6

الكتاب ( 17 ) و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه :

فَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ ؟ اَلشَّامَ ؟ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيَكَ اَلْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ اَلْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ اَلْعَرَبَ إِلاَّ حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ أَلاَ وَ مَنْ أَكَلَهُ اَلْحَقُّ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ أَكَلَهُ اَلْبَاطِلُ فَإِلَى اَلنَّارِ وَ أَمَّا اِسْتِوَاؤُنَا فِي اَلْحَرْبِ وَ اَلرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى اَلشَّكِّ مِنِّي عَلَى اَلْيَقِينِ وَ لَيْسَ أَهْلُ ؟ اَلشَّامِ ؟ بِأَحْرَصَ عَلَى اَلدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ ؟ اَلْعِرَاقِ ؟ عَلَى اَلْآخِرَةِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا ؟ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ؟ فَكَذَلِكَ نَحْنُ وَ لَكِنْ لَيْسَ ؟ أُمَيَّةُ ؟ ؟ كَهَاشِمٍ ؟ وَ لاَ ؟ حَرْبٌ ؟ ؟ كَعَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ؟ وَ لاَ ؟ أَبُو سُفْيَانَ ؟ ؟ كَأَبِي طَالِبٍ ؟ وَ لاَ اَلْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ وَ لاَ اَلصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ وَ لاَ اَلْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ وَ لَبِئْسَ اَلْخَلْفُ خَلْفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَ فِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ اَلنُّبُوَّةِ اَلَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا اَلْعَزِيزَ وَ نَعَشْنَا بِهَا اَلذَّلِيلَ وَ لَمَّا أَدْخَلَ اَللَّهُ اَلْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً وَ أَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ اَلْأُمَّةُ طَوْعاً وَ كَرْهاً كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي اَلدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وَ إِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ اَلسَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ وَ ذَهَبَ اَلْمُهَاجِرُونَ اَلْأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ فَلاَ تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً وَ لاَ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام الى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه » ليس في ( ابن أبي الحديد ) 1 و ( الخطية ) كلمة « إليه » ، روى الكتابين نصر بن مزاحم في ( صفينه ) 2 ، و المسعودي في ( مروجه ) 3 و ابن قتيبة في

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 117 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 471 .

-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 22 23 .

[ 231 ]

( خلفائه ) 1 ، و كذا عن البيهقي في ( محاسنه ) .

ففي الأوّل و نقله ابن أبي الحديد 2 أيضا مع اختلاف : ذكروا 3 أنّ عليّا عليه السّلام أظهر يوما أنّه مصبح غدا معاوية و مناجزه ، فبلغ ذلك معاوية و فزع أهل الشام لذلك و انكسروا لقوله الى أن قال : و قال الأشتر حين قال عليه السّلام ذلك :

قد دنا الفضل في الصباح و للسلم
رجال و للحروب رجال

فرجال الحروب كلّ حدب
مقحم لا تهدّه الأهوال

يضرب الفارس المدجج بالسيف
إذا فلّ في الوغى الأكفال

يا بن هند شد الحيازيم للموت
و لا يذهبن بك الآمال

إنّ في الصبح إن بقيت لأمرا
تتفادى من هو له الأبطال

فيه عز العراق أو ظفر الشام
بأهل العراق و الزلزال

فاصبروا للطعان بالأسل السمر
و ضرب يجري به الأمثال

ان تكونوا قتلتم النفر البيض
و غالت اولئك الآجال

فلنا مثلهم و إن عظم الخطب
قليل أمثالهم أبدال

يخضبون الوشيج طعنا اذا جرّت
إلى الموت بينهم أذيال

طلب الفوز في المعاد و في ذا
تستهان النفوس و الأموال

فلما انتهى الى معاوية شعر الأشتر قال : شعر منكر من شاعر منكر ،

رأس أهل العراق و عظيمهم ، و مسعر حربهم ، و أوّل الفتنة و آخرها . و قد رأيت أن أكتب الى علي كتابا أسأله الشام و هو الشي‏ء الأول الذي ردّني عنه و القي

-----------
( 1 ) الخلفاء لابن قتيبة : 117 ، 118 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 117 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 120 ، صفين لنصر بن مزاحم : 468 .

[ 232 ]

في نفسه الشك و الرقة . فضحك عمرو بن العاص و قال له : أين أنت من خدعة علي ؟ فقال : ألسنا بني عبد مناف ؟ قال : بلى ، و لكن لهم النبوّة دونك ، و إن شئت أن تكتب فاكتب . فكتب مع رجل من السكاسك يقال له : عبد اللّه بن عقبة و كان من ناقلة أهل العراق : أما بعد ، فإنّي أظنّك أن لو علمت و علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا و بك ما علمت ، لم يجنها بعضنا على بعض ، و إنّا و إن كنّا قد غلبنا على عقولنا ،

فقد بقي لنا ما نندم به على ما مضى و نصلح به ما بقي ، و قد كنت سألتك الشام على ألا يلزمني لك طاعة و لا بيعة ، فأبيت ذلك عليّ فأعطاني اللّه ما منعت ، و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ، فإنّي لا أرجو من البقاء إلاّ ما ترجو ، و لا أخاف من الموت إلاّ ما تخاف ، و قد و اللّه رقت الأجناد و ذهبت الرجال ، و نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل ، إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترقّ به حرّ . و السلام . فلما انتهى كتاب معاوية الى علي عليه السّلام قرأه ، ثم قال :

العجب لمعوية و كتابه . ثم دعا عبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه فقال له : اكتب الى معاوية : « أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت و علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض ، فأنا و إياك منها في غاية لم تبلغها ، و إنّي لو قتلت في ذات اللّه و حييت ، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات اللّه ، و الجهاد لأعداء اللّه . و أمّا قولك : إنّه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى ، فإني ما نقصت عقلي و لا ندمت على فعلي .

فأمّا طلبك الشام فإنّي لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس . و امّا استواؤنا في الخوف و الرّجاء فإنّك لست بأمضى على الشك مني على اليقين ، و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة . و أمّا قولك : انّا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل ، فعلمري إنّا بنو أب واحد ، و لكن ليس امية كهاشم ، و لا حرب كعبد المطلب ، و لا أبو سفيان كأبي طالب ، و لا المهاجر

[ 233 ]

كالطليق ، و لا المحقّ كالمبطل ، و في أيدينا فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز و أعززنا بها الذليل » . فلما أتى معاوية كتاب عليّ عليه السّلام كتمه عن عمرو أيّاما ، ثمّ دعاه بعد ذلك فأقرأه الكتاب ، فشمت به . و لم يكن أحد من قريش أشدّ تعظيما لعلي عليه السّلام من عمرو ، منذ يوم لقيه و صفح عنه .

و في الأخير بعد ذكر معنى ما مرّ عن نصر : فقال معاوية لعمرو : قد علمت أنّ إعظامك لعلي لما فضحك ، فقال عمرو : لم يفتضح امرؤ بارز عليّا ،

و إنّما افتضح من دعاه الى البراز فلم يجبه .

قوله عليه السّلام : « فأمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس » في ( الاستيعاب ) 1 : نادى حوشب الحميري عليّا عليه السّلام يوم صفين ، فقال :

انصرف عنّا يابن أبي طالب ، فانّا ننشدك اللّه في دمائنا و دمك ، و نخلي بينك و بين عراقك ، و تخلّي بيننا و بين شامنا ، و تحقن دماء المسلمين . فقال عليّ عليه السّلام : هيهات يابن امّ ظليم و اللّه لو علمت انّ المداهنة تسعني في دين اللّه لفعلت ، و لكان أهون عليّ في المؤنة ، و لكن اللّه لم يرض من أهل القرآن بالسكوت و الإدهان ، إذا كان اللّه يعصى و هم يطيقون الدفاع و الجهاد ، حتى يظهر أمر اللّه .

و في ( الأغاني ) 2 : سار زياد بن الأشهب و كان شريفا سيّدا الى أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام يصلح بينه و بين معاوية ، فلم يجبه و في ذلك يقول نابغة بني جعدة يعتدّ على معاوية :

و قام زياد عند باب ابن هاشم
يريد صلاحا بينكم و يقرّب

-----------
( 1 ) الاستيعاب 1 : 395 .

-----------
( 2 ) الأغاني لأبي الفرج 12 : 23 .

[ 234 ]

و في ( صفين نصر ) 1 : و خرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين :

يا أبا الحسن ابرز لي . فخرج إليه عليّ عليه السّلام حتى اذا اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين قال له : يا علي إنّ لك قدما في الاسلام و هجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخير هذه الحروب ، حتى ترى من رأيك ؟ فقال له عليّ عليه السّلام : و ما ذاك ؟ قال : ترجع الى عراقك ، فنخلي بينك و بين العراق ، و نرجع الى شامنا ، و تخلّي بيننا و بين شامنا . فقال له عليّ عليه السّلام : لقد عرفت انّما عرضت هذا نصيحة و شفقة ، و لقد أهمني هذا الأمر و أسهرني ،

و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلاّ القتال ، أو الكفر بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله . إنّ اللّه تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنم . فرجع الشامي و هو يسترجع .

« و أمّا قولك : ان الحرب قد أكلت العرب إلاّ حشاشات » في ( الصحاح ) :

الحشاش و الحشاشة : بقية الروح في جسد المريض .

