حديث الانطلاق نظرة في الحياة العلمية والسياسية للامام الخميني (قدس) ( من الولادة وحتى العروج ) تأليف حميد الانصاري - ذكراه ، حديث الانطلاق :
- اشا رة :
حاولنا في هذا الكتاب ، استعراض الفصول والوقائع المهمة في حياة الامام الخميني ، منذ ولادته وحتى عروجه الى الملكوت الأعلى ، محاولين ان تكون نظرتنا تحليلية ولكن على سبيل الاشارة والاجمال . ورغم ان عملية ترسيم ابعاد شخصية الامام الخميني والفصول المهمة في حياته عبر مقالة او كتاب تشبه عملية جمع مياه البحر في كوز صغير، غير انه لابد من السعي لتحقيق هذه المهمة ، خاصة وان العديد من محبي الامام (س ) قد ارسلوا الينا من مختلف انحاء العالم يعلنون عن رغبتهم في وجود كتاب يستعرض حياة الامام ( رضوان الله عليه ) . عليه فقد تجنبنا - قدر الامكان - الخوض في جزئيات الحوادث او تقديم الوثائق الخاصة بها - الا في بعض المواضع الضرورية - كما حاولنا ان لا نغفل اي مطلب - مهما كان صغيرا - مما يرتبط بحياة الامام او مما يعد هاما في حركة احداث حياته او اساسيا في مواقفه في المسائل المهمة. كذلك فقد اكدنا ومن خلال استعراض الحوادث على الاصالة الفكرية ، وتاكيد سماحته على اولوية التربية والتهذيب ، وتاثير البعد المعنوي والعلمي على مسير حياة الامام الخميني ومجاهداته . ان شمولية ووحدة شخصية الامام والانسجام الذي يطبع مدرسته الفكرية - والتي تجلت في نهضته وفي الثورة الاسلامية - لا يمكن تفسيرها من خلال الاحداث والوقائع التي تقع في بلد اومجتمع ما ، لذا فان التحقيق في مقطع خاص او بعد واحد من ابعاد شخصيته لا يكفي للتعرف على افكاره ومنهجه ، فهذا الرجل الكبير لا بد وان يدرس من جميع النواحي : عقيدته ، إيمانه ، سلوكه ، وفي جميع فصول حياته . في هذا الكتاب سعينا لالقاء نظرة شاملة على هذا المدى الواسع السامي . كما حاولنا عرض مجمل الاحداث والوقائع ، وتحليل مواقف الافراد والتيارات السياسية والفكرية ، بما والمباني الفكرية للامام وماتعكسه مواقفه وتوجيهاته . ومع كل هذا فان ما نقدمه ليس معصوما من الخطا والاشتباه ، لذا فاني ارجو من المؤرخين الملتزمين واولي الاطلاع على الاسس الفكرية للامام الخميني وعلى حياته تنبيهنا الى اي خطا او سهو قد نكون وقعنا فيه والله ولي ا لتوفيق . حميد الإنصاري تشرين الثاني 1994م
بسم الله الرحمن الرحيم * يوم ا لكوثر :
في النصف الثاني من عام 1320 هجري ولد في ايران مولود غير فيما بعد بثورته العملاقة مصير ايران وملامح العالم الاسلامي ، وجعل جميع القوى العظمى وجميع اعداء حرية الشعوب واستقلالها يقفون صفا واحدا في مواجهته ساعين في القضاء عليه ، غير انه - وبفضل الباري - اصابهم جميعا - وبعمله العظيم وافكاره وعقيدته التي ينافح عنها وينادي باسمها - بالعجز والخيبة 0 في ذلك اليوم ، لم يكن احد يعلم بان هذا المولود هو الذي ستعرفه الدنيا باسرها ذات يوم مقبل باسم “ الامام الخميني “ وحينما فجر ثورته ، لم يكن احد يعلم بانه سيقف بوجه عملاء اعتى القدرات واكثرها تسليحا في العالم ، وانه سيدافع عن استقلال بلاده وامجاد امته الاسلامية ليكون مجددا لدين الله في عصر المسخ للقيم والمثل .
* الخلفية التاريخية :
بعد وفاة ابناء النبي الاكرم (صلى الله عليهم وآله) الخدج ، فرح المشركون من القريشيين وراحوا يروجون القول بان النبي لا نسل له وانه ابتر الخلف فانزل الله قرآنا فقال تعالى “ انا اعطيناك الكوثر . . . ان شانئك هو الابتر “ (1) ، فكان العشرون من جمادى الاخرة يوم جرى فيه كوثر الولاية والامامة على هذه الارض ، ففيه ولدت ربيبة العفة والطهر والايمان الصديقة الزهراء فاطمة ( سلام الله عليها ) لتكون بعد ذلك انيسة وزوجة امام العدالة والانسانية الخالد امير المؤمنين علي بن ابي طالمب ( ع ) ولتكون ام الائمة الذين اقيموا على جادة الانسانية منأثر للهداية ، والذين يمثل كل جانب من حياتهم حكمة الهية خاصة ، فصلحهم وحربهم ، مناجاتهم وسكوتهم ، حلمهم وعلمهم ، وحياتهم المشحونة بالمقاومة والبناء والمختومة بالشهادة ، واخيرا غيبة المنتظر الموعود منهم ،كلها حكم الهية تثبت بان الارض وما عليها من عباد الله في عصور الظلمة والحصار غير موكلين لانفسهم وان دعاة الحق ومنأثر الهداية موجودون على الدوام يمارسون دورهم في هداية البشر وان الارض لا تخلو من حجة ابدا .
( هامش ) 1 - سورة الكوثر . حينما بدا عصر الغيبة وتواصل النزاع الدائم بين الخير والشر ، وقف - وفي كل جيل - الجبابرة وعبيد المال والمفسدون في جبهة الظلمة ، في حين وقف المؤمنون والصالحون والنزيهون في وادي النور لتستمر المواجهة بينهما . فسطعت انوار الوحي على العالم وقام الإسلام بتوسيع رقعة حكومته بفتحه قلوب عباد الله الصالحين فبلغ اقصى اصقاع الشرق من جانب واعماق اوروبا من جانب اخر ، فاقام حضارة عظمى ومنقطعة النظير وصار البشر امام تحول عظيم في العلم والادب والثقافة والفن وجميع ظاهر الحضارة الحقيقية وعلى اساس ثابت من الايمان والعقيدة . وقد كان تقبل الفطرة السليمة لرسالة الرسول الامين عميقا واسعا الى الحد الذي حال دون تمكن ظلم وجور حكام السوء من الوقوف بوجه تقدم الرسالة الالهية . كانت اوروبا تحترق في بربرية القرون الوسطى ، والماديون المتسلطون على عباد الله المظلومين تخندقوا في ذلك النصف من العالم متسترين بالصليب ساعين في الحيلولة دون بلوغ رسالة النبي الاكرم (ص ) - الذي بشر به المسيح ( ع ) - دنياهم المظلمة حتى لا تبور الدكاكين الكنائسية التي راجت في القرون الوسطى تعرض عقيدة خالية من الروح وتقيم حكومة تفتيش العقائد الاوروبية - التي تعد بحق عارا في تاريخ البشرية - والمحير المحزن هو انهم وفي الوقت الذي انتبهوا فيه وعزموا على القضاء على دين النبي الخاتم (ص) اندلعت في هذا الجانب نار النفاق والرغبة في التسلط وشماعت الفرقة والتشتت . وفي غضون ذلك ادت بعض العلل والعوامل لتهيئة الارضية المناسبة لتحقق الثورة الصناعية في اوروبا مما استتبع امتلاك حكومات الاعداء للتقنية والوسائل المتطورة فوسم التطور العلمي والتقني الجديد - والذي كان للحضارة الاسلامية السهم المهم والاساسي فيه - مجتمع اوروبا المتخلف بسمات جديدة . وبدلا من ان يفكر قادة وحكام البلدان الاسلامية بمايصلح حالهم وحال شعوبهم رجحوا الاستسلام للغفلة والتخلف بدلا من المبادرة للعمل والاجتهاد فنتج عن هذه الغفلة والخيانة تنامي قوة الاعداء يوما بعد اخر . فانطلقوا يوسعون من مناطق نفوذهم حتى أصبحت - وللاسف - مناطق مترامية من العالم الاسلامي مستعمرات للدول الاستعمارية وعلى هذا الحال استمرت القصة المحزنة لحاكمية القدرة والمال والكفر ، والتدخل العلني وغير العلني للمستعمرين في مصير البلدان الاسلامية عدة قرون . وفي ايران توالت سلالات الملوك والسلاطين على الحكم ، وعلى رغم الجور والظلم المستمر الذي مارسته هذه السلالات الحاكمة الا ان الشعب الايراني الصابر - الذي نادى وبمجرد وصول الرسالة المحمدية دياره بالقبول - كان منذ القدم في طليعة المسيرة الثقافية والحضارية للاسلام . غير ان ظلم الملوك ودسائس الاستعمار الجديد التي اراد بها بث الفرقة والتنازع كان في تزايد مضطرد - خصوصا وان الاعداء دخلوا الميدان هذه المرة باستخدام وسائل جديدة وتحت ستار العمران والتقدم - فقد ادت خيانات السلاطين القاجار(2) وما رافقها من اجتياح للاراضي الايرانية من قبل الانجليز والروس القياصرة الى ظهور ظروف مؤلمة جديدة ، فسفارات الدول الاستعمارية كانت تتدخل بشكل مباشر في جميع شؤون البلاد بما في ذلك عزل وتنصيب امراء البلاط والوزراء وذوي التناصب العسكرية الهامة . كما تم في هذه الفترة العصيبة اعطاء مناطق شاسعة من ارضنا الاسلامية الى الاجانب عبر اتفاقيات مذلة ومهينة ، كما كانت البلاد تعاني من انعدام الامن والعدالة ومن الفساد الاداري . وفي تلك العهود اوضحت فتوى العالم المجاهد الكبير اية الله العظمى الشيرازي في نهضة تحريم التبغ (3) والصرخات المطالبة بالاصلاح التي اطلقها السيد جمال الدين الاسد ابادي (4)
( هامش ) 2 - سلالة البارشان القاجار حكمت ايران مدة قرن ونصف ومنذ عام 193 1 هـ ( 1779 م ) حتى عام 1344 هـ ( 1925 م ) تعرض الشعب الايراني خلالها الى انواع الظلم والاضطهاد الاجتماعي والثقافي ، والسياسي ،كذلك فقد تم في عهدهم عقد الاتفاقيات المذلة مع الدول القوية انذاك ، ويعد العصر القاجاري بداية اتساع نفوذ الغرب في ايران . 3 - في عام 1367 هـ ق ( 0 89 1 م ) اعطى ناصر الدين القاجاري والصدر الأعظم على اصغر خان اتابك امتيازا لشركة ( رجي ) الانجليزية التي يمثلها الميجر تالبوت لتصنيع التبغ الايراني وتسويقه ، وقد نصت الاتفاقية التي يسري مفعولها لمدة خمسين عاما على بنود مجحفة منها : الفصل الثاني : ينحصر حق بيع رشراء وتصنيع التبغ ومشتقاته في الداخل والخارج بالشركة صاحبة الامتياز بشكل تام . الفصل الرابع : تعفى المكائن والعدد والاجهزة التي تحتاجها الشركة لعملها وتستوردها من الخارج من كافة الرسوم الجمركية . الفصل الخامس : يمنع حمل ونقل التبغ دون ترخيص من الشركة صاحبة الامتياز عدا المقدار الذي يحمله المسافر لإستخدامه الشخصي ! ! الفصل السادس : تقوم الشركة بشراء كافة المحصول الايراني من التبغ بلا استثناء . وبعد توقيع الاتفاقية امدرت شركة ( رجي ) بيانا في لندن اوضحت فيه ان الارباح السنوية المتوقعة للشركة ستناهز النصف مليون ليرة “ يكون منها اربعمائة الف ليرة عائدات خالصة للشركة “ حيث كانت الاتفاقية قد نصت ايضا على دفع ربع الربح المتحقق سنويا الى ايران . وبالمقارنة مع الإتفاقية التي عقدتها بريطانيا ايضا مع الدولة العثمانية يتبين مدى الضرر الذي لحق بايران نتيجة هذه الإتفاقية حيث ان خمس الشعب الإيراني كان يعمل انذاك بالتبغ كمهنة اساسية ، بالاضافة الى ان ايران كانت تصدر سنويا ما لا يقل عن ( 435 ) طنا من التبوغالى تركيا والهند وافغانستان ، وفي الوقت الذي كانت بريطانيا تلتزم فيه بدفع ستمائة وثلاثين الف ليرة الى الدولة العثمانية كانت من ا بدفع خمسة عشر الف ليرة ،كما ان مدة العقدكانت مع الدولة العثمانية ثلاثون عاما بينما مع ايران خمسون عاما . واخيرا فان الإتفاقية مع الدرلة العثمانية كانت تخض التجارة بالتبغ داخل الدولة العثمانية فقط دون السيطرة على تجارته في الخارج . هذه العوامل مضافا الى العديد من النتائج التي ترتبت على هذه الاتفاقية أثارت حفيظة علماء الدين للوقوف بوجه هذه الاتفاقية ، ناهيك عن الخوف من تنامي الشركة لتصبح كشركة الهند الشرقية اداة استعمارية تغضي على استقلال البلاد ، وناهيك ايضا عن ان هذا الامتياز يمثل حلقة فى سلسلة تبديد ثروات البلاد ، فقد سبقته امتيازات اخرى كثيرة في الكهرباء والهاتف والطرق وغير ذلك كثير ، لذا فقد ارسل الميرزا محمد حسن الحسيني الشيرازي رسالة الى الملك عبر فيها عن استنكاره لهذه الاتفاقية المخزية ، وكذا فعل الكثير من العلماء في الداخل كالمجتهد التبريزي جواد اقا في تبريز ، والسيد النجفي في اصفهان الذي اصدر - باعتباره مجتهدا - فتوى بتحريم استعمال التبغ ، غير ان البلاد ظلم بانتظار الرد الحاسم من الميرزا الشيرازي ، وفي 15 جمادى الاول 9 0 3 1 هـ ق ( 1 189 م ) ابرق سماحته يقول : “ ان استعمال التبغ والتنباكو اليوم باي نحوكان ، يعد بمثابة المحاربة لامام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف “ وبشيوع خبر وصول هذه البرقية اشاعت الحكومة الملكية ان هذه البرقية لا اساس لها ، فهجمت الجماهير على مراكز البريد ترغب في ارسال استفساراتها الى الميرزا الشيرازي ، ولكن لما حالت قوات النظام دون قيامهم بذلك ادركت الجماهير صحة البرقية ! . وقد ادت هدة العبارة القصيرة المختصرة الى تفجر الاوضاع في مختلف انحاء البلاد ، حيث اقدمت الجماهير على تحطيم كافة ادوات التدخين من النرجيلات وغيرها في الشوارع . ومن طريف ما حدث ان قصر الملك ناصر الدين ايضا لم ينا عن هذه النهضة ، فقد قام الخدم في منزله بتحطيم كافة النرجيلات حتى بقيت واحدة من النرجيلات الكبيرة المصنوعة من الفضة ، وقد فوجق ناصر الدين ذات يوم بمجموعة من خدمه يحملون هذه النرجيلة بقصد تحطيمها تحت إشراف زوجته فبادر بالسؤال : ما هذا ؟ فقالت زوجته : نريد تحطيم النرجيلة فالتدخين حرام . قال : من الذي حرمه ؟ فقالت : نفس الذي احلني عليك ( اي الشرع ) . كما قام احد التجار المتدينين باحراق اكثر من اثني عشر ألف كيس من التبغ ليحرم الانجليز من شرائه . وبذا اضطر الملك ناصر الدين الى الغاء الإتفاقية نهائيا ودفع غرامة الغائها كما نصت على ذلك الإتفاقية ، وهي خمسمائة الف ليرة ، قام باقتراضها من بنك رويتر الانجليزي ! الذي اقرضه المبلغ بفائدة سنوية 6% 4 - السيد جمال الدين الاسد ابادي ( الافغاني ) ( 1254 - 1314 هـ ق ) احد ابرز علماء الدين الذين لمع نجمهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ، الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تعيش فيه حالة الاحتضار وبلاد فارس ترزح تحت سياط الظلم التاجاري في عهد الملك ناصر الدين ، وفي الوقت الذي كانت اوروبا تخطو خطواتها في ما يسمى بعصر النهضة الصناعية . انبرى السيد جمال الدين لمواجهة الظلم ولتحريض المسلمين على القيام بوجه الظلمة وعلى الاتحاد والتكاتف ، قام مع محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي فى اسطنبول بتأسيس “ الاتحاد الاسلامي “ بعد ان تنقل في مختلف البلدان الاسلامية كمصر والحجاز وتركيا والعراق وسوريا والتقى ابرز علمائهم السنة والشيعة ، وقد اضنت زياراته المتكررة الى البلدان الاوروبية كفرنسا والمانيا وبريطانيا وروسيا وغيرها ثقافة عالية ومعرفة باللغات والالسن على شخصيته المتماسكة وسحر بيانه وقوت من تأثيره في المسلمين أينما كانوا ؟ تعتبر مساعيه مع معاصريه من العلماء، العاملين السبب في نشر الوعي الديني في الشرق ، الامر الذي حال الحكام دوما دون تكامله وتحقته بشكل فعال . زار السيد جمال الدين ايران مرتين بناء على دعوة من الملك ناصر الدين الا انه لم يحض بالتكريم ، وخصوصا في المرة الثانية التي جاءت على أثر التقائه ناصر الدين في ميونخ في المانيا حيث كان الاخير ذاهبا من للعلاج ؟ فحينما التقاه دعاه من جديد لزيارة ايران ، ولمالم ينسجما اعتزله السيد جمال الدين واستقر في منقطة الري قرب حرم عبد العظيم الحسني وظل من هناك مدة ئمانية اشهر يفضح الملك وحكومته ، عندما اوجس الملك منه خيفة ارسل اليه خمسمائة فارس فاعتقلوه وهو على فراش المرض ونفي الى العراق ، ومن العراق سافر بعيد شفائه الى فرنسا من جديد وكاتب الكثير من العلماء في النجف وايران يوضح لهم تدهور اوضاع الشعب الايراني وحثهم على العمل ، وله في هذا الخصوص رسالة ساحرة البيان ارسلها الى الميرزا الشيرازي يحثه على تحريم التنباك ،كما كان مريدوه ، ومنهم الشيخ هادي نجم ابادي وسيد محمد الطباطبائي - وكلاهما من قادة النهضة الدستورية - يقومون بالتبليغ لافكاره في ايران . كان الاوروبيين ينظرون الى السيد جمال الدين على انه في مصاف الشيخ الرئيس ابن سينا وابن رشد ة وحينماكان في فرنسا دعاه الحاكم العثماني للمجى الى العراق وعاد لذلك ؟ وعندما شاع خبر محاولة اغتيال الملك ناصر الدين الفاشلة وما اشيع من اتهام الحكومة الايرانية السيد جمال الدين بالتحريض عليها القاه الحاكم العثماني في السجن حتى مات فيه عام 1314 هـ ق .
