4

الخطبة ( 120 ) و من كلام له عليه السّلام قاله للخوارج و قد خرج إلى معسكرهم و هم مقيمون على إنكار الحكومة ، فقال عليه السّلام :

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا ؟ صِفِّينَ ؟ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ ؟ صِفِّينَ ؟ فِرْقَةً وَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا

[ 372 ]

فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ بِكَلاَمِهِ وَ نَادَى اَلنَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ اَلْكَلاَمِ وَ أَنْصِتُوا لِقَوْلِي وَ أَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ ع بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ مِنْهُ أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ اَلْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَ غِيلَةً وَ مَكْراً وَ خَدِيعَةً إِخْوَانُنَا وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا اِسْتَقَالُونَا وَ اِسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ اَلْقَبُولُ مِنْهُمْ وَ اَلتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَ بَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَ اِلْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وَ عَضُّوا عَلَى اَلْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ وَ لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وَ إِنْ تُرِكَ ذَلَّ وَ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ اَلْفَعْلَةُ وَ قَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا وَ لاَ حَمَّلَنِي اَللَّهُ ذَنْبَهَا وَ وَ اَللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ اَلَّذِي يُتَّبَعُ وَ إِنَّ اَلْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ وَ إِنَّ اَلْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى اَلْآباءِ وَ اَلْأَبْنَاءِ وَ اَلْإِخْوَانِ وَ اَلْقَرَابَاتِ فَلاَ نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَ شِدَّةٍ إِلاَّ إِيمَاناً وَ مُضِيّاً عَلَى اَلْحَقِّ وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ اَلْجِرَاحِ وَ لَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي اَلْإِسْلاَمِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ اَلزَّيْغِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ وَ اَلشُّبْهَةِ وَ اَلتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اَللَّهُ بِهِ شَعَثَنَا وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى اَلْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَ أَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا قول المصنّف : « و من كلام له عليه السّلام قاله » ليس ( قاله ) في نسخة ابن ميثم 1 .

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 118 .

[ 373 ]

« للخوارج و قد خرج الى معسكرهم » أي : محل عسكرهم .

« و هم مقيمون على انكار الحكومة » ليست هذه الجملة في نسخة ابن ميثم 1 .

في ( تاريخ اليعقوبي ) 2 : صارت الخوارج إلى قرية يقال لها حروراء ،

و بينها و بين الكوفة نصف فرسخ ، و بها سمّوا الحرورية ، و رئيسهم عبد اللّه بن وهب الراسبي و ابن الكواء و شبث بن ربعي ، فجعلوا يقولون : لا حكم إلاّ للّه .

فلمّا بلغ عليّا عليه السّلام ذلك قال : كلمة حقّ اريد بها باطل . ثم خرجوا في ثمانية آلاف و قيل في اثني عشر ألفا فوجّه عليه السّلام إليهم ابن عباس ، فكلّمهم و احتجّوا عليه ،

فخرج إليهم عليّ عليه السّلام فقال : افتشهدون عليّ بجهل ؟ قالوا : لا . قال : فتنفذون أحكامي ؟ قالوا : نعم . قال : ارجعوا إلى كوفتكم حتى نتناظر . فرجعوا من عند آخرهم ، ثمّ جعلوا يقومون فيقولون : لا حكم إلاّ للّه . فيقول عليه السّلام : حكم اللّه أنتظر فيكم .

« فقال عليه السّلام » ليست الكلمة في نسخة ابن ميثم 3 ، و عليها يكون ( أكلكم . . . ) الخ مبتدأ لقوله : « و من كلام له » و لا يرد على المصنف ما يأتي على نقل غيره .

« أ كلّكم شهد معنا صفين ؟ قالوا : منّا من شهد و منّا من لم يشهد . قال :

فامتازوا فرقتين ، فليكن من شهد صفين فرقة ، و من لم يشهدها » و في نسخة ابن ميثم 4 : « و من لم يشهد » .

« فرقة حتى اكلّم كلاّ » و زاد ابن أبي الحديد : « منكم » .

« بكلامه . و نادى الناس فقال : أمسكوا عن الكلام و أنصتوا » أي : اسكتوا .

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 118 .

-----------
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 191 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 118 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 118 .