« أنفس بقيت » في ( المروج ) 2 : اختلف في عدّة من قتل من الفريقين ، فعن يحيى بن معين : قتل من الشام تسعون ألفا ، و من أهل العراق عشرون ألفا .

و ذكر الهيثم بن عدي و الشرقي بن القطامي و أبو مخنف : أنّه قتل من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا ، و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا ، فيهم خمسة و عشرون بدريا . و كان الاحصاء للقتلى يقع بالقضيب .

« ألا و من أكله الحق فإلى الجنّة و من أكله الباطل فإلى النار » هكذا في

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 474 .

-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 404 .

[ 235 ]

( المصرية ) 1 و لكن في ( ابن أبي الحديد ) 2 و ( ابن ميثم ) 3 إنّما هكذا : « ألا من أكله الحق فإلى النار » . و لم يشر ابن ميثم الى رواية اخرى . و أمّا ابن أبي الحديد 4 فقال : رواية « ألا و من أكله الحق فإلى النار » أليق من الرواية المذكورة في أكثر الكتب . . .

و أشار الى مثل ما في ( المصرية ) و ظاهر كلامه كون النهج بلفظ : « ألا و من أكله الحق فإلى النار » ، حيث نسب مثل ما في ( المصرية ) إلى كتب اخرى لا نسخ النهج ، و يشهد له اقتصار ابن ميثم مع كون نسخته بخط المصنّف على ما مر . و حينئذ المراد بقوله عليه السّلام « من أكله الحق » أي : من أمر الحق بقتله ،

و الأصل فيه قوله تعالى . . . و لا تقتلوا النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحق . . . 5 و أما ما في ( المصرية ) فالمراد واضح : أنّ من قتل في سبيل الحق فإلى الجنّة ،

و من قتل في سبيل الباطل فإلى النار . و يمكن تأييده بما روى ( صفين نصر ) 6 :

أن عتبة بن أبي سفيان أخا معاوية قال لجعدة بن هبيرة ابن اخت أمير المؤمنين عليه السّلام : ما أقبح بعلي أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس ،

حتى اذا أصاب سلطانا أفنى العرب فقال له جعدة : و أمّا قتل العرب فإنّ اللّه كتب القتال ، فمن قتله الحق فإلى اللّه .

و كيف كان ، ففي ( صفين نصر ) 7 : أنّ الأحنف قال في صفين لأصحابه

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية : 19 ، الكتاب 17 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 117 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 4 : 388 و فيه : « ألا و من أكله الحق فإلى الجنّة . . . » .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 118 .

-----------
( 5 ) الأنعام : 151 .

-----------
( 6 ) صفين لنصر بن مزاحم : 464 .

-----------
( 7 ) صفين لنصر بن مزاحم : 387 .

[ 236 ]

و كان مع عليّ عليه السّلام : هلكت العرب . قالوا : و إن غلبنا ؟ قال : نعم . قالوا : و إن غلبنا ؟ قال : نعم . قالوا : ما جعلت لنا مخرجا . قال . إن غلبنا لم نترك بها رئيسا إلاّ ضربنا عنقه ، و إن غلبنا لم يعرج رئيس عن معصية اللّه .

« و أمّا استواؤنا في الحرب و الرجال فلست بأمضى على الشك منّي على اليقين » في ( صفين نصر ) 1 : نادى عتبة بن أبي سفيان جعدة المخزومي ابن اخت عليّ عليه السّلام ، و اذن عليّ عليه السّلام له في الخروج إليه ، و اجتمع الناس لكلامهما ،

فقال عتبة : يا جعدة ، و اللّه ما أخرجك علينا إلاّ حبّ خالك ، و إنّا و اللّه ما نزعم أنّ معاوية أحقّ بالخلافة من عليّ عليه السّلام لو لا أمره في عثمان ، و لكن معاوية أحقّ بالشام لرضا أهلها به ، فاعفوا لنا عنها ، فو اللّه ما بالشام رجل به ظرف إلاّ و هو أجدّ من معاوية في القتال ، و ليس بالعراق من له جدّ من مثل جدّ علي ، و نحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم . فقال له جعدة : إن كان لك خال مثلي لنسيت أباك ، و أمّا رضاك اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس . و أمّا قولك : إنّه ليس بالشام من رجل إلاّ و هو أجدّ من معاوية ، و ليس بالعراق لرجل مثل جدّ علي ،

فهكذا ينبغي أن يكون ، مضى بعلي عليه السّلام يقينه ، و قصر بمعاوية شكه ، و قصد أهل الحقّ خير من جهد أهل الباطل .

« و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة » في ( صفين نصر ) 2 : قيدت عك من أهل الشام أرجلها بالعمائم ، ثم طرحوا حجرا بين أيديهم و قالوا لا نفرّ حتى يفرّ هذا الحكر أي : الحجر ، فعك تقلب الجيم كافا و فعل أهل العراق كذلك ، و تجادلوا حتى أدركهم الليل ، فقالت همدان : يا معشر عك إنّا و اللّه لا ننصرف حتى تنصرفوا . و قال عك مثل ذلك . فأرسل

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 463 464 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 434 .

[ 237 ]

معاوية الى عك : أبرّوا قسم القوم . فانصرفت عك ، ثم انصرفت همدان .

و فيه 1 : أرسل ابن حنش رأس خثعم مع معاوية الى أبي كعب رأس خثعم مع علي عليه السّلام : إن شئت توافقنا فلم نقتتل ، فإن ظهر صاحبك كنّا معكم ،

و إن ظهر صاحبنا كنتم معنا و لم يقتل بعضنا بعضا . فأبى أبو كعب ذلك . و قال ابن حنش لقومه : قد عرضت لقومنا من أهل العراق الموادعة ، صلة لأرحامهم و حفظا لحقهم ، فأبوا إلاّ قتالنا الى أن قال فاشتد القتال و أخذ أبو كعب يقول لأصحابه : يا معشر خثعم خذموا أي : اضربوهم في سوقهم و أخذ صاحب الشام يقول : يا أبا كعب قومك فأنصف .

و فيه 2 : خرج اثال بن حجل من عسكر علي عليه السّلام و نادى : هل من مبارز ؟

فدعا معاوية حجلا فقال : دونك الرجل . و كانا مستبصرين في رأيهما ، فبرز كلّ واحد منهما إلى صاحبه ، فبدره الشيخ بطعنة ، فطعنه الغلام و انتمى ، فاذا هو ابنه فنزلا فاعتنق كلّ واحد منهما صاحبه و بكيا ، فقال له الأب : أي اثال ،

هلم الى الدنيا . فقال له الغلام : يا أبه هلم الى الآخرة ، و اللّه يا أبه لو كان من رأيي الانصراف إلى أهل الشام ، لوجب عليك أن يكون من رأيك لي أن تنهاني ،

واسوأتاه فماذا أقول لعلي عليه السّلام و للمؤمنين الصالحين ؟ كن أنت على ما أنت عليه ، و أنا أكون على ما أنا عليه . و انصرف حجل الى أهل الشام و اثال الى أهل العراق ، فخبر كلّ واحد منهما أصحابه .

« و أمّا قولك : إنّا بنو عبد مناف فكذلك » الأصل في شبهة كون كلّ منهما ابن عبد مناف عمر ، حيث أراد في شوراه جعل عثمان في مقابله عليه السّلام فقال : « و لكن الستة علي و عثمان ابنا عبد مناف . . . » فيقال لعمر : على قاعدتك يتساوى

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 257 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 443 .

[ 238 ]

النبي صلّى اللّه عليه و آله و أبو سفيان ، فكلّ منهما ابنا عبد مناف .

« و لكن ليس امية » قال جارية بن قدامة لمعوية في منافرة بينهما : ما معاوية إلاّ كلبة تعاوي الكلاب ، و ما اميّة إلاّ تصغير الأمة .

« كهاشم » في ( الطبري ) 1 : اسمه عمرو ، و إنّما قيل له : هاشم ، لأنّه أوّل من هشم الثريد لقومه بمكة و أطعمهم . و له يقول مطرود الخزاعي : و قال ابن الكلبي : يقول ابن الزبعرى :

عمرو الذي هشم الثريد لقومه
و رجال مكة مسنتون عجاف

ذكروا أنّ قومه من قريش كانت أصابتهم لزبة و قحط ، فرحل الى فلسطين فاشترى منها الدقيق ، فقدم به مكة فأمر به فخبز له ، و نحر جزورا ، ثم اتّخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز .

قال وهب بن عبد قصي في ذلك :

تحمّل هاشم ما ضاق عنه
و أعيى أن يقوم به ابن بيض

أتاهم بالغرائر متأنقات
من ارض الشام بالبر النفيض

فأوسع أهل مكة من هشيم
و شاب الخبز باللحم الغريض

فظل القوم بين مكللات
من الشيزى و حائرها يفيض

فحسده اميّة ، و كان ذا مال ، فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم ، فعجز عنه فشمت به ناس من قريش ، فغضب و نال من هاشم و دعاه الى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لسنه و قدره ، و لم تدعه قريش و أحفظوه . قال : فإنّي انافرك على خمسين ناقة سود الحدقة ننحرها ببطن مكة ، و الجلاء عن مكة عشر سنين .

فرضي بذلك امية ، و جعلا بينهما الكاهن الخزاعي ، فنفّر هاشما على امية ،

فأخذ هاشم عن أمية الإبل ، فنحرها و أطعمها من حضره ، و خرج امية الى

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 251 .

[ 239 ]

الشام فأقام بها عشر سنين ، فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم و امية .

