
10
الخطبة ( 67 ) و من كلام له عليه السّلام :
كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى اَلْبِكَارُ اَلْعَمِدَةُ وَ اَلثِّيَابُ اَلْمُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ أَ كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ وَ اِنْجَحَرَ اِنْجِحَارَ اَلضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا وَ اَلضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا اَلذَّلِيلُ وَ اَللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَ مَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ إِنَّكُمْ وَ اَللَّهِ لَكَثِيرٌ فِي اَلْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ اَلرَّايَاتِ وَ إِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَ يُقِيمُ أَوَدَكُمْ وَ لَكِنِّي لاَ أَرَى إِصْلاَحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي أَضْرَعَ اَللَّهُ خُدُودَكُمْ وَ أَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لاَ
-----------
( 1 ) فصّلت : 46 .
[ 584 ]
تَعْرِفُونَ اَلْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ اَلْبَاطِلَ وَ لاَ تُبْطِلُونَ اَلْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ اَلْحَقَّ أقول : لم يهتد أحد من الشرّاح إلى الأصل في هذه الخطبة ، و قد عرفت في السادس أنّ الأصل فيها في غارة النّعمان بن بشير على عين التمر ، و أنّ ابن أبي الحديد توهّم أنّ تلك الخطبة كانت في غارة النّعمان ، مع أنّ تلك كانت في مقتل محمّد بن أبي بكر في فتح مصر .
روى اليعقوبي في ( تاريخه ) 1 : أنّ معاوية وجّه النّعمان بن بشير فأغار على مالك بن كعب الأرحبي ، و كان عامل عليّ عليه السّلام على مسلحة عين التمر ،
فندب عليّ عليه السّلام الناس فقال : يا أهل الكوفة انتدبوا إلى أخيكم مالك بن كعب ،
فإنّ النّعمان بن بشير قد نزل به في جمع ليس بكثير ، لعلّ اللّه أن يقطع من الظالمين طرفا . فأبطؤوا و لم يخرجوا فصعد المنبر فتكلّم كلاما خفيّا لم يسمع ، فظنّ الناس أنّه عليه السّلام يدعو اللّه ، ثم رفع صوته فقال : أما بعد ، يا أهل الكوفة ، أكلّما أقبل منسر من مناسر أهل الشام أغلق كلّ امرىء منكم بابه ،
و انجحر في بيته انجحار الضب و الضبع في و جاره ؟ افّ لكم لقد لقيت منكم برحا ، يوما اناجيكم و يوما اناديكم ، فلا إخوان عند النجاء و لا أحرار عند النداء .
ثم دخل بيته فقام عدي بن حاتم و قال للناس : هذا و اللّه الخذلان القبيح .
و روى الطبري 2 مسندا عن شيخ من بني فزارة قال : بعث معاوية النّعمان بن بشير في ألفين فأتوا عين التمر إلى أن قال فانتهيت إلى عليّ عليه السّلام على المنبر ، و قد سبقني بالتشهد و هو يقول : يا أهل الكوفة ، كلّما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام أظلكم الجحر كلّ امرىء منكم في بيته و أغلق بابه ، انجحار الضب في جحره و الضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 195 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 133 .
[ 585 ]
و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، لا أحرار عند اللقاء و لا إخوان ثقة عند النجاء ، ما ذا منيت به منكم ؟ عمى لا تبصرون و بكم لا تنطقون و صمّ لا تستمعون ، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون .
لكنّ المستندين خاليان من صدر العنوان إلى « تهتكت من آخر » و إنّما ذكره ( الإرشاد ) 1 في غارة الضحّاك لا هنا .
« و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) 2 و فيها سقط ، فبعده « في ذمّ أصحابه » كما يشهد له ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم 4 و ( الخطية ) .
قوله عليه السّلام : « كم اداريكم كما تدارى البكار » بالكسر : جمع البكر ، بالفتح :
الفتي من الإبل .
« العمدة » أي : المنفضخ داخل سنامها من الركوب و ظاهره صحيح ،
خص عليه السّلام من الإبل البكار المريضة لأن مداراتها أشدّ من مداراة المسنّة المريضة ، و قد شبّههم عليه السّلام في موضع آخر بالآبال من حيث آخر فقال : يا أشباه الإبل غاب عنها رعاؤها ، كلّما اجتمعت من جانب تفرّقت من جانب .
