8

الخطبة ( 66 ) و من كلام له عليه السّلام لمّا قلّد محمّد بن أبي بكر مصر فملكت عليه فقتل :

وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ ؟ مِصْرَ ؟ ؟ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ ؟ وَ لَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ اَلْعَرْصَةَ وَ لاَ أَنْهَزَهُمُ اَلْفُرْصَةَ بِلاَ ذَمٍّ ؟ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ؟ فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً وَ كَانَ لِي رَبِيباً أقول : قال ابن أبي الحديد 1 : روى المدائني : أنّ عليّا عليه السّلام قال : رحم اللّه محمدا ، كان غلاما حدثا ، لقد كنت أردت أن اولّي المرقال هاشم بن عتبة مصرا ، فإنّه و اللّه لو وليها ما خلّى لابن العاص و أعوانه العرصة ، و لا قتل إلاّ و سيفه في يده ، بلا ذمّ لمحمّد ، فلقد أحمد نفسه و قضى ما عليه .

قلت : و روى الطبري 2 عن أبي مخنف مثله ، لكن فيه : « و أعوانه الفجرة » ،

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 93 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 110 .

[ 571 ]

و فيه : « فقد اجتهد نفسه » .

قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام لمّا قلّد » قال الجوهري : « قلّدت المرأة فتقلدت هي » . و منه التقليد في الدين ، و تقليد الولاة الأعمال .

« محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه فقتل » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( و قتل ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد 4 نقل مقتله من ( غارات الثقفي ) 5 ، و أنقله من ( تاريخ الطبري ) 6 ، فروى عن أبي مخنف : أنّ أهل الشام لمّا انصرفوا من صفّين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان ، فلمّا انصرفا و تفرّقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة و لم يزدد إلاّ قوّة ، و اختلف الناس بالعراق على عليّ عليه السّلام ، فما كان لمعاوية هم إلاّ مصر ، و كان لأهلها خائفا لقربهم منه و شدّتهم على من كان على رأي عثمان ، و قد كان على ذلك علم أنّ بها قوما ساءهم قتل عثمان و خالفوا عليّا عليه السّلام ، و كان يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب عليّ لعظم خراجها ، فدعا من كان معه من قريش : عمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة و بسر بن أبي أرطاة و الضحّاك بن قيس و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، و من غيرهم : أبا الأعور السلمي و حمزة بن مالك الهمداني و شرحبيل الكندي ، فقال لهم : أتدرون لم دعوتكم ؟ فقال عمرو : أهمّك أمر هذه البلاد الكثير خراجها و الكثير عددها ، فاعزم و اقدم ، و نعم الرأي رأيت .

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 113 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 53 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 186 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 84 87 .

-----------
( 5 ) الغارات للثقفي 1 : 270 .

-----------
( 6 ) تاريخ الطبري 5 : 97 .

[ 572 ]

فقال معاوية : رأيتم كيف صنع اللّه بكم ؟ جاءكم عدوّكم و هم لا يرون إلاّ أنّهم سيقيضون بيضتكم و يخرّبون بلادكم . فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري و إلى معاوية بن حديج الكندي و كانا خالفا عليّا عليه السّلام :

