
2
من الخطبة ( 123 ) و من كلام له عليه السّلام :
فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَزْعُمُوا إِلاَّ أَنِّي أَخْطَأْتُ وَ ضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلُّونَ عَامَّةَ أُمَّةِ ؟ مُحَمَّدٍ ص ؟ بِضَلاَلِي وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَائِي وَ تُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ اَلْبُرْءِ وَ اَلسُّقْمِ وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص ؟ رَجَمَ اَلزَّانِيَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ وَ قَتَلَ اَلْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَ قَطَعَ اَلسَّارِقَ وَ جَلَدَ اَلزَّانِيَ غَيْرَ اَلْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ اَلْفَيْءِ وَ نَكَحَا اَلْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَقَامَ حَقَّ اَللَّهِ فِيهِمْ
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 59 .
[ 338 ]
وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ وَ لَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ اَلنَّاسِ وَ مَنْ رَمَى بِهِ اَلشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وَ سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ اَلْحُبُّ إِلَى غَيْرِ اَلْحَقِّ وَ مُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ اَلْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ اَلْحَقِّ وَ خَيْرُ اَلنَّاسِ فِيَّ حَالاً اَلنَّمَطُ اَلْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ وَ اِلْزَمُوا اَلسَّوَادَ اَلْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اَللَّهِ عَلَى اَلْجَمَاعَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلْفُرْقَةَ فَإِنَّ اَلشَّاذَّ مِنَ اَلنَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ اَلشَّاذَّ مِنَ اَلْغَنَمِ لِلذِّئْبِ أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا اَلشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ فَإِنَّمَا حُكِّمَ اَلْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ وَ يُمِيتَا مَا أَمَاتَ ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ وَ إِحْيَاؤُهُ اَلاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وَ إِمَاتَتُهُ اَلاِفْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ إِلَيْهِمُ اِتَّبَعْنَاهُمْ وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اِتَّبَعُونَا فَلَمْ آتِ لاَ أَبَا لَكُمْ بُجْراً وَ لاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ وَ لاَ لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا اِجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اِخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلاَّ يَتَعَدَّيَا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا اَلْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ اَلْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ وَ قَدْ سَبَقَ اِسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي اَلْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَ اَلصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا الخطبة ( 175 ) و من كلام له عليه السّلام في معنى الحكمين :
فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اِخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ ؟ اَلْقُرْآنِ ؟ وَ لاَ يُجَاوِزَاهُ وَ تَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا اَلْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ اَلْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ اَلاِعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا وَ قَدْ سَبَقَ اِسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي اَلْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَ اَلْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا وَ اَلثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا
[ 339 ]
لِأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ اَلْحَقِّ وَ أَتَيَا بِمَا لاَ يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ اَلْحُكْمِ أقول : العنوان الثاني تكرار لذيل العنوان الأوّل من قوله : « انما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين . . . » مع أدنى اختلاف و زيادة كما ترى ، و عذره ما قاله في أول الكتاب : « و ربما بعد العهد بما اختير أولا ، فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا ، لا قصدا و اعتمادا » و لم يتفطّن الشرّاح أيضا لتكراره .
و كيف كان ، فالأصل فيهما ما رواه الطبري 1 عن أبي مخنف ، عن أبي سلمة الزهري ابن بنت أنس بن مالك : أنّ عليّا عليه السّلام قال لأهل النهر : « يا هؤلاء إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة ، التي ابتدأتموها و سألتموها و أنا لها كاره ، و أنبأتكم أنّ القوم سألكموها مكيدة و دهنا ، فأبيتم عليّ إباء المخالفين ، و عدلتم عنّي عدول النكداء العاصين ، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم ، و أنتم و اللّه معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام ، فلم آت لا أبا لكم حراما ، و اللّه ما اختلتكم عن اموركم ، و لا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ، و لا أو طأتكم عشوة ، و لا دببت لكم الضرّاء ، و إن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا ،
فأجمع ملؤكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن و لا يعدواه ، فتاها و تركا الحقّ و هما يبصرانه ، و كان الجوهر هواهما ، و قد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل و الصمد للحقّ سوء رأيهما و جور حكمهما ، و الثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ و أتيا بما لا يعرف ،
فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا و الخروج عن جماعتنا ؟ ان اختار الناس رجلين ، أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ، ثمّ تستعرضوا الناس تضربون رقابهم و تسفكون دماءهم ، انّ هذا لهو الخسران المبين . و اللّه لو قتلتم على هذا
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 84 .
[ 340 ]
دجاجة لعظم عند اللّه قتلها ، فكيف بالنفس التي قتلها عند اللّه حرام ؟ قال أبو سلمة : فتنادوا لا تخاطبوهم و تهيؤوا للقاء الرّبّ ، الرواح الرواح إلى الجنّة .
و خرج عليّ فعبّأ الناس . . .
قول المصنّف في العنوان الأول : « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد ) 2 ، و كذا ( ابن ميثم ) 3 : « و من كلام له عليه السّلام قاله للخوارج أيضا » . و لكن في ( ابن ميثم ) « و من كلام له عليه السّلام أيضا للخوارج » . و أشار بقوله : « أيضا » . إلى أن قبله في ( 121 ) : « و من كلام له عليه السّلام في التحكيم » . لكن توسط بينهما : « و من كلام له عليه السّلام لمّا عوتب على التسوية في العطاء » و كأنّه غفل عن فصله .
قوله عليه السّلام : « فان أبيتم أن تزعموا إلاّ انّي أخطأت و ضللت » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( فان أبيتم إلاّ أن تزعموا أنّي أخطأت و ضللت ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 4 .
قال المبرد في ( كامله ) 5 : يروى أنّ عليّا عليه السّلام في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي و قد كان وجهه إليهم و زياد بن النضر الحارثي مع عبد اللّه بن العباس ، فقال : بأيّ القوم رأيتهم أشدّ إطافة ؟ فقال :
بيزيد ابن قيس الأرحبي . فركب علي عليه السّلام إليهم إلى حروراء ، فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد ، فصلّى فيه ركعتين ثم خرج ، فاتكأ على قوسه و أقبل على الناس ، ثم قال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة ، أنشدكم اللّه
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 2 : 117 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 10 : 55 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 367 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 133 .
-----------
( 5 ) الكامل للمبرد 2 : 175 .
