
1
الخطبة ( 35 ) و من خطبة له عليه
السّلام بعد التحكيم :
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ
أَتَى اَلدَّهْرُ بِالْخَطْبِ اَلْفَادِحِ وَ اَلْحَدَثِ
اَلْجَلِيلِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ
لاَ شَرِيكَ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَيْرُهُ وَ أَنَّ ؟
مُحَمَّداً ؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ
مَعْصِيَةَ اَلنَّاصِحِ اَلشَّفِيقِ اَلْعَالِمِ اَلْمُجَرِّبِ
تُورِثُ اَلْحَيْرَةَ وَ تُعْقِبُ اَلنَّدَامَةَ وَ قَدْ كُنْتُ
أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ اَلْحُكُومَةِ أَمْرِي وَ نَخَلْتُ لَكُمْ
مَخْزُونَ رَأْيِي لَوْ كَانَ يُطَاعُ ؟ لِقَصِيرٍ ؟ أَمْرٌ
فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ اَلْمُخَالِفِينَ اَلْجُفَاةِ وَ
اَلْمُنَابِذِينَ اَلْعُصَاةِ حَتَّى اِرْتَابَ اَلنَّاصِحُ
بِنُصْحِهِ وَ ضَنَّ اَلزَّنْدُ بِقَدْحِهِ فَكُنْتُ وَ إِيَّاكُمْ
كَمَا قَالَ أَخُو ؟ هَوَازِنَ ؟
أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي ؟ بِمُنْعَرَجِ اَللِّوَى ؟
فَلَمْ
تَسْتَبِينُوا اَلنُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى اَلْغَدِ
[ 324 ]
أقول : قال ابن أبي الحديد
1 : قال نصر في ( صفينه ) : لما خدع عمرو بن العاص أبا موسى
، غمّ ذلك عليّا عليه السّلام و ساءه و وجم له ، فخطب الناس و قال
:
الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح إلى آخر
الخطبة و زاد : الا أنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما قد نبذا
حكم الكتاب ، و أحييا ما أمات ، و اتبع كلّ منهما هواه ، و حكم
بغير حجّة و لا بيّنة ، و لا سنّة ماضية ، و اختلفا في ما حكما ،
فكلاهما لم يرشده اللّه فاستعدوا للجهاد ، و تأهبوا للمسير و
أصبحوا في معسكركم . . . .
قلت : و رواه الطبري
2 ، و كذا المسعودي 3 ، و القتيبي
4 ، و البلاذري .
و في الأول : لما خرجت
الخوارج و هرب أبو موسى إلى مكة ، و ردّ علي عليه السّلام ابن عباس
إلى البصرة ، قام علي عليه السّلام في الكوفة فخطبهم ، فقال :
الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح . . . مع الزيادة .
و في ( المروج ) 5 : و لمّا بلغ عليّا عليه
السّلام ما كان من أمر أبي موسى و عمرو قال : إنّي كنت تقدّمت
إليكم في هذه الحكومة و نهيتكم عنها ، فأبيتم إلاّ عصياني ، فكيف
رأيتم عاقبة أمركم إذ أبيتم عليّ ؟ و اللّه إنّي لأعرف من حملكم
على خلافي و الترك لأمري ، و لو أشاء أخذه لفعلت ، و لكن اللّه من
ورائه يريد بذلك الأشعث و اللّه أعلم و كنت في ما أمرت به كمال قال
أخو بني جشم :
أمرتهم أمري
بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد
من دعا إلى هذه الخصومة فاقتلوه قتله اللّه و لو كان تحت عمامتي
هذه .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 259 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 76 .
-----------
( 3 ) المسعودي 2 : 411 .
-----------
( 4 ) القتيبي : 143 .
-----------
( 5 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 412 .
[ 325 ]
ألا إنّ هذين الرجلين الخاطئين
اللذين اخترتموهما حكمين قد تركا حكم اللّه ،
و حكما
بهوى أنفسهما بغير حجّة و لا حقّ معروف ، فأماتا ما أحيا القرآن ،
و أحييا ما أماته ، و اختلف في حكمهما كلامهما ، و لم يرشدهما
اللّه و لم يوفقهما ،
فبرىء اللّه منهما و رسله و
صالح المؤمنين ، فتأهبوا للجهاد . . . .
