
6
الخطبة ( 40 ) و من كلام له عليه السّلام في الخوارج لما سمع قولهم : « لا حكم إلاّ للّه » قال عليه السّلام :
كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا اَلْبَاطِلُ نَعَمْ إِنَّهُ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ وَ لَكِنَّ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ لاَ إِمْرَةَ إِلاَّ لِلَّهِ وَ إِنَّهُ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 403 404 .
[ 398 ]
اَلْمُؤْمِنُ وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا اَلْكَافِرُ وَ يُبَلِّغُ اَللَّهُ فِيهَا اَلْأَجَلَ وَ يُجْمَعُ بِهِ اَلْفَيْءُ وَ يُقَاتَلُ بِهِ اَلْعَدُوُّ وَ تَأْمَنُ بِهِ اَلسُّبُلُ وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ اَلْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ ع لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ حُكْمَ اَللَّهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ وَ قَالَ أَمَّا اَلْإِمْرَةُ اَلْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا اَلتَّقِيُّ وَ أَمَّا اَلْإِمْرَةُ اَلْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا اَلشَّقِيُّ إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ و الحكمة ( 198 ) و قال عليه السّلام لمّا سمع قول الخوارج :
كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ و الحكمة ( 332 ) و قال ع : اَلسُّلْطَانُ وَزَعَةُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ أقول : العنوان الثاني جزء من العنوان الأول ، فهو من تكرار غفل عنه المصنف .
ثمّ في العنوان الأول روايات ، إحداها ما في ( أنساب البلاذري ) عن روح بن عبد المؤمن ، عن ابي الوليد الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق عن عاصم : إنّ حرورية على عهد عليّ عليه السّلام قالوا : « لا حكم إلاّ للّه » فقال عليّ : « إنّه كذلك ، و لكنهم يقولون : لا إمرة . و لا بد للناس من أمير ، برّ أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، و يستمتع الكافر ، و يبلغ الكتاب أجله » .
و روى ايضا عن عبد اللّه بن صالح ، عن يحيى بن آدم ، عن رجل ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : بعث عليّ عليه السّلام عبد اللّه بن عباس إلى الحرورية إلى أن
[ 399 ]
قال ثم خرجوا فتوافوا بالنهروان ، و أقبلوا يحكمون ، فقال علي عليه السّلام : « إنّ هؤلاء يقولون : لا إمرة . و لا بد من أمير يعمل في إمرته المؤمن ، و يستمتع الفاجر ، و يبلغ الكتاب الأجل ، و إنّها لكلمة حق يعتزون بها الباطل ، فإن تكلّموا حججناهم ، و إن سكتوا غممناهم » .
و روى عن بكر بن الهيثم عن أبي الحكم العبدي عن معمر عن الزهري في خبر : فاذا صلّى علي عليه السّلام و خطب حكموا ، فيقول عليّ عليه السّلام : كلمة حق يعتزون بها باطل .
و روى عن عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن أبي مخنف ، عن ابن أبي جرة الحنفي : أنّ عليّا عليه السّلام خرج ذات يوم فخطب ، فإنّه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال عليّ عليه السّلام : كلمة حق يعزى بها أو قال : يراد بها باطل نعم إنّه لا حكم إلاّ للّه ، و لكنّهم يقولون : إنّه لا إمرة . و لا بدّ من أمير يعمل في إمرته المؤمن ، و يستمتع الفاجر ، فإن سكتوا تركناهم أو قال :
عذرناهم و إن تكلّموا حججناهم ، و إن خرجوا علينا قاتلناهم .
قول المصنف في الأوّل « و من كلام له عليه السّلام في الخوارج » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم ) 3 : « في معنى الخوارج » .
« لما سمع قولهم : لا حكم إلاّ للّه » في ( كامل المبرد ) 4 : قيل : إنّ أول من حكم من الخوارج عروة بن أدية : و قيل : بل سعيد ، رجل من بني محارب بن خصفة بن قيس عيلان . و قيل : بل الحجاج بن عبد اللّه المعروف بالبرك ، و هو
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 87 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 307 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 101 .
-----------
( 4 ) الكامل للمبرد 2 : 159 160 .
