
14
الخطبة ( 118 ) و من كلام له عليه السّلام :
أَنْتُمُ اَلْأَنْصَارُ عَلَى اَلْحَقِّ وَ اَلْإِخْوَانُ فِي اَلدِّينِ وَ اَلْجُنَنُ يَوْمَ اَلْبَأْسِ وَ اَلْبِطَانَةُ دُونَ اَلنَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ اَلْمُدْبِرَ وَ أَرْجُو طَاعَةَ اَلْمُقْبِلِ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ اَلْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ اَلرَّيْبِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ قال ابن أبي الحديد : ذكر المدائني و الواقدي في كتابيهما أنّ هذا الكلام قاله عليه السّلام للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل 2 .
« أنتم الانصار على الحق » لمّا أحسّ عليه السّلام من قريش و أتباع معاوية اتّباع الباطل قال عليه السّلام ذلك لأنصاره ، كما حكى تعالى عن عيسى عليه السّلام في قوله : فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 76 طبع البابي الحلبي ، سنة 1969 القاهرة .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 284 .
[ 179 ]
الحواريّون نحن أنصار اللّه . . . 1 .
« و الإخوان في الدين » فكانوا مؤمنين و قد قال تعالى : إنّما المؤمنون إخوة . . . 2 .
« و الجنن يوم البأس » أي : كما أنّ الترس يحفظ صاحبه في الحرب كذلك أنتم .
« و البطانة دون النّاس » كناية عن كونهم خواصه عليه السّلام .
« بكم أضرب المدبر » أهل صفين كما ضرب بهم أهل الجمل .
« و أرجو طاعة المقبل » فلحق به عليه السّلام جمع كثير لما كان له أولئك الأنصار و أطاعوه و لولاهم لما كان ذلك .
« فأعينوني بمناصحة خلية من الغش سليمة من الريب » روى ( أمالي المفيد ) عن أبي مخنف : أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا قدم من البصرة إلى الكوفة قال قعد عن نصري رجال منكم و أنا عليهم عاتب فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتّى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى . فقام إليه أبو بردة الأزدي و كان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل و حضر معه يوم صفين نيّة في نصرته فقال له عليه السّلام : أرأيت القتلى حول عايشه و طلحة و الزبير بم قتلوا ؟
فقال عليه السّلام بما قتلوا شيعتي و عمّالي و بقتلهم أخا ربيعة العبدي رضى اللّه عنه في عصابة من المسلمين قالوا لا ننكث البيعة و لا نغدر كما غدرتم فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما و عدوانا فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة اخواني لنقتلهم بهم ، ثم كتاب اللّه بيني و بينهم فأبوا عليّ و قاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك . أفي شك أنت من ذلك ؟ قال : كنت في شكّ ، و أمّا
-----------
( 1 ) آل عمران : 52 .
-----------
( 2 ) الحجرات : 10 .
[ 180 ]
الآن فقد عرفت و استبان خطأ القوم و إنّك المهتدي المصيب و كان مع حضوره صفين ينافق و يكاتب معاوية سرا ، فلما ظهر معاوية اقطعه قطيعة بالفلوجة 1 .
و في ( صفين نصر ) عن محمّد بن مخنف قال : دخلت مع أبي على عليّ عليه السّلام حين قدم من البصرة فإذا بين يديه رجال يؤنّبهم و يقول لهم : ما بطّا بكم عني و أنتم أشراف قومكم و اللّه لئن كان من ضعف النية و تقصير البصيرة إنّكم لبود و و اللّه لئن كان من شك في فضلي و مظاهرة عليّ إنّكم لعدو قالوا : حاش للّه نحن سلمك و حرب عدوّك . ثم اعتذر القوم . فنظرت إليهم فعرفتهم فإذا عبد اللّه بن معتمر العبسي و إذا حنظلة التميمي و أبو بردة الأزدي و غريب الهمداني . و نظر عليّ إلى أبي فقال : لكن مخنف بن سليم و قومه لم يتخلّفوا و لم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال تعالى فيهم : و إنّ منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا و لئن أصابكم فضل من اللّه ليقولنّ كأن لم تكن بينكم و بينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما 2 .
« و اللّه إنّي لأولى النّاس بالناس » روى ابراهيم الثقفي كما في ( أمالي المفيد ) أنّ عبد الرحمان بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال إنّي سائلك لآخذ عنك و قد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله ، ألا تحدّثنا عن أمرك أكان بعهد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أو شيء رأيته ، فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل و أوثقه عندنا ما سمعناه من فيك إنّا كنا نقول لو رجعت إليكم بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم ينازعكم فيها أحد ، و اللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول : أزعم أنّ
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 127 129 .
-----------
( 2 ) وقعة صفين : 7 8 و الآيات 72 73 من سورة النساء .
[ 181 ]
القوم كانوا أولى بما كانوا فيه فعلام نصبك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعد حجة الوداع :
فقال « أيّها النّاس من كنت مولاه فعلي مولاه » و إن كنت أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاهم ؟ فقال يا عبد الرحمان إنّ اللّه تعالى قبض نبيه يوم قبضه و أنا يوم قبضه أولى النّاس مني بقميصي هذا ، و قد كان من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله اليّ عهد لو خزموني بأنفي لأقررت سمعا و طاعة و إنّ أوّل ما انتقصناه بعد إبطال حقّنا في الخمس فلما رقّ امرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا . فقال عبد الرحمان : أنت يا أمير المؤمنين لعمرك كما قال الأوّل :
لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له اذنان 1