و في (
الخلفاء ) 1 : قالوا : لمّا توافى الخوارج
إلى النهروان قام علي عليه السّلام بالكوفة على المنبر ، ثم قال :
أما بعد ، فإنّ معصية العالم الناصح يورث الحسرة ، و تعقب الندامة
، و قد كنت أمرتكم في أمر هذين الرجلين ، و في هذه الحكومة بأمري ،
فأبيتم إلاّ ما أردتم ، فأحييا ما أمات القرآن و أماتا ما أحيا
القرآن ، و اتبع كلّ واحد منهما هواه يحكم بغير حجّة و لا سنّة
ظاهرة ، و اختلفا في أمرهما و حكمهما فكلاهما لم يرشده اللّه ،
فبرىء اللّه منهما و رسوله و صالح المؤمنين ، فاستعدوا للجهاد و
تأهبوا للمسير ، ثم أصبحوا في معسكركم بالنخيلة ، و و اللّه
لأغزونّهم ، و لو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم .
و في (
أنساب الرابع ) بإسناده عن أبي مخنف ، عن أبي روق الهمداني ،
عن عامر الشعبي و عن معلّى بن كليب ، عن أبي الوداك جبر بن نوف ،
و غيرهما ، قالوا : لما هرب أبو موسى إلى مكة ، و رجع ابن عباس
واليا على البصرة ، و أتت الخوارج النهروان ، خطب علي عليه السّلام
الناس بالكوفة ، فقال : الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح و
الحدث الجليل ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و
رسوله . أمّا بعد ، فإنّ معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة ،
و تعقب الندم ، و قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين و هذه الحكومة
بأمري ، و نخلت لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي ، و لكنكم أبيتم إلاّ
ما أردتم ،
فكنت و أنتم كما قال أخو هوازن :
-----------
( 1 ) الخلفاء لابن قتيبة : 143 .
[ 326 ]
أمرتهم أمري
بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد
ألا إنّ الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين ، قد نبذا حكم الكتاب
وراء ظهورهما ، و ارتأيا الرأي قبل أنفسهما ، فأماتا ما أحيا
القرآن ، و أحييا ما أمات القرآن ، ثم اختلفا في حكمهما ، فكلاهما
لا يرشد و لا يسدد ، فبرىء اللّه منهما و رسوله و صالح المؤمنين ،
فاستعدوا للجهاد ، و تأهبوا للمسير ، و أصبحوا في معسكركم .
« الحمد للّه و ان أتى الدهر بالخطب » في ( الجمهرة ) : الخطب
الأمر العظيم و الجمع خطوب .
« الفادح » أي : المثقل
.
« و الحدث الجليل » و انّما قال عليه السّلام ذلك
، لأنّه يجب حمده تعالى على كلّ حال . و كان الصادق عليه السّلام
إذا ورد عليه أمر يسرّه قال : الحمد للّه على هذه النعمة . و إذا
ورد عليه أمر يغتمّ به قال : الحمد للّه على كلّ حال
1 .
« و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا
شريك له ليس معه إله غيره » هكذا في ( المصرية ) 2
. و قوله : « وحده لا شريك له » من زيادات المحشين ، لعدم وجوده في
( ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم
4 و الخطية ) .
« أما بعد ، فإن معصية الناصح
الشفيق ، العالم المجرب توجب الحيرة » هكذا في ( المصرية )
5 ، و الصواب : ( الحسرة ) كما في ( ابن أبي الحديد
-----------
( 1 ) الكافي 2 : 97 ، و البحار 71 : 33
.
-----------
( 2
) الطبعة المصرية 1 : 80 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 204 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 84 .
-----------
( 5 ) الطبعة المصرية 1 : 81 .
[ 327 ]
و ابن ميثم ) 1
و ( الخطية ) .
