3

الكتاب ( 10 ) و من كلام له عليه السّلام إليه أيضا :

وَ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا وَ خَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا وَ قَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا وَ أَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا وَ إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ خُذْ أُهْبَةَ اَلْحِسَابِ وَ شَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ وَ لاَ تُمَكِّنِ اَلْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ وَ إِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ اَلشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ وَ بَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ وَ جَرَى مِنْكَ مَجْرَى اَلرُّوحِ وَ اَلدَّمِ وَ مَتَى كُنْتُمْ يَا ؟ مُعَاوِيَةُ ؟ سَاسَةَ اَلرَّعِيَّةِ وَ وُلاَةَ أَمْرِ اَلْأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ وَ لاَ شَرَفٍ بَاسِقٍ وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ اَلشَّقَاءِ وَ أُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ اَلْأُمْنِيِّةِ مُخْتَلِفَ اَلْعَلاَنِيَةِ وَ اَلسَّرِيرَةِ وَ قَدْ دَعَوْتَ إِلَى اَلْحَرْبِ فَدَعِ اَلنَّاسَ جَانِباً وَ اُخْرُجْ إِلَيَّ وَ أَعْفِ اَلْفَرِيقَيْنِ مِنَ اَلْقِتَالِ لِيُعْلَمَ أَيُّنَا اَلْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَ اَلْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا ؟ أَبُو حَسَنٍ ؟ قَاتِلُ جَدِّكَ وَ أَخِيكَ وَ خَالِكَ شَدْخاً ؟ يَوْمَ بَدْرٍ ؟ وَ ذَلِكَ اَلسَّيْفُ مَعِي وَ بِذَلِكَ اَلْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اِسْتَبْدَلْتُ دِيناً وَ لاَ اِسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً وَ إِنِّي لَعَلَى اَلْمِنْهَاجِ اَلَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَ دَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية : 94 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 125 .

[ 202 ]

أقول : رواه نصر بن مزاحم 1 إلى قوله : « و قد دعوت إلى الحرب . . . » مع اختلاف و زيادة و نقصان ، فقال في سياق كتبه عليه السّلام الى معاوية من الكوفة :

و كتب علي عليه السّلام الى معاوية : « أمّا بعد ، فإنك قد رأيت مرور الدنيا و انقضاءها و تصرّمها بأهلها ، و خير ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى ، و من يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا ، و اعلم يا معاوية أنّك قد ادّعيت أمرا لست من أهله لا في القدم و لا في الحدث ، و لست تقول فيه بأمر بيّن تعرف لك به أثر ، و لا لك عليه شاهد من كتاب اللّه ، و لا عهد تدّعيه ،

فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها ، و ركنت الى لذتها و خلي بينك و بين عدوك فيها ، و هو عدوّ كلب مضلّ جاهد ملح مع ما قد ثبت في نفسك من جهتها ؟ دعتك فأجبتها ، و قادتك فاتبعتها ، و أمرتك فأطعتها ، فاقعس عند هذا الأمر ، و خذ أهبة الحساب ، فإنّه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن . و متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية أو ولاة أمر هذه الامة ، بلا قدم حسن ، و لا شرف سابق على قومكم ؟

فاستيقظ من سنتك و ارجع الى خالقك ، و شمّر لما سينزل بك ، و لا تمكّن عدوّك الشيطان من بغية فيك . مع أنّي أعرف أنّ اللّه و رسوله صادقان ، نعوذ باللّه من لزوم سابق الشقاء ، و إلا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك : إنّك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق ، و لست من أئمة هذه الامة و لا من رعاتها . و اعلم أنّ هذا الأمر لو كان الى الناس أو بأيديهم ،

لحسدونا و امتنوا به علينا ، و لكنه قضاء ممّن منحناه و اختصنا به على لسان نبيّه الصادق المصدّق . لا أفلح من شك بعد العرفان و البيّنة . ربّنا احكم بيننا و بين عدوّنا بالحقّ و أنت خير الحاكمين .

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 108 .

[ 203 ]

و امّا قوله عليه السّلام : « فدع الناس جانبا الى قوله و بذلك القلب القى عدوي » فرواه المدائني مستقلاّ . و كيف يكون جزء ذاك الصدر ، و ذاك عرفت كتبه عليه السّلام من الكوفة ، و هذا قاله له في صفين كما سترى ؟

و كيف كان ، فنقل العنوان عن ( تاريخ دمشق ابن عساكر ) 1 في ترجمة معاوية عن الكلبي و لم يحقق الناقل مقداره .

قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام إليه أيضا » و الصواب : ( إلى معاوية أيضا ) كما في ( ابن ميثم ) 2 ، و كذا في ( ابن أبي الحديد ) 3 .

قوله عليه السّلام « و كيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب » أي : ملاحف .

« ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها و خدعت بلذتها » و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنّهم كانوا في شكّ مريب 4 .

« دعتك فأجبتها و قادتك فاتبعتها و أمرتك فأطعتها » يوم يتذكّر الانسان ما سعى . و برّزت الجحيم لمن يرى . فأمّا من طغى . و آثر الحياة الدنيا . فإنّ الجحيم هي المأوى 5 .

« و انّه يوشك » أي : يقرب .

« أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن » هكذا في ( المصرية ) 6 ، و في ( ابن أبي الحديد ) 7 : « منج » . و قال : و في رواية « مجن » . و الاولى أصح . و مثله

-----------
( 1 ) تاريخ دمشق لابن عساكر 25 : 32 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 4 : 370 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 79 .

-----------
( 4 ) سبأ : 54 .

-----------
( 5 ) النازعات : 35 39 .

-----------
( 6 ) الطبعة المصرية 10 : 12 .

-----------
( 7 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 79 .

[ 204 ]

( ابن ميثم ) 1 إلاّ أنّه جعل « منج » رواية .

و كيف كان ، فالمجن هو الجنّة ، قال تعالى فليس له اليوم هاهنا حميم 2 .

« فاقعس » أي : تأخر .

« عن هذا الأمر و خذ اهبة الحساب » أي : استعداده و تهيئته ، قال تعالى :

اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا 3 .

« و شمّر » أي : جدّ و خفّ ، كمن شمّر عن ساقه ، قال : قد شمرت عن ساق شمري .

« لما قد نزل بك » من أمر الآخرة .

« و لا تمكّن الغواة من سمعك » فكان كذلك ، فأشار عليه المغيرة باستلحاق زياد و باستخلاف يزيد ، ففعل .

« و الا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك فإنّك مترف » و قد وصف تعالى المترفين في قوله : و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال . في سموم و حميم . و ظلّ من يحموم . لا بارد و لا كريم . إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين .

و كانوا يصرون على الحنث العظيم 4 و اذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرّناها تدميرا 5 .

« قد أخذ الشيطان منك مأخذه و بلغ فيك أمله » . . . إنّا جعلنا الشياطين

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 4 : 370 .

-----------
( 2 ) الحاقة : 35 .

-----------
( 3 ) الاسراء : 14 .

-----------
( 4 ) الواقعة : 41 46 .

-----------
( 5 ) الاسراء : 16 .

[ 205 ]

أولياء للذين لا يؤمنون 1 .

« و جرى منك مجرى الروح و الدّم » و كان عمر يمدحه بترفه و شيطانيته ،

ففي ( الاستيعاب ) 2 : ذمّ معاوية عند عمر يوما فقال : دعونا من ذمّ فتى قريش ،

من يضحك في الغضب ، و لا ينال ما عنده إلاّ على الرضا ، و لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه .

« و متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية و ولاة أمر الامة بغير قدم سابق » في ( مروج المسعودي ) : حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي و ابن الكواء اليشكري و رجالا من أصحاب علي عليه السّلام مع رجال من قريش ، فقال : نشدتكم باللّه إلا ما قلتم حقّا و صدقا ، أيّ الخلفاء رأيتموني ؟ فقال ابن الكواء : لو لا أنّك عزمت علينا ما قلنا ، لأنّك جبّار عنيد ، لا تراقب اللّه في قتل الأخيار ، و لكنّا نقول :

إنّك ما علمنا : واسع الدنيا ، ضيّق الآخرة ، قريب الثرى ، بعيد المرعى ، تجعل الظلمات نورا و النور ظلمات الى أن قال ثم تكلّم صعصعة فقال : تكلمت يا بن أبي سفيان فأبلغت ، و لم تقصر عمّا أردت ، و ليس الأمر على ما ذكرت . أنّى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ، و دانهم كبرا و استولى بأسباب الباطل كذبا و مكرا ؟ أما و اللّه مالك في يوم بدر مضرب و لا مرمى ، و ما كنت فيه إلاّ كما قال القائل : لا حلى و لا سيرى . و لقد كنت أنت و أبوك في العير و النفير ممن أجلب على النبي صلّى اللّه عليه و آله . و انما أنت طليق ابن طليق ، أطلقكم النبي ، فأنّى تصلح الخلافة لطليق 3 ؟

و فيه أيضا : قال معاوية لصعصعة : أنت ذو معرفة بالعرب الى أن

-----------
( 1 ) الأعراف : 27 .