[ 341 ]
أعلمتم أحدا منكم كان أكره للحكومة مني ؟ قالوا : اللّهمّ لا . قال : أفعلمتم أنّكم أكرهتموني حتى قبلتها ؟ قالوا : اللّهمّ نعم . قال : فعلام خالفتموني و نابذتموني ؟ قالوا : إنّا أتينا ذنبا عظيما فتبنا إلى الله ، فتب إلى اللّه منه و استغفره ، نعد لك . فقال عليّ عليه السّلام : إنّي استغفر اللّه من كلّ ذنب . فرجعوا معه و هم ستة آلاف ، فلمّا استقرّوا بالكوفة أشاعوا : أنّ عليّا عليه السّلام رجع عن التحكيم و رآه ضلالا ، و قالوا : إنّما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمّن الكراع ، و يجبي المال ،
فينهض إلى الشام . فأتى الأشعث بن قيس عليّا عليه السّلام و قال له : إنّ الناس قد تحدّثوا انّك رأيت الحكومة ضلالا ، و الاقامة عليها كفرا . فخطب عليه السّلام الناس فقال : من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب ، و من رآها ضلالا فهو أضلّ .
فخرجت الخوارج من المسجد ، فحكمت ، فقيل لعلي عليه السّلام : إنّهم خارجون عليك .
فقال : لا اقاتلهم حتى يقاتلوني ، و سيفعلون .
« فلم تضلون عامة امة محمّد صلّى اللّه عليه و آله بضلالي ، و تأخذونهم بخطائي ،
و تكفرونهم بذنوبي » في ( كامل المبرد ) 1 : أصاب الخوارج مسلما و نصرانيا فقتلوا المسلم و أوصوا بالنصراني ، فقالوا : احفظوا ذمّة نبيّكم . و لقيهم عبد اللّه بن خباب و في عنقه مصحف ، و معه امرأته و هي حامل ، فقالوا : إنّ الذي في عنقك يأمرنا أن نقتلك . قال : ما أحيا القرآن فأحيوه ، و ما أماته فأميتوه . فوثب رجل منهم على رطبة فوضعها في فيه ، فصاحوا به فلفظها تورعا . و عرض لرجل منهم خنزير ، فضربه الرجل فقتله ، فقالوا : هذا فساد في الأرض . فقال عبد اللّه بن خباب : ما عليّ منكم بأس انّي لمسلم . قالوا له : حدّثنا عن أبيك . قال :
سمعت أبي يقول : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يمسي مؤمنا و يصبح كافرا ، فكن عبد اللّه المقتول و لا تكن
-----------
( 1 ) الكامل للمبرد 2 : 176 177 .
[ 342 ]
القاتل » قالوا : فما تقول في أبي بكر و عمر ؟ فأثنى خيرا ، فقالوا : فما تقول في عليّ قبل التحكيم ، و في عثمان ست سنين ؟ فأثنى خيرا ، قالوا : فما تقول في الحكومة و التحكيم ؟ قال : أقول إنّ عليّا عليه السّلام أعلم بكتاب اللّه منكم ، و أشدّ توقّيا على دينه ، و أنفذ بصيرة . قالوا : إنّك لست تتبع الهدى ، إنّما تتبع الرجال على اسمائها . ثم قربوه إلى شاطىء النهر فذبحوه ، فامذقر دمه . أي : جرى مستطيلا على دقة . و ساموا رجلا نصرانيا بنخلة له ، فقال : هي لكم . قالوا : ما كنّا لنأخذها إلاّ بثمن . قال : ما أعجب هذا أتقتلون مثل عبد اللّه بن خباب ، و لا تقبلون منّا جنى نخلة ؟
و في ( الطبري ) 1 : قتلوا عبد اللّه بن خباب و ذبحوه و سال دمه في الماء ،
و قتلوا امرأته بقروا بطنها ، و قتلوا ثلاثة نسوة من طي ، و قتلوا امّ سنان الصيداوية .
« سيوفكم على عواتقكم ، تضعونها مواضع البرء » هكذا في ( المصرية ) ،
و الصواب : ( البراءة ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .
« و السقم ، و تخلطون من أذنب بمن لم يذنب » في ( كامل المبرد ) 4 : خرج قريب بن مرّة الأزدي و زحاف الطائي و كانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد فاعترضا الناس ، فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فقتلاه ، و تنادى الناس ، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد و في يده السيف ،
فناداه الناس من ظهور البيوت : الحرورية ، انج بنفسك . فنادوه : لسنا حرورية نحن الشرط . فوقف فقتلوه ، ثم جعلا لا يمران بقبيلة إلاّ قتلا من وجدا .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 81 82 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 112 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 133 .
-----------
( 4 ) الكامل للمبرد 2 : 198 199 .
[ 343 ]
و مورد خطابه عليه السّلام : « سيوفكم على عواتقكم ، تضعونها مواضع البراءة و السقم » خوارج البصرة ، فانّهم كانوا هكذا دون خوارج الكوفة ، ففي ( العقد ) 1 في محاجة عمر بن عبد العزيز مع شوذب الخارجي ، في اعتراضه عليه بعدم لعن عمر لأهل بيته ، و عدم براءته منهم : أخبرني عن أهل النهروان ، أليسوا من صالحي أسلافكم و ممن تشهد لهم بالنجاة ؟ قال : نعم .
قال : فهل تعلمون أنّ أهل الكوفة حين خرجوا كفّوا أيديهم ، فلم يسفكوا دما ،
و لم يخيفوا آمنا ، و لم يأخذوا مالا ؟ قال : نعم . قال : فهل علمتم أنّ أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فديك استعرضوا يقتلونهم ، و لقوا عبد اللّه بن خباب صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فقتلوه و قتلوا جاريته ، ثم قتلوا النساء و الأطفال ، حتى جعلوا يلقونهم في قدور الأقط و هي تفور ؟ قال : قد كان ذلك . و مثله في ( المروج ) 2 .
« و قد علمتم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رجم الزاني ، ثم صلّى عليه » و أمّا ما رواه ( الكافي ) 3 عن محمّد بن حكيم عن الصادق عليه السّلام : « لو أنّ رجلا مات صائما في السفر ما صلّيت عليه » فمحمول على ما ذا اعتقد مشروعيّته ، فيكون غير عارف ، فلا تكون الصلاة عليه واجبة .
