
12
من الكتاب ( 36 ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب ، في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء ، و هو جواب كتاب كتبه إليه عقيل :
فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَكَصَ نَادِماً فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ اَلطَّرِيقِ وَ قَدْ طَفَّلَتِ اَلشَّمْسُ لِلْإِيَابِ فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلاَ وَ لاَ فَمَا كَانَ إِلاَّ كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ اَلرَّمَقِ فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا قول المصنف : « و من كتاب له عليه السّلام . . . » هكذا في ( المصرية ) 2 و الصواب :
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 7 : 76 .
-----------
( 2 ) الطبعة المصرية 3 : 167 .
[ 606 ]
في ما ( ابن أبي الحديد 1 و ابن ميثم ) 2 : « و من كتاب له عليه السّلام في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء ، و هو جواب كتاب كتبه إليه أخوه عقيل بن أبي طالب » .
« في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء » و هو الضحّاك بن قيس ،
و روي : أنّ عقيلا ورد على معاوية و حوله عمرو و أبو موسى و الضحّاك ، فقال لمعاوية لمّا سأله عنهم : استقبلني قوم من المنافقين ممّن نفّر بالنبي صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة إلى أن قال و أمّا الضحّاك منهم فقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس .
و في كتاب عقيل إليه : « فافّ لحياة في دهر جرؤ عليك الضحّاك ، و ما الضحّاك الا فقع بقرقر » أي : كمأة رخوة في قاع أملس تطأها كلّ دابة .
« و هو جواب كتاب كتبه إليه أخوه عقيل » المفهوم من ابن قتيبة 3 أنّ عقيلا كتب إليه في أوّل خلافته كتابا فأجابه بما في العنوان ، ففي ( خلفائه ) 4 ذكروا أنّ عليّا عليه السّلام تردد بالمدينة أربعة أشهر ينتظر جواب معاوية فأتاه على غير ما يجب ، فشخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين و الأنصار ، فلمّا كان في بعض الطريق أتاه كتاب أخيه عقيل : إنّي خرجت معتمرا فلقيت عايشة معها طلحة و الزبير ، قد أظهروا الخلاف و نكثوا البيعة ،
ثمّ مرّ ابن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني امية ليلحقوا بمعاوية ، ثم قدمت مكة فسمعت أهلها يتحدّثون : أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة و اليمامة فأصاب ما شاء من أموالهما ، ثم انكفأ راجعا إلى الشّام إلى أن قال في جواب كتابه عليه السّلام له و أمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 148 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 5 : 77 .
( 3 و 4 ) الخلفاء لابن قتيبة : 54 56 .
[ 607 ]
على الحيرة و اليمامة ، فهو أذلّ و ألأم من أن يكون مرّ بهما فضلا عن الغارة ،
و لكن جاء في خيل جريدة ، فسرّحت إليه جندا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك ولّى هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق حين همت الشمس للإياب ، فاقتتلوا و قتلوا من أصحابه بضعة عشر رجلا ، و نجا هاربا بعد أن أخذ منه بالمخنق ،
فلو لا الليل ما نجا . . . و هو كما ترى دالّ على أنّه كان قبل الجمل أيضا .
و جعله الطبري 1 بعد صفّين في سنة ( 39 ) فقال : و فيها أيضا وجّه معاوية الضحّاك بن قيس و أمره أن يمرّ بأسفل و اقصة ، و أن يغير على كلّ من مرّ به ممّن هو في طاعة عليّ من الأعراب ، و وجّه معه ثلاثة آلاف رجل ، فأخذ أموال الناس و قتل من لقي من الأعراب ، و مرّ بالثعلبية فأغار عليّ مسالح عليّ عليه السّلام و أخذ أمتعتهم ، و مضى حتى انتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس و كان في خيل لعليّ عليه السّلام و أمامه أهله يريد الحجّ فأغار على من كان معه و حبسه عن المسير ، فلمّا بلغ ذلك عليّا عليه السّلام سرّح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف و أعطاهم خمسين خمسين ، فلقي الضحّاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا و قتل من أصحابه رجلان ، و حال بينهم الليل فهرب الضحّاك و أصحابه و رجع حجر و من معه .
