
1
الكتاب ( 8 ) و من كتاب له عليه السّلام إلى جرير بن عبد اللّه البجليّ لمّا أرسله إلى معاوية :
أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ عَلَى اَلْفَصْلِ وَ خُذْهُ بِالْأَمْرِ اَلْجَزْمِ ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ فَإِنِ اِخْتَارَ اَلْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ وَ إِنِ اِخْتَارَ اَلسِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ وَ اَلسَّلاَمُ أقول : رواه ( صفين نصر ) 1 و ( عقد ابن عبد ربّه ) 2 ، و في الثاني : « و خيره بين حرب معضلة » في ( العقد ) : « مجلبه » رواه في عنوان اخبار على و معاوية .
قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام إلى جرير بن عبد اللّه البجلي » عدوه في الطوال ، ففي ( معارف ابن قتيبة ) يتفل في ذروة البعير من طوله ، و كانت
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 55 .
-----------
( 2 ) العقد الفريد لابن عبد ربّه 3 : 80 .
[ 192 ]
نعله ذراعا ، و قال : اعتزل عليّا عليه السّلام و معاوية و أقام بالجزيرة و نواحيها حتى توفي بالشراة سنة ( 54 ) .
« لمّا ارسله إلى معاوية » عن ( موفقيات ابن بكار ) : لمّا أرسله عليه السّلام أقام عند معاوية أربعة أشهر .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) 1 أنّ الأشتر منع عليّا عليه السّلام من إرسال جرير إلى معاوية ، و قال : هواه هواهم و نيّته نيّتهم . فقال عليه السّلام : دعه يتوجه فإن نصح كان ممّن أدّى أمانته ، و إن داهن كان عليه وزر من اؤتمن و لم يؤدّ الأمانة .
و ياويحهم مع من يميلون و يدعونني فو اللّه ما أردتهم إلاّ على إقامة الحقّ ، و لم يردهم غيري إلاّ على باطل .
هذا ، و في ( الأغاني ) 2 : قال علي بن زيد : قال لي الحسن البصري : قول الشاعر :
لو لا جرير هلكت بجيله
نعم الفتى و بئست القبيله
أهجاه أم مدحه ؟ قلت : مدحه و هجا قومه . فقال : ما مدح من هجي قومه .
قوله عليه السّلام : « أما بعد ، فإذا اتاك كتابي ، فاحمل معاوية على الفصل و خذه بالأمر الجزم إلى قوله « فخذ بيعته » روى هذا الكتاب نصر بن مزاحم في ( صفينه ) 3 ،
فقال : و في حديث محمد و صالح بن صدقة قالا : و كتب عليّ عليه السّلام إلى جرير بعد ذلك : أما بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فاحمل معاوية على الفصل ، و خذه بالأمر الجزم ، ثم خيّره بين حرب مجلية أو سلم محظية . فلمّا انتهى الكتاب إلى جرير ،
أتى معاوية فأقرأه الكتاب ، و قال له : إنّه لا يطبع على قلب إلاّ بذنب ، و لا ينشرح
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 184 .
-----------
( 2 ) الأغاني 21 : 305 .
-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 55 .
[ 193 ]
إلاّ بتوبة ، و لا أظنّ قلبك إلاّ مطبوعا ، أراك قد وقفت بين الحق و الباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك . فقال معاوية : ألقاك بالفيصل أول مجلس . فلما بايعه أهل الشام ، قال : الحق بصاحبك . و كتب إليه بالحرب .
و قال نصر 1 أيضا : قال الشعبي إنّ عليّا عليه السّلام حين قدم من البصرة ، نزع جريرا عن همدان ، فأراد عليّ عليه السّلام أن يبعث إلى معاوية رسولا ، فقال له جرير :
ابعثني ، فإن معاوية لم يزل لي مستنصحا و وادا إلى أن قال قال عليه السّلام له : إيت معاوية بكتابي فإن دخل في ما دخل فيه المسلمون ، و إلاّ فانبذ إليه ، و اعلم أنّي لا أرضى به أميرا و أنّ العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق حتى أتى الشام ،
و قال : يا معاوية إنّه قد اجتمع لابن عمّك أهل الحرمين ، و أهل المصرين ، و أهل الحجاز ، و أهل اليمن ، و أهل مصر ، و أهل العروض ، و عمان ، و أهل البحرين ،
و اليمامة ، و لم يبق إلاّ هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها إلى أن قال خطب معاوية و قال : أيها الناس قد علمتم أنّي خليفة عمر ، و أنّي خليفة عثمان ، و أنّي وليه و قد قتل مظلوما و اللّه يقول : و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا فلا يسرف في القتل إنّه كان منصورا 2 و أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقاموا بأجمعهم ، و أجابوا إلى الطلب بدمه ، و بايعوه على ذلك .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) 3 : ذكروا أنّ معاوية قال لجرير : رأيت رأيا ، أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام و مصر ، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة ، و أسلّم إليه هذا الأمر ، و أكتب إليه بالخلافة . قال جرير :
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 27 .
-----------
( 2 ) الاسراء : 33 .
-----------
( 3 ) الخلفاء لابن قتيبة 1 : 95 .
[ 194 ]
اكتب ما شئت . فكتب معاوية إليه عليه السّلام يسأله ذلك . و ذكروا أنّ عليّا عليه السّلام كتب إلى جرير . أما بعد ، فإن معاوية إنّما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة ،
و أن يختار من أمره ما أحب ، و قد كان المغيرة أشار عليّ و أنا بالمدينة أن أستعمله على الشام . فأبيت ذلك عليه ، و لم يكن اللّه ليراني أن أتخذ المضلّين عضدا ، فإن بايعك الرجل ، و إلاّ فأقبل .
ثمّ يظهر ممّا نقلنا من مستند الكتاب من خبر محمد و صالح أنّ كلمة ( هذا ) سقطت من المصنّف في قوله : « كتابي هذا » ، فالمقام يقتضيه ، و ان كلمة ( مخزية ) في كلامه مصحفة ( محظية ) و كيف تكون السلم مخزية و قد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِلم كافّة . . . 1 ؟ و في ( الصحاح ) : السلم : الصلح ، يفتح و يكسر ، و يذكر و يؤنث . و الحرب تؤنث ، و قال المبرد : قد تذكر ، و أنشد :
و هو إذا الحرب هفا عقابه
مرجم حرب تلتقي حرابه
هذا ، و مر في فصل عثمان قوله عليه السّلام : « إنّ استعدادي لحرب أهل الشام و جرير عندهم إغلاق للشام ، و صرف لأهله عن خير إن أرادوه ، و لكن قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصيا ، و الرأي عندي مع الأناة ،
فارودوا و لا أكره لكم الاعداد ، و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عينه ، و قلّبت ظهره و بطنه ، فلم أرلي إلاّ القتال أو الكفر » مع شرحه .