
15
الكتاب ( 29 ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل البصرة :
وَ قَدْ كَانَ مِنِ اِنْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَ شِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ وَ رَفَعْتُ اَلسَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَ قَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ اَلْمُرْدِيَةُ وَ سَفَهُ اَلْآرَاءِ اَلْجَائِرَةِ إِلَى مُنَابَذَتِي وَ خِلاَفِي فَهَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي وَ رَحَلْتُ رِكَابِي وَ لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى اَلْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ ؟ يَوْمُ اَلْجَمَلِ ؟ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاَعِقٍ مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي اَلطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَ لِذِي اَلنَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ وَ لاَ نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ أقول : الأصل في هذا الكتاب ما رواه ابراهيم الثقفي في ( غاراته ) 2 :
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 223 224 .
-----------
( 2 ) الغارات 2 : 373 408 ، شرح ابن أبي الحديد 4 : 34 53 .
[ 182 ]
كتبه عليه السّلام إليهم لمّا بعث معاوية إليهم ابن الحضرمي لأخذ البصرة و حثّ أهلها على نقض بيعته . فروى عن محمّد بن يوسف عن الحسن بن عليّ الزعفراني عن محمّد بن عبد اللّه بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن أنّ معاوية لمّا أصاب محمّد بن أبي بكر بمصر و ظهر عليها دعا عبد اللّه بن عامر الحضرمي فقال له : سر إلى البصرة فإن جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظّمون قتله و قد قتلوا في الطلب بدمه فهم موتورون حنقون لما أصابهم و ودّوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم و ينهض بهم في الطلب بدم عثمان ، و احذر ربيعة ، و انزل في مضر ، و تودّد الأزد فإنّ الأزد كلّهم معك إلاّ قليلا منهم و إنّهم غير مخالفيك .
فقال له ابن الحضرمي : أنا سهم في كنانتك و أنا من قد جرّبت و عدو أهل حربك و ظهيرك على قتلة عثمان فوجّهني إليهم متى شئت . فقال : اخرج غدا . فلما كان الليل جلس معاوية و أصحابه فقال لهم : في أي منزل ينزل القمر الليلة ؟ قالوا : في سعد الذابح . فأرسل إليه : لا تبرح حتّى يأتيك أمري إلى أن قال بعد ذكر كتابه إلى عمرو بن العاص مستشيرا به و تصويبه له و أمر معاوية له بالشخوص :
قال عمرو بن محصن : فكنت معه حين خرج فسنح لنا ظبي أعفر مارّا عن شمائلنا ، فنظرت إليه فو اللّه لرأيت الكراهية في وجهه ثم مضينا حتّى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان ، فاجتمع الينا رؤوس أهلها ، و كان الأمير بالبصرة يومئذ زياد استخلفه ابن عبّاس و قدم على عليّ عليه السّلام يعزّيه عن محمّد بن أبي بكر . و أقبل النّاس إلى ابن الحضرمي و كثر تبعه ففزع لذلك زياد و هو في دار الإمارة فبعث إلى الحصين بن منذر و مالك بن مسمع و قال : إنّكم أنصار أمير المؤمنين و شيعته
[ 183 ]
و ثقته ، و قد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتّى يأتيني أمر أمير المؤمنين ، فأما مالك بن مسمع فقال : هذا أمر فيه نظر ارجع إلى من ورائي و استشير .
و أما الحصين فقال : نعم نحن فاعلون و لن نخذلك . فلم ير زياد ما يطمئن إليه .
فبعث إلى صبرة بن سليمان الأزدي فقال له : أنت سيّد قومك و أحد عظماء هذا المصر ، فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك ، أفلا تجيروني و تمنعني و تمنع بيت مال المسلمين فإنّما أنا أمين عليه . فقال : بلى إن تحملت حتّى تنزل داري لمنعتك . قال : إنّي فاعل . فارتحل ليلا حتّى نزل دار صبرة و كتب إلى ابن عبّاس و لم يكن معاوية ادّعى زيادا بعد إنّما ادّعاه بعد وفاة عليّ عليه السّلام للأمين عبد اللّه بن العباس من زياد بن عبيد ، سلام عليك أمّا بعد فإنّ عبد اللّه بن عامر الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتّى نزل في بني تميم و نعى ابن عفان و دعا إلى الحرب فبايعه جلّ أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن سليمان و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين و رحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم ، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه .
فرفع ذلك ابن عبّاس إليه فدعا عليه السّلام جارية بن قدامة و قال له : تمنع الأزد عاملي و بيت مالي و تشاقني مضر و تنابذني و بنا ابتداها اللّه بالكرامة و عرفها الهدى و تدعو إلى المعشر الذين حادّوا اللّه و رسوله و أرادوا إطفاء نور اللّه حتّى علت كلمة اللّه و هلك الكافرون . فقال : ابعثني إليهم و استعن باللّه عليهم . قال : قد بعثك و استعنت به .
