
2
الخطبة ( 48 ) و من خطبة له عليه السّلام عند المسير إلى الشام :
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَ غَسَقَ وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ
-----------
( 1 ) البقرة : 208 .
[ 195 ]
وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ اَلْإِنْعَامِ وَ لاَ مُكَافَإِ اَلْإِفْضَالِ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا اَلْمِلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ اَلنُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ وَ أَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ اَلْقُوَّةِ لَكُمْ قال 1 الشريف : أقول : يعني عليه السّلام بالملطاط السمت الذي أمرهم بنزوله ،
و هو شاطىء الفرات ، و يقال : ذلك الشاطىء البحر ، و أصله ما استوى من الأرض .
و يعني بالنطفة ماء الفرات ، و هو من غريب العبارات و أعجبها . قول المصنّف : « و من خطبة له عليه السّلام عند المسير الى الشام » هكذا في ( المصرية ) 2 ، و يصدقه ابن ميثم 3 ، و لكن ابن أبي الحديد 4 بدل « خطبة » بقوله : « كلام » و ليس بصواب ، حيث إنّه قال بعد : و هذه الخطبة خطب عليه السّلام بها و هو بالنخيلة ، خارجا من الكوفة متوجها الى صفّين ، لخمس بقين من شوال ،
ذكرها جمع من أهل السير ، و زادوا في الخطبة : « و قد أمّرت على المصر عقبة بن عمرو ، و لم آلكم و لا نفسي ، فإيّاكم و التخلّف و التربّص ، فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي ، و أمرته : ألا يترك متخلفا إلاّ لحقه بكم عاجلا .
و روى نصر بن مزاحم 5 عوض قوله : « إلى عدوّكم » . « إلى عدوّ اللّه » .
قال نصر : فقام إليه معقل بن قيس الرياحي ، فقال له عليه السّلام : ما يتخلّف عنك إلاّ ظنين ، و لا يتربص بك إلاّ منافق ، فمر مالك بن حبيب يضرب أعناق المتخلفين .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 201 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية : 93 الخطبة 48 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 201 .
-----------
( 5 ) صفين لنصر بن مزاحم : 132 .
[ 196 ]
فقال عليه السّلام : قد أمرته بأمري و ليس بمقصر إن شاء اللّه .
قلت : المستفاد من ( صفين 1 نصر بن مزاحم ) أنّه عليه السّلام انما خطب وقت خروجه من النخيلة من العنوان بقوله : « الحمد للّه غير مفقود الانعام . . . » و أما قوله عليه السّلام في صدرها : « الحمد للّه كلّما وقب ليل و غسق ، و الحمد للّه كلّما لاح نجم و خفق » ، فكان بعد شخوصه عليه السّلام من النخيلة و نزوله على شاطىء البرس ،
بين حمام أبي بردة و حمام عمر بعد صلاته عليه السّلام المغرب بالناس . قال نصر :
فلما انصرف من الصلاة قال : « الحمد للّه الذي يولج الليل في النهار . و يولج النهار في الليل الحمد للّه كلّما وقب ليل و غسق ، و الحمد للّه كلّما لاح نجم و خفق » ثم أقام حتّى صلّى الغداة .
و قول ابن أبي الحديد 2 : « لخمس بقين » مصحف : « لخمس مضين » .
فكذا في ( صفين نصر ) 3 .
و كيف كان ، فقال نصر : لما أراد عليّ عليه السّلام الشخوص قام مالك بن حبيب و هو على شرطه فقال : أتخرج يا أمير المؤمنين بالمسلمين فتصيبوا أجر الجهاد و القتال و تخلفني في حشر الرجال ؟ فقال عليه السّلام له : إنّهم لن يصيبوا من الأجر شيئا إلاّ كنت شريكهم فيه ، و أنت هاهنا أعظم عناء منك عنهم لو كنت معهم . فقال : سمعا و طاعة .