ونهضة العلماء في ايران والنجف بوجه الاستعمار البريطاني ، ما تمتلكه المؤسسة العلمائية الاسلامية من اقتدار مؤثر في سير الاحداث ، الامر الذي جعل الانجليز يدركون مكامن الخطر ، لذا فقد بادروا الى ممارسة مختلف انواع الحيل والاساليب التي تم عبرها التاكيد على ظلم المؤسسة العلمانية واشاعة سياسة الفصل بين الدين والسياسة ، فظهرت انذاك الماسونية ، والعملاء الفكريين الجدد للغرب المتلبسين بلباس الثقافة ، الذين زادوا من اشتعال النار في تلك المعركة المشتعلة داخل البلاد . كذلك فقد كان الملك مظفر الدين القاجاري (5) والذي كان يفتقد الموقع اللائق بين ابناء شعبه ويعيش على امل تلقيه بالقبول من قبل الروس والانجليز .. وطبيعي ان سأثر البلاد الاسلامية كانت تعيش حالا مؤسفة مشابهة .
( هامش ) 5 - مظفر الدين القاجاري : خامس ملوك السلالة القاجارية ، حكم ايران لمدة احد عشر عاما . وقد اذى عدم صلاحيته كحاكم وعدم لياقته للحكم الى ترك اسوا الاثار على البلاد . سافر الى اوروبا عدة مرات فاضطر الى الإقتراض مرتين من روسيا القيصرية لتامين نفقات سفراته الباهظة التكاليف ، الامر الذي اضطره الى تفويض امر جمارك الشمال وصيد الاسماك في بحر الخزر الى الروس . كذلك فقد اضطر الى تفويض امر جمارك البلاد الجنوبية الى الانجليز بعد ان اقترض منهم ، معا عوض البلاد الى الافلاس واستتبع قيام الحركة الدستورية التي دفعته - ونزولا عند ضغط التحرريين في عام 1324 هـ (1906م) الى اصدار اوامره بتحول الملكية المستبدة الى ملكية مشروطة بالدستور . وبعد امضائه الدستور الذي تم اعداده من قبل مجلس الشورى الوطني . توفي في العام نفسه .
- من الولادة وحتى الاستقرار في قم :
انه العشرون من جمادى الاخرة عام 1320 هجري ( 24 سبتمبر 1902 م ) يوم من ايام الكوثر ، اليوم الذي اطل فيه روح الله الموسوي الخميني على هذا العالم في بيت من بيوت العلم والهجرة والجهاد وفي عائلة تشرفت بالانتساب الى الزهراء الطاهرة ( سلام الله عليها ) في مدينة خمين من توابع المحافظة المركزية ( اراك ) كان الامام الخميني خلفا لسلف بذلوا اقصى مساعيهم في هداية الناس وكسب المعارف الالهية فورثوه هذه السجايا. عاصر المرحوم اية الله السيد مصطفى الموسوي - والد الامام الخميني - المرحوم اية الله العظمى الميرزا الشيرازي (رض ) ودرس العلوم والمعارف الاسلامية في النجف الاشرف لعدة سنوات ، وبعد ان بلغ مرتبة الاجتهاد عاد الى ايران ليقيم في خمين ويصبح ملجا وملاذا وموجها للناس في امور دينهم . لم يتم “ روح الله “ خمسة اشهر من عمره حتى قام الطواغيت والباشوات المدعومين من قبل عملاء السلطة انذاك بالرد على مساعي والده في احقاق الحق والوقوف بوجه الظالمين باطلاق النار عليه ، فاستشهد على ايديهم الغادرة وهو في طريقه من ( خمين ) الى ( اراك ) وقد اصرت عائلة الشهيد على المطالبة بحقها في القصاص من قاتله واجراء العدالة ، مما اضطر ( دار الحكومة ) انذاك الى النزول عند اصرارهم - بعد مراجعتهم اياها في طهران - وانزال القصاص بحق قاتله . وبذا يكون الامام الخميني قد واجه ومنذ طفولته قسوة اليتم وتعرف على مفهوم الشهادة . بعد وفاة والده امضى الامام الخميني طفولته في احضان والدته ( السيدة هاجر ) - سليلة عوائل العلم والتقوى فهي من احفاد المرحوم اية الله الخونساري ( صاحب زبدة التصانيف ) - ورعاية عمته الموقرة ( صاحبة خانم ) المراة الشجاعة التقية ، حتى اذا ما بلغ الخامسة عشرة من عمره حرم هذين الحضنين الحنونين . درس الامام واتم ومنذ نعومة اظفاره - مستفيدا مما حباه الله به من ذكاء متدفق - قسما من المعارف الشائعة في عصره وعلوم المقدمات والسطوح المعروفة في الحوزات الدينية مثل اداب اللغة العربية ، المنطق ، الفقه ، الاصول ، على ايدي معلمين وعلماء منطقته (كالميرزا محمود افتخار العلماء ، والمرحوم الميرزا رضا النجفي الخميني والمرحوم الشيخ علي محمد البروجردي والمرحوم الشيخ محمد الكلبايكاني والمرحوم عباس الاراكي واخيه الاكبر اية الله السيد مرتضى بسنديده - الذي امضى عنده اكثر وقته التدرسي - سافر بعد ذلك وفي عام 1919 الى اراك ليواصل دراسته في حوزتها .
- السفر الى قم بعيد انتقال اية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (6) ( رحمه الله) الى قم ، انتقل الامام الخميني من اراك الى قم في رجب المرجب عام 1340 هـ فطوى سريعا مراحل دراسته التكميلية في الحوزة العلمية في قم وعلى ايادي اساتذتها . فقد اكمل كتاب “ المطول “ ( في علم المعاني والبيان ) على المرحوم الميرزا محمد علي الاديب الطهراني ، كتا اكمل السطوح على المرحوم ا ية الله السيد محمد تقي الخوانساري ، والمرحوم اية الله السيد علي اليثربي الكاشاني كذلك فقد اتم دروس خارج الفقه والاصول على زعيم الحوزة العلمية في قم اية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ( رضوان الله عليه ). ان الروح المرهفة الوثابة التي كان الامام الخميني يتحلى بها دفعته الى عدم الاكتفاء باتقان اداب اللغة العربية والدروس الفقهية والاصولية ، عليه فقد توجه سماحته - وفي غضون دراسته للفقه والاصول على ايدي فقهاء ومجتهدين - لدراسة الرياضيات والهيئة والفلسفة على المرحوم الحاج السيد ابو الحسن الرفيعي القزويني ، ثم واصل دراستها مع العلوم المعنوية والعرفانية على المرحوم الميرزا علي الاكبر الحكيمي اليزدي ، كما درس العروض والقوافي والفلسفة الاسلامية والفلسفة الغربية على المرحوم الشيخ محمد رضا المسجد شاهي الاصفهاني ،كما درس الاخلاق والعرفان على المرحوم اية الله الحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي ثم درس اعلى المستويات من العرفان النظري والعملي ، ولمدة ستة اعوام - على المرحوم اية الله الميرزا محمد علي الشاه ابادي - اعلى الله مقا ما تهم اجمعين -
( هامش ) 6 - هو الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري اليزدي ، ولد سنة 1276 هـ . ق في (قرية مهرجرد ) احدى توابع ( اردكان ) من هدن ( يزد ) ، ودرس المقدمات في ( اردكان ) ، ثم انتقل الى ( يزد ) فاتم السطوح في ( مدرسة الخان ) لدى المرحوم الحاج الميرزا حسين وامق والسيد يحيى المجتهد اليزدي ، ثم انتقل ولما يزل شابا الى العراق ليغيم في سامراء، ويكمل دراسته من هناك لدى الميرزا محمد حسن الشيرازي ( المرجع في ذلك الوقت ) والسيد محمد الطباطبائي الفشاركي الاصفهاني ، ئم انتقل بعيد وفاتهما الى النجف الاشرف فدرس لدى الخراساني ( صاحب الكفاية ) واليزدي ( صا حب العروة الوثقى ) ، حتى بلغ مرتبة الاجتهاد ، فاستوطن كربلاء حتى عام 1332 هـ ق انتقل بعدها الى (اراك ) ليدرس في حوزتها الناشئة جنبا الى جنب اية الله الشيخ محمد سلطان العلماء واية الله نور الدين العراقي واية الله الحاج الميرزا محمد علي خان واية الله الحاج مصطفى فريد محسني وغيرهم ، ثم انتقل الى قم في 4 2 رجب 0 34 1 هـ . ق ليستقر فيها فأسس الحوزة العلمية وحتى للبلدة اضافة الى ذلك انجازات هامة منها بناء مستشفى ( سهامي وفاطمي ) ، وبناء سد على نهر قم ، وبناء (قلعة مبارك اباد ) وتعمير مدارس الفيضية ودارالشفاء وتأسيس مكتبة الفيضية . عرف عنه الصلاح والتقوى والعلم الوافر ، له مؤلفات عديدة منها درر الفوائد ( في الاصول ) ، كتاب الصلاة ، وغيرهما ، تخرج على يديه عشرات المجتهدين الافاضل ، توفي - رضوان الله عليه - في 17 ذي القعدة سنة1355 هـ ق ، وشيع جثمانه الالوف ، ودفن في قم في حرم السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ( * ) .
بعد وفاة اية الله العظمى الحائري اليزدي ، اثمرت الجهود التي بذلها الامام الخميني مع جمع من المجتهدين في الحوزة العملية في قم في دفع اية الله العظمى البروجردي (7)(رض ) لتسلم زعامة الحوزة العلمية في قم وخلال هذه المدة التي امضاها الامام الخميني في قم كان قد عرف على انه احد المدرسين والمجتهدين من اولي الرأي في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق ، وكان قد شاع عنه الزهد والتواضع والتعبد والتقوى بين القريب والبعيد
( هامش ) 7 - هو السيد حسين علي بن الميرزا احمد الطباطبائي الحسني البروجردي ، ولد في بروجرد سنة 1292 هـ ق ، وانهى المقدمات في مدرستها ثم تابع تحصيله في اصفهان ، حتى عام 1319 هـ. ق حيث سافر الى النجف الاشرف فحضر درس اية الله الاخوند ، وملا محمد كاظم الخراساني ( صاحب كتاب كفاية الاصول ) وشيخ الشريعة اية الله شريعت الاصفهاني فنال اجازة الاجتهاد ، وعاد الى بروجرد سنة 1328 هـ . ق وبوفاة والده لم يتمكن من العودة الى النجف ، ذهب عام 1344 هـ . ق حاجا ، وعاد عن طريق النجف فبقي فيها ستة اشهر ، ولدى عودته الى ايران سنة1345 هـ . ق اوقف لمدة ثلاثة اشهر لما صادف من قيام ونهضة علماء اصفهان ، وبعد الافراج عنه استقر في مشهد ما ينيف على العام . ثم عاد الى بروجرد ، وفي سنة 1363 هـ سافر الى طهران للمعالجة وبعد شفائه ، استقر في قم ، وتسلم بعد وفاة السيد ابو الحسن الاصفهاني مقام المرجعية فسعى في تثبيت الحوزة وتوسيعها . اسس وساهم في تأسيس العديد من المدارس العلمية في قم والنجف وكربلاء ، وبنى المسجد الأعظم في قم ، وساهم في بناء مسجد ( هامبورك ) الكبير في المانيا وعدة مساجد وحسينيات في اماكن متفرقة من العالم . من مؤلفاته : الحاشية على الكفاية ، الحاشية على النهاية ( للطوسي )كتاب كبير في الفقه ، حواشي ومستدركات على فهرست الشيخ منتجب الدين الرازي ، حواشي كتاب المبسوط ، ورسالة في اسانيد الصحيفة السجادية ، تجريد اسانيد الكافي واصلاح ومستدركات رجال الشيخ وغيرها . توفي يوم الخميس 2 1 /شوال/ 1380 هـ .ق عن عمر ينيف على التسعين ، ودفن في جوار مرقد السيدة المعصومة ( عليها السلام ) في قم .( * ) .