[ 400 ]
الذي ضرب معاوية على أليته . و أول من حكم بين الصفّين رجل من بني يشكر ، قتل رجلا من أصحابه عليه السّلام غيلة ، ثم مرق بين الصفين و حكم ، و حمل على أهل الشام ، فكثروه فرجع ، و حمل على أصحابه عليه السّلام ، فخرج إليه رجل من همدان فقتله ، فقال شاعر همدان :
و ما كان أغنى اليشكري عن التي
تصلى بها جمرا من النار حاميا
« قال عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) 1 ، و ليس في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) كلمة : « عليه السّلام » ، و في ( ابن ميثم ) : « فقال » .
و كيف كان فكلمة : « قال » أو « فقال » زائدة بعد قوله : « و من كلام له عليه السّلام » .
قوله عليه السّلام في العنوانين : « كلمة حق » أي : قولهم « لا حكم إلاّ للّه » ، ورد في القرآن كرارا ، قال تعالى : . . . إن الحكم الاّ للّه أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه . . . 4 . . . إن الحكم إلاّ للّه عليه توكلت . . . 5 . . . إن الحكم إلاّ للّه يقص الحق و هو خير الفاصلين 6 .
« يراد بها الباطل » هكذا في ( المصرية ) في الأول ، و الصواب : ( باطل ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ، و كما في الثاني ، و لأنّ المراد ( باطل ) مخصوص كالحق و لأنّ مستنده بلفظ ( باطل ) ، فروى الطبري 7 أنّه عليه السّلام خرج ذات يوم يخطب إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال عليّ عليه السّلام : اللّه
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 87 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 307 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 101 .
-----------
( 4 ) يوسف : 40 .
-----------
( 5 ) يوسف : 67 .
-----------
( 6 ) الأنعام : 57 .
-----------
( 7 ) تاريخ الطبري 5 : 72 .
[ 401 ]
أكبر ، كلمة حق يراد بها باطل ، إن سكتوا عممناهم ، و إن تكلّموا حججناهم ، و ان خرجوا علينا قاتلناهم . فوثب يزيد بن عاصم المحاربي ، و قال : اللّهم إنّا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا إلى أن قال ثم خرج هو و إخوة له ثلاثة ،
فاصيبوا مع الخوارج بالنهر ، و اصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة .
و روى الخطيب 1 في أبي قتادة الأنصاري عنه : أنّه لما فرغنا من قتال أهل النهروان قفلت ، و معي ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأت بعايشة فقالت : قصّ عليّ القصة . فقلت : تفرّقت المحكمة و هم نحو من اثني عشر الفا ينادون : لا حكم إلاّ للّه ، فقال عليّ عليه السّلام : كلمة حق يراد بها باطل إلى أن قال فقالت عايشة : ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحق : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « تفترق امّتي على فرقتين ، تمرق بينهما فرقة محلّقة رؤوسهم ، محفّون شواربهم ، ازرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم ،
يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبهم إلى اللّه تعالى » . فقلت لعايشة : فأنت تعلمين هذا ، فلم الذي كان منك ؟ قالت : يا أبا قتادة ، كان أمر اللّه قدرا مقدروا ، و للقدر أسباب .
و روى في عبيد اللّه بن أبي رافع عنه : أنّ الحرورية لمّا خرجت فقالت : « لا حكم إلاّ للّه » قال عليّ عليه السّلام : كلمة حق يراد بها باطل ، إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله وصف لي ناسا ، إنّي لأعرف صفتهم في هؤلاء ، يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا و أشار إلى حلقه و هم من أبغض خلق اللّه إليه و فيهم أسود إحدى يديه كأنّها طبي شاة أو حلمة ثدي . فلما قتلهم قال : انظروا . فنظروا فلم يجدوا شيئا ، فقال :
ارجعوا فو اللّه ما كذبت و لا كذبت مرتين أو ثلاثا . فوجدوه في خربة .
ثمّ إنّ المصنف إنّما قال : « إنّه عليه السّلام قال قوله : ( كلمة حقّ يراد بها باطل ) لمّا سمع قول الخوارج : ( لا حكم إلاّ للّه ) » مع أنّه لم ينحصر به ، فقاله عليه السّلام لما دعا
-----------
( 1 ) الخطيب 1 : 159 160 .