و جعله الثقفي 2 أيضا بعد صفّين إلاّ أنّه قال كما نقل ابن أبي الحديد في ( 28 1 ) : و كتب في أثر هذه الوقعة عقيل إليه عليه السّلام : إنّي خرجت إلى مكة معتمرا ، فلقيت عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، فعرفت المنكر في وجوههم فقلت : أبمعاوية تلحقون ؟ عداوة و اللّه منكم غير مستنكرة ، فلمّا قدمت مكة سمعت أهلها يتحدّثون : أنّ الضحّاك بن
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 135 .
-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 2 : 429 .
[ 608 ]
قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء ثم انكفأ إلى أن قال في جوابه عليه السّلام تذكر في كتابك أنّك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من قديد ، في نحو أربعين فارسا من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى جهة الغرب ، و ان ابن أبي سرح طالما كاد اللّه و رسوله و كتابه ، و صدّ عن سبيله و بغاها عوجا إلى أن قال و أمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ و أذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها ، و لكنّه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة ، حتى مرّ بواقصة و شراف و القطقطانة ممّا و إلى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك فرّ هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق و قد أمعن ، و كان ذلك حين طفلت الشمس للاياب ، فتناوشوا القتال قليلا كلا و لا فلم يصبر لوقع المشرفية و ولّى هارابا ، و قتل من أصحابه بضعة عشر رجلا و نجا جريضا بعد ما اخذ منه بالمخنق فلأيا بلأي ما نجا . . .
و هو و إن لم يذكر ما ذكره ابن قتيبة من كتابة عقيل إليه عليه السّلام في كتاب :
إنّه لقي في طريقه عايشة و طلحة و الزبير ، إلاّ أنّه ذكر ما ذكره من لقائه ابن أبي سرح مع أربعين من أبناء الطلقاء ليفروا إلى معاوية ، و لا بدّ أنّهم فرّوا إلى معاوية في أوّل خلافته عليه السّلام .
و أيضا روى الثقفي 1 عن محمّد بن مخنف : أنّ الضحّاك قال على منبر الكوفة في أيام معاوية : أما إنّي صاحبكم الذي أغرت على بلادكم ، فكنت أوّل من أغارها في الإسلام و شرب من ماء الثعلبية و من شاطىء الفرات . . . .
و التحقيق أنّ بعث معاوية للضحاك كان مرتين ، أولاهما : في أول خلافته قبل الجمل و اقتصر عليه ابن قتيبة ، و فيها كان كتاب عقيل إليه عليه السّلام و ثانيتهما : بعد صفّين و الحكمين و اقتصر عليها الطبري و قد مرّ كلامهما ،
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 436 437 .
[ 609 ]
يشهد لكون بعثه مرتين أنّ ( الأغاني ) 1 في الجزء الخامس عشر من ( 21 ) جزءا في عنوان : « ذكر الخبر في مقتل ابني عبيد اللّه بن العباس » ذكر الأخيرة مجملا بأسانيد ، فروى عن القلاس عن الخراز عن المدائني عن أبي مخنف و جويرية بن أسماء و الصقب بن زهير و أبي بكر الهذلي عن أبي عمر الوقاصي : أنّ معاوية بعث إلى بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين و عليّ عليه السّلام يومئذ حي و بعث معه جيشا ، و وجّه برجل من عامر ضم إليه جيشا آخر ، و وجّه الضحّاك بن قيس الفهري في جيش آخر ، و أمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كلّ من وجدوه من شيعة عليّ ، و أن يغيروا على ساير أعماله و يقتلوا أصحابه ، و لا يكفّوا أيديهم عن النساء و الصبيان ، فمرّ بسر لذلك إلى أن قال و ذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية ، و فعل مثل ذلك ساير من بعث معه ، و قصد العامري إلى الأنبار فقتل ابن حسان البكري . . . .
