9

الكتاب ( 77 ) و من وصيّة له عليه السّلام لعبد اللّه بن العباس لمّا بعثه للاحتجاج إلى الخوارج :

لاَ تُخَاصِمْهُمْ ؟ بِالْقُرْآنِ ؟ فَإِنَّ ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَ يَقُولُونَ

[ 420 ]

وَ لَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً قول المصنف : « و من وصيّته له عليه السّلام لعبد اللّه بن العباس لمّا بعثه للاحتجاج » الروايات في بعثه عليه السّلام لابن عباس إلى الخوارج مختلفة ، فروى الطبري 1 عن أبي رزين : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا رجع من صفّين و دخل الكوفة و نزلت الخوارج بحروراء بعث إليهم ابن عباس ، فرجع و لم يصنع شيئا . . . .

و عن 2 عمارة بن ربيعة : بعث عليّ عليه السّلام ابن عباس إليهم ، و قال : لا تعجل إلى جوابهم و خصومتهم حتى آتيك . فخرج إليهم حتى أتاهم فأقبلوا يكلّمونه فلم يصبر حتى راجعهم ، فقال : ما نقمتم من الحكمين و قد قال تعالى : إن يريدا إصلاحا يوفق اللّه بينهما 3 فكيف بامّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله ؟ فقالت الخوارج :

قلنا : أمّا ما جعل حكمه إلى الناس و أمر بالنظر فيه و الإصلاح له ، فهو إليهم كما أمر به ، و ما حكم فامضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه ، حكم في الزاني مائة جلدة و في السارق بقطع يده ، فليس للعباد أن ينظروا فيه . قال : فإنّه تعالى يقول : . . . يحكم به ذوا عدل منكم . . . 4 . فقالوا : أو تجعل الحكم في الصيد ،

و الحدث يكون بين المرأة و زوجها كالحكم في دماء المسلمين ؟ فهذه الآية بيننا و بينك ، أعدل عندك ابن العاص و هو بالامس يقاتلنا و يسفك دماءنا ؟ فان كان عدلا فلسنا بعدول و نحن أهل حربه ، و قد حكّمتم في أمر اللّه الرجال ، و قد أمضى اللّه عزّ و جلّ حكمه في معاوية و حزبه أن يقتلوا أو يرجعوا ، و قبل ذلك دعوناهم إلى كتاب اللّه فأبوه ، ثم كتبتم بينكم و بينه كتابا و جعلتم بينكم و بينه الموادعة ، و لا موادعة بين المسلمين و أهل الحرب منذ نزلت ( براءة ) إلاّ من أقرّ

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 73 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 64 .

-----------
( 3 ) النساء : 35 .

-----------
( 4 ) المائدة : 95 .

[ 421 ]

بالجزية إلى أن قال ثم خرج عليّ عليه السّلام حتى انتهى إليهم و هم يخاصمون ابن عباس ، فقال : انته عن كلامهم ، ألم أنهك رحمك اللّه ؟ ثم قال : قال لهم : من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . فقال عليه السّلام : فما أخرجكم علينا ؟ قالوا : حكومتكم يوم صفين . قال : أنشدكم باللّه أتعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم : نجيبهم إلى كتاب اللّه . قلت لكم : إنّي أعلم بالقوم منكم ، إنّهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي صحبتهم و عرفتهم أطفالا و رجالا ، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال ،

امضوا على حقكم و صدقكم ، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهنا و مكيدة . فرددتم على رأيي و قلتم : لا بل نقبل منهم . فقلت لكم : إذكروا قولي لكم و معصيتكم إياي . فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين : أن يحييا ما أحيا القرآن و أن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن ، و إن أبيا فنحن من حكمهما برآء قالوا له :

أترى عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟ فقال : انا لسنا حكّمنا الرجال إنّما حكمنا القرآن ، و هذا القرآن فإنّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق ، إنّما يتكلّم به الرجال . قالوا : فخبّرنا عن الأجل : لم جعلته في ما بينك و بينهم ؟ قال : ليعلم الجاهل و يتثبّت العالم ، و لعل اللّه عزّ و جلّ يصلح في هذه الهدنة هذه الامّة . . . .

و في ( كامل المبرد ) 1 : ذكر أهل العلم من غير وجه : أنّ عليا لمّا وجّه إليهم ابن عباس ليناظرهم قال لهم : ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين عليه السّلام ؟

قالوا : قد كان للمؤمنين أميرا فلمّا حكم في دين اللّه خرج من الإيمان ، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له . فقال ابن عباس : لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك بأن يقر على نفسه بالكفر . قالوا : إنّه قد حكم . قال : إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أمرنا بالتحكيم

-----------
( 1 ) الكامل للمبرد 2 : 142 .