[ 374 ]

« و اقبلوا بأفئدتكم إليّ ، فمن نشدناه شهادة » ليست الكلمة في نسخة ابن ميثم 1 .

« فليقل بعلمه فيها . ثم كلّمهم عليه السّلام بكلام طويل منه » هكذا في ( المصرية ) 2 و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم ) 4 : « ثم كلّمهم عليه السّلام بكلام طويل من جملته أن قال » .

و كيف كان ، ففي ( تاريخ اليعقوبي ) 5 بعد ما مرّ : و خرجت الحرورية من الكوفة ، فوثبوا على ابن خباب فقتلوه ، فخرج عليّ عليه السّلام إليهم ، و قال لابن عباس : قل لهم : ما نقمتم على أمير المؤمنين ؟ ألم يحكم فيكم بالحق ، و يقم فيكم العدل ، و لم يبخسكم شيئا من حقوقكم ؟ فناداهم ابن عباس بذلك ، فقالت طائفة منهم : و اللّه لا نجيبه . و قالت الأخرى : و اللّه لنجيبنّه ثم لنخصمنّه ، نعم يا بن عباس ، نقمنا عليه خصالا كلّها موبقة ، و لو لم نخصمه إلاّ بخصلة خصمناه : محا اسمه من إمرة المؤمنين يوم كتب إلى معاوية ، و رجعنا عنه يوم صفين فلم يضربنا بسيفه حتى نفي‏ء إلى أمر اللّه ، و حكّم الحكمين ،

و زعم أنّه وصيّ فضيع الوصية ، و جئتنا يابن عباس في حلّة حسنة جميلة تدعونا إلى مثل ما يدعونا إليه . فقال بن عباس له عليه السّلام : قد سمعت مقالة القوم و أنت أحقّ بالجواب . فقال عليه السّلام : حججتهم و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة ،

قل لهم : ألستم راضين بما في كتاب اللّه و بما فيه من اسوة رسول اللّه ؟ قالوا :

بلى . فقال عليه السّلام : كتب كاتب النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم الحديبية إذ كتب إلى سهيل بن

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 118 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 2 : 2 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 297 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 118 .

-----------
( 5 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 191 192 .

[ 375 ]

عمرو و صخر بن حرب و من قبلهما من المشركين : « من محمّد رسول اللّه » فكتبوا إليه : « لو علمنا انّك رسول اللّه ما قاتلناك ، فاكتب إلينا : من محمّد بن عبد اللّه لنجيبك » . فمحا النبي صلّى اللّه عليه و آله اسمه بيده و قال : إنّ اسمي و اسم أبي لا يذهبان بنبوّتي . فكتب : « من محمّد بن عبد اللّه » . ففي برسول اللّه اسوة حسنة . و أمّا قولكم : إنّي لم أضربكم بسيفي حتى تفيئوا إلى أمر اللّه ، فإنّ اللّه عز و جل يقول : و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة 1 ، كنتم عددا جمّا و أهل بيتي في عدة يسيرة . و أمّا قولكم : إنّي حكمت الحكمين ، فإنّ اللّه عزّ و جل حكم في أرنب يباع بربع درهم فقال : يحكم به ذوا عدل منكم 2 و لو حكم الحكمان بما في كتاب اللّه لما وسعني الخروج من حكمهما . و أمّا قولكم :

إنّي كنت وصيا فضيعت الوصيّة ، فإنّ اللّه عز و جل يقول : و للّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا و من كفر فإنّ اللّه غنيّ عن العالمين 3 . أ فرأيتم هذا البيت لو لم يحجّ إليه أحد كان البيت يكفر ، أم لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر ؟ و أنتم كفرتم بترككم إياي ، لا أنا كفرت بتركي لكم . فرجع منهم ألفان .

قوله عليه السّلام : « أ لم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة و غيلة » من : « أرضعته غيلة » ، أي : على حبل ، و هو مفسد للصبي ، يقال : الارضاع غيلة كالقتل غيلة .

« و مكرا و خديعة » كلّها مفعول له لقوله : « رفعهم » .

« إخواننا » مقول قولهم .

« و أهل دعوتنا استقالونا » من القتال .

-----------
( 1 ) البقرة : 195 .

-----------
( 2 ) المائدة : 95 .

-----------
( 3 ) آل عمران : 97 .

[ 376 ]

« و استراحوا الى كتاب اللّه سبحانه ، فالرأي القبول منهم و التنفيس » أي :

الترفيه .

