
7
الخطبة ( 55 ) و من كلام له عليه السّلام و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين :
أَمَّا قَوْلُكُمْ أَ كُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ اَلْمَوْتِ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 316 .
-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 214 .
[ 266 ]
اَلْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ اَلْمَوْتُ إِلَيَّ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ اَلْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا
[ 266 ]
أقول : قال ابن أبي الحديد 1 : لما ملك أمير المؤمنين عليه السّلام الماء بصفين ،
ثم سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه ، استمالة لهم و اظهارا للمعدلة و حسن السيرة فيهم ، مكث أيّاما لا يرسل إلى معاوية و لا يأتيه من عنده أحد ، فاستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال و قالوا له عليه السّلام : خلّفنا ذرارينا و نساءنا بالكوفة و جئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطنا ؟ ائذن لنا في القتال ، فإنّ الناس قد قالوا .
فقال عليه السّلام : ما قالوا ؟ فقيل : إنّ الناس يظنّون أنّك تكره الحرب كراهية للموت ،
و إنّ من الناس من يظن أنّك في شكّ من قتال أهل الشام . فقال عليه السّلام : و متى كنت كارها للحرب قطّ ؟ إنّ من العجب حبي لها غلاما و يافعا ، و كراهتي لها شيخا بعد نفاد العمر و قرب الموت ، و أمّا شكي في القوم فلو شككت فيهم ، لشككت في أهل البصرة ، و اللّه لقد ضربت هذا الأمر ظهرا و بطنا ، فما وجدت يسعني إلاّ القتال ، أو أن أعصي اللّه و رسوله ، و لكنّي استأني بالقوم عسى ان يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة فانّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لي يوم خيبر لئن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس . ثم نقل ابن أبي الحديد 2 : رواية نصر بن مزاحم في ( صفينه ) 3 : بعثه عليه السّلام جمعا إلى معاوية و مشى القراء بينهما إلى أن قال فقال القراء له عليه السّلام : إنّ معاوية يقول لك : إن كنت صادقا في عدم
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 13 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 16 .
-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 189 .
[ 267 ]
قتلك عثمان و عدم أمرك بقتله ، فأقدنا من قتلته ، فإنّهم في عسكرك و جندك و عضدك . فقال عليه السّلام لهم : إنّ القوم تأولوا عليه القرآن و وقعت الفرقة ، فقتلوه في سلطانه ، و ليس على ضربهم قود . ثم قال ابن أبي الحديد 1 : و لا أدري لم عدل عليه السّلام عن الحجّة بما هو أوضح من هذا الكلام ؟ و هو أن يقول : إنّ الذين باشروا قتل عثمان بأيديهم كانا اثنين ، و هما قتر بن وهب و سودان بن حمران ، و كلاهما قتل يوم الدار ، قتلهما عبيد عثمان ، و الباقون الذين جندي و عضدي كما تزعمون لم يقتلوا بأيديهم و إنّما اغروا به و حصروه ،
و أجلبوا عليه و هجموا على داره ، كمحمّد بن أبي بكر و الأشتر و عمرو بن الحمق و غيرهم ، و ليس على هؤلاء قود . و قوله عليه السّلام : و ليس على ضربهم قود .
أي : على مثلهم .
قلت : هل هو أعلم بالقضية و بقضائها منه عليه السّلام ؟ و كيف أنكر تصدّي اولئك و قد طعنه عمرو بن الحمق تسع طعنات ؟ و كون عمّار من قتلته مسلم ،
فقال معاوية لجمع أرسلهم عليه السّلام إليه : ألستم تعلمون أنّ قتلة صاحبنا أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فنقتلهم به ، ثم نجيبكم إلى الطاعة . فقال له شبث :
أيسرك باللّه إن امكنت من عمّار فقتلته ؟ فقال : و اللّه لو أمكنني صاحبكم من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ، و لكنّي أقتله بنائل مولاه . فقال له شبث : و إله السماء ما عدلت معدلا .
