1

الخطبة ( 25 ) و من خطبة له عليه السّلام و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد ، و قدم عليه عاملاه على اليمن ، و هما عبيد اللّه بن عباس و سعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة ،

فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ، و مخالفتهم له في الرأي ، فقال :

مَا هِيَ إِلاَّ ؟ اَلْكُوفَةُ ؟ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلاَّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اَللَّهُ وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلشَّاعِرِ

لَعَمْرُ أَبِيكَ اَلْخَيْرِ يَا ؟ عَمْرُو ؟ إِنَّنِي
عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا اَلْإِنَاءِ قَلِيلِ

ثُمَّ قَالَ ع أُنْبِئْتُ ؟ بُسْراً ؟ قَدِ اِطَّلَعَ ؟ اَلْيَمَنَ ؟ وَ إِنِّي وَ اَللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمَ سَيُدَالُونَ

[ 454 ]

مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي اَلْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي اَلْبَاطِلِ وَ بِأَدَائِهِمُ اَلْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ وَ بِصَلاَحِهِمْ فِي بِلاَدِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ فَلَوِ اِئْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ اَللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي اَللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ اَلْمِلْحُ فِي اَلْمَاءِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ ؟ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ ؟

هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ
فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ اَلْحَمِيمِ

ثُمَّ نَزَلَ ع مِنَ اَلْمِنْبَرِ . قال الشّريف : « أقول : الأرمية جمع رميّ ، و هو السحاب ، و الحميم هاهنا : وقت الصّيف ، و إنّما خصّ الشاعر سحاب الصيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا ، و أسرع خفوفا لأنّه لا ماء فيه ، و إنّما يكون السحاب ثقيل السّير بالماء ، و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشّتاء ، و إنّما أراد الشّاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا ، و الإغاثة إذا استغيثوا ،

و الدليل على ذلك قوله :

( هنالك لو دعوت أتاك منهم )

» . أقول : رواها ( مروج المسعودي ) 1 مع اختلاف ، روى عن المنقري عن عبد العزيز بن الخطاب الكوفي عن فضيل بن مرزوق قال : لمّا غلب بسر على اليمن و كان قتله لا بني عبيد اللّه بن العباس ، و لأهل مكة و المدينة ما كان قام عليّ عليه السّلام خطيبا ثم قال : « إنّ بسر بن أرطاة قد غلب على اليمن ، و اللّه ما أرى هؤلاء القوم إلاّ سيغلبون على ما في أيديكم ، و ما ذلك بحق في أيديهم ، و لكن بطاعتهم و استقامتهم ( لمعاوية ظ ) و معصيتكم لي ، و تناصرهم و تخاذلكم ،

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 142 .

[ 455 ]

و إصلاح بلادهم و إفساد بلادكم ، و تاللّه يا أهل الكوفة لوددت أنّي صرفتكم صرف الدنانير العشرة بواحد ثم رفع يديه فقال اللهم إنّي قد مللتهم و ملّوني و سئمتهم و سئموني فأبدلني بهم خيرا و أبدلهم بي شرّا مني . اللهم عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيال الميال ، يأكل خضراها و يلبس فرواها و يحكم فيها بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنها و لا يتجاوز عن مسيئها » و ما كان ولد الحجاج يومئذ .

و جعل البلاذري غارة بسر الخامس من غارات معاوية ، و روى عن أبي مخنف باسناده : أنّه عليه السّلام لمّا بلغه خبر بسر صعد المنبر ثم قال : أمّا بعد فإنّي دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهرا ، في الليل و النهار و الغدو و الآصال ، فما زادكم دعائي إلاّ فرارا و إدبارا ، أما ينفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى ؟ و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي و اللّه لا أرى إصلاحكم بفساد نفسي . إنّ من ذلّ المسلمين و هلاك هذا الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأشرار فيجاب ، و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون قول المصنف : « و من خطبة له عليه السّلام » و له عليه السّلام خطبة اخرى في مسير بسر إلى اليمن ، رواها ( الإرشاد ) 1 فقال : و من كلامه عليه السّلام في استنفار القوم و استبطائهم عن الجهاد ، و قد بلغه مسير بسر إلى اليمن : « أمّا بعد أيّها الناس ،

فإنّ أوّل رفثكم و بدء نقضكم ذهاب اولي النهى و أهل الرأي منكم ، الذين كانوا يلقون فيصدقون ، و يقولون فيعدلون ، و يدعون فيجيبون ، و إنّي و اللّه قد دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهرا ، و في الليل و النهار و الغدو و الآصال ، ما يزيدكم دعائي إلاّ فرارا و إدبارا ، اما ينفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى و الحكمة ؟ و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي و اللّه لا اصلحكم

-----------
( 1 ) الإرشاد : 145 .

[ 456 ]

بفساد نفسي ، و لكن أمهلوني قليلا فكأنّكم و اللّه بامرى‏ء قد جاءكم يحرمكم و يعذبكم ، فيعذّبه اللّه كما يعذبكم إنّ من ذل المسلمين و هلاك الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأرذال الأشرار فيجاب ، و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون و ما هذا بفعل المتقين » :

و الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت في أوّل مسير بسر و خطبة المتن في آخره .

« و قد تواترت » قال ابن أبي الحديد 1 : عدّه بعضهم من أغلاط الخاصة .

و قال : التواتر لا يكون إلاّ مع فترات ، فقوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى . . . 2 ليس المراد أنّهم مترادفون ، بل بين كل نبيين فترة لأنّ تترى : من الوتر .

قلت : ممّن قاله الثعالبي ، و ليس كما قال ، ففي خبر نعي محمّد بن أبي بكر إليه عليه السّلام حدثه الفزاري : أنّه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمّد .

و في ( الأغاني ) 3 قالت زوجة عبيد اللّه بن العباس في ابنيها اللذين قتلهما بسر :

تتابع بين و لولة
و بين مدامع تترى

« عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد » في ( الطبري ) 4 :

في سنة ( 39 ) كان تفريق معاوية جيوشه في أطراف عليّ عليه السّلام فوجّه النعمان بن بشير في الفين إلى عين التمر ، و بعث سفيان بن عوف في ستة آلاف إلى

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 333 .

-----------
( 2 ) المؤمنون : 44 .

-----------
( 3 ) الأغاني 16 : 265 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 5 : 133 .

[ 457 ]

هيت و الأنبار و المدائن ، و وجّه عبد اللّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة رجل إلى تيماء ، و وجّه الضحّاك بن قيس إلى واقصة و الأعراب و الثعلبيّة و القطقطانة .

« و قدم عليه عاملاه على اليمن » الأوّل على صنعاء اليمن ، و الثاني على جند اليمن و جند أعظم من صنعاء .

« و هما عبيد اللّه بن عباس » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( العباس ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .

و في ( الإستيعاب ) 4 : كان عبيد اللّه أصغر من أخيه عبد اللّه بسنة ،

استعمله عليّ عليه السّلام على اليمن و أمّره على الموسم ، فحج بالناس سنة ( 36 ) و ( 37 ) ، و كان أحد الأجواد و كان يقال : من أراد الجمال و الفقه و السخاء فليأت دار العباس . الجمال للفضل و الفقه لعبد اللّه و السخاء لعبيد اللّه ، و عبيد اللّه هو الذي ترك عسكر الحسن عليه السّلام و لحق بمعاوية .

« و سعيد بن نمران » كان سعيد من سبعة من أصحاب حجر نجوا من القتل ، استشفع له إلى معاوية حمزة بن مالك ، لكون كلّ منهما من همدان ،

فوهبه له .