ان هذه الخصال والسجايا الرفيعة التي تمكن الامام هناكتسابها عبر سنوات طويلة من المجاهدة والتريض الشرعي وامتحان المفاهيم والاسس العرفانية في حياته العملية الشخصية والاجتماعية ، والمنحى السياسي الذي انتحاه والذي اظهر من خلاله اعتقاده الراسخ بحفظ كيان الحوزات العلمية وترسيخ قيادة الروحانية والزعامة الدينية باعتبارها الملاذ الوحيد للناس في تلك الايام المضطربة الخطيرة ، جعلته يوظف امكاناته العلمية ويبذل مساعيه وما تميزبه من الفضل والشاخصية في تحكيم اسس الحوزة العلمية الفتية في قم ، فوقف رغم ما لديه من لياقات - ورغم اختلاف نظرته العلمية عن سائر المجتيهدين - مع سائر المجتهدين ، يدعم مرجعية اية الله العظمى الحائري ثم اية الله البروجردي - اعلى الله مقامهما - وحتى بعد وفاة اية الله البروجردي - ورغم التوجه الواسع من قبل الطلاب والفضلاء والمجتمع الاسلامي نحوه لجعله احد مراجع التقليد - لم يخط الامام الخميني اية خطوة يشم منها رائحة السعي لكسب المقام والسلطة فكان يحث محبيه ومريديه دوما على عدم الاهتمام بمثل هذه الامور . بل انه اصر على منحاه هذا حتى في الوقت الذي اجتمع حوله اهل الخبرة في المعارف الاسلامية باعتباره المنادي بالاسلام الحق وانه يمثل ضالتهم المنشودة لتحقيق امالهم لما كان عليه من التقوى والعلم والوعي ، فلم يغير من سيرته ومنهجه قيد انملة متمثلا قوله الذي كان يكرره دائما” انني اعتبر نفسي خادما وحارسا للاسلام والشعب “(8). انه ذات الرجل العظيم الذي عاد في 12 بهمن 1357 ش ( 1 شباط 1979 م ) الى ايران ليجد عشرات الملايين من الايرانيين وقد اجتمعوا في اكبر مراسم استقبال شعبي لزعيم سياسي في التاريخ ، ثم اجاب ذلك الصحفي الذي سأله عن شعوره وهو يرى هذه الابهة التي تنتظره ، بالقول : لا شيء! لقد توهم ذلك الصحفي بان الامام الخميني كسائر القادة السياسيين الساعين نحو السلطة يصابون في مثل هذه المواطن المثيرة بسكر خاص ، تكاد ارواحهم تقفز له فرحا غير ان الجواب الذي سمعه اوضح له بان الامام الخميني من سنخ اخر .
( هامش ) 8 - الكلمات القصار - الفصل الاخير ( * ) .
لقد كان الامام الخميني بحق - وكما اكد على ذلك مرات ومرات - يعتقد بان الملاك في جميع سلوكاته وحركاته هو جلب رضا الخالق تعالى والعمل بالتكليف والمسؤولية الشرعية ، فهو يرى بان الامر سيان بالنسبة له سواء كان متعرضا للسجن والنفي ام تسلم اعلى مقام من القدرة والسلطة ما دام متحركا في سبيل الله . وفي الاساس فقد اعرض سماحته وقبل عدة عقود من ذلك التاريخ عن الدنيا وما فيها وسلك طريق الوصل والفناء في الله ولعل احلى واجمل تفسير لجوابه الذي اجاب به الصحفي يكمن في بيت الشعر الذي قاله سماحته : اذهب الى الخرابات واعتزل الخلق جميعا وعلق قلبك بالمطلق واترك الباقي (9)
( هامش ) 9 - ديوان الامام الخميني : ص 74 ( * ).
مارس الامام - خلال سنوات طوال - التدريس في الحوزة العلمية في قم ، فدرس عدة دورات في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق الاسلامية في المدرسة الفيضية والمسجد الاعظم ومسجد محمدية ومدرسة الحاج ملا صادق ومسجد السلماسي . . . وغيرها ، كما مارس تدريس الفقه ومعارف اهل البيت (ع ) - وعلى ارفع المستويات - في الحوزة العلمية في النجف الاشرف ، في مسجد الشيخ الانصاري (ره ) لما يقارب الاربعة عشر عاما ، وفي النجف الاشرف طرح - ولاول مرة - مبانيه حول مسألة الحكومة الاسلامية عبر سلسلة دروس القاها في موضوع ولاية الفقيه . وعلى ما نقله طلابه فان حوزة الامام الخميني كانت تعد من افضل المراكز التعليمية ، وقد قارب عدد من يحضرون درسه في بعض الدورات الدراسية - خلال السنوات التي قضاها في التدريس في قم - الالف ومائتي طالب ، كان بينهم العشرات من المجتهدين المعروفين والمعترف باجتهادهم ، فكانوا جميعا ينتهلون من مدرسة الامام الخميني في الفقه والاصول . فكان من بركات ممارسته التدريس ان تمكن سماحته من تربية المئات بل الالاف - اذا اخذنا بنظر الاعتبار طول سنوات الدراسة - من العلماء والحكماء ممن اصبحوا بعد ذلك مشاعلا واعلاما في الحوزات الدينية ، فهم الفقهاء المجتهدون والعرفاء المتميزون ممن يشار اليهم بالبنان اليوم في حوزة قم العلمية وفي سائر المراكز الدينية ، فمن مفاخر العلامة الشهيد الاستاذ المطهري ( 10) والشهيد المظلوم الدكتور البهشتي (11) انهما كانا من المواظبين لسنوات على درس هذا العارف الكامل . واليوم فان الوجوه الوضاءة من العلماء الربانيين الذين يقودون مسيرة الثورة الاسلامية ويسيرون نظام الجمهورية الاسلامية هم من طلابه وخريجي مدرسته الفقهية والسياسية . وسوف نشير في هذه المقالة الى خصائص ومميزات مدرسة الامام الخميني في العلوم المختلفة ، كما سنتعرض في اخر المقالة وبشكل مختصر الى تعريف كتب ومؤلفات الاما م .
( هامش ) 10 - هو الشيخ مرتضى نجل العلامة محمد حسين المطهري ، ولد في قرية ( فريمان ) من توابع مدينة مشهد ، درس في مشهد ، ثم انتقل سنة 1358 هـ ق ولما يبلغ الثامنة عشرالى قم ، فحضر مجالس بحث الفقه والاصول لدى ( اية الله الصدر واية الله السيد محمد المحقق واية الله السيد محمد الحجت ) ثم حضرابتداء ا في سنة 1369 هـ ق بحث الامام الخميني في الفلسفة والعرفان ، مضافا الى حضوره درس اية الله البروجردي حتى سنة 1373 هـ ق . كما حضر بحث المرحوم العلامة الطباطبائي بدء من سنة 1371 هـ ق . مارس التدريس في الحوزة العلمية خلال ذلك ، هاجر سنة 1373 هـ ق الى طهران وانشاء من هناك حوزة للدرس في ( مدرسة مروي ) فدرس فيها الفلسفة . ابتداء نشاطه في التأليف سنة 1374 هـ . ق ، وفي سنة 1376 هـ ق ارسلت فى طلبه جامعة طهران ليمارس التدريس في كلية الالهيات والمعارف الاسلامية فقبل ذلك ومارس التدريس وشغل منصب رئيس قسم الفلسفة عامين متتاليين . كان من اقطاب التحرك الثوري الذي قاده الامام الخميني ( رضوان الله تعالى عليه ) لذا تعرض للاعتقال في ليلة الخامس من حزيران سنة 1963 م وبقي سجينا ما يقارب الشهرين .. شارك في تشكيل ( جماعة علماء الدين المجاهدين “ جامعه روحانيت مبارز”) وكان ممثلا للامام الخمينى في الحوزة العلمية . سافر بعد سفر الامام الخميني الى ( باريس ) فقام بناءً على توجيهات بتشكيل مجلس قيادة الثورة ، اغتيل بعيد انتصار الثورة الاسلامية في طهران وذلك ليلة 5/2/ 1979 م (4/جمادى الاخرة / 1399 هـ ق ) مخلفا وراءه تراثاً فكرياً ضخماً فمن مولفاته : اسباب الميل نحو المادية في ايران ، الادارة والقيادة فى الاسلام . نظام حقوق المراة في الاسلام ، مسألة الحجاب ، العدل الالهي وعشرات المؤلفات الاخرى . 11 - هو الشهيد الدكتور محمد حسين البهشتي من علماء الدين المجاهدين ومن الوجوه العلمية والسياسية والثورية الاسلامية . كان له دور في جمع الطاقات الثورية فى تشكيل اطلق عليه اسم الحزب الجمهوري الاسلامي الذي اسس في الاشهر الاولى لانتصار الثورة الاسلامية بهدف مواجهة مؤامرات الاعداء . والدكتور البهشتى اول شخص عينه الامام في رئاسة ديوان القضاء العالي وذلك لترتيب شؤون القضاء في البلاد على مختلف المستويات . استشهد الدكتور البهشتي فى شهر سبتمبر عام 1981 مع جمع من مسؤولي نظام الجمهورية الاسلامية وذلك اثر الانفجار الذي وقع في مقر الحزب الجمهوري الاسلامى بواسطة بعض العناصر من حركة المنافقين ( مجاهدي الشعب ) اثر عنه مولفات عديدة في مختلف المجالات ( * ) .
- الامام الخميني في خندق الجهاد والثورة لقد كان لروحية المبارزة والجهاد في سبيل الله جذور تمتد الى نوع الاعتقادات والتربية والمحيط العائلي والظروف السياسية والاجتماعية التي احاطت بحياة الامام فقد وسمت ملامح الجهاد شخصيته منذ الصبا وتواصلت عملية التكامل في شخصيته في ابعادها الروحية والعلمية جنبا الى جنب تطور الظروف والاوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت تمر بها ايران والمجتمعات الاسلامية وفي عام ( 1961 - 1962 م ) وفي حادثة تعديل قانون المجالس المحلية ( مجالس المحافظات والمقاطعات )(12) سنحت الفرصة للامام لان يؤدي دوره في قيادة نهضة العلماء وبذا فقد انطلقت حركة الخامس عشر من خرداد (5حزيران 1963 م ) - التي شارك فيها العلماء وابناء الشعب - معتمدة على دعامتين اساسيتين ، اولاهما : قيادة الامام المطلقة للحركة ، وثانيهما : اسلامية الباعث على الحركة ، واسلامية الشعارات المرفوعة والاهداف المحددة - لتمثل فصلا جديدا في جهاد الشعب الايراني اثمر فيما بعد وعرف في العالم اجمع باسم الثورة الاسلامية .
( هامش ) 12 - اقدمت الحكومة الايرانية في 8 / 0 1 / 963 1 على المصادقة على لائحة خاصة بالانتخابات المحلية تم من خلالها حذف شرط اسلامية الناخبين والمرشحين واستبدال القسم الدستوري الذي يؤديه !لمرشحون الفائزون بالكتاب السماوي بدلا من القرآن الكريم الامر الذي عارضه الامام الخميني بشدة وجعل منه محفزاً لتحريك الشعب في مواجهة الحكومة .(*) .
لقد ولد الامام الخميني في وقت كانت ايران تمر فيه باقسى ادوار تاريخها . فالحركة الدستورية(13) تعرضت للضياع نتيجة دسائس ومعارضات عملاء الانجليز في البلاط القاجاري والخلافات الداخلية وخيانة البعض من العملاء الفكريين للغرب وتعرض العلماء - الذين كانوا يمثلون طليعتها - الى الاستبعاد من ميدان الاحداث بمختلف انواع المكائد ليعود النظام ملكيا مستبدا مرة اخرى . كذلك فان البطانة العشائرية التي كانت تتسم بها العائلة القاجارية المالكة ، وضعف الحكام المتوالين وعدم صلاحيتهم ادى الى التدهور الاقتصادي والاجتماعي الشديدين في ايران ومهد السبيل لاطلاق ايدي الباشوات والاقطاعيين والاشرار لسلب الامن والامان ، وفي ظروف كهذه كان العلماء بمثابة الملاذ الوحيد للناس في مختلف المدن والمناطق . وكما اشرنا سابقا فقد شهد الامام الخميني في طفولته استشهاد والده بينما كان يدافع عن حقوقه وحقوق اهل منطقته ويقف بوجه الباشوات والاقطاعيين وعملاء الحكومة انذاك . ان اسرة الامام تتميز بالفة فطرية للهجرة والجهاد في سبيل الله .