[ 422 ]

في قتل سيد ، فقال عزّ و جلّ : يحكم به ذوا عدل منكم 1 فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين ؟ فقالوا : إنّه قد حكم عليه فلم يرض . فقال : إنّ الحكومة كالإمامة و متى فسق الإمام وجبت معصيته ، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما . فقال بعضهم لبعض : لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإنّ هذا من القوم الذين قال تعالى فيهم : بل هم قوم خصمون 2 ، و قال و تنذر به قوما لدا 3 .

و فيه 4 : وجه عليّ عليه السّلام إليهم ابن العباس فرحبوا به و قالوا : ما جاء بك ؟

قال : جئتكم من عند صهر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ابن عمه و أعلمنا بربّه و سنّة نبيه ، و من عند المهاجرين و الأنصار . فقالوا : إنّا أتينا عظيما حين حكّمنا الرجال في دين اللّه فإن تاب كما تبنا رجعنا . فقال لهم : نشدتكم اللّه أما علمتم أنّ اللّه أمر بتحكيم الرجال في أرنب يساوي درهما ، و في شقاق رجل و امرأته ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمسك عن القتال للهدنة بينه و بين أهل الحديبية ؟ قالوا : نعم و لكن محا نفسه من الإمارة . فقال لهم : و قد محا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اسمه من النبوة ، و قد أخذ عليّ عليه السّلام على الحكمين ألاّ يجورا . . . .

و روى ( مسترشد محمد بن جرير الطبري ) : أنّه عليه السّلام لمّا بعث ابن العباس قالوا له : نقمنا على صاحبك خصالا : محا اسمه من إمارة المؤمنين ،

و شكّ في نفسه حيث قال للحكمين : « انظرا ان كان معاوية أحق بها منّي فأثبتاه » ، و جعل الحكم إليه غيره و قد كان عندنا من أحكم الناس ، و حكّم الرجال في دين اللّه و لم يكن ذاك إليه ، و قسّم بيننا الكراع و السلاح يوم البصرة

-----------
( 1 ) المائدة : 95 .

-----------
( 2 ) الزخرف : 58 .

-----------
( 3 ) مريم : 97 .

-----------
( 4 ) الكامل للمبرد 2 : 175 .

[ 423 ]

و منعنا النساء و الذرية ، و أنّه كان وصيّا فضيع الوصية . فقال ابن عباس له عليه السّلام : سمعت مقالتهم و أنت أحقّ بالجواب . فقال عليه السّلام له : قل لهم : ألستم ترضون بحكم اللّه و حكم رسوله ؟ قالوا : نعم . فقال : ابدأ على ما بدأتم : كنت أكتب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم صالح ابا سفيان و سهل بن عمرو ، فكتبت : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه و سهيل بن عمرو و صخر بن حرب » فقال سهيل : إنّا لا نعرف ( الرحمن الرحيم ) و لا نقرّ أنّك رسول اللّه .

فأمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فمحوت ( الرحمن الرحيم ) و كتبت : « باسمك اللهم » و محوت ( رسول اللّه ) و كتبت : « محمد بن عبد اللّه » فقال لي : يا عليّ إنّك تدعى إلى مثلها فتجيب و أنت مكره . فقالوا : هذه لك قد خرجت منها . فقال : و أمّا قولكم :

إنّي شككت في نفسي حيث قلت للحكمين : انظرا فان كان معاوية أحق بها مني ، فإنّ ذلك لم يكن شكا و لكنّه نصفا من القول ، و قد قال تعالى : و انا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين 1 ، و قد علم اللّه أنّ نبيّه كان على الحق .

قالوا : و هذه لك أيضا . قال : و أمّا قولكم : إنّي جعلت الحكم إلى غيري و قد كنت من احكم الناس ، فهذا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جعل الحكم إلى سعد بن معاذ يوم بني قريظة و قد كان أحكم الناس ، و قد قال تعالى : و لكم في رسول اللّه اسوة حسنة . . . 2 فتأسيت به صلّى اللّه عليه و آله . قالوا و هذه لك أيضا إلى أن قال و أمّا قولكم :

إنّي قسّمت يوم البصرة الكراع و السلاح و منعتكم النساء و الذرية ، فإنّي مننت على أهل البصرة كما منّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على أهل مكة و قد عدوا علينا ، فأخذناهم بذنوبهم و لم نأخذ صغيرا بكبير ، و بعد فأيّكم يأخذ عايشة في سهمه ؟ قالوا :

و هذه قد خرجت منها أيضا . قال : و أمّا قولكم : إنّي كنت وصيا فضيعت

-----------
( 1 ) سبأ : 24 .