« و الثياب المتداعية » أي : ثياب تدعو كلّ قطعة منها الاخرى إلى الخرق .
« كلّما حيصت » أي : خيطت .
« من جانب تهتكت » أي : تخرّقت .
« من آخر » أي : من جانب آخر ، و للحمدوني في وصف طيلسان خرق منعق .
طيلسان لابن حرب
يتداعى لا مساسا
-----------
( 1 ) الإرشاد 1 : 271 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 113 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 102 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 188 .
[ 586 ]
قد طوى قرنا فقرنا
و اناسا فاناسا
كبس الأيّام حتى
لم يدع فيه لباسا
و لمّا خاف نصر بن مسلم عامل مروان بن محمّد على خراسان خروج أبي مسلم كتب إلى مروان يستنصره ، فأبطأ فأعاد عليه :
و الثوب إن أنهج فيه البلى
أعيى على ذي الحيلة الصانع
كنّا نداريها فقد مزّقت
و اتسع الخرق على الراقع
« كلّما أطل » بالمهملة ، أي : أشرف ، قال الشاعر :
انا البازي المطل على نمير
« عليكم منسر » بالكسر : قطعة من الجيش يمرّ قدام الجيش الكثير ، قاله الجوهري . و قال ابن دريد : المنسر : ما بين الأربعين إلى الخمسين من الخيل .
« من مناسر أهل الشام أغلق كلّ رجل منكم بابه » و في ( الأغاني ) 1 في وقعة ذي قار : أقبلت الأعاجم يسيرون على تعبيد ، فلمّا رأتهم بنو قيس بن ثعلبة انصرفوا فلحقوا بالحي ، فاستخفوا فسمّي حي بني قيس بن ثعلبة : خفيا .
« و انجحر » بتقديم الجيم ، أي : اختفى .
« انجحار الضبة في جحرها » بتقديم الجيم : ثقبتها في الأرض التي تأوي إليها .
« و الضبع في وجارها » بالكسر و الفتح : سرب الضبع في الأرض ، و في ( أنساب البلاذري ) خرج الياس بن مضر منتجعا و معه أهله و ماله ، فدخلت بين إبله أرنب فنفرت الإبل ، فخرج عمرو بن الياس في طلبها فأدركها ، فسمّاه أبوه :
مدركة ، و خرجت ليلى خلف ابنها مهرولة فقال لها إلياس : إلى اين تخندفين ؟
فسمّيت : خندف ، و خرج عامر في طلب الأرنب فصادها و طبخها ، فقال له أبوه :
-----------
( 1 ) الأغاني 24 : 68 .
[ 587 ]
أنت طابخة ، و رأى عميرا قد انقمع في المظلّة فهو يخرج رأسه منها ، فقال له :
أنت قمعة .
« و الذليل و اللّه من نصرتموه ، و من رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصل » و مرّ في العنوان الخامس : « المغرور و اللّه من غررتموه ، و من فاز بكم فقد فاز و اللّه بالسّهم الأخيب ، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل » و مرّ أنّ معنى أفوق ناصل : سهم منكسر لا نصل فيه .
في ( الأغاني ) : قال الحجاج يوما لجلسائه : ما حرّض عليّ أحد في خروج ابن الأشعث عليّ كما حرض أبو كلدة ، فإنّه نزل عن سرجه في وسط عسكر ابن الأشعث ثم نزع سراويله فوضعه و سلح فوقه و الناس ينظرون إليه ، فقالوا له ويلك أجننت ؟ ما هذا الفعل ؟ قال : كلكم قد فعلتم مثل هذا إلاّ أنّكم سترتموه و أظهرته . فشتموه و حملوا عليّ ، فما أنساهم و هو يقدمهم و يقول :
نحن جلبنا الخيل من زرنجا
مالك يا حجاج منّا منجى
لتبعجنّ بالسيوف بعجا
أو لنفرقن بذاك أحجى
فلقد كاد أهل الشام يومئذ يتضعضعون .
« و إنكم » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( إنّكم ) كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .
« و اللّه لكثير في الباحات » أي : ساحات الديار .
