4

الخطبة ( 34 ) و من خطبة له عليه السّلام في استنفار الناس إلى أهل الشّام :

أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ اَلدُّنْيا مِنَ اَلْآخِرَةِ 17 22 9 : 38 1

-----------
( 1 ) التوبة : 38 .

[ 517 ]

عِوَضاً وَ بِالذُّلِّ مِنَ اَلْعِزِّ خَلَفاً إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ وَ مِنَ اَلذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اَللَّيَالِي وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ وَ لاَ زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ اِنْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ لَبِئْسَ لَعَمْرُ اَللَّهِ سُعْرُ نَارِ اَلْحَرْبِ أَنْتُمْ تُكَادُونَ وَ لاَ تَكِيدُونَ وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ غُلِبَ وَ اَللَّهِ اَلْمُتَخَاذِلُونَ وَ اَيْمُ اَللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ اِسْتَحَرَّ اَلْمَوْتُ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ ؟ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ ؟ اِنْفِرَاجَ اَلرَّأْسِ وَ اَللَّهِ إِنَّ اِمْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ وَ يَفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ اَلْهَامِ وَ تَطِيحُ اَلسَّوَاعِدُ وَ اَلْأَقْدَامُ وَ يَفْعَلُ اَللَّهُ 17 19 14 : 27 بَعْدَ ذَلِكَ ما يَشاءُ 20 21 14 : 27 أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ وَ تَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ وَ تَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا وَ تَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا وَ أَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ وَ اَلنَّصِيحَةُ فِي اَلْمَشْهَدِ وَ اَلْمَغِيبِ وَ اَلْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ وَ اَلطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ أقول : قال ابن أبي الحديد 1 : خطب عليه السّلام بها بعد فراغه من الخوارج ، و قد كان قام بالنهروان و قال : إنّ اللّه قد أحسن نصركم ، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام . فقالوا : نفدت نبالنا و كلّت سيوفنا و انصلت أسنّة

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 119 .

[ 518 ]

رماحنا ، ارجع بنا إلى مصرنا نستعد بأحسن عدتنا ، و لعلّ يزيد في عددنا مثل من هلك منا ، فإنّه أقوى لنا على عدونا .

قلت : رواه الثقفي في ( غاراته ) 1 في عنوان : « قدوم عليّ عليه السّلام إلى الكوفة عن حرب الخوارج » مسندا عن أبي الوداك و زاد في آخره : « و كان الذي ولي كلام الناس الأشعث بن قيس » . و قال ابن أبي الحديد 2 بعد ما مرّ : فكان جوابه عليه السّلام يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب لكم و لا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين 3 فتلكأوا عليه و قالوا : إنّ البرد شديد . فقال : إنّهم يجدونه كما تجدون . فابوا ، فقال : افّ لكم إنّها سنّة جرت . ثم تلا : قالوا يا موسى إنّ فيها قوما جبارين و إنّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون 4 . فقام منهم جمع فقالوا : الجراح فاش في الناس و كان الخوارج قد أكثروا الجراح في أصحابه عليه السّلام فارجع بنا إلى الكوفة فأقم أيّاما ثم أخرج بنا . فرجع عليه السّلام إلى الكوفة من غير رضا .

قلت : و رواه ( غارات الثقفي ) 5 عن معلى بن السكن في خبرين و زاد الرواية عن طارق بن شهاب : أنّه عليه السّلام لمّا رجع إلى الكوفة و أقام أيّاما و تفرّق عنه ناس كثير ، فمنهم من أقام يرى رأي الخوارج ، و منهم من أقام شاكا في أمره . و روى عن أبي الوداك : أنّه عليه السّلام لمّا نزل النّخيلة أخذ النّاس يتسللون ، فلا من دخل الكوفة خرج إليه ، و لا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة .

قال : و روى نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن أبي

-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 1 : 23 25 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 193 .

-----------
( 3 ) المائدة : 21 .

-----------
( 4 ) المائدة : 22 .

-----------
( 5 ) الغارات للثقفي 1 : 30 31 .