و في ( الطبري ) 5 : لمّا أقبل الأعور الذي بعثه معاوية لقتل حجر و أصحابه ، قال كريم بن عفيف الخثعمي : حين رأى الأعور يقتل نصفنا و ينجو نصفنا فقال سعيد بن نمران : اللهم اجعلني ممّن ينجو و أنت عنه راض .

-----------
( 1 ) المصرية 1 : 59 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 16 .

-----------
( 4 ) الإستيعاب 2 : 430 .

-----------
( 5 ) تاريخ الطبري 5 : 274 .

[ 458 ]

و في ( الإستيعاب ) 1 : كان سعيد كاتبا لعليّ عليه السّلام .

« لمّا غلب عليهما » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عليها ) أي : على اليمن كما في المدرك ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« بسر بن أبي أرطاة » كونه بسر بن أبي أرطاة في ( الطبري 2 و انساب البلاذري ) . و رواه عن أبي مخنف ، و بعضهم جعله ابن أرطاة .

و روى البلاذري : أنّ بسرا لمّا قتل عمرو بن أراكة خليفة عبيد اللّه بن عباس على اليمن قال أبوه :

لعمري لقد اردى ابن أرطاة فارسا
بصنعاء كالليث الهزبر إلى اجر

و في ( الإستيعاب ) 3 : بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة عويمر بن عمران من عامر بن لؤي .

و فيه ذكر ابن الكلبي في ( صفينه ) : أنّ بسرا بارز عليّا عليه السّلام فطعنه عليّ عليه السّلام فصرعه فكفّ عنه ، كما عرض له عليه السّلام مع عمرو بن العاص .

قال الحارث بن النضر السهمي :

أ في كل يوم فارس ليس ينتهي
و عورته وسط العجاجة باديه

يكف لها عنه على سنانه
و يضحك عنه في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه
و عورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا
سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

و لا تحمدا إلاّ الحيا و خصاكما
هما كانتا و اللّه للنفس واقيه

و إنّما انصرف عليّ عليه السّلام عنهما لأنّه كان يرى في قتال الباغين عليه ألاّ

-----------
( 1 ) الإستيعاب 2 : 14 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 139 .

-----------
( 3 ) الإستيعاب 1 : 154 .

[ 459 ]

يتبع مدبرا ، إلاّ أنّ أبا حنيفة قال : ان انهزم الباغي إلى فئة أتبع و إلى غير فئة لم يتبع .

قلت : لا يدري صاحب ( الإستيعاب ) ما يقول ، فأبو حنيفة و غيره إنّما عرفوا أحكام جهاد الباغين من سيرته عليه السّلام مع أهل الجمل و صفّين ،

فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يبيّن أحكامهم قولا و لا اتّفق له ذلك فعلا ، و إنّما كف عن عمرو بن العاص و بسر بن ارطاة لانّهما كشفا دبرهما ، لا أنّهما أدبرا من الحرب .

و في ( الإستيعاب ) 1 عن أبي مخنف : لمّا توجّه بسر بن أرطاة إلى اليمن هرب عبيد اللّه ، فأتى بسر بابني عبيد اللّه فذبحهما ، فنال امّهما من ذلك أمر عظيم ، فأنشأت تقول :

يا من أحس بابنيّ اللذين هما
سمعي و عقلي فقلبي اليوم مزدهف

حدثت بسرا و ما صدقت ما زعموا
من فعلهم و من الإثم الذي اقترفوا

أنحى على ودجي ابني مرهفة
مشحوذة و كذاك الإثم يقترف

ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر ، و تهيم على وجهها .

و في ( الأغاني ) 2 قال الاصمعي : و سمع رجل من أهل اليمن و قد قدم مكة امرأة عبيد اللّه تندب ابنيها اللذين قتلهما بسر بن أرطاة بقولها : « يا من أحس . . . » فرقّ لها و اتصل ببسر حتى وثق به ، ثم احتال لقتل ابنيه فخرج بهما إلى وادي أوطاس ، فقتلهما و هرب ، و قال :

يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعت
شمس النهار و لا غابت على الناس

خير من الهاشميين الذين همو
عين الهدى و سمام الأسوق القاس

-----------
( 1 ) الإستيعاب 1 : 156 .

-----------
( 2 ) الأغاني 16 : 272 .

[ 460 ]

ماذا أردت إلى طفلي مولّهة
تبكى و تنشد من انكلت في الناس

إمّا قتلتهما ظلما فقد شرقت
من صاحبيك قناتي يوم أوطاس

فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربت
امّ الصبيين أو ذاق ابن عباس

و في ( المروج ) 1 : كان عليّ عليه السّلام حين اتاه خبر قتل بسر ابني عبيد اللّه دعا على بسر فقال : اللهم اسلبه دينه و عقله . فخرف حتى ذهل عقله و كان لا يفارقه السيف ، فجعل له سيف من خشب ، و جعل في يديه زقّ منفوخ كلمّا تخرّق ابدل ، فلم يزل يضرب ذلك الزقّ بذلك السيف حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه ، و ربّما كان يتناول ثم يقبل على من يراه فيقول : انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه . و كان ربّما شدّت يداه إلى وراء منعا من ذلك ، فأنجى ذات يوم في مكانه ثم أهوى بفيه فتناول منه ، فبادروا إلى منعه فقال : أنتم تمنعونني و عبد الرحمن و قثم ابني عبيد اللّه يطعماني . مات في أيام الوليد بن عبد الملك .

و فيه و في ( الأغاني ) 2 : دخل عبيد اللّه يوما على معاوية و عنده بسر بن أرطاة ، فقال له عبيد اللّه : أنت قاتل الصبيين ؟ قال : نعم . قال : و اللّه لوددت أنّ الأرض انبتتني عندك يومئذ . فقال له بسر : قد أنبتتك الساعة . فقال عبيد اللّه : ألا سيف ؟ فقال : هاك سيفي . فلمّا أهوى عبيد اللّه إلى السيف ليتناوله قبض معاوية على يد عبيد اللّه قبل أن يقبض على السيف ، ثم أقبل على بسر فقال : أخزاك اللّه من شيخ قد كبرت و ذهل عقلك ، تعمد إلى رجل موتور من بني هاشم فتدفع إليه سيفك ؟ إنّك لغافل عن قلوب بني هاشم ، و اللّه لو تمكن من السيف لبدأ بي قبلك . قال عبيد اللّه : ذلك و اللّه أردت .

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 172 .

-----------
( 2 ) الأغاني 16 : 272 .

[ 461 ]

قال ابن أبي الحديد 1 : إنّ الذي هاج معاوية على تسريح بسر إلى اليمن :

أنّ قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظّمون قتله ، و لكن لم يكن لهم رأس فبايعوا لعليّ عليه السّلام على ما في أنفسهم ، و عامله عليه السّلام على صنعاء يومئذ عبيد اللّه ، و على الجند سعيد ، فلمّا اختلف الناس عليه بالعراق ، و قتل محمّد بن أبي بكر بمصر ، و كثرت غارات أهل الشام دعوا إلى الطلب بدم عثمان ، فبلغ ذلك عبيد اللّه فأرسل إلى وجوههم فقال : ما الذي بلغني عنكم ؟ قالوا : إنّا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى عليه . فحبسهم فكتبوا إلى من بالجند من أصحابهم ، فثاروا بسعيد و اخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم ، و خرج إليهم من كان بصنعاء و انضمّ إليهم كلّ من كان على رأيهم ، و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم لكن ارادوا منع الصدقة ، فالتقى عبيد اللّه و سعيد فقال عبيد اللّه لسعيد : لقد اجتمع هؤلاء و إنّهم لنا لمقاربون ، و إن قاتلناهم لا ندري على من تكون الدبرة ؟ فهلمّ فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بخبرهم فكتبا ذلك ،

فكتب عليه السّلام إليهما :

أتاني كتابكما تذكران خروج هذه الخارجة و تعظّمان من شأنها صغيرا ، و تكثّران من عددها قليلا ، و قد علمت أنّ نحب أفئدتكما و صغر أنفسكما ، و عدم ثبات رأيكما و سوء تدبيريكما هو الذي أفسد عليكما من لم يكن عليكما فاسدا ، و جرّأ عليكما من كان عن لقائكما جبانا ، فإذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرئا عليهم كتابي ، و تدعواهم إلى حظهم و تقوى ربهم ، فإن أجابوا حمدنا اللّه و قبلناهم ، و ان حاربوا استعنا باللّه عليهم و نابذناهم على سواء ، إنّ اللّه لا يحب الخائنين .