و لم يذكر تفصيل أفعال الضحّاك ، ثم روى 2 الأولى عن محمّد بن العباس اليزيدي عن عبد اللّه بن محمّد عن جعفر بن بشير عن صالح بن يزيد الخراساني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن أبي الكنود عن عبد الرحمن بن عبيد قال : كتب عقيل إلى أخيه عليّ عليه السّلام : أمّا بعد فإنّ اللّه جارك من كلّ سوء و عاصمك من المكروه ، إنّي خرجت معتمرا فلقيت عبد اللّه بن أبي سرح في نحو أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، فقلت لهم و عرفت المنكر في وجوههم : يا أبناء الطلقاء ، العداوة و اللّه لنا منكم غير مستنكرة ، قديما تريدون بها إطفاء نور اللّه و تغيير أمره ، فأسمعني القوم و أسمعتهم ، ثم قدمت
-----------
( 1 ) الأغاني 16 : 266 .
-----------
( 2 ) الأغاني 16 : 268 .
[ 610 ]
مكة و أهلها يتحدّثون : أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أهلها ثم انكفأ راجعا ، فافّ لحياة في دهر قد امّر عليكم الضحّاك ، و ما الضحّاك و هل هو إلاّ فقع قرقرة و قد طنت ؟ و بلغني أنّ أنصارك قد خذلوك فاكتب اليّ يابن ام برأيك ، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أبيك و ولد أخيك ، فعشنا ما عشت و متنا معك ، فو اللّه ما احبّ أن أبقى بعدك فواقا ، فاقسم باللّه الأعزّ الأجلّ ،
إنّ عيشا أعيشه في هذه الدنيا بعدك لعيش غير هنيء و لا مريء و لا نجيع ،
و السلام .
فأجابه عليّ عليه السّلام : أمّا بعد ، كلأنا اللّه و إيّاك كلاءة من يخشاه بالغيب إنّه حميد مجيد ، فقد قدم عليّ عبد الرحمن بن عبيد الأزدي بكتابك تذكر أنّك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من قديد في نحو أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، و أنّك تنبىء عن ابن أبي سرح طالما كاد اللّه و رسوله و كتابه ، و صدّ عن سبيله و بغاها عوجا ، فدع ابن أبي سرح عنك ، و دع قريشا و تركاضهم في الضلال و تجوالهم في الشّقاق ، فإنّ قريشا قد أجمعت على حرب أخيك ، إجماعها على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه و جحدوا فضله ، و كادوه بالعداوة و نصبوا و جهدوا عليه كلّ الجهد ، و سألوا إليه جيش الامرين ، اللّهم فاجز عنّي قريشا الجوازي ، فقد قطعت رحمي و تظاهرت عليّ ، و الحمد للّه على كلّ حال ، و أمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك بن قيس على الحيرة ، فهو أقلّ و أذلّ من أن يقرب من الحيرة ، و لكنّه جاء في بريدة فأخذ على السماوة ، و مرّ بواقصة و شراف و ما و إلى ذلك الصقع ، فسرّحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك جاز هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق ، و قد أمعن في السير و قد طفلت الشمس للإياب فاقتتلوا ، و أمّا ما سألت عنه أكتب إليك فيه فرأيي قتال المحلين حتى ألقى اللّه ، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة
[ 611 ]
و لا تفرّقهم عنّي وحشة ، لأنّي محقّ و اللّه مع المحقّ و أهله ، و ما أكره الموت على الحق ، و ما الخير كلّه إلاّ بعد الموت لمن كان محقا ، و أمّا ما عرضته عليّ من مسيرك اليّ ببني أبيك و ولد أخيك فلا حاجة لي في ذلك ، فأقم راشدا مهديا ،
فو اللّه ما احبّ أن تهلكوا معي إن هلكت ، و لا تحسبنّ ابن أبيك لو أسلمه الزمان و الناس متضرّعا متخشعا ، و لكن أقول كما قال أخو بني سليم :
فإن تسأليني كيف أنت فإنّني
صبور على ريب الزّمان صليب
يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة
فيشمت باغ أو يساء حبيب
و أوّل من خلط في ما أعلم إبراهيم الثقفي في ( غاراته ) 1 فقال ، كما في ( ابن أبي الحديد ) ( 83 ) : فعند ذلك أي : قتل الخوارج ، و وقوع الاختلاف بين أصحابه دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهري ، و قال له : سر حتى تمرّ بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت ، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه ، و إن وجدت له مسلحه أو خيلا فأغر عليها ، و إذا أصبحت في بلدة فأمس في اخرى إلى أن قال فأقبل الضحّاك فنهب الأموال و قتل من لقي من الأعراب ، حتى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم ، ثمّ أقبل عمرو بن عميس ابن أخي عبد اللّه بن مسعود فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة و قتل معه ناسا من أصحابه إلى أن قال قال : و كتب في هذه الوقعة عقيل إلى أخيه . . . .
