمة فجاءت نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كلّهن إلى بني هاشم في العزاء إلاّ عائشة ، فإنّها لم تأت أظهرت مرضا ، و نقل إلى عليّ عليه السّلام عنها كلام يدلّ على السرور ، ثم بايع عليّ أباها فسرّت بذلك و أظهرت من الاستبشار بتمام البيعة و استقرار الخلافة و بطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا ،

و استمرت الامور على هذه مدّة خلافة أبيها ، و خلافة عمر و عثمان ، و القلوب تغلي ، و الأحقاد تذيب الحجارة ، و كلّما طال الزمان على عليّ عليه السّلام تضاعفت همومه و غمومه ، و باح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان و قد كانت عائشة أشدّ النّاس عليه تأليبا و تحريضا فقالت : أبعده اللّه ، لمّا سمعت قتله و أملت أن تكون الخلافة في طلحة فيعود الأمر تيميّة ، كما كانت أوّلا ، فعدل النّاس عنه إلى عليّ عليه السّلام ، فلمّا سمعت ذلك صرخت : و اعثماناه قتل عثمان مظلوما فثار ما في الأنفس حتّى تولّد من ذلك يوم الجمل و ما بعده . قال ابن أبي الحديد :

و هذه خلاصة كلام اللمعاني و كان شديدا في الاعتزال 1 .

و أقول : أمّا قول : ( إنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها . . . ففيه أنّ فاطمة التي قال أبوها أنّها سيدة نساء العالمين و عديلة مريم و ينادي المنادي في مرورها بالموقف : غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ ، و إنّ إنكاحها عليّا عليه السّلام كان بعد إنكاح اللّه تعالى بشهادة ملائكته و يؤذيه ما يؤذيها و ما ينطق أبوها عن الهوى أجلّ من ذلك ، و لم لم يحدث بينها و بين باقي نساء أبيها من ام سلمة و غيرها كدر و شنآن ، و كلّهن كنّ كالضرائر لامّها ؟

و في ( الطبريّ ) : لا خلاف بين جميع أهل العلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنى بسودة قبل عائشة 2 . فيعلم أنّ شنآنها لتلك المرأة و لصاحبتها لكونهما

-----------
( 1 ) المصدر نفسه 9 : 198 199 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 161 ، سنة 10 .

[ 118 ]

عدوتي اللّه بتصريح الكتاب ، في قوله تعالى : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين . . . 1 .

و لو كانت هذه العلل أعذارا لكان أبو جهل معذورا في عداوته للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فقد قال : كنّا بني مخزوم و بني هاشم كفرسي رهان ، و لقد أراد محمّد السبق علينا ، و لكان يزيد معذورا في قتل الحسين عليه السّلام ، فقال للسجّاد :

إنّ أباك كان يبغي الغوائل لسلطاني .

و من المضحك قوله : « و لست ابرى‏ء عليّا عليه السّلام من مثل ذلك فإنّه كان ينفس على أبي بكر سكون النّبيّ إليه و ثناءه عليه » . هل سكن إليه يوم الغار و هو يكثر الجزع ، حتّى قال له لا تحزن ؟ و هل أثنى عليه يوم فرّ في خيبر حتّى قال فيه تعريضا : إنّه فرّار غير كرّار ، لا يحبّ اللّه و رسوله و لا يحبّه اللّه و رسوله ؟ و هل حسد عليّ عليه السّلام أبي بكر عزله عن ( براءة ) ؟ . و أي مزايا كانت له حتّى يحب أن يتفرّد بها ؟ و إنّما كانت مزاياه أمران ذكرهما عمر يوم السقيفة .

الأوّل : كونه صاحب الغار ، و هو عوار حيث إنّ إمامهم أحمد بن حنبل قال : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خرج منفردا ، و إنّما ذهب أبو بكر خلفه من قبل نفسه ، و لمّا سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حسّ أبي بكر ظنّه من قريش الذين أرادوا أخذه ، فسعى في المشي حتّى أدمى رجله ، و ان جزعه ثمّة صار سببا لسلب السكون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، حتّى أنزل تعالى سكينته عليه منفردا . فيفهم من صاحبيته في الغار عدم إيمانه ، و إلاّ لأنزل تعالى عليه السكينة كما أنزلها في موضع آخر على رسوله و على المؤمنين 2 .

و الثاني : كونه قدّمه للصلاة ، و هو قد شرح علنه و خافيه ، و لمّا خرج

-----------
( 1 ) التحريم : 4 .

-----------
( 2 ) كما في سورة الفتح : 26 .

[ 119 ]

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في تلك الحال اضطرارا يجر رجليه معتمدا على نفرين و أخّره و عزله عن الصلاة كما عن ( براءة ) ، لم يبق له مجال أن يبقى في ذاك المحلّ فاضطرّ إلى خروجه إلى منزله بسنح مع قوة داعية إلى أن يبقى مراقبا لساعة موت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فاضطرّ عمر لغيبته إلى أن يهدّد النّاس و يقول : « إنّ النّبيّ لم يمت و إنّما غاب كغيبة موسى » ، حتّى يصل أبو بكر و يفعلا بتظاهرهما على الوصيّ كتظاهر ابنتيهما على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و كيف يقول كان عليّ ينفس على أبي بكر ؟ و قد كتب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر : قد كنّا و أبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما و فضله مبرزا علينا ، فلمّا اختار اللّه تعالى لنبيّه ما عنده ، و أتمّ له ما وعده ، قبضه اللّه إليه ، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه و خالفه على ذلك اتّفقا و اتسعا 1 .

و أمّا قوله : و لم يكن عليّ من القاذفين و لكنّه كان من المشيرين على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بطلاقها ، فاللّه تعالى أيضا كان من المشيرين فقال تعالى بعد قوله و إن تظاهرا عليه . . . و الملائكة بعد ذلك ظهير 2 : عسى ربّه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيّبات و أبكارا 3 .

و فيه إشارة إلى خلوّ المرأتين من صفات الإسلام و الإيمان و غيرهما ،

و قوله : ( ثيّبات ) إشارة إلى حفصة و ( أبكارا ) إلى عائشة .

و أمّا قوله إنّ عليّا عليه السّلام قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله خوّف الخادم و إن أقامت على الجحود فاضربها ، فبهتان من عايشة . و امّا قوله : فنزل القرآن ببراءتها فشي‏ء

-----------
( 1 ) نقله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار 8 : 649 ، ط الكمباني .

-----------
( 2 ) التحريم : 4 .

-----------
( 3 ) التحريم : 5 .

[ 120 ]

تفرّدوا به ، و رواياتهم تنتهي إليها انّها ادعت أنّهم قذفوها ، و نزلت الآية فيها .

و ممّا يوضح افك عايشة في روايتها 1 أنّها قالت في خبرها : فدعا النبيّ بريرة يسألها ، فقام إليها عليّ فضربها ضربا شديدا ، و هو يقول : اصدقي رسول اللّه فتقول : و اللّه ما أعلم إلاّ خيرا . فلا ريب في عصمة أمير المؤمنين عليه السّلام من أوّله إلى آخره ، بإقرار مخالفيه و شهادة القرآن له ، و في خبرها قالت عائشة : و ايم اللّه لأنا كنت أحقر في نفسي و أصغر شأنا من أن ينزل فيّ قرآنا يقرأ به في المساجد و يصلّى به ، و لكنّي قد كنت أرجو أن يرى النبيّ في نومه شيئا يكذب اللّه به عنّي لما يعلم من برائتي ، أو يخبر خبرا ، فأمّا قرآن ينزل فيّ فو اللّه لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك .

فيقال لها : فلم كنت أحقر من أن ينزل فيك قرآن ، و لقد جعلك اللّه أشدّ من جميع جبابرة قريش و مشركي مكة ؟ حيث قال في اولئك : و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و يمكر اللّه و اللّه خير الماكرين 2 ، و قال فيك و في صاحبتك : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير 3 .

و أمّا الإماميّة فعلى أنّ آية الإفك نزلت في مارية ، فإنّ إفك عائشة مع ذويها لها محقّق ، كما أنّ طهارة ساحتها عن إفكها محققّة بعد كون من رميت به خصيا ، كما أقرّ به ، فكيف نزلت آية الإفك في عائشة دون مارية ؟ هل كانت لكونها بنت أبي بكر أكرم على اللّه ، كما هي أكرم عند إخواننا ؟ ، و قد قال تعالى :

إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم . . . 4 ، و لا ريب في كونها أتقى ، كما لا ريب في

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 615 ، سنة 6 .

-----------
( 2 ) الأنفال : 30 .

-----------
( 3 ) التحريم : 4 .

-----------
( 4 ) الحجرات : 13 .

[ 121 ]

عتوّ عائشة و طغيانها ، بتصريح اللّه تعالى في قوله : . . . و إن تظاهرا عليه . . . 1 و قوله تعالى : و قرن في بيوتكن . . . 2 ، بل و فوقهما ضرب اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط . . . 3 .

و أمّا قوله : ( فكان منهما ما يكون من الانسان ينتصر بعد أن قهر من بسط اللسان و فلتات القول ) . فيه أنّه على رواياتهم لم ينحصر بسط لسانها بأمير المؤمنين عليه السّلام فقط ، بل بسطت لسانها على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا ففي خبرها كما في ( الطبريّ ) أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لها : يا عائشة إنّه قد كان ما بلغك من قول اللّه ، فاتّقي اللّه و إن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى اللّه إلى أن قالت : فجعل النبيّ يمسح العرق عن جبينه و هو يقول : ابشري يا عائشة فقد أنزل اللّه براءتك ، فقلت : بحمد اللّه و ذمّكم 4 . و الكاذب يفضحه اللّه فادعت أنّ القرآن الذي يقرأ به في المساجد و يصلي به نزل فيها و جعلت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من المذمومين .

فان كان كل ما قالت امّهم حقّا لم ينحصر الأمر في كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من المذمومين ، بل يكون اللّه تعالى أيضا من الملومين ، ففي ( عقد ابن عبد ربه ) :

قالت عائشة يوم الجمل في خطبتها : « بي ميز بين منافقكم و مؤمنكم » 5 .

فعلى قولها يكون اللّه تعالى من المنافقين ، حيث قال فيها و في صاحبتها : . . . و إن تظاهرا عليه . . . 6 و ضرب اللّه مثلا للذين كفروا

-----------
( 1 ) التحريم : 4 .

-----------
( 2 ) الأحزاب : 33 .

-----------
( 3 ) التحريم : 10 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 2 : 615 616 ، سنة 6 .

-----------
( 5 ) العقد الفريد 5 : 65 .

-----------
( 6 ) التحريم : 4 .

[ 122 ]

امرأة نوح و امرأة لوط . . . 1 .

و أمّا قوله : فكانت فاطمة و عليّ يريدان أن يمرّضانه في بيتهما ،

و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبّة القلبيّة . فليس كما قال ، بل بمقتضى تظاهرها مع صاحبتها و أبويهما عليه صلّى اللّه عليه و آله و قد منعوه عن الوصيّة ،

و تخلّفوا عمّا أمرهم به من الخروج في جيش اسامة ، و طعنوا في جعل اسامة أميرا عليهم ، حتى قال صلّى اللّه عليه و آله : إن قلتم فيه فقد قلتم في أبيه من قبل 2 ، و في ( الطبري ) : عن أسامة ، لمّا ثقل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله هبطت و هبط النّاس معي إلى المدينة فدخلنا عليه ، و قد أصمت فلا يتكلم ، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليّ فعرفت أنه يدعو لي 3 و هو مضحك فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان أشار عليه بحركته و إخراج الرجلين معه ، كما يفصح عنه أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان كلّما أفاق يقول جهّزوا جيش اسامة لعن اللّه من تخلّف عنه و تفسيره إشارة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كتفسير امّ خالد بن يزيد كلام مروان لمّا سمّته ، فدخل عليه ابنه عبد الملك و قد اعتقل لسانه فأشار إليها أنّها قتلته . فقالت : جعلت فداه حتّى في احتضاره يوصيكم بي .

و روى العيّاشيّ الذي كان عامّيا ثم صار إماميا في تفسير قوله تعالى :

أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . . . 4 : إنّ عائشة و حفصة سمّتاه فقتلتاه 5 .

و لدّوه أيضا ، ففي ( الطبري ) : قالت عائشة : لدّدنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه ،

-----------
( 1 ) التحريم : 10 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 186 ، سنة 11 .

-----------
( 3 ) المصدر نفسه 3 : 196 ، سنة 11 .

-----------
( 4 ) آل عمران : 144 .

-----------
( 5 ) تفسير العياشي 1 : 200 .

[ 123 ]

فقال : لا تلدّوني فقلنا : كراهية المريض الدواء . فلما أفاق قال : لا يبقى منكم أحد إلاّ لدّ غير العبّاس فإنّه لم يشهدكم 1 .

و هل كان متولي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى قبض و متصدي تجهيزه غير أمير المؤمنين عليه السّلام ؟ و الباكي عليه غير بنته الصديقة ؟ و القوم كانوا في شورى الخلافة و طلب الرياسة ، و في ( الطبريّ ) : قالت عائشة : ما علمنا بدفن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء 2 .

و في ( طبقات كاتب الواقديّ ) : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه : ادعوا لي أخي فدعي له عليّ عليه السّلام فقال : ادن منّي . فدنوت منه فاستند اليّ ، فلم يزل مستندا إليّ و إنّه ليكلّمني حتّى أنّ بعض ريق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليصيبني ، ثم نزل بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ثقل في حجري 3 .

و قوله : ( لم يجد استدراك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بخروجه ، مع قوّة داعي أبي بكر و من تبعه من أعيان المهاجرين و الأنصار ) غير صحيح ، فإنّما تبعه الطلقاء و أبناء الطلقاء ، و بهم صار داعية قويا ، و أمّا عمر و أبو عبيدة فإنّما كانا متواطئين معه و كلّهم كنفس واحدة .

و إنّما كان القول بالمحبّة القلبية شي‏ء تدعيه لنفسها ، و يدّعيه لها عمر ففضّلها في العطاء على باقي نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، بأن النبيّ كان يحبّها أكثر من باقيهن . فعل ذلك بها شكرا لها لتأسيس سلطنتهم ، و هي إن فعلت ذلك لأبيها ،

إلاّ أنّ سلطنة أبيها كانت سلطنته ، بل كان حظّه أكثر ، لأنّه كان شريك أبيها في حياته ، و مستقلا بعد وفاته و لذا كان جده في ذلك أكثر ، مع أنّ عمر فضل على

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 195 ، سنة 11 .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه 3 : 213 ، سنة 11 .

-----------
( 3 ) طبقات الواقدي 2 : 263 .

[ 124 ]

خلاف الكتاب و السّنة مطلق الأشراف ، فكيف لا يفضل عايشة ؟

مع أنّ مثل عايشة لو لم يفضّلها لأخلّت في سلطنته ، كما أخلّت في أمر عثمان ، و كانت من الأسباب القويّة لقتله ، لأنّه لم يفضّلها ، و لقد تفطّن لذلك معاوية ، ففضّلها و لمّا قالت له : ما خفت اللّه في قتل حجر العابد الزاهد ، قال لها :

كيف أمر عطائك ؟ قالت : حسن ، قال : فخليني و إيّاه للقيامة .