[ 519 ]

وداك قال : لمّا كره القوم المسير إلى الشّام بعد النهروان أقبل عليه السّلام بهم فأنزلهم النّخيلة و أمر الناس أن يلزموا معسكرهم ، و يوطّنوا على الجهاد أنفسهم ، و أن يقلّوا زيارة نسائهم و أبنائهم حتى يسير بهم إلى عدوهم و كان ذلك هو الرأي لو فعلوه و أقبلوا يتسللون و يدخلون الكوفة فتركوه عليه السّلام و ما معه من الناس إلاّ رجالا من وجوههم قليل ، و بقي المعسكر خاليا فلا من دخل الكوفة خرج إليه و لا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس و هي أوّل خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج فقال : أيّها النّاس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى اللّه عزّ و جلّ و درك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه ، موزعين بالجور و الظلم لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، و يتسكّعون في غمرة الضلال ، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل 1 و توكلوا على اللّه و كفى باللّه وكيلا 2 . فلم ينفروا فتركهم أيّاما ثم خطبهم فقال : « اف لكم لقد سئمت عتابكم أ رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة 3 عوضا » إلى آخر الفصل ، و زاد : أنتم اسود الشرى في الدّعة ، و ثعالب رواغة حين البأس . إنّ أخا الحرب اليقظان ، ألا إنّ المغلوب مقهور و مسلوب .

قال : و روى الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال :

سمعت عليّا عليه السّلام على منبر الكوفة و هو يقول : يا أبناء المهاجرين ، انفروا إلى أئمة الكفر و بقية الأحزاب و أولياء الشيطان ، انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا ، فو اللّه الذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم

-----------
( 1 ) الأنفال : 60 .

-----------
( 2 ) النساء : 81 .

-----------
( 3 ) التوبة : 38 .

[ 520 ]

القيامة و لا ينقص من أوزارهم شيئا .

و أوّله على أنّ المراد بمن يقاتل على دم حمال الخطايا : أهل الشام الذين يقاتلون على دم معاوية ، لا معاوية الذي يقاتل على دم عثمان .

قلت : و هو كما ترى ، ثم ما يفعل بقول عمّار يوم صفّين : اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان و يزعمون أنّه قتل مظلوما ، و اللّه ان كان إلاّ ظالما لنفسه حاكما بغير ما أنزل اللّه . . . فإنّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور 1 .

و رواه الثقفي في ( غاراته ) 2 عن بكر بن عيسى عن الأعمش . . . مثله .

و كيف كان ، فروى الثقفي 3 في ( غاراته ) كما في المجلس الثامن عشر من ( أمالي المفيد ) 4 عن محمّد بن إسماعيل عن زيد بن المعدّل عن يحيى بن صالح عن الحرث بن حضيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد اللّه الأزدي قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول لأصحابه و قد استنفرهم أيّاما إلى الجهاد فلم ينفروا أيّها الناس ، إنّي قد استنفرتكم فلم تنفروا ، و نصحت لكم فلم تقبلوا ، أنتم شهود كاغياب ، و صم ذوو أسماع ، أتلو عليكم الحكمة و أعظكم بالموعظة الحسنة و أحثّكم على جهاد عدوّكم الباغين ، فما آتي على آخر منطقي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ ، فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين ، تضربون الأمثال و تتناشدون الأشعار و تسألون عن الأخبار ، و قد نسيتم الاستعداد للحرب و شغلتم قلوبكم بالأباطيل ، تربت أيديكم اغزوا القوم قبل أن يغزوكم ، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلاّ ذلوا ، و ايم اللّه ما

-----------
( 1 ) الحج : 46 .

-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 1 : 40 .

-----------
( 3 ) الغارات للثقفي 2 : 493 494 .

-----------
( 4 ) الأمالي للمفيد : 145 146 ، المجلس 18 .

[ 521 ]

أراكم تفعلون حتى يفعلوا ، و لوددت أنّي لقيتهم على نيّتي و بصيرتي فاسترحت من مقاساتكم ، فما أنتم إلاّ كأبل جمّة ضلّ راعيها ، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب آخر ، و اللّه لكأنّي بكم لو حمى الوغى و حم البأس قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب ( انفراج الرأس و ظ ) انفراج المرأة عن قبلها .

فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال له : فهلاّ فعلت كما فعل ابن عفان ؟ فقال عليه السّلام له : يا عرف النار ويلك إنّ فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه ، فكيف و أنا على بيّنة من ربي و الحق في يدي ؟ و اللّه إنّ امرأ يمكّن عدوّه من نفسه يجدع لحمه و يهشم عظمه و يفري جلده و يسفك دمه ، لضعيف ما ضمّت عليه جوارح صدره . أنت فكن كذلك إن أحببت ، أمّا أنا فدون أن اعطي ذلك ضربا بالمشرفي ، و تطيح منه الأكفّ و المعاصم ، و يفعل اللّه بعد ما يشاء .

فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال : أيّها الناس ،

إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قد أسمع من كانت له اذن واعية و قلب حفيظ ، إنّ اللّه قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حقّ قبولها : إنّه نزّل بين أظهركم ابن عمّ نبيّكم و سيّد المسلمين من بعده ، يفقّهكم في الدين و يدعوكم إلى جهاد الملحدين ،

فكأنّكم صمّ لا تسمعون ، أو على قلوبكم غلف مطبوع عليها فأنتم لا تعقلون ،

أفلا تستحيون ؟ عباد اللّه ، أليس إنّما عهدكم بالجور و العدوان أمس قد شمل البلاء و شاع في البلاد ، فذو حق محروم و ملطوم وجهه ، و موطوء بطنه و ملقى بالعراء يسفى عليه الأعاصير ، لا يكنه من الحرّ و القرّ و صهر الشمس و الضح إلاّ الأثواب الهامدة و بيوت الشعر البالية ، حتّى جاءكم اللّه بأمير المؤمنين عليه السّلام فصدع بالحقّ و نشر العدل و عمل بما في الكتاب ، يا قوم فاشكروا نعمة اللّه عليكم و لا تولوا مدبرين و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا

[ 522 ]

يسمعون 1 اشحذوا السيوف و استعدوا لجهاد عدوّكم ، و إذا دعيتم فأجيبوا و إذا أمرتم فاسمعوا و اطيعوا . . . .

و في ( الطبري ) 2 : قال أبو مخنف عمّن ذكره عن زيد بن وهب : إنّ عليّا عليه السّلام قال للناس و هو أوّل كلام قاله لهم بعد النهر :

أيّها الناس ، استعدوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القربة إلى اللّه و درك الوسيلة عنده ، حيارى في الحق ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان و يتسكعون في غمرة الضلال ، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل 3 و توكلوا على اللّه و كفى باللّه وليّا و كفى باللّه نصيرا 4 . فلا هم نفروا و لا تيسروا ، فتركهم أيّاما حتى إذا أيس من أن يفعلوا ، دعا رؤساءهم فسألهم عن رأيهم و ما الذي ينظرهم ، فمنهم المعتل و منهم المكره و أقلّهم من نشط ، فقام فيهم خطيبا فقال : عباد اللّه ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة 5 ،

و بالذلّ و الهوان من العزّ ؟ أو كلّما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنّكم من الموت في سكرة ، و كأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ، و كأنّ أبصاركم أكمه فأنتم لا تبصرون ؟ للّه أنتم ما أنتم إلاّ اسود الشرى في الدّعة و ثعالب روّاغة حين تدعون إلى الناس ، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، ما أنتم بركب يصال بكم و لا ذي عز يعتصم اليه ، لعمر اللّه لبئس حشاش الحرب أنتم إنّكم تكادون و لا تكيدون ، ينتقض أطرافكم و لا تتحاشون ، و لا ينام عنكم و أنتم في

-----------
( 1 ) الأنفال : 21 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 90 .

-----------
( 3 ) الأنفال : 60 .

-----------
( 4 ) النساء : 45 .

-----------
( 5 ) التوبة : 38 .

[ 523 ]

غفلة ساهون . إنّ أخا الحرب اليقظان ذو عقل ، و ثاب لذلّ من وادع ، و غلب المتجادلون ، و المغلوب مقهور و مسلوب .

ثمّ قال عليه السّلام : أما بعد ، فإنّ لي عليكم حقّا و إنّ لكم عليّ حقّا ، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم ، و توفير فيئكم ، و تعليمكم كيما لا تجهلون ،

و تأديبكم كي تعلموا ، و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة ، و النصح لي في الغيب و المشهد ، و الإجابة حين أدعوكم . و الطاعة حين آمركم ، فإن يرد اللّه بكم خيرا و ترتدعوا عمّا أكره و تراجعوا إلى ما احبّ ، تنالوا ما تطلبون و تدركوا ما تأملون .

و رواه مثله ( غارات الثقفي ) 1 باسناده عن زيد بن وهب .

و رواه ابن قتيبة 2 مع زيادات : إلى أن قال ويحكم ما أنتم إلاّ كإبل جامحة ضلّ عنها رعاؤها ، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب ، و اللّه لكأنّي أنظر إليكم و قد حمى الوطيس لقد انفرجتم عليّ انفراج الرأس ،

و انفراج المرأة عن قبلها . فقام إليه الأشعث فقال : فهلاّ فعلت كما فعل عثمان ؟

فقال عليه السّلام له : ويلك : و كما فعل عثمان رأيتني فعلت ؟ عائذا باللّه من شر ما تقول ،

و اللّه إنّ الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه ، فكيف و أنا على بيّنة من ربي و الحق معي ؟ و اللّه إنّ امرأ مكّن عدوّه من نفسه فنهش عظمه و سفك دمه ، لعظيم عجزه و ضعيف قلبه . أنت يا بن قيس فكن ذلك ، فأمّا أنا فو اللّه دون أن اعطي ذلك ضربا بالمشرفي يطير له فراش الرأس ، و تطيح منه الأكفّ و المعاصم و تجذبه الغلاصم ، و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء .

« افّ لكم » في ( الجمهرة ) : يقال : أتانا على افّ ذلك . أي : أبانه . و افّ لك : إذا

-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 1 : 33 38 .

-----------
( 2 ) خلطاء ابن قتيبة : 150 151 .

[ 524 ]

تضجّرت منه ، و قال أبو زيد في قولهم : اف و تف : ( اف ) الأظفار ، و ( تف ) و سخها . و في ( الصحاح ) : افا له . أي : قذرا ، و التنوين للتنكير .

« لقد سئمت » أي : مللت .

« عتابكم » أي : لومكم ، و إنّما سئم عليه السّلام من عتابهم لأنّه كان يعاتبهم مرة بعد مرة على الشخوص إلى العدوّ بعد الفراغ من الخوارج ، و في النخيلة و في الكوفة فيتقاعدون .

« أ رضيتم بالحياوة الدّنيا من الآخرة عوضا » قال تعالى : يا أيّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدّنيا في الآخرة إلاّ قليل 1 .

« و بالذل من العز خلفا » و كان أهل العراق أعزاء قبل رجوعهم من صفّين ،

و صاروا أذلاّء بعده بتركهم القتال مع أهل الشام .

« إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنّكم من الموت في غمرة » الأصل فيه قوله تعالى : . . . فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت . . . 2 .

« و من الذهول » أي : الغفلة .

« في سكرة » فلا تعقلون ما يقال لكم .

« يرتج » من : ارتجت الباب : إذا أغلقته .

« عليكم حواري » بالكسر من المحاورة ، أي : خطابي .

« فتعمهون » أي : تتحيّرون .

-----------
( 1 ) التوبة : 38 .

-----------
( 2 ) الأحزاب : 19 .

[ 525 ]

« فكأنّ » و في ( ابن ميثم ) 1 : « و كأن » .

« قلوبكم مألوسة » في ( الجمهرة ) : الألس و الآلاس : ذهاب العقل ، رجل مألوس : إذا كان كذلك .

« فأنتم لا تعقلون » فمن اخذ قلبه و ذهب عقله ، كيف يعقل ؟

« ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي » كناية عن الأبد ، قال الشاعر :

هنالك لا أرجو حياة تسرني
سجيس الليالي مبسلا بالجرائر

و مثله سجيس الدهر ، قال :

و لو لا ظلمه مازلت أبكي
سجيس الدّهر ما طلع النجوم

قال ابن دريد يقال : لا آتيك سجيس الليالي ، كما يقال : طوال الليالي ،

و طوال الدهر .

« و ما أنتم بركن يمال بكم » قالوا في قوله تعالى : . . . أو آوي إلى ركن شديد 2 أي عزّ و منعة . و ركن الشي‏ء جانبه الأقوى .

« و لا زوافر » أي : أسباب .

« عزّ يفتقر إليكم » لمّا كان الحجاج يقاتل شبيب الخارجي ، و أمدّه عبد الملك بسفيان بن الأبرد الكلبي قام الحجاج على المنبر و قال ، يا أهل الكوفة ، لا أعزّ اللّه من أراد بكم العزّ ، و لا نصر من أراد بكم النّصر ، أخرجوا عنّا و لا تشهدوا معنا قتال عدوّنا ، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود و النصارى .

و قال أعشى همدان في انهزام أهل العراق مع ابن الأشعث :

و ينزل ذلاّ بالعراق و أهله كما
نقضوا العهد الوثيق المؤكّدا

فكيف رأيت اللّه فرّق جمعهم
و مزّقهم عرض البلاد و شرّدا

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 76 .

-----------
( 2 ) هود : 80 .

[ 526 ]

بما نكثوا من بيعة بعد بيعة
إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا

و ما أحدثوا من بدعة و عظيمة
من القول لم تصعد إلى اللّه مصعدا

« ما أنتم إلاّ كابل ضلّ رعاتها » الرعاة : جمع الراعي .

« فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر » و قد عرفت أنّ في رواية الثقفي :

« فما أنتم إلاّ كإبل جمّة ضل راعيها . . . » و في رواية القتيبي : « ما أنتم إلاّ كأبل جامحة ضلّ عنها رعاؤها ، فكلّما ضمت من جانب انتشرت من جانب » .

« لبئس لعمر اللّه سعّر » بالضم و التشديد ، جمع ساعر من : سعرت النار :

إذا أوقدتها ، قرى‏ء و إذا الجحيم سعّرت 1 بالتشديد و التخفيف .

و سمّي شاعر أسعر بقوله :

فلا يدعني الأقوام من آل مالك
إذا أنا لم أسعر عليهم و اثقب

« نار الحرب أنتم تكادون و لا تكيدون و تنقص » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و تنتقص ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .

« أطرافكم فلا تمتعضون » أي : لا يشق عليكم فتغضبون .

« لا ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون » أي : مساهلون .

« غلب » بالضم ، أي : يصير مغلوبا .

« و اللّه المتخاذلون . و ايم اللّه » بمعنى يمين اللّه .

« إنّي لأظنّ أن لو حمس » أي : اشتدّ .

« الوغى » أي : الحرب .

« و استحر » مثل حر ، بمعنى اشتد .

-----------
( 1 ) التكوير : 12 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 189 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 76 .

[ 527 ]

« الموت » و المراد القتل .

« قد انفرجتم » أي : انفصلتم .

« عن ابن أبي طالب انفراج الرأس » قال الشاعر :

تفرّقت القبائل عن رباح
تفرّق بيضة عن ذي جناح

قال ابن أبي الحديد 1 : معنى انفراج الرأس : أي كما ينفلق الرأس ، فيذهب نصفه يمنة و نصفه شامة . و قال الرّاوندي : معناه انفراج من أدنى رأسه إلى غيره ثم حرف رأسه عنه . و قال ابن ميثم : انفراج الرّأس مثل ، قيل : أوّل من تكلّم به أكثم بن صيفي في وصيته لبنيه : لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرّأس ،

فإنّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عزّ . قال ابن دريد : معناه أنّ الرّأس إذا انفرج عن البدن لا يعود إليه . و قال المفضّل : الرّأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها : بيت الرّأس يباع فيه الخمر . قال حسّان :

كأن سبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل و ماء

و هذا الرّجل قد انفرج عن قومه و لم يعد ، فضرب به المثل . و قيل : معناه أنّ الرّأس إذا انفرج بعض عظامه كان بعيد الالتيام . و قيل : معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع ، كما في قوله عليه السّلام في موضع آخر : « انفراج المرأة عن قبلها » .

قلت : الأصح قول ابن دريد ، و أمّا ما عن المفضّل فيختلف تعريفا و تنكيرا ، و أمّا الأخير فيردّه أنّ الثقفي و القتيبي جمعا بينهما في روايتيهما .

« و اللّه إنّ امرأ يمكّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه » أي : يأكل جميع لحمه من عظمه . و سمّي شاعر طائي عارقا بقوله :

إن لم يغير بعض ما قد صنعتم
لأنتحين للعظم ذو انا عارقه

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 191 .

[ 528 ]

« و يهشم عظمه » أي : يدقه ، من : هشم الثريد ، و منه سمّي هاشم ، و اسمه عمرو ، قال الشاعر :

عمرو الذي هشم الثريد لقومه
و رجال مكة مسنتون قحاف

« و يفري جلده » من : أفريت الأديم : قطعته على جهة الإفساد ، و أمّا فريته فقطعة على الإصلاح .

« لعظيم عجزه ضعيف ما ضمت عليه جوانح » جمع جانحة : الاضلاع المحيطة بالصدر .

« صدره » أي : ضعيف قلبه ، في ( عيون القتيبي ) 1 : قال الحرسي : استثرنا من مزرعة في بلاد الشام رجلين يذريان حنطة ، أحدهما أصيفر أحيمس و الآخر مثل الجمل عظما ، فقاتلنا الأصيفر بالمذري لا تدنو منه دابة إلاّ نخس أنفها و ضربها حتى شق علينا ، فقتل و لم نصل إلى الآخر حتى مات فرقا ،

فأمرت بهما فوقرت بطونهما ، فإذا فؤاد الضّخم يابس مثل الحشفة ، و فؤاد الاصيفر مثل فؤاد الجمل يتخضخض في مثل كوز من ماء .