و يمكن أن يكون هو المفهوم من ( الأغاني ) حيث ذكره في العنوان المتقدم ، و يحتمل بعيدا أن يكون ذكره لوقوع الضحّاك في خبره الأول مع بسر ، فذكره تتميما .
و كيف كان ، فكتاب عقيل و كتابه عليه السّلام يشهدان أنّه كان في أوّل خلافته
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 421 .
[ 612 ]
قبل الجمل ، و أمّا بعد النهروان فلم يختص اللحوق بمعاوية بأبناء الطلقاء ، بل كان كثير من أصحابه عليه السّلام يلحقون به و يكاتبونه ، لمّا يرون من ضعف أمره عليه السّلام و قوّة أمر معاوية ، و لأنّ بعد التحكيم كان له أثر عظيم فأغار على مسالحه و أغار على الحاج ، و قتل عمرو بن عميس و ناسا من أصحابه ، حتى خرج عليه السّلام إلى الناس و قال : يا أهل الكوفة ، أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف ، أخرجوا فقاتلوا عدوّكم و امنعوا حريمكم ان كنتم فاعلين . فردوا عليه عليه السّلام ردا ضعيفا و رأى منهم عجزا و فشلا ، فقال : و اللّه وددت أن لي بكل ثمانية منكم رجلا ، ويحكم أخرجوا معي ثم فروا عني ما بدا لكم ، فو اللّه ما أكره لقاء ربي على نيّتي و بصيرتي ،
و في ذلك روح لي عظيم و فرج من مناجاتكم و مقاساتكم . ثم نزل فخرج يمشي حتى بلغ الغريين .
قال الثقفي 1 : روى ذلك إبراهيم بن مبارك البجلي عن أبيه عن بكر بن عيسى عن أبي روق عن أبيه كما في ( ابن أبي الحديد ) فكيف يقول عليه السّلام في جواب عقيل ما قال من عدم أثر للضحاك ؟
قوله عليه السّلام : « فسرحت » أي : ارسلت .
« إليه » إلى الضحّاك .
« جيشا كثيفا » أي : غليظا .
« من المسلمين » و مفهومه أنّ معاوية و أصحابه لم يكونوا من المسلمين ،
و قد عرفت من رواية الطبري أنّه عليه السّلام سرّح إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف .
« فلمّا بلغه ذلك » أي : تعاقب جيش منه عليه السّلام له .
« شمّر » أي : رفع ذيله .
-----------
( 1 ) الغارات للثقفي 2 : 423 .
[ 613 ]
« هاربا » أي للفرار .
« و نكص » أي : رجع على عقبيه .
« نادما فلحقوه ببعض الطريق » في تدمر .
« و قد طفّلت » أي : مالت .
