
11
الخطبة ( 219 ) و من كلام له عليه السّلام لما مرّ بطلحة و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و هما قتيلان يوم الجمل :
لَقَدْ أَصْبَحَ ؟ أَبُو مُحَمَّدٍ ؟ بِهَذَا اَلْمَكَانِ غَرِيباً أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ ؟ قُرَيْشٌ ؟ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ اَلْكَوَاكِبِ أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ ؟ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ؟ وَ أَفْلَتَنِي أَعْيَانُ ؟ بَنِي جُمَحٍ ؟ لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا
-----------
( 1 ) الأنفال : 17 .
[ 145 ]
أَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ أقول : الذي وقفت عليه من كلامه عليه السّلام في قتلى الجمل طلحة و ابن عتاب و غيرهما ، من الزبير و كعب بن سور القاضي و محمد بن زهير و عبد اللّه بن خلف و عبد اللّه بن ربيعة بن رواح و سفيان بن حويطب و عبد اللّه بن حكيم بن حزام و عبد اللّه بن المغيرة بن الأخنس و عبد اللّه بن الأخنس بن شريق ، ما رواه المبرد في ( كامله ) عن التوزي عن محمّد بن عباد بن حبيب أحسبه عن أبيه قال : لمّا انقضى يوم الجمل خرج عليّ عليه السّلام في ليلة ذلك اليوم و معه قنبر و في يده مشعلة من نار يتصفّح القتلى حتّى وقف على رجل قال التوزي : فقلت :
أ هو طلحة ؟ قال : نعم . فلمّا وقف عليه قال : اعزز عليّ أبا محمّد أن أراك معفّرا تحت نجوم السماء و في بطون الأودية ، شفيت نفسي و قتلت معشري إلى اللّه أشكو عجري و بجري 1 .
و ما في المدائني في ( تاريخه ) : و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر إنّ عليّا عليه السّلام مر بطلحة و هو ملبّد بنفسه ، فوقف عليه و قال : أما و اللّه إن كنت لأبغض أن أراكم مصرّعين في البلاد ، و لكن ما حمّ واقع ، ثم تمثل :
و ما تدري إذا أزمعت أمرا
بأيّ الأرض يدركك المقيل
و ما يدري الفقير متى غناه
و لا يدري الغني متى يعيل
و ما تدري إذا أنتجت شولا
أتنتج بعد ذلك أم تحيل 2 .
و ما رواه زيد بن فراس عن غزال بن مالك كما في ( جمل المفيد ) قال :
لمّا قتل الزبير و جيء برأسه إلى عليّ عليه السّلام ، قال : أما و اللّه لو لا ما كان من أمر حاطب بن أبي بلتعة ، ما اجترأ طلحة و الزبير على قتالي ، و انّ الزبير كان أقرب
-----------
( 1 ) الكامل للمبرّد .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد .
[ 146 ]
إليّ من طلحة ، و مازال منّا أهل البيت حتّى بلغ ابنه فقطع ما بيننا 1 .
و ما رواه المفضل بن فضالة عن شداد بن الهاد عن محمّد بن إبراهيم قال : هرب الزبير على فرس له يدعى ذا الخمار إلى أن قال بعد مجيء ابن جرموز برأسه و سيفه استلّ عليّ عليه السّلام سيفه و قال : سيفه أعرفه ، أما و اللّه لقد قاتل بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و لكنّه الحين و مصارع السوء 2 .
و عن عبد اللّه بن جعفر عن ابن أبي عون مثله و زاد : ثم تفرّس في وجه الزبير و قال : لقد كان لك بالنبي صلّى اللّه عليه و آله صحبة و منه قرابة ، و لكن دخل الشيطان منخرك فأوردك هذا المورد 3 .
و روى ( جمل المفيد ) أيضا : أنّه لمّا انجلت الحرب و قتل طلحة و الزبير و حملت عايشة إلى قصر بني خلف ، ركب عليّ عليه السّلام و تبعه أصحابه و عمّار يمشي مع ركابه ، حتّى خرج إلى القتلى يطوف عليهم ، فمرّ بعبد اللّه بن خلف الخزاعي و عليه ثياب حسان مشهرة ، فقال النّاس : هذا و اللّه رأس النّاس .
فقال عليه السّلام : ليس برأس النّاس ، و لكنّه شريف منيع النفس .
ثمّ مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فقال : هذا يعسوب القوم و رأسهم كما تروه . ثم جعل يستعرض القتلى رجلا رجلا ، فلمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال : جدعت أنفي أما و اللّه إن كان مصرعكم لبغيضا اليّ و لقد قدّمت إليكم و حذّرتكم عضّ السيوف ، و كنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ، و لكن الحين و مصرع السوء نعوذ باللّه من سوء المصرع .
ثمّ سار حتّى وقف على كعب بن سور القاضي و هو مجدّل بين القتلى
-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 389 .
-----------
( 2 ) الطبقات الكبرى 3 : 111 112 ، تلخيص الشافي 4 : 137 ، الاحتجاج 1 : 163 .
-----------
( 3 ) الجمل للمفيد : 390 .