-----------
( 2 ) الاستيعاب 3 : 397 .

-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 50 .

[ 206 ]

قال و اخبرني عن أهل الحجاز . قال : أسرع الناس فتنة ، و أضعفهم عنها ،

و أقلّهم غناء فيها ، غير أنّ لهم ثباتا في الدين ، و تمسّكا بعروة اليقين ، يتّبعون الأئمة الأبرار و يخلعون الفسقة الفجّار . فقال معاوية : من البررة و الفسقة ؟

فقال : يابن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع . عليّ و أصحابه من الأئمة الأبرار ، و أنت و أصحابك من اولئك الفسقة الفجّار » 1 .

« و لا شرف باسق » أي : طويل . و منه قوله تعالى : و النخل باسقات . . . 2 .

و قال الشاعر :

و اذا ما الناس عدّوا شرفا
كنتم من ذاك في مال رخي

و في ( صفين نصر ) 3 : جمع معاوية كلّ قرشيّ بالشام و قال لهم : ليس لأحد منكم في هذه الحرب فعال يطول به لسانه غدا ، فما بالكم ؟ و أين حمية قريش ؟ فغضب الوليد بن عقبة فقال : و أيّ فعال تريد ؟ و اللّه ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق من يغني غنانا باللسان و لا باليد . فقال معاوية : إنّ اولئك وقوا عليّا بأنفسهم . قال الوليد : كلا بل عليّ وقاهم بنفسه . قال معاوية :

ويحكم أما منكم من يقوم لقرنه منهم مبارزة أو مفاخرة ؟ فقال مروان : أما البراز فان عليّا لا يأذن لحسن و لا لحسين و لا لمحمد بنيه ، و لا لابن عباس و اخوته و يصلى هو بالحرب دونهم فلأيهم نبارز ؟ و أما المفاخرة فبماذا نفاخرهم ؟ أبا لاسلام ؟ أم بالجاهلية ؟ فإن كان بالاسلام فالفخر لهم بالنبوّة ،

و إن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن ، فإن قلنا : قريش قالت العرب . فأقرّوا لبني عبد المطلب .

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 51 .

-----------
( 2 ) ق : 10 .

-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 462 .

[ 207 ]

« و نعوذ باللّه من لزوم سوابق الشقاء » أ لم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون . قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا و كنّا قوما ضالّين . ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون . قال اخسؤا فيها و لا تكلمون 1 .

و في ( صفين نصر ) 2 مسندا عن ابن عمر قال : أرسل النبي صلّى اللّه عليه و آله الى معاوية يدعوه ، فجاء الرسول فقال : هو يأكل . فأعاد عليه الثانية و الثالثة و يقول الرسول : هو يأكل . فقال : لا أشبع اللّه بطنه . و نظر النبي صلّى اللّه عليه و آله يوما إلى أبي سفيان و هو راكب و معاوية و أخوه ، أحدهما قائد و الآخر سائق ، فلما نظر إليهم النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : اللّهم العن القائد و السائق و الراكب .

« و احذرك أن تكون متماديا » أي : مادا الى المدى و الغاية .

« في غرّة الامنية » أي : الأمل و الهوى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه 3 .

« مختلف العلانية و السريرة » منافقا .

« و قد دعوت الى الحرب فدع الناس جانبا و اخرج إلي و أعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه » في ( الصحاح ) : قال أبو عبيدة في قوله تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون 4 : أي : غلب ، و كلّ ما غلبك فقد ران بك و رانك و ران عليك .

« و المغطى على بصره » في ( صفين نصر ) 5 : قام علي عليه السّلام بين الصفين ثم نادى يا معاوية يكررها فقال : اسألوه ما شأنه ؟ قال : أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة ، فبرز و معه عمرو بن العاص ، فلمّا قارباه لم يلتفت الى

-----------
( 1 ) المؤمنون : 105 108 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 220 .