[ 402 ]
أهل الشام أصحابه إلى حكم القرآن ، ففي ( صفين نصر ) 1 : لما رفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى حكم القرآن ، قال عليّ عليه السّلام عباد اللّه أنا أحقّ من أجاب إلى كتاب اللّه ، و لكنّ معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي أعرف بهم منكم ،
صحبتهم أطفالا و صحبتهم رجالا ، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال ، إنّها كلمة حق يراد بها باطل ، إنّهم و اللّه ما رفعوها لكم إلاّ خديعة و مكيدة ، أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة ف ، قد بلغ الحق مقطعه و لم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا . فجاءته زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد ، شاكي السلاح ، سيوفهم على عواتقهم ، و قد أسودت وجوههم من السجود ، فنادوه باسمه : أجب القوم إلى كتاب اللّه إذا دعيت إليه ، و إلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان .
هذا ، و في ( كامل المبرد ) 2 : خطب الحجاج ، فلمّا توسّط كلامه سمع تكبيرا عاليا من ناحية السوق ، فقطع خطبته ثمّ قال : يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق ، يا بني اللكيعة ، و عبيد العصا ، و بني الإماء ، إنّي لأسمع تكبيرا ما يراد به اللّه ، و إنّما يراد به الشيطان .
هذا ، و قالوا : إنّ علي بن هارون المنجم كانت له جارية صفراء و كان معجبا بها ، فصار مريضا فراجع الطبيب ، فقال له : غلبك الصّفراء . فقال :
جسّ الطبيب يدي و قال مخبّرا :
هذا الفتى أودت به الصفراء
فعجبت منه اذ أصاب و ما درى قولا و ظاهر ما أراد خطاء و قريب منه قول الوزير المهلبي :
و قالوا للطبيب : أشر فإنّا
نعدّك للعظيم من الامور
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 489 .
-----------
( 2 ) الكامل للمبرد 1 : 222 .
[ 403 ]
فقال : شفاؤه الرمّان مما
تضمّنه حشاه من السعير
فقلت لهم : أصاب بغير قصد
و لكن ذاك رمان الصدور
« نعم إنّه لا حكم إلاّ للّه » فهو كلمة حق ، و كلام صدق .
« و لكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلاّ للّه » لم أقف على من روى أنّه عليه السّلام قال : إنّ الخوارج أرادوا بقولهم : « لا حكم إلاّ للّه » : « لا إمرة إلاّ للّه » سوى المبرّد في ( كامله ) 1 مرفوعا ، و تبعه ابن عبد ربه في ( عقده ) ، فقال الأوّل : لما سمع عليّ عليه السّلام نداءهم : لا حكم إلاّ للّه . قال : كلمة عادلة يراد بها جور ، إنّما يقولون : لا إمارة ، و لا بدّ من إمارة برّة أو فاجرة .
و قال الثاني : لمّا سمع عليّ عليه السّلام نداءهم قال : كلمة حق يراد بها باطل ،
و إنّما مذهبهم ألاّ يكون أمير ، و لا بدّ من أمير ، برّا كان أو فاجرا .
و مرّ أيضا عن البلاذري .
و الذي رواه غيرهم و معلوم بالدراية أنّهم أرادوا بقولهم : « لا حكم إلاّ للّه » عدم صحّة حكمية أبي موسى و عمرو بن العاص ، لا عدم إمارة أمير ، ففي ( المروج ) 2 قال يحيى بن معين : حدّثنا وهب بن جابر ، عن الصلت بن بهرام قال : لما قدم عليّ عليه السّلام الكوفة جعلت الحرورية تناديه و هو على المنبر : جزعت من البلية ، و رضيت بالقضية ، و قبلت الدنية ، لا حكم إلاّ للّه . فيقول عليه السّلام : « حكم اللّه أنتظر فيكم » . فيقولون : و لقد اوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين 3 .
و في ( صفين نصر ) 4 عن شقيق بن سلمة : أنّ الأشعث خرج في الناس
-----------
( 1 ) الكامل للمبرد 2 : 172 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 2 : 406 .
-----------
( 3 ) الزمر : 65 .