و قوله : « و كره النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يزاحم عليّا و فاطمة في بيتهما » أيضا غير صحيح ، فهل كان رأسه في غير حجر عليّ عليه السّلام حتّى مات ؟ و هل كان اتكاؤه لمّا خرج إلى المسجد لتأخير أبي بكر إلاّ عليه عليه السّلام ؟

و أمّا قوله : « و ساعد على ذلك الحظ الفلكي و الأمر السمائي » ، ففي غير موضعه ، فلم تقل الكلمة في هذا الموضع ، و إنّما تقال تلك في التصادفات الدنيويّة ، و أمّا مثلها فيقال : إنّها كانت امتحانا من اللّه تعالى للناس . و لمّا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و اضطرّ الحسن عليه السّلام إلى مصالحة معاوية ، خطب و قال :

و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين 1 .

و قوله : « و لم ينسب عليّ عليه السّلام الحال إلاّ إلى عايشة ، و لا علق الأمر إلاّ بها ،

فدعا عليها في خلواته و بين خواصّه ، و تظلّم إلى اللّه منها » صحيح ، و كان عليه أن يزيد فيه كما كانت امرأته فاطمة تدعو على أبيها في أدبار صلواتها ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : إنّ أبا بكر و عمر لمّا دخلا عليها ولّت وجهها عنهما ، و لم تردّ عليهما السلام لمّا سلّما ، و إنّها قالت لهما بعد قول أبي بكر لها : « يا حبيبة رسول اللّه ، إنّك لأحبّ إليّ من ابنتي عايشة » نشدتكما اللّه ألم تسمعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : « رضى فاطمة من رضاي و سخطها من سخطي ، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني ، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني » ؟ فقالا : نعم . فقالت : فإنّي

-----------
( 1 ) الأنبياء : 111 .

[ 125 ]

اشهد اللّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأشكونكما إليه . فقال أبو بكر : أنا عائذ باللّه من سخطه و سخطك . ثم انتحب يبكي ، و هي تقول : و اللّه لأدعون اللّه عليك في كل صلاة اصلّيها 1 .

و قوله : « و أنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي » كما ترى ، فإنّها أخبار تتناقض صدرا و ذيلا ، و هي أخبار أمر بوضعها معاوية ، و يكفيها اعتقاد أمير المؤمنين عليه السّلام فيها .

و قوله : « و لم تأت عايشة في وفاة فاطمة لتعزية بني هاشم » صحيح لكنها أرادت ان تحضر غسلها شماتة ، فمنعتها أسماء بنت عميس مع كونها زوجة أبيها بوصيّة فاطمة عليها السّلام بمنعها ، ففي ( الاستيعاب ) : لمّا توفيّت فاطمة جاءت عائشة ، فقالت أسماء : لا تدخلي ، فشكتها إلى أبي بكر ، فقال لها أبو بكر :

ما حملك على منع أزواج النبيّ ؟ فقالت : أمرتني ألاّ يدخل عليها أحد 2 .

و من أكاذيبها : ادّعاؤها أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله توفي بين سحرها و نحرها ، ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) : عن أبي عطفان قال : سألت ابن عبّاس ، أرأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله توفي و رأسه في حجر أحد ؟ قال : توفي و رأسه مستند إلى صدر عليّ عليه السّلام ، قلت : فإنّ عروة حدّثني عن عايشة أنّها قالت : توفي النّبيّ بين سحري و نحري . فقال ابن عبّاس : أتعقل ؟ و اللّه لتوفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إنّه لمستند إلى صدر عليّ و هو الذي غسّله . . . 3 .

و مرّ قول عمر فيها أنّها التي نزلت فيها و في صاحبتها . . . و إن تظاهرا عليه . . . 4 ، و لعثمان فيها أقوال ، روى الجوهريّ في ( سقيفته ) خبرا في تكلّم

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 13 14 .

-----------
( 2 ) الاستيعاب بهامش الإصابة 4 : 379 .

-----------
( 3 ) الطبقات الكبرى 2 : 263 .

-----------
( 4 ) التحريم : 4 .

[ 126 ]

عائشة و حفصة في عثمان ، فقال عثمان و قد أقبل على النّاس بعد صلاته : إنّ هاتين لفتّانتان ، يحلّ لي سبّهما و أنا بأصلهما عالم 1 .

و عن ( تاريخ الثقفي ) : إنّ عثمان صعد المنبر ، فرفعت عايشة قميص النّبيّ و نادت : لقد خالفت يا عثمان صاحب هذا القميص . فقال عثمان : إنّ هذه الزعراء عدوّة اللّه ضرب اللّه مثلها و مثل صاحبتها في الكتاب . . . امرأة نوح و امرأة لوط . . . 2 .

و عنه : جاءت عائشة إلى عثمان فقالت : اعطني ما كان يعطيني أبي و عمر ، قال : لا أجد له موضعا في الكتاب و لا في السّنة ، و لكن كان أبوك و عمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما ، و أنا لا أفعل . قالت : فأعطني ميراثي من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . قال : أو لم تجي‏ء فاطمة تطلب ميراثها من النبيّ ، فشهدت أنت و مالك بن أوس البصري أنّ النبيّ لا يورث ، و أبطلت حقّ فاطمة و جئت تطلبينه ، لا أفعل . . . 3 .

و من منكراتها خلافا على اللّه تعالى و رسوله : تقريرها فعل معاوية في إلحاق زياد ، ففي ( فتوح البلاذري ) : نهر مرة منسوب إلى مرة مولى عبد الرحمن بن أبي بكر . سأل عايشة أن تكتب له إلى زياد و تبدأ به في عنوان كتابها ، فكتبت إليه بالوصاية و عنونته ( إلى زياد بن أبي سفيان من عايشة امّ المؤمنين ) فلمّا رأى زياد أنّها قد كاتبته و نسبته إلى أبي سفيان سرّ بذلك و أكرم مرة و ألطفه ، و قال : هذا كتاب امّ المؤمنين إليّ فيه ، و عرضه عليهم ليقرؤوا عنوانّه ، ثم أقطعه مائة جريب على نهر الأبلة ، و أمره فحفر لها نهرا 4 .

-----------
( 1 ) السقيفة و فدك : 80 ، شرح ابن أبي الحديد 9 : 5 .

-----------
( 2 ) الأمالي للمفيد : 125 ، و الآية 10 من سورة التحريم .

-----------
( 3 ) الأمالي للمفيد : 125 .

-----------
( 4 ) فتوح البلدان للبلاذري : 502 503 مؤسسة المعارف ، بيروت .

[ 127 ]

و من أكاذيبها مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ما رواه الخطيب في محمّد بن أحمد المؤدّب : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أرسل عائشة إلى امرأة فقالت : ما رأيت طائلا ، فقال : لقد رأيت خالا بخدّها اقشعرّت منه ذؤابتك . فقالت : ما دونك ستر و من يستطع أن يكتمك ؟ 1 و من شهادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حقّها ما رواه الحميديّ في ( الجمع بين الصحيحين ) عن أبي عمر ، قال : قام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خطيبا و أشار نحو مسكن عائشة و قال : هاهنا الفتنة ثلاثا منه يطلع قرن الشيطان 2 .

« و ضغن » أي : حقد .

« غلا في صدرها كمرجل » في ( الصحاح ) : المرجل قدر من نحاس 3 .