-----------
( 2 ) الأحزاب : 21 .

[ 424 ]

الوصاية ، فأنتم كفرتم بي و قدّمتم عليّ غيري و لم أك أنا كفرت بكم ، و ليس على الأوصياء الدعاء إلى انفسهم و إنّما تدعو الأنبياء إلى انفسهم ، و الوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه ، ذلك لمن آمن باللّه و رسوله ، و قد قال تعالى : . . . و للّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . . . 1 ، فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت يكفر بتركهم إيّاه ، و لكن يكفرون بتركه لأنّ اللّه تعالى قد نصبه لهم علما ، و كذلك نصّبني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله علما حيث قال : أنت بمنزلة الكعبة . فخرج معه منهم أربعة آلاف .

و رواه اليعقوبي 2 مع زيادة و نقصان .

« إلى الخوارج » هكذا في ( المصرية ) 3 و الصواب : ( على الخوارج ) كما في ( ابن أبي الحديد 4 و ابن ميثم 5 و الخطية ) و حينئذ فهو متعلق بالاحتجاج .

قوله عليه السّلام : « لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول و يقولون » حاج منصور بن حازم و هو أحد أجلة أصحاب الصادق عليه السّلام مع الناس فقال لهم : من الحجّة على الخلق بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ؟ فقالوا له : القرآن . فقال لهم :

القرآن يخاصم به المرجي و القدري بل الزنديق الذي لا يؤمن به ، يخاصم به حتى يغلب الرجال بخصومته ، فلا بدّ أن القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم يكون كل شي‏ء قال فيه يكون حقا ، فمن قيّمه ؟ قالوا : ابن مسعود قد كان يعلم ،

و عمر قد يعلم ، و حذيفة قد يعلم . فقال لهم : يعلمون كلّه ؟ قالوا : لا . قال لهم : فليس أحد يعرف القرآن كلّه إلاّ عليّ عليه السّلام فلا بدّ أنّه قيم القرآن ،

-----------
( 1 ) آل عمران : 97 .

-----------
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 192 .

-----------
( 3 ) الطبعة المصرية 3 : 150 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 71 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 5 : 234 .

[ 425 ]

و أنّ طاعته مفروضة كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

قال ابن أبي الحديد 1 قوله عليه السّلام : « القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول و يقولون » كلام لا نظير له في شرفه و علو معناه ، و ذلك أنّ القرآن فيه مواضع يظن في الظاهر أنّها متناقضة نحو قوله : لا تدركه الأبصار . . . 2 مع قوله إلى ربها ناظرة 3 ، و قوله : و جعلنا من بين أيديهم سدّا و من خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون 4 ، مع قوله : و أمّا ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى . . . 5 و نظائرها ، و أمّا السنّة فليست كذلك إلى أن قال و قد كان في الصحابة من يسأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن كلمة في القرآن يفسره له تفسيرا موجزا فلا يحصل له كلّ الفهم ، و لمّا نزلت آية الكلالة و في آخرها . . . يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا . . . 6 سأله عمر عن الكلالة : ما هو ؟ فقال له : يكفيك آية الصيف . لم يزد على ذلك ، فلم يراجعه عمر و انصرف و لم يفهم مراده ، و بقي عمر على ذلك إلى أن مات ، و كان يقول بعد ذلك : اللهم مهما بيّنت فإنّ عمر لم يتبين . يشير إلى قوله تعالى : يبيّن اللّه لكم ان تضلّوا . . .

بيان : آية الصيف ، أي : آية نزلت في الصّيف ، كما رواه ( التبيان ) .

قلت : إذا كان فاروقهم نفسه لم يفهم المراد من القرآن في آية قال تعالى فيها : بيّنها لكم لئلا تضلّوا ، و فسّرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، له كيف منع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصية و قال : حسبنا القرآن و لم نحتج إلى وصيّته ؟

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 71 .

-----------
( 2 ) الأنعام : 103 .

-----------
( 3 ) القيامة : 23 .

-----------
( 4 ) يس : 9 .

-----------
( 5 ) فصّلت : 17 .

-----------
( 6 ) النساء : 176 .

[ 426 ]

ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) و كان ناصبيا عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، قال : لمّا حضرت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الوفاة و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده . فقال عمر : إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع ، و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه .

فاختلف أهل البيت و اختصموا ، فمنهم من قال : قرّبوا يكتب لكم النبيّ ، و منهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا كثر اللغط و الاختلاف و غمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : قوموا عني . قال عبيد اللّه : فكان ابن عباس يقول : إنّ الرّزية كلّ الرّزية ما حال بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم .

و روى عن عكرمة عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في مرضه الذي مات فيه : إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبيّ ليس بميّت حتى نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . فقالت زينب زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ألا تسمعون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعهد إليكم ؟ فلغطوا فقال : قوموا عنّي . فلمّا قاموا قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مكانه .

و عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر قال : كنا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بيننا و بين النساء حجاب فقال : غسّلوني بسبع قرب ، و ائتوني بصحيفة و دواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده ابدا . فقال النسوة : إيتوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بحاجته . قال عمر :

فقلت : اسكتن فإنّكن صواحبه ، إذا مرض عصرتن أعينكن و إذ صح أخذتن بعنقه . فقال : هنّ خير منكم .

و عن سعيد بن جبير قال : إنّ ابن عباس كان يقول : يوم الخميس و ما يوم الخميس ؟ و كأنّي أنظر إلى دموعه كأنّها نظام اللؤلؤ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إيتوني بالكتف و الدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا .

[ 427 ]

فقالوا : إنّما يهجر رسول اللّه .

كان فاروقهم يعلم أنّ القرآن لا يكفي الناس ، و كيف لا ، و هو الذي كان فاروقهم لا يفهم شيئا من معارفه إلاّ أنّه صد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية في تلك الساعة ، لأنّه علم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أراد أن يعيّن أمير المؤمنين عليه السّلام في الكتابة كما عيّنه في مقالاته يوم غدير خم و غيره ، فلا يمكنه التشكيك فيها لأنّ الكتابة أمر ثابت ، فروى أحمد بن أبي طاهر صاحب ( تاريخ بغداد ) في كتابه مسندا عن ابن عباس قال : دخلت على عمر في أوّل خلافته فقال : هل بقي في نفس ابن عمك شي‏ء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ النبي نصّ عليه ؟ قلت :

نعم . قال : لقد أراد النبي في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حيطة على الإسلام ، لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ، و لو وليها لا نتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم النبيّ أنّي علمت ما في نفسه فأمسك . . . .

إنّما منع منه إشفاقا و حيطة على سلطنته و سلطنة صاحبه ، و هل كان هو أشفق على الإسلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟ فكأنّ اللّه لا يعلم حيث يجعل رسالته ، إذا كان هو أشفق على الإسلام و لم يشفق نبيّه و قوله بعدم اجتماع قريش عليه كانتقاض العرب مغالطة ، فقريش كانوا أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إنّما وصلوا إلى ما وصلوا بمساعدة و مساعدته صاحبه ،

و لو لا هما لكانوا يستسلمون له و يسرون كفرهم ، كما استسلموا للنبي و أسرّوا كفرهم ، و العرب إنّما انتقضت على صاحبه حيث لم يجعل هو سلطان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أهل بيته ، و قيام أهل الجمل و صفين عليه إنّما كان من قريش بسببه و سبب صاحبه .

وهب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يرد النصّ على أمير المؤمنين ، ألم يكن حدوث هذه الفرق الضالة في الإسلام و منها الخوارج من منع عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن

[ 428 ]

الوصية ؟ ألم يقل لهم : أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا ؟

ثم إنّه مع منعه له عن الوصية و هي الرّزية العظمى التي لو بكي الدم منها كان قليلا لم نسب الهجر إليه ؟ أليس اللّه تعالى قال في نبيه : و ما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي يوحى 1 ؟

و لم قال : « إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا يموت و لو أنّه مات يرجع » ، فيصير سببا لتولّد مذاهب فاسدة ، كالكيسانية و الناوسية و الواقفية و الإسماعيلية و غيرها ،

فليس منشأ شبهات المذاهب الفاسدة التي تولّدت بعده إلاّ شبهات مثله ، كما اعترف به الشهرستاني 2 منهم .

و لم يقول لنسائه : « اسكتن ، إذا مرض عصرتن أعينكن ، و إذا صحّ أخذتن بعنقه » بمعنى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليس له قابلية ، و أنّه رجل زيري ، و النساء غالبات عليهن .

و ما نسبه إلى نسائه إنّما كان عمل بنته و بنت صاحبه اللتين قال تعالى فيهما : . . . و إن تظاهر عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين . . . 3 دون النسوة التي قلن كزينب و امّ سلمة : إيتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بحاجته . لكن يكفيه شرفا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له : هنّ خير منك .