« و تعقب الندامة » قال القطامي كما
في ( عيون القتيبي ) 2 :
و معصية الشفيق عليك مما
يزيدك مرة منه استماعا
و خير
الأمر ما استقبلت منه
و ليس بأن تتبعه اتباعا
كذلك و ما
رأيت الناس إلاّ
إلى ما جرّ غاويهم سراعا
تراهم يغمرون
من استركبوه
و يجتنبون من صدق المصاعا
و قال سبيع
لأهل اليمامة لمّا خالفوه : يا بني حنيفة بعدا لكم كما بعدت عاد ،
أما و اللّه لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه ، كأنّي أسمع جرسه و
أسمع غيبه ،
و لكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندم ،
و أصبحتم و في أيديكم من تكذيبي التصديق ، و من تهمتي الندامة ، و
أصبح في يدي من هلاككم البكاء ، و من ذلّكم الجزع ، و أصبح ما فات
غير مردود ، و ما بقي غير مأمون ، و إنّي لمّا رأيتكم تتهمون
النصيح ، و تسفهون الحليم استشعرت منكم اليأس ، و خفت عليكم البلاء
. . . .
و في ( الطبري ) 3 :
في قصة خروج ابن الأشعث على الحجاج كتب المهلب إلى الحجاج : إنّ
أهل العراق قد أقبلوا إليك و هم مثل السيل المنحدر من علّ ، ليس
يردّه شيء حتّى ينتهي إلى قراره . و انّ لأهل العراق شرّة في أوّل
مخرجهم ، و صبابة إلى أبنائهم و نسائهم ، فليس شيء يردّهم حتى
يسقطوا إلى أهليهم ، و يشمّوا أولادهم ، ثمّ واقعهم عندها . فلمّا
قرأ كتابه قال : فعل اللّه به و فعل ، لا و اللّه مالي نظر ، و لكن
لابن عمّه نصح . و عزم على استقبال ابن
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 84 ، و فيه : «
تورث الحيرة » .
-----------
( 2 ) العيون للقتيبي 1 : 33 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 6 : 339 .
[ 328 ]
الأشعث ، فسار بأهل الشام حتّى نزل
تستر ، و قدّم بين يديه مطهر بن الحر العكي ، و عبد اللّه بن رميثة
الطائي ، فجاؤوا حتى انتهوا إلى دجيل ، و قد قطع ابن الأشعث خيلا
له عليها عبد اللّه بن أمان الحارثي في ثلاثمائة فارس ، و كانت
مسلحة له و للجند . فلما انتهى إليه مطهر أمر ابن رميثة فأقدم
عليهم فهزمت خيله حتى انتهت إليه ، و جرح أصحابه ، و أقحم أصحاب
ابن الأشعث خيولهم دجيل ، و هزموا العكي و الطائي في يوم الأضحى
سنة ( 81 ) و قتلوهم قتلا ذريعا . و أتت الحجاج الهزيمة و هو يخطب
، فقال : ارتحلوا إلى البصرة . و حين صدم تلك الصدمة دعا بكتاب
المهلب فقرأه ، ثم قال للّه أبوه أي صاحب حرب هو ؟ أشار علينا
بالرأي و لكنّا لم نقبل .
« و قد كنت أمرتكم في هذه
الحكومة أمري و نخلت لكم مخزون رأيي » كشيء ينخل و يغربل ، فكان
عليه السّلام قال لهم : إنّ معاوية و ابن العاص ، و ابن أبي معيط ،
و ابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي أعرف بهم منكم ،
و ما رفعوها لكم إلاّ خديعة و مكيدة .
« لو كان يطاع
لقصير أمر » مثل تمثل عليه السّلام به ، و الأصل فيه كما في (
الطبري ) 1 : أنّ جذيمة الأبرش و كان من
أفضل ملوك العرب رأيا ، و أبعدهم مغارا ، و أشدّهم نكاية . و كان
أوّل من استجمع له الملك بأرض العراق ، و كان به برص ، فهابت العرب
أن تنسبه إليه إعظاما له ، فقال : جذيمة الوضاح ،
و
جذيمة الأبرش . و كانت منازله بين الحيرة و الأنبار ، و بقة و هيت
و ناحيتها ،
و عين التمر و أطراف البر إلى الغمير ،
و القطقطانة و خفية و ما والاها غزا عمرو بن ظرب ملك الشام ، فقتله
، فملك بعده ابنته الزباء ، فأجمعت لغزو جذيمة تطلب بثأر أبيها ،
فقالت لها اختها و كانت ذات رأي و دهاء : إن ظفرت
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 1 : 613 .