« القين » أي : الحداد ، في ( الطبريّ ) : عن عايشة قالت رجع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من البقيع في مرضه ، فوجدني و أنا أقول و ارأساه ، فقال : بل أنا و ارأساه ثم قال لي : ما ضرّك لو مت قبلي ، فقمت عليك و كفنتك و صلّيت عليك و دفنتك ، فقلت :

و اللّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك . فتبسم و تتام به وجعه و هو يدور على نسائه ، حتّى استعز به و هو في بيت ميمونة ،

فدعا نسائه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي ، فأذنّ له فخرج بين رجلين من أهله ، أحدهما الفضل بن عبّاس و رجل آخر تخطّ قدماه إلى الأرض ، عاصبا رأسه حتّى دخل بيتي . قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة : فحدّثت هذا الحديث عن عايشة ابن عبّاس فقال : هل تدري من الرجل الآخر ؟ قلت : لا . قال : عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، و لكن عايشة لا تقدر أن تذكره بخير 4 .

-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 1 : 301 .

-----------
( 2 ) صحيح البخاري 8 : 95 و صحيح مسلم 8 : 181 .

-----------
( 3 ) الصحاح 4 : 1705 ، مادة : ( رجل ) .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 188 189 ، سنة 11 .

[ 128 ]

و في ( الطبري ) : أنّ عايشة لمّا انتهت إلى ( سرف ) راجعة في طريقها إلى مكّة ، لقيت عبد بن ام كلاب و هو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى امه قالت له :

مهيم ، قال : قتلوا عثمان فمكثوا ثمانيا . قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الامور إلى خير مجاز ، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب . فقالت : و اللّه ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ، ردّوني ردّوني . فانصرفت إلى مكة و هي تقول : قتل عثمان و اللّه مظلوما ، و اللّه لأطلبن بدمه ، فقال لها ابن ام كلاب : فو اللّه إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت ، و لقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر . قالت : إنّهم استتابوه ثم قتلوه ، و قد قلت و قالوا ،

و قولي الأخير خير من قولي الأوّل .

فقال لها ابن امّ كلاب :

فمنك البداء و منك الغير
و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الإمام
و قلت لنا إنّه قد كفر

فهبنا أطعناك في قتله
و قاتله عندنا من أمر

و لم يسقط السقف من فوقنا
و لم ينكسف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذا تدرء
يزيل الشبا و يقيم الصعر

و يلبس للحرب أثوابها
و ما من و فى مثل من قد غدر

فانصرفت إلى مكّة ، فنزلت على باب المسجد ، فقصدت للحجر و اجتمع إليها النّاس ، فقالت : أيّها النّاس ، إنّ عثمان قتل مظلوما ، و اللّه لأطلبن بدمه 1 .

و رواه محمّد بن نعمان هكذا ، قال : لمّا جاء ناعي عثمان إلى مكّة ، بكى لقتله قوم ، فأمرت عائشة مناديا ينادي : ما بكاؤكم على نعثل ، أراد ان يطفى‏ء نور اللّه فأطفأه اللّه ، و أنّ يضيّع سنّة رسوله فقتله .

-----------
( 1 ) المصدر نفسه 4 : 458 459 ، سنة 36 .

[ 129 ]

ثمّ ارجف بمكّة أنّ طلحة بويع ، فركبت مبادرة بغلتها و توجهت نحو المدينة و هي مسرورة ، حتّى انتهت إلى سرف ، استقبلها عبد بن أبي سلمة فقالت له : ما عندك من الخبر ؟ قال : قتل عثمان . قالت : فمن ولّوه ؟ قال عليّ ابن عمّ الرسول ، فقالت : و اللّه لوددت أن هذه تطامن على هذه إن تمّت لصاحبك .

فقال : و لم ؟ فو اللّه ما على هذه الغبراء نسمة أكرم منه على اللّه 1 .

و في ( العقد ) : عن ابن عبّاس : لمّا انقضى أمر الجمل قال لي عليّ عليه السّلام :

إيت هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرها اللّه تعالى أن تقرّ فيه . فجئت فاستأذنت عليها ، فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، فمددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها . فقالت : تاللّه يا بن عبّاس ما رأيت مثلك تدخل بيتنا بلا إذن ،

و تجلس على وسادتنا بغير أمرنا . فقلت : و اللّه ما هو بيتك و لا بيتك إلاّ الذي أمرك اللّه أن تقرّي فيه فلم تفعلي ، إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجت منه ، قالت : رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب . قلت :

نعم ، و هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب . قالت : أبيت أبيت ، قلت : ما كان إباؤك إلا فواق ناقة ، ثم صرت ما تحلين و لا تمرين و لا تأمرين و لا تنهين فبكت حتّى علا نشيجها ، ثم قالت : نعم أرجع ، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه . قلت : أما و اللّه ما كان ذلك جزاؤنا منك ، اذ جعلناك للمؤمنين امّا ، و جعلنا أباك صديّقا . قالت : أتمنّ عليّ بالنّبيّ يا بن عبّاس ؟ قلت : نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننت به علينا .

فأتيت عليّا فأخبرته فقبّل بين عيني ، و قال : ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم 2 .

-----------
( 1 ) حرب الجمل للمفيد : ص 429 .

-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 76 77 ، و الآية 34 من سورة آل عمران .

[ 130 ]

و رواه أعثم الكوفي مع زيادة ، و في روايته قالت عايشة لابن عبّاس :

أخطأت السنّة ، فقال لها : نحن علمناك و أباك السّنة ، و انّما بيتك الذي خلفك فيه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فخرجت منه ظالمة لنفسك ، غاشة لدينك ، عاتبة على ربك ، عاصية لرسوله 1 .

و في روايته قالت : رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب ، فقال ابن عبّاس : هذا و اللّه أمير المؤمنين و إن تربدت فيه وجوه و رغمت فيه معاطس ، أما و اللّه لهو أمير المؤمنين أمسّ برسول اللّه رحما ، و أقرب قرابة و أقدم سبقا و أكثر علما و أعلى منارا و أكثر آثارا من أبيك و من عمر .

و في روايته : إنّا جعلناك للمؤمنين اما ، و أنت بنت ام رومان و أبوك ابن أبي قحافة . و في روايته : و لم لا نمنّ عليك بمن لو كانت شعرة و قلامة منه منك لمننت به علينا ؟ و ما أنت إلاّ حشية من تسع حشايا خلفهن بعده ، لست بأبيضهن لونا و لا أحسنهن وجها ، و لا بأرشحهن عرقا ، و لا بأنضرهن ورقا ،

و لا بأطراهن أصلا ، فصرت تأمرين فتطاعين ، و تدعين فتجابين ، و نحن لحم النّبيّ و دمه و منه و إليه .

فقالت : إنّ عليّا لا يقرّ لك بذلك . فقال : أنا لا انازعه في هذا الباب ، فإنّه أقرب إلى النّبيّ مني و أولى بعلمه و ميراثه ، فإنّه أخوه ، و ابن عمّه ، و زوج ابنته فاطمة ، و أبو ابنيه الحسن و الحسين ، و وصيّه و باب مدينة علمه ، و فارسه في غزواته ، و ما أنت و هذا ؟ و اللّه ما فعلنا لك و لأبيك لا تقدرون على شكره ، و لو كنتم تقدرون لا تفعلون ، كما فعلتم ما فعلتم ، ثم خرج من عندها 2 .

-----------
( 1 ) كتاب الفتوح 2 : 486 .

-----------
( 2 ) ليس في كتاب الفتوح المطبوع بلبنان ، سنة 1411 ه 2 : 486 487 بعض هذه الفقرات ، و بعض مواضع الكلام في مروج الذهب 2 : 377 و تاريخ اليعقوبي 2 : 183 .