هذا و ممّا يناسب قوله عليه السّلام : « حمال ذو وجوه » ما ورد : أنّ رجلا قال لهشام القوطي : كم تعدّ ؟ قال : من واحد إلى ألف ألف و أكثر . قال : لم ارد هذا ، كم تعدّ من السنّ ؟ قال : اثنتين و ثلاثين ، ست عشرة من أعلى و ست عشرة من أسفل . قال : لم ارد هذا ، كم لك ؟ من السنين قال : و اللّه مالي فيها شي‏ء السنون

-----------
( 1 ) النجم : 3 4 .

-----------
( 2 ) الملل و النحل للشهرستاني 1 : 18 21 .

-----------
( 3 ) التحريم : 4 .

[ 429 ]

كلّها للّه تعالى . قال : يا هذا ما سنّك ؟ قال : عظم . قال : ابن كم أنت ؟ قال : ابن اثنين :

رجل و امرأة . قال : كم أتى عليك ؟ قال : لو أتى علي شي‏ء لقتلني . قال : فكيف أقول ؟ قال : تقول : كم مضى من عمرك ؟

« و لكن حاججهم بالسنّة ، فإنّهم لن يجدوا عنها محيصا » قال ابن أبي الحديد 1 لم يعمل ابن عباس بما أوصاه فلم يحاجّهم بالسنّة بل بالقرآن ،

و لذلك لم يرجعوا .

قلت : بل حاجّهم بالكتاب و السنة كما عرفت من رواياته ، بل حاجّهم مرّتين : في أوّل خروجهم إلى حروراء ، و بعد رجوعهم و خروجهم ثانيا ، كما يظهر من خبر المبرد الثاني ، بل قال المبرّد 2 : إنّه عليه السّلام بعثه إلى خوارج النخيلة أيضا بعد النهروان و قالوا له : إذا كان عليّ على حق لم يشكّ و حكم مضطرا ،

فما باله حيث ظفر في الجمل لم يسب ؟ فقال لهم ابن عباس : سمعتم الجواب في التحكيم ، فأمّا قولكم في السباء ، أفكنتم سابين امّكم عايشة ؟ فوضعوا أصابعهم في آذانهم و قالوا أمسك عنّا غرّب لسانك يا بن عباس ، فإنّه طلق زلق غوّاص على موضع الحجة . و حاجّهم بالسنّة بتعليم أمير المؤمنين عليه السّلام له في تحكيم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سعد بن معاذ يوم بني قريظة ، و غير ذلك ممّا مرّ في تلك الأخبار .

قال ابن أبي الحديد 3 إن قيل ما السنّة التي أمر عليه السّلام ابن عباس أن يحاجّ الخوارج ؟ قلت : كان له عليه السّلام في ذلك غرض صحيح و إليه أشار و حوله كان يطوف و يحرم ، و ذلك أنّه أراد أن يقول لهم : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « علي مع الحقّ

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 76 .

-----------
( 2 ) المبرد 2 : 194 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 72 73 .

[ 430 ]

و الحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار » ، و قوله عليه السّلام : « اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه ، و انصر من نصره ، و اخذل من خذله » و نحو ذلك من الأخبار التي كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه صلّى اللّه عليه و آله و قد بقي ممّن سمعها جماعة تقوم بهم الحجة و تثبت بنقلهم ، و لو احتجّ بها على الخوارج في أنّه لا يحل مخالفته و العدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين عليه السّلام في محاجّتهم ، و أغراض اخرى أرفع و أعلا منهم ، فلم يقع بموجب ما أراد و قضى عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم . . . و كان أمر اللّه مفعولا 1 .

قلت : لو كان عليه السّلام حاجّهم بأقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه لصار أمر صديقهم و فاروقهم باطلا ، كما أنّ محمد بن أبي بكر لمّا حاج معاوية بذلك ناقضه معاوية بذلك .

و لم يدر الإنسان أيّ شي‏ء يقول في مثل هذه الامور ؟

ألم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام أتمّ الحجّة عليهم بنفسه : بأنّى ما حكّمت الرجال بل حكّمت القرآن ، و لكنّ القرآن خط مسطور لا ينطق ، ينطق عنه الرجال ، فان حكما بما فيه يقبل و إلاّ فيضرب حكمهما على رأسهما ، و لم يجعلا حكما مطلقا يحكمان بما يريدان ، و أنّه و إن تبيّن للخوارج كما كان متبيّنا له عليه السّلام و لعار في أصحابه أنّه كان مكيدة إلاّ أنّه لمّا كان كتب كتاب عهد وجب العمل به بمقتضى الكتاب و السنّة ، بل وجوب الوفاء بالعهد يحكم به العقل ،

و كان جميع ملل الدنيا عملهم عليه ؟

ثم أيّ شي‏ء تصوّروا في قول معاوية لمّا أمر برفع المصاحف :

« بيننا و بينكم كتاب اللّه » ؟

أ لم يعرفوا أنّ كتاب اللّه يقول في قوله تعالى : . . . فقاتلوا التي تبغي حتى

-----------
( 1 ) الأحزاب : 37 .