[ 329 ]
أصبت ثأرك ، و إن قتلت ذهب ملكك ، و
لا تدرين لمن تكون العاقبة . فانصرفت عن هذا الرأي ، فأتت أمرها من
وجوه الخدع و المكر ، فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها و ملكها ، و
أن يصل بلاده ببلادها ، و أنّها لم تجد ملك النساء إلاّ إلى قبيح
في السماع ، و ضعف في السلطان ، و أنّها لم تجد لنفسها كفوا غيره ،
فأقبل إليّ فاجمع ملكي إلى ملكك ، و صل بلادي ببلادك ، و تقلّد
أمري مع أمرك . فلمّا انتهى كتابها إلى جذيمة استخفه ما دعته إليه
، و رغب في ما أطمعته فيه ، و جمع إليه أهل النهى من ثقاته ، و هو
بالبقة من شاطىء الفرات ، فعرض عليهم ما دعته إليه فصوبوا ذلك
كلّهم إلاّ قصيرا و هو قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربي
بن نمارة بن لخم و قال : « رأي فاتر و غدر حاضر » فذهبت مثلا .
فنازعوه الرأي فقال : « إنّي لأرى أمرا ليس بالخسا و لا الزكا »
فذهبت مثلا .
و قال لجذيمة : اكتب إليها ، فإن كانت
صادقة فلتقبل إليك ، و إلاّ لم تمكنها من نفسك و قد قتلت أباها .
فلم يوافق جذيمة رأي قصير ، فقال قصير :
إنّي امرؤ لا يميل العجز ترويتي
إذا أتت دون شيء مرة الوزم
فقال جذيمة : « و لكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح » فذهبت مثلا
.
فدعا جذيمة ابن اخته عمرو بن عدي ، فاستشاره فشجعه
على المسير ، و قال :
إنّ نمارة قومي مع الزباء ، و
لو قدروا لصاروا معك . فأطاعه و عصى قصيرا ،
فقال
قصير : « لا يطاع لقصير أمر » . فاستخلف على ملكه عمرو بن عدي ، و
سار في وجوه من أصحابه ، فأخذ على الفرات من الجانب الغربي ، فلما
نزل الفرضة دعا قصيرا ، فقال : ما الرأي ؟ قال : « ببقة تركت الرأي
» فذهبت مثلا .
و استقبلته رسل الزباء بالهدايا و
الألطاف ، فقال : يا قصير كيف ترى ؟ قال :
« خطر
يسير في خطب كبير » فذهبت مثلا . و قال له : ستلقاك الخيول ، فإن
سارت أمامك فإن المرأة صادقة ، و إن أخذت جنبيك و أحاطت بك من خلفك
[ 330 ]
فإن القوم غادرون ، فاركب العصا و
كانت عصا فرسا لجذيمة لا تجارى فإنّي راكبها و مسايرك عليها .
فلقيته الخيول و الكتائب ، فحالت بينه و بين العصا ، فركبها قصير ،
و نظر إليه جذيمة موليا على متنها ، فقال : « ويل امه حزما على ظهر
العصا » فذهبت مثلا . فقال : « ياضل ما تجري به العصا » .
و جرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت و قد قطعت أرضا بعيدة ، فبنى
عليها برجا يقال له : برج العصا . و سار جذيمة و قد أحاطت به
الخيول حتى دخل على الزباء ، فلما رأته تكشفت ، فإذا هي مضفورة
الاست ، فقالت : يا جذيمة « أ دأب عروس ترى » ؟ فذهبت مثلا . و
قالت : إنّي انبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب .
ثم أجلسته على نطع ، و أمرت بطست من ذهب فأعدته له و سقته من الخمر
حتى أخذت مأخذها منه ، و أمرت براهشيه فقطعا ، و قد قيل لها : إن
قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه . و كانت الملوك لا تقتل
بضرب العنق إلاّ في القتال تكرمة للملك . فلمّا ضعفت يداه سقطتا
فقطر من دمه ، فقالت : لا تضيعوا دم الملك . فقال : « دعوا دما
ضيعه أهله » فذهبت مثلا . فهلك جذيمة و استنشفت الزباء دمه ،
فجعلته في برس قطن في ربعة لها . و خرج قصير من الحي الذي هلكت
العصا بين أظهرهم ، حتى قدم على عمرو بن عدي بالحيرة ، فقال له :
« أ داثر أم ثائر » قال : « ثائر سائر » فذهبت مثلا . فقال له قصير
: « تهيأ و لا تطل دم خالك » . قال : و كيف لي بها و هي « امنع من
عقاب الجو » ؟ فذهبت مثلا . و كانت اتخذت نفقا من مجلسها الذي كانت
تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها ،
و قالت ان
فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني فقال له قصير : اجدع أنفي و اضرب
ظهري ، و دعني و إيّاها . فقال عمرو : ما أنا بفاعل ذلك و ما أنت
بذلك بمستحق مني . فقال قصير : « خلّ عني إذن و خلاك ذم » فذهبت
مثلا . فقال له عمرو : فأنت أبصر . فجدع قصير أنفه و أثر بظهره ،
فقالت العرب : « لمكر ما جدع
[ 331 ]
قصير أنفه » . ثم خرج كأنّه هارب ، و
أظهر أن عمرا فعل به ذلك ، و أنّه يزعم أنّه مكر بخاله جذيمة ، و
غرّه من الزباء . فسار حتّى قدم على الزباء فقيل لها : إنّ قصيرا
بالباب . فأمرت به فادخل عليها ، فإذا أنفه قد جدع ، و ظهره قد ضرب
،
فقالت : ما الذي أرى بك يا قصير ؟ فقال زعم عمرو
بن عدي أنّي غررت خاله ،
و زيّنت له المسير إليك و
غششته و مالأتك عليه ، ففعل بي ما ترين ، فأقبلت إليك و عرفت أنّي
لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك . فأكرمته ، و أصابت عنده بعض ما
أرادت من الرأي و المعرفة بامور الملوك . فلمّا عرف أنّها قد ثقّت
به قال : إنّ لي بالعراق أموالا كثيرة ، و بها طرائف و ثياب و عطر
، فابعثيني إلى العراق لأحمل مالي ، و أحمل إليك من بزوزها و طرائف
ثيابها ، و صنوف ما يكون بها من الأمتعة و الطيب و التجارات ،
فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما ،
و بعض ما لا غنى
بالملوك عنه . فلم يزل يزيّن لها ذلك حتى سرحته و دفعت معه عيرا ،
و قالت له : بع ما جهّزناك به ، و ابتع لنا من طرائف ما يكون بها .
فسار قصير حتى قدم العراق و أتى الحيرة متنكرا ، فدخل على عمرو بن
عدي فأخبره بالخبر ، و قال : جهزني بالبز و الطرف و الأمتعة ، لعلّ
اللّه يمكن منها فتصيب ثأرك . فجهّزه بصنوف الثياب و غيرها ، فرجع
بذلك كلّه إلى الزباء فأعجبها ما رأت ، و ازدادت به ثقة . ثم
جهّزته بعد ذلك بأكثر مما في المرة الاولى ، فسار حتى قدم العراق ،
و لقي عمرو بن عدي ، و حمل من عنده ما ظنّ أنّه موافق لها ، و لم
يدع طرفة قدر عليها إلاّ حملها ، ثم عاد الثالثة ، و قال لعمرو :
اجمع لي ثقات أصحابك و جندك ، و هيّىء لهم الغرائر و المسوح و
قصير أوّل من عمل الغرائر و احمل كلّ رجلين على بعير في غرارتين ،
و اجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها ، فإذا دخلوا مدينة الزباء
أقمتك على باب نفقها ،
و أخرجت الرجال من الغرائر
فصاحوا بأهل المدينة ، فمن قاتلهم قتلوه ، و إن
[ 332 ]
أقبلت الزباء تريد النفق جللتها