[ 147 ]
و في عنقه المصحف ، فقال : نحّوا المصحف وضعوه في مواضع الطهارة ، ثم قال : أجلسوا لي كعبا ، فاجلس فقال : يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقا ؟ ثم قال : اضجعوا كعبا . فتجاوزه ، فمر فرأى طلحة صريعا ، فقال :
أجلسوا طلحة ، فاجلس ، فقال عليه السّلام : يا طلحة بن عبيد اللّه قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ؟ ثم قال : اضجعوه . فوقف رجل من القرّاء أمامه فقال : يا أمير المؤمنين ما كلامك هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاما و لا تردّ جوابا فقال عليه السّلام : انّهما ليسمعان كلامي كما تسمع أصحاب القليب كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و لو اذن لهما في الجواب لرأيت عجبا .
و مرّ بمعبد بن مقداد و هو في الصرعى فقال عليه السّلام : رحم اللّه أبا هذا ، إنّما كان رأيه فينا أحسن من رأي هذا . فقال عمّار : الحمد للّه الذي أوقعه و جعل خدّه الأسفل ، إنّا و اللّه يا أمير المؤمنين لا نبالي من عن الحق عند من والد و ولد .
فقال عليه السّلام : رحمك اللّه يا عمّار و جزاك اللّه عن الحق خيرا .
و مرّ بعبد اللّه بن ربيعة بن رواح و هو في القتلى ، فقال عليه السّلام : هذا البائس ما كان أخرجه نصر لعثمان ، و اللّه ما كان رأي عثمان فيه و لا في أبيه بحسن .
و مرّ عليه السّلام بمعبد بن زهير بن اميّة فقال : لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام ، و اللّه ما كان فيها بذي نخيرة ، و لقد أخبرني من أدركه إنّه يلوذ خوفا من السيف حتّى قتل البائس ضياعا .
و مرّ بمسلم بن قرطبة فقال عليه السّلام : ألبر خرج هذا و لقد سألني أن اكلّم عثمان في شيء يدعيه عليه بمكّة ، فلم أزل به حتّى أعطاه و قال لي : لو لا أنت ما أعطيته ، إنّ هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ، ثمّ جاء المشوم لحينه ينصر عثمان .
[ 148 ]
ثمّ مرّ بعبد اللّه بن عمير بن زهير و قال : هذا أيضا ممّن أوضع في قتالنا ،
يطلب بزعمه دم عثمان ، و لقد كتب إليّ كتابا يؤدّي عثمان فأعطاه شيئا فرضي عنه .
و مرّ بعبد اللّه بن حكيم بن حزام فقال عليه السّلام : هذا خالف أباه في الخروج عليّ ، و إنّ أباه حيث لم ينصرنا بايع و جلس في بيته ، ما ألوم اليوم أحدا إذا كف عنّا و عن غيرنا ، و لكن الملوم الذي يقاتلنا .
و مرّ بعبد اللّه بن المغيرة بن الأخنس فقال : أمّا هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار ، فخرج غضبا لقتل أبيه و هو غلام لا علم له بعواقب الامور .
و مرّ بعبد اللّه بن الأخنس بن شريق فقال عليه السّلام : أمّا هذا فإنّي أنظر إليه و قد أخذ القوم السيوف و إنّه لهارب يعدو من الصف ، فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهته ، و كان هذا مما خفي على فتيان قريش ، أغمار لا علم لهم بالحرب ،
خدعوا و استزلوا فلمّا وقعوا لحجوا فقتلوا 1 .
و رواه ( الإرشاد ) مختصرا و فيه : في كعب هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنّه ناصر امّه ، يدعو النّاس إلى ما فيه و هو لا يعلم ما فيه ،
ثم استفتح فخاب كل جبّار عنيد ، أما إنّه دعا اللّه أن يقتلني فقتله اللّه اجلسوا كعبا . . .
و في طلحة قال عليه السّلام : هذا الناكث بيعتي و المنشيء الفتنة و المجلب عليّ و الداعي إلى قتلي و قتل عترتي ، أجلسوا طلحة . . . 2 .
و في ( كافية المفيد ) على نقل البحار و نقله ( الخوئي ) أيضا : عن خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عليه السّلام : مرّ عليّ عليه السّلام على طلحة و هو
-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 391 394 ، الشافي 4 : 344 ، الاحتجاج 1 : 163 164 ، بحار الأنوار 32 : 207 209 .
-----------
( 2 ) الإرشاد 1 : 254 257 ، بحار الأنوار 32 : 209 .
[ 149 ]
صريع فقال : أجلسوه فقال : أم و اللّه لقد كان لك صحبة ، و لقد شهدت و سمعت و رأيت ، و لكن الشيطان أزاغك و أمالك فأوردك جهنم 1 .
و روى أبو مخنف عن الأصبغ و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر قال : لمّا انهزم أهل البصرة ركب عليّ عليه السّلام بغلة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الشهباء و كانت باقية عنده و سار في القتلى يستعرضهم ، فمر بكعب بن سور قاضي البصرة و هو قتيل فقال : أجلسوه فاجلس . فقال : ويل امّك كعب بن سور ، لقد كان لك علم لو نفعك ، و لكن الشيطان أضلّك فأذلّك فعجلك إلى النار ،
أرسلوه .
ثم مر بطلحة قتيلا فقال : أجلسوه ، فأجلس فقال له : ويل امّك طلحة ، لقد كان لك قدم لو نفعك ، و لكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار .
ثم مر بعبد اللّه بن خلف الخزاعي و كان قتيلا بيده مبارزة ، و كان رئيس أهل البصرة فقال : أجلسوه ، فأجلس ، فقال : الويل لك يابن خلف لقد عانيت أمرا عظيما 2 .