و في ( لطائف الثعالبي ) : و قيل في هاشم :

ما أحد كهاشم و ان هشم
لا لا و لا كحاتم و إن حتم

و في ( إثبات وصية المسعودي ) 1 في خطبته عليه السّلام في انتقال نور النبي صلّى اللّه عليه و آله من آدم أبا بعد أب الى ولادته : حتى نقلت نوره الى هاشم خير آبائه بعد إسماعيل ، فأي أب و جدّ و والد أسرة و مجمع عترة و مخرج طهر و مرضع فخر جعلت يا رب هاشما لقد أقمته لدن بيتك و جعلت له المشاعر و المتاجر .

و قال الجاحظ و قد نقله ابن أبي الحديد 2 في موضع آخر : صنع اميّة في الجاهلية صنعا لم يصنعه أحد من العرب : زوّج ابنه أبا عمرو امرأته في حياته منه ، فأولدها أبا معيط . و المقتيون في الاسلام هم الذين نكحوا نساء آبائهم بعد موتهم . فأمّا ان يتزوجها في حياة الأب و يبني عليها و هو يراه ، فإنّه شي‏ء لم يكن قط . . . و يأتي أنّ عبد المطلب بن هاشم حرّم زوجة الأب في الجاهلية ، فأمضاه الاسلام .

و عن كتاب ( هاشم و عبد شمس ) للدباس : روى هشام الكلبي : أنّ اميّة لمّا كان غلاما كان يسرق الحاجّ ، فسمّي حارسا .

و عنه : قال عثمان لرجل من حضر موت : أفرأيت اميّة ؟ قال : نعم ، رأيت رجلا آدم دميما قصيرا أعمى ، يقال : انّه كان أنكد و إن فيه نكدا أي : مشؤوما و فيه عسر فقال عثمان : يكفيك من شرّ سماعه . و أمر بإخراجه .

و عن ( أنساب قريش ابن بكار ) : اصطلحت قريش على ان يولّى هاشم

-----------
( 1 ) إثبات الوصية للمسعودي : 109 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 207 .

[ 240 ]

بعد موت أبيه السقاية و الرفادة ، و ذلك انّ عبد شمس كان يسافر و قلّ أن يقيم بمكة و كان رجلا معيلا ، و كان له ولد كثير و كان هاشم رجلا موسرا ، فكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال : إنّكم جيران اللّه و أهل بيته ، و إنّه يأتيكم في هذا الموسم زوّار اللّه يعظمون حرمة بيته ، فهم لذلك ضيف اللّه ، و أحق ضيف بالكرامة ضيف اللّه ، و قد خصّكم اللّه بذلك و أكرمكم به ، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه و زوّاره ، فإنّهم يأتون شعثا غبرا من كلّ بلد ، ضوامر كالقداح و قد ارجفوا و تفلوا و قملوا و ارسلوا ، فأقروهم و أعينوهم .

فكانت قريش تترافد على ذلك ، و كان هاشم يخرج في كلّ سنة مالا كثيرا ،

و كان يقول لقريش : فوربّ هذه البنيّة لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتموه ، ألا و إني مخرج من طيّب مالي و حلاله ما لم يقطع فيه رحم و لم يؤخذ بظلم ، و لم يدخل فيه حرام . و أسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج منكم رجل من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه و معونتهم إلاّ طيبا ، لم يؤخذ ظلما ، و لم يقطع فيه رحم ،

و لم يغتصب . فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها ، و تأتي بها الى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاج ، و كان هاشم يأمر بحياض من ادم ، يجعل في موضع زمزم من قبل أن تحتفر ، يستقي فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج ، و كان يطعمهم أوّل ما يطعم قبل يوم التروية بيوم ، بمكة و منى و بجمع و بعرفة ، و كان يثرد لهم الخبز و اللحم و السمن و السويق و التمر ، و يحمل لهم الماء فيسقون بمنى و الماء يومئذ قليل الى أن يصدروا .

و قال الجاحظ : كان يقال لهاشم : القمر . كان بين مطرود الخزاعي و بعض قريش شي‏ء ، فدعاه الى المحاكمة الى هاشم ، و قال :

الى القمر الساري المنير دعوته
و مطعمهم في الازل من قمع الجزر

و قال ابن بكار : قالوا لهاشم : عمرو العلي لمعاليه ، و كان أول من سن

[ 241 ]

الرحلتين : رحلة الى الحبشة و رحلة الى الشام ، و كانت قريش لا تعدو تجارتهم مكة ، إنّما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم و يتبايعون بها بينهم ،

و يبيعون من حولهم من العرب حتى رحل هاشم الى الشام ، فنزل بقيصر فكان يذبح كلّ يوم شاة ، و يضع جفنة من ثريد يدعو الناس فيأكلون . و كان من أحسن الناس خلقا و تماما ، فذكر لقيصر و قيل له : هاهنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصبّ عليه المرق و يفرغ عليه اللحم و يدعو الناس . و كانت الأعاجم و الروم تضع المرق في الصحف تأتدم عليه بالخبز ، فدعا به قيصر ، فلمّا رآه و كلّمه اعجب به ، و جعل يرسل إليه فيدخل عليه ، فلمّا رأى مكانه منه سأله أن يأذن لقريش في القدوم عليه بالمتاجر ، و أن يكتب لهم كتاب الأمان في ما بينهم و بينه ، ففعل . فبذلك ارتفع هاشم من قريش .

« و لا حرب كعبد المطلب » عن ( الأغاني ) : أنّ معاوية قال لدغفل النسابة :

أ رأيت عبد المطلب كيف كان ؟ قال : رأيت رجلا نبيلا و ضيئا كأنّ على وجهه نور النبوّة .

و في ( الكافي ) 1 : عن الصادق عليه السّلام : جاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو طفل يدرج حتى جلس على فخذ عبد المطلب ، فأهوى بعض ولده إليه لينحيه عنه ، فقال له : دع ابني فان الملك قد أتاه 2 .

و عنه عليه السّلام : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : سنّ عبد المطلب في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام : حرّم نساء الآباء على الأبناء ، فأنزل تعالى : و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء . . . 3 . و وجد كنزا فأخرج منه الخمس

-----------
( 1 ) الكافي 1 : 448 ح 26 .

-----------
( 2 ) ذكره شرح ابن أبي الحديد 15 : 229 الباب 28 .

-----------
( 3 ) النساء : 22 .

[ 242 ]

و تصدّق به ، فانزل تعالى : و اعلموا أنّما غنمتم من شي‏ء فأن للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل . . . 1 . و لما حفر زمزم سمّاها سقاية الحاج ، فأنزل تعالى : أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن باللّه و اليوم الآخر . . . 2 . و سن في القتل مائة من الإبل ، فأجرى اللّه تعالى ذلك في الاسلام . و لم يكن للطواف عدد عند قريش ،

فسنّ فيهم عبد المطلب سبعة أشواط ، فأجرى اللّه تعالى ذلك في الاسلام .

و كان لا يستقسم بالأزلام ، و لا يعبد الأصنام ، و لا يأكل ما ذبح على النصب ،

و يقول : أنا على دين إبراهيم .

و عنه عليه السّلام : أنّ عبد المطلب أوّل من قال بالبداء . يبعث يوم القيامة و عليه بهاء الملوك و سيماء الأنبياء ، و كان يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره ،

و كان له ولد يقومون على رأسه ، فيمنعون من دنا منه .

و في ( الطبري ) 3 : تنافر عبد المطلب بن هاشم و حرب بن امية الى النجاشي الحبشي ، فأبى أن ينفر بينهما ، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزى العدوي ، فقال لحرب : أتنافر رجلا هو أطول منك قامة ، و أعظم منك هامة ،

و أوسم منك و سامة ، و أقلّ منك لامة ، و أكثر منك ولدا ، و أجزل منك صفدا ،

و أطول منك مذودا ؟ فنفره عليه .

و رواه الجاحظ : قال نفيل لحرب :

أبوك معاهر و أبوه عف
و ذاد الفيل عن بلد حرام

قال في شرح قوله : « أبوك معاهر » : إنّ امية تعرّض لامرأة من زهرة ، فضربه

-----------
( 1 ) الأنفال : 41 .

-----------
( 2 ) التوبة : 19 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 13 .

[ 243 ]

رجل منهم بالسيف ، فأراد امية إخراج زهرة من مكة ، فقام دونهم قيس بن عدي السهمي و كانوا أخواله ، و كان منيع الجانب و صاح : « اصبح ليل » .

فذهبت مثلا ، و نادى : « الآن الظاعن مقيم » . و في هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف جدّ النبي صلّى اللّه عليه و آله لامّه :

مهلا اميّة فإن البغي مهلكة
لا يكسبنّك يوم ذكره شرّ

تبدو كواكبه و الشمس طالعة
يصبّ في الكأس منه الصبر و المقر

و في ( أنساب البلادري ) : كان كعب بن لؤي عظيم القدر في العرب ،

فأرّخوا بموته إعظاما له ، ثم بعام الفيل ، ثم أرّخوا بموت عبد المطلب .

و في خبر النسّابة مع أبي بكر : أمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء ؟

قال : لا .

و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، ما عادانا بيت إلا و قد خرب و لا كلب إلا و قد جرب 1 .

و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : لما أقبل صاحب الحبشة بالفيل يريد هدم الكعبة ، مروا بإبل لعبد المطلب فاستاقوها ، فتوجّه عبد المطلب الى صاحبهم يسأله رد إبله ، فقيل له : إنّه عظيم قريش ، و هو رجل له عقل و مروة .