( هامش ) 13 - ينقسم الحكم الملكي الى عدة اقسام تبعا لنسبة صلاحية الملك في الحكم فمنها “ الملكية الاستبدادية ( المطلقة ) " التي يكون للملك فيها مطلق الحرية في التصرف ، ويعمل الجميع باسمه وتكون الحكومة بتعيينه هو . ومنها الملكية البرلمانية ( الدستورية ، او المقيدة ) التي تفوض الملك صلاحيات محدودة ويشرف على امور البلاد بالاضافة اليه مجلس شيوخ او اعيان او مجلس وطني او شورى ، او كلاهما معا ، ويطلق على هذا النوع باللغة الفارسية “ المشروطة “ وواضح ان الكلمة مأخوذة من اللغة العربية حيث تعنى “ الملكية المشروطة بالدستور “ . ويبدو انها تسربت الى ايران من الدولة العثمانية التى اصبحت حكومتها “دستورية “ في عام 1874 م . ولم يحدد المؤرخون تاريخا معينا لبدء النهضة الدستورية فى ايران ، إلا انه يمكن اعتبار هزيمة ايران في حربيها مع الروس وانعقاد معاهدة جلستان وتركمن شاي ، وتطبيق نظام الحصانة للاجانب ضد مصالح الشعب ، والقروض التي اخذها الملوك في تلك العهود بدءا لتنامي الوعي بضرورة تحديد صلاحيات الملك ، وكان اوضح مظهر لوقوف الشعب الايراني بوجه الملك ما حدث في عام 1906 م في قضية تحريم التبغ ، بيد ان حركة علماء الدين قبل ذلك التاريخ هيأت الارضية لذلك ، ففي عام 1905 م قام المخلصون بتشكيل اول تجمع سياسي له تسعة اشخاص كلجنة مركزية كان من ضمنهم (السيد جمال الدين الواعظ الاصفهاني وملك المتكلمين ، دولت ابادي ، واية الله سيد عبد الله البهبهاني ، واية الله السيد محمد الطباطبائي ، واية الله الشيخ فضل الله النوري ) الذين قاموا بتوزيع منشورات تدعو الى تعديل صيغة الحكم ، مما ادى الى القاء القبض على بعضهم وتعريض البعض الاخر للاهانة كما حصل حينما انزل السيد جمال الدين الواعظ من على منبره ، او ارتداء البلجيكي المدعو ( نوج ) - الذي استخدمته الحكومة الايرانية من الروس لاصلاح وضع الجمارك - لباس علماء الدين واثارة مشاعر الجماهير ، واعتصام الشيخ فضل الله النوري في حرم عبد العظيم الحسني مع اثنين من علماء الدين ، فعزل الملك رئيس وزرائه ( علاء الدولة ) واعلن عن القبول بتأسيس وزارة عدل . غير انه لم يف بوعده مما ادى الى تعقيد الوضع اكثر ودفع ببعض العلماء الى الهجرة الى ( قم ) ولجوء البعض الاخر منهم الى سفارة انجلترا ، باعتبار ان الروس هم الذين كانوا يدعمون الملك مظهر الدين القاجاري . وبعد ان راى الملك تأزم الوضع ارسل في طلب العلماء من قم واصدر اوامره بقبول الملكية الدستورية ، وبذا استبدلت الملكية المستبدة بحكومة ملكية مشروطة بالدستور وبعد كتابة الدستور ومتممه واجراء الانتخابات في عام 1285 هـ ش ( 1906 م ) في طهران ، ابتداء الملك بالانحراف مجددا عن اسس الدستور فعاود الشيخ فضل الله النوري الاعتصام مجددا في حرم عبد العظيم الحسني معلنا عن معارضته للملكية الدستورية ومطالبته بالملكية الدستورية المشروعة المستندة الى احكام الشريعة . وتدهورت الاوضاع سريعا ، وتوجت الازمة بمهاجمة الحكومة البرلمان واغلاقه بقوة السلاح ، الامر الذي اتاح للمطالبين بالدستورية او من اعتلى الموجة الى التوجه من تبريز ورشت واصفهان وخوزستان وغيرها ومحاصرة طهران ثم احتلالها والاطاحة بالملك في 28 جمادى الاخرة 1327 هـ ق الموافق 19 تموز 1959 م ) وهروب مظفر الدين القاجاري الى روسيا وتعيين ابنه احمد ( وكان عمره انذاك اثني عشر عاما ) ملكا مقيدا بالدستور بدل والده غير ان الذين تسلطوا على الاوضاع كانوا من الاقطاعيين والمنتفعين وغيرهم ممن راوا في مطالبة الشيخ فضل الله النوري الاستناد الى احكام الشريعة خطرا حقيقيا فحملوه مسؤولية تدهور الاوضاع وقضوا عليه بالاعدام هو واية الله عبد الله البهبهاني والسيد محمد الطباطبائي وملك المتكلمين وسيد جمال الدين الاصفهاني والحاج الشيخ محمد سلطان وغيرهم ، وذلك في 13 رجب 1327 هـ ق .( * )
يستعرض الامام الخميني بعض ذكرياته عن الحرب العالمية الاولى - وكان حينها يبلغ من العمر اثني عشر عاما - فيقول “ انني اتذكر كلتا الحربين العالميتين . . . كنت صغيرا الا اني كنت اذهب الى المدرسة وقد رايت الجنود الروس في المركز الذي كان في (خمين ) رايتهم من هناك واذكر كيف تعرضت بلادنا للاجتياح في الحرب العالميه الاولى “(14) . وفي موضع اخر يذكر سماحته هذا الامر متعرضا لذكر اسماء البعض من الباشوات والاقطاعيين الظالمين الاشرار الذي كانوا يمارسون النهب والاعتداء على اعراض الناس واموالهم مدعومين من قبل الحكومة المركزية ، فيقول “ انني في حرب منذ طفولتي . . . فقد كنا نتعرض لهجمات من قبل امثال زلقي ورجب علي (15) وكنا نمتلك بندقية ، اذكر اني كنت اقارب البلوغ انذاك فكنت اذهب مع البقية لاتخاذ مواقعنا في الخنادق المعدة للدفاع ضد هجوم اولئك الذين كانوا يقصدون الاغارة علينا ، نعم كنا نذهب من هناك ونتفقد الخنادق “(16) .
( هامش ) 14- صحيفة النورج 2 1 ص 136 . 15- اسماء طائفتين من الاشرار والاقطاعيين الظالمين ، الذين كانوا يمارسون الظلم والنهب فى المحاقظة المركزية اثناء العهد القاجاري الذي تميز بالهرج والمرج . 16- صحيفة النور ج 0 1 ص 63 1 ( * ) .
ويقول في موضع اخر : “ لقد كنا مضطرين الى اعداد الخنادق في خمين - في المنطقة التي كنا نعيش - وكانت عندي بندقية ، غير اني كنت لا ازال حينها صبيا ، لم اناهز الثامنة عشرة بعد ، وكنت اتدرب على البندقية واحملها وبما يتناسب مع سني ، . . . نعم كنا نذهب للتحصن في الخنادق ونواجه هؤلاء الاشرار الذين كانوا يغيرون علينا لقد كان الوضع متسما بالفوضى والهرج والمرج ، ولم يكن لدى الحكومة المركزية القدرة على السيطرة على الاوضاع ، . . . وفجأة سيطروا على خمين فهب الناس لمواجهتهم وحملوا السلاح وكنت من بين من حملوا السلاح “(17) كان انقلاب الثالث من اسفند ( 22 شباط ) الذي قام به ( رضا خان ميربنج )(18) معدا ومدعوما من قبل الانجليز - كما تشير الى ذلك الوثائق التاريخية الثابتة - ورغم انه قضى على حكم القاجاريين وانهى عهد الباشوات والخوانين والاشرار ، الا انه اقام حكما مستبدا حكمت تحت مظلمه بضع مئات من العوائل مصير الشعب المظلوم وتصدت العائلة البهلوية للعب دور الباشوات والخوانين الغابرين . لقد سيطر رضا خان طوال عقدين من حكمه على نصف الاراضي الزراعية في ايران وثبت ملكيتها له رسميا وشكل هيكلا اداريا لادارتها والمحافظة عليها يفوق في تشكيلاته هيكلية الوزارات الكبرى وسعى في هذا السبيل - ما وسعه السعي - لحل المشاكل القانونية المترتبة على نقل ملكية الاراضي - حتى الموقوفة منها - فاصدر لذلك عشرات اللوائح والمصوبات القانونية من المجالس البرلمانية الاجيرة التي كان يامر بتشكيلها . وقد بالغ في ذلك الى درجة جعلت ما كتب عن حياته - من قبل مؤيديه او معارضيه - يدور في اغلبه حول املاكه وما يقتنيه من الحلي والجواهر والشركات والمراكز التجارية والصناعية . لقد اعتمد رضا خان على ثلاثة اصول سياسية في حكمه “ الحكومة العسكرية والبوليسية القاسية - المواجهة الشاملة للدين والعلماء - العمالة للغرب “ الامور التي اصر عليها الى اواخر عهده . وفي ظروف كهذه سارع علماء الدين الايرانيون - الذين تعرضوا للهجوم المتواصل من قبل الحكومات المتوالية التي ادارت الامور بعد الحركة الدستورية مضافا الى ما تعرضوا اليه من قبل عملاء الانجليز والمثقـفين من عملاء الغرب الفكريين - للدفاع عن الاسلام وحفظ كيانهم وحيثيتهم . ففي ذلك الوقت انتقل اية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري - ونزولا عند رغبة علماء قم الاعلام - الى مدينة قم تاركا اراك ، وبعد مدة قصيرة من انتقاله ، انتقل الامام الخميني - الذي كان قد انهى وبسرعة دراسة المقدمات والسطوح في الحوزة العلمية في خمين واراك - الى قم وساهم عمليا بدور فعال في تحكيم وجود الحوزة الفتية في قم ، ولم يمض وقت طويل حتى عد الامام الخميني من الفضلاء الاعلام في هذه الحوزة واشتهر في مجالات العرفان والفلسفة والفقه والاصول .
( هامش ) 17 - صحيفة النورج 6 1 ص 92 18 - هو رجل قاس متجبر أسس في ايران حكومة ملكية عام 1924 م ، التحق بالمجموعات المسلحة الشقية المتجبرة وهو في الرابعة عشر من عمره ، وسرعان ما بلغ اعلى مستويات القيادة لهذه المجموعات بسبب قساوة قلبه وتهوره ، فلفت انتباه البريطانيين واهتمامهم ، وبما انهم كانوا يسعون الى ايجاد حكومة قوية في ايران تحفظ مصالحهم ، فقد وجدوا فيه ضالتهم المنشودة . وبالفعل فقد استطاع وبمساعدة الانجليز ان ينهي حكم “القاجار“ وان يتربع على العرش الملكي مدة ستة عشر عاما ، و عندها شاهد التقدم السريع لجيش هتلر ، وسقوط الدولة الاوروبية واستسلامها ، بهت بذلك ، ومد يده لهتلر طمعا في ان يكون النصر حليفه . لكن دول الحلفاء اجتاحوا ايران ، وعزلوا رضا خان ، ونقلوه بسفينة بريطانية الى منفاه في “ جزيرة موريس "، شرق افريقيا ، ثم الى “ جوهانسبرغ “ جنوبي افريقيا ، الى ان مات فيها عام 1944 م .( * )
وكما اسلفنا الاشارة فان حفظ كيان العلماء والمرجعية كان من اهم ما لزم المبادرة اليه - وذلك لافشال المخططات التي كان يعدها رضا خان وابنه - والحيلولة دون تحقيقهم اغراضهم المتوخاة . وعلى هذا الاساس نرى بان الامام - ورغم ما كان بينه وبين اية الله العظمى الحائري ومن بعده اية الله العظمى البروجردي من اختلاف في وجهات النظر في بعض المسائل حول كيفية مواجهة الحوزات العلمية ومراجع التقليد للظروف المستجدة ، وحول دور العلماء في ذلك الخصوص - يقف على الدوام بقوة وحزم الى جانبهما للدفاع عن المرجعية طوال فترة زعامتهما . كان الامام الخميني مولعا بمتابعة التسالل السياسية والاجتماعية . وكان رضا خان قد اقدم في تلك السنوات - وبعد ان فرغ من تثبيت دعائم حكمه - على تنفيذ مخطط واسع للقضاء على اثار الثقافة الاسلامية في المجتمع الايراني ، فمارس انواع الضغوطات على العلماء ، فاصدر الاوامر الرسمية بتعطيل مراسم العزاء والخطابة الدينية ، ومنع تدريس المسائل الدينية والقرآن واقامة صلاة الجماعة في المدارس ، وروج للهمس حول نزع الحجاب عن النساء الايرانيات المسلمات . وقبل ان يعلن رضا خان عمليا عن اهدافه على مستوى واسع بادر علماء الدين الايرانيون الملتزمون للاعتراض على ممارساته نتيجة معرفتهم بالاهداف غير المعلنة التي كان رضا خان ينوي تحقيقها وللاعتراض على بعض هذه الممارسات اقدم بعض علماء اصفهان الملتزمون وبقيادة اية الله الحاج اقا نور الله الاصفهاني عام ( 1927 م ) على الهجرة الجماعية الى قم للاعتصام فيها ، وترافقت هذه الحركة مع هجرة العديد من العلماء من مدن اخرى الى قم ايضا ، وبالفعل فقد استمر هذا الاعتصام لمدة مائة وخمسة ايام ( من 12 ايلول الى 25 كانون الاول عام 1927 م ) انتهى بعدها بالانسحاب الظاهري من قبل رضا خان ونتيجة المواجهة الامنية له من قبل رئيس الوزراء انذاك ( مخبر السلطنة ) الذي امر بمحاصرة المدينة لانهاء الاعتصام وتعهد بالاستجابة لشروط المعتصمين غير ان هذا الاعتصام لم ينجح عمليا في تحقيق النتائج المتوخاة وذلك نتيجة استشهاد قائد الاعتصام في شهركانون الاول عام 1927 . وقد اتاحت هذه الحركة الفرصة لطالب العلوم الدينية الشاب روح الله الخميني الذي كان يتحلى باللياقات والاستعدادات اللازمة للمواجهة والتصدي ، لان يطلع عن كثب - ومن خلال حضوره المباشر في صلب تلك الحركة - على اساليب المواجهة ، وما يتعرض له العلماء من ظلم ، علاوة على التعرف على ملامح شخصية رضا خان . ثم وفي حادثة المشادة التي حصلت بين اية الله البافقي ورضاخان في قم ومحاصرة هذه المدينة من قبل قوات الشرطة وتعرض سماحة البافقي الى الضرب والنفي الى مدينة الري من قبل الملك . هذه الحادثة والحوادث المشابهة وما كان يحصل في المجالس التشريعية في تلك الايام - خصوصا الحركة الجهادية الدؤوبة التي كان يمارسها المجاهد المعروف اية الله السيد حسن المدرس - تركت كلها الاثر على روح الامام المرهقة الوثابة . وحينما اصدر رضا خان امره بفرض الامتحانات على طلاب العلوم الدينية في الحوزة العلمية في قم هادفا القضاء على الحوزة ، انبرى الامام الخميني لفضح الاهداف الخفية لهذا الامر وتصدى لمعارضته وحذر بعض العلماء المشهورين - الذين عدوا ذلك الامر ونتيجة لسذاجتهم امرا اصلاحيا - من مغبة القبول به . وللاسف فان المؤسسة العلمائية الايرانية كانت تعيش انذاك حالة الانزواء نتيجة الاعلام المكثف الذي كانت تمارسه اجهزة النظام الاعلامية ونتيجة للظروف والاختلافات والاحباطات التي نجمت عن الحركة الدستورية ، الامر الذي ادى الى معارضة البعض من المنحرفين فكريا وطلاب الراحة والقشريين تدريس ودراسة بعض المواد الدراسية الحوزوية كالعرفان والفلسفة التي تؤدي بالنتيجة الى اثارة الوجدان والبحث في المسائل والمصائب الواقعة . وقد بلغ الضغط بهذا الاتجاه حدا عرض الامام الخميني الى تحمل مالايطاق من اجل تعطيل درسه في الفلسفة والعرفان والاخلاق ، الامر الذي اضطره الى اعطاء دروسه في الخفاءَ فكان حصيلة تلك المساعي تربية شخصيات من امثال العلامة الشهيد اية الله المطهري ونتيجة لذلك فقد اظهر العلماء والجماهير المقاومة في مواجهة رضا خان الذي سخر جل طاقاته للقضاء على الاسلام ونزع الحجاب ومنع المراسم الدينية ، الامر الذي ادى الى فشله في الكثير من طروحاته واجبره على ا لانسحاب احيانا . بعد وفاة اية الله العظمى الحائري ( 30 / 1 / 1937 م ) واجهت الحوزة العلمية في قم خطرالانحلال من جديد ، فبادر العلماء الملتزمون ولمدة ثمانية اعوام لادارة الحوزة العلمية وهم ذوي السماحة : السيد محمد الحجت ، السيد صدر الدين الصدر والسيد محمد تقي الخونساري ( رضوان الله عليهم ) وفي هذه الفترة وخصوصا بعد سقوط رضاخان تهيأت الظروف للمرجعية الكبرى ، فاقترح ان يرفع اية الله البروجردي الذي كان من ابرز الشخصيات العلمية لتسلم مقام المرجعية خلفا لاية الله الحائري . وبسرعة تم متابعة هذا الاقتراح من قبل تلامذة اية الله الحائري ومن ضمنهم الامام الخميني ، فسعى سماحته شخصيا في اقناع اية الله البروجردي للهجرة الى قم وقبول المسؤولية الخطيرة المتمثلة في تزعم الحوزة العلمية .