قالوا : و قال عليه السّلام ليزيد بن قيس الأرحبي : ألا ترى إلى ما صنع قومك ؟

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 2 .

[ 462 ]

فقال : إنّ ظنّي بقومي لحسن في طاعتك ، فإن شئت خرجت إليهم فكففتهم ، و إن شئت كتبت إليهم فننظر ما يجيبون ؟ و كتب عليه السّلام إليهم : من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من شاقّ و غدر من أهل الجند و صنعاء ، أمّا بعد ، فإنّي أحمد اللّه الذي لا إله إلاّ هو الذي لا يعقب له حكم ، و لا يرد له قضاء و لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، و قد بلغني تجرّيكم و شقاقكم و إعراضكم عن دينكم بعد الطاعة و إعطاء البيعة ، فسألت أهل الدين الخالص و الورع الصادق و اللب الراجح ، عن بدء محرككم و ما نويتم به و ما أحمشكم له ، فحدثت عن ذلك بما لم أر لكم في شي‏ء منه عذرا مبينا ، و لا مقالا جميلا و لا حجة ظاهرة ، فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا و انصرفوا إلى رحالكم ، أعف عنكم و أصفح عن جاهلكم و أحفظ قاصيكم و أعمل فيكم بحكم الكتاب ، فإن لم تفعلوا فاستعدوا لعدو من جيش جمّ الفرسان ، عظيم الأركان يقصد لمن طغى و عصى فتطحنوا كطحن الرحى ، فمن أحسن فلنفسه و من اساء فعليها . . . و ما ربك بظلاّم للعبيد 1 .

و وجّه الكتاب مع رجل من همدان فقدم عليهم بالكتاب فلم يجيبوه إلى خير ،

فقال لهم : إنّي تركت أمير المؤمنين عليه السّلام يريد أن يوجّه إليكم يزيد بن قيس الأرحبي في جيش كثيف ، فلم يمنعه إلاّ انتظار جوابكم ، فقالوا : نحن سامعون مطيعون إن عزل عنا هذين الرجلين : عبيد اللّه و سعيد . فرجع و أخبره عليه السّلام .

قالوا و كتب تلك العصابة حين جاءهم كتاب عليّ عليه السّلام إلى معاوية يخبرونه ، و كتبوا في كتابهم :

معاوي ألاّ تسرع السير نحونا
نبايع عليّا أو يزيد اليمانيا

فلمّا قدم كتابهم دعا بسر بن أبي أرطاة و كان قاسي القلب فظّا غليظا سفّاكا للدماء ، لا رأفة عنده و لا رحمة فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة

-----------
( 1 ) فصّلت : 46 .

[ 463 ]

و مكة حتى ينتهى إلى اليمن ، و قال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك ، حتى يروا أنّهم لا نجاء لهم و أنّك محيط بهم ، ثم اكفف عنهم و ادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، و اقتل شيعة عليّ حيث كانوا .

قال : و روى الثقفي 1 عن نمير بن وعلة عن أبي و داك قال : كنت عند عليّ عليه السّلام حين قدم عليه سعيد فعتب عليه و على عبيد اللّه ألاّ يكونا قاتلا بسرا ،

فقال سعيد : قد و اللّه قاتلت و لكن ابن العباس خذلني و أبى أن يقاتل ، و لقد خلوت به حين دنا منه بسر فقلت : إنّ ابن عمك لا يرضى مني و منك بدون الجدّ في قتالهم . قال : لا و اللّه ما لنا بهم من طاقة . فقمت في الناس و قلت : من كان في طاعتنا فإليّ . فأجابني منهم عصابة فقاتلت بهم قتالا ضعيفا ، و تفرّق الناس عني فانصرفت .

قال : و قال الثقفي 2 : روى عوانة عن الكلبي : أنّ بسرا لمّا خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا و أخذ أموالا ، و بلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامّة أهلها ، و تراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لمّا خرج قثم بن العباس عامل عليّ عليه السّلام عنها هاربا ، فدخل مكة و خطبهم و قال : الحمد اللّه الذي أعزّ دعوتنا و أذلّ عدونا بالقتل و التشريد ، هذا ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك و ضيق قد ابتلاه اللّه بخطيئته و سلمه بجريرته ، فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه و ولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان فبايعوا . و وجه رجلا من قريش إلى تباله و بها قوم من شيعة عليّ عليه السّلام ، و امر بقتلهم فأخذهم و كلّم فيهم و قيل له : هؤلاء قومك فكفّ عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم . فحبسهم و خرج منيع الباهلي من عندهم إلى بسر و هو بالطائف

-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 619 .

-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 2 : 608 .

[ 464 ]

يستشفع إليه فيهم ، فتحمّل عليه بقوم من الطائف فكلّموه فيهم و سألوه الكتاب بإطلاقهم ، فوعدهم و مطلهم بالكتاب حتى ظن أنّه قتلهم القرشي المبعوث لقتلهم ، و أنّ كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا ، ثم كتب لهم ، فأتى منيع منزله و كان قد نزل على امرأة بالطائف و رحله عندها ، فلم يجدها في منزلها فوطا على ناقته بردائه و ركب ، فسار يوم الجمعة و ليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة و قد أخرج القوم ليقتلوا و استبطى‏ء كتاب بسر فيهم ، فقدّم رجل منهم فضربه شامي فانقطع سيفه ، فقال الشاميون بعضهم لبعض :

شيموا سيوفكم حتى تلين فهزوها . و تبصّر منيع الباهلي بريق السيوف فالمع بثوبه ، فقال القوم : هذا راكب عنده خبر فكفوا . و قام به بعيره فنزل عنه و جاء على رجليه يشدو ، فدفع الكتاب إليهم فاطلقوا . و كان الرجل المقدّم الذي ضرب فانكسر السيف : أخاه .

و خرج بسر من الطائف حتى مرّ ببني كنانة و فيهم ابنا عبيد اللّه بن العباس و امّهما فطلبهما ، فدخل رجل من بني كنانة كان أبوهما أوصاه بهما فأخذ السيف من بيته فخرج فقال له : بسر ما كنا أردنا قتلك فلم عرّضت نفسك للقتل ؟ قال : اقتل دون جاري اعذر لي عند اللّه و الناس . ثمّ شدّ على أصحاب بسر حاسرا و هو يرتجز :

آليت لا يمنع حافات الدار
و لا يموت مصلتا دون الجار

الاّ فتى أروع غير غدّار

فضارب بسيفه حتى قتل ، ثم قدّم الغلامان فقتلا ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : هذه الرجال تقتلها ، فما بال الولدان ؟ فو اللّه ما كانوا يقتلون في جاهلية و لا إسلام ، و اللّه إنّ سلطانا لا يشتدّ إلاّ بقتل الضرع الضعيف و الشيخ الكبير ، و رفع الرحمة و قطع الأرحام ، لسلطان سوء . فقال

[ 465 ]

بسر : و اللّه لهممت أن أضع فيكن السيف . قالت : و اللّه إنّه لأحبّ إليّ إن فعلت .

و أتى نجران فقتل عبد اللّه بن عبد المدان و كان صهر العبيد اللّه بن العباس ، و قتل ابنه مالكا ثمّ جمعهم و قال : يا أهل نجران يا معشر النصارى و إخوان القرود أما و اللّه إن بلغني عنكم ما أكره ، لأعودنّ إليكم بالتي يقطع النسل و يهلك الحرث و تخرب الديار .

ثم سار حتى أتى أرحب فقتل أبا كرب و كان يتشيع ، و يقال : إنّه سيد من كان بالبادية من همدان ، فقدّمه فقتله .

و أتى صنعاء و قد خرج عنها عبيد اللّه و استخلف عليها عمرو بن أراكة الثقفي ، فمنع بسرا من دخوله و قاتله ، فقتله بسر و دخل فقتل منها قوما ، و أتاه و فد مأرب فقتلهم ، فلم ينج منهم إلاّ رجل واحد رجع إلى قومه و قال : « انعى قتلانا شيوخا و شبانا » .

ثمّ خرج من صنعاء فأتى أهل حبسان و هم شيعة عليّ عليه السّلام فقاتلهم و قاتلوه ، فهزمهم و قتلهم قتلا ذريعا .

ثمّ رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من ابناء فارس ، لإنّ ابني عبيد اللّه كانا مستترين في بيت امرأة من أبناء فارس تعرف بابنة بزرج . و كان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا ، و حرق قوما بالنار .

قال ابن أبي الحديد 1 : كان مسلم بن عقبة ليزيد و ما عمل بالمدينة في وقعة الحرة ، كما كان بسر لمعاوية و ما عمل في الحجاز و اليمن « و من أشبه اباه فما ظلم » .

قلت : و معاوية أشبه صدّيقهم و فاروقهم ، فكتب إلى محمد بن أبي بكر

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 18 .

[ 466 ]

كما في ( المروج ) 1 و غيره : و قد كنّا و أبوك معنا في حياة نبيّنا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا و فضله مبرزا علينا ، فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده و أتمّ له ما وعده و أظهر دعوته و افلج حجته قبضه إليه ، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه و خالفه و على ذلك اتّفقا و اتّسقا ، ثم دعواه إلى انفسهما فابطأ عنهما و تلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم فبايع و سلّم لهما ، و لا يشركانه في أمرهما و لا يطلعانه على سرهما حتى قبضا و انقضى أمرهما إلى أن قال فخذ حذرك يابن أبي بكر و قس شبرك بفترك تقصر من أن توازي من تزن الجبال حلمه ، الذي أبوك مهد مهاده و بنى ملكه و شاده ، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، و إن يكن جورا فأبوك أسّه و نحن شركاؤه ، و بهديه أخذنا و بفعله اقتدينا ، و لو لا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب و أسلمنا له ،

لكنّا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله و اقتدينا بفعاله ، فعب أباك ما بدا لك أو دع .

و في ( الإستيعاب ) 2 : ذكر أبو عمرو الشيباني أنّ بسرا في هذه الخرجة أغار على همدان و قتل و سبى نساءهم ، فكن أوّل مسلمات سبين في الإسلام .

و روى ( الإستيعاب ) مسندا عن أبي الرباب و صاحب له : أنّهما سمعا أباذر يتعوّذ في صلاة صلاّها ، فسألناه مم تعوذت ؟ فقال : من يوم البلاء و يوم العورة إلى أن قال و أمّا يوم العورة فإنّ نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن ، فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها ،

فدعوت اللّه ألاّ يدركني هذا الزمان ، و لعلكما تدركانه . قالا : فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسرا إلى اليمن ، فسبى نساء من المسلمات فأقمن في السوق .

-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 21 .

-----------
( 2 ) الإستيعاب 1 : 157 .

[ 467 ]

و في ( الطبري ) 1 : ممّا كان في سنة أربعين توجيه معاوية بسرا في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز ، فذكر عن زياد البكائي عن عوانة قال :

أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسرا و هو رجل من بني عامر بن لؤي في جيش فسار حتى قدم المدينة ، و عامل عليّ عليه السّلام على المدينة يومئذ أبو أيوب ففرّ و أتى الكوفة ، فصعد بسر منبر المدينة و نادى : يا دينار يا نجار يا زريق شيخي شيخي عهدي به بالامس فأين هو ؟ يعني عثمان .

ثمّ قال : يا أهل المدينة لو لا ما عهد اليّ معاوية ما تركت بها محتلما إلاّ قتلته . ثم بايع أهل المدينة ، و أرسل إلى بني سلمة فقال : ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللّه . فانطلق جابر إلى امّ سلمة و قال لها : ماذا ترين ،

خشيت أن اقتل و هذه بيعة ضلالة ؟ قالت : أرى أن تبايع . فإنّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع ، و أمرت ختني عبد اللّه بن زمعة أن يبايع . فأتاه جابر فبايعه ، و هدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة إلى أن قال و لقي بسر ثقل عبيد اللّه باليمن فذبح ابنيه ، و قيل : وجدهما عند رجل من بني كنانة من أهل البادية ، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني : إن كنت قاتلهما فاقتلني معهما .

قال : أفعل . فبدأ به ثم بهما ، و قيل : إنّ الكناني قاتل عنهما حتى قتل .

و قتل في مسيره ذلك جماعة كثيره من شيعة عليّ عليه السّلام باليمن ، و بلغ عليّا عليه السّلام خبر بسر فوجّه جارية بن قدامة في ألفين ، و وهب بن مسعود في ألفين ، فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها ، و أخذ ناسا من شيعة عثمان فقتلهم ، و هرب بسر و أصحابه منه و اتبعهم حتى بلغ مكة ، فقال لهم : بايعونا .

فقالوا : قد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع ؟

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 139 .

[ 468 ]

و في ( الأغاني ) 1 : و مضى بسر من المدينة إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب ، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه ، و أتى نجران فقتل عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي و ابنه ، و كانا من أصهار عبيد اللّه بن عباس إلى أن قال فسرّح عليّ عليه السّلام جارية بن قدامة السعدي في طلبه فخرج مسرعا ، فلمّا وصل المدينة انتهى إليه قتل عليّ عليه السّلام و معه الحسن عليه السّلام ، فركب في السلاح و دعا أهل المدينة إلى البيعة للحسن عليه السّلام فامتنعوا ، فقال : و اللّه لتبايعن و لو باستاهكم .

فلمّا رأى أهل المدينة ذلك بايعوا الحسن عليه السّلام . . . .

« فقام عليه السّلام على المنبر » هكذا في المصرية 2 و الصواب : ( إلى المنبر ) كما في ( ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم ) 4 .

« ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم في الرأي » قال ابن أبي الحديد 5 : روى ( غارات الثقفي ) 6 عن يزيد بن جابر الأزدي قال : سمعت عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري يحدث في خلافة عبد الملك قال : لمّا دخلت سنة أربعين تحدّث الناس بالشام أنّ عليا يستنفر الناس بالعراق فلا ينفرون ،

و تذاكروا أن قد اختلفت اهواؤهم و وقعت الفرقة بينهم ، فقمت في نفر من أهل الشام إلى الوليد بن عقبة فقلنا له : إنّ الناس لا يشكّون في اختلاف الناس على عليّ بالعراق ، فادخل إلى صاحبك فمرّه فليسر بنا إليهم قبل أن يجتمعوا بعد تفرقهم ، أو يصلح لصاحبهم ما قد فسد عليه من أمره . فقال : لقد قاولته في ذلك

-----------
( 1 ) الأغاني 16 : 271 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 59 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 6 .

-----------
( 6 ) الغارات للثقفي 2 : 599 .

[ 469 ]

و راجعته حتى لقد برم بي ، و ايم اللّه على ذلك ما ادع أن ابلغه ما مشيتم إليّ فيه .

فدخل عليه فخبّره بمجيئنا إليه و مقالتنا له ، فأذن لنا فدخلنا عليه فقلنا : هذا خبر في الناس سائر فشمّر و اهتبل الفرصة ، فإنّك لا تدري متى تقدر على عدوك .

فقال : إنّ هؤلاء الذين يذكرون تفرّقهم على صاحبهم و اختلاف أهوائهم لم يبلغ عندي بهم أن أكون أطمع في استيصالهم ، و أن أسير إليهم مخاطرا بجندي لا أدري عليّ تكون الدائرة أم لي ؟ فإيّاكم و استبطائي فإنّي آخذ بكم في وجه هو أرفق و أبلغ في هلاكهم ، قد شننت عليهم الغارات من كل جانب ،

فخيلي مرّة بالجزيرة و مرّة بالحجاز ، و قد فتح اللّه ما بين ذلك : مصر ، عزّ بفتحها وليّنا و أذل به عدوّنا و أشراف أهل العراق لمّا يرون من حسن صنيع اللّه لنا يأتوننا على قلائصهم في كل أيام ، و هذا ممّا يزيدكم و ينقصهم و يقويكم و يضعفهم ، فلا تعجلوا فإنّي لو رأيت فرصة لاهتبلتها . فخرجنا من عنده و نحن نعرف الفضل في ما ذكر . و بعث عند خروجنا من عنده بسرا إلى اليمن و قال له : تمرّ بالمدينة إلى أن قال فقال الوليد : أشرنا على معاوية برأينا أن يسير إلى الكوفة ، فبعث الجيش إلى المدينة ، فمثلنا و مثله كما قال الأوّل : اريها السّهى و تريني القمر . فبلغ ذلك معاوية و قال : و اللّه لقد هممت بمساءة هذا الأحمق الذي لا يدري و لا يحسن سياسة الامور .

« فقال » هو توكيد بعد قوله : « و من خطبة له » و زاد ابن ميثم 1 و ابن أبي الحديد 2 : « عليه السّلام » بعده .

قوله عليه السّلام : « ما هي » أي : مملكتي أو بلادي ، و قال ابن ميثم 3 : الضمير

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 19 .

[ 470 ]

للكوفة و لا معنى له . هذا ، و كذلك صار الأمر في أواخر العباسيين .

ففي ( الدميري ) في خلافة الراضي بن المقتدر : كانت البصرة و واسط و الأهواز في يد عبد اللّه البريدي و أخويه ، و فارس في يد عماد الدولة بن بويه ،

و الموصل و ديار بكر و ديار ربيعة و ديار مضر في يد بني حمدان ، و مصر و الشام في يد الاخشيد بن طغج ، و المغرب و إفريقية في يد المهدي ، و الأندلس في يد بني اميّة ، و خراسان و ما والاها في يد نصر بن أحمد الساماني ،

و اليمامة و هجر و البحرين في يد أبي طاهر القرمطي ، و طبرستان و جرجان في يد الديلم ، و لم يبق في يد الراضي سوى بغداد و ما والاها .

« إلاّ الكوفة » قال الحموي : سمّيت الكوفة كوفة لاستدارتها ، أخذا من قولهم : رأيت كوفانا بالضم و الفتح للرملة المستديرة ، و قيل : لاجتماع الناس بها ، من قولهم : تكوّف الرمل . و قيل : من قولهم : القوم في كوفان ، أي : في بلاء و شرّ أو أمر يجمعهم . و قيل : من قولهم : اعطيت فلانا كيفة ، أي : قطعة ، فأعلت ،

و قيل : سمّيت بجبل صغير في وسطها كان يقال له : كوفان ، و عليه اختطت مهره موضعها . و قيل : سمّيت بموضعها لأنّ كلّ رملة يخالطها حصباء تسمى كوفة . و قيل : لأنّ جبل ساتيد ما يحيط بها كالكفاف عليها .

قلت : الأخير باطل قطعا لأنّ ( الكوف ) غير ( الكف ) و الثاني و الثالث و الرابع ظاهرا ، فكلّ بلد يجتمع فيه الناس و لم يكونوا في بلاء ، و لا موجب لمعنى القطعة .

و في ( الجمهرة ) قال المفضل : قال سعد : لمّا ارتاد للناس موضع الكوفة كوّفوا هذا الرمل ، أي : نحّو ارمله .

في ( المعجم ) كتب عمر إلى سعد : أن اختط موضع المسجد الجامع على عدة مقاتلتكم ، فخطّ على أربعين ألف إنسان ، فلمّا قدم زياد زاد فيه عشرين

[ 471 ]

ألف إنسان ، و جاء بالآجر و جاء بأساطينه من الأهواز ، و ذكر بشر مولى بني امّية قدر الكوفة فكانت ستة عشر ميلا و ثلثي ميل .

« أقبضها و أبسطها » قال ابن ميثم 1 و تبعه الخوئي : « أقبضها و أبسطها » خبر ثان لقوله : « ما هي » أو خبر ل ( أنا ) محذوف .

قلت : بل بدل اشتمال لقوله : « الكوفة » نظير قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه . . . 2 و لو كان خبرا ثانيا لكان معنى « ما هي إلاّ الكوفة » تاما و ليس كذلك ، فكان تحت يده عليه السّلام بلاد العراق و الحجاز و اليمن كلّها ، فكيف يقول : « ما هي إلاّ الكوفة » و إنّما المراد : ما هي إلاّ قبض الكوفة و بسطها .

قال ابن ميثم 3 : « أقبضها و أبسطها » كنايتان عن وجوه التصرف فيها .

قلت : بل كناية واحدة .

و قال الخوئي : يحتمل أن يكون المراد : عدم التمكن التام من التصرّف في الكوفة ، كمن لا يقدر على لبس ثوب بل على قبضه و بسطه .

قلت : بل لا مجال لمّا ذكر ، و إنّما المراد : أنّ استيلاءه التام منحصر بالكوفة مركزه ، كما يشهد له قوله عليه السّلام بعد : « ان لم تكوني إلاّ أنت فقبحك اللّه » و لذا كان معاوية لا يجسر أن يغير عليها ، كما في باقي البلاد ممّا بيده عليه السّلام .

و قد عرفت في خبر الثقفي المتقدّم تصريح معاوية لمن أشار عليه بقصد الكوفة بذلك .

« إن لم تكوني إلاّ أنت » في ( الأغاني ) 4 : بعث معاوية بعد تحكيم الحكمين

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

-----------
( 2 ) البقرة : 217 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 19 .

-----------
( 4 ) الأغاني 16 : 266 .

[ 472 ]

بسر ابن أرطاة و الضحّاك بن قيس الفهري و غيرهما كلاّ في جيش ، و أمرهم ان يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعته عليه السّلام و أصحابه ، و أن يغيروا على ساير اعماله و يقتلوا أصحابه ، و لا يكفّوا أيديهم عن النساء و الصبيان .

« تهبّ أعاصيرك » جمع الإعصار : ريح تثير الغبار فترتفع إلى السماء كأنّه عمود ، قال الشاعر في نعامة و ظليم أرادا الرواح إلى بيضهما سريعا :

إذا اجتهدا الترويح مدا عجاجة
أعاصير ممّا تستثير خطاهما

و الجملة معترضة لبيان مزيد عيبها ، فإنّ هبوب الرياح و الأعاصير دائما في بلد عيب له ، و قالوا إنّ قرية ( اجر ) ذات عيوب ، منها : ريحها العاصفة ،

فقالوا : إذا جئت اجر فعجل ، فإنّ فيه حجرا يبري و أسدا يفري و ريحا تذري .

و قال مطيع بن اياس في بغداد :

بلدة يمطر التراب على النّاس
كما يمطر السماء الرذاذا

« فقبّحك اللّه » أي : أبعدك اللّه ، و قال ابن أبي الحديد 1 : معنى قوله عليه السّلام : « ان لم تكوني إلاّ أنت تهبّ أعاصيرك فقبّحك اللّه » : ان لم يكن لي من الدنيا ملك إلاّ ملك الكوفة ذات الفتن و الآراء المختلفة فأبعدها اللّه ، شبّه عليه السّلام ما كان يحدث من أهلها من الإختلاف و الشقاق بالأعاصير لإثارتها التراب . و تبعه الخوئي .

و هو كما ترى ، فجعله قوله عليه السّلام : « تهب أعاصيرك » استعارة تحتاج إلى قرينة و لا قرينة .

« و تمثل بقول الشاعر » كذا في ( المصرية ) 2 و هو غلط و الصواب : ( ثم

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 342 343 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 60 .

[ 473 ]

تمثل ) بدون زيادة كما في ( ابن أبي الحديد 1 و ابن ميثم ) 2 و كذا ( الخطية ) .

« لعمر أبيك الخير يا عمرو إنني
على وضر من ذا الإناء قليل »

الوضر :

الدسم ، قال الشاعر :

أباريق لم يعلق بها و ضر الزبد

و عن أبي عمرو : الوضر : ما يشمّه الإنسان من ريح يجده من طعام فاسد . و ( قليل ) : صفة ( وضر ) ، و الأصل : على وضر قليل من هذا الإناء .

و لمّا عصى أهل قلعة اردمشت قرب جزيرة ابن عمر شرقي دجلة الموصل على جبل الجودي على المعتضد و تحصّنوا بها قصدها بنفسه ،

فلمّا افتتحها بعد أن أعيت أصحابه و شاهد قلّة دخلها أمر بخرابها ، و انشد فيها :

إنّ أبا الوبر لصعب المقتنص
و هو إذا حصّل ريح في قفص

و نظير ما تمثّل به عليه السّلام قول آخر :

و أصبحت من ليلى الغداة كناظر
مع الصبح في أعقاب نجم مغرب

و قول الوزير المغربي :

كفى حزنا أنّي مقيم ببلدة
يعللني بعد الأحبة داهر

أي : عبده .

يحدّثني ممّا يجمّع عقله
أحاديث منها مستقيم و حائر

و قول الآخر :

و أصبحت من ليلى الغداة كقابض
على الماء خانته فروج الأصابع

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

[ 474 ]

« ثم قال عليه السّلام » ليست الفقرة في نسخة ابن ميثم 1 .

« انبئت » أي : اخبرت .

« بسرا قد اطلع » افتعل من ( طلع ) و الأصل من قولهم : طلع الكوكب .

« اليمن ، و إنّي و اللّه لأظنّ أنّ » هكذا في ( المصرية ) 2 و كلمة ( أنّ ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم و الخطية ) .

« هؤلاء القوم » أي : أهل الشام .

« سيدالون منكم » أي : يغلبونكم و يصير إليهم الدولة منكم .

« باجتماعهم على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم » في ( صفين نصر ) 4 : لمّا قتل عثمان خرجت الرّكبان إلى الشام بقتله ، فبينما معاوية إذ اقبل رجل متلفف فكشف عن وجهه و خاطبه بالامرة و قال : أتعرفني ؟ قال : نعم ، أنت الحجاج بن خزيمة ، فأين تريد ؟ قال : إليك القربان أنعى إليك ابن عفّان ، إنّك تقوى على عليّ بدون ما يقوى به عليك ، لأنّ معك قوم لا يقولون إذا قلت و لا يسألون إذا امرت ،

و أنّ مع عليّ قوم يقولون إذا قال و يسألون إذا أمر ، فقليل ممّن معك خير من كثير ممّن معه .

و كتب ابن عامر إلى معاوية في حثه على الطلب بدم عثمان : إنّ الناس في هذا الأمر تسعة لك ، و واحد عليك .

« و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ و طاعتهم إمامهم في الباطل » . في ( صفّين نصر ) 5 : بويع معاوية على الخلافة ، فبايعه الناس على كتاب اللّه و سنة نبيّه

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

-----------
( 2 ) المصرية 1 : 60 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 4 ) صفين لنصر بن مزاحم : 77 .

-----------
( 5 ) صفين لنصر بن مزاحم : 80 .

[ 475 ]

فأقبل مالك بن هبيرة الكندي فقام خطيبا و كان غائبا من البيعة فقال لمعاوية : أخرجت هذا الملك و أفسدت الناس و جعلت للسفهاء مقالا ، و قد علمت العرب أنّا حيّ فعال و لسنا بحي مقال ، و أنّا نأتي بعظيم فعالنا على قليل مقالنا ،

فأبسط يدك ابايعك على ما أحببنا و كرهنا . فكان أوّل العرب بايع عليها .

و قال الزبرقان السكوني في ذلك :

معاوي أخذت الخلافة بالتي
شرطت فقد بوّى لك الملك مالك

ببيعة فصل ليس فيها غميزة
ألا كلّ ملك ضمّه الشرط هالك

و كانت كبيت العنكبوت مذبذبا
فأصبح محجوبا عليه الأرائك

و أصبح لا يرجوه راج لعلّة
و لا تنتحى فيه الرجال الصعالك

و ما خير ملك يا معاوي مخدج
تجرّع فيه الغيظ و الوجه حالك

إذا شاء ردته السكون و حمير
و همدان و الحي الخفاف السكاسك

« و بادائهم الأمانة إلى صاحبهم و خيانتكم » و زاد ابن أبي الحديد 1 :

« لصاحبكم » .

« و بصلاحهم في بلادهم و فسادكم » في ( كامل المبرد ) 2 : قال معاوية أعنت على عليّ بأربع : كنت رجلا أكتم سري و كان رجلا ظهرة ، و كنت في أطوع جند و أصلحه و كان في أخبث جند و أعصاه ، و تركته و أصحابه الجمل ، و قلت : إن ظفروا به كانوا أهون عليّ منه ، و إن ظفر بهم اعتدت بها عليه في دينه ، و كنت أحب إلى قريش منه ، فيالك من جامع لي و مفرّق عنه .

و في ( الطبري ) 3 : بعث عليّ عليه السّلام في اجتماع الحكمين أربعمائة رجل

-----------
( 1 ) ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 2 ) الكامل للمبرد 2 : 23 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 5 : 67 .

[ 476 ]

عليهم شريح بن هاني الحارثي ، و بعث معهم ابن عباس و هو يصلّي بهم و يلي امورهم ، و أبو موسى معهم ، و بعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام حتى توافوا بدومة الجندل ، فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول و ذهب لا يدري بما جاء به و لا بما رجع به ، و لا يسأله أهل الشام عن شي‏ء ، و إذا جاء رسول عليّ عليه السّلام جاؤوا إلى ابن عباس فسألوه : ما كتب إليك ؟

فإن كتم ظنوا به الظنون ، و قالوا : ما نراه إلاّ كتب بكذا و كذا . فقال لهم ابن عباس : أما ترون رسول معاوية يجي‏ء لا يعلم بما جاء به و يرجع لا يعلم بما رجع به ، و لا يسمع لهم صياح و لا لغط ، و انتم عندي كلّ يوم تظنّون بي الظنون « فلو ائتمنت احدكم على قعب » أي : قدح من خشب مقعّر . و من أمثالهم :

اتاك ريان بقعب من لبن « لخشيت أن يذهب بعلاقته » بالكسر ، أي : حبله .

« اللّهمّ إنّي قد مللتهم » هكذا في ( المصرية ) 1 و سقط منها : « و ملوني » كما يشهد به ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و ( الخطية ) .