« قليل تحت الرايات » قال ابن أبي الحديد 4 : نظيره قول عويف القوافي :
أ لستم أقلّ الناس عند لوائهم
و أكثرهم عند الذبيحة و القدر
-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 114 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 102 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 188 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 106 .
[ 588 ]
و خرج 1 ابن سعيد العجلي في ثلاثين رجلا بظهر الكوفة فعطعطوا ،
و خالد القسري أمير العراق يخطب على المنبر ففرق و جعل يقول : اطعموني ماء . فقال ابن نوفل :
أخالد لا جزاك اللّه خيرا
و اير في حرامك من أمير
تروم الفخر في أعراب قسر
كأنّك من سراة بني جرير
جرير من ذوي يمن أصيل
كريم الأصل ذو خطر كثير
و امّك علجة و أبوك و غد
و ما الأذناب عدل للصدور
و كنت لدى المغيرة عبد سوء
تبول من المخافة للسرير
لا علاج ثمانية و شيخ
كبير السن ليس بذي ضرير
صرخت من المخافة اطعموني
شرابا ثم بلت على السرير
قلت : و قال الفرزدق كما في ( الأساس ) :
يستيقظون إلى نهاق حميرهم
و تنام أعينهم عن الأوتار
و قال ابن حرثان في اميّة بن خالد بن عبد اللّه بن اسيد :
إذا هتف العصفور طار فؤاده
و ليث حديد النّاب عند الثّرائد
و قال ثابت قطنة كما في ( الأغاني ) 2 في من فر عن يزيد بن المهلب حتى قتل :
عصافير تنزو في الفساد و في الوغى
إذا راعها روع جماميح بروق
فأنتم على الأدنى اسود مخيفة
و أنتم على الأعداء خزان سملق
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 111 .
-----------
( 2 ) الأغاني 14 : 280 .
[ 589 ]
و في ( كامل المبرد ) 1 : يروى أنّ أسديا و هذليا تفاخرا فرضيا برجل فقال : إنّي ما أقضي بينكما إلاّ أن تجعلا لي عقدا وثيقا : ألا تشتماني و لا تضرباني ، فإنّي لست في بلاد قومي . ففعلا فقال : أمّا أنت يا أخا بني أسد فكيف تفاخر العرب و أنت تعلم أنّه ليس حي أحبّ إلى الجيش و لا أبغض إلى الضيف و لا أقلّ تحت الرايات منكم ؟ و أمّا أنت يا أخا هذيل فكيف تكلّم الناس و فيكم خلال ثلاث : كان منكم دليل الحبشة على الكعبة ، و منكم خولة ذات النحيين ،
و سألتم النبي صلّى اللّه عليه و آله أن يحل لكم الزّنا ؟ و لكن إن أردتما بيتي مضر فعليكما بهذين الحيين من تميم و قيس ، قوما في غير حفظ اللّه .
هذا ، و وصف النبي صلّى اللّه عليه و آله كما في الخبر الأنصار بضد ما وصف عليه السّلام أهل الكوفة ، فقال لهم : إنّكم لتكثرون عند الفزع ، و تقلّون عند الطمع .
« و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم » أي : عوجكم ، قالوا : كان عمرو من بعده إلى زياد إذا أخذوا العصاة نزعوا عمائمهم و أقاموهم للناس ، و أمّا زياد فيضربهم بالسياط ، فجاء بعده مصعب فحلق مع الضرب بالسياط ، فجاء بعده بشر بن مروان فكان يصلب تحت الإبطين و يضرب الأكفّ بالمسامير ،
فأخرج بشر رجلا إلى الرّي فكتب أهله إليه يتشوّقونه ، فأجابهم :
لو لا مخافة بشر أو عقوبته
أو أن يرى شانئي كفي بمسمار
إذن لعطّلت ثغري ثم زرتكم
إنّ المحبّ المعنّى جدّ زوار 2
فلمّا جاء الحجاج قال : كلّ هذا لعب . فقتل العصاة بالسيف ، فلمّا ولي في سنة ( 75 ) العراق دخل الكوفة قبل البصرة فخطبهم و تهددهم ، ثم قال : ما كانت الولاة تفعل بالعصاة قبلي ؟ فقالوا : كانت تضرب و تحبس . فقال : و لكن ليس
-----------
( 1 ) الكامل للمبرد 1 : 407 .
