3

الخطبة ( 123 ) و من كلام له عليه السّلام في التّحكيم :

إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ اَلرِّجَالَ وَ إِنَّمَا حَكَّمْنَا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ وَ هَذَا ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ وَ إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ وَ لَمَّا دَعَانَا اَلْقَوْمُ إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ لَمْ نَكُنِ اَلْفَرِيقَ اَلْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَ ؟ اَلرَّسُولِ ؟ 14 22 4 : 59 1 فَرَدُّهُ إِلَى اَللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ وَ رَدُّهُ إِلَى ؟ اَلرَّسُولِ ؟ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اَللَّهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ اَلنَّاسِ بِهِ وَ إِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ فَنَحْنُ أَوْلاَهُمْ بِهِ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي اَلتَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ اَلْجَاهِلُ وَ يَتَثَبَّتَ اَلْعَالِمُ وَ لَعَلَّ اَللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ اَلْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ لاَ تُؤْخَذَ بِأَكْظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ اَلْحَقِّ وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ اَلْغَيِّ إِنَّ أَفْضَلَ اَلنَّاسِ عِنْدَ اَللَّهِ مَنْ كَانَ اَلْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ إِنْ نَقَصَهُ وَ كَرَثَهُ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ إِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَ زَادَهُ أَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ اِسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ اَلْحَقِّ لاَ يُبْصِرُونَهُ وَ مُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لاَ يَعْدِلُونَ بِهِ جُفَاةٍ عَنِ اَلْكِتَابِ نُكُبٍ عَنِ اَلطَّرِيقِ مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا وَ لاَ زَوَافِرَ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ اَلْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَ يَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اَلنِّدَاءِ وَ لاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ اَلنَّجَاءِ

-----------
( 1 ) النساء : 59 .

[ 363 ]

أقول : العنوان مأخوذ من كلامه عليه السّلام في ثلاثة مواضع ، فمن أوله إلى قوله : « و تنقاد لأول الغي » كلامه عليه السّلام مع الخوارج ، رواه الطبري 1 و ( إرشاد المفيد ) 2 إلى قوله : « و لعل اللّه أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الامة » ، و من قوله : « إنّ أفضل الناس عند اللّه إلى و إن جرّ إليه فائدة و زاده » نصحه لعمرو بن العاص في حكميته ، رواه الطبري 3 مع زيادات ، ففيه : قال أبو مخنف : قال النضر بن صالح العبسي : كنت مع شريح بن هاني في غزوة سجستان ،

فحدّثني أنّ عليّا عليه السّلام أو صاه بكلمات إلى عمرو بن العاص ، قال : قل له : إنّ عليّا يقول لك « إنّ أفضل الناس عند اللّه عز و جل : من كان العمل بالحق أحبّ إليه و ان نقصه و كرثه من الباطل و ان حن إليه و زاده . و اللّه يا عمرو انّك لتعلم أين موضع الحق ، فلم تجاهل إن اوتيت طمعا يسيرا كنت به للّه و أوليائه عدوّا ،

فكان و اللّه ما اوتيت قد زال عنك ؟ ويحك ف لا تكن للخائنين خصيما 4 و لا للظالمين ظهيرا أما إنّي أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم ، و هو يوم وفاتك ، تمنّى انّك لم تظهر للمسلم عداوة ، و لم تأخذ على حكم رشوة » قال شريح : فبلغته ذلك فتمعر وجهه ، ثم قال : متى كنت أقبل مشورة عليّ ، أو أنتهي إلى أمره ، أو أعتد برأيه ؟ فقلت له : و ما يمنعك يابن النابغة أن تقبل من مولاك و سيد المسلمين بعد نبيّهم مشورته ، فقد كان من هو خير منك أبو بكر و عمر يستشيرانه و يعملان برأيه ؟ فقال : إنّ مثلي لا يكلّم مثلك . فقلت له : و بأي أبويك ترغب عني ، أبأبيك الوشيظ ، أم بامّك النابغة ؟

و من قوله : « استعدوا للمسير . . . » حث لأصحابه لقتال معاوية بعد قتل

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 50 51 .