فأكرمه و أدناه . ثم قال لترجمانه : سل ما حاجتك ؟ فقال : إن أصحابك مروا بإبل لي فاستاقوها فأحببت أن تردّها عليّ . فتعجب من سؤاله ردّ الإبل ، و قال :

هذا الذي زعمتم أنّه عظيم قريش و ذكرتم عقله ، يدع أن يسألني أن أنصرف عن بيته الذي يعبده ، أما لو سألني أن أنصرف عن هدمه لانصرفت . فأخبره الترجمان بمقالة الملك ، فقال له عبد المطلب : إنّ لذلك البيت ربّا يمنعه ، و إنّما سألتك ردّ إبلي . فأمر بردّها عليه ، ثمّ مضى عبد المطلب حتّى لقي الفيل على

-----------
( 1 ) بحار الأنوار 4 : 127 الباب 56 .

[ 244 ]

طرف الحرم ، فقال له : محمود فحرّك رأسه ، فقال له : أتدري لم جي‏ء بك ؟ فقال برأسه : لا . فقال : جاؤوا بك لتهدم بيت ربّك ، أ فتفعل ؟ فقال برأسه : لا . فانصرف عبد المطلب و جاؤوا بالفيل ليدخل الحرم ، فلمّا انتهى الى طرف الحرم امتنع . . . .

و عن ( انساب ابن بكار ) 1 : أنّ ركبا من جذام خرجوا صادرين عن الحج من مكة ، فوجدوا رجلا من عالية بيوت مكة يقال له : حذافة ، فربطوه و انطلقوا به ، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف و معه ابنه أبو لهب يقود به و حينئذ قد ذهب بصره فلما نظر إليه حذافة هتف به ، فقال لابنه : ويلك من هذا ؟ قال :

حذافة بن غانم العذري مربوطا مع ركب . قال : فالحقهم و أطلق الرجل . فلحقهم و قال لهم : قد عرفتم تجارتي و مالي ، أحلف لكم لاعطينكم عشرين أوقية ذهبا ،

و عشرا من الإبل ، و فرسا ، و هذا ردائي رهنا . فقبلوا ذلك و أطلقوا حذافة ، فلمّا أقبل به و قربا سمع عبد المطلب صوت أبي لهب ، و لم يسمع صوت حذافة ،

فصاح بابنه : إنّك لعاص ، ارجع لا امّ لك فائت به . قال : يا أبتاه هذا الرجل معي .

فناداه عبد المطلب : يا حذافة ، أسمعني صوتك . قال : ها أنا ذا بأبي أنت و امي يا ساقي الحجيج . أردفني . فأردفه حتّى دخل مكة ، فقال حذافة يوصي ابنه خارجة بالانتماء الى بني هاشم :

أ خارج إمّا أهلكنّ فلا تزل
لهم شاكرا حتى تغيّب في القبر

بني شيبة الحمد الكريم فعاله
يضي‏ء ظلام الليل كالقمر البدر

و عنه 2 : أنّ عبد المطلب اتي في المنام ، فقيل له : « احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم » . فاستيقظ فقال : « اللهم بيّن لي » فاري في المنام مرّة اخرى :

« احفر مكتم ، بين الرّفث و الدم ، في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبلة

-----------
( 1 ) لا وجود له في أنساب قريش لابن بكار ، و لكن ما يتضمن معناه موجود في نسب قريش لمصعب الزبيري : 375 .

-----------
( 2 ) نقله عن نهج البلاغة 15 : 214 215 .

[ 245 ]

الانصاب الحمر » . فقام فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمّي له من الآيات ، فنحر بقرة بالجزورة فأفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم ، فاحتمل لحمها من مكانها ، و أقبل غراب يهوى حتى وقع في الفرث ، يبحث عن قرية النمل ، فقام عبد المطلب يحفر ، و قال : إنّي لحافر هذا البئر و مجاهد من صدّني عنها . فطفق يحفر هو و ابنه الحارث و ليس له يومئذ ولد غيره فيسفه عليهما الناس من قريش و ينازعونهما ، و تناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من زعيق نسبه و صدقه ، حتى إذا أتعبه الحفر نذر إن و فى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم .

ثمّ حفر فأدرك سيوفا دفنت في زمزم حين دفنت ، فلمّا رأت قريش أنّه قد أدرك السيوف قالت له : أجدنا ما وجدت . فقال : هذه السيوف لبيت اللّه . ثمّ حفر حتى أنبط الماء ، فحفرها في القرار ، ثم بحرها حتى لا تنزف ، ثمّ بنى عليها حوضا ،

و طفق هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض ، ليشرب منه الحاج ، و كان قوم من قريش يكسرون الحوض حسدا له بالليل ، فيصلحه حين يصبح ، فلمّا أكثروا دعا ربّه ، فاري فقيل له : قل : « اللّهم إنّي لا احلها لمغتسل ، و هي لشارب حلّ و بل » . ثم كفيتهم ، فقام حين اختلفت قريش في لمسجد ، فنادى بالذي أري ثم انصرف ، فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء ، حتى تركوا حوضه ذلك و سقايته ، ثم تزوّج النساء فولد له عشرة رهط ،

فقال : « اللّهم إنّي كنت نذرت لأنحر أحدهم و إنّي أقرع بينهم ، فأصب بذلك من شئت » فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد اللّه و كان أحبّ ولده إليه فقال :

اللّهم هو أحب اليك أم مائة من الإبل . . . .

و قال : و يقال : كان يعرف في عبد المطلب سيماء النبوّة ، و هيبة الملك .

و عن ( سيرة محمد بن إسحاق ) : لما أنبط عبد المطلب الماء في زمزم

[ 246 ]

حسدته قريش ، فقالت له : إنّها بئر أبينا إسماعيل ، و إنّ لنا فيها حقا فاشركنا معك . قال : ما أنا بفاعل ، إنّ هذا الأمر خصصت به دونكم . قالوا : فإنّا غير تاركيك . قال : فاجعلوا بيني و بينكم حكما احاكمكم إليه . قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم . قال : نعم . و كانت باشراف الشام ، فركب عبد المطلب في نفر من عبد مناف ، و خرج من كل قبيلة من قريش قوم ، و الأرض إذ ذاك مفاوز ، حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام ، نفد ما كان مع عبد المطلب و بني أبيه من الماء ، فعطشوا عطشا شديدا ، فاستسقوا قومهم فأبوا ان يسقوهم ،

و قالوا : نحن بمفازة و نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم ، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم و خاف على نفسه و أصحابه الهلاك ، قال لأصحابه :

ما ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلاّ تبع لرأيك ، فمرنا بما أحببت . قال : فإنّي أرى أن يحفر كل رجل منّا حفرة لنفسه بما معه الآن من القوّة ، فكلما مات رجل دفنه أصحابه حتى يكون رجل واحد ، فضيعة واحد أيسر من ضيعة ركب . قالوا :

نعم ما أشرت . فقام كلّ رجل منهم فحفر حفيرة و قعدوا ينتظرون الموت ، ثمّ إنّ عبد المطلب قال لهم : و اللّه ان لقاءنا بأيدينا كذا للموت لعجز ، قوموا فعسى اللّه ان يرزقنا ماء ببعض الأرض ، ارتحلوا . فارتحلوا و من معهم من قبائل قريش ينظرون ما هم صانعون ، فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعث به انفجر من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبّر و كبّر أصحابه ، ثم نزل فشرب هو و أصحابه و ملاؤوا اسقيتهم ، ثمّ دعا القبائل من قريش ، فقال لهم :

هلموا إلى الماء ، فقد أسقانا اللّه فاشربوا . فقالوا : قد قضى اللّه لك علينا ، و اللّه لا نخاصمك في زمزم ابدا . إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو سقاك زمزم فارجع إليها .

و روى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) : قصة اخرى لعبد المطلب في ماء له

[ 247 ]

بالطائف ، يقال له : ذو الهرم ، مع جندب الثقفي ، و انّهما تنافرا إلى الكاهن العذري بالشام ، و نفد ماء عبد المطلب و من معه ، فانفجرت عين من تحت جران بعير عبد المطلب .

و عن القمي رفعه ، قال : كان في الكعبة غزالان من ذهب و خمسة أسياف ، فلما غلبت خزاعة جرهما ألقت جرهم الأسياف و الغزالين في بئر زمزم ، و ألقوا فيها الحجارة و طموها و عموا أثرها ، فلمّا غلبت قصي على خزاعة لم يعرفوا موضع زمزم و خفي عليهم موضعها . فلما بلغ عبد المطلب و كان يفرش له في فناء الكعبة ، و لم يكن يفرش لأحد هناك غيره ، فبينا هو نائم في ظلّ الكعبة رأى في منامه : أن أتاه آت فقال له : احفر بره . فقال : و ما بره ؟ ثم اتاه في اليوم الثاني فقال له : احفر طيبة . فقال : و ما طيبة ؟ ثم اتاه في اليوم الثالث فقال : احفر المصونة ؟ قال : و ما المصونة ؟ ثم أتاه في اليوم الرابع فقال :

« احفر زمزم ، لا تبرح و لا تذم ، تسقى الحجيج الأعظم ، عند الغراب الأعصم ،

عند قرية النمل . و كان عند زمزم جحر يخرج منه النمل ، فيقع عليه غراب أعصم يلتقط النمل كل يوم ، فلما رأى عبد المطلب هذه الرؤيا عرف موضع زمزم ، فقال لقريش : إنّي عبرت في أربع ليال في حفر زمزم ، و هي مأثرتنا و عزنا فهلموا نحفرها ، فلم يجيبوه ، فأقبل يحفرها هو بنفسه ، و كان له ابن واحد و هو الحرث ، و كان يعينه على الحفر ، فلما صعب عليه ذلك تقدم إلى باب الكعبة ، ثم رفع يديه و دعا اللّه تعالى ، و نذر له إن رزقه عشرة بنين أن ينحر أحبّهم إليه تقرّبا إليه تعالى ، فلمّا أن حفر و بلغ الطوى طوى إسماعيل و علم أنّه قد وقع على الماء ، كبّر و كبّرت قريش و قالوا : يا أبا الحرث هذه مأثرتنا و لنا فيها نصيب . فقال : لم تعينوني على حفرها ، هي لي و لولدي في الدهر .