-----------
( 3 ) الجاثية : 23 .

-----------
( 4 ) المطفّفين : 14 .

-----------
( 5 ) صفين لنصر بن مزاحم : 274 .

[ 208 ]

عمرو و قال : ويحك علام يقتل الناس بيني و بينك ، و يضرب بعضهم بعضا ؟

ابرز إليّ فأيّنا قتل صاحبه فالأمر له . فالتفت معاوية الى عمرو فقال : ما ترى ابارزه ؟ فقال عمرو : لقد أنصفك ، و إن نكلت عنه لم تزل سبّة عليك و على عقبك ما بقي عربي . فقال معاوية : ليس مثلي يخدع عن نفسه . و اللّه ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلاّ سقى الأرض من دمه . ثم انصرف راجعا حتى انتهى الى آخر الصفوف .

و فيه عن الشعبي 1 قال : أرسل علي عليه السّلام الى معاوية : أن ابرز إليّ و أعف الفريقين عن القتال ، فأيّنا قتل صاحبه كان الأمر له . قال عمرو : لقد أنصفك الرجل . فقال معاوية : إنّي لأكره أن ابارز الأهوج الشجاع . لعلّك طمعت فيها يا عمرو ؟ فقال عليّ عليه السّلام : وانفساه أيطاع معاوية و اعصى ؟ ما قاتلت امة أهل بيت نبيّها و مقرة بنيها إلاّ هذه الامة .

و ذكروا أنّ معاوية قال يوما بعد صفين لعمرو بن العاص : أيّنا أدهى ؟

قال : أنا للبديهة و أنت للروية . قال معاوية : قضيت لي على نفسك في الروية ،

و أنا أدهى منك في البديهة أيضا ، قال عمرو : فأين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف ؟ قال معاوية : بها غلبتني ، أفلا أسألك عن شي‏ء تصدقني فيه ؟ قال عمرو : و اللّه إنّ الكذب لقبيح فاسأل عمّا بدا لك اصدقك . قال : هل غششتني منذ نصحتني ؟ قال : لا . قال : بلى و اللّه لقد غششتني . أما إني لا أقول في كلّ المواطن ،

و لكن في موطن واحد . قال : و أي موطن ؟ قال : يوم دعاني عليّ للمبارزة فأشرت عليّ بمبارزته ، و أنت تعلم من هو ، قال : إنّما دعاك رجل عظيم الشرف فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين . إمّا أن تقتله فتكون قد قتلت قتّال الأقران ، و تزاد به شرفا إلى شرفك و تخلو بملكك ، و إمّا ان كان قتلك فكنت

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 387 .

[ 209 ]

تجعل الى مرافقة الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا . فقال معاوية : هذه شرّ من الاولى . و اللّه إني أعلم أن لو قتلته دخلت النار ، و لو قتلني دخلت النار .

قال عمرو : فما حملك على قتاله ؟ قال : الملك ، و الملك عقيم ، و لن يسمعها مني أحد بعدك .

و في ( المروج ) 1 : لما قتل العباس بن ربيعة الهاشمي رجلا من شجعان الشام تأسف معاوية عليه و قال : من قتل العباس فله مائة اوقية من التبر ،

و مائة اوقية من اللجين ، و مائة برد . فانتدب له لخميان و دعواه الى البراز ،

فقال علي عليه السّلام : يود معاوية أنّه ما بقى من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في بطنه إطفاء لنور اللّه و يأبى اللّه إلاّ أن يتم نوره 2 ، أما و اللّه ليملكنّهم منّا رجال يسومونهم سوء الخسف حتى تعفو الآثار . و أخذ عليه السّلام سلاح العباس و وثب على فرسه ، فلم يمهلهما أن قتلهما ، فقال معاوية : قبح اللّه اللجاج إنّه لعقور ، ما ركبته قط إلاّ خذلت . فقال عمرو : المخذول و اللّه اللخميان . فقال معاوية : اسكت أيها الرجل . فقال عمرو : و إن لم يكن رحم اللّه اللخمين ، و لا أراه يفعل . فقال معاوية : ذلك أضيق لحجتك و أخسر لصفتك . قال : قد علمت ذلك و لو لا مصر لركبت المنجاة ، فإني أعلم أنّ عليّا على الحق و أنا على الباطل .