[ 131 ]

و روى الإسكافي عن الزهري : أنّه كان عنده حديثان عن عروة عن عائشة في عليّ عليه السّلام . قال معمر : فسألت الزهري عنهما يوما فقال : ما تصنع بهما و بحديثهما ، اللّه أعلم بهما ، إنّي لأتهمهما في بني هاشم 1 .

و في ( جمل المفيد ) 2 عن عمر بن أبان قال : لمّا ظهر عليّ عليه السّلام على أهل البصرة جاءه رجال منهم فقالوا : ما السبب الذي دعا عايشة إلى المظاهرة عليك ، حتّى بلغت من خلافك و شقاقك ما بلغت ، و هي امرأة من النساء ، لم يكتب عليها القتال ، و لا رخص لها في الخروج من بيتها ، و لا التبرج بين الرجال ؟ فقال عليّ عليه السّلام : سأذكر أشياء حقدتها عليّ ، ليس في واحد منها ذنب عليّ ، و لكنها تجرّمت بها عليّ .

أحدها : تفضيل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لي على أبيها و تقديمه إيّاي في مواطن الخير عليه ، فكانت تضطغن ذلك و يصعب عليها .

و ثانيها : إنّه لمّا آخى بين أصحابه آخى بين أبيها و بين عمر و اختصّني باخوته ، فغلظ ذلك عليها 3 .

و ثالثها : أوصى النبيّ بسدّ أبواب كانت في المسجد لجميع أصحابه إلاّ بابي ، فلما سد باب أبيها و صاحبه ، و ترك بابي مفتوحا في المسجد ، تكلّم في ذلك بعض أهله فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « ما أنا سددت أبوابكم و فتحت باب عليّ ، بل اللّه عزّ و جلّ سد أبوابكم و فتح بابه » 4 ، فغضب لذلك أبو بكر و عظم عليه ،

و تكلّم في أهله بشي‏ء سمعته منه ابنته فاضطغنته عليّ .

و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أعطى أباها الراية يوم خيبر ، و أمره ألا يرجع حتّى

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 64 .

-----------
( 2 ) الجمل : 409 412 .

-----------
( 3 ) السيرة لابن هشام 2 : 150 ، الطبقات لابن سعد 3 : 22 ، مناقب آل أبي طالب 2 : 184 189 .

-----------
( 4 ) مسند أحمد 4 : 369 : خصائص النسائي : 73 ، شرح ابن أبي الحديد 9 : 173 ، كفاية الطالب : 203 204 .

[ 132 ]

يفتح أو يقتل ، فلم يلبث لذلك و انهزم ، فأعطاها في الغد عمر ، و أمره بمثل ما أمر صاحبه ، فانهزم ، فساء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذلك و قال لهم ظاهرا معلنا : ( لأعطينّ الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله ، كرّارا غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يده » 1 ، فأعطاني الراية فصبرت حتّى فتح اللّه على يدي ، فغم ذلك أباها ، فاضطغنه عليّ فحقدت لحقد أبيها .

و بعث النّبيّ أباها ليؤدي سورة ( براءة ) ، و أمره أن ينبذ العهد للمشركين ، فمضى حتّى انحرف ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيّه أن يردّه و يأخذ الآيات منه ، و يسلّمها إليّ فعزل أباها بإذن اللّه تعالى ، و كان فيما أوحى اللّه تعالى إليه : لا يؤدّي عنك إلاّ رجل منك 2 ، و كنت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كان مني ،

فاضطغن لذلك عليّ أيضا و اتبعته عايشة في رأيه .

و كانت عايشة تمقت خديجة بنت خويلد و تشنؤها شنآن الضرائر ،

و كانت تعرف مكانها من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيثقل ذلك عليها ، و تعدى مقتها إلى ابنتها فاطمة ، فتمقتني و تمقت فاطمة و تمقت خديجة و هذا معروف في الضرائر .

و لقد دخلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم قبل أن يضرب الحجاب على أزواجه و كانت عايشة بقرب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فلمّا رآني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله رحّب بي و قال :

ادن مني يا عليّ . و لم يزل يدنيني حتّى أجلسني بينه و بينها ، فغلظ ذلك عليها فأقبلت عليّ و قالت بسوء رأي النساء و تسرعهن إلى الخطاب : ما وجدت لاستك يا عليّ موضعا غير فخذي ، فزبرها النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال لها : « أ لعليّ تقولين هذا ؟ إنّه و اللّه أوّل من آمن بي و صدّقني ، و أوّل خلق ورودا بي على الحوض ،

-----------
( 1 ) صحيح البخاري 3 : 1086 ح 2812 ، خصائص النسائي : 49 60 .

-----------
( 2 ) خصائص النسائي : 91 93 ، المستدرك 3 : 51 .

[ 133 ]

و هو أحق النّاس عهدا إليّ ، لا يبغضه أحد إلاّ أكبّه اللّه على منخره في النار » 1 ،

فازدادت بذلك غيضا عليّ . و لمّا رميت بما رميت اشتدّ ذلك على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ،

فاستشارني في أمرها ، فقلت له : سل جاريتها بريرة و استبرى‏ء الحال منها ،

فإن وجدت عليها شيئا فخل سبيلها فالنساء كثيرة . فأمرني أن أتولّى مسألة بريرة ، ففعلت ذلك فحقدت عليّ ، و و اللّه ما أردت بها سوءا و لكني نصحت للّه و لرسوله و أمثال ما ذكرت فإن شئتم فاسألوها ما الذي نقمت عليّ ؟ حتّى خرجت مع الناكثين لبيعتي و سفك دماء شيعتي ، و التظاهر بين المسلمين بعداوتي ، إلاّ البغي و الشقاق و المقت لي بغير سبب يوجب ذلك في الدين .

فقال القوم : القول و اللّه ما قلت يا أمير المؤمنين ، و لقد كشفت الغمّة ، و لقد نشهد أنّك أولى باللّه و رسوله ممّن دعاك ، فقام الحجاج بن غزية الأنصاري و قال أبياتا 2 .

« و لو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل » روى الخطيب في ( تاريخ بغداد ) : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قتال أهل النهروان ، قفل أبو قتادة الانصاري و معه ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأ بعايشة فقالت له : ما وراءك ؟ فشرح لها قتالهم و قتل ذي الثدية . فقالت عايشة : ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحق ، سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : تفترق امّتي على فرقتين ، تمرق بينهم فرقة محلقون رؤوسهم ، محفون شواربهم ، أزرهم إلى أنصاف سوقهم ،

يقرؤون القرآن ، لا يتجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبّهم الى اللّه تعالى .

قال أبو قتادة : فقلت يا ام المؤمنين فأنت تعلمين هذا ، فلم كان الذي

-----------
( 1 ) الأمالي للطوسي 2 : 215 ، كشف الغمّة 1 : 342 ، كشف اليقين : 273 274 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 409 412 .

[ 134 ]

منك ؟ قالت : يا أبا قتادة و كان أمر اللّه قدرا مقدورا و للقدر أسباب 1 .

و في ( الطبري ) : قال عمّار لعايشة حين فرغ القوم : ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك ؟ قالت : أبو اليقظان ؟ قال : نعم . قالت : و اللّه إنّك ما علمت قوال بالحق . قال : الحمد للّه الذي قضى لي على لسانك 2 .