[ 248 ]

و في ( الطبري ) 1 : كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم و خزاعة الذي افتتح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بسببه مكة و قال : لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب أنّ نوفل بن عبد مناف و كان آخر من بقي من عبد مناف ظلم عبد المطلب على اركاح له و هي الساحات و كانت امّ عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجاري من الخزرج فتنصف عبد المطلب عمه فلم ينصفه ، فكتب إلى أخواله :

يا طول ليلي لأحزاني و أشغالي
هل من رسول إلى النجار أخوالي

فقدم عليه منهم ثمانون راكبا فأناخوا بفناء الكعبة ، فلمّا رآهم نوفل قال لهم : أنعموا صباحا . فقالوا له : لا نعم صباحك أيّها الرجل انصف ابن اختنا من ظلامته . قال : أفعل بالحب لكم و الكرامة . فرد عليه الأركاح ، فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف مع خزاعة إلى أن قال و اسمه شيبة لأنّه كان في رأسه شيبة ، و قيل له : عبد المطلب ، لأن أباه كان شخص في تجارة له إلى الشام ، فسلك طريق المدينة إليها ، فلما قدم المدينة نزل على زيد بن عمرو الخزرجي أو عمرو بن زيد الخزرجي على اختلاف الروايات فرأى ابنته سلمى فأعجبته فخطبها إلى أبيها ، فأنكحه و شرط عليه : ألا تلد ولدا إلاّ في أهلها . ثمّ مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها ، ثمّ انصرف راجعا ، فبنى بها في أهلها فحملت منه ، ثمّ ارتحل إلى مكة و حملها معه ، فلمّا أثقلت ردّها إلى أهلها و مضى إلى الشام ، فمات بها بغزّة ، فولدت سلمى عبد المطلب ، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني .

ثمّ إنّ رجلا من بني الحرث بن عبد مناف مرّ بيثرب ، فإذا غلمان ينتضلون ، فجعل شيبة إذا خسق قال : أنا ابن هاشم ، أنا ابن سيد البطحاء . فقال

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 250 .

[ 249 ]

له الحارثي : من أنت ؟ قال : أنا شيبة بن هاشم . فلمّا اتى الحارثي مكة قال للمطلب ، و هو جالس في الحجر : تعلم أنّي وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب ،

و فيهم غلام إذا خسق ، قال : أنا ابن هاشم ، أنا ابن سيّد البطحاء ؟ فقال المطلّب :

و اللّه لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به . فقال له الحارثي : هذه ناقتي بالفناء فاركبها . فجلس المطلب عليها ، فورد يثرب عشاء حتى أتى بني عدي بن النجار ، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس ، فعرف ابن أخيه ، فقال للقوم : أهذا ابن هاشم ؟ قالوا : نعم ، هذا ابن أخيك ، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به امّه ، فإنّها إن علمت لم تدعه ، و حلنا بينك و بينه . فدعاه و قال : يا بن أخي ، أنا عمّك أردت الذهاب بك إلى قومك . و أناخ راحلته ، فما كذب أن جلس على عجز الناقة ، فانطلق به و لم تعلم به امّه ، حتى كان اللّيل فقامت تدعو بحربها على ابنه ، فاخبرت أنّ عمّه ذهب به . و قدم به المطلب ضحوة و النّاس في مجالسهم فجعلوا يقولون : من هذا ؟ فقال : عبد لي . ثم خرج المطلب حتى أتى الجزورة ، فاشترى حلة فألبسها شيبة ، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف . . . .

و قال الجاحظ مع نصبه : و قد أعطى اللّه عبد المطلب في زمانه ، و أجرى على يديه ، و أظهر من كرامته ما لا يعرف مثله إلاّ لنبيّ مرسل ، و أنّ في كلامه لأبرهة صاحب الفيل ، و توعده إيّاه بربّ الكعبة ، و تحقيق قوله من اللّه تعالى و نصره وعيده بحبس الفيل ، و قتل أصحابه بالطير الابابيل و حجارة السجيل حتّى تركوا كالعصف المأكول ، لأعجب البرهانات و أسنى الكرامات إلى أن قال و لو شئنا أن نذكر ما أعطى اللّه عبد المطلب من تفجير العيون ، و ينابيع الماء من تحت كلكل بعيره ، و اخفائه بالارض القسي ، و بما اعطى من المساهمة و عند المقارعة من الامور العجيبة و الخصال الباينة ، لقلنا .

[ 250 ]

و روى ابن بكار عن ابن شهاب قال : أوّل ما ذكر من عبد المطلب أنّ قريشا خرجت فارّة من الحرب خوفا من أصحاب الفيل و عبد المطلب يومئذ غلام شاب فقال : و اللّه لا أخرج من حرم اللّه أبغي العزّ في غيره . فجلس في البيت ، و أجلت قريش عنه ، فقال عبد المطلب :

اللّهم إنّ المرء يم
نع رحله فامنع حلالك

لا يغلبنّ صليبهم
و محالهم أبدا محالك

فلم يزل تائبا في الحرم حتى أهلك اللّه الفيل و أصحابه ، فرجعت قريش و قد عظم فيهم بصيرته و تعظيمه .

و في ( الكافي ) 1 : أنّ عبد المطلب قال لبعض مواليه لمّا جاء أبرهة : اعل الجبل فانظر ، ترى شيئا ؟ فقال : أرى سوادا من قبل البحر . فقال له : يصيبه بصرك أجمع ؟ قال : لا ، و أوشك أن يصيب . فلمّا أن قربت قال : هو طير كثير و لا اعرف ، يحمل كلّ طير في منقاره حبة حصاة مثل حصاة الحذف أو دونها .

فقال عبد المطلب : و ربّ عبد المطلب ما تريد إلاّ القوم . حتى لما صارت فوق رؤوسهم أجمع ، ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل ، فخرجت من دبره فقتلته ، فما انفلت منهم إلاّ رجل واحد يخبر الناس ، فلمّا أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته .

و في ( حياة حيوان الدّميري ) : في عنوان الغراب : ذكر المسعودي 2 : أنّ اميّة بن أبي الصلت كان مصحوبا يبدو له الجن ، فخرج في عير من قريش ،

فمرّت به حية فقتلوها ، فاعترضت لهم حية اخرى تطلب به ثأرها ، و قالت : قتلتم فلانا . ثمّ ضربت الارض بقضيب ، فنفرت الإبل فلم يقدروا عليها إلاّ بعد عناء

-----------
( 1 ) الكافي 1 : 448 ح 25 .

-----------
( 2 ) المسعودي 2 : 161 .

[ 251 ]

شديد ، فلما جمعوها جاءت ثانية ، فضربت فنفرت فلم يقدروا عليها إلاّ بعد نصف الليل ، ثم جاءت فضربت ثالثة ، فنفرتها فلم يقدروا عليها حتى كادوا أن يهلكوا عطشا و عناء ، و هم في مفازة لا ماء بها ، فقالوا لاميّة : هل عندك من حيلة ؟ قال : لعلها . ثم ذهب حتى جاوز كثيبا ، فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه ،

حتى أتى على شيخ في حناء ، فشكا إليه ما نزل به و بصحبه و كان الشيخ جنيا فقال : فاذهب فإن جاءتكم فقولوا : « باسمك اللهم » سبعا . فرجع إليهم ،

و قد أشرفوا على الهلاك ، فأخبرهم بذلك ، فلما جاءتهم الحية قالوا ذلك ، فقالت :

تبالكم ، من علّمكم هذا ؟ ثم ذهبت . و أخذوا إبلهم و كان فيهم حرب ابن اميّة ،

فقتلته الجن بعد ذلك بثأر الحية المذكورة ، و قالوا فيه :

و قبر حرب بمكان قفر و ليس قرب قبر حرب قبر و في ( الأغاني ) 1 : مرّ حرب ابن اميّة و مرداس أبو العباس بن مرداس بغيضة ملتفة الشجر ، فاحرقا شجرها ليتخذاها مزرعة ، فكانت تخرج من الغيضة حباب بيض فتطير حتى تغيب ، و مات حرب و مرداس عقيب ذلك ،

فتحدّث قومهما : أنّ الجن قتلتهما لإحراقهما منازلهما من الغيضة . و ذلك قبل البعثة بحين . ثمّ كانت بين أبي سفيان بن الحرب و العباس بن مرداس منازعة في هذه القرية .