[ 431 ]

تفي‏ء إلى امر اللّه . . . 1 بوجوب قتال معاوية حتى يفي‏ء إلى أمر اللّه و يصير تسليما لأمير المؤمنين عليه السّلام كما قالوا ذلك لمّا أنكروا الحكمية ؟

ألم يعلموا أنّ معاوية من الفئة الباغية مع قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « عمّار تقتله الفئة الباغية » و قد كان قتل قبيل رفع المصاحف ؟

و كيف هم لم يتفطّنوا و قد تفطّن كثير من أهل الشام ، إلاّ أغبياء قال لهم معاوية : « إنّا ما قتلناه و إنّما قتله عليّ الذي جاء به لحربنا » ؟ و لحق به عليه السّلام بعضهم كعبد اللّه بن عمر العنسي لذلك ، و قال :

قد كنت أسمع و الأنباء شائعة
هذا الحديث فقلت : الكذب و الزور

حتى تلقّيته من أهل عيبته
فاليوم أرجع و المغرور مغرور

و اليوم أبرأ من عمرو و شيعته
و من معاوية المحدو به العير

أ لم يعلموا أنّ معاوية كان عدو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و قاتله حتى صار أسيرا فجعله من الطلقاء ؟

أ لم يعلموا أنّ معاوية كان لعين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غير موطن ، و أنّه كان مظهر كلّ كفر و فجور ؟

أ لم يعلموا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان المتصدي لجميع حروب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و شريكه في شدائده في سبيل الإسلام ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يجعله بمنزلة نفسه ، و أنّه كان مظهر الإيمان و العدالة و الورع و التقوى ، و أنّه كان أعلم الناس بالكتاب و السنة و شريعة الإسلام باجماع الامّة حتى من صدّيقهم و فاروقهم ؟

و أ لم يكن من العجب ألاّ يقبلوا منه عليه السّلام حكمية ابن عباس و الأشتر و الأحنف ، و يجبروه على أبي موسى ، و يقبلوا من معاوية حكمية عمرو ؟

-----------
( 1 ) الحجرات : 9 .

[ 432 ]

ثم من أين أنّهم لم يكونوا سمعوا ما قاله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه ؟ بل رأوا ورووا جميع ذلك ، إلاّ أنّ تقدّم الرجلين عليه جعل جميع أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه نسيا ،

منسيا روى محمد بن يعقوب في روضته 1 مسندا : أنّ عبد اللّه بن نافع الأزرق كان يقول : لو أنّي علمت أنّ بين قطريها أحدا تبلغني إليه المطايا ،

يخصمني : أنّ عليّا قتل أهل النهروان و هو لهم غير ظالم ، لرحلت إليه . فقيل له :

و لا ولده ؟ فقال : أ في ولده عالم ؟ فقيل له : هذا أوّل جهلك ، أو هم يخلون من عالم ؟ قال : فمن عالمهم اليوم ؟ قيل : محمد بن علي بن الحسين بن علي . فرحل إليه في صناديد أصحابه حتى أتى المدينة فاستأذن عليه عليه السّلام ، و بعث أبو جعفر عليه السّلام إلى جميع أبناء المهاجرين و الأنصار فجمعهم ، ثم خرج في ثوبين ممغرين كأنّه فلقة قمر و أقبل على الناس و قال بعد الحمد و الثناء : يا معشر أبناء المهاجرين و الأنصار من كانت عنده منقبة في عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه فليقم و ليحدّث . فقام الناس فسردوا تلك المناقب ، فقال عبد اللّه بن نافع :

أنا أروى لهذه المناقب من هؤلاء : و إنّما أحدث على الكفر بعد تحكيم الحكمين حتى انتهوا في المناقب إلى حديث خيبر : « لاعطين الرّاية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله ، كرارا غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه » فقال له أبو جعفر : ما تقول في هذا الحديث ؟ فقال : هو حق لا شك فيه ،

و لكن أحدث الكفر بعد . فقال أبو جعفر عليه السّلام له : ثكلتك امّك أخبرني عن اللّه تعالى : أحبّ عليّا يوم أحبّه و هو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم ؟ قال ابن نافع : أعد عليّ . فاعاده ، فقال : إنّ قلت : لا ، فقد كفرت . قال : فقل : قد علم . فقال :

قد علم . قال فأحبّه اللّه على أن يعمل بطاعته أو يعمل بمعصيته ؟ فقال : بل بطاعته . فقال : قم مخصوما . فقام ابن نافع و هو يقول : حتّى يتبيّن لكم الخيط

-----------
( 1 ) روضة الكافي لمحمّد بن يعقوب 8 : 349 ح 548 .

