13

الخطبة ( 9 ) و من كلام له عليه السّلام :

وَ قَدْ أَرْعَدُوا وَ أَبْرَقُوا وَ مَعَ هَذَيْنِ اَلْأَمْرَيْنِ اَلْفَشَلُ وَ لَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ وَ لاَ نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ أقول : و رواه المفيد في ( جمله ) أبسط مع اختلاف ، فقال : و بلغ أمير المؤمنين عليه السّلام لغط القوم و اجتماعهم على حربه فقام خطيبا ، ثم قال : إنّ طلحة و الزبير قدما البصرة و قد اجتمع أهلها على طاعة اللّه و بيعتي ، فدعواهم إلى معصية اللّه و خلافي ، فمن أطاعهما منهم فتنوه ، و من عصاهما قتلوه ، و قد كان من قتلهما حكيم بن جبلة ما بلغكم و قتلهما السبابجة ، و فعلهما بعثمان بن حنيف ما لم يخف عليكم ، و قد كشفوا الآن القناع و آذنوا بالحرب . و قام طلحة بالشتم و القدح في أديانكم و قد أرعد ( هو ) و صاحبه و أبرقا ، و هذان أمران معهما الفشل إلى أن قال و لسنا نرعد حتّى نوقع و لا نسيل حتّى نمطر ، و قد خرجوا من هدى إلى ضلال و دعوناهم إلى الرضى و دعونا إلى السخط ، فحلّ لنا و لكم ردّهم إلى الحق بالقتال و حل لهم بقصاصهم القتل ، و قد و اللّه مشوا إليكم ضرارا ، و أذاقوكم أمس من الجمر ، فإذا لقيتم القوم غدا فاعذروا في الدعاء و أحسنوا في التقية ، و استعينوا اللّه ، و اصبروا إنّ اللّه مع الصّابرين .

فقام إليه حكيم بن مناف حتّى وقف بين يديه و قال :

أبا حسن أيقظت من كان نائما
و ما كل من يدعى إلى الحق يسمع 1

و روى ( الكافي ) : عن الحسن بن محبوب : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطب يوم الجمل و قال : و قد كنت و ما اهدّد بالحرب و لا ارهّب بالضرب أنصف

-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 331 332 .

[ 173 ]

القارة من راماها ، فلغيري فليبرقوا و ليرعدوا ، فأنا أبو الحسن الذي فللت حدّهم و فرّقت جماعتهم 1 .

« و قد أرعدوا و أبرقوا » في ( كامل المبرد ) : زعم الأصمعي أنّ أرعد خطأ ،

و أنّ الكميت أخطأ في قوله :

أرعدوا برق يا يزيد
فما وعيدك لي بضائر 2

و زعم أنّ البيت الذي يروى لمهلهل :

انبضوا معجس القسى و أبرقنا
كما ترعد الفحول الفحولا

مصنوع محدث . و روى غير الأصمعي أرعد و أبرق 3 .

و في ( الجمهرة ) : قال أبو حاتم للأصمعي لا تقول في التهدّد : أرعد و أبرق ، و قد قاله الكميت ، فقال : هو جر مقاني من أهل الموصل . و قال : وقف علينا أعرابي محرم فقلت : أتقول : أرعد و أبرق ؟ فقال : نعم . فأخبرت بذلك الأصمعي فلم يلتفت إليه و أنشدني :

إذا ما جاوزت من ذات عرق تنية
فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد 4

قلت : و الصواب خطأ الأصمعي ، فاستعمال رعد و برق لا يدل على عدم جواز استعمال أرعد و أبرق . فقال ابن السكيت : حكى ابو عبيدة و أبو عمرو اللغتين عن العرب و جوّزه أبو زيد و الفراء و غيرهما ، و يدل على بطلان قوله مضافا إلى كلامه عليه السّلام و بيت الكميت و قول الأعرابي و بيت مهلهل و ادعاؤه أنّه مصنوع بلا شاهد كلامه عليه السلام في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر ،

ففي الطبري أنّه عليه السّلام كتب إليه مشيرا إلى معاوية و عمرو بن العاص ( فلا يهلك

-----------
( 1 ) الكافي 5 : 53 .

-----------
( 2 ) جمهرة اللغة 2 : 632 .

-----------
( 3 ) الكامل في الأدب للمبرد : 1057 مطبعة البابي الحلبي ، مصر ، ط 1 .

-----------
( 4 ) جمهرة اللغة 2 : 632 .