فقال معاوية : مصر و اللّه أعمتك . و لو لا مصر لألفيتك بعيرا . ثم ضحك معاوية ضحكا ذهب به كلّ مذهب ، قال عمرو : مم تضحك ؟ قال معاوية : أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليّا و ابدائك سوأتك . أما و اللّه لقد رأيت الموت عيانا ، و لو شاء ابن أبي طالب لقتلك ، و لكنّه أبى إلاّ تكرّما . فقال عمرو : أما و اللّه إنّي لعن يمينك حين دعاك عليّ الى البراز ، فاحولت عيناك و بدا سحرك ، و بدا

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 28 .

-----------
( 2 ) التوبة : 32 .

[ 210 ]

منك ما أكره ذكره ، فأضحك أو دع .

و في ( صفين نصر ) 1 : غلس علي عليه السّلام يوما بصلاة الصبح بالناس ، ثم زحف بهم الى أهل الشام . فقام أبرهة الحميري و كان من رؤساء أصحاب معاوية فقال : يا معشر أهل اليمن ، إنّي لأظن و اللّه أنّ اللّه قد أذن بفنائكم ،

و يحكم خلّوا بين هذين الرجلين فليقتتلا ، فأيّهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا .

فبلغ ذلك عليّا عليه السّلام فقال : صدق أبرهة ، و و اللّه ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشدّ سرورا مني بهذه . و بلغ كلام أبرهة معاوية ، فتأخّر آخر الصفوف و قال لمن حوله : إنّي لأظن أبرهة مصابا في عقله . فأقبل أهل الشام يقولون : و اللّه لأبرهة أفضلنا رأيا و دينا ، و لكن كره معاوية مبارزة علي . و برز يومئذ عروة بن داود الدمشقي ، فقال : يا أبا الحسن ، إن كان معاوية يكره مبارزتك فهلمّ إليّ فتقدّم عليه السّلام إليه ، فقال له أصحابه : ذر هذا الكلب فإنّه ليس بخطر . فقال عليه السّلام و اللّه ما معاوية اليوم بأغلظ لي منه ، دعوني و إيّاه . ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين ، سقطت احداهما يمنة و الاخرى يسرة ، فارتج العسكران لهول الضربة ، ثم قال عليه السّلام : يا عروة اذهب فأخبر قومك ، أما و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق لقد عاينت النار و أصبحت من النادمين .

« فأنا أبو الحسن قاتل جدك و خالك و أخيك شدخا » في ( الصحاح ) الشدخ :

كسر الشي‏ء الأجوف .

و في ( الأساس ) : شدخ الشي‏ء الأجوف أو الرخص . اذا كسره أو غمزه .

و يقال شدخ الرأس و الحنظل . و من المجاز شدخ دماءهم تحت قدمه . أي :

أبطلها .

و منه قيل ليعمر بن الملوّح الذي حكم بين خزاعة و قصي حين اقتتلوا ،

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 457 .

[ 211 ]

فأبطل دماء خزاعة ، و قضى بالبيت لقصي : الشدّاخ ، و له يقول قصي :

اذا خطرت بنو الشدّاخ حولي
و مد البحر من ليث بن بكر

« يوم بدر » أمّا أخوه حنظلة و خاله الوليد بن عقبة فقتلهما عليه السّلام منفردا ،

و أمّا جدّه عتبة فقتله عليه السّلام بمشاركة عبيدة بن الحارث على الأصح ، من كون المقابل لعبيدة عتبة ، كما نقله الطبري 1 عن محمد بن إسحاق دون ما رواه الواقدي من استقلال حمزة بقتل عتبة و مشاركته عليه السّلام لعبيدة في قتل شيبة عمّ أمّه ، فكلامه عليه السّلام في هذا الكتاب و في الكتاب ( 64 ) : « و عندي السيف الذي أعضضته بجدّك و خالك و أخيك في مقام واحد » يصدق الرواية الاولى .

و يشهد له أيضا قول هند في رثاء أبيها عتبة :

تداعى له رهطه غدوة
بنو هاشم و بنو المطلب

فبنو هاشم هو عليه السّلام ، و بنو المطلب عبيدة ، و لو كان حمزة قتله منفردا لما كان لبني المطلب فيه شركة .

و كيف كان ، فشيبة أيضا قتل في بدر ، قتله حمزة أو قتله عبيدة بمشاركته عليه السّلام .