و روى 4 معاوية بن وهب : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : ذكر لنا أنّ رجلا من الأنصار مات و عليه ديناران دينا ، فلم يصلّ عليه النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و قال : « صلّوا على صاحبكم » حتى ضمنها عنه بعض قرابته . فقال عليه السّلام : ذلك الحق . ثم قال :
إنّما فعل ذلك ليتّعظوا ، و ليردّ بعضهم على بعض ، و لئلاّ يستخفوا بالدين ، و قد
-----------
( 1 ) العقد الفريد 2 : 243 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 200 201 .
-----------
( 3 ) الكافي 4 : 128 ح 7 .
-----------
( 4 ) الكافي 5 : 93 ح 2 .
[ 344 ]
مات صلّى اللّه عليه و آله و عليه دين ، و مات الحسن عليه السّلام و عليه دين ، و قتل الحسين عليه السّلام و عليه دين .
« ثم ورثّه أهله » و ممّن رجمه صلّى اللّه عليه و آله ما عز بن مالك ، فروى ( الكافي ) 1 : أنّه أقرّ عند النبي صلّى اللّه عليه و آله بالزّنا ، فأمر به أن يرجم فهرب من الحفيرة ، فرماه الزبير بساق بعير فعقله فسقط ، فلحقه الناس فقتلوه ، ثم أخبروا النبي صلّى اللّه عليه و آله بذلك ،
فقال لهم : فهلاّ تركتموه إذا هرب يذهب ؟ فإنّما هو الذي أقرّ على نفسه ، أما لو كان عليّ حاضرا معكم لما ضللتم .
« و قتل القاتل و ورّث ميراثه أهله » هكذا في ( المصرية 2 و ابن أبي الحديد 3 و الخطية ) و لكن في ( ابن ميثم ) 4 : « و ورّث أهله ميراثه » .
« و قطع السارق إلى و لم يخرج أسماءهم من بين أهله » أي : الاسلام ، بل ورد انّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن لعنهم ، ففي ( اسد الغابة ) 5 : كان رجل اسمه عبد اللّه يلقّب حمارا يضحك النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله جلده في الشراب ، فاتى به يوما فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللّهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال صلّى اللّه عليه و آله : لا تلعنه ، فو اللّه ما علمت إلاّ أنّه يحب اللّه و رسوله .
رد عليه السّلام على مذهبهم الباطل في تكفير مرتكب الكبائر ، استنادا إلى آيات مجملات بالسنّة المبيّنة ، قال ابن أبي الحديد 6 : استندوا إلى قوله تعالى في
-----------
( 1 ) الكافي 7 : 185 ح 5 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 2 : 11 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 112 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 133 .
-----------
( 5 ) اسد الغابة 2 : 45 .
-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 114 .
[ 345 ]
الحج : . . . و من كفر . . . 1 و قوله تعالى : . . . إنّه لا ييأس من روح اللّه إلاّ القوم الكافرون 2 ، . . . و من لم يحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الكافرون 3 . و ذكر آيات اخر لا ربط لها أصلا ، كقوله تعالى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب و تولّى 4 ، و إنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين 5 ، . . . فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم . . . 6 . . . .
« ثم أنتم شرار الناس » قالت عايشة لمسروق كما في ( مسند أحمد بن حنبل ) 7 : إنّك من ولدي و من أحبهم إليّ ، فهل عندك علم من المخدج ؟ قال :
قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال له تامر ، و لأسفله النهروان ، بين تخافيق و طرفاء . قالت : أبغي على ذلك بيّنة . فأقام رجالا شهدوا ، ثم قال لها : سألتك بصاحب القبر ، ما الذي سمعت فيهم ؟ قالت : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « إنّهم شرّ الخلق و الخليقة ، يقتلهم خير الخلق و الخليقة ، و أقربهم عند اللّه وسيلة » .
« و من رمى به الشيطان مراميه » جمع المرمى ، أي : مقاصده .
« و ضرب به تيهه » التيه : المفازة يتاه فيها .
« و سيهلك فيّ صنفان : محبّ مفرط يذهب به الحب الى غير الحق ، و مبغض مفرط يذهب به البغض الى غير الحق » قال ابن أبي الحديد 8 : روى المحدّثون أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال له عليه السّلام : « فيك يا علي مثل من عيسى بن مريم ، أبغضته اليهود
-----------
( 1 ) آل عمران : 97 .
-----------
( 2 ) يوسف : 87 .
-----------
( 3 ) المائدة : 44 .
-----------
( 4 ) الليل : 14 16 .
-----------
( 5 ) العنكبوت : 54 .
-----------
( 6 ) آل عمران : 106 .
-----------
( 7 ) ذكره البحار 38 : 15 .
-----------
( 8 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 119 .
[ 346 ]
فبهتت امّه ، و أحبّته النصارى فرفعته فوق قدره » . و قد كان عليه السّلام عثر على قوم من أصحابه ، خرجوا من حد محبّته باستحواذ الشيطان عليهم ، إلى أن كفروا بربهم و جحدوا ما جاء به نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله ، فاتخذوه ربا و قالوا له : أنت خالقنا و رازقنا ، فاستتابهم و توعّدهم ، فأقاموا على قولهم ، فحفر لهم حفرا دخن عليهم طمعا في رجوعهم ، فأبوا فحرقهم و قال :
أ لا تروني قد حفرت حفرا
إنّي إذا رأيت أمرا نكرا
أو قدت ناري و دعوت قنبرا
و روى أبو العباس الثقفي ، عن المصيصي المعروف بنوين ، و عن النوفلي عن مشيخته : أنّ عليّا عليه السّلام مر بقوم و هم يأكلون في شهر رمضان ،
فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : و لا واحدة . قال : فمن أهل الكتاب فتعصمكم الذمة و الجزية ؟ قالوا : لا . قال : فما بال الأكل في نهار شهر رمضان ؟ قالوا : أنت أنت يؤمون إلى ربوبيته . فنزل عليه السّلام عن فرسه و ألصق خدّه بالأرض و قال :
ويلكم أنا عبد من عبيد اللّه ، فاتقوا اللّه و ارجعوا إلى الاسلام . فأبوا فدعاهم مرارا ، فأقاموا على كفرهم ، فنهض إليهم و قال : شدّوهم وثاقا ، و عليّ بالفعلة و النار و الحطب . ثمّ أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل إحداهما سربا و الاخرى مكشوفة ، و ألقى الحطب في المكشوفة و فتح بينهما فتحا ، و ألقى النار في الحطب فدخن عليهم ، و جعل يهتف بهم و يناشدهم ليرجعوا إلى الاسلام فأبوا ،
فأمر بالحطب و النار فالقي عليهم فاحرقوا فقال الشاعر :
لترم بي المنية حيث شاءت
إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا ما حشّتا حطبا بنار
فذاك الموت نقدا غير دين
فلم يبرح حتى صاروا حمما .