« و سئمتهم و سئموني » في ( مقاتل أبي الفرج ) 4 : لمّا قرب أن يغلب أبو السرايا على هرثمة صاح هرثمة : يا أهل الكوفة إن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس ، انصبوا إمامكم و اتفقوا معنا نتناظر فيه ، و لا تقتلونا و أنفسكم .

فأمسك أهل الكوفة عن الحرب فغضب أبو السرايا و قال لهم : إنّ هذه حيلة منهم فاحملوا عليهم . فقالوا : لا يحلّ لنا قتالهم : فقال : يا أهل الكوفة يا قتلة عليّ

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 61 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 332 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

-----------
( 4 ) المقاتل لأبي الفرج : 363 .

[ 477 ]

و خذلة الحسين إنّ المغتر بكم لمغرور ، و إنّ المعتمد على نصركم لمخذول ،

و إنّ الذليل لمن اعززتموه ، و اللّه ما حمد عليّ أمركم في حمده و لا رضي مذهبكم ، و لقد حكّمكم فحكمتم عليه ، و ائتمنكم و خنتم أمانته ، و وثق بكم فحلتم عن ثقتة ثم لم تنفكّوا عليه مختلفين و لطاعته ناكثين ، إن قام قعدتم و إن قعد قمتم ، و إن تقدّم تأخّرتم و ان تأخّر تقدمتم خلافا عليه و عصيانا لأمره ،

حتى سبقت فيكم دعوته و خذلكم اللّه بخذلانكم إيّاه .

« فأبدلني بهم خيرا » عن ( غارات الثقفي ) 1 قال أبو صالح الحنفي : رأيت عليّا عليه السّلام يخطب و قد وضع المصحف على رأسه ، حتى رأيت الورق يتقعقع على رأسه و هو يقول : اللهم قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه . اللهم قد أبغضتهم و أبغضوني و مللتهم و ملوني ، و حملوني على غير خلقي و طبيعتي ،

و أخلاق لم تكن تعرف لي . اللهم فأبدلني بهم خيرا . . . .

« و أبدلهم بي شرّا » في ( تنبيه البكري ) على ( أوهام القالي ) قال أبو العباس :

كان عليّ عليه السّلام يأخذ البيعة على أصحابه فجعلوا يقولون : نعام يريدون نعم : فقال عليّ عليه السّلام : إنّ النعام و الباقر في الصحراء لكثير ، ما لكم ؟ أبدلكم اللّه مني من هو شرّ لكم منّي ، و أبدلني اللّه منكم من هو خير لي منكم .

و في خطبة أبي السرايا المتقدمة : اما و اللّه لاستبدلن بكم قوما يعرفون اللّه حق معرفته ، و يحفظون محمدا صلّى اللّه عليه و آله في عترته ثم قال :

و مارست أقطار البلاد فلم أجد
لكم شبها في ما وطئت من الأرض

خلافا و جهلا و انتشار عزيمة
و وهنا و عجزا في الشدائد و الخفض

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة
فلا فيكم راض و لا فيكم مرضي

سابعد داري عن قلى من دياركم
فذوقوا إذا ولّيت عاقبة النقض

-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 458 .

[ 478 ]

و مرّ أنّ ( المروج ) روى : أنّه عليه السّلام قال بعد قوله : « و أبدلهم بي شرّا مني » :

« اللهم عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيّال الميّال ، يأكل خضراها و يلبس فرواها و يحكم فيها بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنها و لا يتجاوز عن مسيئها » يعني عليه السّلام : الحجّاج . و ما كان الحجّاج ولد يومئذ .

قال ابن أبي الحديد 1 : بعد قوله عليه السّلام : فأبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرّا منّي » : لم يكن خير فيهم و لا شرّ فيه عليه السّلام ، و إنّ أفعل هاهنا بمنزلة قوله تعالى : . . . أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة . . . 2 ، و قوله تعالى : . . . أ ذلك خير أم جنة الخلد . . . 3 .

قلت : ( أفعل ) إذا كان بعده ( من ) يكون للافضلية لا غير ، بخلاف ما إذا لم يكن ، و في آلايتين لم تكن ( من ) بخلاف كلامه عليه السّلام ، و إنّما كلامه عليه السّلام بمنزلة قوله تعالى : و جزاء سيّئة مثلها . . . 4 ، مع أنّ الجزاء ليس بسيّئة ، و إنّما اطلق عليه السيّئة لكونه في شكل السيّئة و على صورتها ، و حيث إنّه عليه السّلام كان يكلّفهم بجهاد العدو و يؤنّبهم على تقاعدهم و كان ذلك كلفة عليهم فكأنّهم اعتقدوا أنّ فيه عليه السّلام شرّا بذلك ، فدعا عليه السّلام عليهم أن يبدّلهم اللّه منه عليه السّلام بمن لم يقنع منهم على التحريض و التأنيب ، بل ينكّلهم باقسام النكال ، كزياد و ابنه عبيد اللّه و الحجاج و ابن عمه يوسف بن عمر .

و أمّا قول ابن ميثم 5 و الخوئي : « يحتمل أن يكون المراد بمن هو شرّ غيري » ففي غاية السقوط .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 247 .

-----------
( 2 ) فصّلت : 40 .

-----------
( 3 ) الفرقان : 15 .

-----------
( 4 ) الشورى : 40 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

[ 479 ]

« اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء » أي : كما يذاب فيه . اقتدى عليه السّلام في الدعاء عليهم بنبيى : ن نوح عليه السّلام حيث قال : . . . ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا 1 ، و موسى عليه السّلام حيث قال : . . . ربّنا اطمس على أموالهم و اشدد على قلوبهم . . . 2 . و أشار أبو السرايا إلى دعائه عليه السّلام عليهم في قوله :

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة

كما مرّ ، و يحتمل أن يكون أبو السرايا أشار إلى دعاء الحسين عليه السّلام عليهم ، فإنّه عليه السّلام أيضا دعا على أهل الكوفة كأبيه ، و يقرّ به مصراعه الأخير :

فلا فيكم راض و لا فيكم مرضي .

فإنّه عليه السّلام دعا عليهم بعدم رضاء الولاة عنهم .

« أما و اللّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس » قال رجل من بني العنبر :

فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
شنّوا الإغارة فرسانا و ركبانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا

لكن يطيرون أشتاتا إذا فزعوا
و ينفرون إلى الغارات وحدانا

و من هذه الأبيات :

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

إذن لقام بنصري معشر خشن
عند الكريهة إن ذو لوثة لانا

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
طاروا إليه زرافات و وحدانا

لكنّ قومي و إن كانوا ذوي عدد
ليسوا من الشرّ في شي‏ء و إن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
و من إساءة أهل السوء إحسانا

كأنّ ربك لم يخلق لخشيته
سواهم من جميع الناس إنسانا

-----------
( 1 ) نوح : 26 .

-----------
( 2 ) يونس : 88 .

[ 480 ]

و في ( اللسان ) قال عبيد بن الأبرص :

دعا معاشر فاستكّت مسامعهم
يا لهف نفسي لو يدعو بني أسد

و في ( الجمهرة ) قال الراجز :

لقد علمت يابن امّ صحصح
أنّنا إذا صيح بنا لم نبرح

حتى ترى جماجما تطوح
إنّ الحديد بالحديد يقلح

أي : يشقّ و يقطع .

« من بني فرس » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( فراس ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .

« بن غنم » بالفتح فالسكون : حي في كنانة ، و قال ابن قتيبة : و من بني فراس بن غنم بنو القعقاع بن حكيم الذين يكونون بالبصرة ، و منهم بنو بحر الأطباء بالكوفة .

و في ( العقد ) 4 : و بنو مالك من كنانة بطن ، منهم : جندل الطعان ، و من ولد جندل الطعان ربيعة بن مكدم ، و هو أشجع بيت في العرب ، و فيهم يقول عليّ عليه السّلام لأهل الكوفة : « وددت و اللّه أن لي بمائة ألف منكم ثلاثمائة من فراس بن غنم بن ثعلبة » .