-----------
( 4 ) صفين لنصر بن مزاحم : 512 .
[ 404 ]
بكتاب الصلح يعرضه على الناس ، و يمرّ به على صفوف أهل الشام فرضوا به ، ثم مرّ به على صفوف أهل العراق و راياتهم ، حتى مرّ برايات عنزة و كان معه عليه السّلام منهم بصفّين أربعة آلاف مجفف فلمّا مرّ بهم الأشعث فقرأه عليهم ،
قال فتيان منهم : لا حكم إلاّ للّه . ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما حتى قتلا على باب رواق معاوية ، و هما أوّل من حكم ، و كانا أخوين ، ثم مرّ الأشعث بالصحيفة على مراد ، فقال صالح بن شقيق و كان من رؤسائهم :
ما لعليّ في الدماء قد حكم
لو قاتل الأحزاب يوما ما ظلم
لا حكم إلاّ للّه و لو كره المشركون . ثم مرّ على رايات بني راسب فقرأها عليهم ، فقالوا : لا حكم إلاّ للّه ، لا نرضى و لا نحكّم الرجال في دين اللّه . ثم مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم ، فقال رجل منهم : لا حكم إلاّ للّه ، تقضي بالحق و أنت خير الفاصلين . و خرج عروة بن أديه أخو مرداس ، فقال : أتحكّمون الرجال في أمر اللّه ، لا حكم إلاّ للّه ، فأين قتلانا يا أشعث ؟ ثم شدّ بسيفه ليضرب به الأشعث فأخطأه ، فانطلق إلى عليّ عليه السّلام فقال له : قد عرضت الحكومة عليهم فقالوا جميعا : قد رضينا ، حتى مررت برايات بني راسب ، و نبذ سواهم ، قالوا :
لا نرضى إلاّ حكم اللّه . قال : دعهم . فما راعه إلاّ نداء الناس من كلّ جهة : لا حكم إلاّ للّه لا لك يا عليّ ، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين اللّه ، إنّ اللّه قد أمضى حكمه في معاوية و أصحابه : أن يقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم ، و قد كانت زلّة منّا حين رضينا بالحكمين ، فرجعنا و تبنا ، فارجع أنت كما رجعنا ، و إلاّ برئنا منك . فقال عليه السّلام : و يحكم أبعد الرضا و العهد نرجع ؟ أو ليس اللّه تعالى قال : أوفوا بالعقود 1 ، و قال : و أوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم و لا تنقضوا
-----------
( 1 ) المائدة : 1 .
[ 405 ]
الايمان بعد توكيدها و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا إنّ اللّه يعلم ما تفعلون 1 .
فأبى عليّ عليه السّلام أن يرجع ، و أبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم .
مع أنّ نصب الناس أميرا لهم أمر فطري للبشر لا ينكره أحد : مبتدع و غيره ، و كيف ، و الخوارج أنفسهم من أوّلهم إلى آخرهم كانوا يجعلون امراء لأنفسهم حتى يجمع كلمتهم ؟
ففي ( الطبري ) 2 : أنّ عليّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة ، لقيت الخوارج بعضها بعضا ، فقال عبد اللّه بن وهب الراسبي : اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها 3 . فقال حمزة بن سنان الأسدي : الرأي ما رأيتم ، فولوا أمركم رجلا منكم ، فإنّه لا بدّ لكم من عماد و سناد و راية تحفون بها ، فبايعوا عبد اللّه بن 4 وهب و سار إلى النهروان ، فقالوا : إن هلك ولّينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير . و أمّا خوارج البصرة فاجتمعوا في خمسمائة رجل ، و جعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي ، و أقبل يعترض الناس و على مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني حتى لحق عبد اللّه بالنهر .
« و إنّه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن و يستمتع فيها الكافر و يبلغ اللّه فيها الأجل و يجمع به الفيء و يقاتل به العدو و تأمن به السبيل و يؤخذ به للضعيف من القوي » هذا كلام في نفسه صحيح ، و كيف لا ، و به قوام الدنيا و نظام العالم و مقتضى الحكمة ؟ فلعلّه عليه السّلام كان هذا الكلام منه عليه السّلام ، مع كلامه في الخوارج مذكورين في كتاب متواليين ، فحصل الخلط بينهما ،
و الأصل في الخلط المتقدم ، و تبعه من تأخّر ، و يستأنس لكونهما غير
-----------
( 1 ) النحل : 91 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 74 .