« عنهم . فقلت لكم : هذا أمر ظاهره ايمان و باطنه عدوان ، و أوّله رحمة و آخره عداوة ، فأقيموا على شأنكم و الزموا طريقتكم » في ( الطبري ) 1 في حرب يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك أيام يزيد بن عبد الملك : دعا ابن المهلب رؤوس أصحابه ، فقال لهم : قد رأيت أن أجمع اثني عشر ألف رجل ، فأبعثهم مع محمّد أخي حتى يبيّتوا مسلمة ، و يحملوا معهم البراذع و الأكف و الزبل ،

لدفن خنادقهم فنقاتلهم على خندقهم بقية ليلتهم ، فاذا أصبحت نهضت إليهم بالناس فنناجزهم . قال السميدع : إنّا قد دعوناهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه ، و قد زعموا أنّهم قابلوا هذا منّا ، فليس لنا ان نمكر و لا نغدر و لا نريدهم بسوء ، حتى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه ، فقال لهم يزيد بن المهلب : ويحكم أتصدقون بني اميّة أنّهم يعملون بالكتاب و السنّة ، و قد منعوا ذلك منذ كانوا أنّهم أرادوا أن يكفوكم عنهم حتى يعملوا في المكر ؟ إنّي قد لقيت بني مروان ،

و ما لقيت رجلا هو أمكر من هذه الجرادة الصفراء يعني : مسيلمة . فقالوا : لا نرى أن نفعل ذلك حتى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه منّا . . . .

« و عضّوا على الجهاد بنواجذكم » النواجذ أربعة في أقصى الأسنان بعد الأرحاء .

« و لا تلتفتوا الى ناعق نعق » أي : لا تكونوا كالأغنام ، يقال : نعق الراعي بغنمه . بالكسر أي : صاح بها .

قال الأخطل لجرير :

أنعق بضأنك يا جرير فإنّما
منّتك نفسك في الخلاء ضلالا

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 6 : 593 .

[ 377 ]

« إن اجيب أضلّ » فنعق أهل الشام صار سببا لضلال الخوارج .

« و إن ترك ذلّ » فلو كانوا لم يمشوا بنعقهم ، لصاروا ذليلين و اسراء مقهورين .

« و قد كانت هذه الفعلة ، و قد رأيتكم أعطيتموها ، و اللّه لئن أبيتها ما وجبت عليّ فريضتها و لا حملني اللّه ذنبها ، و و اللّه إن جئتها إنّي للمحقّ الذي يتّبع ، و إنّ الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته » هذه الفقرات كلّها من قوله : « و قد كانت » إلى هنا ،

ليس منها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) أثر و لا إشارة بوجودها في نسخة أو رواية ، و نسختهما هي الصحيحة ، لا سيما الثاني الذي نسخته بخط المصنّف ، فالظّاهر أنّ بعضهم رأى هذا الكلام زائدا في كلامه عليه السّلام في موضع آخر ، فنقله حاشية ، فخلط بالمتن .

و لقد وقفت في كلامه عليه السّلام على ما يناسبه ، ففي ( الطبري ) 1 قال عليه السّلام للناس بعد التحكيم : قد فعلتم فعلة ضعضعت قوّة ، و اسقطت منّة ، و أورثت و هنا و ذلّة ، و لما كنتم الأعلين و خاف عدوكم الاجتياح ، و استحر بهم القتل و وجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف و دعوكم إلى ما فيها ليفتئوكم عنهم ،

و يقطعوا الحرب في ما بينكم و بينهم ، و يتربصون ريب المنون خديعة و مكرا ،

فأعطيتموهم ما سألوا ، و أبيتم إلاّ أن تدهنوا و تخوروا ، و ايم اللّه ما أظنّكم بعدها توافقون رشدا ، و لا تصيبون باب حزم .

« فلقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنّ القتل ليدور على » هكذا في ( المصرية ) 2 ،

و الصواب : ( بين ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 3 و الخطية ) .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 40 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 2 : 3 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 119 .

[ 378 ]

« الآباء و الأبناء و الاخوان و القرابات ، فلا نزداد على كلّ مصيبة و شدّة إلاّ إيمانا و مضيّا على الحق ، و تسليما للأمر ، و صبرا على مضض » أي : ألم .