[ 347 ]
قلت : و روى ( الكافي ) 1 القضية في آخر صومه ، و أنّه عليه السّلام أحرقهم لأنّهم أنكروا نبوّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دون توحيد اللّه ، قال ابن أبي الحديد 2 : ثم استترت هذه المقالة سنة أو نحوها ، ثم ظهر عبد اللّه بن سبأ و كان يهوديا يستتر بالإسلام بعده عليه السّلام فأظهرها ، و اتبعه قوم فسموا السبئية ، و قالوا : إنّ عليّا لم يمت ، و إنّه في السماء ، و الرعد صوته و البرق ضوؤه . و إذا سمعوا صوت الرعد قالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين . و قالوا في النبي صلّى اللّه عليه و آله أغلظ قول ، و افتروا عليه أعظم فرية فقالوا : كتم تسعة أعشار الوحي . فنعى عليهم قولهم الحسن بن علي بن محمّد بن الحنفية ، في رسالته التي يذكر فيها الارجاء ، روى سليمان بن أبي شيخ ، عن الهيثم بن معاوية ، عن عبد العزيز بن ابان ، عن عبد الواحد بن أيمن المكي ، قال : شهدت الحسن يملي هذه الرسالة ،
و فيها : و من قول هذه السبئية اهدينا لوحي ضلّ عنه الناس ، و علم خفي عنهم ،
و زعموا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كتم تسعة أعشار الوحي و لو كتم النبي صلّى اللّه عليه و آله شيئا مما أنزل اللّه عليه ، لكتم شأن امرأة زيد ، و قوله تعالى تبتغي مرضاة أزواجك 3 . ثم ظهر المغيرة بن سعيد مولى بجيلة ، فأراد أن يحدث لنفسه مقالة ، فغلا في عليّ عليه السّلام و قال : لو شاء عليّ لأحيا عادا و ثمود و قرونا بين ذلك كثيرا . إلى أن قال ثم تفاقم الغلاة و أمعنوا في الغلوّ ، فادّعوا حلول الذات الإلهية في قوم من سلالة أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أن قال و كان اسحاق بن زيد بن الحرث و كان من أصحاب عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر يقول بالإباحة و إسقاط التكاليف ، و يثبت لعلي عليه السّلام شركة مع النبي صلّى اللّه عليه و آله في
-----------
( 1 ) الكافي 4 : 181 ح 7 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 120 .
-----------
( 3 ) التحريم : 1 .
[ 348 ]
النبوّة ، على وجه غير هذا الظاهر الذي يعرفه الناس . . . .
قلت : و ذكر الكشي جمعا من الغلاة منهم : محمّد بن الفرات ، و أنّ الرضا عليه السّلام قال : « آذاني أذى ما آذى أبو الخطاب جعفر بن محمّد عليه السّلام » و منهم :
أبو الغمر ، و جعفر بن واقد ، و هاشم بن أبي هاشم ، و أنّ الجواد عليه السّلام قال : « إنّهم يدعون الناس إلى ما دعا إليه أبو الخطاب لعنه اللّه » و منهم : القسم اليقطيني ،
و علي بن حسكة ، و الحسن بن محمّد المعروف بابن بابا ، و محمّد بن نصير ،
و فارس بن حاتم ، و أنّ الهادي عليه السّلام لعنهم ، و أمر بقتل فارس ، فقتل .
« و خير الناس في حال النمط الأوسط فالزموه » و هم الذين لم يرفعوه عليه السّلام عن درجته ، حتى يجعلوه إلها كالغلاة ، و لم يحطّوه عن رتبته التي هي خلافة الرسول صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى أدلّة العقول ، فضلا عن تواتر النقول ، قال تعالى :
أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون 1 و الآيات القرآنية من قوله تعالى : . . . و أنفسنا و أنفسكم . . . 2 ، و قوله تعالى : . . . إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 3 و قوله تعالى : إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون . و من يتولّ اللّه و رسوله و الّذين آمنوا فانّ حزب اللّه هم الغالبون 4 ، و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله فيه بعد تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » و قوله صلّى اللّه عليه و آله له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » و إجماع الامّة على كونه عليه السّلام أعلم الناس بالكتاب و السنّة ، و كيف و قد اعترف فاروقهم : بأنّه لو
-----------
( 1 ) يونس : 35 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 3 ) الأحزاب : 33 .
-----------
( 4 ) المائدة : 55 56 .
[ 349 ]
وليها ليحملنّهم على المحجّة البيضاء .
و ادّعاء أهل السنّة : كونهم النمط الأوسط لم يأتوا لها ببيّنة ، بل البرهان على خلافهم ، و قد قال النّظام استاذ الجاحظ و أحد شيوخ معتزلتهم ، كما في ( السروي ) 1 : عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم ، إن وفّاه حقّه غلا ، و إن بخسه حقّه أساء ، و المنزلة الوسطى دقيقة الوزن ، حادة الشاف ، صعب الترقي إلاّ على الحاذق الدين .
و روى ( أمالي المفيد ) 2 مسندا عن جميل بن صالح ، عن أبي خالد الكابلي ، عن الأصبغ ، قال : دخل الحارث الهمداني على علي عليه السّلام في نفر من الشيعة و كنت فيهم فجعل الحارث يتأود في مشيته و يخبط الأرض بمحجنه و كان مريضا فأقبل عليه علي عليه السّلام ، و كانت له منه منزلة ، فقال له :
كيف تجدك يا حارث ؟ فقال : نال الدهر مني ، و زادني اوارا و غليلا اختصام أصحابك . قال : و فيهم اختصامهم ؟ قال : فيك و في الثلاثة من قبلك ، فمن مفرّط منهم غال ، و مفرّط قال ، و من متردد مرتاب لا يدري أيقدم أم يحجم ؟
فقال عليه السّلام : حسبك يا أخا همدان ، ألا انّ خير شيعتي النمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي و بهم يلحق التالي . فقال له الحارث : لو كشفت فداك أبي و امي الرين عن قلوبنا ، و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا . فقال عليه السّلام : إنّ دين اللّه لا يعرف بالرجال ، بل بآية الحق ، فاعرف الحق تعرف أهله ، يا حارث إنّ الحق أحسن الحديث ، و الصادع به مجاهد ، و بالحق اخبرك فأرعني سمعك ثمّ خبّر به من كان له حصافة من أصحابك . ألا إنّي عبد اللّه و أخو رسوله و صدّيقه الأكبر ، صدّقته و آدم بين الروح و الجسد ، ثم إنّي صدّيقه الأوّل في امتكم حقا ،
-----------
( 1 ) السروي 3 : 16 .