لقد ادرك الامام الخميني ومن خلال اطلاعه على حساسية الظروف السياسية التي يمر بها المجتمع والوضع الذي تعيشه الحوزات العلمية وطبيعة حركة التاريخ التي كان يستلهمها من مطالعته المستمرة لكتب التاريخ المعاصر والمجلات والصحف الدورية الصادرة في ذلك الوقت ، وما كان يقوم به من زيارات متوالية الى طهران (19) والحضور في مجالس العلماء الاعلام من امثال اية الله المدرس ( 20) - مما يتيح له تكميل الصورة عن الواقع - ادرك بان المسألة التي تعطي املا بالتحرر والنجاة من حالة النكسة التي تلت مرحلة الحركة الدستورية وفشلها - وبالخصوص بعد تولي رضاخان للسلطة - انما تكمن في تسلح الحوزات العلمية بالوعي ، على ان يتم قبل ذلك ضمان استمرار وديمومة وجود الحوزات العلمية وتمتين عرى الارتباط بين الجماهير والمؤسسة العلمائية .
( هامش ) 19 - اشار الامام الخميني في احاديثه الى انه شاهد جلسات مجلس الشورى الوطني في عهد رضاخان عن قرب ، واطلع على كينية التحالفات الـسياسية التي كانت تحصل فيه في تلك الايام ، ومعارضة المجاهد الكبير اية الله المدرس لرضا خان . 20 - هو داعية حرية واستقلال ، بطل وعالم دين ومجاهد ضد الاستبداد ، ولد عام 1287 هـ في قرية من قرى “ اردستان “ وامضى دراسته الابتدائية في “ اصفهان “ واكمل دراسته العليا في “ النجف الاشرف “ . كان ( المدرس ) صاحب اسلوب وتعبير سهل يفهمه عامة الناس ، كان ذو خلق وعطف شديد ، وعاش حياة بسيطة متواضعة . وهذه الصفات جعلت منه قائدا هاديا للناس . عام 1328 هـ عين في الدورة الثانية لمجلس الشورى الوطني عضوا في لجنة الإشراف على قوانين المجلس ومراقبتها ، وذلك بطلب من علماءالنجف وايران . بعد انتهاء الدورة الثانية للمجلس انتخبه ابناء طهران كممثل عنهم في الدورة الثالثة للمجلس . معارضته للحكومات العميلة المتتالية ، ووقوفه بوجه التحركات الخائنة ، ومعارضته لاتفاقية الخيانة عام 1919 م التي عقدت بين حكومتي ايران وبريطانيا - والتي ادت الى افشال تلك الإتفاقية وعدم التصويت عليها في المجلس - كل ذلك دفع بريطانيا الى اصدار امر باعتقاله مع بعض اصحابه وسجنهم وتعذيبهم وايذائهم على يد عميل بريطانيا انذاك “ رضا خان “ قائد القوات . لكن الضغط الشعبي والتظاهرات المتزايدة المطالبة باطلاق سراحه اضطرت الحكومة الى اطلاق سراحه بعد ان قضى ثلاثة اشهر في السجن . ئم فضح السيد المدرس “ خطة الجمهورية “ تلك المؤامرة التي طرحها “ رضا خان" وعارض حكومة رضاخان ومشاريعه التي كانت تملى عليه من قبل بريطانيا ، واصبح المدرس احد وابرز وجوه المقاومة ضد الاستعمار والاستبداد . مما جعل الاجانب وعبيدهم - الذين كانوا يخشون تعاظم نفوذه ، والذين اغتاظوا لفشل مؤامراتهم المتكررة لقتله - الى اتخاذ القرار النهائي بخنق هذا الصوت الهادر المطالب بالحرية والاسلام ، فمهدوا لذلك باعتقاله ونفيه ، ثم دسوا له السم في احد ايام شهر رمضان .( * )
وفي هذا الاتجاه عكف الامام الخميني - بعد هجرة اية الله البروجردي الى قم - باعتباره احد المجتهدين والمدرسين المعروفين في الحوزة العلمية في قم - على تحكيم اسس زعامة ومرجعية اية الله البروجردي ، وقد بذل في هذا السبيل مساع حثيثة ، واستنادا لما ينقله طلابه فان الامام قد التزم حينها بحضور درس المرحوم اية الله البروجردي في الفقه والامول . ورغبة منه في متابعة مسيرته في تحقيق اهدافه السامية اعد الامام الخميني في عام (1949 م ) مقترحا لاصلاح البنية العامة للحوزة العلمية ، ساعده في ذلك اية الله مرتضى الحائري ، وقام بتقديمه الى اية الله البروجردي (ره ) فيما بعد ، وقد حظي هذا المقترح باستقبال ودعم من قبل طلاب الامام الواعين . ولو كان تم تطبيق هذا المقترح عمليا في تلك الظروف - التي ذكرناها - لاصبحت الحوزة العلمية مؤسسة ذات تشكيلات علمية واسعة تسهل عليها اداء دورها المطلوب ، غير ان الخناسين والقشريين الذين راوا ان هذا المقترح سيؤدي الى تعكير صفو اوضاعهم المترفة الهادئة ، اصيبوا بالاضطراب فانطلقوا يعارضون ويحبطون حتى بلغ الامر ان غير اية الله البروجردي نظرته الاولى ورغبته القلبية في ذلك فاشاح اخيرا عن قبول هذا المقترح . ونتيجة لذلك تأثر اية الله مرتضى الحائري فسافر للاقامة في مشهد مدة من الزمن ، غير ان الامام الخميني اصر على البقاء رغم اضطراب الظروف ورغم تألمه مما حدث ومما تلا ذلك من الحوادث ، املا في حركة الوعي المرتقبة الوقوع في الحوزة العلمية . قبل ثمانية اعوام من ذلك التاريخ وفي ( 1941 م ) كانت ايران قد تعرضت للاحتلال من قبل جيوش الحلفاء ، وقد استسلم المستبد - الذي امضى عشرين عاما في تجهيز قواته المسلحة منفقا المبالغ الطائلة - امام هجمات الغزاة وعلى ما اقر به ابنه محمد رضا فان الجيش قد بادر للفرار في مختلف المناطق امام اول الاطلاقات التي اطلقتها قوات الحلفاء(21) . بذلك فقد تنازل رضاخان عن العرش رغم كل ادعاء اته - وغادر البلاد مجبرا ، وكان رد الفعل الشعبي متناقضا ، فمن جانب كانت الجماهير تعيش الحزن والانكسار نتيجة اجتياح قوات الحلفاء لاراضي بلادهم ، وفي الوقت نفسه كانت مشاعر السرور والفرح البالغ تعم الجميع نتيجة سقوط المستبد - الذي كانت امواله المنقولة - التي جمعها من كدح الفقراء ومن سنين النهب للثروات الوطنية - تجاوز الستمائة وثمانين مليونا من الريالات الايرانية(22) ( في ذلك الوقت ) وذلك ينطوي على حقائق كثيرة لامجال لتفصيلها هنا . صدر الامر بتعيين الملك الجديد من السفارة الانجليزية وبموافقة عضو اخر من قوات الحلفاء وهو روسيا ، وكان الاختيار قد وقع على محمد رضا البهلوي ، وبذلك ابتداء فصل جديد من العذاب والعناء استمر لسبعة وثلاثين عاما تميزت ببيع استقلال البلاد وعزتها.
( هامش ) 21 - مامورية من اجل وطني ( فارسي ) : ص 88 و 89 . 22 - الكوثر - سرح وقائع الثورة الإسلامية : ج 3 ص 69 ( * )
الا ان العامين الاولين من حكومة محمد رضا تميزا بالتزلزل وعدم الاستقرار ، الامر الذي اتاح الفرصة للجميع بان يلتقطوا انفاسهم ، فبادرت الاحزاب والشخصيات السياسية الى توضيح اهدافها ومرامييها ، فتوجه البعض نحو القومية التي كانت تتناغم مع اهداف الملك الشاب ، في حين توجه جمع اخر من السياسيين نحو النفوذ في هيكل الدولة والتشكيلات التشريعية وشهدت الساحة انذاك غياب بعض العلماء المجاهدين من امثال اية الله المدرس الذين كان وجودهم في تلك الفترة سيمثل دعامة اسياسية لخيمة الثورة الشعبية ، فقد تعرض هؤلاء - ومن مدة - الى التصفية على ايدي ازلام رضاخان ، كذلك فان الشيوعيين والاحزاب السياسية المرتبطة بالخارج كانت تعلن عن مواقفها بناء على الاوامر الصادرة من موسكو وغيرها . اما الحوزة العلمية في تلك الايام فقد كانت عاجزة عن تحمل مسؤولياتها الاجتماعية ودخول ميدان الاحداث - كما اشرنا سابقا - وذلك نتيجة للحملات المسعورة التي شنها رضاخان عليها ونتيجة لنفوذ الانتهازيين والمصلحيين فيها ممن ساهموا في ازوائها وعزلها عن المجتمع . ومن الطبيعي ان لاتكون تلك حالة عامة شاملة ، فقد كان جمع من الاخيار المبارزين المجاهدين من امثال نواب الصفوي (23) وانصاره - ممن كانوا يعتقدون بتشكيل الحكومة الاسلامية - يعدون العدة في تلك الظروف المضطربة استعدادا للسير في طريق الجهاد المسلح البطولي . وقد وصف الامام الخميني في تلك الايام غربة المجاهدين في سنوات الكبت والاختناق التي مرت عليهم في عهد رضاخان بابيات من الشعر قال فيها : اين نتوجه للشكوى من جور رضاخان وقد حبست الانفاس فى الصدور .
( هامش ) 23 - الشهيد السيد مجبتى نواب الصفوي ، احد مؤسسي حركة “ فدائيو الاسلام “ التي تم تشكيلها في عام 1323 هـ ، وحركة فدائيو الاسلام من الحركات الدينية العريقة التي تحلت باعتقادها الراسخ بالاسلام ودور علماء الدين في قيادة الجماهير . من ابرز اعمالها القيام بعمليتي اغتيال ( عبد الحسين هجبر ) و ( سبهبد رزم ارا ) رئيسا وزراء البلاط الملكي . في عام 1334 هـ تم اعتقال الشهيد نواب الصفوي وسائر اعضاء هذه الحركة من قبل ازلام النظام انذاك وقدموا للمحاكم السريعة ، التي قضت باعدامهم ( * ) .
- كيف نصرخ ولم يبق من الانفاس ما يمكننا من الصراخ !
غير انه (24) - وفي تلك الايام - بادر - مغتنما الفرصة - لتدوين ونشر كتابه (كشف الاسرار 1943 م ) الذي تعرض فيه لذكر الماسي التي تميزت بها فترة الحكم البهلوي والتي استمرت لمدة عقدين من الزمان ودافع فيه عن الاسلام والمؤسسة العلمائية ، وازال الشبهات التي اثارها المنحرفون ، ونوه في كتابه هذا الى فكرة الحكومة الاسلامية وضرورة النهضة لاقامتها. ثم اصدر وبعد عام من ذلك التاريخ وفي ( شهر نيسان 1944 م ) ما يمكن اعتباره اول بيان سياسي له ، طالب فيه - وبصراحة - علماء الاسلام والامة الاسلامية بالثورة العارمة ، ويمكن القول بان لهجة البيان ومحتواه وطبيعة المخاطبين الذين خاطبهم تشير كلها الى ان الامام كان يتوقع قياما وشيكا من الحوزة رغم الظروف المؤسفة التي كانت تمر بها الحوزات ، وكما كان متوقعا فان الامام لم يتلق جوابا مناسبا على دعوته للثورة والقيام ، غير ان بصيصا من الامل كان يشرق في ضمائر الطلاب الذين تحلقوا حول الامام وعدوا جلسات دروسه بمثابة محافل حقيقية للانس .
( هامش ) 24 - ديوان الامام الخميني - الملحق ( * ) .
