11

الحكمة ( 322 ) وَ رُوِيَ : أَنَّهُ ع لَمَّا وَرَدَ ؟ اَلْكُوفَةَ ؟ قَادِماً مِنْ ؟ صِفِّينَ ؟ مَرَّ بِالشِّبَامِيِّينَ فَسَمِعَ بُكَاءَ اَلنِّسَاءِ عَلَى قَتْلَى ؟ صِفِّينَ ؟ وَ خَرَجَ إِلَيْهِ ؟ حَرْبُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الشِّبَامِيِّ ؟ وَ كَانَ مِنْ وُجُوهِ قَوْمِهِ فَقَالَ ع لَهُ أَ تَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ أَ لاَ تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا اَلرَّنِينِ وَ أَقْبَلَ ؟ حَرْبٌ ؟ يَمْشِي مَعَهُ وَ هُوَ ع رَاكِبٌ فَقَالَ ع اِرْجِعْ فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي وَ مَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 394 .

[ 310 ]

أقول : رواه نصر بن مزاحم 1 ، و الطبري 2 في كتابيهما مع زيادة قبله و بعده . فروى الأوّل عن عمر عن عبد اللّه بن عاصم ، قال : لما مرّ علي عليه السّلام بالثوريين يعني ثور همدان سمع البكاء ، فقال : ما هذه الأصوات ؟ قيل : هذا البكاء على من قتل بصفين . قال : أما إنّي أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة . ثم مرّ بالشباميين ، فسمع رنّة شديدة ، و صوتا مرتفعا عاليا ، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي ، فقال له علي عليه السّلام : أتغلبكم نساؤكم ؟ ألا تنهونهن عن هذا الصياح و الرنين ؟ قال : لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك ، و لكن من هذا الحي ثمانون و مائة قتيل ، فليس من دار إلاّ و فيها بكاء .

أمّا نحن معاشر الرجال فإنّا لا نبكي ، و لكن نفرح لهم بالشهادة . فقال عليه السّلام :

رحم اللّه قتلاكم و موتاكم . و أقبل يمشي معه ، و عليّ عليه السّلام راكب فقال له علي عليه السّلام : ارجع فإنّ مشي مثلك فتنة للوالي . و مذلّة للمؤمن . ثمّ مضى حتّى مرّ بالناعطيين ، فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن مرثد ، يقول : ما صنع عليّ شيئا ؟ ذهب ثم انصرف في غير شي‏ء . فلما نظر عليّ عليه السّلام إليه أبلس ،

فقال عليه السّلام : وجوه قوم ما رأوا الشام العام . ثم قال عليه السّلام لأصحابه : قوم فارقتهم آنفا خير من هؤلاء . ثم قال :

أخوك الذي إن أحرضتك ملمة
من الدهر لم يبرح لبثك واجما

و ليس أخوك بالذي إن تمنّعت
عليك امور ظل يلحاك لائما

ثمّ مضى عليه السّلام فلم يزل يذكر اللّه حتى دخل الكوفة .

و في حديث 3 عمرو ابن شمر : لمّا صدر عليّ عليه السّلام من صفين أنشأ

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 531 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 45 .

-----------
( 3 ) صفين لنصر بن مزاحم : 532 533 .

[ 311 ]

يقول :

و كم قد تركنا في دمشق و أرضها
من اشمط موتور و شمطاء ثاكل

و غانية صاد الرماح حليلها
فأضحت تعد اليوم احدى الأرامل

تبكي على بعل لها راح غاديا
و ليس إلى يوم الحساب بقافل

و إنّا لناس ما تصيب رماحنا
إذا ما طعنا القوم غير المقاتل

و روى الثاني 1 باسناده عن أبي مخنف عن عبد اللّه بن عاصم مثله ، إلى قوله : « حتى دخل الكوفة » لكن فيه : « حتى مر بالناعطيين و جلهم عثمانية » و فيه : « فلمّا نظروا إلى عليّ عليه السّلام أبلسوا » .

قول المصنّف : « و روى » قد عرفت أنّ الراوي عبد اللّه بن عاصم الفائشي .

« أنّه عليه السّلام لمّا ورد الكوفة قادما من صفين مرّ » قد عرفت من الرّواية المتقدمة أنّ مروره عليه السّلام بمن قال ، كان قبل وروده الكوفة .

« بالشباميين » بكسر الشين ، في ( الجمهرة ) : شبام : قبيلة من العرب . قال ابن الكلبي : هم منسوبون إلى جبل و ليس بامّ و لا أب .

و في ( السمعاني ) : شبام : مدينة باليمن . و في ( لبابه ) : شبام : بطن من همدان ، و هو شبام بن أسعد بن جشم بن حاشد بن خيران بن نوف بن همدان ،

و تلك المدينة بهم سمّيت .

و في ( القاموس ) : « موضع بالشام ، و جبل لهمدان باليمن ، و بلد لحمير تحت جبل كوكبان ، و بلد لبني حبيب عند ذمرمر ، و بلد في حضر موت » .

قلت : و الأصح في الحي ما قاله ابن الكلبي .

« فسمع بكاء النساء على قتلى صفين » قد عرفت في خبره : « فسمع رنة شديدة ، و صوتا مرتفعا عاليا » و يشهد له قوله عليه السّلام : « أ لا تنهونهن عن هذا

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 62 .

[ 312 ]

الرنين » . لا أنّه عليه السّلام نهى عن مطلق البكاء . كيف و قد سمع عليه السّلام قبل الشباميين من ثور همدان بكاء نسائهن فلم ينه ؟

« و خرج اليه حرب بن شرحبيل الشبامي و كان من وجوه قومه » كان من التابعين و قوله له عليه السّلام في خبره : « أمّا نحن معاشر الرجال فلا نبكي و نفرح لهم بالشهادة » يدلّ على حسن حاله .

« فقال عليه السّلام أ تغلبكم نساؤكم على ما أسمع » من الصياح .

« أ لا تنهونهن عن هذا الرنين » صوت البكاء الممتد ، و في ( الجمهرة ) : الرنة :

الصوت الشديد يخالطه فزع أو صراخ . سمعت رنة القوم ، ثم كثر حتى قالوا :

سمعت رنّة الطير . أي : أصواتها ، و هو الرنين أيضا .

« و أقبل حرب » ليس ( حرب ) في ( ابن ميثم ) 1 بل في ( ابن أبي الحديد ) 2 و أخذته ( المصرية ) 3 منه .

« يمشي معه عليه السّلام و هو راكب فقال عليه السّلام » : هكذا في ( المصرية ) ،

و الصواب : ( فقال عليه السّلام له ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 4 .

« ارجع فإنّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي و مذلّة للمؤمن » روى ( الروضة ) 5 : عن جويرية بن مسهر قال : اشتددت خلف أمير المؤمنين عليه السّلام ،

فقال : يا جويرية إنّه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلاّ بخفق النعال خلفهم ، ما جاء بك ؟

قلت : جئت أسألك عن ثلاث : الشرف و المروة و العقل . . . .

و في ( معارف القتيبي ) : قال ميمون بن مهران : أوّل من مشت معه

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 5 : 403 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 19 : 234 .

-----------
( 3 ) الطبعة المصرية : 230 الحكمة 322 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 5 : 403 .

-----------
( 5 ) روضة فروع الكافي 8 : 241 ح 331 .

[ 313 ]

الرجال و هو راكب : الأشعث بن قيس .