و اخرج شبيب الخارجي من الماء بعد غرقه فشقّ بطنه و اخرج فؤاده ،

فاذا هو مثل الكوز ، فجعلوا يضربون به الأرض فينزو .

« و أنت فكن ذاك إن شئت » قد عرفت من رواية الثقفي و رواية القتيبي أنّ المخاطب له عليه السّلام بهذا الكلام : الأشعث بن قيس لمّا قام إليه في خطبته تلك و قال له : هلاّ فعلت كما فعل عثمان ؟ فزجره عليه السّلام و قال له : إنّ الذي فعل لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه ، فكيف و أنا على بيّنة من ربّي و الحق معي ؟ و اللّه ان امرأ مكّن عدوّه . . . و في رواية الثاني : « أنت يابن قيس فكن ذلك » .

-----------
( 1 ) العيون للقتيبي 1 : 172 .

[ 529 ]

قال أبو عبيدة : سألت بعض بني كليب : ما أشد ما هجيتم به ؟ قال قول البعيث :

أ لست كليبيا إذا سيم خطة
أقرّ كإقرار الحليلة للبعل

و كلّ كليبيّ صحيفة وجهه
أذلّ لأقدام الرّجال من النعل

« فأما أنا فو اللّه دون أن اعطي ذلك ضرب بالمشرفيّة » أي : سيوف منسوبة مشارف قرية بها تعمل السيوف .

« تطير منه فراش » أي : عظام دقاق .

« الهام » أي : الرأس ، في ( القاموس ) : لقب ناجية الجرمي : معود الفتيان لأنّه ضرب مصدق نجدة الخارجي فخرق بناجية ، فضربه بالسيف و قتله و قال :

اعوّدها الفتيان بعدي ليفعلوا
كفعلي إذا ما جار في الحكم تابع

« و تطيح » أي : تهلك و تسقط .

« السواعد » سواعد اليد .

« و الأقدام » أخذ كلامه عليه السّلام ثابت قطنة فكتب إلى يزيد بن المهلب يحرّضه على القتال :

إنّ امرأ حدبت ربيعة حوله
و الحيّ من يمن و هاب كؤدا

لضعيف ما ضمنت جوانح صدره
إن لم يلف إلى الجنود جنودا

أيزيد كن في الحرب إذ هيجتها
كأبيك لا رعشا و لا رعديدا

شاورت أكرم من تناول ماجدا
فرأيت همّك في الهموم بعيدا

ما كان في أبويك قادح هجنة
فيكون زندك في الصلود زنودا

إنّا ضاربون في حمس الوغى
رأس المتوج إذ أراد صدودا

و ترى إذا كثر العجاج ترى لنا
في كلّ معركة فوارس صيدا

[ 530 ]

يا ليت اسرتك الذين تغيبوا
كانوا ليومك بالعراق شهودا

و ترى مواطنهم إذا اختلف القنا
و المشرفية يلتظين وقودا

فلمّا قر يزيد كتابه قال : إنّ ثابتا لغافل عمّا نحن فيه ، لاطيعنّه و سيرى ما يكون 1 .

في ( صفّين نصر ) 2 : ذكر معاوية يوما صفّين بعد عام الجماعة إلى أن قال فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : أمّا و اللّه لقد رأيت يوما من الأيام و قد غشينا ثعبان مثل الطود الأرعن قد أثار قسطلا حال بيننا و بين الأفق ، و هو على أدهم سائل يضربهم بسيفه ضرب غرائب الإبل ، كاشرا عن أنيابه كشر الحذر الحرب . فقال معاوية : و اللّه إنّه كان يجالد و يقاتل عن ترة له و عليه ، أراه يعني عليّا .

و ممّن لم يمكن عدوّه من نفسه المختار ، ففي ( الطبري ) 3 : أنّ المختار لمّا حوصر خرج في تسعة عشر رجلا فقال لهم : أ تؤمنوني و أخرج إليكم ؟

فقالوا : لا إلاّ على الحكم . فقال : لا احكّمكم في نفسي أبدا . فضارب بسيفه حتى قتل ، و قد كان قال لأصحابه حين أبوا أن يتابعوه على الخروج معه : إذا أنا خرجت إليهم فقتلت لم تزدادوا إلاّ ضعفا و ذلا فإن نزلتم على حكمهم و ثب أعداؤكم الذين قد وترتموهم ، فقال كلّ رجل منهم لبعضكم : هذا عنده ثأري .