وبعد المساعي الاخيرة التي بذلها الامام ظهرت ملامح شخصيته وارائه السياسية ، وبناء عليه فقد توضحت تدريجيا حلقة مؤيدي الامام العقائديين من بين طلابه ، الذين كان لاغلبهم ادوار هامة في احداث ( الخامس من حزيران ) وفي سنوات الاختناق التي تلتها ، وباختصار فانهم واصلوا مسيرتهم مع الامام حتى ما بعد الثورة ، فمن تمكن منهم من العبور بسلام من مضيق ما قبل الثورة وخرج سالما من المعتقلات وانواع التعذيب - الذي كان المجاهدون يعرضون له - ادى دوره في المواقع الحساسة من هيكل النظام الاسلامي في اشد الظروف حساسية وحراجة . على اية حال ، فان الوثائق التاريخية والمذكرات المكتوبة من قبل العديدين ، تشير الى ان سماحة الامام قد بذل جهده الجهيد في المجال الحوزوي خلال فترة مرجعية وزعامة اية الله البروجردي (ره ) - فضلا عن ممارسته دوره المعهود في التدريس والبحث وسائر المجالات المختلفة - للدفاع عن موقع المرجعية والحوزات العلمية من جانب ، ونشر الوعي السياسي والاجتماعي وتحليلاته للمسائل السياسية الجارية والمبادرة لاطلاق التحذيرات في الاوقات المناسبة حول اغراض النظام الملكي والحيلولة دون نفوذ العناصر المنحرفة والمترفة الى اوساط الحوزات العلمية من جانب اخر . وفي غضون ذلك فانه كان يواصل الاتصالات بالشخصيات السياسية الواعية في طهران من امثال اية الله الكاشاني ، ويتابع - وبدقة - وعن طرق مختلفة - منها متابعة جلسات مجلس الشورى الوطني والنشرات المهمة التي كانت تصدر حينها - الاحداث الجارية . فعندما تناثر الهمس حول تشكيل المجلس التأسيسي لتغيير الدستور وجعل النظام الملكي الحاكم نظاما ملكيا مستبدا وذلك في عام 1949 م ، اشيع بان اية الله العظمى البروجردي كان راضيا بتلك التغييرات المرتقبة وان مشاورات قد جرت بالفعل بينه وبين بعض المسؤولين الحكوميين حول ذلك الامر ، تأثر الامام الخميني لهذه الشائعة فبادر للتحذير بصراحة وبالقول المباشر من مغبة هذا الامر ، ثم طالب في رسالة مفتوحة - اعدها بالتعاون مع بعض المراجعع والعلماء الاعلام حينها - ا ية الله البروجردي بتوضيح حقيقة الامر . الامر الذي دفع ا ية الله البروجردي الى اصدار بيان كذب فيه وجود اي اتفاق . وفي الوقت نفسه فقد اصدر اية الله الكاشاني بيانا من منفاه في لبنان طالب فيه بضرورة الوقوف بوجه القرارات والخطوات التي يزمع الملك القيام بها . وحينها جرت انتخابات الدورة السادسة عشرة لمجلس الشورى الوطني ، وتم انتخاب اية الله الكاشاني من قبل اهالي طهران ، وقد ادى الائتلاف والتنسيق بين جناح اية الله الكاشاني والجبهة والوطنية الى ترجيح كفة الميزان لصالح انصار نهضة تاميم النفط ولغير صالح الملك . كذلك فان فدائيي الاسلام الذين كانوا يتمتعون بدعم اية الله الكاشاني . قاموا بعدة عمليات خاطفة لم يسبق لها مثيل تم من خلالها انزال ضربات مؤثرة في هيكل حكومة الملك . واعتمادا على التاييد الذي توفر له استطاع الدكتور مصدق ان يتسنم قيادة البلاد ، ثم قامت انتفاضة ( 12 تموز 1952 م ) ( 25) في طهران ، فتلفعت ايران بوشاح الفرح والسرور نتيجة تحقق مطلبها القديم بتاميم النفط ، غير انه لم يمض وقت طويل حتى ظهرت ملامح عدم الانسجام في جبهة الائتلاف وتفاقمت الاختلافات بين فدائيي الاسلام و اية الله الكاشاني وقادة الجبهة الوطنية والى حد وقوع المواجهات احيانا بين تلك الاطراف . فقد اصر المرحوم الكاشاني على رفض اقتراح دفع الغرامة للانجليز في مقابل تاميم النفط ، فسماحته كان يعتقد بان على الانجليز انفسهم ان يدفعوا الغرامة لايران عن نهبهم النفط الايراني لمدة خمسين عاما ، ولهذا السبب فقد حذر سماحته الدكتور مصدق بشدة من مغبة التنازل او المساومة على هذا المبدأ . ( هامش ) 25 - خلال فترة رئاسة الدكتور مصدق للحكومة توالت المخططات والمؤامرات من قبل مختلف الاجنحة السـياسية ضده ، وكان على راسهم البلاط الملكى الذي سعى جاهدا للاطاحة بالدكتور مصدق ، وحينما شعر مصدق بذلك طلب من الملك ان يفوضه امر وزارة الدفاع ليتمكن من السيطرة على الاوضاع غير ان الملك لم يعتن بطلبه هذا ، الامر الذي دفع الدكتور مصدق الى تقديم استقالته في 16 / 7 / 952 1 م فبادر الملك على الفور لتنصب قوام السلطنة رئيسا للوزراء ، غير انه وبمجرد الاعلان عن ذلك ، انتفضت الجماهير واصدر اية الله الكاشاني بيانا اعلن فيه بصراحة عن معارضته لتنصيب قوام السلطنة كما اعلن سماحته فى مقابلة اجريت معه بانه سيصدر حكما باعلان الجهاد وسيرتدي كفنا ويتقدم الجماهير للاطاحة بالحكومة ما لم يقل قواها السلطنة من منصبه خلال مدة اقصاها 48 سا عة . وبمحض اطلاع الجماهير على موقف اية الله الكاشاني القاطع عطلت الاسواق اعمالها وشمل الاضراب الشعبي العام مختلف مظاهر الحياة . انطلقت الجماهير في الشوارع مطالبة باقالة قوام السلطنة الذي بادر بدوره باصدار الاوامر باطلاق النار على المتظاهرين مما ادى الى سقوط العديد من ابناء الشعب قتلى وجرحى . ولعلاج الموقف سارع ممثلو الحكومة والملك للقاء اية الله الكاشاني لاقناعه بتهدئة الجماهير غير ان سماحته اصر على موقفه واكد انه سيعلن فتوى الجهاد ما لم يقل قوام السلطنة من منصبه . عندئذ واذ احس الملك بتزلزل موقفه اقال قوام السلطنة و اعاد الدكتور مصدق لرئاسة الوزراء في 1 2 / 7 / 1952 ، وبذا يكون الدكتور مصدق عاد الى منصبه نتيجة تضحيات الجماهير التي مثل تحركها في تلك الايام اوضح مصداق على حضورها في ميدان الاحداث انذاك ( * ) .
من جانب اخر فان اية الله الكاشاني كان يعارض بشدة استبدال الانجليز بالامريكان والشركات الامريكية في مجال تعدين النفط وسائر المجالات الاقتصادية في البلاد . في حين ان الغالبية العظمى من المسؤولين في حكومة مصدق كانوا يميلون بصراحة نحو هذا الاتجاه
من جانب اخر فان مشاركة بعض العناصر غير الاسلامية في نهضة تاميم النفط والاعتماد على ( حزب تودة ) الشيوعي كان من جملة الامور المختلف عليها فقد ادى نفوذ تلك العناصر المتزايد جنبا الى جنب تنامي صلاحيات رئيس الوزراء ، الى تنامي وتيرة الاعلام المبرمج المعادي للاسلام ، وبلوغ خيانات حزب تودة الى اقصاها وازواء التيار المتدين في النهضة مما اتاح الفرصة لامريكا للقيام بانقلابها الناجح في ( 19 اب 1953 م ) ليعود الملك ليمسك بزمام سلطة لاينازعه عليها احد بعد قيامه بابعاد المعارضين . ويستنتج من خطابات الامام وكلماته التي القاها حول احداث الانتفاضة الوطنية بان سماحته كان مطلعا على عدم ثبات الائتلاف المقام حينها. لقد حققت النهضة الوطنية انتصارات ملحوظة في اهدافها المعادية للاستعمار الا ان عملية تاميم صناعة النفط كانت تنطوي على ثغرات مقطعية وزمانية حالت دون تحقيقها منفردة ديمومة النهضة على المدى الطويل . فعدم ايمان التيار الوطني في النهضة بالشعارات والاهداف المطروحة من قبل التيار الديني - والتي كانت تحظى بتاييد الجماهير - وفقدان القائد الواحد ونفوذ العناصر المنحرفة وفقدان الاهداف السياسية المشتركة والثقافة التى يمكنها استقطاب تأييد الجماهير الايرانية المسلحة على المدى الطويل ،ناهيك عن التحركات الامريكية والضغوط الخارجية ، كلها كانت عوامل حالت دون امكانية استمرار النهضة . لقد مثلت نهضة تاميم النفط انعكاسا للظروف السياسية والاجتماعية التي احاطت بالحركة الدستورية - وبشكل مصغر - واتسمت بنفس نقاط قوتها وضعفها لذا فقد تعرضت لنفس المصير . فحتى التيارات الدينية ايضا لم تكن تتمتع بوحدة النظر والدعم الشعبي . فحركة فدائيو الاسلام وكذلك مساعي اية الله الكاشاني حرمت - ولاسباب - دعم وتاييد اية الله العظمى البروجردي - المرجع والزعيم القوي انذاك - فضلا عن ظهور الاختلافات الحادة بينهما ايضا. وفي ظروف كهذه لم تتمكن المواقف الداعمة للتاميم والتي وقفتها بعض الشخصيات المعروفة من امثال اية الله العظمى الخونساري في قم والمواقف الضمنية الداعمة من امثال الامام الخميني من ترك اي اثر على مسير الاحداث . على اية حال فقبل ان يتذوق الشعب الايراني حلاوة نهضة التأميم فوجيء بطعم المرارة الناجمة عن الاختلافات والحوادث المريرة اللاحقة والتي ختمت بانقلاب ( التاسع عشر من اب ) ورغم ان فدائيي الإسلام لم يلقوا السلاح الا انهم وبعد عامين اي في تاريخ (16 تشرين الثاني 1955 م ) تعرضوا - ونتيجة فشل عملية الاغتيال التي قاموا بها لقتل حسين علاء - رئيس الوزراء انذاك - بينما كان يهم بالسفر الى بغداد للتوقيع على معاهدة بغداد ( السنتو ) - للاعتقال ثم الحكم على قادتهم بالاعدام في محكمة عسكرية سرية وذلك في شهركانون الاول من عام 1955 م . ولم تثمر مساعي الامام الخميني وسائر العلماء للحيلولة دون تنفيذ حكم الاعدام بهم . هذه الاحداث المريرة تركت اثرها على روح الامام الخميني المرهفة ، الا انها شكلت نوعا من التجارب والخبرات النافعة للمراحل اللاحقة من حركته الجهادية . اما الملك وبلاطه فانهم اصبحوا بعد الانقلاب - وفي ظروف تختلف عن العهد السابق للانقلاب - تحت امر امريكا ، فالانجليز قد اخلوا مواقعهم للامريكان . وبسرعة تم تأسيس دائرة الامن (السافاك)(26) عام ( 1957 م ) ( هامش ) 26 - اقر مجلس الشورى الوطني عام 1956 ( لائحة تأسيس منطمة الاستخبارات والامن القومي ) ( السافاك ) وقد اسست هذه المنظمة رسميا فى عام 1957 . وكانت مهمتها الرئيسية مواجهة المعارضين للنظام وقمعهم وضرب الحركة الاسلامية في ايران . كان للسافاك ارتباط وثيق مع المخابرات الامريكية الـ C.I.A ، والموساد الاسرائيلية حتى اصبحت مقار السافاك في الحقيقة مراكز للمخابرات الامريكية في الشرق الاوسط وقد تحولت السافاك تدريجيا الى منظمة مرعبة ، فقد كان لها فرق ملاحقة ومراقبة متعددة ، وكانت تقوم بارسال المعتقلين ابتداءاً الى اماكن خاصة لتعذيبهم والحصول على معلومات معينة ثم ارسالهم الى محاكم شكلية وبعد صدور حكم المحكمة (الذي كان معلوما سلفا ) يلقى بالمعتقلين في سجون مخيفة وقد بلغت قسوة السافاك درجة جعلت الامين العام لمنظعة العفو الدولية يعلن في سنة1975 م منشورا يقول فيه : ليس في العالم اي بلد اسوا من ايران فيما يتعلق بحقوق الانسان . . . فجلادو السافاك يستخدمون بالاضافة الى الصعقة الكهربائية واساليب الضرب والشتم للمعتقلين ، انواع الطرب الوحشية . منها ادخال القنانى المكسورة في دبر المعتقل ، تعليق الوزنات في الخصيتين والاعتداء الجنسي على السجناء والاعتداء على نساء ، وبنات المعتقلين امامهم لانتزاع الاعتراف الى غير ذلك وهي نماذج طرقهم الوحشية في التعامل مع المعتقلين ، ولم تكن اعمال وممارسات السافاك بخفية عن نظر الملك وقد تم حل هذه المنظمة في عام 1979 على يد الشعب الايراني المسلم وعوقب المعذبين في محاكم الثورة وللحصول على معلومات اكثر راجع صحيفة (ايندكان ) الصادرة بتاريخ 7 نيسان 1979 ، الثورة الاسلامية وجذورها :ص 491 ، ظهور وسقوط سلطنة البهلوي :ج 1 ص 379 ( * ) .
وسادت اجواء القمع والاضطهاد الشديدين في حق المعارضين وتلبدت الاجواء بغيوم الكبت والاختناق لتهيئة الظروف الاجتماعية المناسبة لاجراء الاصلاحات التي كانت امريكا بصدد المطالبة باجرائها . وتسابقت الشركات الامريكية نحو الخليج الفارسي خلال العقدين السادس والسابع من القرن العشرين لاحتلال المواقع التي كان يتمتع بها الاستعمار الانجليزي ، كذلك فان اجواء الحرب الباردة بين امريكا والاتحاد السوفيتي زادت من حساسية منطقة الخليج الفارسي الاستراتيجية ، وقد سال لعاب البيت الابيض للثروات النفطية الايرانية والاقليمية ، لذا فقد اقدم ساسة البيت الابيض على تفويض الملك لعب دور شرطي المنطقة والحفاظ على مصالح الغرب فيها ، وقد تم تريجيحه للعب هذا الدور على جميع الانظمة الاخرى في المنطقة من جميع الجهات . وكانت امريكا تسعى لتحقيق هدف اخر من توقيعها الاتفاقيات مع الملك وتوفير الدعم له . فالمواجهة بين الدول الاسلامية واسرائيل الغاصبة كانت امرا لا بد منه ، لذا فان الطبيعة الخيانية للعائلة البهلوية وشخصية الملك محمد رضا ، اعتبرت - من قبلهم - عوامل تساعد في امكانية الاستفادة من النظام الملاكي لايجاد شرخ في صفوف العالم الاسلامي ، وكان للنفط في هذا المخطط دور اساسي ايضا ، فان ازمة الطاقة كانت الامر الشاغل للغرب في حالة وقوع مواجهة عسكرية بين الدول النفطية الاسلامية واسرائيل ، عليه فان توسيع عمليات التنقيب عن النفط في ايران ، وزيادة استثماره وتقوية النظام الملكي كانت تعد الضمانة الوحيدة للتقليل من اثر الازمة المتوقعة في تلك الظروف . غير ان الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية التقليدية في ايران والمعتمدة على الزراعة بشكل اساسي كانت تعتبر عائقا اساسيا امام اجراء الاصلاحات الامريكية في ايران . فايران كانت تفتقر الى الاستعداد الكافي في تلك الظروف للتوسع في انتاج النفط وزيادة مدخولاتها النقدية من بيعه مستقبلا - وهي الايرادات التي كان يجب ان تنفق في شراء التجهيزات العسكرية وشراء السلع والبضائع الامريكية الاخرى - لذا فقد انهالت اللوائح والطروحات والاقتراحانت على مجلسي ( الشيوخ والشورى ) لتغيير الظروف وتهيئة الارضية . لذلك واستنادا لما ورد في الاعترافات الصريحة التي ادلى بها مسؤولو النظام السابق وكذلك ما اظهرته الوثائق والمستندات التي تمت مصادرتها من وكر التجسس الامريكي ( السفارة الامريكية السابقة ) في ايران ، تدلل بوضوح على ان اعداد مضمون اغلب تلك اللوائح كان يتم في امريكا او في سفارتها في ايران . فكان مشروع الاصلاح الزراعي (27) خطوة اختبارية اريد بها اعداد الارضية للمصادقة على اصول ثورة الملك البيضاء ، نعم تم اختيار المشروع كأول خطوة مدروسة ، فطرح ترافقه حملة دعائية مكثفة وشعارات طنانة ، كالوقوف بوجه الباشوات والاقطاعيين ، وتقسيم الاراضي بين الفلاحين المحرومين ، وزيادة الانتاج الى ما شابه ذلك . وبذا فقد كانت المعارضة للاهداف الخفية لمشروع الاصلاح الزراعي ، تعد بمثابة الوقوف مع ملاك الاراضي الزراعية الكبار ، والاقطاعيين ، لذا فانها كانت تقمع بشدة لقد تزامنت السياسة الامريكية والملكية في عام ( 1961 م ) مع وقوع حادثتين مؤسفتين هامتين ، ففي الثلاثين من اذار 1961 ها ، التحق اية الله العظمى البروجردي بالرفيق الأعلى والذي اعادت خدماته الجليلة وشخصيته العلمية للترجعية موقعها المتميز باعتباره اهم ملاذ للجماهير في ميدان الحياة الاجتماعية في ايران فوجود سماحته بحد ذاته كان يمثل عائقا اساسيا يحول دون تحقيق النظام الملكي لاغراضه . لذا فقد غدت وفاته نازلة ثقيلة . وبعد عام تقريبا ودع الحياة ايضا العالم المجاهد اية الله الكاشاني ، الذي كان اسمه ذات يوم يبعث القشعريرة في جسد الملك .
