
2
الخطبة ( 117 ) و من كلام له عليه السّلام و قد جمع الناس و حضّهم على الجهاد فسكتوا مليّا ، فقال عليه السّلام :
أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ فَقَالَ ع مَا بَالُكُمْ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ وَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِي بَأْسِكُمْ وَ لاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ اَلْمِصْرَ وَ اَلْجُنْدَ وَ بَيْتَ اَلْمَالِ وَ جِبَايَةَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْقَضَاءَ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلنَّظَرَ فِي حُقُوقِ اَلْمُطَالِبِينَ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ اَلْقِدْحِ فِي اَلْجَفِيرِ اَلْفَارِغِ وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ اَلرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وَ أَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهَا اِسْتَحَارَ مَدَارُهَا وَ اِضْطَرَبَ ثِفَالُهَا هَذَا لَعَمْرُ اَللَّهِ اَلرَّأْيُ اَلسُّوءُ وَ اَللَّهِ لَوْ لاَ رَجَائِي اَلشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي اَلْعَدُوَّ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اِخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اِجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ اَلَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ هَالِكٌ مَنِ اِسْتَقَامَ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى اَلنَّارِ أقول : لم يتفطّن الشراح ابن أبي الحديد و غيره أنّ هذا العنوان في أيّ غارة صدر ، فقالوا : « قاله عليه السّلام في بعض غارات أهل الشام على اطراف اعماله بالعراق » ، و إنّما قاله عليه السّلام في غارة بسر على الحجاز .
[ 486 ]
ففي ( غارات الثقفي ) 1 : من حديث الكوفيين عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال : قدم زرارة بن قيس فخبر عليا عليه السّلام بالعدّة التي خرج فيها بسر ،
فصعد المنبر إلى أن قال « إنّ بسر بن أرطاة وجّه إلى الحجاز ، و ما بسر لينتدب إليه منكم عصابة حتى تردوه عن شننه ، فإنّما خرج في ستمائة أو يزيدون . فسكت الناس مليّا لا ينطقون ، فقال عليه السّلام : « ما لكم أ مخرسون أنتم لا تتكلمون ؟ » فذكر عن الحرث بن حضيرة عن مسافر بن عفيف قال : قام أبو بردة بن عوف الأزدي فقال له : إن سرت سرنا معك . فقال : « ما لكم لا سدّدتم لمقال الرشد ؟ أ في مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ؟ إنّما يخرج في مثل ذلك رجل ممّن ترضون من فرسانكم و شجعانكم ، و لا ينبغي لي أن أدع الجند و المصر و بيت المال و جباية الأرض و القضاء بين المسلمين و النظر في حقوق الناس ،
ثم أخرج في كتيبة أتبع اخرى في الفلوات و شعف الجبال ، هذا و اللّه الرأي السوء ، و اللّه لو لا رجائي ( الشهادة ظ ) عند لقائهم لو قد حمّ لقاؤهم لضربت ركابي ثم لشخصت عنكم ، فلا أطلبكم ما اختلف جنوب و شمال ، و اللّه إنّ فراقكم لراحة للنفس و البدن » . فقام إليه جارية بن قدامة السعدي فقال له عليه السّلام :
لا أعدمنا اللّه نفسك و لا أرانا فراقك ، أنا لهؤلاء القوم فسرحني إليهم . قال :
فتجهّز فإنّك ما علمت : ميمون النقيبة . و قام إليه وهب بن مسعود الخثعمي فقال له عليه السّلام : أنا انتدب إليهم . فقال عليه السّلام : فانتدب بارك اللّه فيك . فنزل و دعا جارية فأمره أن يسير إلى البصرة و يخرج منها في الفين ، و ندب مع الخثعمي من الكوفة ألفين و قال لهما : أخرجا في طلب بسر حتى تلحقاه ، و أينما لحقتماه فناجزاه ، فإذا التقيتما فجارية على الناس .
نقله في عنوان : « مسير جارية بن قدامة » في خبره الثاني ، و رواه في
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 624 .
[ 487 ]
خبره الأوّل عن الكلبي و أبي مخنف بلفظ أخصر ، فروى عنهما : أنّه عليه السّلام ندب الناس فتثاقلوا عنه فقال : « ا تريدون أن أخرج بنفسي في كتيبة تتبع كتيبة في الفيافي و الجبال ؟ ذهب و اللّه اولو النهى و الفضل الذين كانوا يدعون فيجيبون و يؤمرون فيطيعون ، لقد هممت أن أخرج عنكم فلا أطلب بنصركم ما اختلف الجديدان » .
قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام و قد جمع الناس و حضهم » أي :
رغبهم .
« على الجهاد » مع سرايا معاوية في سرية بسر .
« فسكتوا مليا » أي : زمنا طويلا ، قال تعالى : . . . و اهجرني مليّا 1 .
« فقال عليه السّلام » توكيد بعد قوله : « و من كلام له عليه السّلام » .
قوله عليه السّلام : « أ مخرسون أنتم » أي : صرتم أخرسين ، حيث لم يجيبوه عليه السّلام بشيء .
« فقال قوم منهم : يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك » قد عرفت من رواية الثقفي أنّ القائل له عليه السّلام : « ان سرت سرنا معك » إنّما هو أبو بردة بن عوف الأزدي ، و كان منافقا يكاتب باخباره عليه السّلام إلى معاوية كما في ( صفين نصر بن مزاحم ) 2 .
« فقال عليه السّلام : ما بالكم » و في ( ابن ميثم ) 3 : « ما لكم » و هو لفظ مستنده .
« لا سدّدتم لرشد و لا هديتم لقصد » حيث تشيرون عليّ هكذا .
« أ في مثل هذا » خروج بسر من قبل معاوية .
-----------
( 1 ) مريم : 46 .
-----------
( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 4 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 110 .
[ 488 ]
« ينبغي » و زاد ابن أبي الحديد 1 و ( الخطية ) : « لي » و هو الموافق مستنده .
« أن أخرج » كما خرج عليه السّلام في قبال طلحة و الزبير ، و في قبال معاوية .
« إنّما يخرج في مثل هذا رجل ممّن أرضاه من شجعانكم » كجارية السعدي و وهب الخثعمي اللذين أجاباه إلى الخروج ، و نظرائهما .
« و لا ينبغي لي أن أدع المصر و الجند » هكذا في ( المصرية ) 2 و الصواب :
( الجند و المصر ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم 3 و الخطية ) و كما في مستنده . و المراد بالمصر : الكوفة .
« و بيت المال » فيكون في معرض النّهب .
« و جباية الأرض » فتكون في معرض التّعطيل .
« و القضاء بين المسلمين و النظر في حقوق المطالبين » فتصير امور الناس مختلّة ، أدع جميع ذلك ؟
« ثم أخرج في كتيبة » في ( القاموس ) : الكتيبة : الجيش أو الجماعة المستخيرة من الخيل ، أو جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف .
« أتبع اخرى » أي : كتيبة اخرى من العدو .
« أ تقلقل » أي : اضطرب .
« تقلقل القدح » بالكسر : السهم قبل أن يراش و يركّب عليه نصله .
« في الجفير » في ( القاموس ) : الجفير : جعبة من جلود لا خشب فيها ، أو من خشب لا جلود فيها .
« الفارغ » أي : الخالي .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 285 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 231 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 111 .
[ 489 ]
« و إنّما أنا قطب الرحى » استعارة عن كون مدار امور الناس عليه .
« تدور علي و أنا بمكاني » فما دام الوالي في المركز تكون امور المملكة منظمة .
« فإذا فارقتها » هكذا في ( المصرية ) 1 و هو غلط ، و الصواب : ( فارقته ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) أي : فارقت الرحى القطب .
« استحار » أي : صار حائرا .
« مدارها و اضطرب ثفالها » بالكسر ، أي : الحجر الأسفل من الرحى الذي يصبّ عليه الدّقيق .
« هذا لعمر اللّه الرأي السوء » رأيتموه لي .
« و اللّه لو لا رجائي الشهادة عند لقائي العدو » و كان عدوّه يومئذ معاوية .
« لو قد حمّ » أي : قدّر .
« لي لقاؤه » لكن لم يكن مقدّرا ، فأراد عليه السّلام الشخوص إليه و خرج عسكره إلى ظاهر البلاد ، فضربه اللعين ابن ملجم .
« لقرّبت ركابي » الركاب : الإبل التي يسار عليها .
« ثم شخصت » أي : ارتحلت .
« عنكم » إلى غيركم .
« فلا أطلبكم ما اختلف جنوب و شمال » أي : أبد الآبدين .
ثم الغريب أنّ ابن ميثم اقتصر من العنوان إلى هنا ، و أنّ ابن أبي الحديد 4 زاد على العنوان بعد ما مرّ : « طعّانين عيّابين حيّادين روّاغين » .
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 231 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 286 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 3 : 111 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 285 .
[ 490 ]
و نسخة ابن ميثم و إن كانت بخط المصنّف كما صرح به مرارا لكن لا يبعد أنّها كانت النسخة الاولى ، و أنّ ابن أبي الحديد نقل من نسخة ثانية كتبها المصنّف و زاد و نقّص .
و عليه فما زاده ابن أبي الحديد زيادة بيان لعلّة شخوصه عليه السّلام عنهم و عدم طلبه عليه السّلام لهم ، بكونهم ذوي هذه الرذائل الأربع ، مضافا إلى ما يأتي من قوله عليه السّلام .
« إنّه لا غناء في كثرة عددكم مع قلّة اجتماع قلوبكم » فرجلان متّفقان قلبا أكثر غناء من ألف مختلفين .
« لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها » أي : على مخالفتها و مجاوزتها .
« إلاّ هالك » كونه عليه السّلام كذلك لا يحتاج إلى بيان ، و قد أقرّ به عمر يوم شوراه .
و روى الخطيب 1 في ( يوسف بن محمد بن علي ) عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال : دخلت على امّ سلمة فرأيتها تبكي و تذكر عليا عليه السّلام و قالت : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : « عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ ، و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة » .
« من استقام فإلى الجنّة ، و من زلّ فإلى النار » فأمّا من طغى . و آثر الحياة الدنيا . فإنّ الجحيم هي المأوى . و أمّا من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى . فإنّ الجنّة هي المأوى 2 .
-----------
( 1 ) الخطيب 14 : 321 .
-----------
( 2 ) النازعات : 37 41 .
[ 491 ]