قوله عليه السّلام : « الحمد للّه كلّما وقب ليل » أي : دخل .
« و غسق » أي : أظلم .
« و الحمد للّه كلّما لاح نجم » أي : طلع .
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 131 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 201 .
-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 131 .
[ 197 ]
« و خفق » أي : غرب ، يقال : وردت خفوق النجم . أي : وقت غروب الثريا .
قال ابن السكيت : الخافقان افقا المشرق و المغرب ، لأن الليل و النهار يخفقان فيهما .
« و الحمد للّه غير مفقود الإنعام » على كلّ أحد عامّا و خاصّا .
« و لا مكافأ الإفضال » و كيف يكافأ أي : يجازى إفضاله ، و القيام في عبادته بحوله و قوته و توفيقه و الإنفاق في سبيله من ماله ؟
« أمّا بعد فقد بعثت مقدّمتي » بعثهم عليه السّلام من النخيلة ، و هم زياد بن النضر في ستة آلاف ، و شريح بن هاني في ستة آلاف ، و قال لهما كما في ( الطوال للدينوري ) 1 : اعلما أن مقدّمة القوم عيونهم ، و عيون المقدّمة طلائعهم ،
فإياكما أن تسأما عن توجيه الطلائع ، و لا تسيرا بالكتائب و القبائل من لدن مسيركما الى نزولكما إلاّ بتعبية و حذر .
« و أمرتهم بلزوم هذا الملطاط » أي : شاطىء الفرات .
« حتى يأتيهم أمري » في ( الطبري ) 2 : قد كان زياد بن النضر و شريح بن هاني و كان علي عليه السّلام سرحهما مقدّمة له أخذا على شاطىء الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات ، فبلغهما أخذ علي عليه السّلام طريق الجزيرة ،
و على أنّ معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله ، فقالا : و اللّه ما هذا برأي أن نسير و بيننا و بين أمير المؤمنين عليه السّلام هذا البحر ، و مالنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلّة من العدد ، منقطعين عن المدد . فذهبوا ليعبروا من عانات ، فمنعهم أهلها و حبسوا عنهم السفن ، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ، و لحقوا عليّا عليه السّلام بقرية دون قرقيا ، فلمّا لحقوا عليّا عليه السّلام عجب و قال :
-----------
( 1 ) الطوال للدينوري : 166 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 566 .
[ 198 ]
مقدّمتي تأتي من ورائي فقال له زياد و شريح ما جرى ؟ فقال : قد أصبتما رشدكما . فلما عبروا الفرات قدّمهما أمامه نحو معاوية ، فلقيهما أبو الأعور السلمي في جنود من الشام و هو على مقدّمة معاوية ، فدعواه إليه عليه السّلام ، فأبى فكتبا إليه بذلك .
« و قد أردت » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( و قد رأيت ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .
« ان اقطع هذه النطفة » و الأصل فيها : الماء الصافي ، قلّ أو كثر ، و المراد :
ماء الفرات .
« الى شرذمة » أي : طائفة .
« منكم موطنين أكناف » أي : جوانب .
« دجلة فأنهضهم » أي : أشخصهم و أقيمهم .
« معكم الى عدوكم و أجعلهم من إمداد » بالكسر ، من : أمددت الجيش بمدد ،
و أمّا الأمداد بالفتح ، فجمع المدّ بالضم : ربع الصاع . و قال ابن أبي الحديد :
و الإمداد جمع مدد . و هو كما ترى .
« القوه لكم » ثم الظاهر أنّ المراد ( بشرذمة منهم موطنين أكناف دجلة ) :
أهل المدائن ، فروى نصر بن مزاحم 4 : أنّه عليه السّلام لما انتهى إليها ، أمر الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن : من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر . فوافوه في تلك الساعة ، فقال عليه السّلام لهم : إني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم ، و انقطاعكم عن أهل مصركم ، في هذه المساكن الظالم
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية : 93 الخطبة 48 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 200 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 ، و فيه أيضا : « و قد أردت » .