و في ( البيان ) 5 : قالت امرأة من غامد في هزيمة ربيعة بن مكدم لغامد وحده :

ألا هل أتاها على نايها
بما فضحت قومها غامد

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 61 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 333 .

-----------
( 3 ) ابن ميثم 2 : 17 .

-----------
( 4 ) العقد 1 : 105 .

-----------
( 5 ) البيان 1 : 268 .

[ 481 ]

تمنيتم مائتي فارس
فردكم فارس واحد

فليت لنا بارتباط الخيول
ضانا لها حالب قاعد

و ربيعة بن مكدم هو الذي قالوا فيه : هو حامي الظعن حيّا و ميتا ، و لم يحم ميت الحريم غيره ، عرض له فارسان من بني سليم و معه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعنهم فرماه أحدهما بسهم أصاب قلبه ، فنصب رمحه في الأرض و اعتمد عليه و هو ثابت في سرجه ، و أشار إلى الظعائن بالرواح فسرن حتى بلغن بيوت الحي ، و بنو سليم قائم بإزائه لا يقدمون عليه و يظنّونه حيّا حتى قال قائل منهم : إنّي لا أراه إلاّ ميتا و لو كان حيّا لتحرّك . فرموا فرسه بسهم فوثيت فوقع ، وفاتتهم الظعائن .

هذا و في السمعاني : فراس بن غنم بن مالك بن كنانة . مع أنّه فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة كما في ( العقد ) .

و في ( ابن أبي الحديد ) 1 في طبعين منه : « و بنو فراس بن غنم بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر » و لا معنى له ، و لعل ( بن خزيمة ) مصحف ( من خزيمة ) بالميم ، مع أنّه كالتعريف بالجنس البعيد ، فإنّهم قالوا : إنّ فراسا من كنانة و هو جعله من أبيه خزيمة .

و في ( ابن ميثم ) : « و فراس ابن غنم بن تغلب بن وائل » و هو خطاء منه فإنّه من غنم كنانة لا غنم تغلب ، و منشأ خطئه اقتصار ( الصحاح ) على غنم تغلب .

و في ( الصحاح ) و ( القاموس ) في ( غنم ) : « و غنم ابن تغلب بن وائل » و اقتصرا عليه و هو خبط ، فلم ينحصر ( غنم ) بغنم تغلب ، فقال السمعاني : غنم :

اسم لعدة بطون من قبائل شتى . و عدّ منها غنم الأزد غنم بن دوس ، و غنم طي

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 240 .

[ 482 ]

غنم بن ثوب ، و غنم الأنصار غنم بن سرى ، و غنم أسد بن خزيمة غنم بن دودان ، و غنم كندة غنم بن عوز .

و قال الجزري في ( لبابه ) : فاته غنم الخزرج غنم بن مالك ، و غنم عبد القيس بن وديعة .

قلت : وفات الجزري أيضا هذا غنم كنانة .

« هنا لك لو دعوك أتاك منهم
فوارس مثل أرمية الحميم »

كأنّ هنا سقطا و الأصل : ( ثم تمثّل ) كما في بيت قبله ، قال ابن أبي الحديد 1 البيت لأبي جندب الهذلي ، و أول الأبيات :

ألا يا امّ زنباع أقيمي
صدور العيس نحو بني تميم

قلت : و في ( الأساس ) أيضا نسب البيت إلى أبي جندب الهذلي ، و قريب من البيت قول الشاعر في نهار بن عامر من مراد :

لو كنت جار بني نهار لم ترم
داري و قوتل دونها بسلاح

و قول سلامة بن جندل :

كنا إذا ما أتانا صارخ فزع
كان الصراخ له قرع الظّنابيب

و قول بشامة النهشلي في وصف قومه :

إنّا بني نهشل لا ندعى لأب
عنه و لا هو بالأبناء يشرينا

إن تبتدر غاية يوما لمكرمة
تلق السوابق منا و المصلينا

إنّا لمن معشر أفنى أوائلهم
قيل الكماة ألا أين المحامونا

لو كان في الألف منا واحد فدعوا
من فارس خالهم إيّاه يعنونا

قوله : « ثم نزل عليه السّلام من المنبر » إنّما في ( ابن ميثم ) 2 : « ثم نزل » .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 348 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 17 .

[ 483 ]

في ( تاريخ أعثم ) : لمّا أنّبهم عليه السّلام فلم يجيبوه قال لهم : إنّي و إيّاكم كنوح و قومه كما حكى تعالى عنه : . . . ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا . فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا 1 . ما لكم صموت كالحوت إن شرّ الدوابّ عند اللّه الصمّ البكم الذين لا يعقلون 2 .

« قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) 3 ، و في ( ابن أبي الحديد ) 4 : « قال الرضي » و في ( ابن ميثم 5 و الخطية ) : « قال السيد » و هو دليل على أنّ أصل الكلام ليس من المصنف .

« أقول » هكذا في ( المصرية ) و هو زائد ، فليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« الأرمية جمع رمي و هو السحاب » و في ( الجمهرة ) : رمي : ضرب من سحاب الخريف سود ، قال أبو ذؤيب الهذلي :

يمانية احيالها مظّ مائد
و آل قراس صوب ارمية كحل

و قال الجوهري : الرّمي : السقيّ و هي السحابة العظيمة القطر ، الشديدة الوقع من سحائب الحميم و الخريف ، قال أبو ذؤيب يصف عسلا يمانية :

و نقل بيت ( الجمهرة ) .

و في ( الأساس ) : الرّمي : السحاب الخريفي العظيم القطر و نقل بيت العنوان و بيتا آخر :

حنين اليماني هاجه بعد سلوه
و ميض رميّ آخر الليل يبرق

-----------
( 1 ) نوح : 5 6 .

-----------
( 2 ) الأنفال : 22 .

-----------
( 3 ) الطبعة المصرية 1 : 61 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 333 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 2 : 18 .

[ 484 ]

« و الحميم هاهنا » ليس ( هاهنا ) في نسخة ابن ميثم .

« وقت الصيف » و يأتي بمعنى الماء الحار ، كما في قوله تعالى :

يطوفون بينها و بين حميم آن 1 ، و الصديق الصميمي ، كما في قوله تعالى :

و لا يسأل حميم حميما 2 .

« و إنّما خصّ الشاعر سحاب الصيف بالذكر لانه أشد جفولا » أي :

إسراعا .

« و أسرع خفوفا » أي : قلة .

« لأنّه لا ماء فيه » لكن عرفت أنّ الجوهري و الزمخشري جعلا ( الأرمية ) سحابا عظيم القطر ، و الأصح ما قاله المصنّف ، و لا ينافيه كلام ابن دريد .

« و إنّما يكون السحاب ثقيل السير » هكذا في ( المصرية ) 3 و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) : « ثقيلا » و إنّما نسب الأول « ثقيل السير » إلى نسخة .

« لامتلائه بالماء ، و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشتاء » هكذا في ( المصرية ) 4 و لكن في ( ابن أبي الحديد و الخطية ) : « إلاّ في أزمان الشتاء » و في ( ابن ميثم ) : « إلاّ في الشتاء » .

« و إنّما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا و الإغاثة إذا استغيثوا ، و الدليل على ذلك قوله ( هنالك لو دعوت أتاك منهم ) » ليس في ( ابن ميثم ) 5 قوله :

« و الدليل . . . » رأسا .

-----------
( 1 ) الرحمن : 44 .

-----------
( 2 ) المعارج : 10 .

-----------
( 3 ) الطبعة المصرية 1 : 62 .

-----------
( 4 ) المصدر نفسه .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 2 : 18 .

[ 485 ]