و في ( جمل المفيد ) : روى إبراهيم بن نافع عن سعيد بن أبي هند قال :
أخبرنا أصحابنا ممّن حضر القتال يوم البصرة أنّ عليّا عليه السّلام قاتل يومئذ أشد القتال و سمعوه و هو يقول : تبارك اللّه الذي اذن لهذه السيوف تصنع ما تصنع .
و نظر عليه السّلام يومئذ إلى سفيان بن حويطب بن عبد العزى و هو يسترجع من الخوف و ما التحم من الشر ، فقال عليه السّلام له : انحز إلى أصحابي لا تقتل .
فانحاز إليهم إلى أن حمل أصحاب الجمل جملة ، فإذا هو قد صار في حيزهم ،
فحمل عليه رجل من همدان و عليّ عليه السّلام يصيح : « كف عنه » ، و الهمداني لا يفهم
-----------
( 1 ) كافية المفيد : 25 26 ، بحار الأنوار 32 : 201 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 248 249 .
[ 150 ]
حتّى قطعه اربا إربا . فقال عليه السّلام : يا ويحه لفّته السيوف و قد كان مقتله إليّ بغضيا 1 .
و في ( ذيل الطبري ) : مر عليّ عليه السّلام بعبد اللّه بن مقداد ، و امّه صباعة بنت الزبير بن عبد المطلب و كان قتل مع عايشة فقال : بئس ابن الاخت 2 .
قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام لما مرّ بطلحة » في ( جمل المفيد ) : و في رواية عليّ بن زيد بن جدعان : لمّا بلغ طلحة أنّ الزبير اندفع ، ذهب في طلبه فمر بمروان فرآه ، فقال : لا أطلب بثأري بدم بعد اليوم ، ثم رماه بسهم فقتله 3 .
« و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و هما قتيلان يوم الجمل » في ( جمل أبي مخنف ) : خرج عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن العاص بن اميّة بن عبد الشمس و هو من أشراف قريش و كان اسم سيفه ولول فارتجز و قال :
أنا ابن عتّاب و سيفي و لول
و الموت عند الجمل المجلل
فحمل عليه الأشتر فقتله 4 .
و في ( جمل المفيد ) : روى محمّد بن عبيد اللّه عن عمرو بن دينار عن صفوان قال : لمّا تصاف النّاس يوم الجمل ، أقبل الأشتر النخعي و جندب بن زهير العامري قبال الجمل يرفلان في السلاح ، حتّى قتلا عبد الرحمن بن عتاب و معبد بن زهير بن خلف بن اميّة 5 .
و روى محمّد بن عبد اللّه قال : قطعت يوم الجمل يد عبد الرحمن و فيها الخاتم ، فأخذه نسر فطرحه باليمامة فأخذه أهل اليمامة و اقتلعوا حجره ،
-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 361 .
-----------
( 2 ) ذيل تاريخ الطبري 11 : 620 .
-----------
( 3 ) الجمل للمفيد : 384 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 264 265 .
-----------
( 5 ) الجمل للمفيد : 364 .
[ 151 ]
و كان ياقوتا فابتاعه رجل منهم بخمسمائة دينار ، فقدم به مكّة فباعه بربح عظيم 1 .
و في ( المروج ) : اصيب كفّه بعد يوم الجمل بثلاثة أيّام و في خاتمه ( عبد الرحمن بن عتاب ) 2 .
هذا و قال ابن أبي الحديد : و عبد الرحمن هو الذي قال عليه السّلام فيه و قد مر عليه : لهفي عليك يعسوب قريش ، هذا فتى الفتيان ، هذا اللباب المحض من بني عبد مناف ، شفيت نفسي و قتلت معشري ، إلى اللّه أشكو عجري و بجري . فقال له قائل : لشد ما أطريت الفتى منذ اليوم ، فقال : إنّه قام عنّي و عنه نسوة لم يقمن عنك 3 .
قلت : الأصل فيه ( بيان الجاحظ ) فعبّر بمثله . و زاد بعد قوله ( و بجري ) :
قتلت الصناديد من بني عبد مناف و أفلتني الأعيار من بني جمح . فقال الخ . . .
و كذا ( مروج المسعودي ) فقال : مر عليّ عليه السّلام على عبد الرحمن فقال :
لهفي عليك يعسوب قريش ، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف ، شفيت نفسي و جدعت أنفي . فقال له الأشتر : ما أشدّ جزعك عليهم و قد أرادوا بك ما نزل بهم .
فقال : إنّه قامت عني و عنهم . . . و هو من أخبارهم الموضوعة ، فأمير المؤمنين عليه السّلام لم يكن يثني على المنافقين ، فإنّهم و إن كانوا من حيث الجسم و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم . . . 4 ، لكنّهم من حيث الروح . . . كأنّهم خشب مسندة . . . 5 .
-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 364 ، تجارب الامم 1 : 331 ، شرح ابن أبي الحديد 11 : 124 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 2 : 380 ، و الآية 4 من سورة المنافقين .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 249 .
-----------
( 4 ) سورة المنافقين : 4 .
-----------
( 5 ) مروج الذهب 2 : 380 .
