
8
الخطبة ( 24 ) و من خطبة له عليه السّلام :
وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ اَلْحَقَّ وَ خَابَطَ اَلْغَيَّ مِنْ إِدْهَانٍ وَ لاَ إِيهَانٍ فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ اِمْضُوا فِي اَلَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ ؟ فَعَلِيٌّ ؟ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً أقول : يمكن أن يكون قاله عليه السّلام ، لما أراد المسير إلى معاوية ابتداء أو ثانيا ، و يمكن الاستيناس للأوّل بما في ( صفين نصر ) 1 : أنّ عليّا عليه السّلام لما أراد المسير إلى الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين و الأنصار ، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال : إنّكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل و الأمر . و قد أردنا المسير إلى عدوّنا و عدوّكم فأشيروا علينا برأيكم .
فقام هاشم بن عتبة و قال : أنا بالقوم جد خبير ، إنّهم لك و لأشياعك أعداء ، و لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، و هم مقاتلوك و مجاهدوك لا يبقون جهدا ، مشاحة على الدنيا ، و ضنّا بما في أيديهم منها ، و ليس لهم إربة غيرها إلاّ ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان . و قام عمّار و قال له عليه السّلام : إن استطعت الاّ تقيم يوما واحدا ، فاشخص بنا قبل استعار نار الفجرة ، و اجتماع رأيهم على الصدود و الفرقة ، و ادعهم إلى رشدهم . و قام قيس بن سعد بن عبادة و قال له :
انكمش بنا إلى عدونا ، و لا تعرج ، فو اللّه لجهادهم أحبّ إليّ من جهاد الترك و الروم ، لإدهانهم في دين اللّه ، و استذلالهم أولياء اللّه من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله ،
من المهاجرين و الأنصار و التابعين باحسان ، فإذا غضبوا على رجل حبسوه ،
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 92 .
[ 278 ]
أو ضربوه ، أو حرموه ، أو سيّروه ، و فيئنا لهم حلال ، و نحن لهم في ما يزعمون قطين . يعني : رقيق .
و يمكن الاستيناس للثاني بما في ( خلفاء ابن قتيبة ) 1 : أنّه عليه السّلام لما آيس من رجوع الخوارج ، رأى أن يدعهم و يمضي بالناس إلى معاوية ، فقام خطيبا و قال : أما بعد ، فإنّ من ترك الجهاد ، و داهن في أمر اللّه ، كان على شفا هلكة ، إلاّ أن يتداركه اللّه برحمته ، فاتّقوا اللّه عباد اللّه . قاتلوا من حادّ اللّه و حاول أن يطفىء نور اللّه ، قاتلوا الخاطئين القاتلين لأولياء اللّه ، المحرّفين لدين اللّه ، الذين ليسوا بقرّاء الكتاب ، و لا فقهاء في الدين ، و لا علماء بالتأويل ، و لا لهذا الأمر بأهل في دين ، و لا سابقة . في الاسلام و اللّه لو ولوا عليكم ، لعملوا فيكم بعمل كسرى و قيصر .
« و لعمري ما عليّ من قتال من خالف الحق » كائنا من كان ، و لو كان قريبه أو صديقه .
« و خابط » في ( الصحاح ) : خبط البعير الأرض بيده : ضربها ، و منه قيل :
خبط عشواء ، و هي التي في بصرها ضعف ، تخبط اذا مشت لا تتوقى شيئا .
« الغي من إدهان » أي : مصانعة ، قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله : ودوا لو تدهن فيدهنون 2 .
« و لا إيهان » أي : تضعيف ، من : و هن بالكسر أي : ضعف .
« فاتقوا اللّه عباد اللّه » اقتصر في ( المصرية ) 3 على الكلام ، و فيها سقط ،
و الأصل : « فاتقوا اللّه عباد اللّه و فروا إلى اللّه من اللّه » كما يشهد له ( ابن أبي
-----------
( 1 ) الخلفاء لابن قتيبة : 144 .
-----------
( 2 ) القلم : 9 .
-----------
( 3 ) الطبعة المصرية : 59 الخطبة 24 .
[ 279 ]
الحديد ) 1 و ( ابن ميثم ) 2 و ( الخطية ) . و معنى الفرار إليه منه : أنّه لا ملجأ منه إلاّ إليه ، بمعنى انّه لا يتصور الفرار منه تعالى ، و الفرار منه هو الفرار إليه .
« و امضوا في الذي نهجه » أي : في الطريق الذي أوضحه .
« لكم » و كان أعداؤه مقرين بذلك ، فكان عمر يقول : لو ولى الخلافة علي ،
ليحملنّ الناس على المحجّة البيضاء و الصراط المستقيم .
« و قوموا بما عصبه » أي : شدّه .
« بكم » من جهاد أعداء اللّه .
« فعلي ضامن لفلجكم » أي : ظفركم و فوزكم و فلاحكم .
« آجلا » في الآخرة .
« إن لم تمنحوه » أي : تعطوه .
« عاجلا » أي : في الدنيا ، فشيعته هم الفائزون في الآخرة . رواه سبط ابن الجوزي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله .