
10
من الخطبة ( 190 ) أَلاَ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ اَلنَّكْثِ وَ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ فَأَمَّا ؟ اَلنَّاكِثُونَ ؟ فَقَدْ قَاتَلْتُ وَ أَمَّا ؟ اَلْقَاسِطُونَ ؟ فَقَدْ جَاهَدْتُ وَ أَمَّا ؟ اَلْمَارِقَةُ ؟ فَقَدْ دَوَّخْتُ وَ أَمَّا شَيْطَانُ اَلرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ لَئِنْ أَذِنَ اَللَّهُ فِي اَلْكَرَّةِ
[ 437 ]
عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ اَلْبِلاَدِ تَشَذُّراً « ألا و قد أمرني اللّه » في قوله تعالى : يا أيّها النبي جاهد الكفار و المنافقين و أغلظ عليهم و مأواهم جهنّم و بئس المصير 1 ذكره في سورة التوبة و سورة التحريم ، و لم يجاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ الكفّار على تنزيل القرآن ، و حيث إنّه عليه السّلام كان بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى قوله تعالى : . . . و انفسنا . . . 2 لا بد أنّه عليه السّلام كان المكلف بجهاد المنافقين على تأويل القرآن .
و يشهد له ما رواه ( الاسد ) 3 . مسندا عن أبي سعيد الخدري قال : كنّا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فانقطع شسعه فأخذها عليّ عليه السّلام يصلحه فمضى ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله :
إنّ منكم رجلا يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . فاستشرف لها القوم فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لكنّه خاصف النعل . فجاء فبشّرناه بذلك ، فلم يرفع به رأسا كأنّه شيء قد سمعه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .
و ما رواه أحمد بن حنبل في ( فضائله ) و الترمذي في ( سننه ) و اللفظ للاول أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي ،
يمضي فيهم أمري ، يقتل المقاتلة و يسبي الذرية . قال أبو ذر : فما راعني إلاّ برد كفّ عمر من خلفي ، فقال : من تراه يعني ؟ قلت : ما يعنيك و إنّما يعني خاصف النعل على بن أبي طالب إلى أن قال فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام و انتثل بيده و قال : هذا هو هذا هو مرّتين .
و كذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقريش ففي ( تاريخ بغداد ) 4 : أنّ سهيل بن عمرو لمّا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : خرج إليك ناس من أرقائنا فارددهم علينا . و قال : أبو بكر
-----------
( 1 ) التوبة : 73 ، و التحريم : 9 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 3 ) الاسد للجزري 4 : 32 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد 1 : 133 .
[ 438 ]
و عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : صدق سهيل . قال النبي : لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان ، يضرب أعناقكم و أنتم مجفلون عنه اجفال النعم . فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : لا . و قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، و لكنّه خاصف النعل .
و روى ( التهذيب ) 1 عن حفص بن غياث عن الصادق عليه السّلام : سأل رجل أبي عن حروب أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له : بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله بخمسة أسياف : ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن قال و أمّا السيف المكفوف فسيف أهل البغي و التأويل ، قال تعالى : و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . . 2 فلمّا نزلت قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل . فسئل : من هو ؟ فقال : هو خاصف النعل . يعني أمير المؤمنين عليه السّلام . . . .
« بقتال أهل البغي » و هم معاوية و أصحابه .
« و النّكث » و هم طلحة و الزبير و أصحابهما .
« و الفساد في الأرض » و هم الخوارج يقتلون من يرون : الكبار و الصغار و الرجال و النساء .
و يشهد أيضا لكونه مأمورا من اللّه تعالى بقتال الفرق الثلاث ما رواه الكنجي الشافعي مسندا عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لامّ سلمة : هذا عليّ بن أبي طالب لحمه من لحمي و دمه من دمي ، و هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ، يا امّ سلمة هذا عليّ أمير المؤمنين و سيد المرسلين و وعاء علمي و وصيي و بابي الذي اوتى منه و أخي في الدنيا و الآخرة و معي في المقام إلاّ على ، يقتل الناكثين و القاسطين و المارقين .
-----------
( 1 ) التهذيب 6 : 136 .
-----------
( 2 ) الحجرات : 9 .
[ 439 ]
و روى ( الاسد ) 1 عن علي بن ربيعة قال : سمعت عليّا على منبركم هذا يقول : عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن اقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين .
قال ابن أبي الحديد 2 : ثبت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال له عليه السّلام : ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين .
قلت : و كذلك ثبت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لشيعته : إنّهم يقاتلون معه عليه السّلام الفرق الثلاث ، كأبي أيوب الأنصاري و عمّار و أبي سعيد الخدري ، روى الكنجي الشافعي في ( مناقبه ) مسندا عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين فقلنا له صلّى اللّه عليه و آله : أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : مع عليّ بن أبي طالب ، معه يقتل عمّار .
و رواه الجزري في ( اسده ) 3 .
و روى هو و ابن ديزيل في ( صفينه ) مسندا عن مخنف بن سليم قال :
قدم علينا أبو أيوب الأنصاري فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له ، فأتيناه فاهدينا له و قعدنا عنده فقلنا : يا أبا أيوب قاتلت المشركين بسيفك هذا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثم جئت تقاتل المسلمين ؟ فقال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرني بقتال القاسطين و المارقين و الناكثين ، فقد قاتلت الناكثين و قاتلت القاسطين ، و أنا مقاتل إن شاء اللّه المارقين بالسعفات بالطرفات بالنهروات ، و ما أدري أين هي ؟
و في ( صفين نصر ) 4 في حديث جمع ذي الكلاع بين عمّار و عمرو بن العاص ، لأنّه سمع عمرا في إمارة عمر : أنّ عمّارا تقتله الفئة الباغية فقال عمرو لعمّار : علام تقاتلنا ، أو لسنا نعبد إلها واحدا ؟ فقال له عمّار : ساخبرك
-----------
( 1 ) اسد الغابة 4 : 33 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 17 : 183 .
-----------
( 3 ) الاسد للجزري 4 : 33 .
-----------
( 4 ) صفين لنصر بن مزاحم : 338 .
[ 440 ]
علام اقاتلك : أمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن اقاتل الناكثين فقد فعلت و أمرني أن اقاتل القاسطين فأنتم هم ، و أمّا المارقون فما أدري أدركهم أم لا ؟ ألم تعلم أيها الأبتر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه » ؟ و أنا مولى اللّه و رسوله ، و عليّ بعده و ليس لك مولى . . . .
قال ابن أبي الحديد 1 : قال تعالى في الناكثين : . . . و من نكث فإنّما ينكث على نفسه . . . 2 أو في القاسطين : و أمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا 3 .
و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المارقين : يخرج من ضئضي هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر أحدكم في النصل فلا يجد شيئا ،
فينظر في الفوق فلا يجد شيئا . و هذا الخبر من اعلام نبوته صلّى اللّه عليه و آله و من اخباره المفصلة بالغيوب .
قلت : و كذا خبر كلاب الحوأب في الناكثين ، و خبر قتل عمار في القاسطين من اعلام نبوة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الكلّ من أعلام إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا ، و لم يذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأحد من المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السّلام شيئا ، مع وقوع فتوح كثيرة منهم و قتالهم مع الكفار ، و إنّما قال إجمالا إنّ امّته تفتح فارس و الروم ، حتى ظن عمر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يفتتحها بنفسه ، فاستند في منعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية بأنّه قال لنا : يفتح فارس و الروم ، و ما فتحهما بعد ، فروى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) عن الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمه عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في مرضه الذي مات فيه : إيتوني بدواة و صحيفة
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 17 : 183 .
-----------
( 2 ) الفتح : 10 .
-----------
( 3 ) الجنّ : 15 .
[ 441 ]
أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبي ليس بميت حتى نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . . . .
« فأمّا الناكثون فقد قاتلت » و في ( الطبري ) 1 عن ابن أبي يعقوب : قتل عليّ عليه السّلام يوم الجمل ألفين و خمسمائة : من الأزد ألف و ثلاثمائة و خمسون ،
و من بني ضبّة ثمانمائة ، و من ساير الناس ثلاثمائة و خمسون .
« و أمّا القاسطون فقد جاهدت » في ( صفين نصر ) 2 عن جابر الأنصاري قال : و اللّه لكأنّي أسمع عليّا يوم الهرير يقول : حتى متى نخلّي بين هذين الحيين أي : مذحج من أصحابه و الأشعريين من أصحاب معويه قد فنيا و أنتم وقوف تنظرون إليهم ، أما تخافون مقت اللّه إلى أن قال قال جابر : لا و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق نبيا ، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليه السّلام ، إنّه قتل في ما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول :
« معذرة إلى اللّه تعالى و إليكم من هذا ، لقد هممت أن أفلقه و لكن حجزني عنه أنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول كثيرا :
لا سيف إلاّ ذو الفقار
و لا فتى إلاّ عليّ
و أنا اقاتل به دونه » فكنا نأخذه فنقومه ، ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف . . . .
« و أمّا المارقة فقد دوّخت » أي : ذللتها ، في ( الطبري ) 3 زحف الخوارج و هم
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 545 .
-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 477 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 86 .
[ 442 ]
ألفان و ثمانمائة إلى عليّ عليه السّلام إلى أن قال فو اللّه ما لبثوا الرجال أن أناموهم ،
ثم إنّ صاحب خيلهم لمّا رأى الهلاك نادى أصحابه : أن انزلوا . فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى اهمدوا في الساعة .
« و أمّا شيطان الردهة » قال الجزري في ( نهايته ) 1 : في حديث عليّ عليه السّلام ذكر ذا الثدية فقال : « شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة » الردهة : النّقرة في الجبل يستنقع فيها الماء ، و قيل : قلّة الرابية . و في حديثه : « و أمّا شيطان الردهة فقد كفيته بصيحة سمعت لها وجيب قلبه » قيل : أراد به معاوية لمّا انهزم . . . و هو كما ترى .
و في ( المعجم ) 2 في ( ابن داب ) : قال مصعب الزبيري : شيطان الردهة وضعه ابن داب ، و هو ذو الثدية في ما زعم . قال : جاءت امّه تستسقي ماء فوقع بها شيطان فحملته فولدته . . . .
و الظاهر أنّ المصعب أشار إلى الخبر الأوّل : « شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة » .
هذا ، و يقال لنوشيروان الضرير البغدادي : شيطان العراق . و هو الذي قال :
تبّا لشيطاني و ما سولا
لا انزلني اربلا
ثم قال :
قد تاب شيطاني و قد قال لي
لاعدت أهجو بعدها اربلا
« فقد كفيته » في ( ايضاح الفضل بن شاذان ) 3 : و رويتم عن أبي خالد
-----------
( 1 ) النهاية للجزري 2 : 266 .
-----------
( 2 ) المعجم 16 : 162 ، في عين بن يزيد .
-----------
( 3 ) الإيضاح لابن شاذان : 42 .
[ 443 ]
الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عايشة قالت : لعن اللّه عمرو بن العاص ما أكذبه لقوله : إنّه قتل ذا الثدية بمصر قلت : و الظاهر أنّها قالته لمّا أخبرها أصحابه عليه السّلام بعد رجوعهم من النهروان كيفية طلبه عليه السّلام لذي الثدية في القتلى ، كما يأتي في الخبر السادس و السابع من أخبار الخطيب العشرة .
هذا و روى ( ذيل الطبري ) 1 : أنّ الشياطين تحدّرت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الجبال و الأودية ، و فيهم شيطان معه شعلة نار يريد أن يحرق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ففزع و جاءه جبرئيل فقال له : قل أعوذ بكلمات اللّه التي لا يجاوزهن برّ و لا فاجر من شرّ ما خلق و برأ و ذرأ ، و من شرّ ما ينزل من السماء ، و من شرّ ما يعرج فيها ،
و من شرّ ما ذرأ في الأرض ، و من شرّ ما يخرج منها ، و من شرّ فتن الليل و النهار ، و من شرّ كلّ طارق إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمان . فطفئت نار الشياطين و هزمهم اللّه .
« بصعقة » في ( النهاية ) : الصعق : الغشوة من صوت شديد و ربما مات منه ، ثم استعمل في الموت كثيرا .
« سمعت لها وجبة » أي : اضطراب .
« قلبه و رجّة » أي : اضطراب .
« صدره » .
قال ابن أبي الحديد 2 شيطان الردهة : قال قوم : إنّه ذو الثدية صاحب النهروان ، و رووا في ذلك خبرا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقولون : إنّ ذا الثدية لم يقتل بسيف و لكنّ اللّه رماه يوم النهروان بصاعقة . و قال قوم : إنّه أحد الأبالسة
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 11 : 592 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 17 : 183 .