« الجراح » مرّ في فصل النبوّة نظير هذا الكلام من قوله : « و لقد » من العنوان ( 55 ) : « و من كلام له عليه السّلام : و لقد كنّا مع رسول اللّه نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيمانا و تسليما و مضيا على اللقم ،

و صبرا على مضض الألم ، و جدا على جهاد العدو ، و لقد كان الرجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين ، يتخالسان أنفسهما : أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون ؟ فمرّة لنا من عدوّنا و مرة لعدوّنا ، فلمّا رأى اللّه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت ، و أنزل علينا النصر ، حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه و متبوّءا أو طانه ، و لعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، و لا أخضرّ للإيمان عود » .

مرّ ثمة أنّ نصر بن مزاحم 1 روى : أنّه عليه السّلام قال ذلك الكلام يوم صفّين ،

حين أقرّ الناس بالصلح ، فالظاهر أنّ الأصل فيهما واحد .

و كيف كان فقول ابن أبي الحديد : « إنّ قوله عليه السّلام : و لقد كنّا . . . غير مربوط بسابقه ، و إنّما نقله الرضي على حسب عادته » في غير محله ، فربطه بسابقه و هو قوله : « و عضوا على الجهاد بنواجذكم إلى و إن ترك ذل » على نقله واضح ، و المراد حثّ أصحابه على التأسّي بأصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله في ثباتهم .

« و لكنّا إنّما أصبحنا نقاتل اخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ و الاعوجاج و الشبهة و التأويل ، فاذا طمعنا في خصلة يلم اللّه به شعثنا ، و نتدانى بها إلى البقية في ما بيننا ، رغبنا فيها ، و أمسكنا عمّا سواها » قال ابن أبي الحديد 2 : هذا

-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 520 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 299 .

[ 379 ]

الكلام من قوله : « و لكننا » مخالف في الظاهر للفصل الأول ، لأنّ الأول فيه إنكار الإجابة للتحكيم و هذا يتضمن تصويبها ، و ظاهر الحال أنّه بعد كلام طويل و قد قال المصنف في أوّل الفصل : إنّه من جملة كلام طويل و أنّه لما ذكر التحكيم قال ما كان يقوله دائما ، و هو : إنّي إنّما حكمت على أن نعمل في هذه الوقعة بحكم الكتاب ، و إنّي كنت احارب قوما ادخلوا في الاسلام زيفا ،

و أحدثوا به اعوجاجا ، فلما دعوني إلى تحكيم الكتاب أمسكت عن قتلهم و أبقيت عليهم ، لأنّي طمعت في أمر يلم اللّه به شعث المسلمين .

قلت : بل الظاهر أنّه حرّف عن موضعه ، و أنّه كان مقول قول الخوارج في أوّل الأمر ، لما حملوه عليه السّلام على التحكيم بعد قولهم في أوّل الفصل : « اخواننا و أهل دعوتنا استقالونا و استراحوا إلى كتاب اللّه سبحانه ، فالرأي القبول منهم و التنفيس عنهم » كما لا يخفى ، و إلاّ فكيف يقول عليه السّلام : أصبحنا نقاتل إخواننا في الاسلام » ؟ و كيف يقول عليه السّلام في أول كلامه : « إنّ رفعهم المصاحف إنّما كان حيلة و غيلة و مكرا و خديعة » ، و يقول في آخر كلامه : « فاذا طمعنا في خصلة يلمّ اللّه به شعثنا . . . » ؟

و إنّما كان عليه السّلام يقول للخوارج : إنّي و ان كنت كارها للتحكيم ، إلاّ أنّه لما أكرهتموني ، عليه صرفته إلى المشروع بقبول حكم الحكم إذا كان من كتاب اللّه ، و عقد بذلك عهد يجب الجري عليه ، حتى نرى ما يحكم الحكمان .

و كيف يقول عليه السّلام : معاوية و عمرو بن العاص و أهل الشام اخواننا في الإسلام ، و طمعنا منهم في خصلة يلم اللّه به شعثنا ؟ و يقول صاحبه عمّار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص : و اللّه انّ هذه الراية قد قاتلتها ثلاث مرات ،

و ما هذه بأرشدهنّ . ثم قال :

نحن ضربناكم على تنزيله
فاليوم نضربكم على تأويله

[ 380 ]

ضربا يزيل الهام عن مقيله
أو يرجع الحقّ إلى سبيله