9

الخطبة ( 105 ) و من كلام له عليه السّلام :

وَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ اِنْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ اَلْجُفَاةُ اَلطَّغَامُ وَ أَعْرَابُ أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ اَلْعَرَبِ وَ يَآفِيخُ اَلشَّرَفِ وَ اَلْأَنْفُ اَلْمُقَدَّمُ وَ اَلسَّنَامُ اَلْأَعْظَمُ وَ لَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَ تُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّضَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ اَلْهِيمِ

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 331 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 14 ، و فيه : « فاتقوا اللّه عباد اللّه » .

[ 280 ]

اَلْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا أقول : رواه الطبري 1 و ( صفّين نصر ) 2 و ( الكافي ) 3 . و ننقل الأوّل أخيرا .

قول المصنّف : « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) 4 و فيه تحريف و سقط ، و الصواب : ( و من خطبة له عليه السّلام في بعض أيام صفين ) كما في ( ابن أبي الحديد ) 5 و ( ابن ميثم ) 6 و ( الخطية ) .

« و قد رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة » جمع الجافي .

« الطغام » أي : الأرذال و الأوغاد .

« و أعراب أهل الشام » قال عليه السّلام ذلك لأصحابه لمّا هزمهم في الميمنة أصحاب معاوية ففي ( الطبري ) 7 : أقبل الذين تبايعوا من أهل الشام على الموت إلى معاوية ، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة و بعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة : يحمل بمن كان معه على الميمنة ، فانكشف أهل العراق من قبل الميمنة ، حتى لم يبق منهم إلاّ ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القرّاء ، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض ، فأمر علي عليه السّلام سهل بن حنيف ،

فاستقدم في من كان معه من أهل المدينة ، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة ، فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة إلى أن قال لما انهزمت ميمنة

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 25 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 256 .

-----------
( 3 ) الكافي 5 : 40 ح 4 .

-----------
( 4 ) الطبعة المصرية : 205 الخطبة 105 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ابي الحديد 7 : 179 .

-----------
( 6 ) شرح ابن ميثم 3 : 37 ، و فيه : « من خطبة له عليه السّلام » .

-----------
( 7 ) تاريخ الطبري 5 : 18 .

[ 281 ]

العراق و أقبل علي عليه السّلام نحو الميسرة ، مرّ به الأشتر و هو يركض نحو الفزع قبل الميمنة ، فقال عليه السّلام له : إيت هؤلاء القوم فقل لهم : أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم ؟ فمضى الأشتر ، و استقبل الناس منهزمين ، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له علي عليه السّلام ، و قال : إليّ أيها الناس أنا مالك بن الحرث . ثم ظنّ انّه بالأشتر أعرف في الناس ، فقال : أنا الأشتر إليّ أيّها الناس .

« و أنتم لهاميم العرب » وردت الفقرة في العنوان ( 120 ) ، و الكلام استعارة من قولهم : فرس لهيم . اذا كان جوادا غزير الجري صرّح بالمعنى ابن دريد ،

و ليس المراد : أنتم صاحبو الجود ، كما توهمه الشرّاح أخذا من الجوهري ، فهو زلّ في قوله : اللهموم الجواد من الناس و الخيل .

« و يآفيخ » جمع اليافوخ : الموضع الذي يتحرّك من رأس الطفل .

« الشرف و أنف » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و الصواب : ( و الانف ) كما في ( ابن أبي الحديد ) 2 و ( ابن ميثم ) 3 و ( الخطية ) .

« المقدم و السنام » في ( الصحاح ) : واحد أسنمة البعير .

« الأعظم » و الكل استعارات ، كلها ميم العرب ، و في ( الطبري ) 4 بعد ما مرّ من قول الأشتر للمنهزمين : أنا الأشتر ، إليّ أيّها الناس : فأقبلت إليه طائفة و ذهبت عنه طائفة ، فنادى : أيّها الناس عضضتم بهن آبائكم ، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيّها الناس اخلصوا لي مذحجا . فأقبلت إليه مذحج ، فقال لهم :

عضضتم بصم الجندل ، ما أرضيتم ربّكم و لا نصحتم له في عدوّكم ، و كيف

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية : 205 الخطبة 105 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 179 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 37 و فيه : « و أنف المقدم » .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 5 : 20 .