-----------
( 3 ) النساء : 75 .
[ 406 ]
مربوطين قوله في الرواية الثانية : « إنّه عليه السّلام لما سمع تحكيمهم قال : حكم اللّه أنتظر فيكم . و قال : إمّا الإمرة البرّة فيعمل فيها التقي . . . » .
و كيف كان ، ففي ( صفين نصر ) 1 قال عليّ عليه السّلام لنرسا الذي أسند أهل السواد أمرهم إليه : أخبرني عن ملوك فارس ، كم كانوا ؟ قال : كانت ملوكهم في هذه المملكة الأخيرة اثنين و ثلاثين ملكا . قال : فكيف كانت سيرتهم ؟ قال : ما زلت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة حتى ملكنا كسرى بن هرمز ، فاستأثر بالمال و الأعمال ، و خالف أولينا ، و أخرب الذي للناس و عمر الذي له ، و استخفّ بالناس فأوغر نفوس فارس حتى ثاروا إليه فقتلوه . فقال عليه السّلام : يا نرسا إنّ اللّه تعالى خلق الخلق بالحق و لا يرضى من أحد إلاّ بالحق ، و في سلطان اللّه تذكرة مما خول اللّه ، و إنّها لا تقوم مملكة إلاّ بتدبير ، و لا بد من امارة . . . .
و عنه عليه السّلام : أسد خطوم خير من سلطان ظلوم ، و سلطان ظلوم خير من فتن تدوم .
و عن الصادق عليه السّلام في قصة إبراهيم عليه السّلام : لما خرج سائرا بجميع ما معه خرج الملك القبطي يمشي خلف إبراهيم عليه السّلام اعظاما له ، فأوحى اللّه تعالى :
ألاّ تمش قدام الجبار المتسلّط و امش خلفه ، و عظّمه و هيّبه ، و لا بد للناس من إمرة في الأرض ، برّة أو فاجرة .
و عن ابن مقفع : السلطان و ما للناس من كثرة المنافع و كثرة المضار ،
كالشمس في النهار ، و فساد الرعية بلا سلطان ، كفاسد الجسم بلا روح .
و قال الافوه الأودي :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
و لا سراة إذا جهّالهم سادوا
تهد الامور بأهل الرأي ما صلحت
فان تولت فبالأشرار تنقاد
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 14 .
[ 407 ]
و البيت لا يبتني إلاّ له عمد
و لا عماد إذا لم ترش أوتاد
فإن تجمع أوتاد و أعمدة
فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
هذا ، و في ( المروج ) 1 عن يحيى بن أكثم : دخل بعض الصوفية على المأمون فقال له : هذا المجلس الذي قد جلسته : أ باجتماع من المسلمين عليك ،
أم بالمغالبة لهم بسلطانك ؟ قال : لا بأحدهما ، و إنّما كان يتولى أمر المسلمين سلطان قبلي أحمده المسلمون ، إمّا على رضا و إمّا على كره ، فعقد لي و لآخر معي ولاية هذا الأمر بعده في أعناق من حضر ، فأعطوا ذلك إمّا طائعين أو كارهين ، فمضى الذي عقد له معي ، فلما صار إلي علمت أنّي أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها على الرضا ، ثم نظرت فرأيت أنّي متى تخلّيت عن المسلمين ، اضطرب حبل الاسلام و انتقضت أطرافه ،
و غلب الهرج و الفتنة و وقع التنازع ، فتعطلت أحكام اللّه سبحانه ، و لم يحجّ أحد بيته و لم يجاهد في سبيله و لم يكن له سلطان يجمعهم و يسوسهم ، و انقطعت السبل و لم يؤخذ لمظلوم من ظالم ، فقمت بهذا الأمر حياطة للمسلمين و مجاهدا لعدوّهم ، و ضابطا لسبلهم ، و آخذا على أيديهم إلى أن يجتمع المسلمون على رجل ، تتفق كلمتهم عليه على الرضا به فاسلّم الأمر إليه و أكون كرجل من المسلمين ، و أنت أيها الرجل رسولي إلى جماعة المسلمين ،
فمتى اجتمعوا على رجل و رضوا به خرجت إليه من هذا الأمر . فقال ذاك الرجل : السلام عليكم . و قام فذهب ، فبعث المأمون في أثره فانتهى الرسول إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلا مثله ، فقالوا له : لقيته ؟ قال : نعم ، ذكر أنّه ناظر في امور المسلمين إلى أن تأمن سبلهم و لا يعطل الأحكام ، فإذا رضي المسلمون برجل يسلم الأمر إليه . فقالوا : ما نرى بهذا بأسا . فقال المأمون :
كفينا مؤنتهم بأيسر الخطب .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 4 : 19 20 .