[ 174 ]

إرعادهما و إبراقهما ) 1 ، و بيت معاوية بن الضحاك صاحب راية بني سليم مع معاوية في صفين :

فلا أرى إلاّ تركنا الشام جهرة
و إن أبرق الفجفاج فيها و أرعدا 2

و بيت معاوية بن أبي سفيان مشيرا إلى ابن عبّاس :

فأبرق و أرعد ما استطعت فإنّني
إليك بما يشجيك سبط الأنامل 3

ذكر كليهما ( صفين نصر ) . و بيت شاعر تميمي في وقعة الخوارج بالأهواز أيّام ابن الزبير كما في كامل المبرد :

فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر
و أبرق و البرق اليماني خوّان

و بيت أعشى همدان في هزيمتهم من الحجاج يوم ابن الأشعث :

و لمّا زحفنا لابن يوسف غدوة
و أبرق منا العارضان و أرعدا

و بيت عثمان بن ربيعة كما في ( الطبري ) في عنوان خبر المرتدين باليمن أيام أبي بكر :

و أبرق بارق لمّا التقينا
فعادت خلّبا تلك البروق 4

و بيت ابن نبهان في مسلمة كما في ( تاريخ ابن أعثم ) :

و أرعد كتاب اليمامة جهرة
و أكلب فيها باللسان و باليد

و بيت عمرو بن معد يكرب في الأشعث بن قيس و قومه كما في ( أمالي القالي ) :

حبست سراتهم بالضحّ حتّى
أنابوا بعد إبراق و رعد

و بيت عبد اللّه بن الحرث السهمي الذي اشتهر بالمبرق له كما في

-----------
( 1 ) تاريخ الأمم و الملوك للطبري 3 : 130 حوادث ، سنة 38 .

-----------
( 2 ) وقعة صفّين : 469 .

-----------
( 3 ) وقعة صفين : 416 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 320 ، سنة 11 .

[ 175 ]

( الاستيعاب ) و ( سيرة ابن هشام ) :

إذا أنا لم أبرق فلا يسعنني
من الأرض برّ و فضاء و لا بحر 1

و في ديوان عمر بن أبي ربيعة :

من المرعدات الطرف تنفذ عينها
إلى نحو حيزوم المجرب ذي العقل

و يدلّ على بطلان قوله حديث المغيرة كما في ( نهاية الجرزي ) : « بليلة الإرعاد » بليلة : ريح فيها ندى أي : لا يزال يرعده و يهدّده 2 .

و قول المختار ، ففي ( الطبري ) : قال ابن العرق : رأيت المختار أشتر العين فسألته ، فقال : شترها ابن زياد ، يابن العرق إنّ الفتنة أرعدت و أبرقت و كان قد أينعت 3 .

و قول الحجاج في كتابه إلى عبد الملك لمّا أرسل عروة الزبير إليه ليستخرج منه الأموال كما في ( العقد ) : كالعارض المبرق لاعدائه 4 .

و مما ورد بلفظ أرعد و أبرق من المتأخرين و إن لم يكن فيه حجية قول أبي العتاهية :

مالي أرى النّاس قد أبرقوا بلؤم الفعال و قد أرعدوا و قول إبراهيم بن العباس الصولي كما في ( ديوان العسكري ) :

فكن كيف شئت و قل ما تشأ و أبرق يمينا و أرعد شمالا و قول السري الموصلي كما في ( يتيمة الثعالبي ) :

و من عجب أنّ الغبيين أبرقا مغيرين في أقطار شعري و أرعدا و قول آخر كما في ( مناقب السروي ) :

-----------
( 1 ) سيرة ابن هشام 1 : 355 .

-----------
( 2 ) النهاية 1 : 154 ، مادة : ( بلل ) .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 572 ، سنة 64 .

-----------
( 4 ) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 5 : 44 45 دار الكتاب العربي ، بيروت .

[ 176 ]

سألنا ملحدا إثبات دين فعاندنا و مجمج في دليله و أرعد ثم أبرق ثم ولّى . . .