[ 152 ]
قوله عليه السّلام على نقل المصنّف « لقد أصبح أبو محمّد » يعني طلحة ، فكان مكنيا باسم ابنه محمّد بن طلحة الذي كان يوم الجمل كلّما حمل عليه رجل قال : نشدتك ب « حم » فينصرف عنه ، حتّى شد عليه رجل من بني أسد بن خزيمة فنشده فلم يثنه ذلك و طعنه فقتله و قال :
و أشعث سجاد بآيات ربه
قليل الأذى في ما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه
فخر صريعا لليدين و للفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا
عليّا و من لا يتبع الحق يندم
يذكرني حم و الرمح شاجر
فهلا تلاحم قبل التقدم
ثم قد عرفت رواية أبي مخنف و روايات ( جمل المفيد ) و ( إرشاده ) و ( كافيته ) فيه ، و أنّه عليه السّلام لمّا مر عليه قال : أجلسوه ، فاجلس فقال له : و الفظ للاول لقد كان لك قدم لو نفعك ، و لكن الشيطان أضلّك فأزلّك فعجّلك إلى النار .
و أما قول ( المروج ) : نادى عليّ رضى اللّه عنه طلحة حين رجع الزبير : يا أبا محمّد ما الذي أخرجك ؟ قال : الطلب بدم عثمان . فقال له : أما سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول :
اللهم وال من والاه و عاد من عاداه ، و أنت أوّل من بايعني ثم نكثت ، و قد قال عزّ و جلّ . . . فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه . . . 1 فقال : أستغفر اللّه . ثم رجع .
فقال مروان : رجع الزبير و رجع طلحة ما ابالي رميت هاهنا أم هاهنا فرماه في اكحله فقتله .
فمر به عليّ عليه السّلام بعد الوقعة في موضع في قنطرة قرة ، فوقف عليه فقال : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، و اللّه لقد كنت كارها ، أنت و اللّه كما قال القائل :
-----------
( 1 ) سورة الفتح : 10 .
[ 153 ]
فتى كان يدنيه الفتى من صديقه
إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر
كأنّ الثريا علقت في يمينه
و في خده الشعرى و في الآخر البدر 1
فمن الأخبار الموضوعة ، فلم يقل أحد أن مروان رماه لمّا أراد الرجوع ،
بل لكونه أوّل محرّض على عثمان حتّى قتل و منع من دفنه .
و كيف يتكلّم أمير المؤمنين بالمزخرفات الشعرية و التّرهات الباطلة ،
من كون الثريا في يمين رجل و الشعرى في خدّه و البدر في يساره . و إنّما دعاهم إلى وضع هذا الخبر أنّ قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه عليه السّلام : « اللهم وال من والاه و عاد من عاده » متواترا ، فيلزم أن يكون عدوّ اللّه و قد جعلوه من العشرة المبشّرة فافتروا بهذه الفرية .
و كيف تاب طلحة أم مدحه عليه السّلام و قد روى الواقدي كما في ( جمل المفيد ) أنّ عليّا عليه السّلام قام خطيبا بعد الفتح و قال : إنّي أحمد اللّه على نعمه ، قتل طلحة و الزبير و هربت عايشة ، و ما ازداد عدوّكم بما صنع اللّه إلاّ حقدا و ما زادهم الشيطان إلاّ طغيانا ، و لقد جاؤوا مبطلين و أدبروا ظالمين ، و إنّنا لعلى الحق و إنّهم لعلى الباطل ، و يجمعنا اللّه و إيّاهم يوم الفصل 2 .
و روى أيضا : أنّه عليه السّلام كتب بعد الفتح إلى أهل الكوفة : أمّا بعد فإنّا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا ، المفرّقين لجماعتنا ، الباغين علينا من امّتنا ، فحاججناهم إلى اللّه ، فنصرنا اللّه عليهم و قتل طلحة و الزبير ، و قد تقدمت إليهما بالنذر ، و أشهدت عليهما صلحاء الامّة ، فما أطاعا المرشدين
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 373 374 .
-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 402 .
[ 154 ]
و لا أجابا الناصحين 1 .
و من أخبارهم الموضوعة ما في ( خلفاء ابن قتيبة ) : إنّ موسى بن طلحة دخل على عليّ عليه السّلام بعد انهزامهم ، فقال له علي : إنّي لأرجو أن أكون أنا و أبوك ممّن قال تعالى فيهم : و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين 2 و قال له ابن الكوا : أمسيت بالبصرة ، فقال : كان عندي ابن أخي .
قال : و من هو ؟ قال : موسى بن طلحة . فقال ابن الكوا : لقد شقينا إن كان ابن أخيك . فقال عليّ : ويحك إنّ اللّه قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد كان غفر لكم . ثم قال ابن الكوا لعليّ : من أخبرك بمسيرك هذا الذي سرت فيه ،
تضرب النّاس بعضهم ببعض و تستولي بالأمر عليهم أرأي رأيته حين تفرّقت الامة و اختلفت الدعوة ، فرأيت أنّك أحق بهذا الأمر منهم لقرابتك . فإن كان رأيا رأيته أجبناك فيه ، و إن كان عهدا عهده إليك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فأنت المأمون على النّبيّ في ما حدّثت عنه . فقال : أنا أوّل من صدقه ، فلا أكون أوّل من كذب عليه ،
أمّا أن يكون عندي عهد منه فلا و اللّه ، و لكن لمّا قتل النّاس عثمان نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من النّبيّ قد هلكا و لا عهد لهما ، و إذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل ، و خرجت ربقته من عنقي لأنّه قتل و لا عهد له 3 .
فيقال لهم في الآية : إنّه تعالى قال في المتقين : و نزعنا ما في صدورهم من غل . . . 4 لا للمفسدين في الأرض ، و أي مفسد في الأرض أفسد من طلحة الذي قتل عثمان ثم قتل آلافا من المسلمين باسم الطلب بدمه ،
-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 403 ، الشافي 4 : 330 .