بالسيف . ففعل عمرو ما قال ، ثم وجّه إلى الزبا العير عليها الرجال
و أسلحتهم ، فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدّم قصير إليها ،
فبشّرها و أعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب و الطرائف ، و سألها
أن تخرج فتنظر إلى قطارات تلك الإبل ، و قال لها : « إنّي جئت بما
صاء و صمت » فذهبت مثلا . و كان قصير يكمن النهار و يسير الليل ، و
هو أوّل من فعل ذلك فخرجت ،
فأبصرت الإبل تكاد
قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها ، فقالت : يا قصير
ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا
باردا شديدا
أم الرجال جثما قعودا
فدخلت الإبل
المدينة حتى كان آخرها ، نخس بواب نبطي بمنخسته الغرائر التي تليه
، فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها ، فضرط ، فقال : « بشقا بسقا »
يعني في الجوالق شر فذهبت مثلا . فلمّا توسطت الإبل المدينة انيخت
، و دلّ قصير عمرا على باب النفق ، و خرجت الرجال من الغرائر ،
و صاحوا بأهل المدينة ، و وضعوا فيهم السيف . و قام عمرو على باب
النفق ،
و أقبلت الزباء مولّية مبادرة لتدخل النفق
فأبصرت عمرا قائما و كان المصوّرون صوروا لها صورته قبل ، لأن
كاهنتها أخبرتها أنّه قاتلها فمصّت خاتمها ، و كان فيه سم و قالت :
« بيدي لا بيدك يا عمرو » فذهبت مثلا . و تلقاها عمرو ، فجللها
بالسيف فقتلها .
و المثل بعدم إطاعة أمر قصير كما
تمثّل عليه السّلام به معروف ، قال نهشل بن حري التميمي :
و مولى عصاني و استبدّ برأيه
كما لم يطع بالبقتين قصير
فلمّا تيقّن غبّ أمري و أمره
و ولّت بأعجاز الامور صدور
[ 333 ]
تمنّى بئيسا أن يكون أطاعني
و قد حدثت بعد الامور امور
« فأبيتم عليّ إباء
المخالفين الجناة » هكذا في ( المصرية ) 1
، و الصواب :
( الجفاة ) كما في ( ابن أبي الحديد
2 و ابن ميثم و الخطية ) .
« و المنابذين
العصاة » في ( مقاتل أبي الفرج ) 3 في
قضايا أبي السرايا في خروج محمّد بن جعفر أيّام المأمون و قتاله مع
عسكر المأمون و عليهم هرثمة ابن أعين : ان هرثمة صاح : يا أهل
الكوفة علام تسفكون دماءنا و دماءكم ؟ إن كان قتالكم كراهية
لإمامنا فهذا منصور بن المهدي رضا لنا و لكم نبايعه ، و إن أحببتم
إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم ، و اتفقوا معنا ليوم
الإثنين نتناظر فيه و لا تقتلونا و أنفسكم . فأمسك أهل الكوفة
أصحاب أبي السرايا عن الحملة ، فناداهم أبو السرايا : ويحكم إنّ
هذه حيلة من هؤلاء لما أيقنوا بالهلاك ، فاحملوا عليهم . فامتنعوا
و قالوا : لا يحلّ لنا قتالهم ، و قد أجابوا .
فغضب
أبو السرايا ، و لما كان يوم الجمعة خطب و قال : يا أهل الكوفة يا
قتلة علي عليه السّلام ، و يا خذلة الحسين عليه السّلام إنّ المغتر
بكم لمغرور ، و إنّ المعتمد على نصركم لمخذول ، و إنّ الذليل لمن
أعززتموه ، و اللّه ما خمد علي عليه السّلام أمركم في حمده ، و لا
رضى مذهبكم في رضاه ، و لقد حكمكم فحكمتم عليه ، و ائتمنكم فخنتم
أمانته ، و وثق بكم فحلتم عن ثقته ، ثم لم تنفكّوا عليه مختلفين ،
و لطاعته ناكثين ، إن قام قعدتم ، و إن قعد قمتم ، و إن تقدّم
تأخرتم ، و إن تأخر تقدمتم خلافا عليه ، و عصيانا لأمره ، حتى سبقت
فيكم دعوته ، و خذلكم اللّه بخذلانكم إيّاه ، أي عذر لكم في الهرب
عن عدوّكم ، و النكول عمّن لقيتم و قد عبروا
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 81 .