كما أنّ كون محمّد بن أبي بكر من قتلته أيضا مسلّم ، ففي ( الطبري ) 2 :
كتب معاوية إليه : سعيت عليه في الساعين و سفكت دمه في السافكين إلى أن قال و عدوك على عثمان يوم تطعن بمشاقصك بين أحشائه و أوداجه . و ما
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 59 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 76 .
[ 268 ]
ينفعه تأويله لفظ « ضربهم » ؟
و كون عثمان عنده عليه السّلام مباح الدم أمر واضح ، فلما جاء شرحبيل و معن من قبل معاوية إليه عليه السّلام و قد نقله بعد عن ( صفين نصر ) 1 قالا له عليه السّلام :
أتشهد أنّ عثمان قتل مظلوما ؟ فقال لهما : إنّي لا أقول ذلك . قالا : فمن لم يشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه براء . ثمّ قاما فانصرفا ، فقال علي عليه السّلام فإنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء اذا ولّوا مدبرين 2 .
« أمّا قولكم أ كلّ » و في ( ابن ميثم ) 3 : « كل » ثم الظاهر كون ( كل ) بالرفع مبتدأ . و يجوز أن يقرأ بالنصب ، لقوله بعد ( أو ) : أمّا قولكم : « شكا في أهل الشام » فيقدر له ناصب كما له .
« ذلك » أي : تأخير الحرب .
« كراهية الموت فو اللّه ما ابالي » أي : لا اكترث .
« أدخلت » هكذا في ( المصرية ) 4 ، و الصواب : ( دخلت ) كما في ( ابن أبي الحديد ) 5 و ( ابن ميثم ) 6 و ( الخطية ) .
« الى الموت أو خرج الموت » لعل إلاظهار مع كون المقام مقام الإضمار ،
لتأكيد عدم مبالاته عليه السّلام بالموت .
« إليّ » فإنّه عليه السّلام كان يقول لما كانوا يقولون : سكت عن طلب الملك جزعا من الموت : و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه .
-----------
( 1 ) وقعة صفين لنصر بن مزاحم : 201 202 .
-----------
( 2 ) الروم : 52 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 145 ، و فيه : « أما قولكم : أ كلّ ذلك » .
-----------
( 4 ) الطبعة المصرية : 99 الخطبة 55 .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 12 .
-----------
( 6 ) شرح ابن ميثم 2 : 145 .
[ 269 ]
و في ( صفين نصر ) 1 : عن زيد بن وهب قال مر علي عليه السّلام يومئذ و معه بنوه نحو الميسرة ، و إنّي لأرى النبل يمرّ بين عاتقه و منكبيه ، ثم إنّ أهل الشام دنوا منه ، و اللّه ما يزيده قربهم منه سرعة في مشيه ، فقال له الحسن عليه السّلام : ما ضرّك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين صبروا لعدوّك من أصحابك ؟
فقال : يا بني لأبيك يوم لن يعدوه ، و لا يبطي به عنه السعي ، و لا يعجل به إليه المشي . إنّ أباك و اللّه ما يبالي وقع على الموت أو وقع الموت عليه .
و عن 2 عبد الرحمن بن حاطب : كان عليّ عليه السّلام اذا أراد القتال هلّل و كبّر ،
ثمّ قال :
أي يوميّ من الموت أفر
يوم ما قدر أم يوم قدر
« و أمّا قولكم : شكا في أهل الشام ، فو اللّه ما دفعت الحرب يوما إلاّ و أنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي » ممّن لحق به عليه السّلام ابن عم لعمرو بن العاص ، ففي ( صفين نصر ) 3 : أنّ ابن عمّ لعمرو قال له : إنّك ان لم ترد معاوية ، لم يردك ،
و لكنك تريد دنياه و يريد دينك . فبلغ معاوية قوله ، فطلبه فلحق بعلي عليه السّلام ،
فحدّثه بأمر عمرو و معاوية ، فسرّ ذلك عليّا عليه السّلام و قرّبه .