« و لا أبو سفيان كأبي طالب » أمّا الأوّل فقال الجاحظ : قام أبو سفيان مقام أبيه فخالفه أبو الأزيهر الدوسي ، و كان عظيم الشأن في الأزد ، و كانت بينه و بين بني الوليد بن مغيرة محاكمة في مصاهرة كانت بين الوليد و بينه ، فجاء هشام بن الوليد و أبو الازيهر كان قاعدا في مقعد أبي سفيان بذي المجاز ،

فضرب عنقه ، فلم يدركه به أبو سفيان عقلا و لا قودا في بني المغيرة .

-----------
( 1 ) الأغاني 6 : 341 .

[ 252 ]

و لمّا كتب معاوية إلى زياد لمّا كان على فارس بعد أمير المؤمنين عليه السّلام و هدّده و عيّره ، أجابه زياد : و أمّا تعييرك لي بسميّة فإن كنت ابن سميّة ، فأنت ابن حمامة و يأتي أنّ حمامة امّ أبي سفيان كانت بغيا صاحبة راية في الجاهلية .

و أمّا الثاني فقال ابن بكار : كان كافل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و حاميه من قريش ،

و ناصره و الرفيق به ، و الشفيق عليه و وصيّ عبد المطلب فيه ، و كان سيد بني هاشم في زمانه ، و لم يكن أحد من قريش يسود في الجاهلية الاّ بمال ، إلاّ أبو طالب ، و أبو طالب أوّل من سنّ القسامة في دم عمرو بن علقمة ، ثم أثبتتها السنّة في الاسلام ، و كانت السقاية بيده ، ثم سلّمها إلى أخيه العباس .

و قال معاوية لعمرو بن العاص بعد ضرب الخارجي صاحبه له ضربة عالج منها ، و قتل الخارجي صاحب أمير المؤمنين عليه السّلام له ، و عدم ظفر صاحب عمرو به :

نجوت و قد بل المراديّ سيفه
من ابن أبي شيخ الأباطح

طالب و في خبر 1 الكندي الذى رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أوّل أمره يصلي و معه غلام و امرأة ، و سأل العباس عنه ، و أجابه بأنّه ابن أخيه محمّد بن عبد اللّه يزعم أنّه نبيّ ، و لم يتبعه إلاّ هذا الغلام : و هو ابن أخي عليّ بن أبي طالب ، و هذه المرأة : و هي امرأته خديجة بنت خويلد . قال له : فما تفعلون ؟ قال ننتظر ما يفعل الشيخ . يعني : أبا طالب .

و كان اسمه عبد مناف ، فلمّا مات عبد المطلب أوصى إليه بالنبي ، و قال لأبي طالب في أبيات :

اوصيك يا عبد مناف بعدي بواحد بعد أبيه فرد

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 1 : 29 .

[ 253 ]

فارقه و هو ضجيع المهد فكنت كالامّ له في الوجد و عن ابن عساكر 1 : قال جلهمة بن عرفة : قدمت مكة و هم في قحط ،

فقالت قريش : يا أبا طالب أقحط الوادي ، و أجدب العيال ، فهلم لنستسقي . فخرج أبو طالب و معه غلام كأنّ وجهه شمس دجى تجلت عنه سحابة قتماء ، فأخذه و ألصق ظهره بالكعبة ، و لاذ الغلام بإصبعه و ما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا و أغدق و انفجر الوادي ، و أخصب النادي و البادي ،

فقال أبو طالب :

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل تطوف به الهلاّك من آل هاشم فهم عنده في نعمة و فواضل لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب لدينا و لا يعبأ بقول الأباطل فايّده ربّ العباد بنصره و أظهر دينا حقّه غير ناصل قلت : و الظاهر أنّ أبا طالب قال الأبيات بعد ذلك ، و أشار في قوله :

« و أبيض . . . » إلى تلك الواقعة .

و في ( تفسير القمي ) : حمل عليّ عليه السّلام و حمزة يوم بدر عبيدة بن الحارث بن المطلب لما ارتث إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فنظر إليه و استعبر ، و قال له : أنت أوّل شهيد من أهل بيتي . فقال عبيده : أمّا إنّ عمك لو كان حيّا لعلم أنّي اولى بما قال منه ، حيث يقول :

كذبتم و بيت اللّه نخلي محمدا و لما نطاعن دونه و نناضل و ننصره حتّى نصرّع حوله و نذهل عن أبنائنا و الحلائل فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي اللّه و رسوله ،

و ابنه الآخر في جهاد اللّه بأرض الحبشة ؟ فقال عبيدة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أسخطت

-----------
( 1 ) تاريخ دمشق لابن عساكر 2 : 161 162 .

[ 254 ]

عليّ في هذه الحالة ؟ قال : لا ، و لكن ذكرت عمي فانقبضت .

و في ( الكافي ) 1 عن الصادق عليه السّلام و قد قيل له : إنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافرا . فقال : كذبوا كيف ؟ و هو يقول :

الم يعلموا أنّا وجدنا محمدا نبيّا كموسى خط في أوّل الكتب و عنه عليه السّلام 2 في خبر آخر : كيف يكون كافرا ؟ و هو يقول :

لقد علموا أنّ ابننا لا مكذب لدينا و لا نعبأ بقيل الأباطل و اشتهر عن المأمون قال : أسلم و اللّه أبو طالب بقوله :

نصرت الرسول رسول الاله ببيض تلالا كلمع البروق اذبّ و احمي رسول الاله حماية عمّ عليه شفيق و روى المهدي العباسي عن أبيه المنصور كما رواه ( تاريخ بغداد ) 3 في عنوان معاوية بن عبيد اللّه كاتب المهدي عن عطاء عن ابن عباس قال :

عارض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جنازة أبي طالب و قال له : وصلتك رحم و جزاك خيرا يا عم .

و في ( الكافي ) 4 عن الصادق عليه السّلام : لمّا توفّي أبو طالب قال جبرئيل للنبيّ عليه السّلام : اخرج من مكة فليس لك فيها ناصر .

و في ( الكافي ) 5 : عن الكاظم عليه السّلام قال لدرست بن أبي منصور كان أبو طالب مستودعا للوصايا ، فدفعها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فمات من يومه .

هذا ، و روى ( نوادر حج الكافي ) 6 : عن داود الرقى قال : دخلت على أبي

-----------
( 1 ) الكافي 1 : 448 ح 29 .

-----------
( 2 ) الكافي 1 : 448 ح 29 .

-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 13 : 196 .

-----------
( 4 ) الكافي 1 : 449 ح 31 .

-----------
( 5 ) الكافي 1 : 445 ح 18 .

-----------
( 6 ) الكافي 4 : 544 ح 21 .

[ 255 ]

عبد اللّه عليه السّلام ، ولي على رجل مال قد خفت تواه ، فشكوت إليه ذلك ، فقال لي : إذا صرت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافا ، و صلّ ركعتين عنه ، و طف عن أبي طالب طوافا ، و صلّ عنه ركعتين ، و طف عن عبد اللّه طوافا ، و صلّ عنه ركعتين ،

و طف عن آمنة و صلّ عنها ركعتين ، و طف عن فاطمة بنت أسد و صلّ عنها ركعتين ، ثم ادع أن يردّ عليك مالك . قال : ففعلت ذلك ثم خرجت من باب الصفا ،

و إذا غريمي واقف يقول : يا داود حبستني ، تعال فاقبض مالك .

و إخواننا يعتقدون أنّ غير فاطمة بنت أسد كل من في الخبر كافر .

« و لا الصريح كاللصيق » عن الزمخشري في ( ربيع الابرار ) : كان معاوية يعزى إلى أربعة : مسافر بن أبي عمرو ، و عمارة بن الوليد بن المغيرة ،

و الصباح مغني عمارة ، و العباس .

و روى ابن أبي الحديد 1 في موضع آخر : أنّ عقيلا دخل بعد وفاة أخيه عليه السّلام على معاوية و حوله جلساؤه فقال له : أخبرني عن عسكري و عسكر أخيك ، فقد وردت عليهما . قال : اخبرك . مررت و اللّه بعسكر أخي ، فإذا ليل كليل رسول اللّه ، و نهار كنهار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، ما رأيت إلاّ مصلّيا و لا سمعت إلاّ قاريا . و مررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة ، ثم قال لمعاوية : من هذا عن يمينك يا معاوية ؟ قال : عمرو بن العاص . قال : هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزار قريش ، فمن الآخر ؟ قال : الضحاك بن قيس الفهري . قال : أما و اللّه لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس ، فمن هذا الآخر ؟ قال : أبو موسى الأشعري . قال : هذا ابن السراقة . فلمّا رأى معاوية أنّه قد أغضب جلساءه ، علم أنّه إن استخبره عن نفسه ، قال فيه سوءا فأحب أن يسأله ليقول فيه ما يعلمه من السوء ، فيذهب

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 124 125 .

[ 256 ]

بذلك غضب جلسائه ، فقال له : فما تقول فيّ ؟ قال : دعني من هذا . قال : أتعرف حمامة ؟ قال : و من حمامة ؟ قال : قد أخبرتك . ثم قام فمضى ، فأرسل معاوية إلى نسابة ، فقال : من حمامة ؟ قال : لي الأمان ؟ قال : نعم . قال : امّ أبي سفيان أبيك كانت بغيّا في الجاهلية صاحبة راية . فقال معاوية لجلسائه : قد ساويتكم و زدت عليكم فلا تغضبوا .

و في ( الطرائف ) عن ( مثالب هشام الكلبي ) : كانت لحمامة جدة معاوية راية بذي المجاز ، و كان معاوية لأربعة إلى أن قال و كانت امّه من المغتلمات .