-----------
( 2 ) شرح نهج ابن أبي الحديد 2 : 204 .
-----------
( 3 ) المقاتل لأبي الفرج : 363 .
[ 334 ]
خندقكم ، و علوا قبائلكم ، ينتهبون
أموالكم و يستباحون حريمكم ؟ هيهات لا عذر لكم إلاّ العجز و
المهانة و الرضا بالصغار و الذلة ، إنّما أنتم كفيء الظل ،
و تهزمكم الطبول بأصواتها ، و يملأ قلوبكم الخرق بسوادها . أما و
اللّه لأستبدلن بكم قوما يعرفون اللّه حق معرفته ، و يحفظون محمّدا
صلّى اللّه عليه و آله في عترته . قال :
و مارست أقطار البلاد فلم أجد
لكم شبها في ما وطئت من الأرض
خلافا و جهلا و انتشار عزيمة
و وهنا و عجزا في الشدائد و الخفض
لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة
فلا فيكم راض و لا فيكم مرضي
سأبعد داري عن قلى من دياركم
فذوقوا إذا ولّيت عاقبة النقض
« حتى ارتاب الناصح » بأن نصحه لعلّه خطأ ، حيث لا يقبلونه .
« و ضنّ » أي : بخل .
« الزند » في ( الصحاح ) الزند
: العود الذي تقدح به النار ، و هو الأعلى ،
و
الزندة السفلى فيها ثقب ، و هي الانثى و هما زندان . . . و من ضنة
الزند قالوا :
فلان مزند . أي : بخيل ، و عطاء مزند
. أي : قليل ، و ثوب مزند ، أي : ضيّق ، و مزادة مزندة : قليلة
الماء .
« بقدحه » أي : اشتعاله .
«
فكنت و إياكم كما قال أخو هوازن » و هوازن ابن منصور بن عكرمة بن
حفصة ابن قيس عيلان ، و المراد بأخي هوازن : دريد بن الصمة .
« أمرتكم أمري بمنعرج اللوى
فلم تستبينوا النصح الا ضحى الغد »
و الأصل في قول أخي هوازن ما رواه أبو الفرج في ( أغانيه )
1 : أنّ عبد اللّه بن الصمّة أخا دريد غزا غطفان فظفر بهم و
ساق أموالهم في يوم
-----------
( 1 ) الأغاني لأبي الفرج 10 : 5 .
[ 335 ]
يقال له : يوم اللوى ، و مضى بها ، و
لما كان منهم غير بعيد قال : انزلوا بنا . فقال أخوه دريد : نشدتك
اللّه ألاّ تنزل ، فإنّ غطفان ليست بغافلة عن أموالها . فأقسم لا
يريم حتى يأخذ مرباعه ، و ينقع نقيعة ، فيأكل و يطعم و يقسم البقية
بين أصحابه . فبينا هم في ذلك و قد سطعت الدواخن ، إذا بغبار قد
ارتفع اشدّ من دخانهم ، و إذا عبس و فزارة و أشجع قد أقبلت ،
فقالوا لربيئتهم : انظر ماذا ترى ؟
فقال : أرى قوما
جادا كأنّ سرابيلهم قد غمست في الجادي . قال : تلك أشجع ليست بشيء
. ثم نظر ، فقال : أرى قوما كأنّهم الصبيان أسنتهم عند آذان خيلهم
. قال : تلك فزارة . ثم نظر فقال : أرى قوما أدما كأنّهم يحملون
الحبل بسوادهم ، يخدّون الأرض بأقدامهم خدّا ، و يجرّون رماحهم .
قال : تلك عبس و الموت معهم ، فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللوى ،
فاقتتلوا فقتل عبد اللّه بن الصمة ، فتنادوا : قتل أبو دفافة .
فعطف دريد فذبّ عنه فلم يغن شيئا ، و جرح دريد فسقط فكفّوا عنه و
هم يرون أنّه قد قتل ، و استنقذوا المال . قال دريد :
فأمهلت حتى إذا كان الليل ، مشيت و أنا ضعيف قد نزفني الدم حتى ما
أكاد أبصر ، فجزت بجماعة تسير فدخلت فيهم ، فوقعت بين عرقوبي بعير
ظعينة ،
فنفر البعير فنادت : نعوذ باللّه منك .