-----------
( 2 ) نهج البلاغة 12 : 45 .
[ 590 ]
لهم عندي إلاّ السيف ، إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ،
و لو ساغت المعصية لأهلها ما كان قوتل عدو و لا جبي فيء . ثم جلس لتوجيه الناس فقال : قد أجّلتكم ثلاثا و اقسم باللّه لا يتخلّف أحد من أصحاب المهلب بعدها و لا من أهل الثغور إلاّ قتلته . ثم قال لصاحب حرسه و صاحب شرطته :
إذا مضت ثلاثة أيام فاتخذا سيوفكما . فجاءه عمير بن صابىء البرجميّ بابنه فقال : إنّ هذا أنفع لكم منّي ، هو أشدّ بني تميم أيدا و أجمعهم سلاحا و أربطهم جأشا ، و أنا شيخ كبير عليل . و استشهد جلساءه ، فقال الحجاج : عذرك لواضح ،
و إنّ ضعفك لبيّن و لكنّي أكره أن يجترىء بك الناس عليّ ، و بعد فأنت ابن صاحب عثمان . ثم أمر به فقتل ، فاحتمل الناس و أنّ أحدهم ليتبع بزاده و سلاحه ، و أتى الحجاج البصرة فكان عليهم أشدّ إلحاحا و قد كان أتاهم خبره بالكوفة فتحمّل الناس قبل قدومه فأتاه رجل من بني يشكر و قد كان شيخا كبيرا أعور ، و كان يجعل على عينه العوراء صوفة ، فكان يلقّب ذا الكرسفة فقال للحجاج : إنّ بي فتقا و قد عذرني بشر ، و قد رددت العطاء . فقال :
إنّك عندي لصادق . ثم أمر به فضربت عنقه ، ففي ذلك قال الشاعر :
لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة
تقرقر منها بطن كلّ عريف 1
و عن ابن سبرة قال : إنّا لنتغدّى مع الحجاج إذ جاءه رجل من سليم برجل يقوده ، فقال له : إنّ هذا لعاص . فقال : أنشدك اللّه في دمي ، فو اللّه ما قبضت ديوانا قط و لا شهدت عسكرا ، و إنّي لحائك اخذت من تحت الخف . فقال الحجاج : اضربوا عنقه . فلمّا أحسّ بالسّيف سجد فلحقه السّيف و هو ساجد ،
فامسكنا عن الطعام فأقبل علينا فقال : ما لي صفرت أيديكم و اصفرت
-----------
( 1 ) نهج البلاغة 4 : 184 .
[ 591 ]
وجوهكم و حدّ نظركم من قتل رجل واحد 1 .
« و لكنّي » هكذا في ( المصرية ) 2 و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « و لكني و اللّه » .
« لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي » و في ( الإرشاد ) 3 قال عليه السّلام : و ما كنت متحرّيا صلاحكم بإفساد نفسي ، و لكن سيسلّط عليكم بعدي سلطان صعب ،
لا يوقر كبيركم و لا يرحم صغيركم و لا يكرم عالمكم و لا يقسم الفيء بالسوية بينكم ، و ليضربنّكم و ليذلنّكم و يجهزنّكم في المغازي و ليقطعنّ سبيلكم ،
و ليحجبنكم على بابه حتى يأكل قويكم ضعيفكم ، ثم لا يبعد اللّه إلاّ من ظلم منكم ، و لقلمّا أدبر شيء ثم أقبل ، و إنّي لأظنّكم في فترة و ما عليّ إلاّ النصح لكم .
و روى ( غارات الثقفي ) 4 عن فرقد البجلي قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول :
يا معاشر أهل الكوفة ، و اللّه لقد ضربتكم بالدرّة التي أعظ بها السفهاء فما أراكم تنتهون ، و لقد ضربتكم بالسياط التي اقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون ، فما بقي إلاّ سيفي ، و إنّي لأعلم الذي يقوّمكم بإذن اللّه ، و لكنّي لا احب أن آتي تلك منكم .