-----------
( 2 ) الارشاد للمفيد : 271 ، مؤسسة آل البيت عليهم السّلام .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 69 .

-----------
( 4 ) النساء : 105 .

[ 364 ]

أهل النهروان ، رواه الطبري 1 أيضا ، ففيه : قال زيد بن وهب : إنّ عليّا عليه السّلام قال للناس و هو أوّل كلام قاله لهم بعد النهر : « أيّها الناس استعدوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القربة إلى اللّه ، و درك الوسيلة عنده ، حيارى في الحق ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان و يكبون في غمرة الضلال ف أعدوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل 2 ، و توكلوا على اللّه و كفى باللّه وكيلا 3 و كفى باللّه نصيرا 4 » قال زيد : فلا نفروا و لا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا ، دعا رؤساءهم و وجوههم فسألهم عن رأيهم ، فمنهم المعتل و منهم المكره و أقلّهم من نشط ، فقام فيهم خطيبا فقال : عباد اللّه ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة 5 ، و بالذل و الهوان من العزّ ؟ أو كلّما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنّكم من الموت في سكرة ، و كأنّ قلوبكم مالوسة فأنتم لا تعقلون ، و كأنّ أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون ؟ للّه أنتم ما أنتم الاّ اسود الشّرى في الدّعة ، و ثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، ما أنتم بركب يصال بكم ، و لا ذي عز يعتصم إليه ، لعمر اللّه لبئس حشّاش الحرب أنتم تكادون و لا تكيدون ، و ينتقص أطرافكم و لا تتحاشون ، و لا ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون ، إنّ أخا الحرب اليقظان ،

و بات لذل من وادع ، و غلب المتخاذلون ، و المغلوب مقهور و مسلوب .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 90 .

-----------
( 2 ) الأنفال : 60 .

-----------
( 3 ) النساء : 81 .

-----------
( 4 ) النساء : 45 .

-----------
( 5 ) التوبة : 38 .

[ 365 ]

كما أنّ الصدر رواه الطبري 1 أيضا مع زيادة و نقصان ، ففيه : خرج عليّ عليه السّلام إلى الخوارج و قال : اللّهم إنّ هذا مقام من أفلح فيه كان أولى بالفلح يوم القيامة ، و من نطف فيه أو عسف فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلا 2 . ثم قال عليه السّلام لهم : من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . فقال : فما أخرجكم علينا ؟ قالوا : حكومتكم يوم صفين . قال : أنشدكم باللّه أ تعلمون انّهم حيث رفعوا المصاحف ، فقلتم : نجيبهم إلى كتاب اللّه ، قلت لكم : « إنّي أعلم بالقوم منكم إنّهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي صحبتهم و عرفتهم أطفالا و رجالا ، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال ، امضوا على حقّكم و صدقكم ، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهنا و مكيدة » فرددتم عليّ رأيي و قلتم : لا بل نقبل منهم . فقلت لكم : « اذكروا قولي لكم و معصيتكم إياي » فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين : أنّ يحييا ما أحيا القرآن ، و أن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن ،

و إن أبيا فنحن من حكمهما براء . قالوا له : فخبّرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟ فقال : إنّا لسنا حكّمنا الرجال ، إنّما حكّمنا القرآن ، و هذا القرآن إنّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق ، إنّما يتكلم به الرجال . قالوا : فخبّرنا عن الأجل ، لم جعلته في ما بينك و بينهم ؟ قال : ليعلم الجاهل و يتثبت العالم ، و لعلّ اللّه عز و جل يصلح في هذه الهدنة هذه الامة . ادخلوا مصركم رحمكم اللّه .

فدخلوا من عند آخرهم .

و حيث إنّ الكلام كلّه خطاب و عتاب للخوارج ، و لأحد الحكمين و للناس بعد قتلهم ، جمع المصنف بينها و جعلها تحت عنوان واحد ، كما هو دأبه .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 65 66 .

