11

من الخطبة ( 95 ) و من خطبة له عليه السّلام :

وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اَلظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وَ بِمَوْضِعِ اَلشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ أَمَا وَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ

-----------
( 1 ) النازعات : 24 .

[ 594 ]

اَلْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اِسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ اَلْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ اَلْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ اَلْحَيَّةِ عَجَزَ اَلْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ اَلْمُقَوَّمُ أَيُّهَا اَلشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ اَلْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ اَلْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اَللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَ صَاحِبُ أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ يَعْصِي اَللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَ اَللَّهِ أَنَّ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ اَلدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ يَا أَهْلَ ؟ اَلْكُوفَةِ ؟ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَثٍ وَ اِثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلاَمٍ وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ لاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اَللِّقَاءِ وَ لاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ اَلْبَلاَءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ اَلْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَ اَللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ حَمِيَ اَلضِّرَابُ وَ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ ؟ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ ؟ اِنْفِرَاجَ اَلْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي وَ إِنِّي لَعَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً قول المصنف : « و من خطبة له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب :

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 188 .

[ 595 ]

( و من كلام له عليه السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد 1 و ابن ميثم 2 و الخطية ) .

قوله عليه السّلام : « و لئن أمهل » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و لئن أمهل اللّه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« الظالم فلن يفوت أخذه » و لا تحسبنّ اللّه غافلا عمّا يعمل الظالمون إنّما يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء 3 .

و عن الصادق عليه السّلام : أنّ اللّه عز و جل أهبط ملكا إلى الأرض فلبث فيها دهرا ثم عرج ، فقيل له : ما رأيت ؟ فقال : رأيت عجائب و من أعجب ما رأيت : أنّي رأيت عبدا متقلّبا في نعمتك ، يأكل رزقك و ادّعى الربوبية ، فعجبت من جرأته عليك و من حلمك عنه فقال تعالى : فمن حلمي عجبت ؟ قد امهلته أربعمائة سنة ، لا يضرب عليه عرق و لا يريد شيئا من الدنيا إلاّ ناله ، و لا يتغيّر عليه فيها مطعم و لا مشرب 4 .

« و هو له بالمرصاد » قال ابن دريد : فلان لفلان بمرصد و مرصاد ، أي :

حيث يرقبه و يرى فعله .

« على مجاز » أي : مسلك .

« طريقه و بموضع الشّجا » قال الجوهري : الشّجا ما ينشب في الحلق من عظم و غيره .

« من مساغ » قال الجوهري : ساغ الشراب : سهل مدخله في الحلق .

« ريقه » ماء فمه ، قال تعالى : . . . و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 70 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 402 .

-----------
( 3 ) إبراهيم : 42 43 .

-----------
( 4 ) البحار 73 : 381 .

[ 596 ]

و الملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون . . . 1 .

و الأصل في العنوان إلى هنا ما رواه ( الإرشاد ) 2 : أنّ معاوية لمّا نقض شرط الموادعة و أقبل يشنّ الغارات على أهل العراق قال عليه السّلام : قاتل اللّه معاوية ، لقد أرادني على أمر عظيم : أراد أن أفعل كما يفعل ، فأكون قد هتكت ذمتي و نقضت عهدي ، فيتّخذها عليّ حجّة فيكون عليّ شينا إلى يوم القيامة كلّما ذكرت ، فإن قيل له : أنت بدأت . قال : ما علمت و لا امرت . فمن قائل يقول :

صدق . و من قائل يقول : كذب . أم و اللّه إنّ اللّه لذو أناة و حلم عظيم ، لقد حلم عن كثير من فراعنة الأولين و عاقب فراعنة ، فإن يمهله اللّه فلن يفوته ، و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه ، فليصنع ما بدا له ، فإنّا غير غادرين بذمّتنا و لا ناقضين لعهدنا ، و لا مروعين لمسلم و لا معاهد حتى ينقضي شرط الموادعة بيننا .