و لحق به عليه السّلام ابن اخت لشرحبيل بن السمط ، ففي ( صفين نصر ) 4 : لمّا كتب جرير إلى شرحبيل ينصحه ، ذعر و فكر فلفف له معاوية الرجال يعظّمون عنده قتل عثمان ، و يرمون به عليا عليه السّلام ، و يقيمون الشهادة الباطلة ، و الكتب المختلقة ، حتى أعادوا رأيه . فقال ابن اخت له من بارق و كان لحق أهل الشام :
لعمر أبي الأشقى ابن هند لقد رمى
شرحبيل بالسهم الذي هو قاتله
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 349 .
-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 395 .
-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 42 .
-----------
( 4 ) صفين لنصر بن مزاحم : 49 50 .
[ 270 ]
فقال شرحبيل : و اللّه لأسيرن إلى صاحب هذا الشعر ، أو ليفوتني . فهرب الفتى إلى الكوفة و كان أصله منها . و كاد أهل الشام أن يرتابوا . . .
و لحق به عليه السّلام صديق لعمرو بن العاص ، ففي ( صفين نصر ) 1 : ذكروا أنّه لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة ، و قال معاوية : هذا أول الظفر . فقام إليه رجل يقال له ابن الأقبل و كان ناسكا ، و كان له في ما يذكر همدان لسان ، و كان صديقا لعمرو فقال له : أما تعلم ان فيهم العبد و الأمة و الأجير و الضعيف ، و من لا ذنب له ؟ هذا و اللّه أوّل الجور ، لقد شجّعت الجبان ،
و بصّرت المرتاب ، و حملت من لا يريد قتالك على كتفيك . فأغلظ له ، فقال الرجل أبياتا : و لحق في سواد الليل بعلي عليه السّلام .
و لحق به عليه السّلام شامي سمع قول النبي صلّى اللّه عليه و آله في معاوية ، لمّا رأى بيعة أهل الشام معه ، ففي ( صفين نصر ) 2 : عن أبي حرب بن الأسود عن رجل من أهل الشام عن أبيه ، قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « شرّ خلق اللّه خمسة :
إبليس ، و ابن آدم الذي قتل أخاه ، و فرعون ذو الأوتاد ، و رجل من بني إسرائيل ردّهم عن دينهم ، و رجل من هذه الامّة يبايع على كفره عند باب لد » . قال الرجل :
فلمّا رأيت معاوية يبايع عند باب لد ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فلحقت بعلي عليه السّلام فكنت معه .
و لحق به شمر بن أبرهة الحميري ، و جمع من القرّاء ، ففي ( صفين نصر ) 3 : عن الزهري قال : خرج في اليوم الخامس من صفر شمر بن ابرهة الحميري في ناس من قرّاء أهل الشام ، فلحق بعلي عليه السّلام ، ففت ذلك في عضد
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 163 164 .
-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 217 .
-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 222 .
[ 271 ]
معاوية و عمرو بن العاص ، فقال عمرو لمعوية : إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد قرابة قريبة ، و رحم ماسة ، و قدم في الاسلام لا يعتد أحد بمثله ، و نجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمّد ، و إنّه قد سار إليك بأصحاب محمّد المعدودين ، و فرسانهم و قرّائهم ، و أشرافهم و قدمائهم في الاسلام ، و لهم في النفوس مهابة ، فبادر بأهل الشام محاش الوعر ، و مضائق الغيض ، و آتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم ، فيحدث عندهم طول المقام مللا ،
فيظهر فيهم كآبة الخذلان ، و مهما نسيت فلا تنس أنّك على باطل و أنّه على الحق .
