عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيُّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بني المصطلق، فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا في منزل نزله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل يقال له: جعال ـ وهم زعموا ـ أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال له جهجاه، فعلت أصواتهما واشتد جهجاه على المنافقين وردّ عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر يسقيه ـ وكان أجيراً لعمر ـ ومع جعال فرس لعبد الله بن أبي، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا. فقال عبد الله بن أبيّ: هذا عبد الله بن أبى: هذا ما جاوزنا به؛ آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون. وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية الأنصاريين فغضب وقال ـ وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) للإسلام ـ : أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد فخرج رجل من بنى سليم مغضباً من قول حسان، فلما خرج ضرب حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن المعطل؛ فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف، فلم يقطع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده ـ لضرب السلمي حسان ـ فقال: خذوه، فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه، فأسروه، وأوثقوه. وبلغ ذلك سعدة بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه؛ فقال عمر: أثم إلى قوم رسول الله تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟! فغضب سعد لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل. وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم القتال، ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة ثم أرسله فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من كساك كساه الله من ثياب الجنة؟ قال: كساني سعد بن عبادة. وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعز منها الأذل، فأحصى الله عز وجل عليه ما قال، وسمع زيد بن أرقم ـ رجل من بني حارثة بن الخزرج ـ قول عبد الله ابن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، هل لك في ابن أبيّ فانه يقول آنفاً: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم وما اتبعه منهم رجل، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عبّاد بن بشر أخا بني عبد الأشهل أو معاذ بن عمرو بن الجموح فليقتله. فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله، فلما رأى ذلك عمر سكت، وتحدث أهل عسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقار في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل. فلما استقل الناس قالوا: ما شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتقار في منزله، لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟ فبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئاً، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن كان سبق منك قول شيء فتب، فجحد وحلف، فوقع رجال بزيد بن أرقم وقالوا: أسأت بابن عمك وظلمته، ولم يصدقك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبينما هم يسيرون رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوحى إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرى عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم… فقال: أبشر فقد صدق الله حديثك، فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ إلى قوله: ( ولكن المنافقين لا يعلمون ) (1) . فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقباء من طريق عمق سرح الناس ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟ فزعموا أنه قال: مات اليوم منافق عظيم النفاق ولذلك عصفت وليس عليكم منها بأس إن شاء الله، وكان موته غائظاً للمنافقين. قال جابر بن عبد الله: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ ، وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، وفُقِدَت راحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين الإبل، فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته؟ فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله؛ نافقت، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا ساعة. فمكث المنافق معهم شيئاً، ثم قام وتركهم، فعمد لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمع الحديث، فوجد الله قد حدثه حديثه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمنافق يسمع: أن رجلاً من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله، وقال: ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وأنها في الشعب المقابل لكم، قد تعلق زمامها بشجرة. فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعاً حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم من مجلسه، فقال أنشدكم بالله هل أتى منكم محمداً فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد، قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله. فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه، فاستغفر له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ويزعمون أنه ابن اللصيت، ولم يزل ـ زعموا ـ يفسل حتى مات. وعن موسى بن عقبة قال: حدثنا عبد الله بن الفصل أنه سمع أنس بن مالك ـ وقد سئل عن زيد بن أرقم ـ فقال: هو الذي يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هو الذي أوفى الله بأُذُنه؛ سمع رجلاً من المنافقين يقول ـ والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب ـ: لئن كان هذا صادقاً لنحن شر من الحمير. فقال زيد بن أرقم: فقد والله صدق، ولأنت شر من الحمير، ثم رفع ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجحده القائل فانزل الله على رسوله: ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) (2) وكان ما أنزل الله من هذه الآية تصديقاً لزيد. وعن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جلاس بن سويد قال: لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير، فقال عمير بن سعد وكان ربيبة في حجره: والله إن الذي يقول حق، وأنك لشر من الحمار، ورفع ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاه جلاس فرد قوله وكذبه وقال: والله ما قلت ذلك ولقد كذب عَليَّ فأنزل الله: ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) (3) الآية. قال جلاس: صدق يا رسول الله، لقد قلت ذاك، وقد عرض الله علي التوبة وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت، وكان حَمَّل حمالة، أو عليه دين فأداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فذلك قوله: ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) (4) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمير:(وَفَتْ أذُنك وصدَقك ربُّك) وقال عمير لجلاس: أم والله لولا أني خشيت أن ينزل في كتاب أو وحي بكتماني عليك لكتمت عليك. وعن أسامة بن زيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ركب على حمار عليه إكاف، فوقه قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر. فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول ـ وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبيّ ـ فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفة بردائه، ثم قال: لا تغيروا علينا، فسلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقاً فلا تؤذنا في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجلسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتشاورون، فلم يزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال: يا سعد ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب ـ يريد عبد الله بن بأبيّ ـ قال: كذا وكذا. فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي نزل الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرفه فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). |