فاصبروا و صابروا عدوّكما ، و ادعوا المدبر هداكما و كأن الجيش قد أظل عليكما ، فانقشع كلّ ما تكرهان و كان كلّ ما تهويان إلى أن قال في جواب مسلمة لمعاوية عجّل علينا خيلك و رجلك فإنّ عدوّنا قد كان علينا حربا و كنّا فيهم قليلا ، فقد أصبحوا لنا هائبين و أصبحنا لهم مقرنين ، فإن يأتنا اللّه بمدد من قبلك يفتح اللّه عليكم إلى أن قال فبعث معاوية عمرا في ستة آلاف رجل فخرج يسير حتى نزل أدنى أرض مصر ، فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم و كتب إلى محمّد بن أبي بكر : تنحّ عنّي بدمك يا بن أبي بكر فإنّي لا احب أن يصيبك منّي ظفر ، إنّ النّاس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك و رفض أمرك و ندموا على اتباعك ، فهم مسلّموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإنّي لك من الناصحين . و بعث عمرو كتابه مع كتاب معاوية إلى محمّد ، و في كتاب معاوية : إنّ غب البغي و الظلم عظيم الوبال ، و إنّ سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا و من التبعة الموبقة في الآخرة ، و إنّا لا نعلم أحدا كان على عثمان أعظم بغيا و لا أسوأ له عيبا و لا أشدّ خلافا عليه منك ، سعيت عليه في الساعين و سكفت دمه في السافكين ، ثمّ تظنّ أنّي عنّك نائم أو ناس لك ، حتى تؤمّر فتأمر على بلاد أنت فيها جاري و جلّ أهلها أنصاري ، يرون رأيي و يرقبون قولي و يستصرخوني عليك ؟ و قد بعثت إليك أقواما خناقا عليك ، يستسقون دمك و قد أعطوا اللّه عهدا ليمثّلن بك ، و لو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك و لا أنذرتك و لا أحببت أن يقتلوك بظلمك و قطيعتك و عدوك على عثمان ، يوم تطعن بمشاقصك بين خششائه و أوداجه ، و لكن

[ 573 ]

أكره أن امثّل بقرشي ، و لن يسلّمك اللّه من القصاص أبدا أينما كنت . فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما و بعث بهما إلى عليّ عليه السّلام و كتب معهما : إنّ ابن العاص قد نزل أدنى أرض مصر في لجب من جيش خرب ، و إنّ من كان بها على مثل رأيه خرج إليه ، و قد رأيت ممّن قبلي بعض الفشل ، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال و الأموال . فكتب إليه عليّ عليه السّلام : جاءني كتابك تذكر أنّ ابن العاص نزل بأدنى أرض مصر ، و أنّ من كان بها على مثل رأيه خرج إليه ، و خروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك ، و ذكرت أنّك قد رأيت في بعض ممّن قبلك فشلا ، فلا تفشل و إن فشلوا ، حصّن قريتك و اضمم إليك شيعتك ، و اندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنّصيحة و النجدة و البأس ، فإنّي نادب إليك النّاس على الصعب و الذلول ، فاصبر لعدوّك و امض على بصيرتك ، و قاتلهم على نيّتك و جاهدهم صابرا محتسبا ، و إن كانت فئتك أقل الفئتين فإنّ اللّه قد يعزّ القليل و يخذل الكثير . و قد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية و الفاجر ابن الكافر عمرو ، المتحابّين في عمل المعصية و المتوافقين المرتشين في الحكومة ، المنكرين في الدنيا ( قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم ) 1 ، فلا يهلك إرعادهما و إبراقهما و أجبهما ، إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنّك تجد مقالا ما شئت .

فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه : أتاني كتابك تذكّرني من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه ، و تأمرني بالتنحّي عنك كأنّك لي ناصح ،

و تخوّفني المثلة كأنّك شفيق ، و أنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقعة ، و أن تؤتوا النصر و يكن لكم الأمر في الدنيا ، فكم لعمري ما من

-----------
( 1 ) اقتباس من سورة التوبة : 69 .

[ 574 ]

ظالم قد نصرتم ، و كم من مؤمن قد قتلتم و مثّلتم به ، و إلى اللّه مصيركم و مصيرهم ، و إلى اللّه مرد الامور و هو أرحم الراحمين و هو المستعان على ما تصفون .

و كتب إلى عمرو : زعمت أنّك تكره أن يصيبني منك ظفر ، و أشهد أنّك من المبطلين ، و تزعم انّك لي نصيح ، و اقسم أنك عندي ظنين ، و تزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي و ندموا على اتباعي ، فاولئك لك و للشيطان الرجيم أولياء ، و حسبنا اللّه رب العالمين .