-----------
( 2 ) الحجر : 47 .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة 1 : 78 79 .
-----------
( 4 ) الحجر : 47 .
[ 155 ]
و موسى ابنه لم يكن بدونه فهو الذي شهد على حجر بإباحة دمه لكونه شيعته عليه السّلام .
و يقال لهم في حديثهم : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » اعملوا ما شئتم إنّه بما تعملون بصير 1 .
و يقال لهم في مسيره عليه السّلام إلى أهل الجمل : إنّه من المتواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حديث الناكثين كالقاسطين و المارقين . و كيف لم يكن عنده عليه السّلام عهد منه صلّى اللّه عليه و آله ، و قد علم رواية و دراية قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله للزبير : إنّك ستقاتل عليّا ظالما ؟ و قد أقر الزبير به و احتمل عاره في توليته الدبر عنه ، و قد قال ابنه له : إنّه لا يغسل عاره عنهم إلى آخر الدهر .
و يقال في قوله : « الخليفتان اللذان أخذاها من النّبيّ » ان الأوّل أخذها بإحراق أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و الثاني بمعاهدة الأوّل له و معاضدته له ، كما أن الثالث أخذها باختيار ابن عوف له بتدبير الثاني له ، لكتابته له استخلاف الأوّل له في غشوته ، و إن أمضاه بعد إفاقته .
كما أنّ قوله : « إنّ الثالث قتل و لا عهد له » أيضا كذب ، فعهد إلى معاوية فجعله ولي دمه في متواتر رواياتهم ، و كان لم ير في مروان لياقة و لا كان مالكا لنفسه ، و إلاّ لكان لجعله ولي عهده ، و كيف لا و قد رضي بقتل نفسه ، و لم يرض أن يصل إليه مكروه بفساداته في الدين ، و قد حكم بأنّه أفضل من أمير المؤمنين عليه السّلام ، افّ لهم و لما يعبدون من دون اللّه .
و من أخبارهم الموضوعة ما في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : دخل بعض أصحاب عليّ عليه السّلام على طلحة و هو يجود بنفسه ، فقال له : اشهد على أنّي بايعت أمير المؤمنين عليّا ثم مات فاخبر الرجل عليّا فقال : رحمه اللّه .
-----------
( 1 ) فصلت : 40 .
[ 156 ]
و تأسف عليه ، و قال : الحمد للّه الذي لم يخرجه من الدّنيا إلاّ و بيعتي في عنقه 1 .
و ما فيه ذكر الميداني : أنّ عليّا لمّا وقف على القتلى قال : أشكو إليك عجري و بجري ، و معشرا اغشوني على بصري ، قتلت مضري بمضري شفيت نفسي و قتلت معشري 2 .
و ما قاله ابن أبي الحديد ، بعد نقل خبر أبي مخنف المتقدّم : روت المعتزلة أنّ عليّا قال : اعزز عليّ أبا محمّد أن أراك معفّرا تحت نجوم السماء ،
أبعد جهادك في اللّه و ذبك عن نبيّه . فجاء إليه إنسان فقال : أشهد لقد مررت عليه بعد أن أصابه السهم و هو صريع ، فصاح بي : اشهد أنّي بايعت عليّا 3 .
و ما قاله الجزري : قال الشعبي : لمّا قتل طلحة و رآه عليّ مقتولا جعل يمسح التراب عن وجهه و قال : عزيز أبا محمّد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء . ثم قال : إلى اللّه أشكو عجري و بجري . و ترحم عليه ، و قال : ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . و بكى هو و أصحابه عليه ، و سمع رجلا ينشد :
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر
فقال : ذاك أبو محمّد طلحة بن عبيد اللّه 4 فإنّها خلاف العقل و النقل و الدراية .
و لم ينحصر جعلهم الأخبار بطلحة ، و قد وضعوا لكعب بن سور القاضي و غيره من أهل الجمل ، فقال سيف الوضّاع : لمّا اتي عليّ بكعب قال :
زعمتم إنّما خرج معهم السفهاء و هذا الحبر قد ترون . و جعل عليّ كلّما مر برجل فيه خير قال : زعم من زعم إنّه لم يخرج إلينا إلاّ الغوغاء هذا العابد
-----------
( 1 ) تذكرة ابن الجوزي : 77 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 79 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 248 .
-----------
( 4 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري 3 : 255 .
[ 157 ]
المجتهد و صلّى على قتلى أهل البصرة . . . 1 و كل ما قاله بهتان .
« بهذا المكان غريبا » لكونه من أهل المدينة ، و قد قتل في البصرة .
و في رواية سفيان بن عنبسة كما في ( جمل المفيد ) عن أبي موسى عن الحسن البصري قال : رأيت طلحة حين أصابه السهم ، قال : ما رأيت كاليوم مصرع شيخ أضيع من مصرعي .
قال الحسن : و قد كان قبل ذلك جاهد جهادا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وقاه بيده ،
فضيّع أمر نفسه ، و لقد رأيت قبره مأوى الشقاء يضع عنده غريبة ، ثم يقضي عنده حاجته ، فما رأيت أعجب من هؤلاء 2 .