[ 444 ]
المردة من أعوان إبليس . و رووا في ذلك خبرا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنّه كان يتعوذ منه . و قال قوم : إنّه مارد يتصور في صورة حيّة و يكون في الردهة ، و إنّما أخذوا هذا من لفظ الشيطان لأنّ الشيطان الحيّة ، و منه قولهم : « شيطان الحماطة » و الحماطة : شجرة مخصوصة ، و يقال : إنّها كثيرة الحيّات .
قلت : الصحيح إرادته عليه السّلام ذا الثدية و قد وردت فيه روايات :
الاولى : ما رواه الخطيب في أبي سليمان المرعشي مسندا عنه قال : لمّا سار عليّ عليه السّلام إلى النهر سرت معه ، فلمّا نزلنا بحضرتهم أخذني غمّ لقتالهم لا يعلمه إلاّ اللّه حتى سقطت في الماء إلى أن قال ثم حملوا الثالثة حتى ظن الناس أنّها الهزيمة فقال عليّ عليه السّلام : و الذي فلق الحبة و برأ النّسمة لا يقتلون منكم عشرة و لا يبقى منهم عشرة . فلمّا سمع الناس ذلك حملوا عليهم فقتلوا ،
فقال : إنّ فيهم رجلا مخدج اليد أو مودن اليد فاتي به فقال عليه السّلام : من رأى منكم هذا ؟ فاسكت القوم ، ثم قال : من رأى منكم هذا ؟ فاسكت القوم ، ثم قال من رأى منكم هذا ؟ فقال رجل منهم : رأيته جاء لكذا و كذا . قال : كذبت ما رأيته ،
و لكنّ هذا أمير خارجة خرجت من الجن .
الثانية : و روى الخطيب في أبي مؤمن الوائلي مسندا عنه قال : سمعت عليا عليه السّلام حين قتل الحرورية يقول : انظروا فيهم رجلا كأنّ ثدييه ثدي المرأة ،
أخبرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّي صاحبه . فقلبوا القتلى فلم يجدوه إلى أن قال فقالوا :
سبعة منهم لم نقلبهم . فأتوهم فقلبوهم فوجدوه ، قال أبو المؤمن : فرأيته حين جاؤوا به يجروّنه في رجله حبل ، فرأيت عليّا عليه السّلام حين جاؤوا به خرّ ساجدا .
الثالثة : و روى الخطيب أيضا في أبي كثير مولى الأنصار مسندا عنه قال : كنت مع سيدي مع عليّ عليه السّلام حين قتل أهل النهروان ، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم عليه من قتلهم ، فقال عليه السّلام : أيّها الناس إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد حدّثنا
[ 445 ]
بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه حتى يرجع السهم على فوقه ، و أنّ آية ذلك أنّ فيهم رجلا أسود مخدج اليد ، إحدى يديه كثدي المرأة ، بها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه فإنّي أراه فيهم . فالتمسوه فوجدوه في شفير النهر تحت القتلى ، فأخرجوه فكبّر عليّ عليه السّلام و قال : صدق اللّه و رسوله . و كان عليه السّلام متقلّدا قوسا عربية فأخذها بيده ، و جعل يطعن بها في مخدجته ، و كبّر الناس حين رأوه و استبشروا ، و ذهب عنهم ما كانوا يجدون .
الرابعة : و روى 1 في كثير أبي الحسن البجلي الأحمسي مسندا عنه قال : لمّا قتل عليّ عليه السّلام أهل النهروان خطب فقال : ألا إنّ الصادق المصدّق صلّى اللّه عليه و آله حدّثني أنّ هؤلاء القوم يقولون الحق بأفواههم لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ألا و إنّ علامتهم ذو الخداجة . فطلبه الناس فلم يجدوا شيئا فقال : عودوا فإنّي و اللّه ما كذبت . و لا كذبت فعادوا فجيء به حتى القي بين يديه ، فنظرت إليه و في يديه شعرات سود .
الخامسة : و روى 2 في عباد بن نسيب أبي الوضيء مسندا عنه قال :
شهدت عليا عليه السّلام يوم النهروان و هو يقول : اطلبوا المخدج فو اللّه ما كذبت و لا كذبت . و رواه ابن طلحة الشافعي عن مسند أبي داود زاد : قال أبو الوضيء :
فكأنّي أنظر إلى المخدج : حبشي عليه قريطق ، إحدى يديه مثل ثدي المرأة ،
عليها شعرات مثل ذنب اليربوع .
السادسة : و روى 3 في عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد مسندا : أنّ عبد اللّه دخل
-----------
( 1 ) الخطيب 12 : 480 .
-----------
( 2 ) الخطيب 11 : 101 .
-----------
( 3 ) الخطيب 9 : 474 .
[ 446 ]
على عايشة مرجعه من العراق ، ليالي قتل عليّ عليه السّلام فقالت له : هل أنت صادقي عما اسألك ؟ ما شيء بلغني عن أهل العراق يقولون : ذو الثدي ذو الثدي ، هل رأيته و قمت مع عليّ عليه في القتلى ؟ إلى أن قال فدعا عليّ عليه السّلام الناس فقال :
أتعرفون هذا ؟ فما أكثر من جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي .
و لم يأتوا فيه بثبت يعرف إلاّ ذاك الخبر و في النسخة سقط .
السابعة : و روى 1 في أبي قتادة الأنصاري : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قتال النهروان قفل أبو قتادة و معه ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأ بعايشة فقالت له : ما رواءك ؟ فقال لها : لمّا تفرقت المحكمة من عسكره عليه السّلام لحقناهم فقتلناهم إلى أن قال فاقمنا ندور على القتلى حتى وقفت بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام راكبها ، فقال : أقلبوا القتلى . فقلبناهم في نهر حتى خرج في آخرهم رجل أسود على كتفه مثل حلمة الثدي ، فقال عليّ عليه السّلام : « اللّه أكبر و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، كنت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد قسّم فيئا ، فجاء هذا فقال : يا محمد اعدل فو اللّه ما عدلت منذ اليوم . فقال : ثكلتك امّك و من يعدل إذا لم أعدل ؟
فقال عمر : إلاّ أقتله ؟ قال : لا ، دعه فإنّ له من يقتله » فقالت عايشة : يا أبا قتادة ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحقّ : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : تفترق امّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة : محلقون رؤوسهم ، محفّون شواربهم ،
ازرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبهم إلى اللّه تعالى . قال أبو قتادة : فقلت : يا ام المؤمنين فأنت تعلمين هذا ، فلم كان الذي كان منك ؟ قالت : و كان أمر اللّه قدرا مقدورا و للقدر أسباب .
الثامنة : و روى 2 في ابن عباس مسندا عنه قال : لمّا اصيب أهل
-----------
( 1 ) الخطيب 1 : 160 .
-----------
( 2 ) الخطيب 1 : 174 .
[ 447 ]
النهروان خرج عليّ عليه السّلام و أنا خلفه فجعل يقول : ويلكم التمسوه يعني :
المخدج فالتمسوه و قالوا : لم نجده . فعرف ذلك في وجهه ، فقال : ويلكم ضعوا عليهم القصب . فجاؤوا به فلمّا رآه خرّ ساجدا .
التاسعة : و روى 1 في أبي جحيفة السوائي مسندا عنه قال : قال عليّ عليه السّلام حين فرغنا من الحرورية : إنّ فيهم رجلا مخدجا ليس في عضده عظم ، عضده حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف . فالتمسوه فلم يوجد ، و أنا في من يلتمس ، فما رأيت عليّا عليه السّلام جزع جزعا قط أشد من جزعه يومئذ ، فقالوا : ما نجده . قال : ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قالوا : النهروان . قال :
صدق اللّه و رسوله و كذبتم ، إنّه لفيهم فالتمسوه . فالتمسناه في ساقية فنظرت إلى عضده : ليس فيها عظم ، و عليها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، عليها شعرات طوال عقاف .
العاشرة : و روى 2 في عبد اللّه بن خباب مسندا عن أبي الأحوص قال :
كنّا مع عليّ عليه السّلام يوم النهروان فجاءت الحرورية ، فكانت من وراء النهر فقال :
و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر إلى أن قال فما لبثوا أن قتلهم فقال :
اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي المرأة . فطلبوه فقالوا : ما وجدنا . فقال : و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، و إنّه لفي القوم . ثلاث مرّات يجيئونه فيقول لهم هذا القول ، ثم قام هو بنفسه فجعل لا يمرّ بقتلى جميعا إلاّ بحثهم ، فلا يجده فيهم حتى انتهى إلى حفرة من الأرض فيها قتلى كثير ، فأمرهم فبحثوا فوجد فيهم .
و روى الطبري 3 عن عبد الملك بن أبي جرة : أنّ عليا خرج في طلب ذي
-----------
( 1 ) الخطيب 1 : 199 .