فأقبل عمرو حتى قصد مصر ، فقام محمد في الناس فقال : معاشر المسلمين و المؤمنين ، إنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة و ينعشون الضلال ، و يشبّون نار الفتنة و يتسلّطون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة و ساروا إليكم بالجنود . عباد اللّه ، فمن أراد الجنّة و المغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم . فلمّا دنا عمرو من كنانة سرّح الكتائب كتيبة بعد كتيبة ،

فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلاّ شدّ عليها بمن معه حتى يقربها بعمرو ، فعل ذلك مرارا ، فلمّا رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج فأتاه في مثل الدّهم ،

فأحاط بكنانة و أصحابه و اجتمع أهل الشام عليهم من كلّ جانب ، فلمّا رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه و نزل أصحابه و كنانة يقول : و ما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن اللّه كتابا مؤجّلا و من يرد ثواب الدنيا نؤته منها و من يرد ثواب الآخرة نؤته منها و سنجزي الشاكرين 1 . فضاربهم بسيفه حتى استشهد .

و أقبل عمرو نحو محمّد و قد تفرّق عنه أصحابه لمّا بلغهم قتل كنانة حتى بقي و ما معه أحد من أصحابه ، فلمّا رأى ذلك خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها ، و جاء عمرو حتى دخل

-----------
( 1 ) آل عمران : 145 .

[ 575 ]

الفسطاط ، و خرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق ، فسألهم : هل مرّ بكم أحد تنكرونه ؟ فقال أحدهم : إنّي دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس . فقال ابن حديج : هو و ربّ الكعبة . فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه و قد كاد يموت عطشا ، فأقبلوا به نحو فسطاط مصر ، و وثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو و كان في جنده فقال : أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه . فبعث إليه عمرو يأمره أن يأتيه بمحمد ، فقال : قتلتم كنانة و اخلّي أنا عن محمد ؟ هيهات أ كفاركم خير من اولئكم أم لكم براءة في الزبر 1 ؟ فقال لهم محمد :

اسقوني . فقال ابن حديج : لا سقاه اللّه ان سقاك قطرة أبدا ، إنّكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما ، فتلقاه اللّه بالرحيق المختوم ، و اللّه لأقتلنّك يا بن أبي بكر فيسقيك اللّه الحميم و الغسّاق . فقال له محمد : يابن اليهودية النسّاجة ، ليس ذلك إليك و لا إلى من ذكرت ، إنّما ذلك إلى اللّه عز و جل ،

يسقي أولياءه و يظمى‏ء أعداءه أنت و ضرباؤك و من تولاه ، أما و اللّه لو كان سيفي في يدي ما بلغتم منّي هذا . قال له ابن حديج : أتدري ما أصنع بك ؟ ادخلك في جوف حمار ثم احرقه عليك بالنار . فقال له محمد : إن فعلتم ذلك بي فطالما فعل ذلك بأولياء اللّه ، و إنّي لأرجو هذه النار التي تحرقني بها ، أن يجعلها اللّه عليّ بردا و سلاما كما جعلها على خليله إبراهيم عليه السّلام ، و إن يجعلها عليك و على أوليائك كما جعلها على نمرود و أوليائه ، إنّ اللّه يحرقك و من ذكرته قبل يعني : عثمان و امامك يعني : معاوية و هذا و أشار إلى عمرو بنار تلظى عليكم كلّما خبت زادها اللّه سعيرا . قال له ابن حديج : إنّي إنّما أقتلك بعثمان . قال له محمد . و ما أنت و عثمان ؟ إنّ عثمان عمل بالجور و نبذ حكم القرآن ، و قد قال

-----------
( 1 ) القمر : 43 .

[ 576 ]

تعالى : و من لم يحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الفاسقون 1 فنقمنا عليه ذلك ،

و حسنت أنت و نظراؤك له ذلك ، فقد برّأنا اللّه تعالى من ذنبه ، و أنت شريكه في إثمه و عظم ذنبه و جاعلك على مثاله . فغضب ابن حديج فقدمه فقتله ، ثمّ ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار .

قوله عليه السّلام : « و قد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة » إنّ هاشما و إن كان قتل في صفّين سنة ( 37 ) و قتل محمّد بن أبي بكر في مصر كان في سنة ( 38 ) إلاّ أنّ توليته عليه السّلام لمحمّد كان قبل صفّين بعد عزل قيس بن سعد بن عبادة عنها ،

و أراد عليه السّلام تولية هاشم فطلب منه عليه السّلام ابن أخيه عبد اللّه بن جعفر أخو محمّد لامّه تولية محمّد .

« و لو ولّيته » أي : هاشما .

« إيّاها » يعني : مصر .

« لما خلّى لهم العرصة » قال ابن دريد : عرصة الدار : ما لا بناء فيه . و مثله الجوهري ، و في ( الأساس ) : قال النضر : لو جلست في بيت من بيوت الدار كنت جالسا في العرصة ، بعد ألاّ تكون في العلو .

و كيف كان ، فعدم تخلية العرصة كناية عن عدم اعطائهم المهلة .

« و لا أنهزهم الفرصة » يعني : لا يعطيهم فرصة يغتنمونها ، هذا ، و قد عرفت أنّ الطبري و المدائني رويا بدل « و لا أنهزهم الفرصة » : « و لمّا قتل إلاّ و سيفه في يده » .

هذا ، و هاشم ابن أخي سعد بن أبي وقاص و في ( الاستيعاب ) 2 كانت راية عليّ عليه السّلام على الرجّالة يوم صفّين بيده ، و هو القائل يوم صفّين :

-----------
( 1 ) المائدة : 47 .

-----------
( 2 ) الاستيعاب 3 : 619 620 .

[ 577 ]

أعور يبغي أهله محلاّ
قد عالج الحياة حتى ملاّ

لا بد أن يفلّ أو يفلاّ

و قطعت رجله يومئذ ، فجعل يقاتل من دنا منه و هو بارك و يقول :

الفحل يحمي شوله معقولا

و قاتل حتى قتل .

و في ( صفّين نصر ) 1 : و لمّا سقط هاشم من طعنة شقّت بطنه رفع رأسه فاذا هو بعبيد اللّه بن عمر بن الخطاب قتيلا إلى جانبه ، فجثا حتى دنا منه فعضّ على ثديه حتى تبيّنت فيه أنيابه ، ثمّ مات و هو على صدر عبيد اللّه .

و فيه 2 : كان عليّ عليه السّلام قال لهاشم كهيئة المازح : أبا هاشم ، أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا ؟ فقال : ستعلم يا أمير المؤمنين ، و اللّه لألفنّ بين جماجم القوم لفّ رجل ينوي الآخرة . . . .

و فيه 3 : مرّ عليّ عليه السّلام يوم صفّين على هاشم و على عصابة من أسلم من القراء اصيبوا معه فقال :

جزى اللّه خيرا عصبة أسلمية
صباح الوجوه صرّعوا حول هاشم

و في ( الاستيعاب ) 4 : فقئت عينه يوم اليرموك ، و افتتح جلولاء الذي يقال له : فتح الفتوح ، و كان سبب الفتح على المسلمين في القادسية .

« بلا ذم لمحمّد » لأنّه جاهد حتى لم يبق معه أحد .

« فلقد كان إليّ حبيبا و كان لي ربيبا » هكذا رواية المصنّف ، و قد عرفت أنّ المدائني و الطبري رويا بدل هذا الكلام : « فلقد اجتهد نفسه و قضى ما عليه »

-----------
( 1 ) صفّين لنصر بن مزاحم : 355 .

-----------
( 2 ) صفّين لنصر بن مزاحم : 327 .

-----------
( 3 ) صفّين لنصر بن مزاحم : 356 .

-----------
( 4 ) الاستيعاب 3 : 617 .

[ 578 ]

و هو الأنسب بقوله : « بلا ذم لمحمّد » دون ما نقله المصنّف ، فحبيب الإنسان كربيبه قد يكون مذموما ، قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله : إنّك لا تهدي من أحببت . . . 1 .