« أما و اللّه لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب » في خبر الحسن البصري المتقدم : و أما الزبير فانّه أتى حيّا من أحياء العرب فقال :
أجيروني و قد كان قبل ذلك يجير و لا يجار عليه قال : و ما الذي أخافك و اللّه ما أخافك إلاّ ابنك . فأتبعه ابن جرموز ثؤلول من أثاليل العرب فضاع دمه ،
و هذا قبره بوادي السباع مخراة للثعالب ، و عز عليّ هذه الشقوة التي كتبت عليه و على صاحبه 3 .
و في ( جمل المفيد ) : روى محمّد بن عبد اللّه عن عمر بن دينار عن صفوان قال : لمّا تصاف النّاس يوم الجمل صاح صائح من أصحاب عليّ عليه السّلام : يا معشر شباب قريش أراكم قد لححتم و غلبتم على أمركم هذا ، و إنّي انشدكم اللّه أن تحقنوا دماءكم و لا تقتلوا أنفسكم 4 .
و روى محمّد بن موسى عن محمّد بن إبراهيم عن أبيه ، قال : سمعت
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 538 ، سنة 36 .
-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 385 ، و قريب منه ما في شرح ابن أبي الحديد 9 : 113 114 .
-----------
( 3 ) الجمل للمفيد : 385 .
-----------
( 4 ) المصدر نفسه : 364 .
[ 158 ]
معاذ بن عبيد اللّه التميمي و كان قد حضر الجمل يقول : لمّا التقينا و اصطففنا نادى منادي عليّ : يا معشر قريش أبقوا على أنفسكم ، فإنّي أعلم إنّكم قد خرجتم و ظننتم أنّ الأمر لا يبلغ إلى هذا ، فاللّه اللّه في أنفسكم ، فإنّ السيف ليس له بقيا ، فإن أحببتم فانصرفوا ، حتّى نحاكم هؤلاء القوم ، و إن أحببتم فإليّ ،
فإنّكم آمنون بأمان اللّه . فاستحيينا أشدّ الحياء و أبصرنا ما نحن فيه ، و لكن الحفاظ حملنا على الصبر مع عايشة ، حتّى قتل من قتل منّا 1 .
هذا و من أمثالهم : ( ذهب القوم تحت كلّ كوكب ) 2 أي : تفرّقوا .
« أدركت وتري » في ( الصحاح ) : ( الوتر ) بالكسر ( الفرد ) و بالفتح الذحل .
هذه لغة أهل العالية . و أمّا أهل الحجاز فبالضد منهم . و أمّا تميم فبالكسر فيهما .
و الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه 3 .
قلت : و الأصل في الثاني الأوّل . ففي ( الأساس ) : و ترت الرجل قتلت حميمه فأفردته منه 4 .
و أهل العالية أي : أهل نجد .
« من بني عبد مناف » كانوا أربعة : بنو عبد شمس و بنو نوفل و بنو المطلب و بنو هاشم ، و المراد الأولان لأنّه عليه السّلام من بني هاشم ، و بنو المطلب كانوا معهم في الجاهلية و الإسلام ، كما أنّ الأولين كانوا عليهما فيهما و لا سيما الأوّل مع الاخير ، و قد فسّر قوله تعالى : هذا خصمان اختصموا في ربّهم . . . 5 ببني عبد شمس مع بني هاشم ، فالأولون نفوه و الأخيرون أثبتوه .
-----------
( 1 ) المصدر نفسه : 364 365 .
-----------
( 2 ) مجمع الأمثال للميداني ، تحت الرقم 1488 .
-----------
( 3 ) الصحاح 2 : 842 843 ، مادة : ( وتر ) .
-----------
( 4 ) أساس البلاغة : 491 ، مادة : ( وتر ) .
-----------
( 5 ) الحج : 19 .
[ 159 ]
في تفسير محمّد بن العباس عن الصادق عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ : فإمّا نذهبن بك فإنّا منهم منتقمون 1 اللّه انتقم بعليّ عليه السّلام يوم البصرة ، و هو الذي وعد اللّه رسوله 2 .
و عن يوسف الأزرق قال : قرأت على الأعمش في ( الزخرف ) حتّى انتهيت إلى قوله تعالى : فإمّا نذهبنّ بك فإنّا منهم منتقمون فقال : أتدري في من نزلت الآية ؟ قلت : اللّه أعلم . قال : نزلت في عليّ عليه السّلام 3 .
و في ( تفسير الطبري ) : قال جابر الأنصاري : إنّي لأدناهم من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع فقال : لألفينكم ترجعون بعدي كفّارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، و ايم اللّه لئن فعلتموها لتعرفني في الكتيبة التي تضاربكم ثم التفت إلى خلفه فقال ( أو عليّ ) ثلاث مرات فرأينا أنّ جبرئيل غمزه . فأنزل تعالى إثر ذلك : فإمّا نذهبن بك فإنّا منهم منتقمون بعليّ بن أبي طالب 4 .
و روى السمعاني منهم في ( فضائله ) ، و ابن المغازلي منهم في ( مناقبه ) نزول الآية فيه عليه السّلام 5 .
و في ( الطبري ) : عن ابن أبي يعقوب : قتل عليّ بن أبي طالب يوم الجمل ألفين و خمسمائة من الأزد ألف و ثلاثمائة و خمسون و من بني ضبة ثمانمائة و من ساير النّاس ثلاثمائة و خمسون .
و قيل لأبي لبيد الأزدي : لم تسب عليّا ؟ فقال : ألا أسبّ رجلا قتل منّا ألفين
-----------
( 1 ) الزخرف : 41 .
-----------
( 2 ) البرهان في تفسير القرآن 4 : 144 ، و قريب منه ما في تفسير القمّي 2 : 284 .