فيقتل و بعضكم ينظر إلى مصارع بعض فتقولون : يا ليتنا أطعنا المختار و عملنا برأيه ، و لو أنّكم خرجتم كنتم إن أخطأتم الظفر متّم كراما ، و إن هرب منكم هارب فدخل في عشيرته يكن أذلّ من على ظهر الأرض فكان كما قال

-----------
( 1 ) الأغاني 14 : 277 278 .

-----------
( 2 ) صفّين لنصر بن مزاحم : 387 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 6 : 107 .

[ 531 ]

و لمّا كان الغد من قتل المختار قال بجير المسلي من أصحابه لباقيهم : يا قوم قد كان صاحبكم بالأمس أشار عليكم بالرأي فما أطعتموه ، يا قوم إنّكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم ، أخرجوا بأسيافكم حتى تموتوا كراما . فقالوا : لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا فعصيناه . فأمكنوا من أنفسهم و نزلوا إلى الحكم ، فبعث مصعب إليهم عباد الحبطي فكان هو يخرجهم مكتّفين إلى أن قال فقال بجير لمصعب : إنّ حاجتي إليك ألاّ اقتل مع هؤلاء ، إنّي أمرتهم أن يخرجوا مع أسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كراما فعصوني . فقدّم فقتل ، و قال مسافر بن سعيد بن نمران لمصعب لمّا أبى إلاّ قتلهم : قبّح اللّه قوما أمرتهم أن يخرجوا ليلا على حرس سكّة من هذه السكك ،

فنطردهم ثم نلحق بعشائرنا فعصوني حتى حملوني على أن أعطيت التي هي أنقص و أدنى ، و أبوا إلاّ أن يموتوا ميتة العبيد ، فأنا أسألك ألاّ تخلط دمي بدمائهم . فقدّم فقتل ناحية .

و فيه : لمّا حمل عبد الجبار الأزدي إلى المنصور بعد خروجه عليه قال له : قتلة كريمة قد تركتها وراءك يابن اللخناء .

و فيه 1 : إنّ معديكرب بن ذي يزن لمّا استجار بكسرى لينصره حتى يخرج الحبشة من بلاده ، أمر بمن كان في سجنه فاحصوا فبلغوا ثمانمائة ،

فقوّد عليهم قائدا من أساورته يقال له : و هرز ، كان كسرى يعدله بألف أسوار ،

و أمر بحملهم في ثماني سفائن في كلّ سفينة مائة ، فغرقت سفينتان و سلمت ست فخرجوا ساحل حضر موت ، و سار إليهم مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة و حمير و الأعراب ، و نزل و هرز على سيف البحر و جعل البحر وراء ظهره ، فلمّا نظر مسروق الحبشي إلى قلّتهم طمع فيهم فأرسل إلى و هرز :

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري : 140 .

[ 532 ]

ما جاء بك و ليس معك إلاّ من أرى و معي من ترى ؟ لقد غررت بنفسك و أصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت ، و إن أحببت ناجزتك السّاعة ، و إن أحببت أجّلتك حتى تنظر أمرك . فرأى و هرز أنّه لا طاقة له بهم فقال : بل تضرب بيني و بينك أجلا إلى أن قال فلمّا انقضى الأجل إلاّ يوما أمر بالسّفن التي كانوا فيها فاحرقت بالنار ، و أمر بما كان معهم من فضل كسوة فاحرق ، و لم يدع منه إلاّ ما كان على أجسادهم ، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه . كلوا هذا الزاد . فأكلوا فلمّا انتهوا أمر بفضله فالقي في البحر ، ثم قام فيهم خطيبا فقال : أمّا أن أحرقتم سفنكم فأردت أنّه لا سبيل لكم إلى بلادكم أبدا ، و أمّا أن أحرقت من ثيابكم فإنّه كان يغيظني إن ظفروا بكم أن يصير ذلك إليهم ، و أمّا ما ألقيت من زادكم في البحر فإنّي كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا ، فإن كنتم تقاتلون معي و تصبرون أعلمتموني ذلك ، و إن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري ، فإنّي لم أكن امكّنهم من نفسي أبدا . فقالوا : بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا أو نظفر .

فلمّا كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبّأ أصحابه و جعل البحر خلفه ،

و أقبل عليهم يحضّهم على الصبر و يعلمهم أنّهم معه بين خلتين : إما ظفروا بعدوّهم و إمّا ماتوا كراما ، و أمرهم أن تكون قسيهم موترة و قال : إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان . و لم يكن أهل اليمن رأوا النشّاب قبل ذلك و أقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل ، و على رأسه تاج بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى أنّ دون الظفر شيئا ، و كان وهرز قد كلّ بصره ، فقال : أروني عظيمهم . فقالوا : هو صاحب الفيل . ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا ، فقالوا : قد ركب فرسا . فقال : ارفعوا لي حاجبي .