-----------
( 2 ) الاسراء : 72 .

[ 366 ]

« و من كلام له عليه السّلام في التحكيم » هكذا في ( المصرية ) 1 و ( ابن ميثم ) 2 و ( الخطية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد ) 3 « و من كلام له عليه السّلام في الخوارج لما أنكروا تحكيم الرجال ، و يذمّ فيه أصحابه في التحكيم » . و لا بدّ انّه حاشية خلطه ابن أبي الحديد نفسه أو كاتب نسخته بالمتن .

قوله عليه السّلام : « إنّا لم نحكم الرجال » . . . ان الحكم إلاّ للّه . . . 4 .

« و إنّما حكمنا القرآن » كلام اللّه و كتابه .

« و هذا القرآن إنّما هو خط مستور » هكذا في ( المصرية ) 5 و هو غلط و الصواب : ( مسطور ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 6 و غيرهما .

« بين الدفتين » قال ابن أبي الحديد 7 : دفتا المصحف : جانباه اللذان يكتنفانه ، و كان الناس يعملانها قديما من خشب ، و يعملونها الآن من جلد .

قلت : و في ( الجمهرة ) الدف : صفحة الجنب .

« لا ينطق بلسان و لا بد له من ترجمان » ذكره ( الصحاح ) في : رجم ،

و ( القاموس ) في : ترجم ، و قال : الفعل منه ترجمه يدل على اصالة التاء ،

و الترجمان كعنفوان و زعفران مفسّر اللسان . و ذكره كتاب لغة في الأفعال ،

في الرباعي أيضا .

« و إنّما ينطق عنه الرجال » فالحاكم في الحقيقة هو ، لا الرجال ، كالمترجم عن القاضي .

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 2 : 7 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 124 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 103 .

-----------
( 4 ) الأنعام : 57 .

-----------
( 5 ) الطبعة المصرية 2 : 7 .

-----------
( 6 ) شرح ابن ميثم 3 : 126 .

-----------
( 7 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 104 .

[ 367 ]

« و لما دعانا القوم الى أن نحكم بيننا القرآن » و ان كانت دعوتهم مجرّد لفظ .

« لم نكن الفريق المتولي على » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عن ) كما في ( ابن ميثم ) 1 و غيره .

« كتاب اللّه » لأنّه عليه السّلام أوّل من آمن باللّه ، فكيف يعقل توليه عن كتابه ؟ « و قد قال اللّه سبحانه : فان تنازعتم في شي‏ء فردوه الى اللّه و الرسول و الآية في سورة النساء ، و قبلها : يا أيها الذين آمنوا اطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و اولي الأمر منكم . و بعدها : ان كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر . . . 2 .

« فرده الى اللّه أن نحكم بكتابه و رده الى الرسول ان نحكم بسنته » بيان للمراد من الآية .

« فإذا حكم بالصدق في كتاب اللّه » لا كما حكم الحكمان .

« فنحن أحقّ الناس به ، و إن حكم بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنحن أولاهم به » إلاّ انّهم أرادوا المكيدة ، لا الكتاب أرادوا و لا السنّة .

و في ( العقد ) 3 : قالوا : إنّ عليّا عليه السّلام لما اختلف عليه أهل النهروان و أصحاب البرانس ، و نزلوا قرية يقال لها حرورا ، رجع إليهم فقال : يا هؤلاء من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . قال : فليبرز اليّ . فخرج إليه ابن الكواء ، فقال عليه السّلام له :

ما الذي أخرجكم بعد رضاكم بالحكمين ؟ قال : قاتلت بنا عدوا لا نشكّ في جهاده ، فزعمت أنّ قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار ، فبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقا و حكّمت كافرا ، و كان من شكك في أمر اللّه أن قلت للقوم حين

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 126 .

-----------
( 2 ) النساء : 59 .

-----------
( 3 ) العقد الفريد 5 : 99 .