-----------
( 2 ) الأمالي للمفيد : 3 4 ، المجلس 1 .
[ 350 ]
فنحن الأوّلون و نحن الآخرون ، و نحن خاصّته و خالصته ، و أنا صنوه و وصيّه و وليّه و صاحب نجواه و سرّه ، اوتيت فهم الكتاب ، و فصل الخطاب ،
و علم القرون و الأسباب ، و استودعت الف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب ،
يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد ، و ايّدت و امددت بليلة القدر نفلا ، و أنّ ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل و النهار ، حتى يرث اللّه الأرض و من عليها ، و ابشّرك يا حارث : لتعرفني عند الممات ، و عند الصراط ،
و عند الحوض ، و عند المقاسمة ، قال الحارث : و ما المقاسمة ؟ قال عليه السّلام :
مقاسمة النار اقاسمها قسمة صحيحة أقول : هذا وليّي فاتركيه ، و هذا عدوّي فخذيه . ثم أخذ عليه السّلام بيد الحارث ، و قال : أخذت بيدك كما أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله بيدي ،
فقال لي و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين لي : « إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه و حجزته يعني عصمته من ذي العرش و أخذت أنت يا علي بحجزتي ، و أخذت ذريّتك بحجزتك ، و أخذ شيعتكم بحجزتكم ، فماذا يصنع اللّه بنبيّه ، و ما يصنع نبيّه بوصيّه ؟ » خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة . أنت مع من أحببت و لك ما كسبت . يقولها ثلاثا فقام الحارث و هو يقول : ما ابالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني .
قال جميل : و أنشدني السيد الحميري في ما تضمنه هذا الخبر :
قول عليّ لحارث عجب
كم ثم اعجوبة له حملا
يا حار همدان من يمت يرني
من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه و أعرفه
بنعته و اسمه و ما عملا
و أنت عند الصراط تعرفني
فلا تخف عثرة و لا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ
تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين نوقف
للعرض دعيه لا تقربي الرجلا
[ 351 ]
دعيه لا تقربيه إن له
حبلا بحبل الوصي متّصلا
« و الزموا السواد الأعظم ، فإنّ يد اللّه على الجماعة ، و إيّاكم و الفرقة ، فإنّ الشّاذ من الناس » أي : المنفرد منهم ، قال :
يضمّ شذاذ إلى شذاذ
من الرباب دائم التلواذ
« للشيطان ، كما أنّ الشاذ » هكذا في ( المصرية ) 1 و كذا في ( ابن ميثم ) 2 و لكن في ( ابن أبي الحديد 3 و الخطية ) : ( الشاذة ) .
« من الغنم للذئب » و لذا جوّز التقاطها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله لمن سأله عنها :
« هي لك أو لأخيك أو للذئب » ، و في ( تحف عقول ابن أبي شعبة الحلبي ) 4 : سأل رجل عليّا عليه السّلام عن السنّة و البدعة و الفرقة و الجماعة ، فقال : أمّا السنة فسنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و أم البدعة فمن خالفها ، و أمّا الفرقة فأهل الباطل و إن كثروا ، و أمّا الجماعة فأهل الحقّ و ان قلّوا .
و قال ابن أبي الحديد 5 : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لا تجتمع امّتي على خطأ ، سألت اللّه ألاّ تجتمع امّتي على خطأ فأعطانيها ، و سألت اللّه ألاّ تجتمع امّتي على ضلالة فأعطانيها .
قلت : صدق النبي صلّى اللّه عليه و آله ، لم تجتمع امّته يوما على الخطأ و على الضلالة ،
فاجتمع أجلاّء أصحابه المتفق على جلالتهم كسلمان و أبي ذر و المقداد و عمّار و حذيفة و نظرائهم على إمامته ، و كذلك كانوا شيعته عليه السّلام في كلّ عصر . و أمّا اغترارهم بالإجماع على بيعة أبي بكر ، فإنّما كان أبو بكر و عمر
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 2 : 12 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 133 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 112 .
-----------
( 4 ) تحف العقول : 211 .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 123 .
[ 352 ]
و أبو عبيدة تواطؤوا ، فقال أبو بكر : بايعوا عمرا و أبا عبيدة . و قالا : لا نتقدّمك .
و أمّا باقي الناس فأخذوا البيعة منهم بالضرب بالعصا ، و من أهل بيته بإحراقهم لو لم يبايعوا ، فهم موضع قوله تعالى : . . . و غرّهم في دينهم ما كانوا يفترون 1 .
« ألا من دعا الى هذا الشعار فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه » و رواه المسعودي 2 : « من دعا إلى هذه الخصومة 3 فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه » ، قال ابن أبي الحديد : 4 كان شعار الخوارج أنّهم يحلقون وسط رؤوسهم ، و يبقى الشعر مستديرا حوله كالاكليل .
قلت : روى ( صفين نصر بن مزاحم ) 5 عن شيخ من حضر موت شهد صفين معه عليه السّلام قال : أرسل عليّ عليه السّلام إلى الناس : ان احملوا . فحملوا على راياتهم كلّ قوم بحيالهم ، فتجالدوا بالسيوف ، و عمل الحديد ، لا يسمع إلاّ صوت الحديد و مرّت الصلاة كلّها لم يصلّوا إلاّ تكبيرا ، حتى تفانوا ورق الناس فخرج رجل بين الصفين ، فقال : أخرج فيكم المحلقون ؟ قلنا : لا . قال : انّهم سيخرجون ، ألسنتهم أحلى من العسل و قلوبهم أمرّ من الصبر ، لهم حمة كحمة الحيات . ثم غاب الرجل و لم يعلم من هو .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) مسندا عن أبي قتادة ، قال : كنّا مع علي عليه السّلام في قتال أهل النهروان ، و كنّا ستين أو سبعين من الأنصار ، و كنت على الرجالة ، فلمّا رجعنا إلى المدينة دخلنا على عايشة ، فسألتنا عن مقدمنا
-----------
( 1 ) آل عمران : 24 .