فانتسبت لها ، فاعلمت الحي بمكاني فغسل عني الدم و زودت زادا و
سقاء فنجوت . و قال يرثي أخاه :
أ عاذلتي كلّ امرىء و ابن امّه
متاع كزاد الراكب المتزوّد
أعاذل إنّ الرزء أمثال خالد
و لا رزء ممّا أهلك المرء عن يد
نصحت لعارض و أصحاب عارض
و رهط بني السوداء و القوم شهّد
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى
فلم يستبينوا الرّشد إلاّ ضحى الغد
فلمّا عصوني كنت منهم و قد أرى
غوايتهم أو أنّني غير مهتد
[ 336 ]
و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت
غويت و إن ترشد غزية أرشد
دعاني أخي و الخيل بيني و بينه
فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا
فقلت أ عبد اللّه ذلكم الردي
فإن يك عبد اللّه خلّى مكانه
فلم يك وقّافا و لا طائش اليد
و لا برما إذا ما الرياح
تناوحت
برطب العضاة و الهشيم المعضد
نظرت إليه و الرّماح
تنوشه
كوقع الصياصي في النسيج الممدد
فطاعنت عنه الخيل
حتى تبددت
و حتى عداني أشقر اللون مزبد
فما رمت حتى
خرقتني رماحهم
و غودرت أكبو في القفا المتقصد
قتال
امرىء واسى أخاه بنفسه
و أيقن أنّ المرء غير مخلّد
صبور
على وقع المصائب حافظ
من اليوم أعقاب الأحاديث في الغد
و تمثّل عليه السّلام أيضا ببيته ، لمّا ندمت الخوارج عن التحكيم ،
و طلبوا منه عليه السّلام الرجوع ، فروى ( الأغاني ) أيضا
1 عن أبي مخنف عن رجاله : أنّ عليّا عليه السّلام لما
اختلفت كلمة أصحابه في أمر الحكمين و تفرّقت الخوارج ، و قالوا له
: ارجع عن أمر الحكمين ، و تب و اعترف بأنّك كفرت إذ حكّمت ، فلم
يقبل ذلك منهم و فارقوه ، تمثّل بقول دريد :
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد
هذا و قد عرفت أنّ ( المروج ) 2 بدل قوله :
« أخو هوازن » بقوله : « اخو بني خثعم » و لا تنافي حيث إنّ جشما
بطن من هوازن ، فجشم ابن معاوية بن بكر بن هوازن ، كما أنّ جشما
أيضا بطون ، منها غزية بن جشم ، و كان دريد منهم ،
و
لذا قال :
« و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت . .
. »
-----------
( 1 ) الأغاني لأبي الفرج 10 : 10 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 413 .
[ 337 ]
و تمثّل عليه السّلام بذاك البيت
أيضا على ما روى أبو مخنف كما في ( الطبري ) 1
، ففيه : قيل لعلي عليه السّلام بعد ما كتب الصحيفة : إنّ الأشتر
لا يقرّ بما في الصحيفة ، و لا يرى إلاّ قتال القوم . قال علي عليه
السّلام : و أنا و اللّه ما رضيت ، و لا أحببت أن ترضوا ، فإذا
أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت ، فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد
الرضا ، و لا التبديل بعد الإقرار ، إلاّ أن يعصى اللّه عز و جل و
يتعدّى كتابه ، فقاتلوا من ترك أمر اللّه عز و جل ، و أمّا الذي
ذكرتم من تركه أمري و ما أنا عليه ، فليس مالك من اولئك ، و لست
أخافه على ذلك ، يا ليت فيكم مثله اثنين ،
يا ليت
فيكم مثله واحدا يرى في عدوّي ما أرى ، إذن لخفّت عليّ مؤنتكم و
رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم ، و قد نهيتكم عمّا أتيتم فعصيتموني ،
فكنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن :
و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت
غويت و إن ترشد غزية أرشد