[ 368 ]

دعوتهم : « كتاب اللّه بيني و بينكم ، فإن قضى عليّ بايعتكم ، و إن قضى عليكم بايعتموني » فلو لا شكك لم تفعل هذا و الحق في يدك . فقال عليه السّلام : يا ابن الكواء إنّما الجواب بعد الفراغ ، أفرغت ؟ قال : نعم . قال : أمّا قتالك معي عدوا لا نشكّ في جهاده فصدقت ، و لو شككت فيهم لم اقاتلهم ، و أمّا قتلاهم و قتلانا ، فقد قال اللّه في ذلك ما يستغنى به عن قولي ، و أمّا إرسالي المنافق و تحكيمي الكافر ، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا و معاوية حكّم عمرا ، أتيت بأبي موسى مبرنسا فقلت : « لا نرضى إلاّ أبا موسى » فهلا قام اليّ رجل منكم ، فقال : لا نعطي هذه الدنية فإنّها ضلالة ؟ و أمّا قولي لمعاوية : إن جرني إليك كتاب اللّه تبعتك و إن جرّك اليّ تبعتني ، زعمت أنّي لم أعط ذلك إلاّ من شك ، فحدّثني ويحك عن اليهود و النصارى و مشركي العرب . أهم أقرب إلى كتاب اللّه أم معاوية و أهل الشام ؟ قال : بل معاوية و أهل الشام . قال : افالنبي صلّى اللّه عليه و آله كان أوثق بما في يده من كتاب اللّه أو أنا ؟ قال : بل النبي . قال : أفرأيت اللّه تعالى حين يقول قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما اتبعه ان كنتم صادقين 1 اما كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يعلم أنّه لا يؤتى بكتاب هو أهدى فيما في يديه ؟ قال : بلى . قال : فلم أعطى النبي صلّى اللّه عليه و آله القوم ما أعطاهم ؟ قال : انصافا و حجّة . قال : فإنّي أعطيت القوم ما أعطاهم النبي صلّى اللّه عليه و آله . قال ابن الكواء : هذه واحدة ، زدني . قال : فما أعظم ما نقمتم عليّ ؟ قال : تحكيم الحكمين ، نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكا .

قال عليّ عليه السّلام : فمتى سمّي أبو موسى حكما ، حين ارسل أو حين حكم ؟ قال :

حين ارسل . قال : أ ليس قد سار و هو مسلم ، و أنت ترجو أن يحكم بما أنزل اللّه ؟

قال : نعم . قال : فلا أرى الضلال في إرساله . فقال ابن الكواء : سمّي حكما حين حكم . قال : نعم ، إذن فارساله كان عدلا ، أرأيت يابن الكواء لو أنّ النبي بعث

-----------
( 1 ) القصص : 49 .

[ 369 ]

مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب اللّه ، فارتد على عقبه كافرا كان يضرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله شيئا ؟ قال : لا . قال عليه السّلام : فما كان ذنبي أن كان أبو موسى ضلّ ؟ هل رضيت حكومته حين حكم أو قوله إذا قال ؟ قال : لا ، و لكنك جعلت مسلما و كافرا يحكمان في كتاب اللّه . قال عليه السّلام : ويلك يابن الكواء هل بعث عمرا غير معاوية ؟ و كيف احكمه و حكمه على ضرب عنقي ؟ إنّما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك ، و قد يجتمع المؤمن و الكافر يحكمان في أمر اللّه ،

أ رأيت لو أنّ رجلا مؤمنا تزوج يهودية أو نصرانية ، فخافا شقاق بينهما ،

فضرع الناس إلى كتاب اللّه و في كتابه : فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها 1 ، فجاء رجل من اليهود أو النصارى و رجل من المسلمين ، اليسا اللذين لهما أن يحكما كما في كتاب اللّه فحكما ؟ قال ابن الكواء : و هذه أيضا ،

أمهلنا حتى ننظر . . .

و لابن أبي الحديد هنا كلام رث لم نتعرّض له .