و لقد أجاد الحميري في قصيدته مشيرا إلى أنّ شجاعة عايشة و قوّة قلبها في قتال أمير المؤمنين عليه السّلام ، كانت أكثر من شجاعة أبيها يوم خيبر ، فإنّه فرّ و هي ثبتت فقال :

يا للرجال لرأي ام قادها
ذئبان يكتنفانها في أذؤب

ذئبان قادهما الشقاء و قادها
للحين فاقتحما بها في منشب

في ورطة لحجابها فتحملت
منها على قتب باثم محقب

ام تدبّ إلى ابنها و وليها
بالمؤذيات له دبيب العقرب

لو أنّ والدها بقوّة قلبها
لاقى اليهود بخيبر لم يهرب

و نقل المرتضى في شرحه للقصيدة ، عن كتاب ( جمل نصر بن مزاحم ) عن السري بن إسماعيل ، عن الشعبي عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي ، قال :

كنت بمكة إلى أن قال فأقبلت عايشة حتّى دخلت على ام سلمة فقالت ام سلمة لها : مرحبا بعايشة ، ما كنت لي بزائرة فما بدا لك ؟ قالت : قدم طلحة و الزبير فخبّرا أنّ أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما . فصرخت ام سلمة صرخة أسمعت من في الدار . فقالت : يا عايشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر ، و هو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما فما تريدين ؟ قالت : تخرجين معي ، فلعل اللّه أن يصلح بخروجنا أمر امّة محمّد ، فقالت : يا عايشة أخرج و قد سمعت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما سمعت ، نشدتك يا عايشة باللّه الذي يعلم صدقك إن

-----------
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 1 : 160 ، دار الفكر بيروت .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 545 546 ، سنة 36 .

[ 135 ]

صدقت ، أتذكرين يومك من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها و هو يقول : « و اللّه لا تذهب الليالي و الأيام حتّى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له الحوأب امرأة من نسائي في فئة باغية » فسقط الإناء من يدي ، فرفع رأسه إليّ فقال : مالك يا ام سلمة ؟ قلت : ألا يسقط الإناء من يدي و أنت تقول ما تقول ، ما يؤمنني أن أكون أنا هي ؟ فضحكت أنت يا عايشة فالتفت إليك فقال : ما يضحك يا حمراء الساقين ، اني لأحسبك هي ، و أنشدتك باللّه يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من مكان كذا و كذا ، و هو بيني و بين عليّ بن أبي طالب يحدّثنا فأدخلت جملك فحال بينه و بين عليّ ، فرفع مرفقة كانت معه فضرب بها وجه جملك ، و قال : أما و اللّه ما يومه منك بواحد و لا بليته منك بواحدة ، و أما إنّه لا يبغضه إلاّ منافق أو كذّاب ، و أنشدك اللّه يا عايشة أتذكرين مرض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده و معه عمر و قد كان عليّ يتعاهد ثوب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و نعله و خفه و يصلح ما و هى منها ، و كان دخل قبل ذلك و أخذ نعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يخصفها خلف البيت ، فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت أحمد اللّه . قالا : ما بد من الموت ؟ قال : لا بد منه ، قالا : فهل استخلفت أحدا ؟ فقال : ما خليفتي فيكم إلاّ خاصف النعل . فخرجا فمرّا على عليّ عليه السّلام و هو يخصف النعل . كل ذلك تعرفينه يا عايشة و تشهدين عليه لأنّك سمعته من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . يا عايشة أنا أخرج على عليّ عليه السّلام بعد هذا الذي سمعته من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

فرجعت عايشة إلى منزلها و قالت : يا بن الزبير أبلغ طلحة و الزبير أنّي لست بخارجة بعد الذي سمعته من امّ سلمة . فرجع فبلغهما .

قال عبد الرحمن : فما انتصف الليل حتّى سمعنا رغاء إبلها ترتحل . . .

قال المرتضى : و من العجائب أن يكون مثل هذا الخبر الذي يتضمن

[ 136 ]

النص بالخلافة ، و كل فضيلة غريبة موجودا في كتب المخالفين و فيما يصححونه من رواياتهم و يصنفونه من سيرتهم و لا يتبعونه 1 .

هذا و قال ابن أبي الحديد : معنى كلامه عليه السّلام : « و لو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل » ، أنّ عمر لو ولّي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل ، و الوجه الذي أنا وليت الخلافة عليه ، و نسبت عمر إلى أنّه كان يؤثر قتله ،

و دعيت إلى ان تخرج عليه في عصابة من المسلمين إلى بعض بلاد الإسلام تثير فتنة و تنقض البيعة لم تفعل 2 .

قلت : ما قاله في غاية الركاكة ، فإنّها و عمر و أبوها كنفس واحدة ، أسسوا ما أسسوا معا ، فتفسيره نظير أن يفسر الكلام أنّ عايشة لو دعيت إلى قتال أبيها أبي بكر ما فعلت ، و إنّما المراد بغيره عليه السّلام عثمان ، فإنّ عثمان لمّا قطع عنها ما كان أبوها و عمر يعطيانها و كان لم يراع غير بني اميّة بني أبيه ، قالت :

اقتلوا نعثلا فقد كفر ، و حرّضت النّاس على الخروج عليه ، و كانت كلماتها و حركاتها فيه دخيلة في قتله ، و لمّا سئل محمّد بن طلحة عن دم عثمان قال مع كونه من أتباع عايشة : ثلثة على عايشة و ثلثه على أبيه ، كانت عايشة تقنع في عثمان بأن تقول أبلى عثمان دين النّبيّ و لم يبل نعلاه ، و أما أن تخرج على عثمان كما خرجت عليه عليه السّلام ، فلا ، مع أنّ أهل مصر و أهل الكوفة و أهل البصرة الذين جاؤوا لقتل عثمان كانوا حاضرين لدعوتها إلى قتاله ، فكانت ملجأهم حتّى لا يأخذ عثمان رؤساءهم ، لأنّه لم يكن لها مع عثمان ضغن شديد كما كان لها معه عليه السّلام ، و كيف تخرج عليه و هو فرع أبيها ؟ و إنّما أسخطها عليه قطع زيادة كان من قبله يعطيها فلو كانوا دعوها لم تجبهم .

-----------
( 1 ) أورده المجلسي في بحار الأنوار 32 : 151 ، رواية 125 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 199 .

[ 137 ]

« و لها بعد حرمتها الاولى » في ( العقد الفريد ) : أوّل ما تكلّمت به الخوارج يوم الجمل قالوا : ما أحلّ له دماءهم و حرّم علينا أموالهم ؟ فقال عليّ عليه السّلام : هي السّنة في أهل القبله . قالوا : ما ندري ما هذا . قال : فهذه عايشة رأس القوم ،

أتتساهمون عليها ؟ قالوا : سبحان اللّه امّنا . قال : فهي حرام ؟ قالوا : نعم . قال :

فإنّه يحرم من أبنائها ما يحرم منها 1 .

و في ( جمل المفيد ) : لمّا عزم عليه السّلام على المسير إلى الكوفة أنفذ إلى عايشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة ، فتهيأت لذلك و أنفذ معها أربعين امرأة ألبسهن العمائم و القلانس و قلدهن السيوف ، و أمرهن أن يحففنها و يكن عن يمينها و شمالها و من ورائها ، فجعلت تقول في الطريق : اللهمّ افعل بعليّ و افعل ، بعث معي الرجال و لم يحفظ فيّ حرمة النّبيّ . فلمّا قدمن المدينة ألقين العمائم و السيوف و دخلن معها ، فلمّا رأتهن ندمت على ذمّه عليه السّلام و قالت : جزى اللّه ابن أبي طالب خيرا ، فلقد حفظ فيّ حرمة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله 2 .