قال كعب بن قعين : خرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة في خمسين رجلا من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري ، و كنت شديد التشيع ،
[ 184 ]
فقلت لجارية : إن شئت كنت معك و إن شئت ملت إلى قومي ؟ فقال : بل معي فو اللّه لوددت أنّ الطير و البهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس .
قال كعب : إنّ عليّا عليه السّلام كتب مع جارية و قال اقرأه على أصحابك :
من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى من قرىء عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم أما بعد فإنّ اللّه حليم ذو أناة ، لا يعجل بالعقوبة قبل البينة ، و لا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة و لكنه يقبل التوبة و يستديم الإنابة و يرضى بالانابة ليكون أعظم للحجة و أبلغ في المعذرة ، و قد كان من شقاق جلّكم ، أيّها النّاس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم ، و رفعت السيف عن مدبركم و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي و تستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب و قصد الحق ، و أقيم فيكم سبيل الهدى ، فو اللّه ما أعلم أنّ واليا بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله أعلم بذلك مني و لا أعلم بقوله مني ، أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم و إن حطّت بكم الامور المردية و سفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قرّبت جيادي و رحلت ركابي ، و ايم اللّه لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلاّ كلعقة لاعق ، و إنّي لظانّ ألاّ تجعلوا إن شاء اللّه على أنفسكم سبيلا ، و قد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم و لن أكتب إليكم من بعده كتابا إن استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشاخص نحوكم و السلام . فلمّا قرأ الكتاب على النّاس قام صبرة بن سليمان فقال : سمعنا و أطعنا و نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب ، و لمن سالم سلم ، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك و إن أحببت أن ننصرك نصرناك . و قام وجوه النّاس فتكلّموا بمثل ذلك و نحوه فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم .
[ 185 ]
فقام زياد في الأزد فقال : يا معشر الأزد إنّ هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا و إنّكم كنتم حربا فأصبحتم سلما و إنّي و اللّه ما اخترتكم إلاّ على التجربة و لا أقمت فيكم إلا على الأمل فما رضيتم أن آجرتموني حتّى نصبتم منبرا و سريرا و جعلتم لي شرطا و أعوانا و مناديا و جمعة و ما فقدت بحضرتكم شيئا إلاّ هذا الدرهم لا اجيبه اليوم فإن لم اجبه اليوم اجبه غدا إن شاء اللّه .
فأما جارية فإنّه لمّا كلّم قومه فلم يجيبوه و خرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه فأرسل إلى زياد و الأزد يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا إليه ، فسارت الأزد بزياد و خرج إليهم ابن الحضرمي و على خيله عبد اللّه بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة و أقبل شريك بن الأعور الحارثي و كان من شيعة عليّ عليه السّلام و صديقا لجارية فقال : ألا نقاتل معك عدوك ؟ فقال : بلى . فما لبثوا بني تميم أن هزموهم و اضطروهم إلى دار سنبل السعدي و حصروا مائتي رجل من بني تميم و معهم عبد اللّه بن خازم السلمي فجاءت امّه و هي سوداء حبشية ، فنادته فأشرف عليها فقالت : يا بني انزل إليّ .
فأبى . فكشفت رأسها و ألقت قناعها و سألته النزول فأبى . فقالت . و اللّه لتنزلنّ أو لأتعرّين و أهوت بيدها إلى ساقها فلما رأى ذلك نزل فذهبت به . و أحاط جارية و زياد بالدار و قال جارية : عليّ بالنار . فقالت الأزد : لسنا من الحريق بالنار في شيء فهم قومك و أنت أعلم . فحرّق جارية الدار فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمان بن عمير بن عثمان القرشي ثم التميمي و سمّى جارية منذ ذلك اليوم محرّقا . و سارت الأزد بزياد حتّى أو طؤوه قصر الإمارة و معه بيت المال و كتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه السّلام : أما بعد فإنّ جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمح بن الحضرمي
[ 186 ]
بمن نصره و أعانه من الأزد ففضّه و اضطرّه إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتّى حكم اللّه تعالى بينهما فقتل ابن الحضرمي و أصحابه منهم من احرق بالنّار و منهم من القي عليه جدار و منهم من هدم عليه البيت من أعلاه و منهم من قتل منهم بالسيف و سلم منهم نفر أنابوا 1 .
و من الغريب أن ابن أبي الحديد غفل عنه هنا و نقله في موضع آخر بلا ربط 2 و لم يتفطن له ابن ميثم أيضا 3 .
« و قد كان من انتشار حبلكم و شقاقكم ما لم تغبوا عنه » في ( الصحاح ) :
( غبيت عن الشيء و غبيته أيضا إذا لم يفطن له ) 4 و المراد يوم الجمل .