و أمّا من قال مشيرا إلى هند :

فإن تفخر بحمزة يوم ولّى
مع الشهداء محتسبا شهيدا

فإنّا قد قتلنا يوم بدر
أبا جهل و عتبة و الوليدا

و شيبة قد تركنا يوم احد
على أثوابه علقا جسيدا

فوهم من قائله ، لعدم اطّلاعه بالتاريخ ، و ضلّ ابن طلحة الشافعي في ( مطالب سؤوله ) : فنسب الأبيات إليه عليه السّلام ، و لم يتفطن البحار 2 فنقل

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 445 446 .

-----------
( 2 ) البحار 20 : 118 119 .

[ 212 ]

ما فيه مقررا له .

و كيف كان فقال أسيد بن إياس في فعله عليه السّلام ببدر بهم محرّضا لهم عليه :

في كلّ مجمع غاية أخزاكم
جذع ابر على المذاكي القرح

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم
ذبحا و قتلا قعصة لم يذبح

أفناكم قعصا و ضربا يعتري
بالسيف يعمل حدّه لم يصفح

« و ذلك السيف معي » في ( صفين نصر ) 1 : خطب عليّ عليه السّلام في صفّين ،

فقال : و الذي نفسي بيده لنظر إليّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أضرب قدامه بسيفي ، فقال :

لا سيف إلاّ ذو الفقا
ر و لا فتى إلاّ عليّ

« و بذلك القلب القى عدوي » في ( الطبري ) 2 : لمّا قتل عليّ عليه السّلام أصحاب الألوية في احد أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي عليه السّلام :

احمل عليهم . فحمل عليهم ففرّق جمعهم ، و قتل عمرو بن عبد اللّه الجمحي ، ثم أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي عليه السّلام : احمل عليهم .

فحمل عليهم ففرّق جماعتهم ، و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي ، فقال جبرئيل : يا رسول اللّه ، إنّ هذه للمواساة . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : إنّه منّي و أنا منه .

فقال جبرئيل : و أنا منكما . فسمعوا صوتا :

لا سيف إلاّ ذو الفقا
ر و لا فتى إلاّ علي

« ما استبدلت دينا و لا استحدثت نبيا ، و إنّي لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين و دخلتم فيه مكرهين » في ( صفين نصر ) 3 : قال عمّار : و اللّه ما أسلم

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 313 و 315 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 514 .

-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 215 .

[ 213 ]

القوم ، و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر ، حتّى وجدوا عليه أعوانا .

و فيه 1 : عن شاميّ قال : لمّا رأيت معاوية يبايع عند باب لد ، ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله : « شرّ خلق اللّه خمسة : إبليس ، و ابن آدم الذي قتل أخاه ، و فرعون ذو الأوتاد ، و رجل من بني إسرائيل ردّهم عن دينهم ، و رجل من هذه الامة يبايع على كفره عند باب لد » فلحقت بعليّ عليه السّلام فكنت معه .

و فيه 2 : خطب عليّ عليه السّلام في صفين ، و قال : و إنّ من أعجب العجائب : أنّ معاوية و عمرو بن العاص أصبحا يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما ،

و ايم اللّه ما اختلفت امّة قطّ بعد نبيّها إلاّ ظهر باطلها على أهل حقّها ، إلاّ ما شاء .

فقال عمّار : أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فقد أعلمكم أنّ الامّة لن تستقيم عليه . ثم تفرّق الناس و قد نفذت بصائرهم .

و فيه 3 قيل لعلي عليه السّلام حين أراد أن يكتب الكتاب بينه و بين معاوية و أهل الشام : أتقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال : ما أقرّ لمعاوية و لا لأصحابه أنّهم مؤمنون و لا مسلمون ، و لكن يكتب ما شاء ، و يسمّي نفسه و أصحابه ما شاء .

و فيه 4 : جاء رجل الى عليّ عليه السّلام فقال : هؤلاء الذين نقتلهم ، الدعوة واحدة فبم نسمّيهم ؟ قال عليه السّلام : بما سمّاهم اللّه في كتابه . أ ما سمعت اللّه يقول :

تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض الى و لو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 217 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 223 و 224 .

-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 509 .

-----------
( 4 ) صفين لنصر بن مزاحم : 322 .

[ 214 ]

كفر . . . 1 فلما وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبي و بالحق ،

فنحن الذين آمنوا ، و هم الذين كفروا و شاء اللّه قتالهم ، فقاتلناهم هدى بمشية اللّه ربنا و إرادته .