( هامش ) 27 - يعد الاصلاح الزراعي احد اهم السياسات الاستعمارية الجديدة التي سعى المستعمرون الى تطبيقها في جميع البلدان التي تقع تحت نفوذهم بدءا من بلدان امريكا اللاتينية ومرورا باسيا وافريقيا وذلك بواسطة الحكومات العميلة فى تلك البلدان وبصورة متشابهة تقريبا . وفي عام 1962 م اقدم الملك محمد رضا على تطبيق هذا المشروع بهدف كسب ثقة الراسماليين الامريكان والتعبير عمليا عن موافقته وتعاونه معهم في تطبيق الاستراتيجية الامريكية الجديدة فضلا عن فتح اسواق جديدة للاقتصاد الغربي من جهة والتخفيف من تدهور الاوضاع الداخلية والحيلولة دون اتساع النقمة الشعبية التي كانت تهدد بانفجارات اجتماعية خطيرة من جهة اخرى . والاصلاح الزراعي هو الاصل الاول من الاصول الستة التي طرحها الملك من خلال ما اسماه بثورة الشعب والملك ، وبذلك فقد عرض الملك الاقتصاد الايراني الى الانهيار . وقد اقترن الاصلاح الزراعي في ايران بعملية توظيف رؤوس الاموال الاجنبية - خصوصا الامريكية في المجالات التجارية والصناعية ، وقد اضر الاصلاح الزراعي بالزراعة في ايران بشكل كبير بحيث ان ايران تحولت وخلال بضع سنوات الى بلد رئيسي في استيراد القمح بعد ان كانت من البلدان المصدرة لها ، من جانب اخر ونتيجة لشدة الهجرة من الارياف الى المدن نتيجة الحاجة لهم في الصناعات والخدمات كقوة عمالة رخيصة ، فقد خلت اكثر من عشرين الف قرية ايرانية من سكانها خلال الاعوام من 1966 م الى 1977 م ( * ) .
اما الامام الخميني - وكما هو ديدنه - فانه لم يخط خطوة واحدة في سبيل المرجعية بعد وفاة اية الله البروجردي رغم التفاف مجتمع الحوزة العلمية والجماهير حوله ، بل انه رفض بشدة الاقتراحات والخطوات التي قام بها بعض اصحابه ومريديه في هذا الاتجاه ، وكان ذلك في الوقت الذي كان فيه الامام الخميني قد اتم تعليقته على كتاب العروة الوثقى منذ خمسة اعوام قبل وفاة اية الله البروجردي ، وفي تلك السنوات بالتحديد كان سماحته قد كتب حاشية على كتاب وسيلة النجاة لتكون رسالته العملية. ان النظرة الزاهدة في الدنيا التي كان الامام الخميني يتحلى بها ، واعراضه عن المقامات والمناصب الاعتبارية الدنيوية يمكن استشرافها من بحوثه الاخلاقية والعرفانية المعمقة والتي وسمت اثاره المكتوبة ، كشرح الاربعين حديث وسر الصلاة واداب الصلاة والتي كان قد كتبها قبل سنوات من ذلك التاريخ . بعد ارتحال اية الله البروجردي وتجزأ المرجعية الكبرى ، اظهر النظام الملكي نشاطا اكثر واندفاعا في تحقيق الاصلاحات التي كانت امريكا ترغب فيها ،كما انه سعى في الوقت ذاته لاخراج المرجعية من ايران . غير ان النظام كان مخطئا في حساباته . في ( 8 تشرين الاول 1962 م ) صادقت وزارة اسد الله علم على اصلاح لائحة المجالس المحلية ، وتغيير بعض مضامينها - كاشتراط اسلامية المرشحين ، والقسم بالقرآن الكريم ، واشتراط الرجولة في المرشحين والناخبين ، وقد اريد تمرير بعض الاهداف من خلال المصادقة على اشتراك النساء في الانتخابات ، كذلك فان حذف وتغيير شرطي الرجولة والاسلام كان يراد منه بالضبط ادخال العناصر البهائية في المراكز الحساسة من هيكل النظام الحاكم .
كما اشرنا سابقا ايضا فان دعم الملك للكيان الصهيوني وتوسيع العلاقات الايرانية الاسرائيلية كانت شروطا امريكية في مقابل توفير الدعم للملك ، ولتحقيق هذه الشروط كان لا بد من زيادة نفوذ اتباع الملك الاستعماري البهائي في السلطات الايرانية الثلاث . وبمحض انتشار خبر المصادقة على اللائحة المذكورة بادر الامام الخميني ومجموعة من العلماء الاعلام في قم وطهران - وبعد التشاور - للاعتراض العام والشامل على هذا الامر . وقد كان للامام الخميني دور فعال في توضيح الاهداف الحقيقية للنظام الملكي والتنبيه على خطورة دور العلماء الرسالي والحوزات العلمية في تلك الظروف . ادت البرقيات والرسائل المفتوحة المعترضة التي بعث بها العلماء الى الملك والى رئيس الوزراء ، الى بث روح الدعم والتاييد في نفوس الجماهير . كما ان برقيات الامام الخميني التي ابرق بها الى الملك ورئيس الوزراء تميزت باللهجة الحادة والحازمة والمحذرة ، يقول سماحته في احدى تلك البرقيات : “ انني انصحكم مجددا بان تطيعوا الله تعالى وتنصاعوا للدستور ، وان تحذروا العواقب الوخيمة لتخالفتكم للقرآن واحكام العلماء الاعلام وزعماء المسلمين والدستور ، فلا تعرضوا البلاد عمدا وبلا مبرر للخطر ، والا فان علماء الإسلام سيقولون رايهم فيكم “(28) بادر النظام الملكي بادي الامر الى التهديد وتكثيف الاعلام المعادي للمؤسسة العلمائية . وصرح اسد الله علم في مقابلة اذاعية اجريت معه بالقول “ ان الحكومة لن تتراجع عن تنفيذ مشروعها الاصلاحي الذي هي بصدد اعداده “ ولكن رغم ذلك فان الحركة الشعبية تزايدت باطراد ، فعطلت الاسواق في طهران وقم وبعض المدن الاخرى ، وتجمع الناس في المساجد للتعبير عن دعمهم لحركة العلماء . ولم يمض اكثر من شهر ونصف على بداية الحادثة ، حتى انسحبت الحكومة عن تنفيذ مشروعها ، وابرق الملك ورئيس وزارئه برسالتيهما الجوابية الى العلماء هادفين ارضاءهم وتبرير الامر ، غير ان النظام الملكي امتنع عن مخاطبة الامام الخميني لما عرفه عنه من قوة الشخصية وثباتها .
( هامش ) 28 - صحيفة النورج 1 /ص 15 ( * )
رأى بعض العلماء في الحوزة العلمية بان موقف الدولة هذا كاف لحسم النزاع ، غير ان الامام الخميني عارضهم بشدة ، فسماحته كان يعتقد بان على الحكومة ان تبادر لالغاء لائحة المجالس المحلية بشكل رسمي وعلني ، ففي البين من رسالته الجوابية على سؤال بعض الكسبة والتجار من اهالي قم حول لائحة المجالس المحلية كشف سماحته النقاب عن الاهداف التي رامها النظام من وراء هذه اللائحة واشار الى ان المقصود هو ادخال عناصر البهائيين والجواسيس الاسرائيليين في هيكل النظام الايراني ، فقال في جانب من رسالته : “ان الشعب المسلم لن يسكت ما لم ترفع هذه الاخطار ، ولو ان احدا رضي بالسكوت فانه سيكون مسؤولا امام الله القادر ، وسيحكم عليه بالزوال في هذا العالم ايضا “كما حذر سماحته في ذات الرسالة نواب مجلسي الشيوخ والشورى من مغبة التصويت لصالح هذه اللائحة فكتب يقول : “ ان الشعب المسلم وعلماء الإسلام احياء واعون ، وانهم سيقطعون اية يد خائنة تمتد للمساس باساس الاسلام واعراض المسلمين " ( 29 ) . وبالنتيجة فان النظام الملكي قبل بالهزيمة ، ففي 28 تشرين الثاني 1962م ، الغت الهيئة الحاكمة اللائحة السابقة، وابرقت للعلماء والمراجع في طهران وقم تعلمهم بالامر . غير ان الامام الخميني اصر مجددا على مواقفه السابقة واعلن في اجتماع ضم العلماء الاعلام في قم بان !لغاء اللائحة بشكل سري امر غيركاف واضاف بان النهضة ستتواصل ما لم تعلن امر الالغاء في اجهزة الاعلام . وفي اليوم التالي ، اعلن خبر الغاء لائحة المجالس المحلية في صحف النظام ، واحتفلت الجماهير باول نصر كبيرتحقق لها بعد نهضته تاميم صناعةالنفط .
( هامش ) 29 - صحيفة النورج 1 /ص33 ( * )
وفي حديث له - في ايام الفرح تلك - قال الامام الخميني : “ الهزيمة الظاهرية ليست مهمة ، المهم هو الهزيمة الروحية ، والمرتبط بالله لا يهزم ، الهزيمة لاولئك الذين تمثل الدنيا غاية امالهم . . . فالله لا يهزم ولا تهنوا ولا تحزنوا . . . خلال الشهرين الماضيين اضطرتني الاحداث الى الاكتفاء بساعتين من النوم يوميا . . . ومرة اخرى اذا راينا ان شيطانا من الخارج اراد استهداف بلادنا ، فنحن كما نحن والدولة كما هي . . . النصيحة من الواجبات . . . فعلى العلماء ان ينصحوا الجميع ، بدء من الملك وحتى اخر فرد في البلاد...“(30) وبهذا فان حادثة لائحة المجالس المحلية كانت تجربة ناجحة وهامة للشعب الايراني ، خصوصا وانه تعرف من خلالها على شخصية تؤهلها سجاياها لقيادة الامة الاسلامية من جميع النواحي .
( هامش ) 30 - صحيفة النورج 1 / ص 16 ( * ) .
ورغم هزيمة الملك في حادثة المجالس المحلية ، الا ان امريكا واصلت الضغط عليه لتنفيذ الاصلاحات التي كانت تريدها . وفي مطلع عام 1963 م عدد الملك الاصول الاصلاحية الستة وطالب بطرحها للاستفتاء الشعبي فاعلنت الاحزاب القومية عن موافقتها برفعها شعار “ نعم للاصلاحات ، لا للاستبداد “ كما ان الشيوعيين ايضا - واعتمادا على تحليلهم بان الاصلاحات الملكية ستسرع من مسير ديالكتيكية النظام الاقطاعي نحو النظام الصناعي والراسمالي - اعلنوا عن موقفهم - المنسجم مع الموقف الذي اعلنته اذاعة موسكو - واعتبروا بان اسس الثورة البيضاء اسس تقدمية - واولئك هم انفسهم هم الذين عدوا نهضة الخامس من حزيران حركة رجعية قامت للدفاع عن الاقطاعيين ( 31)
( هامش ) 31 - في ليلة السادس من حزيران اذاعت اذاعة موسكو التحليل التالي عن انتفاضة الخامس من حزيران “ قامت العناصر الرجعية في !يران ونتيجة لاعتقادها بان الاصلاحات - المزمع القيام بها في تلك الدولة وخصوصا الاصلاحات الزراعية وتحرير المراة الايرانية - لا تنسجم مع ميولها ، باقامة المظاهرات في طهران وقم ومشهد . وقد وقعت تلك الاضطرابات نتيجة ممارسات عدد من المعارضين للاصلاحات التي تنوي الحكومة القيام بها . ان المحركين الاصليين لهذه الاضطرابات هم مجموعة من الزعماء الدينيين وبعض العناصر الرجعية ، ممن قاموا باحراق السوق المركزي ، ونهب بعض المحلات وتخريب بعض السيارات الصغيرة والحافلات ، والهجوم علن بعض الادارات ا لحكومية . “ كذلك فقد كتبت صحيفة “ ايزفيستيا “ الناطقة باسم الحكومة السوفيتية في 7 حزيران 963 1 م تقول : “..وقعت في طهران ومشهد وقم والري اضطرابات بتحريك من عدد من الروحانيين الاسلاميين الرجعيين “ . " وقد استغل مثيرو الاضطرابات ايام العزاء المعتاد لمواجهة الاصلاح الزراعي . . . كما قام عدد من الشبان المتطرفين بالاغارة على عدة محلات تجارية وقلب عدد من السيارات “ كما كتبت مجلة “ العصر الجديد “ الصادرة في الاتحاد السوفيتي تقول : “ لقد دفع الخميني واعوانه ، المسلمين للقيام بوجه الحكومة ، متخذين من موضوع اعطاء النساء حقوقا متساوية مع الرجال ذريعة لذلك القيام ، وقد ادت الحملات الاعلامية التي شنوها الى دفع بعض المتطرفين الى خلق الفوضى “ نقلا عن دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني : ج 1 ص 515 ( * ) .