« فعفوت عن مجرمكم » بنكث البيعة و نصب الحرب .
« و رفعت السيف عن مدبركم » فأمر عليه السّلام ذاك اليوم أن ينادى : لا يتبعنّ مولّ و لا يجهز على جريح .
« و قبلت من مقبلكم » فأمر عليه السّلام أن ينادى : من ألقى السلاح فهو آمن و من أغلق بابه فهو آمن .
« فإن خطت بكم » أي : جاوزتكم من الخطوة ما بين القدمين .
« الامور المردية » أي : المهلكة .
« و سفه الآراء الجائرة » أي : العادلة عن الحقّ .
« إلى منابذتي » أي : مكاشفتي بالحرب .
« و خلافي » أي : مخالفتي .
« فها أنا ذا قد قربت جيادي » جمع الجواد ، أي : الفرس الرائع .
-----------
( 1 ) الغارات 2 : 373 408 ، شرح ابن أبي الحديد 4 : 34 53 .
-----------
( 2 ) نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 : 34 53 .
-----------
( 3 ) انظر شرح ابن ميثم على النهج 4 : 447 448 .
-----------
( 4 ) الصحاح 6 : 2443 ، مادة : ( غبا ) .
[ 187 ]
« و رحلت » من رحلت البعير إذا شددت على ظهره الرحل .
قال الأعشى :
رحلت سمية غدوة أجمالها
غضبى عليك فما تقول بدالها
و قال المثقب العبدي :
إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوه آهة الرجل الحزين
« ركابي » في ( الصحاح ) : الركاب الإبل التي يسار عليها ، الواحدة راحلة و لا واحد لها من لفظها 1 .
هذا و في ( المعجم ) : كتب إبراهيم بن العباس الصولي من قبل المتوكل إلى أهل حمص رسالة عجب المتوكل من حسنها و هي : أمّا بعد فإنّ الخليفة يرى من حق اللّه عليه بما قوّم به من أود و عدل به من زيغ و لمّ به من منتشر استعمال ثلاث يقدم بعضهن أمام بعض ، اولاهن ما يتقدم به من تنبيه و توقيف ثم ما يستظهر به من تحذير و تخويف ، ثم التي لا يقع حسم الداء بغيرها :
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها
وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه 2
« و لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلاّ كلعقة لاعق » أي : لحس لا حس بالنسبة إلى أكل كامل .
في ( الأغاني ) : عن الشعبي أنّه أتى البصرة أيّام ابن الزبير فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل البصرة و أهل الكوفة و فاخروا بينهم ، فقال بصري : و هل أهل الكوفة إلاّ خولنا ؟
استنقذناهم من عبيدهم يعني الخوارج قال الشعبي : فهجس في صدري
-----------
( 1 ) الصحاح 1 : 138 ، مادة : ( ركب ) .
-----------
( 2 ) معجم الأباء لياقوت الحموي 1 : 186 ترجمة رقم 16 ، دار الفكر بيروت .
[ 188 ]
أن تمثلت قول أعشى همدان :
أ فخرتم أن قتلتم أعبدا
و هزمتم مرة آل عزل
نحن سقناهم إليكم عنوة
و جمعنا أمركم بعد شمل
فإذا فاخرتمونا فاذكروا
ما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ خاضب عثنونه
و فتى أبيض وضاح رفل
جاءنا يرفل في سابغة
فذبحناه ضحى ذبح الحمل
و عفونا فنسيتم عفونا
و كفرتم نعمة اللّه الأجل
فضحك الأحنف ، ثمّ قال : يا أهل البصرة قد فخر عليكم الشعبيّ و صدق و انتصف فأحسنوا مجالسته 1 .
« مع أنّي عارف لذي الطاعة منكم فضله و لذي النصيحة حقه » . قد عرفت أنّ في هذه المرّة كانت الأزد ذووا طاعة و رئيسهم صبرة بن سليمان الأزدي ذا نصيحة .
« غير متجاوز متّهما إلى بريء و لا ناكثا إلى وفّي » فإنّ التجاوز عمل الجبابرة ، فكان زياد و ابن زياد و الحجّاج يأخذون البريء بالسقيم و لا يراعون قوله تعالى : و لا تزروا وازرة وزر اخرى . . . 2 .
و كان الحجاج أمر النّاس باللّحوق بالمهلب فقام اليشكري و قال : بي فتق رآه بشر بن مروان فعذرني . فأمر بقتله .
و مرّ في ( 11 ) من الفصل التاسع في الملاحم قوله عليه السّلام « كنتم جند المرأة . . . » .
-----------
( 1 ) الأغاني 6 : 54 55 .
-----------
( 2 ) فاطر : 18 .
[ 189 ]