5

من الخطبة ( 26 ) ( و منها ) :

وَ لَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى اَلْبَيْعَةِ ثَمَناً فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ اَلْبَائِعِ وَ خَزِيَتْ أَمَانَةُ اَلْمُبْتَاعِ فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا وَ عَلاَ سَنَاهَا وَ اِسْتَشْعِرُوا اَلصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى اَلنَّصْرِ أقول : رواه الثقفي في ( غاراته ) 1 و ابن قتيبة في ( خلفائه ) و الكليني في ( رسائله ) جزء كتاب كتبه عليه السّلام ليقرأ على الناس ، لما سألوه عن قوله في الثلاثة المتقدمين بعد فتح مصر ، مع زيادة و نقيصة و اختلاف .

ففي الأول : « لقد انهي إليّ أنّ ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه و شرط له : أن يؤتيه إتاوة هي أعظم مما في يده من سلطانه ، ألا صفرت يد هذا البايع دينه بالدنيا ، و خزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين الى أن قال بعد كلام طويل خذوا للحرب اهبتها و أعدوا لها عدّتها ،

فقد شب نارها ، و علا سناها ، و تجرّد لكم الفاسقون ، كي يعذبوا عباد اللّه ،

و يطفئوا نور اللّه . . . » و مثله الثاني و الثالث .

قول المصنّف : « و منها » هكذا في ( المصرية ) 2 ، و مثلها ( ابن أبي الحديد ) و المراد من تلك الخطبة ، أي : الخطبة ( 25 ) ، و لكن في ( ابن ميثم ) 3 : « و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عمرو بن العاص » .

-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 1 : 317 ، ضمن رسالة لأصحابه عليه السّلام .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية : 63 الخطبة 26 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 27 ، و فيه : « و منها » .

[ 225 ]

قوله عليه السّلام « و لم يبايع » هكذا في ( المصرية ) و مثله ( ابن أبي الحديد ) و لكن في ( ابن ميثم ) 1 : « و لم يبايع معاوية » .

« حتى شرط » عليه .

« أن يؤتيه » أي : يعطيه .

« على البيعة » أي : بيعته معه .

« ثمنا فلا ظفرت يد البايع » قال ابن أبي الحديد : و في أكثر النسخ « المبايع » .

« و خزيت » أي : ذلت و هانت .

« امانة المبتاع » قال ابن أبي الحديد 2 : يعني عليه السّلام بالمبتاع : عمرا ، و بالبايع معاوية .

قلت : بل بالعكس ، فعمرو بايع دينه بدنيا معاوية و هذا واضح ، قال تعالى : . . . و لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون 3 ، . . . و لقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق . . . 4 ، اولئك الّذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب و لا هم ينصرون 5 اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين 6 اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى و العذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار 7 ،

و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون 8 .

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 72 ، و فيه : « و لم يبايع حتى . . . » .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 60 .

-----------
( 3 ) البقرة : 102 .

-----------
( 4 ) البقرة : 102 .

-----------
( 5 ) البقرة : 86 .

-----------
( 6 ) البقرة : 16 .

-----------
( 7 ) البقرة : 175 .

-----------
( 8 ) آل عمران : 187 .

[ 226 ]

و ننقل كيفية بيعته من كتاب ( صفين نصر ) 1 بمعناه ، و قد نقله ابن أبي الحديد 2 بلفظه ، ففيه : لما كتب معاوية الى عمرو يستدعيه الى نصرته و قد كان اعتزل أيّام عثمان في فلسطين شاور ابنيه عبد اللّه و محمدا ، فقال له ابنه عبد اللّه : قر في بيتك ، فلست مجعولا خليفة ، و لا ترد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ، أوشك أن تهلك فتشقى فيها . و قال له ابنه محمد : أرى أنّك شيخ قريش ، و صاحب أمرها و إن تصرّم هذا الأمر و أنت فيه خامل تصاغر أمرك ،

فالحق بجماعة أهل الشام . و دعا غلامه وردان أيضا و كان راهبا ماردا فقال له : أرحل أحط ؟ فقال : إن شئت أنبأتك بما في نفسك . قال : هات ، قال : اعترك الدنيا و الآخرة على قلبك ، فقلت علي معه الآخرة في غير دنيا ، و في الآخرة عوض الدنيا ، و معاوية معه الدنيا بغير آخرة ، و ليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال : و اللّه ما أخطأت ، فما ترى يا وردان ؟ قال أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، و إن ظهر أهل الدنيا لن يستغنوا عنك . قال : الآن لمّا شهدت العرب مسيري الى معاوية ؟ فارتحل و هو يقول :

يا قاتل اللّه وردانا و قرحته
أبدى لعمرك ما في النفس وردان

لما تعرضت الدنيا عرضت لها
بحرص نفسي و في الأطباع إدهان

نفس تعف و اخرى الحرص يقلبها
و المرء يأكل تبنا و هو غرثان

أمّا عليّ فدين ليس يشركه
دنيا و ذاك له دنيا و سلطان

فاخترت من طمعي دنيا على بصر
و ما معي بالذي أختار برهان

فسار الى معاوية ، فقال له معاوية : أدعوك الى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربّه ، و قتل الخليفة ، و أظهر الفتنة ، و فرّق الجماعة . قال عمرو : إلى جهاد

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 34 ، 36 39 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 61 62 .