[ 282 ]

بذلك ، و أنتم أبناء الحروب ، و أصحاب الغارات ، و فتيان الصباح ، و فرسان الطراد ، و حتوف الأقران ، و مذحج الطعان ، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ،

و لا تطل دماؤهم ، و لا يعرفون بخسف في موطن ، و أنتم أحدّ أهل مصركم ،

و أعد حيّ في قومكم ؟ و ما تفعلوا في هذا اليوم ، فإنّه مأثور بعد اليوم ؟ فاتقوا مأثور الأحاديث في غد ، و أصدقوا عدوّكم اللقاء ، فإنّ اللّه مع الصابرين . و الذي نفس مالك بيده ، ما من هؤلاء و أشار بيده إلى الشام رجل على مثل جناح بعوضة من محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و إنّما أنتم ما أحسنتم القراع ، اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي عليكم بهذا السواد الأعظم فإن اللّه لو قد فضه تبعه من بجانبيه ، كما يتبع مؤخر السيل مقدمه . قالوا خذ بنا حيث أحببت . . . .

و فيه 1 : انّ الأشتر كان يومئذ يقاتل على فرس له ، و في يده صحيفة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبّا ، و اذا رفعها كاد يغشي البصر شعاعها ، و جعل يضرب بسيفه و يقول : الغمرات ثم تنجلينا ، و رآه منقذ و حمير ابنا قيس الناعطيان ، فقال منقذ لحمير : ما في العرب مثل هذا ، إن كان ما أراه من قتاله من النيّة . فقال له حمير : و هل النيّة إلاّ ما تراه يصنع ؟ قال : إنّي أخاف أن يكون حاول ملكا . . . .

« و لقد شفى و حاوح » و في ( الطبري ) : « أحاح » .

في ( الجمهرة ) : يقال للمرأة اذا طلقت : تركتها توحوح بين القوابل .

و سمعت بفلان أحة و أحاحا و أحيحا : اذا رأيته يتوجع من غيظ ، أو حزن . و في قلبه أحاح و أحيح ، قال الراجز :

يطوى الخيازيم على أحاح

« صدري أن رأيتكم بأخرة » بفتح الهمزة أي : أخيرا .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 22 .

[ 283 ]

« تحوزونهم كما حازوكم و تزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسا » أي :

استيصالا بالقتل ، قال تعالى . . . إذ تحسونهم بإذنه . . . 1 .

« بالنضال » هكذا في ( المصرية ) 2 ، و نسب النضال و هي المراماة ( ابن أبي الحديد ) 3 إلى رواية . و لكن في ( ابن ميثم ) 4 : « بالنصال » بالمهملة . و في ( الصحاح ) : النصل : نصل السهم و السيف و السكين و الرمح و الجمع : نصول و نصال .

« و شجرا » أي : طعنا .

« بالرماح تركب أولاهم اخراهم كالابل الهيم » أي : العطاش .

« المطرودة ترمي عن حياضها و تذاد » أي : تدفع و تطرد .

« عن مواردها » أي : المحال التي تردها لشرب الماء ، في ( الطبري ) 5 : لما اجتمع إلى الأشتر عظم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم إلى أن قال ثم حمل على الخصم حتى كشفهم ، فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر و المغرب ، و انتهى إلى عبد اللّه بن بديل ، و هو في عصبة من القراء بين المائتين و الثلاثمائة ، و لقد لصقوا بالأرض كأنّهم جثى ، فكشف عنهم أهل الشام ،

فأبصروا اخوانهم قد دنوا منهم ، فقالوا : ما فعل أمير المؤمنين عليه السّلام ؟ قالوا :

حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه . فقالوا : الحمد للّه ، قد كنّا ظننا ان قد هلك هو و هلكتم . و قال عبد اللّه بن بديل لأصحابه : استقدموا بنا . فأرسل الأشتر إليه : لا تفعل ، اثبت مع الناس فقاتل ، فإنّه خير لهم و أبقى لك و لأصحابك . فأبى ،

-----------
( 1 ) آل عمران : 152 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية : 205 الخطبة 105 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 180 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 37 ، و فيه : « بالنّضال » .