و قد روى محمّد بن عليّ المعروف بأعثم الكوفي في ( فتوحه ) المؤلف في سنة ( 204 ) و ترجمة أحمد بن محمّد المتوفى في سنة ( 596 ) و هما من رجالهم ، و قد ذكرهما صاحب ( كشف الظنون ) ما معناه : أنّ عايشة لم ترد الشخوص من البصرة فخوّفها عليه السّلام بطلاقها من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المفوّض إليه عليه السّلام ، فقال بعد ذكر إرساله عليه السّلام ابن عبّاس إليها ثم دخوله بنفسه عليها ،

و تبكيتها بما فعلت و أمرها بشخوصها إلى المدينة . و بعث في غده ابنه الحسن إليها ، فقال لها : يحلف أمير المؤمنين لئن لم تشخصي الساعة أقول كلاما أنت تعلمينه في حقّك و كانت تسرح رأسها في تلك الساعة ، و كانت نسجت إحدى

-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 79 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 415 ، مروج الذهب 2 : 379 ، تذكرة الخواص : 80 .

[ 138 ]

ذؤابتيها و بقيت الاخرى فلمّا سمعت ذلك من الحسن عليه السّلام ، تركت الاخرى بحالها و قامت و قالت : عجّلوا براحلتي أرجع إلى المدينة . و كانت امرأة من المهالبة عندها ، فقالت لها : يا امّ المؤمنين جاءك ابن عباس و كلمك بكلمات واجبتيه بجوابات غليظة حتى رجع مغضبا و جاءك عليّ بنفسه و قد ردّت بينكما كلمات ، و جاءك هذا الغلام و كلّمك بكلمات اضطربت منها ، فما سببه ؟

فقالت : قلقت من كلامه لأنّه ابن النّبيّ و إنسان عينه ، فمن أراد أن يرى انسان عين النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلينظر في إنسان عين الحسن . و كانت كلمة اخرى متعلقة بلسان علي فأرسل الحسن إلي منها برمز ، فلا بد من استماعها و شخوصي إلى المدينة .

فقالت المرأة : أنشدك بالذي أرسل محمّدا بالحق إلاّ تخبريني ما تلك الكلمة . فقالت عايشة : لمّا أحلفتني اخبرك ، إنّه كان اتي في غزوة بغنائم كثيرة ،

و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقسمها على أصحابه ، فطلبت أنا و بعض نسائه الاخرى منها شيئا و ألححنا عليه حتّى ضاق صدره منّا و كان علي حاضرا فلامنا على إلحاحنا و قال : لا تكثرنّ الكلام و اسكتن فقد آذيتن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فأجبناه بكلمات غليظة فتلا علينا قوله تعالى : عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ . . . 1 ، فألححنا مرّة اخرى و قلنا لعلي كلمات شديدة ، فغضب النّبيّ مما كلمنا عليّا فقال : جعلت طلاق هؤلاء النسوة بيدك فمن شئت أن تطلق منهن بعد وفاتي فافعل ، فخفت إن لم أشخص هذه الساعة أن يطلقني علي و يقطع سببي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله 2 .

و من الغريب أن النصّاب وضعوا لها في مقابل هذه الرواية ، مع كونها

-----------
( 1 ) التحريم : 5 .

-----------
( 2 ) كتاب الفتوح 2 : 483 484 .

[ 139 ]

من طريقهم : ( أنا زوجته في الدّنيا و الآخرة و زوجته في الجنّة ) و كيف هي استحيت من مجاورة جسدها لجسد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فأوصت ألاّ تدفن معه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لإحداثها . و الرواية و إن لم تتضمن وقوع الطلاق منه عليه السّلام ، إلاّ أنّ نساء الأنبياء كأبنائهم لسن و ليسوا كنساء باقي النّاس و أبنائهم ، فنسبتهن و نسبتهم إنّما تكون باقية ما داموا سالكين على منهاج النبوّة من الإيمان باللّه تعالى حقيقة ، و الإتيان بالعمل الصالح صدقا و إلاّ فلا .

قال تعالى لنوح في ابنه : . . . إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح . . . 1 .

و قال سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله مخاطبا نساءه : يا نساء النّبيّ لستن كأحد من النساء . . . 2 و . . . من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا 3 .

« و الحساب على اللّه » في ( جمل المفيد ) : روى محمّد بن عبد اللّه بن عمر بن دينار بعد ذكر هزيمة أهل الجمل : و قال عليّ عليه السّلام لمحمد بن أبي بكر : سلها هل وصل إليها شي‏ء ؟ فسألها ، قالت : نعم ، وصل إليّ سهم خدش رأسي ، اللّه بيني و بينكم . فقال لها محمّد : و اللّه ليحكمنّ عليك يوم القيامة ما كان بينك و بين أمير المؤمنين ، حتّى تخرجين عليه و تؤلّبين النّاس على قتاله ، و تنبذي كتاب اللّه وراء ظهرك . فقالت : دعنا يا محمّد ، و قل لصاحبك يحرسني و الهودج كالقنفذ من النبل فرجع محمّد إليه عليه السّلام و أخبره بما جرى بينهما .

فقال عليه السّلام : هي امرأة و النساء ضعاف العقول ، فتولّ أمرها و احملها إلى دار ابن

-----------
( 1 ) هود : 46 .

-----------
( 2 ) الأحزاب : 32 .

-----------
( 3 ) الأحزاب : 30 .

[ 140 ]

خلف . فحملها ، و إنّ لسانها لا يفتر من السّب له و لعلي عليه السّلام 1 .

و قال ابن أبي الحديد : قوله عليه السّلام : « و الحساب على اللّه » يدل على توقفه في أمرها ، و يجوز أن يكون قاله قبل أن يتواتر عنده توبتها ، و قالت أصحابنا إنّها تابت بعد قتله عليه السّلام و ندمت و قالت : لوددت أنّ لي من النّبيّ عشرة بنين كلّهم ماتوا و لم يكن يوم الجمل ، و إنّها كانت بعد قتله عليه السّلام تثني عليه و تنشر مناقبه ،

و قد أكّد وقوع التوبة منها ما روي في الأخبار المشهورة أنّها زوجة النّبيّ في الآخرة أيضا 2 .

قلت : أمّا ما ذكره من توبتها بعد قتله عليه السّلام ، فإن أراد به ما قاله أبو الفرج في مقالته إنّ عايشة لمّا جاءها قتل أمير المؤمنين عليه السّلام سجدت و تمثلت :

فألقت عصاها و استقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر

ثم قالت : من قتله ؟ فقيل رجل من مراد ، فقالت :

فإن يك نائيا فلقد بغاه
غلام ليس في فيه التراب

فقالت لها زينب بنت ام سلمة : ألعلي عليه السّلام تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت فذكروني ، ثم تمثّلت :

ما زالت اهداء القصائد بيننا
شتم الصديق و كثرة الألقاب

حتّى تركت كأنّ قولك فيهم
في كل مجتمع طنين ذباب 3

و لمّا أرادوا دفن الحسن عليه السّلام ركبت عايشة بغلا و استعونت بني اميّة و بني مروان و من كان هناك منهم و من حشمهم ، و هو قول القائل :

-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 368 371 ، أنساب الأشراف 2 : 248 250 ، الأخبار الطوال : 151 ، تاريخ الطبري 4 : 509 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 199 200 .

-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 26 .

[ 141 ]

« فيوما على بغل و يوما على جمل »

1 ، فلعل و إلاّ فلم نقف على توبة لها بعده عليه السّلام .

و أمّا ما ذكره من نشرها مناقبه عليه السّلام و ثنائها عليه ، فإنّما كان من باب إجراء الحق على لسانها ، إتماما للحجة عليها و على أتباعها ، كما جرى على لسان أبيها و فاروقه و باقي ستتهم و عشرتهم و ساير أعوانهم ، و لم ينحصر ذلك منها بكونه بعد قتله عليه السّلام ، بل كان ذلك طول عمرها و في أيّام خلافته عليه السّلام التي تمنّت وقوع السماء على الأرض و عدم وصول الخلافة إليه عليه السّلام ، فقد عرفت أنّها قالت لأبي قتادة بعد فراغه من قتل الخوارج : سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : يقتلهم أحبّ الخلق إلى اللّه و إليّ .

مع أنّه لو أراد بأخبارهم المشهورة أخبار مثل سيف الذي يضع في مقابل كل أمر أمرا ، فقال : إنّ عايشة سئلت عن عدّة من كان معها و من كان عليها ، فكلّما نعي لها منهم واحد قالت : يرحمه اللّه . فقال لها رجل من أصحابها :

كيف ذلك ؟ قالت : كذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلان في الجنّة و فلان في الجنّة ، و قال عليّ يومئذ : إنّي لأرجو أن لا يكون أحد من هؤلاء نقى قلبه إلاّ أدخله اللّه الجنّة 2 .

و قال سيف أيضا : إنّ عايشة لمّا أرادت الارتحال من البصرة و دّعت النّاس و قالت : يا بنيّ يعتب بعضنا على بعض استبطاء و استزادة ، فلا يعتدن أحد منكم على أحد بشي‏ء بلغه من ذلك ، إنّه ما كان بيني و بين عليّ في القديم إلاّ ما يكون بين المرأة و أحمائها ، و إنّه عندي على معتبتي من الأخيار . و قال عليّ : أيّها النّاس صدقت و برّت ، ما كان بيني و بينها إلاّ ذلك ، و إنّها لزوجة نبيّكم

-----------
( 1 ) المصدر نفسه : 49 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 537 ، سنة 36 .

[ 142 ]

في الدّنيا و الآخرة 1 .

و قال أيضا : إنّ عليّا لمّا انتهى إلى عايشة قال لها : يغفر اللّه . قالت : و لك 2 ،

بل روى أن عليّا أيضا تاب كعايشة ، فقال : دخل القعقاع بن عمرو على عايشة في أوّل من دخل ، فقالت له : إنّي رأيت بالأمس رجلين اجتلدا بين يدي و ارتجزا بكذا ، فهل تعرف كوفيك منها ؟ قال : نعم ذلك الذي قال : « أ عقّ امّ نعلم » و كذب إنّك لأبرّ امّ نعلم ، و لكن لم تطاعي . فقالت : و اللّه لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . و خرج فأتى عليّا فأخبره أن عايشة سألته ، فقال : ويحك من الرجلان ؟ قال : ذاك أبو هالة الذي يقول : « كيما أرى صاحبه عليّا » . فقال : و اللّه لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . فكان قولهما واحد 3 .

كما انّه بدّل خبر نبح كلاب الحوأب لعايشة مع تواتره و اتفاق السير عليه ، بنبحها لام زمل ، و قال : هي عتيقة عايشة .

ففي ( الطبري ) في سنة ( 11 ) عن سيف : اجتمعت فلال غطفان إلى ظفر ،

و بها ام زمل و هي تشبه بامها امّ قرفة ، و في مثل عزّها و عندها جملها و كانت قد سبيت أيّام ام قرفة ، فوقعت لعايشة فأعتقها ، فكانت تكون عندها ثم رجعت إلى قومها . و كان النّبيّ دخل عليهن يوما فقال : إنّ إحداكن تستنبح كلاب الحوأب ، ففعلت ام زمل سلمى ذلك حين ارتدت ، فسيرت في ما بين ظفر و الحوأب ليجمع إليها كل فل 4 .

و من أخبار سيف : أنّه قيل لعليّ : إنّه قام رجلان على الباب فقال أحدهما :

« جزيت عنّا عقوقا » ، و قال الآخر : « يا امّنا توبي فقد خطأت » ، فبعث القعقاع بن

-----------
( 1 ) المصدر نفسه 4 : 544 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه 4 : 534 ، سنة 36 .

-----------
( 3 ) المصدر نفسه 4 : 537 ، سنة 36 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 263 264 ، سنة 11 .

[ 143 ]

عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه ، فأحالوا على رجلين فقال : اضرب أعناقهما ، ثم قال : لأنهكنهما عقوبة فضربهما مائة مائة و أخرجهما من ثيابهما 1 .

سبحان اللّه من هؤلاء يعبدون هذه المرأة من دون اللّه ؟ . . . و غرّهم في دينهم ما كانوا يفترون 2 و لا غرو فكانوا يأخذون بعر جملها و يقولون ريح بعر جمل امّنا ريح المسك ، و قد صرّحوا بعبادتهم لها من دون اللّه .

فقال الواقدي و المدائني و غيرهما : إنّه خرج من أهل البصرة شيخ صبيح الوجه ، نبيل عليه جبّة و شي‏ء يحض النّاس على الحرب و يقول :

يا معشر النّاس عليكم امّكم
فإنّها صلاتكم و صومكم 3

و أرادوا قتل أمير المؤمنين الذي هو نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنص القرآن ،

و ابنيه سيدي شباب أهل الجنّة و ريحانتي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و هم الذين شهد اللّه بعصمتهم و طهارتهم ، لامرأة تبرّجت تبرّج الجاهليّة الاولى ، و ضربها اللّه مثلا للذين كفروا كامرأة نوح و لوط ، فقال أبو مخنف : خرج عوف بن قطن الضبي و هو ينادي : ليس لعثمان ثار إلاّ عليّ و ولده ، و قال :

يا ام يا ام خلا مني الوطن
لا أبتغي القبر و لا أبغي الكفن

من هاهنا معشر عوف بن قطن
إن فاتنا اليوم عليّ فالغبن

أو فاتنا ابناه حسين و حسن
إذن أمت بطول همّ و حزن

و من المصيبة العظمى و ما يضحك الثكلى أنّها تجعل نفسها كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يصدّقونها ، فأخذت كفّا من حصى و حصبت بها أصحاب أمير

-----------
( 1 ) المصدر نفسه 4 : 540 ، سنة 36 .

-----------
( 2 ) آل عمران : 24 .

-----------
( 3 ) هو كعب بن سور الأزدي ، راجع بحار الأنوار 32 : 179 ح 132 .

[ 144 ]

المؤمنين عليه السّلام و صاحت بأعلى صوتها : شاهت الوجوه ، و قد كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فعل ذلك يوم حنين ، فقال لها قائل : . . . و ما رميت إذ رميت و لكن اللّه رمى . . . 1 .

و لقد كان الواجب أن يقال لها : ( و ما رميت إذ رميت و لكن الشيطان رمى ) ، و لكن لا غرو إذا كانت إلهتهم أن تكون نبيتهم ، فإن كان أصحاب سجاح يقولون : « أضحت نبيتنا انثى نطيف بها » ، و هؤلاء ليقولوا : أضحت إلهتنا انثى نطيف بها .

و لأجل أخبارهم المتناقضة و مذهبهم المتضاد ذهب جمع من أئمتهم كواصل بن عطاء و عمرو بن عبيد و أبي هذيل العلاف و أبى بكر الملقب بجريال ، بأنّ أحد الفريقين فاسق إمّا علي و إمّا طلحة و الزبير و عايشة ، أحد الفريقين فاسق لا بعينه كالمتلاعنين .

و قال هشام القوطي و عباد بن سليمان الصيمري : إنّ الجميع كانوا على حق ، و انّهم لم يريدوا القتال أصلا ، و إنّما أنشب القتال غوغاء الفريقين و هو مذهب سيف بن عمر .