و لحق به عليه السّلام عبد اللّه بن عمر العنسي لسماع ذي الكلاع حديث : ( قتل الفئة الباغية لعمّار ) في أيام عمر من عمرو بن العاص ، ففي ( صفين نصر ) 1 ،
عن الإفريقي بن أنعم قال : قال أبو نوح الحميري : كنت في خيل علي عليه السّلام ، اذا أنا برجل من أهل الشام يقول : من دل على الحميري ؟ قلت : أيّهم تريد ؟ قال : أبو نوح . قلت : قد وجدته ، فمن أنت ؟ قال : أنا ذو الكلاع ، سرّ إليّ . فقلت : معاذ اللّه أن أسير إليك إلاّ في كتيبة . قال : سرّ فلك ذمّة اللّه و ذمّة رسوله و ذمّة ذي الكلاع ،
حتى ترجع إلى خيلك ، فإنّما أريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه . فسارا حتى التقيا ، فقال له ذو الكلاع : إنّما دعوتك احدّثك حديثا حدّثنا به عمرو بن العاص أيام إمارة عمر : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : « يلتقي أهل الشام و أهل العراق ،
و في احدى الكتيبتين الحق و إمام الهدى و معه عمّار بن ياسر » . فقال له : إنّ عمّارا و اللّه لفينا . قال : أجادّ هو في قتالنا ؟ قال : نعم و ربّ الكعبة ، هو أشد على قتالكم منّي ، و لوددت أنّكم خلق واحد فذبحته ، و بدأت بك قبلهم و أنت ابن عمي . قال : ويلك علام تتمنى ذلك منّي ؟ و اللّه ما قطعتك في ما بيني و بينك ، و إنّ
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 332 339 .
[ 272 ]
رحمك لقريبة ، و ما يسرّني أنّي أقتلك . قال أبو نوح : إنّ اللّه قد قطع بالإسلام أرحاما قريبة ، و وصل به أرحاما متباعدة ، و أنّى يكون بيننا وصل و نحن على الحق ، و أنتم على الباطل مقيمون مع أئمة الكفر و رؤوس الأحزاب ؟ فقال ذو الكلاع هل تستطيع أن تأتي معي صف أهل الشام ، فانا جار لك منهم ، حتى تلقى عمرو بن العاص فتخبره بجدّ عمّار في قتالنا ؟ إلى أن قال ثم سار أبو نوح حتى أتى عمرا ، و هو عند معاوية ، فقال ذو الكلاع لعمرو : هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمّار لا يكذبك ؟ قال عمرو : و من هو ؟ قال : ابن عمي هذا ، و هو من أهل الكوفة . فقال عمرو لأبي نوح : إنّي لأرى عليك سيماء أبي تراب . قال أبو نوح : علي عليه السّلام عليه سيماء محمّد صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه ، و عليك سيماء أبي جهل و سيماء فرعون إلى أن قال بين ذكر جمعه بين عمّار و عمرو فقال عمّار لعمرو : ألست تعلم أيها الأبتر أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام : من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه إلى أن قال فقال عمرو : فما ترى في قتل عثمان ؟ قال عمّار : فتح لكم باب كلّ سوء .
قال عمرو : فعليّ قتله ؟ قال عمّار : بل اللّه ربّ علي قتله ، و علي معه . قال عمرو :
أكنت في من قتله ؟ قال : كنت مع من قتله ؟ و أنا اليوم أقاتل معهم . قال عمرو :
فلم قتلتموه ؟ قال عمّار : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه إلى أن قال و مشى عبد اللّه بن سويد سيد جرش إلى ذي الكلاع فقال له : لم جمعت بين الرجلين ؟ قال :
لحديث سمعته من عمرو ، ذكر أنّه سمعه من النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و هو يقول لعمّار :
« تقتلك الفئة الباغية » فخرج عبد اللّه بن عمر العنسي و كان من عبّاد أهل زمانه ليلا فأصبح في عسكر علي عليه السّلام ، و قال لذي الكلاع :
و الراقصات بركب عامدين له
إنّ الذي جاء من عمرو لمأثور
قد كنت اسمع و الأنباء شائعة
هذا الحديث فقلت الكذب و الزور
[ 273 ]
حتى تلقيته من أهل عيبته
فاليوم أرجع و المغرور مغرور
و اليوم أبرأ من عمرو و شيعته
و من معاوية المحدو به العير
لا ، لا اقاتل عمّارا على طمع
بعد الرواية حتى ينفخ الصور
تركت عمرا و أشياعا له نكدا
إنّي بتركهم يا صاح معذور
يا ذا الكلاع فدع له معشرا كفروا
أو لا فدينك عين فيه تغرير
ما في مقال رسول اللّه في رجل
شكّ و لا في مقال الرسل تحيير
فلمّا سمع معاوية بهذا الشعر بعث إلى عمرو : أن أفسدت عليّ أهل الشام ، أكلّ ما سمعته من النبي صلّى اللّه عليه و آله تقوله ؟ فقال عمرو : قلتها و لست أعلم الغيب ، و لا أدري أنّ صفين تكون ، و قد رويت أنت في عمّار مثل الذي رويت .
كما أنّ جمعا من أصحابه عليه السّلام الذين كانوا حريصين على الدنيا لحقوا بمعويه لغلبة الشقاوة عليهم ، منهم بشر بن عصمة المزني ، و قيس بن قرّة التميمي ، كما في ( الطبري ) 1 . و ذو نواس بن هذيم العبدي ، و قيس بن زبد الكندي ، كما في ( صفين نصر ) 2 .
« و تعشو إلى ضوئي » في ( الصحاح ) : عشوت إلى النار : اذا استدللت عليها ببصر ضعيف ، قال الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقد
قلت : و الأصحّ ما في ( الجمهرة ) من أنّ العشو : القصد بالليل لا ببصر ضعيف . فقال : العشو مصدر عشوت إلى ضوئك : اذا قصدته بليل ، ثم صار كلّ قاصد شيئا عاشيا ، ثم ذكر بيت الحطيئة .
و إنما قال عليه السّلام ذلك ، لأنّ معاوية لبس الأمر على أهل الشام ، ففي ( صفّين
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 28 29 .
-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 270 و 285 .
[ 274 ]
نصر ) 1 : مضى هاشم المرقال في عصابة من القرّاء ، إذ خرج عليهم فتى شاب يقول :
أنا ابن أرباب الملوك غسان
و الدائن اليوم بدين عثمان
أنبانا أقواما بما كان
ان عليّا قتل ابن عفان
ثمّ شدّ ، فلا ينثني يضرب بسيفه ، ثمّ يلعن و يشتم و يكثر الكلام ، فقال له المرقال : انّ هذا الكلام بعده الخصام ، و إنّ هذا القتال بعده الحساب ، فاتّق اللّه فانّك راجع إلى ربّك فسائلك عن هذا الموقف . قال : فإنّي اقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي ، و أنّكم لا تصلّون ، و اقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا ،
و أنتم وازرتموه على قتله . فقال له هاشم : و ما أنت و ابن عفان ؟ إنّما قتله أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله ، و قرّاء الناس حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب ،
و إنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله هم أصحاب الدين و أولى بالنظر في امور المسلمين .
و أمّا قولك : إنّ صاحبنا لا يصلّي ، فهو أوّل الناس من صلّى للّه مع النبي صلّى اللّه عليه و آله ،
و أفقه الناس في دين اللّه ، و أولاهم برسوله ، و أمّا من ترى معه فكلّهم قارىء لكتاب اللّه لا ينامون الليل تهجّدا ، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون .
فقال الفتى لهاشم : انّي لأظنّك امرأ صالحا ، هل تجد لي من توبة ؟ قال : نعم ، تب إلى اللّه إنّه يتوب عليك ، فإنّه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيّئات 2 و يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين 3 . فذهب الفتى راجعا ، فقال له رجل من أهل الشام : خدعك العراقي . قال : لا ، و لكن نصحني .
« و ذلك » و في ( ابن ميثم ) 4 : ( فهو ) .
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 354 ، 355 .
-----------
( 2 ) الشورى : 25 .
-----------
( 3 ) البقرة : 222 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 145 .
[ 275 ]
« أحبّ إليّ من أن اقتلها على ضلالها و ان كانت تبوء » أي : ترجع .