-----------
( 5 ) تاريخ الطبري 5 : 23 .

[ 284 ]

فمضى كما هو نحو معاوية ، و حوله كأمثال الجبال ، و في يده سيفان و قد جرح فهو أمام أصحابه ، فأخذ كلّما دنا منه رجل ضربه فقتله ، حتى قتل سبعة ، و دنا من معاوية فنهض إليه الناس من كلّ جانب ، و احيط به و بطائفة من أصحابه ،

فقاتل حتى قتل ، و قتل ناس من أصحابه ، و رجعت طائفة قد جرحوا منهزمين .

فبعث الأشتر بن جمهان الجعفي ، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل ، حتى نفسوا عنهم و انتهوا إلى الأشتر ، فقال لهم : ألم يكن رأيي لكم خير لكم من رأيكم لأنفسكم ؟ ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس ؟ و كان معاوية قال في ابن بديل و هو يضرب قدما : أترونه كبش القوم ؟ فلما قتل أرسل إليه : من هو ؟ فقال ناس من أهل الشام : لا نعرفه . فأقبل هو حتى وقف عليه ، فقال : بلى ، هذا عبد اللّه بن بديل ، و اللّه لو استطاعت نساء خزاعة أن يقاتلنا فضلا عن رجالها لفعلت ، مدوه . فمدوه ، فقال : هذا و اللّه كما قال الشاعر :

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها
و إن شمّرت يوما به الحرب شمرا

و البيت لحاتم و زحف الأشتر اليهم ، فاستقبله معاوية بعك و الاشعريين ، فقال الأشتر لمذحج : اكفونا عكا . و وقف في همدان ، و قال لكندة :

اكفونا الأشعريين . فاقتتلوا قتالا شديدا ، و أخذ الأشتر يخرج إلى قومه ، فيقول :

إنّما هم عك فاحملوا عليهم . فيجثون على الركب و يرتجزون :

يا ويل امّ مذحج من عك
هاتيك امّ مذحج تبكي

فقاتلوهم حتى المساء . ثم انّه قاتلهم في همدان و ناس من طوائف الناس ، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية ، ثم شدّ عليهم شدّة اخرى ، فصرع الصفوف الأربعة ، و كانوا معقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية ،

[ 285 ]

و دعا معاوية بفرس فركب ، و كان يقول : أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن أطنابة كان ابن أطنابة جاهليا ، و أطنابة امه امرأة من بلقين

أبت لي عفتي و حياء نفسي
و إقدامي على البطل المشيح

و إعطائي على المكروه مالي
و أخذي الحمد بالثمن الربيح

و قولي كلّما جشأت و جاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي

فمنعني هذا القول من الفرار .

هذا ، و الأصل في العنوان ما رواه الطبري 1 و غيره 2 ، كما مر عن زيد بن وهب : أن عليّا عليه السّلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها و مصافها ،

و كشفت من بإزائها من عدوّها ، حتى حاربوهم في مواقفهم و مراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم ، فقال : إنّي رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم ، يحوزكم الطغاة الجفاة و أعراب أهل الشام ، و أنتم لهاميم العرب ، و السنام الأعظم ،

و عمّار الليل بتلاوة القرآن ، و أهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون ، فلو لا إقبالكم بعد إدباركم ، و كرّكم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المولّي يوم الزحف دبره ، و كنتم من الهالكين ، و لكن هوّن وجدي و شفى بعض أحاح نفسي أنّي رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم ، و أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم ، تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة ،

فالآن فاصبروا ، نزلت عليكم السكينة و ثبّتكم اللّه تعالى باليقين ، ليعلم المنهزم أنّه مسخط ربه و موبق نفسه ، إنّ في الفرار موجدة اللّه عز و جل عليه ، و الذلّ اللازم ، و العار الباقي ، و اعتصار الفي‏ء من يده ، و فساد العيش عليه ، و إنّ الفار منه لا يزيد في عمره و لا يرضي ربه ، فموت المرء محقا قبل إتيان هذه

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 25 .

-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 256 .

[ 286 ]

الخصال خير من التلبس بها و الاقرار عليها » .