و الظاهر أنّه عليه السّلام قال هذا الكلام ، غير متصل بذلك الكلام فقال المدائني :

قيل لعليّ عليه السّلام : لقد جزعت على محمّد بن أبي بكر ؟ فقال : و ما يمنعني ؟ إنّه كان لي ربيبا ، و كان لي أخا ، و كنت له والدا . أعدّه ولدا و مثله المسعودي 2 فقال :

قال عليه السّلام : ما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه ، كان لي ربيبا و كنت أعدّه ولدا ، كان بي برّا . . . .

و كيف كان ، كان محمّد ربيبه عليه السّلام لأنّه تزوّج بامّه أسماء بنت عميس و ربّاه عليه السّلام لأنّه كان يوم موت أبيه ابن ثلاث ، و في ( الكشي ) : كانت نجابته من قبل امّه أسماء .

و في ( المروج ) 3 : لمّا وصل محمّد إلى مصر بعد قيس كتب إلى معاوية بعد ذكر بعث اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله : فكان أوّل من أجاب و أناب و آمن و صدّق و أسلم و سلّم : أخوه و ابن عمّه عليّ بن أبي طالب ، صدّقه بالغيب المكتوم و آثره على كلّ حميم ، و وقاه بنفسه كلّ هول و حارب حربه و سالم سلمه ، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل و النهار و الخوف و الجوع ، حتى برز سابقا لا نظير له في من اتّبعه و لا مقارب له في فعله ، و قد رأيتك تساميه و أنت أنت و هو هو ، أصدق الناس نيّة و أفضل الناس ذرية ، و خير الناس زوجة و أفضل الناس ابن عمّ و أخوه الشاري بنفسه يوم موته ، و عمّه سيد الشهداء

-----------
( 1 ) القصص : 56 .

-----------
( 2 ) المسعودي 2 : 409 .

-----------
( 3 ) مروج الذهب 3 : 11 .

[ 579 ]

يوم احد و أبوه الذابّ عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و عن حوزته ، و أنت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت و أبوك تبغيان للنبي صلّى اللّه عليه و آله الغوائل ، و تجهدان في إطفاء نور اللّه ،

تجمعان على ذلك الجموع و تبذلان فيه المال و تؤلّبان عليه القبائل ، على ذلك مات أبوك و عليه خلفته ، و الشهيد عليك من يدنى و يلجأ إليك من بقية الأحزاب و رؤساء النفاق ، و الشاهد لعليّ عليه السّلام مع فضله المبين القديم انصاره الذين معه ، الذين ذكرهم اللّه بفضلهم و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار ، فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعليّ عليه السّلام و هو وارث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وصيّه و أبو ولده ، أوّل الناس له اتباعا و أقربهم به عهدا ، يخبره بسرّه و يطلعه على أمره ،

و أنت عدوّه ؟ فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك و ليمددك ابن العاص في غوايتك ، فكأنّ أجلك قد انقضى إلى أن قال فكتب : من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمّد بن أبي بكر : أتاني كتابك و لأبيك فيه تعنيف ، ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب و قديم سوابقه و قرابته إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و مواساته إيّاه في كلّ هول و خوف ، فقد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب و حقّه لازما لنا مبرورا علينا ، فلمّا قبض اللّه نبيّه كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه حقّه و خالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا و اتّسقا ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما ، فأبطأ عنهما و تلكأ عليهما ، فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم ، ثم إنّه بايع لهما و سلّم لهما ، و أقاما لا يشركانه في أمرهما و لا يطلعانه على سرّهما حتى قبضا ، ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما و سار بسيرهما إلى أن قال و قس شبرك بفترك تقصر أن توازن من يزن الجبال بحلمه ، أبوك مهّد مهاده و بنى له ملكه و شاده ، فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك استبد به و نحن شركاؤه ، و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلّمنا إليه ، و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثاله ، فعب أباك بما بدا لك ، أو دع ذلك .

[ 580 ]