و كانا قد سقطا على عينيه من الكبر ، فرفعوهما بعصابة ثم أخرج نشابه

[ 533 ]

فوضعها في كبد قوسه و قال : أشيروا لي إلى مسروق . فأشاروا حتى أثبته ثم قال : ارموا فرموا . و نزع في قوسه حتى إذا ملأها سرّح النشابة فأقبلت كأنها رشا حتى صكت جبهته فسقط عن دابته ، و قتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثيرة ، و انقضّ صفهم لمّا رأوا صاحبهم صريعا فلم يكن دون الهزيمة شي‏ء ،

و غنم من عسكرهم ما لا يحصى ، و جعل الأسوار يأخذ من الحبشة و من حمير و الأعراب الخمسين و الستين فيسوقهم مكتّفين .

« و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء » :

سأغسل عنّي العار بالسّيف جالبا
عليّ قضاء اللّه ما كان جالبا

و أذهل عن داري و أجعل هدمها
لعرضي من باقي المذمة حاجبا

و يصغر في عيني تلادي إذا انثنت
يميني بإدراك الذي كنت طالبا

و لابن المفرغ :

لا ذعرت السوام في فلق الصبح
مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم اعطي من المهانة ضيما
و المنايا يرصدنني أن أحيدا

و للعدواني :

إنّي أبيّ أبيّ ذو محافظة
و ابن أبيّ أبيّ من أبيين

و أنتم معشر زيد ما على مائة
فأجمعوا كيدكم طرا فكيدوني

هذا و مدح جريد الحجاج بقصيدة إلى أن قال :

قل للجبان إذا تأخّر سرجه
هل أنت من شرك المنية ناج

فقال له الحجاج : يابن اللخناء جرّأت عليّ الناس . فقال : ما ألقيت لها بالا إلاّ وقتي هذا .

هذا ، و قد قيل في التشجيع نظما و نثرا عربيا و فارسيا و أكثروا ، و أحسن ما قيل في ذلك أبيات الفردوسي المعروف بالفارسية التي منها :

[ 534 ]

اگر جز بكام من آيد جواب
من و گرز و ميدان و افراسياب

و لمّا سمعه السلطان محمود الغزنوي قال : لمن هذا البيت الذي يقطر منه ماء الشجاعة ؟ إلاّ إنّه لعمري أين ذاك البيت من كلامه عليه السّلام : « و ان امرؤ يمكّن عدوّه إلى و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء » ؟

« أيّها النّاس ان لي عليكم حقّا و لكم عليّ حقّ ، فأما حقّكم عليّ فالنصيحة لكم ،

و توفير » أي : استيفاء .

« فيئكم » أي : غنائمكم .

« عليكم ، و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصيحة في المشهد و المغيب » و كان عليه السّلام يؤدّي حقّهم إليهم أكثر ممّا لهم ، و كانوا يقصّرون في أداء حقّه .

و في ( الطبري ) 1 : وجّه معاوية في سنة ( 39 ) عبد اللّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة رجل إلى تيماء ، و أمره أن يتصدّق من مرّ به من أهل البوادي ، و أن يقتل من امتنع من الإعطاء ، ثم يأتي مكة و المدينة و الحجاز يفعل ذلك و اجتمع إليه بشر كثير من قومه ، فلمّا بلغ ذلك عليّا عليه السّلام وجّه المسيّب بن نجبة الفزاري فسار حتى لحقه بتيماء ، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس ،

و حمل المسيّب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات كلّ ذلك لا يلتمس قتله ،

و يقول له : النجاء النجاء . فدخل ابن مسعدة و عامّة من معه الحصن و هرب الباقون نحو الشام ، و انتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة ،

و حصره المسيب ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب و ألقى النيران فيه حتى احترق فلمّا أحسّوا بالهلاك اشرفوا على المسيب فقالوا : يا مسيب قومك قومك . فكره هلاكهم فأمر بالنار فاطفئت ، و قال لأصحابه : قد جاءتني عيون فأخبروني أنّ جندا قد أقبل إليكم من الشام ، فانضموا في مكان واحد : فخرج

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 134 .

[ 535 ]

ابن مسعدة في أصحابه ليلا حتى لحقوا بالشام ، فقال له عبد الرحمن بن شبيب : سر بنا في طلبهم فأبى المسيب ، فقال له : غششت أمير المؤمنين و داهنت .