« بآثامها » في ( الطبري ) 1 : مكث الناس في صفين حتى اذا دنا انسلاخ المحرم ، أمر علي عليه السّلام مرثد بن الحارث الجشمي ، فنادى أهل الشام عند غروب الشمس : ألا انّ أمير المؤمنين يقول لكم : انّي قد استدمتكم لتراجعوا الحق و تنيبوا إليه ، و احتججت عليكم بكتاب اللّه عز و جلّ فدعوتكم إليه ، فلم تناهوا عن طغيان ، و لم تجيبوا إلى حق . و إنّي قد نبذت إليكم على سواء إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين 2 .
و روى الطبري 3 : أنّه ابتدىء بالقتال في أوّل يوم من صفر ، و كان يوم الأربعاء فخرج الأشتر من أصحابه عليه السّلام ، و خرج في مقابله أبو الأعور ، و خرج اليوم الثالث عمّار ، و خرج في مقابله عمرو بن العاص ، و خرج اليوم الرابع محمد ابن الحنفية ، و خرج في مقابله عبيد اللّه بن عمرو ، و خرج في اليوم الخامس ابن عباس ، و خرج في مقابله الوليد بن عقبة ، و خرج في اليوم السادس قيس بن سعد ابن عبادة ، و خرج في مقابله ابن ذي الكلاع ، و خرج في اليوم السابع أيضا الأشتر و حبيب بن مسلمة . فخطب عليه السّلام عشية الثلاثاء بعد العصر فقال : حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ؟ و قال : الحمد للّه الذي لا يبرم ما نقض ، و ما أبرم لا ينقضه الناقضون ، و لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ، و لا تنازعت الامّة في شيء من أمره ، و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله . و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار ، فلفّت بيننا في هذا المكان ، نحن من ربّنا بمرأى و مسمع ، فلو شاء عجّل النقمة و كان منه التغيير ، و لكن جعل الدنيا
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 6 : 10 .
-----------
( 2 ) الأنفال : 58 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 7 9 .
[ 276 ]
دار الأعمال ، و جعل دار الآخرة عنده هي دار القرار ، ليجزي الذين اساؤوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى 1 . ألا إنّكم ملاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام ، و أكثروا تلاوة القرآن ، و سلوا اللّه الصبر و النصر ،
و القوهم بالجدّ و الحزم ، و كونوا صادقين . و عبّأ عليه السّلام الناس ليلته كلّها ، و خرج إليهم غداة الأربعاء فاستقبلهم ، و قال : اللّهم ربّ السقف المرفوع المحفوظ المكفوف ، الذي جعلته مغيضا لليل و النهار ، و جعلت فيه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم ، و جعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ، و ربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الأنعام ،
و ما لا يحصى مما يرى و ما لا يرى من خلقك العظيم ، و ربّ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، و ربّ السحاب المسخّر بين السماء و الأرض ، و ربّ البحر المسجور المحيط بالعالم ، و ربّ الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا ، و للخلق متاعا ، إن أظهرتنا على عدوّنا فجنبنا البغي ، و سدّدنا للحق ،
و إن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة ، و اعصم بقية أصحابي من الفتنة .
و ازدلف الناس يوم الأربعاء ، و اقتتلوا أشدّ قتال حتى الليل ، لا ينصرف أحد إلاّ للصلاة و كثرت القتلى ، فأصبحوا من الغد فصلّى عليه السّلام بهم غداة الخميس ،
فغلس بالصلاة أشدّ التغليس ، و أقبل و على ميمنته ابن بديل ، و على ميسرته ابن عباس ، و هو عليه السّلام في القلب في أهل المدينة ، بين أهل الكوفة و أهل البصرة ، و رفع معاوية قبّة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس ، و بايعه معظمهم على الموت ، و أحاطت خيل دمشق بقبّته ، فزحف ابن بديل في ميمنته عليه السّلام ، و قال : قد قاتلناهم مع النبي صلّى اللّه عليه و آله مرّة ، و هذه ثانية ، و اللّه ما هم في هذه بأتقى و لا أزكى و لا أرشد . فلم يزل يكشف خيل حبيب بن مسلمة من
-----------
( 1 ) النجم : 31 .
[ 277 ]
الميسرة ، حتى اضطرّهم إلى قبّة معاوية .