[ 433 ]

الأبيض من الخيط الأسود من الفجر 1 اللّه أعلم حيث يجعل رسالته 2 .

هذا ، و قال عليه السّلام : حاجّوهم بسنة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى تغلبوهم . و هم كانوا يريدون منه عليه السّلام سنّة أبي بكر و عمر فلا يقبلها منهم ، و في ( الطبري ) 3 : لمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا عليه السّلام أصحابه و شيعته فبايعوه و قالوا :

نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت . فشرط لهم فيه سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ،

فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي و كان شهد معه الجمل و صفين و معه راية خثعم فقال له بايع على كتاب اللّه و سنة رسوله صلّى اللّه عليه و آله . فقال ربيعة : على سنّة أبي بكر و عمر . فقل له عليّ عليه السّلام : ويلك لو أنّ أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله لم يكونا على شي‏ء من الحق . فبايعه ربيعة و نظر إليه عليّ عليه السّلام فقال : اما و اللّه لكأنّي بك و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت و كأنّي بك و قد وطئتك الخيل بحوافرها . فقتل يوم النهر . . . .

و كان إخواننا السنّة يحاجّون الخوارج في احداث عثمان بعدم جناح فيها بسنة أبي بكر و عمر فيغلبونهم بذلك ، قال مصعب الزبيري في ( نسب قريشه ) : قال هشام بن عروة : قال عبد اللّه بن الزبير : لقيني ناس ممّن كان يطعن على عثمان ممّن يرى رأي الخوارج ، فراجعوني في رأيهم و حاجّوني بالقرآن ، فو اللّه ما قمت معهم و لا قعدت ، فرجعت إلى الزبير منكسرا فذكرت ذلك له فقال : إنّ القرآن تأوّله كلّ قوم على رأيهم و حملوه عليه ، و لعمر اللّه إنّ القرآن لمعتدل مستقيم و ما التقصير إلاّ من قبلهم ، و من طعنوا عليه من الناس فإنّهم لا يطعنون في أبي بكر و عمر ، فخذهم بسنّتهما و سيرتهما . قال عبد اللّه :

-----------
( 1 ) البقرة : 187 .

-----------
( 2 ) الأنعام : 124 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 76 .

[ 434 ]

فكأنّما أيقظني بذلك ، فلقيتهم فحاججتهم بسنن أبي بكر ، فلمّا أخذتهم بذلك قهرتهم ، و ضعف قولهم حتى كأنهم صبيان يمغثون . . . .

و غرهم في دينهم ما كانوا يفترون 1 ، فذرهم في غمرتهم حتى حين 2 فإخواننا ينكرون الامور الفطرية و القواعد العقلية ، فكون أحداث عثمان امورا منكرة فطري كل موحد و ملحد ، و بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم ، فعليهم أن يقولوا ببطلان سنّة صدّيقهم و فاروقهم لبطلان سنّة ذي نوريهم ، لا أن يجعلوا سنّة ذي نوريهم حقّا بسنة صديقهم و فاروقهم فمن أعمال ذي نوريهم : نفي أبي ذر و كسر ضلع عمار ، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهما : أمرني اللّه تعالى بحبّهما ، و أنّ الجنة لمشتاقة إليهما .

و تولية الوليد الذي صلّى الصبح بالناس سكران أربعا و تغنى .

و تولية ابن أبي سرح الذي أهدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دمه .

و ردّه الحكم الذي نفاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و أمره بقتل جمع من المؤمنين حتى أجمع المهاجرون و الأنصار على قتله ، و حتى إنّ أمير المؤمنين اباح قتله ، فلمّا قال شرحبيل الذي أرسله معاوية إليه عليه السّلام له : أتشهد أنّ عثمان قتل مظلوما ؟ فقال : لا أشهد . فقال شرحبيل : فمن لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء و انصرف فقال عليه السّلام : انك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين و ما أنت بهادي العُمي عن ضلالتهم ان تسمع إلاّ من يؤمن باياتنا فهم مسلمون 3 . و حتى قال هاشم بن عتبة المرقال للشامي الذي قال له : « إنّ

-----------
( 1 ) آل عمران : 24 .

