
9
الكتاب ( 35 ) و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ ؟ مِصْرَ ؟ قَدِ اِفْتُتِحَتْ وَ ؟ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ؟ رَحِمَهُ اَللَّهُ قَدِ اُسْتُشْهِدَ فَعِنْدَ اَللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً وَ عَامِلاً كَادِحاً وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ رُكْناً دَافِعاً وَ قَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ اَلنَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ اَلْوَقْعَةِ وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً فَمِنْهُمُ اَلْآتِي كَارِهاً وَ مِنْهُمُ اَلْمُعْتَلُّ كَاذِباً وَ مِنْهُمُ اَلْقَاعِدُ خَاذِلاً وَ أَسْأَلُ اَللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلاً فَوَاللَّهِ لَوْ لاَ طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي اَلشَّهَادَةِ وَ تَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى اَلْمَنِيَّةِ لَأَحْبَبْتُ أَلاَّ أَبْقَى مَعَ هَؤُلاَءِ يَوْماً وَاحِداً وَ لاَ أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً أقول : رواه الطبري في ( تاريخه ) 1 و الثقفي في ( غاراته ) 2 بدون قوله :
« ولدا ناصحا و عاملا كادحا و سيفا قاطعا و ركنا دافعا » .
و رويا 3 أيضا جواب ابن عباس لكتابه عليه السّلام : رحم اللّه محمّد بن أبي بكر و آجرك فيه ، و قد سألت اللّه أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا و مخرجا ، و أن يعزّك بالملائكة عاجلا بالنصرة ، فإنّ اللّه صانع لك ذلك و معزّك و مجيب دعوتك و كابت عدوّك ، اخبرك يا أمير المؤمنين أنّ الناس ربّما تثاقلوا ثم ينشطون ، فارفق بهم . قال الثاني و روي أنّ ابن عباس قدم
-----------
( 1 ) التاريخ للطبري 5 : 109 .
-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 1 : 299 .
-----------
( 3 ) الغارات للثقفي 1 : 300 .
[ 581 ]
من البصرة عليه عليه السّلام فعزّاه به .
و رويا 1 أيضا : أنّه عليه السّلام قام في الناس خطيبا و قال : ألا إنّ مصر قد افتتحها الفجرة اولو الجور و الظلم ، الذين صدوا عن سبيل الإسلام و بغوا الإسلام عوجا ، ألا و إنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمه اللّه فعند اللّه نحتسبه ، أما و اللّه أن كان ما علمت : لممّن ينتظر القضاء و يعمل للجزاء و يبغض شكل الفاجر و يحب هدى المؤمن .
و روى الكليني في ( رسائله ) : أنّ الناس سألوه عن أبي بكر و عمر و عثمان فغضب عليه السّلام و قال : قد تفرغتم للسؤال عمّا لا يعنيكم ، و هذه مصر قد افتتحت و قتل معاوية بن حديج محمّد بن أبي بكر ، فيالها من مصيبة ما أعظمها فو اللّه ما كان إلاّ كبعض بني . و قريب منه في ( خلفاء القتيبي ) .
قول المصنف : « و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس » هكذا في ( المصرية ) 2 و زاد ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم 4 بعده : « رحمه اللّه » .
« بعد مقتل محمّد بن أبي بكر » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط فزاد ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) بعده : « بمصر » .
قوله عليه السّلام : « أمّا بعد ، فإنّ مصر قد افتتحت » و كان فتحها في سنة ( 38 ) .
« و محمّد بن أبي بكر قد استشهد » قتل صبرا ثم احرق ، و إنّما قتلوه هكذا لكونه شيعته ، و ما دافع عنه أخوه لأبيه عبد الرحمن بن أبي بكر لذلك ، و إنّما قال لفظا لابن العاص : أتقتلون أخي صبرا . و لو لم يكن شيعته عليه السّلام لمّا قتلوه لكونه ابن أبي بكر و لأخيه عبد الرحمن و لاخته عايشة .
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 1 : 295 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 3 : 67 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 145 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 5 : 76 .
[ 582 ]
« فعند اللّه نحتسبه » فقد عرفت أنّ مصيبته كانت عليه عليه السّلام عظيمة حتى رؤي ذلك في وجهه .
« ولدا ناصحا » فإنّ الربيب كالولد .
« و عاملا كادحا » أي : مجدّا .
« و سيفا قاطعا و ركنا دافعا » كما عرفت في سابقه من كتابه إلى معاوية في شأنه .
« و قد كنت حثثت النّاس على لحاقه » و دركه .
« و أمرتهم بغياثه قبل الوقعة » أي : إيقاع العدوّ به .
« و دعوتهم سرّا و جهرا و عودا و بدءا » فقال عليه السّلام لهم لمّا جاءه صريخ محمّد :
أخرجوا إلى الجرعة و هي قرية بين الحيرة و الكوفة فوافوني بها هناك غدا .
ثم خرج عليه السّلام يمشي من الغد بكرة إلى الجرعة فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه أحد ، فرجع بالعشي إلى أشرافهم و أنّبهم ، فقام مالك بن كعب الأرحبي و قال : اندب الناس معي . فأمر مناديه أن ينتدبوا فخرج معه قليل نحو ألفي رجل ، فقال عليه السّلام له : سر فو اللّه ما أخا لك تدركوا القوم حتى ينقضي أمرهم . و قال عليه السّلام في خطبته بعد شهادة محمّد و أصحابه : و قد دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين ليلة ، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق .
« فمنهم الآتي كارها و منهم المعتل » أي : الآتي بالعلّة لتخلّفه كاذبا .
« و منهم القاعد خاذلا و أسأل اللّه » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( اسأل اللّه ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم ) 3 .
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 3 : 67 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 145 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 5 : 76 .
[ 583 ]
« أن يجعل منهم » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( أن يجعل لي منهم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) .
« فرجا عاجلا ، فو اللّه لو لا طمعي عند لقائي عدوّي في الشهادة و توطيني نفسي على المنية » أي : الموت .
« لأحببت ألاّ أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ، و لا التقي بهم أبدا » و كان عليه السّلام غير مسرور من الناس بعد عملهم معه يوم السقيفة و لو كانوا مجدين معه ،
فقال عليه السّلام : « لو لا ما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أوّلها » و كيف و قد عاملوه عليه السّلام تلك المعاملة ، و كان عملهم جزاء من اللّه تعالى لهم بعملهم في السقيفة و في يوم الدار . . . و ما ربك بظلام للعبيد 1 فأبدلهم اللّه به و بأهل بيته أهل بيت الرحمة بني اميّة الشجرة الملعونة في القرآن .