-----------
( 3 ) تفسير فرات الكوفي : 403 ، الآية 41 من سورة الزخرف .
-----------
( 4 ) لا وجود له في تفسير الطبري راجع 25 : 45 في تفسير الآية 41 من سورة الزخرف ، دار المعرفة ، بيروت ، ذكره السيوطي في الدر المنثور 6 : 16 و الطبرسي في المجمع 9 : 49 .
-----------
( 5 ) المناقب لابن المغازلي : 274 275 .
[ 160 ]
و خمسمائة ، و الشمس هاهنا 1 .
و في ( المروج ) : و قتل من النّاس حتّى لم يكن أحد يعزي أحدا ، و اشتغل أهل كل بيت بمن لهم ، و قطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة ، معهم كعب بن سور القاضي متقلّدا مصحفا ، كلّما قطعت يد واحد منهم قام آخر فأخذ الخطام و قال : أنا الغلام الضبي 2 .
و قتل من أصحابه عليه السّلام في ذلك اليوم خمسة آلاف و من أصحاب الجمل و أهل البصرة و غيرهم ثلاثة عشر ألفا . و قيل غير ذلك 3 .
و في ( جمل المفيد ) : فأمّا الأخبار عن عدد من قطعت يده يومئذ و رجله ثم قتل بعد ذلك فهي مشهورة بأنّهم كانوا نحوا من أربعة عشر ألف رجل 4 .
هذا و قال ابن أبي الحديد : قال الراوندي : ( يعني عليه السّلام ببني عبد مناف طلحة و الزبير ) ، و هو غلط قبيح لأن طلحة من تيم بن مرّة ، و الزبير من أسد بن عبد العزى بن قصي 5 .
قلت : يقال لابن أبي الحديد : اعتراضك على الراوندي صحيح ، في أنّ طلحة و الزبير ليسا من بني عبد مناف ، إلاّ إنّك لم لم تفسر المراد منهم ؟ فلم يعلم قتل معروف من بني عبد مناف ذاك اليوم سوى عبد الرحمن بن عتاب المتقدّم ، و أمّا مروان و ولد عثمان فإنّهم و إن شهدوا الجمل إلاّ أنّهم لم يقتلوا ،
فلا بد أن يحمل لفظ المصنّف : ( أدركت و تري من بني عبد مناف ) و لفظ الجاحظ : ( قتلت الصناديد من بني عبد مناف ) و لفظ المسعودي : ( قتلت
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 454 ، سنة 36 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 2 : 375 .
-----------
( 3 ) المصدر نفسه 2 : 380 .
-----------
( 4 ) الجمل للمفيد : 419 .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 124 .
[ 161 ]
الغطاريف من بني عبد مناف ) إن صحّت روايتهم على أنّ مراده ليس قتلهم في ذاك اليوم فقط ، بل في ذلك اليوم و في أيّام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بدر و غيرها .
هذا و أراد ابن ميثم أن يصحح كلام الراوندي فأتى بأغلط فقال : « كان طلحة و الزبير من بني عبد مناف من قبل الام » 1 فواضح أنّه لا يقال بنو فلان إلاّ لمن كان منسوبا إلى ذاك الفلان بالأب دون الام ، مع أنّ طلحة لم تكن امّه من بني عبد مناف أصلا ، بل يمنية من حضر موت اليمن ، و هي صعبة الحضرمية ،
و كيف تكون من عبد مناف و قد وصفها أبو سفيان بعدم نسب ثاقب لها ، فإنّها كانت قبل عبيد اللّه أبي طلحة تحت أبي سفيان فطلقها ثم تبعتها نفسه فقال :
إنّي و صعبة فيما يرى بعيدان
و الود دان قريب
فإن لم يكن نسب ثاقب
فعند الفتاة جمال و طيب
و أمّا الزبير و إن كانت امّه صفيّة بنت عبد المطلب ، إلاّ أنّه عرفت أنّ المراد من بني عبد مناف غير بني هاشم ، كما أنّ المراد بقريش في قوله : « لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب » باقي طوائف قريش غيرهم . ثم إنّ الخوئيّ توهم أنّ كلام ابن ميثم تحته شيء ، فقال : رد ابن ميثم ابن أبي الحديد بكونهما من بني عبد مناف من قبل الام 2 .
« و أفلتني » هكذا في ( المصرية ) 3 ، و الصواب : ( أفلتتني ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 4 و ( الخطيّة ) أي : فاتتني من : أفلت الطائر .
هذا و في ( الأغاني ) : كان الحرث بن خالد المخزومي الشاعر واليا على مكة من قبل عبد الملك ، و كان أبان بن عثمان ربما جاءه كتاب عبد الملك أن
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 4 : 52 .
-----------
( 2 ) منهاج البراعة ( شرح الخوئي ) 14 : 187 .
-----------
( 3 ) نهج البلاغة 2 : 229 .
-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 11 : 124 و لكن في شرح ابن ميثم 4 : 51 ، و أفلتني أيضا .
[ 162 ]
يصلّي بالناس و يقيم لهم حجّة ، فتأخر كتابه عنه في سنة حرب ابن الأشعث و لم يأت الحرث كتاب ، فلما حضر الموسم شخص أبان من المدينة فصلّى بالناس ، و عاونته بنو اميّة و مواليهم فغلب الحرث على الصلاة فقال الحرث :
فإن تنج منها يا أبان مسلما
فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب
فبلغ ذلك الحجّاج فقال : و ما لي و للحرث ، أ يغلبه أبان على الصلاة و يهتف بي ، ما ذكره إياي 1 .