و روى ( روضة الكافي ) 5 عن الأصبغ قال أتى ابن عمرو ولد أبي بكر و سعد بن أبي وقاص إلى عليّ عليه السّلام و طلبوا منه التفضيل لهم ، فصعد المنبر و قال في خطبته : فلا يقولنّ رجال غمرتهم الدنيا إلى أن قال و قد عاتبتكم بدرّتي التي اعاتب بها أهلي فلم تتالوا ، و ضربتكم بسوطي الذي اقيم به حدود
-----------
( 1 ) المصدر نفسه .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 114 .
-----------
( 3 ) الإرشاد 1 : 281 .
-----------
( 4 ) الغارات للثقفي 1 : 42 .
-----------
( 5 ) روضة الكافي 8 : 360 ح 551 .
[ 592 ]
ربي فلم ترعووا ، و تريدون أن أضربكم بسيفي ، أما إنّي أعلم الذي تريدون و يقيم أودكم ، و لكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي ، بل يسلّط اللّه عليكم قوما فينتقم لي منكم ، فلا دنيا استمتعتم بها و لا آخرة صرتم إليها ، فبعدا و سحقا لأصحاب السعير .
و روى الثقفي 1 عن زيد بن عليّ قال : قال عليّ عليه السّلام : إنّي دعوتكم إلى الحقّ فتولّيتم عني ، و ضربتكم بالدرّة فأعييتموني ، أما إنّه سيليكم بعدي ولاة لا يرضون منكم بذلك حتى يعذبوكم بالسياط و بالحديد ، فأمّا انا فلا اعذّبكم بهما ، إنّه من عذّب النّاس في الدنيا عذّبه اللّه في الآخرة ، و آية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتى يحلّ بين أظهركم فيأخذ العمال و عمال العمال رجل يقال له يوسف بن عمر ، و يقوم عند ذلك رجل منّا أهل البيت . . . .
« أضرع اللّه » أي : أذلّ اللّه .
« خدودكم » الخدّ : يمين الوجه و شماله .
« و أتعس جدودكم » هكذا في ( المصرية ) 2 و ليست الفقرة في ( ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم ) 4 رأسا .
و كيف كان ، فمعناها أهلك اللّه حظوظكم . و أصل التعس : الكب ضد الانتعاش ، قال مجمع :
تقول و قد أفردتها من حليلها
تعست كما أتعستني يا مجمع
« لا تعرفون الحقّ كمعرفتكم الباطل ، و لا تبطلون الباطل كابطالكم الحق » هذا الكلام لا قيمة له و لا يعادله كلام ، فإنّ أهل الدنيا يكونون في كلّ عصر كذلك ،
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 458 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 114 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 6 : 102 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 188 .
[ 593 ]
و لهذه العلّة يتقدّم أهل الباطل و يتأخّر أهل الحق ، ففرعون كان يقول للناس :
أنا ربّكم الأعلى 1 . فقبلوا منه ، و قال لهم موسى : إنّي رسول ربكم . و أراهم تسع آيات بيّنات فلم يقبلوا منه ، و الثلاثة المتقدمون على أمير المؤمنين عليه السّلام جاؤوا بتلك البدع المذكورة في مطاعنهم ، و لم ينكروا عليهم .
و أمّا إنكارهم على ثالثهم أخيرا فإنّما كان لأنّه خص الأموال و الولايات بأقاربه و بني اميّة ، و إلاّ فلو كان فعل أضعاف ما فعل ، و كان يشرك النّاس معهم فيهما لمّا أنكروا عليه أصلا ، كما أنّهم اليوم مع تواتر تلك الشنايع التي يتورّع عنها الفجّار و الكفّار يقبلون إمامته .
و أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فمع كونه مظهر كلّ فضيلة كالنبي صلّى اللّه عليه و آله حتى إنّه لم ير أحد منه لفظة أو لحظة على خلاف الشريعة في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و في أيّام الثلاثة و في أيّامه عليه السّلام ، و كيف و هو نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله بنص القرآن ، و رأوا منه عليه السّلام آيات بيّنات ، لا سيّما في الجمل في قصة كلاب الحوأب ، و في صفّين في قصة عمار ، و في النهروان في قصة ذي الثدية ؟ فكانوا يعاملون معه عليه السّلام تلك المعاملة ، فذاك خوارجهم و هذا دواخلهم .