-----------
( 2 ) المسعودي 2 : 402 .
-----------
( 3 ) في الأصل ( الحكومة ) .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 123 .
-----------
( 5 ) صفين لنصر بن مزاحم : 393 394 .
[ 353 ]
فأخبرناها بقتل الخوارج ، فقالت : ما كانوا يقولون ؟ قلت : يسبّون أمير المؤمنين و عثمان و أنت و يكفرونكم فلم نزل نقاتلهم و علي عليه السّلام بين أيدينا و تحته بغلة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، للّه أبوه وقف على بعض القتلى ، فقال : اقلبوهم فقلبناهم ، فاذا رجل أسود على كتفيه مثل حلمة الثدي ، فقال عليّ : اللّه أكبر و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو يقسّم غنائم حنين فجاء هذا ، فقال :
يا محمّد اعدل فو اللّه ما عدلت منذ اليوم . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : و من يعدل إذا لم أعدل ؟ فقام عمر فقال : دعني اضرب عنق هذا المنافق . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : دعه فإنّ له من يقتله ، سيخرج من ضئضىء هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فقالت عايشة لأبي قتادة : أنت رأيت هذا ؟ قال : نعم ، فقالت : فما يمنعني ما كان بيني و بين عليّ أن أقول الحق : صدق عليّ ، أنا سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « تفترق امتي فرقتين ،
يمرق بينهما فرقة محلقة رؤوسهم ، محفوفة شواربهم أزرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّ الخلق إلى اللّه و رسوله » . قال أبو قتادة ، فقلت لعايشة : فقد علمت هذا فلم كان إليه منك ما كان ؟ فقالت : و كان أمر اللّه قدرا مقدورا 1 .
و في ( الطبري ) 2 في قصة خروج المستورد أيام ولاية المغيرة على الكوفة من قبل معاوية ، و تهديد المغيرة الناس على ايوائهم و مساعدتهم :
فقام صعصعة بن صوحان رئيس الشيعة في قومه عبد القيس فخطبهم فقال :
معشر عباد اللّه ، إنّ اللّه و له الحمد كثيرا لما قسّم الفضل بن المسلمين خصّكم منه بأحسن القسم ، فأجبتم إلى دين اللّه الذي اختاره لنفسه و ارتضاه
-----------
( 1 ) الاحزاب : 38 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 185 .
[ 354 ]
لملائكته و رسله ، ثم أقمتم عليه حتى قبض اللّه رسوله ، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة و ارتدّت طائفة و ادهنت طائفة و تربّصت طائفة ، فلزمتم دين اللّه ايمانا به و برسوله و قاتلتم المرتدين حتى قام الدين و أهلك اللّه الظالمين ، فلم يزل اللّه يزيدكم بذلك خيرا في كلّ شيء و على كلّ حال ، حتى اختلفت الامّة بينها ، فقالت طائفة : نريد طلحة و الزبير و عايشة ، و قالت طائفة : نريد أهل المغرب ، و قالت طائفة نريد عبد اللّه بن وهب الراسبي ، و قلتم أنتم : لا نريد إلاّ أهل البيت الذين ابتدأنا اللّه من قبلهم بالكرامة تسديدا من اللّه لكم و توفيقا ، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به ، حتى أهلك اللّه بكم و بمن كان على مثل هداكم و رأيكم ، الناكثين يوم الجمل و المارقين يوم النهر و سكت عن أهل الشام لأنّ السلطان كان حينئذ سلطانهم و لا قوم أعدى للّه و لكم و لأهل بيت نبيّكم و لجماعة المسلمين ، من هذه المارقة الخاطئة ، الذين فارقوا إمامنا و استحلوا دماءنا و شهدوا علينا بالكفر فايّاكم أن تؤوهم في دوركم أو تكتموا عليهم ، فانّه ليس ينبغي لحيّ من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم ، و قد و اللّه ذكر لي أنّ بعضهم في جانب من الحي و أنا باحث عن ذلك ، فان كان حكي لي ذلك حقّا تقربت إلى اللّه تعالى بدمائهم ، يا معشر عبد القيس ، إنّ ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم و برأيكم ، فلا تجعلوا لكم عليهم سبيلا . . . .
و مراده بقوله لقومه : ان ولاتكم كالمغيرة أعرف الناس بكونهم شيعة ينتهزون الفرصة لقتلهم ، فلا يجعلوا لهم وسيلة بعدم جديتهم في المارقة مع انّهم أحق الناس بقتلهم لقولهم : بكفر إمامهم .
« و إنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن و يميتا ما أمات القرآن ، و احياؤه الاجتماع عليه و اماتته الافتراق عنه ، فان جرّنا القرآن إليهم اتبعناهم و إن جرّهم إلينا
[ 355 ]
اتبعونا » في ( الطبري ) 1 : كتب كاتب التحكيم : هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان ، قاضي علي عليه السّلام على أهل الكوفة و من معهم من شيعتهم من المؤمنين و المسلمين ، و قاضي معاوية على أهل الشام و من كان معهم من المؤمنين و المسلمين : انا ننزل عند حكم اللّه عز و جل و كتابه ،
و لا يجمع بيننا غيره ، و إنّ كتاب اللّه عز و جل بيننا من فاتحه إلى خاتمه نحي ما أحيا و نميت ما أمات ، فما وجد الحكمان و هما أبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري و عمرو بن العاص القرشي في كتاب اللّه عزّ و جلّ عملا به و ما لم يجدا في كتاب اللّه عز و جل ، فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة .
« فلم آت لا أبا لكم بجرا » في ( الصحاح ) : البجر بالضم الشر و الأمر العظيم .
« و لا ختلتكم » أي : خدعتكم .
« عن أمركم و لا لبسته » بالتخفيف و التشديد ، أي : عمّيته .
« عليكم ، إنما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين ، أخذنا عليهما ألا يتعديا القرآن » .
قوله عليه السّلام في العنوان الثاني :
« فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يجعجعا » من :
جعجع البعير ، إذا برك و استناخ .
« عند القرآن و لا يجاوزاه ، و تكون ألسنتهما معه و قلوبهما تبعه » أي : تبع القرآن . أفرد التبع ، لأنّه مصدر ، يقال : هو له تبع ، و هم له تبع .
قوله عليه السّلام فيهما : « فتاها عنه » أي : تحيّرا .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 53 .