[ 227 ]

من ؟ قال : عليّ . فقال عمرو : و اللّه ما أنت و علي بعكمي بعير ، مالك هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه ، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ، و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر ؟ قال حكمك : قال : مصر . قال :

إنّي أكره أن يتحدّث عنك العرب : أنّك انّما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا .

قال : دعني عنك . قال معاوية : إنّي لو شئت أن أخدعك لفعلت . قال : مثلي يخدع ؟

قال له : ادن مني اسارّك . فدنا منه ليسارّه ، فعض معاوية اذنه ، و قال : هذه خدعة ، هل ترى في بيتك أحدا غيري و غيرك ؟ فأنشأ عمرو يقول :

معاوي لا اعطيك ديني و لم أنل
بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة
أخذت بها شيخا يضرّ و ينفع

و ما الدين و الدنيا سواء فإنّني
لآخذ ما تعطي و رأسي مقنع

و لكنّني اغضي الجفون و إنّني
لأخدع نفسي و المخادع يخدع

و اعطيك أمرا فيه للملك قوّة
و إنّي به إن زلّت النعل اصرع

و تمنعني مصرا و لست نزعته
و إنّي بذا الممنوع قدما لمولع

قال له معاوية : أ لم تعلم أنّ مصر مثل العراق ؟ قال : بلى ، و لكنها إنّما تكون لي إذا كانت لك ، و إنّما تكون لك إذا غلبت عليّا على العراق . فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية : أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر ان صفت لك وليتك لا تغلب على الشام ؟ فأعطاه و كتب له كتابا ، و كتب معاوية : « على ان لا ينقض شرط طاعته » . فكتب عمرو : « و لا تنقض طاعته شرطا » . و كايد كلّ واحد منهما صاحبه ، فلمّا بلغ عليّا عليه السّلام ما صنعا ، قال :

يا عجبا لقد سمعت منكرا
كذبا على اللّه يشيب الشعرا

ما كان يرضى أحمد لو خبرا
أن يقرنوا وصيّه و الابترا

شاني الرسول و اللعين الأخزرا
كلاهما في جنده قد عسكرا

[ 228 ]

قد باع هذا دينه فأفجرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا

بملك مصر ان أصاب الظفرا

إلى أن قال 1 : فقال له عمرو : رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي ، و هو عدوّ جرير البجليّ الذي أرسله اليك عليّ ، فأرسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس : أن عليّا قتل عثمان ، و ليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل ، فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب و إن تعلّق بقلبه لم يخرجه شي‏ء أبدا . فكتب معاوية إليه في ذلك ، و دعا يزيد بن أسد و بسر بن أرطأة و عمر بن سفيان و مخارق بن الحرث و حمزة بن مالك و حابس بن سعد رؤوس قحطان و اليمن و كانوا خاصة معاوية و بني عم شرحبيل فأمرهم أن يلقوه و يخبروه : أنّ عليّا قتل عثمان إلى أن قال ثم خرج شرحبيل فلقيه هؤلاء النفر الموطّئون له ، فكلّهم يخبره بأن عليّا قتل عثمان ، فدخل على معاوية فقال له : أبي الناس إلاّ أنّ عليّا قتل عثمان ، و اللّه لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنّك . فقال له معاوية : ما كنت لاخالف عليكم ، ما أنا إلاّ رجل من أهل الشام . فقال شرحبيل : فردّ هذا الرجل أي : جريرا إلى صاحبه . فعرف معاوية أنّ شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب العراق ، و أنّ الشام كلّه معه .

و فيه 2 : أنّ معاوية طلب من عمرو ان يسوي له صفوف أهل الشام ،

فقال له عمرو : على أنّ لي حكمي إن قتل علي بن أبي طالب ، و استوسقت لك البلاد . فقال : أليس حكمك في مصر ؟ قال : و هل مصر تكون عوضا عن الجنة ،

و قتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم و هم فيه

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 70 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 237 .

[ 229 ]

مبلسون 1 ؟ فقال له معاوية : إنّ لك حكمك إن قتل ، رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك .

و فيه 2 : جاء رجل الى عمّار فقال له : إنّ صلاتنا واحدة و كتابنا واحد و رسولنا واحد . فقال له عمّار : هل تعرف الراية السوداء في مقابلتي ؟ إنّها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع النبي صلّى اللّه عليه و آله ثلاث مرات ، و هذه الرابعة ، ما هي بخيرهن و لا أبرهن ، بل شرّهن و أفجرهن .

« فخذوا للحرب » أي : الحرب الثانية مع معاوية ، فقد عرفت أنّه عليه السّلام قاله بعد فتح مصر .

« اهبتها » أي : تهيئتها .

« و أعدّوا لها عدتها » أي : استعدادها ، و الأصل فيه قوله تعالى : و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل 3 .

« فقد شب » أي : توقد ، و الشبوب : ما توقد به النار .

« لظاها » أي : التهاب نارها .

« و علا سناها » أي : ضوؤها .

« و استشعروا الصبر » أي : اجعلوه شعارا لكم كالثوب الملصق بالبدن .

« فإنّه » أي : الصبر .

« أدعى الى النصر » قال موسى لقومه استعينوا باللّه و اصبروا إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين 4 .

-----------
( 1 ) الزخرف : 75 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 321 .

-----------
( 3 ) الانفال : 60 .

-----------
( 4 ) الاعراف : 128 .

[ 230 ]