و قال حسين بن عبد اللّه العباسي لعبد اللّه بن معاوية الجعفري كما في ( كتاب الزبيري ) :

أبرق لمن يخشى و أرعد غير قومك بالسلاح و بالجملة لا ريب في جواز ( أرعد و أبرق ) بل أحسنيته من رعد و برق لكثرة الأوّل و قلة الثاني فلم نقف إلاّ على ذاك البيت و ما نسب إلى المتلمس :

فاذا حللت و دون بيتي غادة فأبرق بأرضك ما بدا لك و ارعد و ما نسب إلى ابن أحمر :

بأجل ما بعدت عليك بلادنا فأبرق بأرضك ما بدا لك و ارعد مع أنّ الأصل في البيتين واحد فكأنّ قول : « فأبرق بأرضك ما بدا لك و ارعد » مثل لوقوعه في البيتين . و أما بيت عبيد بن الأبرص لمّا خيّره المنذر بن ماء السماء في أنحاء قتله لما لقاه يوم بؤسه كما في ( تنبيه البكري ) :

و خيّر في ذو البؤس فى يوم بؤسه
خلالا أرى في كلها الموت قد رعد

فليس ( رعد ) فيه للتهديد بل للرعد الحقيقي استعارة .

هذا و قريب من قوله عليه السّلام قول البحتري :

خطروا خطرة الجهام و ساروا
في نواحي الظنون سير السراب

و قول الكميت في أزد شنؤه و سمّوا بارقا كما في ( السيرة ) لأنهم تبعوا البرق و أزد شنؤه اندرؤا علينا :

بجمّ يحسبون لها قرونا
و ما قلنا لبارق اعتبونا

« و مع هذين الفشل » أي : الجبن ، روى الواقدي عن عبد اللّه بن عمر بن عليّ عن أبيه قال : لمّا سمع أبي أصوات النّاس يوم الجمل و قد ارتفعت قال لابنه

[ 177 ]

محمّد : ما يقولون ؟ قال : يقولون يا ثارات عثمان . فشدّ عليهم و أصحابه يهشّون في وجهه يقولون : ارتفعت الشمس ، و هو يقول : الصبر أبلغ حجة ثم قام خطيبا يتوكأ على قوس عربية و قال : أمّا بعد فإنّ الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب فأقدموا و لا تنكلوا و هذه الأصوات التي تسمعونها من عدوكم فشل و اختلاف 1 .

و كما أنّ الإرعاد و الإبراق و الصياح و الجلبة علامة الفشل ، كذلك السكوت و الصمت علامة الاطمينان بالغلبة . و لمّا بعث قريش يوم بدر عمرو بن وهب الجمحي ليرى عسكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله صعّد و صوّب ثم رجع إليهم و قال :

نواضح يثرب قد حملت السمّ الناقع ، أما ترونهم خرسى لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلاّ سيوفهم .

و كان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم : لا تكلموا النّاس إلاّ رمزا و لا تلحظوهم إلاّ شزرا لتمتلي صدورهم من هيبتكم .

« و لسنا نرعد حتّى نوقع و لا نسيل حتّى نمطر » في ( جمل المفيد ) : قال معاذ بن عبد اللّه التميمي : لمّا قدمنا البصرة مع عايشة و أقمنا ندعو النّاس إلى نصرتنا إلى أن قال و تقدم عليّ و الراية بين كتفيه و جرّد سيفه و ضرب رجلا فأبان كفه ثم انتهى إلى الجمل و قد اجتمع النّاس حوله و اختلطوا و أحدقوا به من كل جانب و استجن النّاس تحت بطان الجمل ، فأنظر و اللّه إلى عليّ يصيح بمحمد بن أبي بكر : « اقطع البطان » و أرى عليّا قد قتل ممن أخذ بخطام الجمل عشرة بيده و كلما قتل رجلا مسح سيفه في ثيابه حتّى صرنا في أيديهم كأننا غنم نساق فانصرفنا و تلاومنا و ندمنا 2 .

-----------
( 1 ) الجمل للمفيد : 358 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 373 374 .

[ 178 ]

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : شقّ عليّ عليه السّلام في عسكر القوم يطعن و يقتل ثم خرج و هو يقول : الماء الماء فأتاه رجل بإداوة فيها عسل و قال : الماء لا يصلح لك في هذا المقام فحسا عليه السّلام منه حسوة ثم قال إنّ عسلك هذا لطائفي . قال الرجل : لعجبا منك ، و اللّه يا أمير المؤمنين لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم و قد بلغت القلوب الحناجر فقال له عليّ عليه السّلام : و اللّه يابن اخي ما ملأ صدر عمك شي‏ء قط و لا أهابه شي‏ء . ثم اعطى الراية لابنه محمّد و قال : هكذا فاصنع 1 .

هذا و من أمثالهم ( رعدا و برقا و الجهام جافر ) ( و بارقة تروق و لا تريق ) .