[ 356 ]
« و تركا الحق و هما يبصرانه ، و كان الجور هواهما » في ( الطبري ) 1 : قال عمرو بن العاص لأبي موسى : أ أنت على أن نسمّي رجلا يلي أمر هذه الامّة ؟
فسمّ لي ، فإن أقدر على أن اتابعك فلك عليّ أن اتابعك و إلاّ فلي عليك أن تتابعني . قال أبو موسى : اسمّي لك عبد اللّه بن عمر و كان في من اعتزل و قال : انّي اسمّي لك معاوية . فلم يبرحا حتى استبّا ، ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى : إنّي وجدت مثل عمرو مثل الذي قال تعالى و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها 2 فلمّا سكت أبو موسى تكلّم عمرو ، فقال : أيها الناس إنّي وجدت مثل أبي موسى كمثل الذين قال تعالى : مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا 3 . و كتب كلّ منهما مثله الذي ضربه لصاحبه إلى الأمصار .
قلت : و صدق كلّ منهما في مثله لصاحبه ، كما صدقت اليهود و النصارى في قول كلّ منهما للآخر : و قالت اليهود ليست النصارى على شيء و قالت النصارى ليست اليهود على شيء .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) 4 بعد ذكر تسابهما : فتنادى الناس حكم و اللّه الحكمان بغير ما في كتاب اللّه ، و الشرط عليهما غير هذا .
هذا ، و قالوا : شكا أبو العيناء إلى محمّد بن سليمان من ابن المدبر تأخيره لأرزاقه ، فقال له : أنت اخترته . فقال : و ما عليّ و اختار موسى قومه سبعين رجلا 5 فما كان منهم رجل رشيد ، فأخذتهم الرجفة ، و اختار
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 58 .
-----------
( 2 ) الأعراف : 175 .
-----------
( 3 ) الجمعة : 5 .
-----------
( 4 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 190 .
-----------
( 5 ) الأعراف : 155 .
[ 357 ]
النبي صلّى اللّه عليه و آله ابن أبي سرح كاتبا ، فلحق بالمشركين ، و اختار علي بن أبي طالب عليه السّلام أبا موسى الأشعري حكما ، فحكم عليه .
و في ( أنساب البلاذري ) : أنّ أهل البصرة اجتمعوا أي : بعد موت يزيد فقلّدوا أمرهم النعمان بن صهيان الأزدي ، ثم الراسبي و رجلا من مضر ،
ليختاروا لهم رجلا يولونه عليهم ، فقالوا : من رضيتماه لنا فقد رضينا به .
و كان رأي المضري في بني اميّة ، و رأي النعمان في بني هاشم ، فقال النعمان للمضري : ما أرى أحدا أولى بهذا الأمر من فلان يعني : رجلا من بني امية قال : أو ذاك رأيك ؟ قال : نعم . قال : فقد قلدتك أمري و رضيت بمن رضيت به . ثم خرجا إلى الناس ، و قالوا لهما : ما صنعتما ؟ فقال المضري : رضيت بمن رضي به النعمان ، فمن سمّى فأنا راض به . فقال الناس للنعمان : ما تقول ؟ فقال : ما أرى أحدا غير عبد اللّه بن الحارث يعني به فقال المضري : ما هذا الذي سمّيت . فقال : إنّه لهو . فرضى الناس به فبايعوه .
قوله عليه السّلام في الأول : « فمضيا عليه » و في الثاني : « و الاعوجاج رأيهما » باحث هشام بن الحكم بعض المخالفين في الحكمين ، قال المخالف : كانا مريدين للإصلاح . فقال : بل غير مريدين له ، قال تعالى في حكمي الزوجين ان يريدا اصلاحا يوفق اللّه بينهما 1 ، فلما لم يوفق اللّه بينهما علمنا أنّهما لم يريدا الاصلاح .
قوله عليه السّلام فيهما « و قد سبق استثناؤنا » هكذا قال المصنف في العنوانين ،
و الصواب : ( استيثاقنا ) كما عرفته من الطبري 2 و لما يأتي .
« عليهما في الحكومة بالعدل و الصمد » بالتسكين أي : القصد .
-----------
( 1 ) النساء : 35 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 85 .
[ 358 ]
« للحق » في الأول .
« في الحكم بالعدل و العمل بالحق » في الثاني .
« سوء رأيهما و جور حكمهما » السوء و الجور مفعولان ل ( سبق ) ، و الفاعل ( استيثاقنا ) ، و مما يدل على كون ( استثنائنا ) محرّف ( استيثاقنا ) أنّ نصر بن مزاحم 1 روى كتاب العهد عن زيد بن حسن هكذا : « و على الحكمين عهد اللّه و ميثاقه أن لا يألوا اجتهادا ، و لا يعتمدا جورا ، و لا يدخلا في شبهة ، و لا يعدوا حكم الكتاب و سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله ، فان لم يفعلا برئت الذمة من حكمهما ، و لا عهد لهما و لا ذمة » .
قوله عليه السّلام في الثاني : « و الثقة في أيدينا لأنفسنا ، حين خالفا سبيل الحق ،
و أتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم » في ( خلفاء ابن قتيبة ) 2 : لما خدع عمرو أبا موسى و تشاتما ، و انصرف عمرو إلى معاوية و لحق أبو موسى بمكة ،
و انصرف القوم إلى علي عليه السّلام قال عدي له عليه السّلام : أما و اللّه لقد قدّمت القرآن ،
و أخّرت الرجال ، و جعلت الحكم للّه . فقال عليّ عليه السّلام : أما إنّي قد أخبرتكم أنّ هذا يكون بالأمس ، و جهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عليّ إلى ان قال فقال علي عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام : قم فتكلّم في أمر هذين الرجلين . فقام فقال :
أيها الناس قد أكثرتم في أمر أبي موسى و عمرو ، إنّما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى ، فحكما بالهوى دون القرآن ، فمن كان هكذا لم يكن حكما ، و لكنّه محكوم عليه ، و قد كان من خطأ أبي موسى أن جعله لعبد اللّه بن عمر ، فأخطأ في ثلاث خصال : خالف أباه عمر ، إذ لم يرضه لها و لم يره أهلا لها ، و كان أبوه أعلم به من غيره ، و لا أدخله في الشورى إلاّ على الاشيء له فيها ، شرطا
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 505 .
-----------
( 2 ) الخلفاء لابن قتيبة : 138 .
[ 359 ]
مشروطا من عمر على أهل الشورى ، فهذه واحدة ، و ثانية : لم يجمع عليه المهاجرون و الأنصار الذين يعقدون الإمامة و يحكمون على الناس ، و ثالثة : لم يستأمر الرجل في نفسه ، و لا علم ما عنده من ردّ أو قبول .