و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) في قصة طلب عمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و المغيرة من معاوية أن يحضر الحسن عليه السّلام لتخجيله : قال الحسن عليه السّلام لمعاوية : « و قد علمت الفراش الذي ولدت عليه » قال الكلبي : عامة الناس على أنّ معاوية من مسافر بن أبي عمرو لأنّه كان أشدّ حبّا لهند . فلمّا حملت هند بمعاوية خاف مسافر أن يظهر أنّه منه ، فهرب إلى ملك الحيرة هند بن عمرو ، ثم إنّ أبا سفيان قدم الحيرة فلقيه مسافر ، و هو مريض من عشقه لهند و قد سقى بطنه إلى أن قال ثم مات مسافر من عشقه لهند إلى أن قال و جرى بين إسحاق بن طابة و يزيد بن معاوية كلام بين يدي أبيه . فقال يزيد لإسحاق : إنّ خيرا لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنة . أشار إلى أنّ امّ إسحاق كانت تتهم ببعض بني حرب ، فقال له إسحاق : إنّ خيرا لك أن يدخل بنو العباس كلّهم الجنة . فلم يفهم يزيد مراده و فهمه معاوية ، فلمّا قام إسحاق قال معاوية ليزيد : كيف تشاتم الرجال قبل أن تعلم ما يقال فيك ؟ قال : قصدت شين إسحاق . قال : و هو أيضا قصد شينك . قال : و كيف ؟ قال : أما علمت أنّ بعض قريش في الجاهلية يزعمون أنّي للعباس ؟ فسقط في يدي يزيد .

[ 257 ]

و قال الشعبي : و قد أشار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى هند يوم فتح مكة بشي‏ء من هذا ، فانّها لمّا جاءت تبايعه و كان قد أهدر دمها قالت : علام ابايعك ؟ فقال :

على ألاّ تزنين . فقالت : و هل تزني الحرة ؟ فعرفها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فنظر إلى عمر فتبسم .

هذا ، و قالوا : من حمقى بني اميّة بكار بن عبد الملك بن مروان ، و كان أبوه ينهاه إلى ان يجلس إلى خالد بن يزيد . فجلس يوما إليه فقال بكار : أنا و اللّه كما قال الأول :

يرددني بني اللخناء ترديدا

هذا و في ( أصنام ابن الكلبي ) : كانت لقريش أصنام في جوف الكعبة ،

و كان أعظمها عندهم هبل ، و كان في جوف الكعبة قدّامه سبعة أقدح ، مكتوب في أوّلها : « صريح » و الآخر : « ملصق » . فإذا شكّوا في مولود ، اهدوا هدية ، ثم ضربوا بالقداح فإن خرج « صريح » الحقوه به ، و إن خرج « ملصق » دفعوه .

هذا ، و يقال لربيعة و مضر : الصريحان من ولد نزار ، و كان ولده أربعة :

هما مع إياد و أنمار . و يقال لقصي و زهرة ابني كلاب : صريحا قريش .

« و لا المحق كالمبطل » في ( مناقب ابن طلحة الشافعي ) : قدمت سودة بنت عمارة الهمدانية بعد عليّ عليه السّلام على معاوية ، فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيام صفين إلى أن قال قال معاوية لها : ما حاجتك ؟ قالت : إنّ اللّه سائلك عن أمرنا ، و لا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك ، و يبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل ، و يدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف و يذيقنا الحتف ، و هذا بسر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا و أخذ أموالنا فإن عزلته عنّا شكرناك و إلاّ كفرناك . فقال معاوية : إيّايّ تهددين بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردّك إليه ، فينفذ فيك حكمه .

[ 258 ]

فأطرقت سودة ساعة ، ثم قالت :

صلّى الإله على روح تضمنها
قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغى به بدلا
فصار بالحق و الإيمان مقرونا

فقال معاوية : من هذا يا سودة ؟ فقالت : هذا و اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و اللّه لقد جئته في رجل كان ولاّه صدقاتنا ، فجار علينا ، فجئته فصادفته قائما يصلّي ، فلما رآني انفلت من صلاته ، ثمّ أقبل عليّ برحمة و رفق و رأفة و تعطّف ، و قال : ألك حاجة ؟ فقلت : نعم . و أخبرته ، فبكى ثمّ قال : « اللّهمّ أنت الشاهد عليّ و عليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك . و لا بترك حقك ، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد ، فكتب فيها : بسم اللّه الرحمن الرحيم . . . قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تفسدوا في الأرض . . . ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين 1 فإذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم من يقبضه منك . ثمّ رفع الرقعة إليّ فو اللّه ما ختمها بطين و لا خزمها ، فجئت بالرقعة إلى صاحبه ، فانصرف عنّا معزولا .

« و لا المؤمن كالمدغل » أي : المفسد و الغاش أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون 2 .

و قد أجمعوا على أنّه عليه السّلام المراد من المؤمن في الآية .

و في ( صفين نصر ) 3 قال الأصبغ : جاء رجل إلى عليّ عليه السّلام فقال : هؤلاء القوم الذين نقاتلهم ، الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد ، فبم نسميهم ؟ قال : بما سمّاهم اللّه في كتابه قال : ما كل ما في الكتاب

-----------
( 1 ) الأعراف : 85 .

-----------
( 2 ) السجدة : 18 .

-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 322 .

[ 259 ]

أعلمه . قال : أما سمعت اللّه يقول : تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض إلى و لو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر 1 ؟ فلمّا وقع الاختلاف كنا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبي و بالحقّ ، فنحن الذين آمنوا ، و هم الذين كفروا و شاء اللّه قتالهم ، فقاتلناهم هدى بسنّة اللّه ربنا و ارادته .

و في ( مروج المسعودي ) 2 : قال ابن بكار في ( موفقياته ) : سمعت المدائني يقول : قال المطرف بن المغيرة بن شعبة : وفدت مع أبي إلى معاوية ،

فكان أبي يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ ، فيذكر معاوية و يذكر عقله ، و يعجب مما يرى منه ، إذ جاءت ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، فظننت أنّه لشي‏ء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : مالي أراك مغتما منذ الليلة ؟ قال : يا بني إنّي جئت من عند أخبث الناس . قلت له : و ما ذاك . قال : قلت له و قد خلوت به : إنّك قد بلغت مناك فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فانّك قد كبرت ، و لو نظرت الى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فو اللّه ما عندهم اليوم شي‏ء تخافه . فقال لي : هيهات ،

ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل ، فو اللّه ما عدا ان هلك ، فهلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر . ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمّر عشر سنين ، فو اللّه ما عدا أن هلك ، فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : قال عمر . ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد مثل نسبه ، فعمل ما عمل و عمل به ، فو اللّه ما عدا أن هلك ، فهلك ذكره و ذكر ما فعل به ، و إنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات : أشهد أنّ محمدا رسول اللّه ، فأي عمل يبقى مع هذا ، لا امّ لك ؟ و اللّه ألا دفنا دفنا .

-----------
( 1 ) البقرة : 253 .

-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 40 41 .

[ 260 ]

« و لبئس الخلف خلفا » هكذا في ( المصرية ) 1 و هو غلط ، و الصواب :

( خلف ) كما هو القاعدة و كما في ( ابن أبي الحديد ) 2 و ( ابن ميثم ) 3 .

و في ( مقاتل أبي الفرج ) 4 : لمّا بويع معاوية خطب فذكر عليّا عليه السّلام ، فنال منه و نال من الحسن عليه السّلام ، فقام الحسين عليه السّلام ليرد عليه ، فأخذ الحسن عليه السّلام بيده فأجلسه ، ثم قام فقال : أيّها الذاكر عليّا ، أنا الحسن و أبي علي ، و أنت معاوية و أبوك صخر و امّي فاطمة و امّك هند ، و جدي رسول اللّه و جدّك حرب ،

و جدتي خديجة و جدتك قتيلة ، فلعن اللّه ألأمنا ذكرا ، و أخسنا حسبا و شرفا ،

و أقدمنا كفرا و نفاقا . فقال طوائف من المسجد : آمين .

« يتبع سلفا في نار جهنم » في ( لهوف ابن طاووس ) : لمّا جعل يزيد ينكت بقضيبه ثنايا الحسين عليه السّلام و يتمثل بأبيات ابن الزبعرى و يزيد عليها :

ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا و استهلوا فرحا
ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

قامت زينب و قالت في ما قالت له : تهتف بأشياخك ؟ فلتردن و شيكا موردهم ، و لتودّن انّك شللت و بكمت و لم يكن فعلت ما فعلت و قلت ما قلت .

« و في أيدينا بعد فضل النبوة » في ( مناقب ابن طلحة الشافعي ) : قال جابر الأنصاري : سمعت عليّا عليه السّلام ينشد و النبي صلّى اللّه عليه و آله يسمع :

أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي

« التي أذللنا بها العزيز » كأبي سفيان أبيه .

« و نعشنا » أي : رفعنا .

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية : 18 الكتاب 17 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 15 : 117 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 4 : 389 .

-----------
( 4 ) المقاتل لأبي الفرج : 46 .