« أعيان » هكذا في ( المصرية ) 2 ، و الصواب : ( أعيار ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 3 و ( الخطيّة ) .
في ( الصحاح ) : العير : الحمار الوحشي و الأهلي أيضا ، و الانثى : عيرة و الجمع : أعيار .
قال أبو عمرو بن العلا : ذهب من كان يعرف معنى بيت الحارث بن حلزة « زعموا ان كل من ضرب العير موال لنا و أنا الولاّء » .
و معنى قولهم : « ما أدري من أيّ ضرب العير هو » أيّ النّاس هو . و عير القوم : سيدهم و قولهم : « عير بعير و زيادة عشرة » ، كان الخليفة من بني اميّة إذا مات و قام آخر زاد في أرزاقهم عشرة دراهم 4 .
و في ( الأساس ) قولهم : ( هو كجوف العير ) العير : الحمار ، لأنّه ليس في جوفه ما ينتفع به ، و قيل رجل خرّب اللّه واديه ، قال :
لقد كان جوف العير للعين منظرا
أنيقا و فيه للمجاور منفس
-----------
( 1 ) الأغاني 3 : 333 334 .
-----------
( 2 ) نهج البلاغة 2 : 229 .
-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 11 : 123 ، و لكن في شرح ابن ميثم 4 : 51 أعيان أيضا .
-----------
( 4 ) الصحاح 2 : 762 763 ، مادة : ( عير ) .
[ 163 ]
و قد كان ذا نخل و زرع و جامل
فأمسى و ما فيه لباغ معرّس 1
هذا و في ( لحن العيون ) : قال فيل مولى زياد لزياد : اهدوا لنا همار وحش أي : حمار وحش فقال : ويلك ما تقول فقال : ( اهدوا لنا ايرا ) أي : عيرا ، فقال زياد : الأوّل خير .
بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي أحد بطون قريش .
قال ابن أبي الحديد : قال الراوندي : ( مروان من بني جمح ) . كان هذا الفقيه بعيدا من الأنساب ، فمروان من بني اميّة ، و جمح تميم بن عمرو أخو سهم بن عمرو رهط عمرو بن العاص ، و قد كان جمع منهم مع عايشة ، هربوا و لم يقتل منهم إلاّ اثنان ، هرب منهم عبد اللّه بن صفوان و يحيى بن حكيم و عامر بن مسعود المسمّى دحروجة الجعل لقصره و سواده و أيوب بن حبيب ، و قتل منهم عبد الرحمن بن وهب و عبد اللّه بن ربيعة 2 .
قلت : مع أنّ مروان لم يفلته بل شفع له الحسنان عليهما السّلام فأطلقه .
ففي ( المروج ) : جهّز عليّ عليه السّلام عايشة لرجوعها إلى المدينة ، ثم أتاها مع أهل بيته و شيعته ، فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه و قلن : يا قاتل الأحبّة . فقال عليه السّلام : لو كانت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت و أشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان و ابن الزبير و عبد اللّه بن عامر و غيرهم . فضرب من كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لمّا علموا من في البيت ، مخافة أن يخرجوا فيغتالوهم ، فسألته عايشة أن يؤمن ابن اختها عبد اللّه بن الزبير فآمنه ، و تكلّم الحسنان عليهما السّلام في مروان فآمنه و آمن الوليد بن
-----------
( 1 ) أساس البلاغة : 318 ، مادة : ( عير ) .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 124 125 .
[ 164 ]
عقبة و ولد عثمان و غيرهم من بني اميّة 1 .
ثم العجب ان ابن ميثم قال هنا أيضا : « و قيل كان مروان من جمح » 2 .
« لقد اتلعوا » أي : مدّوا .
« أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله فوقصوا » أي : كسروا أعناقا من ( وقص يقص ) بمعنى الكسر للعنق لا ( وقص يوقص ) بمعنى قصره .
دونه أي : دون ذلك الأمر . قال ابن أبي الحديد : إن قلت : طلحة و الزبير لم يكونا أهلا تركت مذهب أصحابك ، و إن لم تقله خالفت قوله عليه السّلام . ثم قال : هما أهل ما لم يطلبها عليه السّلام ، فإذا طلبها لم يكونا هما و غيرهما أهلا ، و لو لا طاعته لمن تقدّم لم نحكم بصحة خلافتهم 3 .
قلت : أي أثر لطاعة عن كره ؟ و هو عليه السّلام لم يقل إنّهما لم يكونا أهلا في مقابلي ، بل أصلا مع أنّ فاروقهم أيضا قال بعدم أهليتهما ، و إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات و هو ساخط على طلحة ، و إنّ الزبير يوما إنسان و يوما شيطان .
هذا و يمكن ألاّ يكون المراد بقوله عليه السّلام بالأمر في قوله : « لقد اتلعوا إلى أمر » أمر الخلافة ، بل أمر الحرب ، و يكون الفاعل في ( أتلعوا ) مطلق قريش ، فمر في رواية ( جمل المفيد ) : أنّه عليه السّلام لمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال عليه السّلام : و لقد تقدمت إليكم و حذّرتكم عض السيوف ، و كنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ، و لكن الحين و مصرع السوء . و مرت روايات اخرى في ذلك .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 377 378 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 4 : 52 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 126 .
[ 165 ]