« و أمّا قولكم لم جعلت بينكم و بينهم أجلا في التحكيم ؟ فإنّما فعلت ذلك ليتبين الجاهل و يتثبّت العالم ، و لعلّ اللّه أن يصلح في هذه الهدنة » أي : المصالحة و المتاركة .

« أمر هذه الامة » كما في صلح الحديبية .

« و لا تؤخذ باكظامها » جمع الكظم ، أي : مخرج النفس ، يقال : أخذت بكظمه .

« فتعجل عن تبين الحق و تنقاد لأوّل الغي » إن لم يكن أجل في البين .

« إنّ أفضل الناس عند اللّه من كان العمل بالحق أحبّ إليه و ان نقصه و كرثه » في ( الجمهرة ) : كرثني هذا الأمر كرثا : إذا ثقل عليك .

« من الباطل » متعلق بقوله : « احب » .

-----------
( 1 ) النساء : 35 .

[ 370 ]

« و إن جرّ إليه فائدة و زاده » قد عرفت أنّ قوله عليه السّلام : « إنّ أفضل الناس . . . » كلامه عليه السّلام لعمرو بن العاص ، قال عليه السّلام ذلك لأنّه لازم الايمان ، فالحق و ان نقص و كرث في الدنيا يزيد في الآخرة و يسر ، و الباطل و إن جرّ فائدة في الدنيا إلاّ أنّه خسران في الآخرة .

« أين » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( فأين ) كما في الثلاثة ، ثم قد عرفت أنّه من هنا عتاب لأصحابه في تركهم معاودة قتال معاوية .

« يتاه بكم » أي : في أيّ مكان تذهبون متحيّرين ؟

« من » هكذا في ( المصرية ) 2 و الصواب : ( و من ) كما في الثلاثة .

« أين أتيتم » أتاكم الشيطان ، أو أتاكم الخصم حتى صرتم هكذا بلا حمية .

« استعدوا للمسير في قوم » هكذا في ( المصرية ) 3 ، و الصواب : ( إلى قوم ) كما في ( ابن ميثم ) و غيره .

« حيارى عن الحقّ لا يبصرونه » أي : معاوية و أهل الشام .

« و موزعين بالجور » أي : مغرون به . أوزعته بالشي‏ء ، أي : أغريته . و قول ابن أبي الحديد 4 « أي ملهمون » غلط ، فلا معنى للالهام هنا ، كما في قوله تعالى . . . أوزعني ان أشكر نعمتك . . . 5 .

« جفاة » أي : مرتفعين .

« عن الكتاب » الذي أنزله تعالى .

« نكب » أي : عادلين .

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 2 : 8 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 2 : 8 .

-----------
( 3 ) الطبعة المصرية 2 : 9 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 8 : 106 107 .

-----------
( 5 ) النمل : 19 .

[ 371 ]

« عن الطريق » إلى اللّه تعالى .

« ما أنتم بوثيقة » أي : عروة محكمة .

« يعلق بها » فيحصل فيكم الانفصام .

« و لا زوافر » أي : أعمدة و أسباب التقوّي ، قال الحطيئة :

فان تك ذا عز حديث فإنّهم
ذوو إرث مجد لم تخنه زوافره

« عزّ يعتصم إليها » فيقدح فيكم الانهدام « لبئس حشاش » أي : موقدو :

« نار الحرب أنتم . افّ لكم » و الافّ : إظهار تضجر ، و في ( الجمهرة ) : قال أبو زيد في قولهم : اف و تف : الافّ الأظفار ، و التفّ : وسخ الأظفار .

« لقد لقيت منكم برحا » أي : شدّة شديدة ، قال جران العود :

الاقي الخنا و البرح من امّ جابر
و ما كنت ألقى من رزينة أبرح

و في ( الجمهرة ) : إذا أصاب الرامي قالوا : مرحى . و إذا أخطأ قالوا : برحى .

« يوما اناديكم و يوما اناجيكم ، فلا أحرار صدق عند النداء » أي : للحرب .

« و لا إخوان ثقة عند النجاء » مصدر ( ناجى ) كالمناجاة ، أي : لكشف المعضلات و دفع المحذورات .