-----------
( 2 ) المؤمنون : 54 .

-----------
( 3 ) النمل : 80 81 .

[ 435 ]

صاحبكم قتل خليفتنا » ما أنت و ابن عفان ؟ إنّما قتله أصحاب محمّد و أبناء أصحابه و قرّاء الناس ، حين احدث الأحداث و خالف حكم الكتاب . و حتى إنّ عمّارا لمّا قال له عمرو بن العاص : « لم قتلتم عثمان » قال : لأنّه أراد أن يغيّر ديننا ، و أنّ اللّه قتله و عليّ معه . و عمر يعرف عثمان حتى قال له : كأنّي أراك تولّي بني أبيك على رقاب الناس حتى يضطرّ الناس إلى ضرب رقبتك . و مع ذلك دبّر الأمر له بجعل صهره ابن عوف حكما من الستة هذا و السنّة و إن كانت أوضح من الكتاب ، إلاّ أنّه لمّا كان ما بيّن فيها محدودا مثل ما بيّن في ظاهر الكتاب كانا غير كافيين في رفع اختلاف الناس ،

فكان واجبا على اللّه الحكيم أن يجعل معهما للناس حجة يكون كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذا اتصال به تعالى ، لا يقول ما يقول إلاّ عنه تعالى ، و أن يجعل عليه دلالة و آية ،

قال يونس بن يعقوب كما في ( الكافي ) 1 كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فورد عليه رجل من أهل الشام و قال له عليه السّلام : إنّي رجل صاحب كلام و فقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك . فقال عليه السّلام : كلّم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم . فقال له : يا غلام سلني في امامة هذا يعني أبا عبد اللّه عليه السّلام : فغضب هشام حتى ارتعد ، ثمّ قال له : أخبرني يا هذا أربّك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم ؟

فقال : بل ربي أنظر لخلقه . قال : ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟ قال : كلّفهم و أقام لهم حجة و دليلا على ما كلّفهم ، و أزاح في ذلك عللهم . فقال له هشام : فما هذا الدليل الذي نصبه لهم ؟ قال : هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . قال : فمن بعده ؟ قال : الكتاب و السنّة . قال : فهل ينفعنا اليوم الكتاب و السنّة في ما اختلفنا فيه ، حتى يرفع عنّا الاختلاف و يمكّننا من الإتفاق ؟ قال : نعم . قال : فلم اختلفنا نحن و أنت و جئتنا من الشام تخالفنا ، و تزعم أنّ الرأي طريق الدين و أنت تقرّ بأنّ الرأي لا يجمع

-----------
( 1 ) الكافي 1 : 171 ح 4 .

[ 436 ]

المختلفين على القول الواحد ؟ فسكت كالمفكر فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : مالك لا تتكلم ؟ قال : إن قلت : إنّا ما اختلفنا كابرت ، و إن قلت : إنّ الكتاب و السنّة يرفعان الإختلاف أبطلت لانّهما يحتملان الوجوه ، و لكن لي عليه مثل ذلك . فقال عليه السّلام له : سله تجده مليا . فقال الشامي لهشام : من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم ؟ قال هشام : بل ربّهم . فقال : فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم و يرفع اختلافهم و يبيّن لهم حقهم من باطلهم ؟ قال : نعم . قال : من هو ؟ قال : أمّا في ابتداء الشريعة فالنبي ، و أمّا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فغيره . قال : و من غيره ؟ قال : في وقتنا هذا أم قبله ؟

قال : بل في وقتنا هذا . قال هشام : هذا الجالس يعني أبا عبد اللّه الذي يشدّ إليه الرحال و يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب و جد . قال الشامي : و كيف لي بعلم ذلك ؟ قال : سله عمّا بدا لك . قال الشامي : قطعت عذري فعليّ السؤال . قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : أنا أكفيك المسألة يا شامي ، اخبرك عن مسيرك و سفرك :

خرجت يوم كذا و كان طريقك كذا و مررت على كذا و مرّ بك كذا . و أقبل الشامي كلما وصف عليه السّلام له شيئا من أمره يقول : صدقت و اللّه . ثم قال الشامي : أسلمت للّه الساعة . فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : بل آمنت به الساعة ، إنّ الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون ، و على الإيمان يثابون . قال الشامي : صدقت ، فأنا الساعة أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا صلّى اللّه عليه و آله رسوله و أنّك وصيّ الأوصياء .