-----------
( 4 ) صفين لنصر بن مزاحم : 143 .
[ 199 ]
أهلها . لا معروف تأمرون به و لا منكر تنهون عنه . فقالوا : كنّا ننتظر أمرك ،
مرنا بما أحببت . فسار و خلّف عليهم عدي بن حاتم ، فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج إليه عليه السّلام في ثمانمائة رجل منهم ، و خلّف عدي ابنه زيدا فلحقه عليه السّلام في أربعمائة رجل منهم .
قول المصنّف : « قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) 1 و لكن في ( ابن أبي الحديد ) : ( قال الرضي ) و في ( ابن ميثم ) 2 : ( قال السيد ) و هذا دليل على أنّ أحدا منها ليس كلام المصنّف .
« أقول » هكذا في ( المصرية ) و هو زائد فليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 3 و الخطية ) .
« يعني عليه السّلام بالملطاط » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط ، و الاصل :
« يعني عليه السّلام بالملطاط هاهنا » كما في ابن ( أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) و انما قال : هاهنا لأنّه يأتي في بعض المواضع بمعنى جلدة الرأس . قال الراجز :
« ننتزع العينين بالملطاط »
« السمت الذي أمرهم بنزوله » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( بلزومه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 4 و الخطية ) .
« و هو شاطىء » أي : جانب .
« الفرات » و هو أحد نهري العراق .
« و يقال ذلك » أي : الملطاط .
« لشاطىء البحر » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( أيضا لشاطىء البحر )
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية : 94 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 و ليس فيه : « هاهنا » .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 و فيه : « قال الشريف : أقول » .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 .
[ 200 ]
كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 1 و الخطية ) ، و المراد : أن الملطاط لا يختص بشاطىء النهر ، بل يقال لشاطىء البحر أيضا .
و قول ابن أبي الحديد 2 : « لا معنى لقوله ، لأنّه لا فرق بين شاطىء الفرات و شاطىء البحر » بلا معنى ففرق النهر و البحر واضح ، و من الغريب أنّه عبر أولا بما في ( الصحاح ) غير ناسب إليه : الملطاط حافة الوادي و شفيره و ساحل البحر ، قال رؤبة :
نحن جمعنا الناس بالملطاط .
قال الأصمعي : يعني به ساحل البحر . و قال ابن مسعود : هذا الملطاط طريقة بقية المؤمنين هرابا من الدجال يعني به شاطىء الفرات .
ثمّ اعترض على المصنّف بما مرّ ، مع أنّه عين كلام المصنّف باختلاف لفظ ، فمحصل كلام ( الصحاح ) أن الملطاط يأتي بمعنى حافة الوادي ، أي :
شاطىء النهر ، و شاهده حديث ابن مسعود ، و بمعنى شاطىء البحر ، و شاهده بيت رؤبة ، فاذا لم يتدبر في كلام ( الصحاح ) الذي جعله من إنشائه لا غرو ألاّ يتدبر في كلام المصنّف .
كما ان قول ابن أبي الحديد 3 : « و كان الواجب على المصنّف أن يقول :
الملطاط السمت في الأرض ، و يقال أيضا لشاطىء البحر » غلط فلم يقل أحد : إنّ الملطاط مطلق السمت .
« و أصله ما استوى من الأرض » بمعنى أنّه يجمع الشاطئين ، و في ( الجمهرة ) : « الملطاط : الغائط من الأرض المطمئن » .
« و يعني عليه السّلام بالنطفة ماء الفرات و هو من غريب العبارات و أعجبها »
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 و ليس فيه كلمة : « أيضا » .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 201 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 201 .
[ 201 ]
هكذا في ( المصرية ) 1 ، و الصواب : ( و عجيبها ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 2 و الخطية ) .