[ 408 ]
« حتى يستريح بر » عن المدائني : قدم قادم على معاوية فقال له : من مغربة خبر ؟ قال : نعم ، نزلت بماء من مياه الأعراب ، فبينا أنا عليه إذ أورد أعرابي إبله ، فلمّا شربت ضرب على جنوبها و قال : عليك زيادا . فقلت له : ما أردت بهذا ؟ قال : هي سدى ما قام لي بها راع مذ ولى زياد .
« و يستراح من فاجر » عن الشعبي 1 : قال الحجاج : دلّوني على رجل للشرط : دائم العبوس ، طويل الجلوس ، سمين الأمانة ، أعجف الخيانة ، لا يحنق في الحق على جره ، يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة . فقيل له : عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي . فأرسل إليه فقال له : لست أقبلها إلاّ أن تكفيني ولدك و حاشيتك . قال : يا غلام ناد في الناس : من طلب إليه من لدي و حاشيتي حاجة فقد برئت منه الذمة . قال الشعبي : فو اللّه ما رأيت صاحب شرطة قطّ مثله ، كان لا يحبس إلاّ في دين ، و كان إذا اتى برجل قد نقب على قوم وضع منقبة في بطنه حتى يخرج من ظهره ، و إذا اتي بنبّاش حفر له قبرا فدفنه فيه ،
و إذا اتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده ، و إذا اتي برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه ، و إذا اتي برجل يشكّ فيه ضربه ثلاثمائة سوط . قال الشعبي : فكان ربما أقام اربعين ليلة لا يؤتى باحد ، فضمّ إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة .
قول المصنف : « و في رواية اخرى أنّه عليه السّلام لمّا سمع تحكيمهم قال : حكم اللّه انتظر فيكم » قد عرفت أنّ المسعودي 2 رواه عن الصلت بن بهرام ، و رواه الطبري 3 عن أبي كريب باسناده قال : جعل عليّ عليه السّلام يقلب بيديه يقول هكذا
-----------
( 1 ) العقد الفريد 1 : 16 .
-----------
( 2 ) المسعودي 2 : 395 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 74 .
[ 409 ]
و هو على المنبر ، فقال : حكم اللّه عزّ و جلّ ينتظر فيكم مرّتين ان لكم عندنا ثلاثا لا نمنعكم : صلاة في هذا المسجد . . .
و رواه ابن ديزيل في ( صفينه ) ، هكذا قال : لمّا رجع عليّ عليه السّلام من صفّين إلى الكوفة خرجوا إلى صحراء بالكوفة تسمى حروراء ، فنادوا : لا حكم إلاّ للّه و لو كره المشركون ، ألا إنّ عليا و معاوية اشركا في حكم اللّه . فأرسل عليّ عليه السّلام إليهم : ما هذا الذي احدثتم ، و ما تريدون ؟ قالوا : نريد أن نخرج نحن و انت و من كان منا بصفين ثلاث ليال ، و نتوب إلى اللّه من أمر الحكمين ، ثم نسير إلى معاوية فنقاتله حتى يحكم اللّه بيننا و بينه ، فقال عليّ عليه السّلام : هذا حيث بعثنا الحكمين و اخذنا منهم العهد و أعطيناهموه ، هلا قلتم هذا قبل ؟ قالوا : كنا قد طالت الحرب علينا و اشتد البأس و كثر الجراح و حلا الكراع و السلاح . فقال لهم : افحين اشتد البأس عليكم عاهدتم ، فلمّا وجدتم الحمام قلتم : ننقض العهد ،
ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يفي للمشركين ، أفتأمرونني بنقضه ؟ فمكثوا مكانهم لا يزال الواحد منهم يرجع إلى عليّ عليه السّلام ، و لا يزال الآخر يخرج من عند عليّ عليه السّلام ،
فدخل واحد منهم عليه بالمسجد و الناس حوله فصاح : لا حكم إلاّ للّه و لو كره المشركون ، فتلفت الناس فنادى : لا حكم إلاّ للّه و لو كره المتلفتون . فرفع عليّ عليه السّلام رأسه إليه فقال : لا اله إلاّ اللّه و لو كره أبو حسن . فقال : ان أبا حسن لا يكره أن يكون الحكم إلاّ للّه . ثم قال : حكم اللّه أنتظر فيكم .