[ 261 ]

« بها الذليل » كسلمان و مقداد و عمّار ، هذا و في ( تاريخ بغداد ) 1 : قال أعراب من كلاب لدعبل و كان هجاهم : ممّن أنت ؟ فكره دعبل أن يقول : من خزاعة فيهجوهم فقال : أنا أنتمي الى القوم الذين يقول فيهم الشاعر :

اناس علي الخير منهم و جعفر
و حمزة و السجاد ذو الثفنات

إذا افتخروا يوما أتوا بمحمد
و جبريل و القرآن و السورات

فوثب الاعرابي و هو يقول : محمد و جبريل و القرآن و السورات مالي الى هؤلاء مرتقى ، مالي الى هؤلاء مرتقى .

و في ( الأغاني ) 2 : وفد عمر بن أبي ربيعة على عبد الملك ، فقال له :

أخبرني عن منازعتك اللهبي في المسجد الجامع ، فقد أتاني نبأ ذلك ، و كنت أحبّ أن أسمعه منك . فقال : بينا أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش ، إذ دخل علينا الفضل بن العباس بن عتبة فسلّم و جلس ، و وافقني و أنا أتمثل بهذا البيت :

و أصبح بطن مكة مقشعرا
كان الأرض ليس بها هشام

فأقبل علي ، فقال : يا أخا بني مخزوم و اللّه إنّ بلدة تبحح بها عبد المطلب ،

و بعث فيها النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و فيها بيت اللّه تعالى ، لحقيقة ألا تقشعر لهشام . و إنّ أشعر من هذا البيت و أصدق ، قول من يقول :

إنّما عبد مناف جوهر
زين الجوهر عبد المطلب

فأقبلت عليه فقلت : يا أخا بني هاشم إنّ أشعر من صاحبك ، الذي يقول :

إنّ الدليل على الخيرات أجمعها
ابناء مخزوم للخيرات مخزوم

فقال لي : أشعر و اللّه من صاحبك ، الذي يقول :

-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 8 : 383 .

-----------
( 2 ) الأغاني 16 : 187 .

[ 262 ]

جبريل أهدى لنا الخيرات أجمعها
آرام هاشم لا أبناء مخزوم

فقلت في نفسي : غلبني و اللّه ، ثم حملني الطمع في انقطاعه عني ، فقلت له :

بل أشعر منه الذي يقول :

أبناء مخزوم الحريق اذا
حرّكته تارة ترى ضرما

يخرج منه الشرار مع لهب
من حاد عن حدّه فقد سلما

فو اللّه ما تلعثم أن أقبل عليّ بوجهه ، فقال : يا أخا بني مخزوم ، أشعر من صاحبك و أصدق ، الذي يقول :

هاشم بحر اذا سما و طما
أخمد حر الحريق و اضطرما

و اعلم و خير القول أصدقه
بأن من رام هاشما هشما

فتمنيت و اللّه أنّ الأرض ساخت بي ، ثم تجلدت عليه ، فقلت : يا أخا بني هاشم أشعر من صاحبك ، الّذي يقول :

أبناء مخزوم أنجم طلعت
للناس تجلو بنورها الظلما

تجود بالنيل قبل تسأله
جودا هنيئا و تضرب البهما

فأقبل عليّ بأسرع من اللحظ ، ثم قال : أشعر من صاحبك و أصدق ، الذي يقول :

هاشم شمس بالسعد مطلعها
اذا بدت أخفت النجوم معا

اختارنا اللّه في النبي فمن
قارعنا بعد أحمد قرعا

فاسودّت الدنيا في عيني ، فانقطعت فلم أجد جوابا ، ثمّ قلت له : يا أخا بني هاشم إن كنت تفتخر علينا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله ، فما تسعنا مفاخرتك . فقال : كيف لا نفتخر به و لو كان منك لفخرت به عليّ ؟ فقلت : صدقت ، إنّه لموضع الفخار .

و سررت بقطعه الكلام ، ثم إنّه ابتدأ المناقضة ، ففكّر هنيئة ثم قال : قد قلت فلم أجد بدا من الاستماع . فقلت : هات . فقال :

[ 263 ]

نحن الذين إذا سما بفخارهم
ذو الفخر أقعده هناك القعدد

افخر بنا إن كنت يوما فاخرا
تلق الألى فخروا بفخرك افردوا

قل يا بن مخزوم لكلّ مفاخر
منّا المبارك ذو الرسالة أحمد

ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم
هيهات ذلك هل ينال الفرقد

فحصرت و تبلّدت ، ثم قلت له : انظرني . و أفكرت مليّا ثم أنشأت أقول :

لا فخر إلاّ قد علاه محمد
فاذا فخرت به فانّي أشهد

ان قد فخرت وفقت كلّ مفاخر
و إليك في الشرف الرفيع المقصد

و لنا دعائم قد تناهى أول
في المكرمات جرى عليها المولد

من رامها حاشى النبيّ و أهله
في الأرض غطغطه الخليج المزبد

دع و ذا و رح بفناء خود بضة
مما نطقت به و غنّى معبد

مع فتية تندى بطون أكفّهم
جودا إذا هز الزمان الأنكد

يتناولون سلافة عامية
طابت لشاربها و طاب المقعد

فو اللّه لقد أجابني بجواب كان أشدّ علي من الشعر ، فقال لي : يا أخا بني مخزوم اريك السها ، و تريني القمر . و هذا مثل ، أي : تخرج من المفاخرة الى شرب الراح الى أن قال فقلت : لا أرى شيئا أصلح من السكوت . فضحك و قام عني . قال : فضحك عبد الملك حتى استلقى ، و قال : يا بن أبي ربيعة أما علمت أنّ لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق ؟

قلت : قول عبد الملك نظير قول معاوية : « إنّا بنو عبد مناف » .

« و لمّا أدخل اللّه العرب في دينه أفواجا » قال تعالى : اذا جاء نصر اللّه و الفتح . و رأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا 1 .

« و أسلمت له هذه الامة طوعا و كرها » بعد فتح مكة .

-----------
( 1 ) النصر : 1 2 .

[ 264 ]

« كنتم ممّن دخل الدين إمّا رغبة و إما رهبة » لأنّ إسلامهم كان بعد الفتح ،

و قال صلّى اللّه عليه و آله بعد الفتح لأهل مكة كما في ( الطبري ) 1 : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » فاعتقهم و قد كان اللّه أمكنه من رقابهم عنوة و كانوا له فيئا . و انما قوله عليه السّلام :

« إما رغبة و إمّا رهبة » نظير قوله تعالى : و إنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين 2 . و إلاّ فمعلوم كون دخولهم في الدين رهبة .

« على حين فاز أهل السبق بسبقهم و ذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم » في ( الطبري ) 3 : قال العباس لأبي سفيان قبل أن يرد النبي صلّى اللّه عليه و آله مكة : اركب عجز بغلتي لاستأمن لك النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فو اللّه لئن ظفر ليضربن عنقك الى أن قال فلمّا رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله أبا سفيان قال له : ويحك ألم يأن لك أن تعلم ألاّ إله إلاّ اللّه ؟

فقال : و اللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه غيره ، لقد أغنى عني شيئا . فقال : ويحك ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه ؟ فقال : أمّا هذه ففي النفس منها شي‏ء . فقال له العباس : ويلك تشهّد شهادة الحق قبل أن يضرب عنقك . فتشهد ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله للعباس : احبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي ، حتى تمرّ عليه جنود اللّه الى أن قال فقال أبو سفيان للعباس : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما . فقال له العباس : ويحك إنّها النبوّة . فقال : نعم إذن الى أن قال قال الواقدي : و أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بقتل ستة نفر ، و أربع نسوة ، منهن هند ام معاوية إلى أن قال فجاءته هند متنقّبة متنكّرة ، لحدثها و ما كان من صنيعها بحمزة ،

في بيعة النساء إلى أن قال قال لهن : « و لا تسرفن » . فقالت هند : و اللّه إن كنت لاصيب من مال أبي سفيان الهنة الهنة . فقال لها النبي صلّى اللّه عليه و آله : و إنّك لهند ؟ قالت :

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 61 .

-----------
( 2 ) سبأ : 24 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 53 .

[ 265 ]

أنا هند ، فاعف . قال : « و لا تزنين » قالت : و هل تزني الحرة ؟ فقال : « و لا تقتلن أولادكن » . فقالت : « ربيناهم صغارا و قتلتهم يوم بدر كبارا » ، فانت و هم أعلم .

فضحك عمر من قولها حتى استغرب .

« فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا و لا على نفسك سبيلا » بادّعاء الباطل ، فقد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله كما رواه ( صفّين نصر ) 1 : اذا رأيتم معاوية يخطب على منبري ، فاضربوا عنقه .

و فيه 2 : خرج عمّار يوم الثالث ، و خرج إليه عمرو بن العاص ، فجعل عمّار يقول : يا أهل الاسلام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه و رسوله ،

و جاهدهما و بغى على المسلمين ، و ظاهر المشركين ، فلمّا أراد اللّه أن يظهر دينه ، و ينصر رسوله أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله فأسلم ، و هو و اللّه ما يرى راهب غير راغب ، و قبض اللّه رسوله و إنّا و اللّه لنعرفه بعداوة المسلم ، و مودة المجرم ؟ ألا و إنّه معاوية ، فالعنوه لعنه اللّه ، و قاتلوه فإنّه ممّن يطفى‏ء نور اللّه ، و يظاهر أعداء اللّه .

و مر في ( 11 ) فصل الإمامة العامة : أن قوما استشهدوا في سبيل اللّه من المهاجرين و الأنصار ، و لكلّ فضل ، حتى اذا استشهد شهيدنا قيل : سيد الشهداء و خصّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بسبعين تكبيرة . . . .