قلت : ذكره عليه السّلام الخطأ الثاني عدم قبول المهاجرين و الأنصار إنّما كان جدلا ، و إلاّ فيدلّ كتابه عليه السّلام إلى معاوية أيام بيعة الناس له أنّ أهل البيت عليهم السّلام هم خيرة اللّه ، و انّه لا خيرة للناس المهاجرين و الأنصار و غيرهما .
و لقد صدّق خطأه الأول و الثاني ابن عمر نفسه ، ففي ( الخلفاء ) 1 : انّ ابن عمر لمّا بلغه ما فعل أبو موسى كتب إليه : فانّك تقرّبت إليّ بأمر لم تعلم هواي فيه ، أ كنت تظنّ أنّي أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه أبي عمر ؟ أو كنت تراني أ تقدّم على عليّ عليه السّلام ؟ إلى أن قال ثم أعظم من ذلك : خديعة عمرو إياك إلى أن قال إنّ أبا موسى كتب في جوابه : و أما خديعة عمرو فو اللّه ما ضرّ بخديعته عليّا و لا نفع معاوية ، و قد كان الشرط ما اجتمعنا عليه ، لا ما اختلفنا فيه .
و فيه 2 ، و في ( العقد ) 3 : أنّه عليه السّلام أمر ابن عباس أن يتكلّم في الحكمين بعد الحسن عليه السّلام ، فقام و قال : أيّها الناس إنّ للحقّ أهلا أصابوه بالتوفيق ،
و الناس بين راض به و راغب عنه ، و إنّما بعث أبو موسى بهدى إلى ضلالة ،
و بعث عمرو بضلالة إلى هدى ، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه ، و مضى عمرو بضلاله إلى أن قال و قال عليّ عليه السّلام لعبد اللّه بن جعفر : قم فتكلم . فقام و قال : أيها الناس ، إنّ هذا الأمر كان النظر فيه لعليّ عليه السّلام و الرضا فيه إلى غيره ،
جئتم بأبي موسى مبرنسا ، فقلتم : قد رضينا هذا فارض به ، و ايم اللّه ما استفدنا به علما ، و لا انتظرنا منه غائبا ، و ما نعرفه صاحبا ، و ايم اللّه ما أصلحا
-----------
( 1 ) الخلفاء لابن قتيبة : 138 .
-----------
( 2 ) الخلفاء لابن قتيبة : 138 .
-----------
( 3 ) العقد الفريد 5 : 98 .
[ 360 ]
بما فعلا الشام ، و لا أفسدا العراق ، و لا أماتا حقّ عليّ ، و لا أحييا باطل معاوية ،
و لا يذهب الحق رقية راق ، و لا نفخة شيطان ، و نحن اليوم على ما كنّا عليه أمس .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد 1 عن أبي عبيدة ، قال : أمر بلال بن أبي بردة و كان قاضيا بتفريق بين رجل و امرأته ، فقال الرجل : يا آل أبي موسى ، إنّما خلقكم اللّه للتفريق بين المسلمين .
و بعث 2 عبد الملك روح بن زنباع ، و بلال بن أبي بردة بن أبي موسى إلى زفر بن الحارث الكلابي بكلام ، و حذرهما من كيده و خصّ بالتحذير روحا ،
فقال له : انّ أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبي ، علام تخوّفني الخداع و الكيد . فغضب بلال و ضحك عبد الملك .
و كتب معاوية إلى عمرو بن العاص و هو على مصر و قد قبضها بالشرط الذي اشترط معاوية : أمّا بعد فإنّ سؤّال أهل الحجاز ، و زوّار أهل العراق كثروا عليّ ، و ليس عندي فضل عن أعطيات الحجاز ، فأعنّي بخراج مصر هذه السنة . فكتب إليه عمرو : أن تدركك نفس شحيحة ، فما مصر إلاّ كالهباء في التراب ، و ما نلتها عفوا و لكن شرطتها ، و قد دارت الحرب العوان على قطب ، و لو لا دفاعي الأشعري و رهطه لألفيتها ترغو كراغية السّقب ثم كتب في ظاهر الكتاب :
معاوي حظي لا تغفل
و عن سنن الحق لا تعدل
أتنسى مخادعة الأشعري
و ما كان في دومة الجندل
ألين فيطمع في غرتي
و سهمي قد خاض في المقتل
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 10 : 56 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 10 : 57 .
[ 361 ]
المظه عسلا باردا
و اخبا من تحته الحنظل
و أعليته المنبر المشمخر
كرجع الحسام إلى المفصل
فأضحى لصاحبه خالعا
كخلع النعال من الأرجل
و أثبتّها فيك موروثة
ثبوت الخواتيم في الأنمل
وهبت لغيري وزن الجبال
و أعطيتني زنة الخردل
و أنّ عليّا غدا خصمنا
سيحتج باللّه و المرسل
و ما دم عثمان منج لنا
و ليس عن الحق من مرجل
فلمّا بلغ الجواب إلى معاوية لم يعاوده في شيء من أمر مصر بعدها 1 .
قلت : و في ( العقد ) 2 : كان رجل يحدّث بأخبار بني إسرائيل ، فقال له الحجاج ابن خيثمة : ما كان اسم بقرة بني إسرائيل ؟ قال : خيثمة . فقال له رجل من ولد أبي موسى : أين وجدت هذا ؟ قال في كتاب عمرو بن العاص .
و فيه : بعث بلال بن أبي بردة في ابن أبي علقمة الممرور ، فلمّا أتى قال :
أتدري لم بعثت إليك ؟ قال : لا . قال : بعثت إليك لأضحك منك . فقال له الممرور :
لقد ضحك أحد الحكمين من صاحبه عرّض له بجده أبي موسى ، و ضحك عمرو من خداعه له فغضب عليه بلال ، و أمر به إلى الحبس ، فكلّمه الناس و قالوا : إنّ المجنون لا يعاقب و لا يحاسب . فأمر بإطلاقه و أن يؤتى به إليه ،
فاتي به يوم السبت ، و في كمّه طرائف اتحف بها في الحبس ، فقال له بلال :
ناولني من هذا الذي في كمّك . قال : هو يوم سبت ليس يعطى فيه و لا يؤخذ .
عرّض به بعمة كانت له من اليهود .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 10 : 56 .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 4 : 130 .
[ 362 ]