« و قال » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) 1 و لكن في ( ابن ميثم ) 2 :
« ثم قال » .
« أمّا الامرة البرّة فيعمل فيها التّقي ، و أمّا الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشّقي
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 87 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 101 .
[ 410 ]
إلى أن تنقطع مدته و تدركه منيته » قد عرفت خلو رواية المسعودي و الطبري و ابن ديزيل عن هذه الفقرات ، ثم ان كان لقوله : « و لكن هؤلاء يقولون : لا إمرة الا للّه . . . » في الرواية الاولى ربط لفظي بقوله : « كلمة حق يراد بها باطل » فهنا ليس للفقرات ربط لفظي أيضا بقوله : « حكم اللّه انتظر فيكم » كما لا يخفى . نعم هي في نفسها صحيحة كما عرفت .
و في ( صفين نصر ) 1 : لمّا أراد عمرو اللحوق بمعاوية قال لغلامه وردان : أرحل أحط يا وردان ؟ فقال له وردان : ان شئت انبأتك بما في نفسك :
اعتركت الدنيا و الآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه الآخرة في غير دنيا ، و في الآخرة عوض الدنيا ، و معاوية معه الدنيا بغير آخرة ، و ليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال عمرو : ما أخطأت ، فما ترى ؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، و إن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك . فقال عمرو : الان و قد شهدت العرب مسيري إلى معاوية ؟
فارتحل .
ثم الغريب أنّ ابن أبي الحديد 2 قال بعد ذكر : العنوان « هذا نصّ صريح منه عليه السّلام بان الإمامة واجبة . . . » فإنّه ليس فيه تلويح إلى ما قال ، فضلا عن تصريح ، فإنّ كلامه عليه السّلام في الإمارة الدنيوية ، سواء كان الناس أهل دين أو غير أهل دين .
قوله عليه السّلام في الثالث : « السلطان وزعة اللّه في أرضه » هو نظير قوله عليه السّلام :
« لا بد للناس من أمير » فقالوا : لا بد للناس من وزعة ، أي : من يكف أهل الفساد عنهم . و في ( الجمهرة ) : الوازع : الذي يتقدم الصف في الحرب فيصلحه ، و يرد
-----------
( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 35 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 307 308 .
[ 411 ]
المتقدم إلى مركزه . و يسمى الكلب وازعا لأنّه يكف الذئب عن الغنم .
و في ( النهاية ) : الوزعة : جمع الوازع .
و في ( عيون القتيبي ) 1 قال كسرى : لا ننزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء :
سلطان قاهر ، و قاض عادل ، و سوق قائمة ، و طبيب عالم ، و نهر جار .
و مثل 2 مضار السلطان في جنب منافعه ، مثل الغيث الذي هو سقيا اللّه و بركات السماء و حياة الأرض و من عليها ، و قد يتأذّى به السفر و يتداعى له البنيان .
هذا ، و كسر المغيرة أنف رجل أغلظ لأبي بكر و أدماه ، فقال عمر لأبي بكر كما في ( النهاية ) 3 : اقص هذا من هذا بأنفه . فقال : أنا لا اقص من وزعة اللّه فأمسك .
قلت : هو نظير عمله مع خالد بن الوليد لمّا قتل مالك بن نويرة ظلما ، فقال له عمر : اقد من خالد . فقال : لا أغمد سيفا سلّه اللّه .