« الشمس للإياب » أي : الغياب ، قال الجوهري : آبت الشمس : لغة في ( غابت الشمس ) . فلا يحتاج إلى ما طوله ابن أبي الحديد 1 فقال : للاياب ، أي : للرجوع إلى ما كانت عليه في الليلة قبلها . يعني غيبوبتها تحت الأرض ، و هذا الخطاب إنّما هو على قدر أفهام العرب ، كانوا يعتقدون أنّ الشمس مقرّها تحت الأرض ،
و أنّها تخرج كلّ يوم فتسير على العالم ثم تعود إلى منزلها ، كما يأوي الناس إلى منازلهم . . . .
« فاقتتلوا شيئا كلا و لا » كناية عن القصر ، قال ابن هاني المغربي على نقل ابن ميثم 2 :
و أسرع في العين من لحظة
و أقصر في السمع من لا و لا
و لكنّ ابن أبي الحديد 3 نقله : « من لا و ذا » و هو الأصح ، قال الطرمّاح :
كذا و كلا إذا حبست قليلا
تعللها بمسود الدرين
قال في ( الأساس ) : أي كان قليلا مثل هذه الكلمة .
و قال الجوهري : قال الكميت :
كلا و كذا تغميضة ثم هجتم
لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا
أي : كان نومهم في القلّة و السرعة ، كقول القائل : « لا » و « ذا » .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 149 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 5 : 77 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 148 .
[ 614 ]
و ممّا قيل في الاستقصار قول الصولي :
كوميض برق عرض فأسرع ، و لمع فأطمع ، حتى انحسرت مغاربه ،
و أيقن مطالبه . لا ملاذ و لا وزر ، و لا مورد و لا صدر .
« فما كان » أي : القتال .
« إلاّ كموقف ساعة حتى نجا » أي : الضحّاك .
« جريضا » أي : مبتلعا ريقه على هم و حزن ، قال امرؤ القيس :
و أفلتهن علباء جريضا
و لو أدركنه صفر الوطاب
و قال رؤبة :
أصبح أعداء تميم مرضى
ماتوا جوى و المفلتون جرضى
« بعد ما اخذ منه بالمخنّق » بالتشديد : موضع الخناق من العنق .
« و لم يبق منه غير الرمق » أي : بقية الروح .
« فلأيا بلأي » أي : شدّة مختلطة بشدّة .
« ما نجا » يمكن أن تكون ما مصدرية أي : نجاته و أن تكون وصفا للأي ، أي : بلأي عظيم .
و كيف كان ، يجاء ب ( ما ) هذه بعد لأي غالبا ، ففي ( الجمهرة ) يقولون : بعد لأي ما عرفته .
و في ( الأساس ) قال الشاعر :
فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا
على ظهر محبوك شديد مراكله
هذا ، و قال ابن أبي الحديد 1 : قد تقدم ذكر هذا الكتاب في اقتصاصنا ذكر بسر بن أرطاة و غاراته على اليمن في أوّل الكتاب .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 149 .
[ 615 ]
و قال الراوندي 1 : « هذه القصة و هذا الهارب جريضا و بعد لأي ما نجا هو معاوية ، و قيل : إنّ معاوية بعث امويّا فهرب على هذه الحال ، و الأوّل أصح » و هذا مضحك و ما وددت له شرح الكتاب .
قلت : و كما أنّ الراوندي و هم ، هو أيضا و هم ، فالعنوان غير مربوط ببسر بل بالضحاك كما عرفت و غارة بسر على اليمن مذكورة في ( 24 1 ) النهج ، و لم يذكر فيه شيئا مربوطا بالعنوان ، و إنّما ذكر قصة الضحّاك و كتاب عقيل إليه عليه السّلام و جوابه في العنوان ( 28 ) و قلنا ثمة : إنّه توهم أيضا في كون ذاك العنوان في الضحّاك ، مع أنّه كان في طلب الشخوص إلى معاوية ثانيا .
هذا ، و ابن ميثم لم يتفطّن فتوقّف .
هذا ، و ذكرنا غارة هيت في ( 13 ) في فصل آداب الحرب في عنوان « و من كتاب له عليه السّلام إلى كميل » .
-----------
( 1 ) الراوندي 3 : 125 .
[ 617 ]