« أما و الذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنهم أولى بالحق منكم و لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم ، و إبطائكم عن حقي » روى أبو مخنف في قصة يوم الحرة : أنّ مسلم بن عقبة ركب فرسا فأخذ يسير في أهل الشام و يحرّضهم و يقول : يا أهل الشام إنّكم لستم بأفضل العرب في أحسابها و لا أنسابها ، و لا أكثرها عددا و لا أوسعها بلدا ، و لم يخصصكم اللّه بالذي خصّكم به من النصر على عدوّكم ، و حسن المنزلة عند أئمتكم إلاّ بطاعتكم و استقامتكم ، و إنّ هؤلاء القوم أشباههم من العرب غيّروا فغيّر اللّه بهم إلى أن قال قال ابن الغسيل لأهل المدينة : و اللّه ما أظن ربّكم أصبح عن أهل بلد من

-----------
( 1 ) الأنعام : 93 .

-----------
( 2 ) الإرشاد 1 : 275 .

[ 597 ]

بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ، و لا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط من هؤلاء القوم الذين كانوا يقاتلونكم .

« و لقد أصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها » جمع الراعي .

« و أصبحت أخاف ظلم رعيتي » في ( المروج ) 1 كان المعتمد أوّل خليفة قهر و حجر عليه ، و كان أخوه الموفق غلب على الامور ، و كان المعتمد هرب الموصل فبعث الموفق من رده و وكل به في فم الصلح .

« و استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، و أسمعتكم فلم تسمعوا ، و دعوتكم سرّا و جهرا فلم تستجيبوا » هو نظير قول نوح عليه السّلام . . . ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا . فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا 2 .

« و نصحت لكم فلم تقبلوا » كان عليه السّلام ناصحا للناس كالأنبياء ، قال نوح عليه السّلام لقومه : و لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم . . . 3 .

« أشهود كغياب » حيث لا يحصل منكم جواب .

« و عبيد كأرباب » حيث لا تبالون العتاب و لا تخافون العقاب .

« أتلو عليكم الحكم » بالكسر فالفتح : جمع الحكمة .

« فتنفرون منها » قال تعالى : كأنّهم حمر مستنفرة . فرّت من قسورة 4 .

« و أعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها » قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله :

وعظهم و قل لهم في أنفسهم قولا بليغا 5 .

-----------
( 1 ) المروج 4 : 211 .

-----------
( 2 ) نوح : 5 6 .

-----------
( 3 ) هود : 34 .

-----------
( 4 ) المدّثر : 50 51 .

-----------
( 5 ) النساء : 63 .

[ 598 ]

« و أحثّكم » أي : ارغّبكم .

« على جهاد أهل البغي » كما أمر اللّه تعالى به : . . . فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر اللّه . . . 1 .

« فما آتي على آخر القول » هكذا في ( المصرية ) 2 ، و الصواب : ( قولي ) كما في ( ابن أبي الحديد 3 و ابن ميثم 4 و الخطية ) .

« حتى أراكم متفرّقين أيادي سبأ » قال الجوهري : سبأ : اسم رجل ولد عامة قبائل اليمن ، يصرف و لا يصرف ، و قولهم : ذهبوا أيدي سبأ ، و أيادي سبأ ، أي :

متفرّقين اسمان جعلا واحدا .

و في ( الميداني ) ، روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : ولد سبأ عشرة ، تيامن منهم ستة و تشاءم منهم أربعة ، فأمّا الذين تيامنوا : فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و انمار منهم بجيلة ، و أمّا الذين تشاءموا : فعاملة و غسان و لخم و جذام و هم الذين أرسل عليهم سيل العرم ، و ذلك أنّ الماء كان يأتي أرض سبأ من الشجر و أودية اليمن ، فردموا ردما بين جبلين و حبسوا الماء ، و جعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم الثالث ، فأخصبوا و كثرت أموالهم ، فلمّا كذّبوا رسولهم بعث اللّه جرذا نقبت ذلك الردم حتى انتقض ، فدخل الماء جنّتيهم فغرقهم و دفن السيل بيوتهم ،

فذلك قوله تعالى : . . . فأرسلنا عليهم سيل العرم . . . 5 .

و روى عن أبي صالح قال : ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر

-----------
( 1 ) الحجرات : 9 .

-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 1 : 188 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 70 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 403 .

-----------
( 5 ) سبأ : 16 .

[ 599 ]

الذي يقال له : مزيقيا بن ماء السماء أنّ سد مأرب سيخرب ، و أنّه سيأتي سيل العرم فيخرّب الجنّتين ، فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتى انتهوا إلى مكة ، فأقاموا بمكة و ما حولها ، فأصابتهم الحمّى و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى ؟ فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم ، فقالت لهم : قد أصابني الذي تشكون و هو مفرّق بيننا . قالوا : فماذا تأمرين ؟ قالت : من كان منكم ذا همّ بعيد و حمل شديد و مزاد حديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت : من منكم ذا جلد و قسر و صبر على أزمات الدهر فعليه بالاراك من بطن مرّ فكانت خزاعة ثم قالت : من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس و الخزرج ثم قالت : من كان منكم يريد الخمر و الخمير و الملك و التأمير و يلبس الديباج و الحرير فليلحق ببصرى و غوير و هما من أرض الشام ، و كان الذي سكنوها آل جفنة من غسان ثم قالت : من كان منكم يريد الثياب الرقاق و النخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدم المهراق فليلحق بأرض العراق . فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش و من كان بالحيرة و آل محرق .

« ترجعون إلى مجالسكم و تتخادعون عن مواعظكم » و تجعلونها أساطير .

« اقوّمكم » أي : أجعلكم مستقيما .

« غدوة » أي : صباحا .

« و ترجعون إليّ عشية » أي : مساء .

« كظهر الحية » هكذا في ( المصرية ) 1 و الصواب : ( الحنية ) أي : القوس ،

كما في ( ابن أبي الحديد 2 و ابن ميثم 3 و الخطية ) .

-----------
( 1 ) الطبعة المصرية 1 : 188 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 70 .

-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 403 .

[ 600 ]

« عجز المقوّم » و المراد نفسه عليه السّلام عن التقويم .

« و أعضل » أي : أشكل .

« المقوّم » و المراد أصحابه عن قبول التقويم ، في ( العقد ) 1 قال نافع بن كليب : دخلت الكوفة للتسليم على عليّ عليه السّلام فإنّي لجالس تحت منبره و عليه عمامة سوداء إلى أن قال ثم نزل عليه السّلام تدمع عيناه فقال : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون 2 أقوّمهم و اللّه غدوة و يرجعون إليّ عشية مثل ظهر الحنية ، حتى متى ، و إلى متى ؟

« أيّها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم امراؤهم » مرّ في العنوان ( 5 ) : « أيّها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم » .

« صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه ، و صاحب أهل الشّام يعصي اللّه و هم يطيعونه » و مرّ في الأوّل : « و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، و طاعتهم إمامهم في الباطل » .

« لوددت و اللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ منّي عشرة منكم و أعطاني رجلا منهم » فكان الصرف بين الدينار و الدرهم في عصره عليه السّلام كذلك ، ثم صعد الدينار ، و في ( البلدان ) 3 في الجعفري : كان في أيّام المتوكل كلّ خمسة و عشرين درهما بدينار .

و مرّ في الأول قوله عليه السّلام : لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم .

-----------
( 1 ) العقد 4 : 162 .

-----------
( 2 ) البقرة : 156 .

-----------
( 3 ) البلدان 2 : 143 .

[ 601 ]

هنالك لو دعوت أتاك منهم
فوارس مثل أرمية الحميم

و قال ابن أبي الحديد 1 أخذ ابن الزبير لفظه عليه السّلام هنا ، فلمّا وفد أهل البصرة و فيهم الأحنف تكلّم منهم أبو حاضر الأسدي و كان خطيبا جميلا فقال له ابن الزبير : اسكت ، فو اللّه لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام ، صرف الدينار بالدرهم . فقال له : إنّ لنا و لك مثلا قول الأعشى :

علقتها عرضا و علقت رجلا
غيري و علق اخرى غيرها الرجل

أحبّك أهل العراق ، و أحببت أهل الشام ، و أحبّ أهل الشام عبد الملك .

هذا ، و في ( الأذكياء ) : سئل أبو العيناء عن حماد بن زيد بن درهم ، و حمّاد بن سلمة بن دينار ، فقال : بينهما في القدر ما بين آبائهما في الصرف .

قلت : أي : ما بين جديهما درهم و دينار .

و في ( المعجم ) كان الحسن بن الرجاء و أحمد بن هشام و عليّ بن هشام و دينار بن عبد اللّه و يحيى بن أكثم ينزلون المخرم محلّة ببغداد فقال دعبل الخزاعي يهجوهم :

ألا فاشتروا منّي دروب المخرم
أبع حسنا و ابني هشام بدرهم

و اعطي رجاء بعد ذاك زيادة
و أدفع دينارا بغير تندم

فإن ردّ من عيب عليّ جميعهم
فليس يرد العيب يحيى بن أكثم

قلت : و لا بد أنّه هجا أبا الحسن بن رجاء أيضا لقوله : « و اعطي رجاء » و لم يذكره الحموي .

« يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث و اثنتين : صم ذوو أسماع ، و بكم ذوو كلام ،

و عمي ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، و لا إخوان ثقة عند البلاء » قال ابن أبي

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 75 .

[ 602 ]

الحديد 1 : لم يقل عليه السّلام : بخمس ، لأنّ الثلاث إيجابية و الاثنتين سلبية ، فأحبّ أن يفرّق بين الإثبات و النفي .

قلت : ليس التفريق من حيث الإثبات و النفي ، بل من حيث إنّ الثلاث من واد و الاثنتين من آخر ، و في مثله مقتضى البلاغة أن يفرّق بينهما .

روى الكليني 2 و الصدوق 3 في أسانيد : أنّ عمر لمّا استخلف أقبل يهودي فسأله عن مسائل عجز عن جوابها ، فارشد إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له عليه السّلام : أخبرني عن ثلاث و ثلاث و واحدة : أخبرني عن أوّل حجر وضع في الأرض ، و أوّل شجرة غرست على وجه الأرض ، و أوّل عين نبعت على وجه الأرض ، و أخبرني كم لهذه الامّة من إمام هدى ؟ و أين منزل نبيّكم في الجنّة ؟ و من معه في منزله ؟ و أخبرني عن وصيّ : محمّد كم يعيش بعده ؟ . . .

فكلّها إيجابية إلاّ أنّها لاختلاف ثلاث منها مع اخرى ، و اختلاف واحدة منها معهما ، فرّق بينهما بما فيه .

« تربت أيديكم » سقطت هذه الفقرة من ( المصرية ) 4 بدليل ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية و الخوئي ) .

هذا ، و في ( الطبري ) 5 : رفع إلى المنصور أنّ أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم يطعنون على عاملهم ، و يتظلّمون من أميرهم ، و يتكلّمون في سلطانهم .

فقال للربيع : أخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة فقل لهم : إنّ الخليفة يقول لكم :

لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقن رؤوسهما و لحاهما و لأضربن

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 76 .

-----------
( 2 ) الكليني 1 : 531 ح 8 .

-----------
( 3 ) الخصال للصدوق 2 : 476 ح 40 .

-----------
( 4 ) الطبعة المصرية 1 : 189 .

-----------
( 5 ) تاريخ الطبري 8 : 79 .

[ 603 ]

ظهورهما ، فالزموا منازلكم و أبقوا على أنفسكم . فخرج اليهم الربيع بهذه الرسالة ، فقال له ابن عيّاش : يا شبه عيسى بن مريم أبلغ الخليفة عنّا كما أبلغتنا عنه ، فقل له : و اللّه ما لنا بالضرب طاقة ، فأمّا حلق اللحى و كان ابن عياش منتوفا ، كما كان الربيع لقيطا فاذا شئت . فأبلغه فضحك فقال : قاتله اللّه ما أدهاه و أخبثه .

« يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلّما جمعت من جانب تفرّقت من جانب آخر » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد 1 : « من آخر » و في ( ابن ميثم ) 2 :

« من جانب » .

و كيف كان ، فمرّ أيضا : « ما أنتم إلاّ كإبل ضلّ رعاتها ، فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر » .

« و اللّه لكأنّي بكم في ما اخال » أي : أظن .

« أن لو » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « لو » بدون ( أن ) و في ( ابن أبي الحديد ) : « الو » بدون النون ، و قال : « أصله أن لو » .

« حمس » أي : اشتد .

« الوغى » أي : الحرب .

« و حمي » بالكسر من : حمى التنور : اشتدّ حرّه .

« الضّراب » مصدر ضارب ، أي : المجالدة في الحرب .

« و قد » هكذا في ( المصرية ) 3 و الصواب : ( قد ) كما في ( ابن أبي الحديد 4

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 71 .

-----------
( 2 ) ابن ميثم 2 : 403 .

-----------
( 3 ) الطبعة المصرية 1 : 189 .

-----------
( 4 ) ابن أبي الحديد 7 : 71 .

[ 604 ]

و ابن ميثم 1 و الخطية ) و لأنّه جواب ( لو ) .

« انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها » مرّ في العنوان الرابع عنه عليه السّلام : « و ايم اللّه إنّي لأظن بكم أن لو حمس الوغى و استحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس » .

و مرّ عن ( غارات الثقفي ) 2 عنه عليه السّلام : « و اللّه لكأني بكم لو حمس الوغى و احمرّ البأس قد انفرجتم عن عليّ انفراج الرأس و انفراج المرأة عن قبلها » .

و مرّ قريبا منه عن ( خلفاء القتيبي ) و مرّ ثمة المراد به .

و ممّا قيل في الانفراج عن الرئيس قول دختنوس بنت لقيط بن زرارة في تخلية بني أسد و هوازن أباها ، و قول شاعر في تخلية أصحاب زيد الشهيد له :

فرّت بنو أسد فرا
ر الطير عن أربابها

و هوازن أصحابهم
كالفأر في أذنابها

أولاد درزة أسلموك و طاروا

« و إنّي » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) : « اني » .

« لعلى بيّنة من ربّي » هذا صريح في إمامته عليه السّلام بالمعنى الذي يقوله الإمامية من كون الإمام كالنبي صلّى اللّه عليه و آله من قبل اللّه لا من قبل الناس ، و قد قال تعالى في نبيّه صلّى اللّه عليه و آله : أفمن كان على بيّنة من ربه . . . 3 .

« و منهاج » أي : طريق واضح .

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 404 .

-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 2 : 495 .

-----------
( 3 ) هود : 17 .

[ 605 ]

« من نبيي » فإنّه عليه السّلام كان يسلك بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله على حسب دستوره قدما بقدم ، فأخبره بأنّ الامّة ستغدر به بعده ، و أمره بالتسليم أيّام الثلاثة ،

و بيّن صلّى اللّه عليه و آله له قيام الناكثين و القاسطين و المارقين عليه ، و أمره بقتالهم فامتثل ما مثل له ، و كل ذلك ممّا يشهد لغير المكابر كونه عليه السّلام حجّة من قبل اللّه تعالى .

« و إنّي لعلى الطريق الواضح » و قد أقرّ فاروقهم أنّه لو ولي الخلافة ليحملنّ النّاس على المحجّة البيضاء .

« ألقطه لقطا » قال ابن أبي الحديد 1 : يريد أنّ الضلال غالب على الهدى ،

فيلتقط طريق الهدى من بين طرق الضلال ، كما يسلك الانسان طريقا دقيقة قد اكتنفها الشوك و العوسج من جانبيها كليهما ، فهو يلتقط المنهج التقاطا .

قلت : يمكن أن يكون الضمير في ( ألقطه ) إلى الحق المفهوم من المقام ،

بمعنى : أنّه عليه السّلام يلقط الحقّ كما يلقط السّنبل .