-----------
( 2 ) الخطيب 1 : 205 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 88 .
[ 448 ]
الثدية و معه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة و الرّيان بن صبرة بن هودة ، فوجده الريان في حفرة على شاطىء النهر في أربعين أو خمسين قتيلا فلمّا استخرج نظر إلى عضده ، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود ، فإذا مدّت امتدّت حتى تحاذي طول يده الاخرى ، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة . . . .
و روى 1 عن أبي مريم قال : كان عليّ عليه السّلام يحدثنا قبل خروج الحرورية إلى حروراء : أنّ قوما يخرجون من الإسلام ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، علامتهم رجل مخدج اليد . سمعت ذلك مرارا و سمعه نافع المخدج أيضا ، حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه يقول ، و كان نافع معنا يصلّي في المسجد بالنهار و يبيت فيه بالليل ، و قد كنت كسوته برنسا فلقيته من الغد فسألته : هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء ؟
فقال : خرجت اريدهم حتى إذا بلغت بني سعد ، لقيني صبيان فنزعوا سلاحي و تلعّبوا بي فرجعت ، حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر و سار عليّ عليه السّلام إليهم ، فلم أخرج معه و خرج أخي أبو عبد اللّه فأخبرني : أنّ عليّا عليه السّلام سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم اللّه و يأمرهم أن يرجعوا ، فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله ، فلمّا رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم ، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فطلبوه . . . .
هذا ، و صريح خبر الخطيب الأول كون ذي الثدية من الجنّ ، و لم يره قبل أحد من الناس ، و هو مفاد خبره السادس ، و لكنّ خبره السابع تضمّن أنّه عليه السّلام قال : إنّه جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وقت تقسيم فيء و قال له : ما عدلت . كما أنّ خبر
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 91 .
[ 449 ]
الطبري الثاني تضمّن أنّه كان مع الناس يصلّي في المسجد و اسمه نافع ،
و يمكن حمل الخبر الأخير من الخطيب على أنّه ظهر أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا وقتا ، ثم لم ير بعد . و أمّا خبر الطبري الثاني فغير قابل للحمل ، و رواه ( سنن أبي داود ) 1 مختصرا و قال : و اسمه عند الناس حرقوس .
و روى أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليّ عليه السّلام إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذهية في تربتها ، فقسمها بين الأقرع الحنظلي و عيينية الفزاري و زيد الخيل الطائي و علقمة الكلابي ، فغضبت قريش و الأنصار و قالت : يعطي صناديد أهل نجد و يدعنا . فقال : إنّما اتالفهم فأقبل رجل غائر العينين ، مشرف الوجنتين ،
ناتىء الجبين ، كث اللحية ، محلوق فقال : اتق اللّه يا محمّد . فقال : من يطع اللّه إذا عصيته ؟ أيأمنني اللّه على أهل الأرض و لا تأمنوني ؟ فسأل رجل قتله احسبه خالد بن الوليد فمنعه فلمّا ولّى قال : إنّ من ضئضي هذا أو في عقب هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الاوثان ، لئن أدركتهم قتلتهم قتل عاد .
« و لئن أذن اللّه في الكرة عليهم لاديلن منهم » في ( الصحاح ) : أدالنا اللّه من عدونا ، من الدولة ، و الإدالة : الغلبة .
« إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا » أي : يتفرّق تفرّقا ، و ليس ( تشذرا ) في نسخة ابن ميثم 2 .
كتب معاوية بعد قتل عثمان و انتقال الأمر إليه عليه السّلام إلى عبد اللّه بن عامر : و كأنّي بكم يا بني اميّة شعارير كأوراق تقودها الحداة ، أو كرخم
-----------
( 1 ) السنن لأبي داود .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 4 : 306 .
[ 450 ]
الخندمة تذرق خوف العقاب ، فثب الآن قبل أن يستسري الفساد و ندب السوط جديد و الجرح لمّا يندمل ، و من قبل استضراء الأسد و التقاء لحييه على فريسته . و كتب إلى الوليد بن عقبة : فلو قد استتب هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام ، يفزع من ظل الطائر ، و عن قليل تشرب الرنق ، و تستشعر الخوف .
و مرّ في ( 7 ) من الفصل التاسع عنوانان ، و في ( 8 ) منه عنوان ، و في ( 9 ) عنوان .
[ 451 ]