ومرة اخرى طالب الامام الخميني المراجع والعلماء الاعلام في قم لعقد اجتماع للتباحث حول الامر . لكن اولئك الذين يرون المرجعية من زاوية مباشرة الامور الدينية للناس لا من زاوية المسؤولية في مواجهة المصائب والنوازل التي تحل بالامة الاسلامية ، لم يرقهم امر القيام ، ورغم ان الاهداف غير المعلنة للنظام الملكي من وراء ذلك الاستفتاء وتلك الاصلاحات كانت واضحة لشخص الامام ، وان المواجهة امر لا بد منه ، الا ان الاجتماع قرر بالاجماع فتح باب الحوار مع الملك واستكشاف نواياه . كانت الرسائل المتبادلة بين الطرفين ( الملك والعلماء) ترسل بواسطة ممثلين للتفاوض وفي عدة مراحل مكوكية . وفي لقائه لاية الله كمال وند ، هدد الملك بان الاصلاحات سيتم تنفيذها باي ثمن ولو كان بسفك الدماء وتخريب المساجد(32) . في الاجتماع اللاحق للعلماء الاعلام في قم ، طالب الامام بتحريم المشاركة في الاستفتاء الشعبي الذي طرحه الملك ، لكن الجناح المحافظ الذي كان حاضرا في الاجتماع ، عد المواجهة في تلك الظروف بمثابة “ نطح الصخرة من قبل الوعل “ واعتبرها امرا عديم الجدوى . ورغم ذاك - ونتيجة لاصرار الامام الخميني وثباته على موقفه - تقرر ان يقوم المراجع والعلماء بمعارضة الاستفتاء بصراحة وتحريم المشاركة فيه . وفي الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 1962 م اصدر الامام بيانا شديد اللهجة(33)، ادى انتشاره الى تعطيل السوق المركزي في طهران لاعماله ، وخروج الجماهير في تظاهرات معارضة ، وهجوم رجال الشرطة على جموع المتظاهرين . ومع اقتراب موعد الاستفتاء المفروض اتخذت المعارضة الجماهيرية ابعادا جديدة . مما اضطر الملك - ولاجل التخفيف من حدة المعارضة - الى السفر الى قم .
( هامش ) 32 - دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني ج 1 ص223 33 - صحيفة النور ج 1 ص 23 .( * )
وقد كان الامام الخميني معارضا بشدة لفكرة قيام بعض العلماء باستقبال الملك ، بل انه حرم الخروج من المنازل والمدارس يوم وصول الملك الى قم . وكان تاثير هذا التحريم كبيرا الى درجة جعلت المتولي لحرم حضرة المعصومة ( عليها السلام) - والذي يعتبر اهم منصب حكومي في المدينة - يمتنع عن الخروج لاستقبال الملك الامر الذي ادى الى عزله عن منصبه . ولدى وصوله عبر الملك عن غضبه من علماء الدين والجماهير - من خلال خطابه الذي القاه في جمع من الموظفين الحكوميين وعملاء النظام الذين اصطحبهم معه من طهران - باشد العبارات ركة وفضاضة . وبعد يومين من زيارة الملك لمدينة قم ، اجري الاستفتاء في وضع مؤسف اذ لم يشارك فيه غير عناصر النظام وازلامه . وقد سعى النظام من خلال وسائل اعلامه - التي كررت اذاعة برقيات التهنئة التي بعث بها المسؤولون الامريكان والاوروبيون - الى اخفاء فضيحته المتمثلة في اعراض الجماهير عن المشاركة في الاستفتاء . واصل الامام الخميني فضح النظام واغراضه ومقاصده من خلال الخطابات والبيانات ، فكان من ضمن ما اصدره بيان حازم ومستدل عرف فيما بعد “ ببيان التسعة “(34) واستعرض فيه مخالفات الملك وحكومته للدستور ، وتوقع فيه ان تؤدي الاصلاحات الملكية الى تدهور الزراعة وضياع استقلال البلاد ، ورواج الفساد والفحشاء كنتائج قطعية. وقبولا باقتراح الامام الخميني فقد حرم الاحتفال بعيد النوروز لعام 1342 ( 21 آذار 1963 م ) اعتراضا على
( هامش ) 34 - وقع على هذا البيان ذوي السماحة : “ مرتضى حسين اللنجرودي ، احمد الحسيني الطهرانى ، محمد حسين الطباطبائى ، محمد الموسوي اليزدي ، محمد رضا الموسوي الكلبايكاني ، السيد كاظم الشريعتمداري ، روح الله الموسوي الخميني ، هاشم الاملي ، مرتضى الحائري “ وللاطلاع على متن البيان الكامل وكيفية توافق العلماء على امضائه راجع كتاب دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني ج 1 ص 294 - 302 .( * )
ممارسات النظام وقد اطلق الامام الخميني في بيانه الصادر بهذا الخصوص عبارة “ الثورة السوداء “ على ما سمي “ بالثورة البيضاء “ كما انه فضح انصياع الملك للمخططات الامريكية الاسرائيلية ، قال سماحته في هذا البيان : “ واني لا ارى حلا سوى ان يصار الى اقالة هذه الحكومة المستبدة بجريرة مخالفة احكام الاسلام وتجاوز الدستور ، ثم يتم تشكيل حكومة مستندة الى احكام الاسلام تتمتع بعتق شعبي لدى الشعب الايراني . اللهم لقد اديت تكليفي - اللهم قد بلغت - واذا مد في عمري فاني ساواصل اداء تكليفي باذن الله “(35) . ان ادراك اهمية هذا الكلام لا يتسنى الا لاولئك المطلعين على السجون الرهيبة والجو الخانق الذي كان سائداً في تلك الايام ، والذين يدركون كيف كان يؤدي اقل انتقاد الى مواجهة السجن والتعذيب والنفي .
( هامش ) 35 - صحيفة النور ج 1 ص 27 ( * ) .
من جانب اخر فان الملك الذي كان قد اكد لواشنطن بان المجتمع الايراني مهيأ لتقبل الاصلاحات الامريكية واطلق على اصلاحاته اسم “ الثورة البيضاء “ راى بان معارضة العلماء له ستكلفه ثمنا باهظا ، لذا شرعت اجهزة الاعلام حملتها الواسعة ضد العلماء والامام الخميني فقد قررالملك القضاء على النهضة. ففي الثاني من فروردين 1342 ش ( 2 2 اذار 1963 م ) - الذي صادف ذكرى استشهاد الامام جعفر الصادق ( ع ) (36) - هاجم ازلام النظام المسلحين متنكرين بملابس مدنية تجمع طلاب العلوم الدينية في المدرسة الفيضية ثم تلا ذلك دخول قوات الشرطة المدرسة الفيضية مستخدمين اسلحتهم النارية لتنفيذ هجومهم الوحشي فقتلوا وجرحوا الكثيرين من الطلاب . وفي الوقت ذاته تعرضت المدرسة الطالبية في تبريز لهجوم مماثل . وفي غضون تلك الاحداث كان منزل الامام الخميني يستقبل كل يوم مجاميع كثيرة من الثوريين والجماهير الغاضبة التي كانت تاتي للتعبير عن تضامنها وتعزيتها ودعمها للعلماء وللاطلاع على اثار جريمة النظام في قم .
( هامش ) 36 - هو الامام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين السبط بن علي بن ابي طالب امير المؤمنين (عليهم السلام ) ولد بالمدينة فجر الجمعة او الاثنين السابع عشر من ربيع الاول ، وقيلاول رجب ، سنة 80 للهجرة ( عام الجحاف ) وقال المفيد والكليني والشهيد سنة 83 هـ ق ، وتوفي يوم الاثنين 5 2 / شوال / سنة 48 1 وعمره 68 عام او65 اقام منها مع جده علي بن الحسين ( 2 1 ) سنة او ( 5 1 ) سنة ومع ابيه بعد جده ( 19 ) سنة وكانت اقامته بعد ذلك ( 34) سنة . امه ( ام فروة ) وقيل ( ام القاسم ) واسمها ( قريبة ) ا و ( فاطمة ) بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر وامها اسماء بنت عبد الرحمن بن ابي بكر والى هذا يشير الصادق ( عليه السلام ) بقوله : ان ابا بكر ولدني مرتين . يكنى ( ابا عبد الله ) وهو المشهور و( ابو اسماعيل ) و(ابو موسى ) ويلقب بالصادق . له عشرة اولاد سبعة ذكور وثلاث بنات وقيل احد عشر سبعة ذكور واربع بنات اشهرهم موسى الكاظم ( عليه السلام ) . يعد الصادق ( عليه السلام ) اشهر اهل زمانه علما وفضلا ، قال مالك بن انس امام المذهب المالكي : ما رات عين ولاسمعت اذن ولا خطر على قلب بشر افضل من جعفر بن محمد فضلا وعلما وعبادة وورعا . وقال ابو حنيفة النعمان بن ثابت امام المذهب الحنفي مشيرا الى ما استناده منه اثناء تلمذه على يديه : لولا السنتان لهلك النعمان . جمع اصحاب الحديث اسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الاراء والمقالات فكانوا اربعة الاف رجل ، ، مضافا الى من استناد منه من اعيان الائمة واعلامهم مثل يحيى بن سعيد الانصاري وابن جريح ومالك بن انس والثوري وابن عينية وابو حنيفة وشعبة وايوب والسختياني وجابر بن حيان الكوفي ، وابان بن تغلب واخرين . روي عنه في التفسير وعلم الكلام واخذت عنه مهمات علم اصول الفقه كما رعى العلماء في مختلف العلوم الطبيعية ايضا . له مؤلفات تربو على العسرين منها : رسالته الى النجاشي ، توحيد المفضل ، رسالته الى اصحاب الرأي والقياس ، رسالته في الغنائم ووجوب الخمس وغير ذلك كثير . يعتبر اعظم انجازاته التي حققها ( عليه السلام ) وضعه اساس التأليف في الاسلام ، اذ لم يكن التأليف والتدوين معروفا او مشهورا قبله ، حتى بلغ الامر بعد ذلك ان بلغت مؤلفات طلابه الاربعماية كتاب . وقيل انه مات مسموما ، دفن بالبقيع مع ابيه وجده ( * ).
وكان الامام الخميني يحمل الملك شخصيا وبصراحة - اثناء خطاباته في الجماهير - المسؤولية الكاملة عن تلك الجرائم وعن التحالف مع اسرائيل ، ويحث الجماهير على القيام وفي خطابه الذي القاه في الاول من نيسان عام 1963 م انتقد بشدة سكوت علماء قم والنجف وسائر البلاد الاسلامية ازاء جرائم الملك الاخيرة ، فقال : “ ان السكوت اليوم يعني التضامن مع النظام المتجبر “(37). ( هامش ) 37 - الكوثر شرح وقائع الثورة الاسلامية ج 1 ص 67. ( * )
وفي اليوم التالي اي في الثاني من نيسان عام 1963 م اصدر الامام بيانه المعروف تحت عنوان “ محبة الملك تعني التدمير “ . وقد وضع الامام في بيانه هذا - الذي يعد ممن اشد بياناته السياسية لهجة - الملك في قفص الاتهام واكد في ختامه على تحريم التقية في تلك الظروف وعلى ان اظهار الحقائق واجب ( ولو بلغ ما بلغ ) كتب الامام الخميني في بيانه هذا مخاطبا الملك وازلامه يقول : “ لقد اعددت اليوم قلبي لتلقي طعنات حراب ازلام الملك راضيا بذلك ، ولكني لن ارضى بقبول الظلم ولن ارضى بالخضوع امام تجبر النظام “(38) لقد اختار الامام الخميني طريقه بوعي . فقد صار يمتلك حصيلة من التجارب السياسية والمواقف الجهادية الحلوة والمرة . ويرى ان بانتظاره وقائع خطيرة وطريقا محفوفا بالمخاطر . غير انه لا يتحرك بناء على ما لديه من حصيلة من الماضي ولا على اساس ما ينتظره في المستقبل . انه يفكر دوما باداء تكليفه رافعا شعار “ العمل بالتكليف ولو بلغ ما بلغ“.
( هامش ) 38 - صحيفة النورج 1 ص 9 3 ( * ) .
ان الامام الخميني يرى بان معنى “ الهزيمة والنصر يختلف عما شاع لهما في عرف السياسيين المحترفين “ فهو - وخلافا للكثير من المناضلين المشهورين والقادة والاعلام من سياسي العالم ، والذين يدخلون الميدان السياسي باي وسيلة ثم يحرصون على مظهرهم السياسي وشخصيتهم في وسط ذلك الميدان المضطرب - قد دخل الميدان السياسي وقام باداء دوره القيادي للثورة الاسلامية في عام 1963 م بعد ان طوى العديد من مراحل التهذيب وكسب الفضائل المعنوية والمعارف الحقيقية بسطوحها العالية ومارس الجهاد الاكبر لسنوات طويلة . فالامام يعتقد بان بناء النفس والجهاد الباطني مقدم على الجهاد الخارجي ، حتى انه كان يقول دوما بان العلوم المختلفة - بما في ذلك علم التوحيد - اذا لم تكن توأماً مع تهذيب النفس فانها لن تكون سوى حجاب ولن تؤدي الى الوصول الى الحقيقة. ان العبارات الحادة التي اطلقها الامام في بيانه الصادر في 2 نيسان 1963 م واشباهها التي وسمت الكثير من تراثه السياسي ، لم تكن مناورة سياسية لاخراج مناوئيه من الميدان ، بل انها كانت عرضا لحقائق تنبع من عمق وجود شخصية ترى ان العالم محضر الله . فالامام لم يكن يكن لاحد من خصومه من امثال محمدرضا او صدام اوكارتر او ريغان وغيرهم ممن وقفوا بوجهه خلال جهاده ، حقدا او عداء شخصيا ، فهو كان حريصا على انقاذ المجتمع البشري من سلطة اتباع الشيطان واعادة البشرية الى هويتها الفطرية الالهية - الرحمانية . وقد حرص على الاعتقاد والعمل بهده المبادي قبل ان يدعو غيره اليها . وللوقوف على سر موفقية الامام الخميني ينبغي البحث في جهاده الطويل لنفسه وسعيه لبلوغ المعرفة الشهودية الحقيقية . فلا يمكن فهم دوافع الامام الخميني واهدافه من نضاله السياسي دون التامل في مراحل تكامل شخصيته الروحية والمعنوية والعلمية . لقد رأى العالم الكثير من العناصر التي ميزت جهاده وثورته ، الا ان ما يميز ما قام به الامام الخميني وما يميز ثورته عن سائر الثورات ، ويجعلها متصلة بثورات الانبياء ، هو ان من تصدى للثورة الاسلامية في القرن العشرين لم يترك - على قول من رافقوه طوال فترة ما قبل النهضة حتى انطلاقها ومن ذلك الوقت حتى رحيله عن الدنيا - نافلة صلاة الليل والدعاء ليلة واحدة ، ناهيك عن الفرائض والواجبات . انه ذلك الرجل الذي جلس يرد على اسئلة العشرات من الصحفيين والمصورين الذين اجتمعوا من انحاء العالم في اخرلقاء صحفي له في محل اقامته في ( نوفل لوشاتو)(39) وما ان مرت بضع دقائق وحان موعد الصلاة ، حتى قام ليؤدي صلاته غير مكترث لذلك الجمع . وللوقوف على سر التاثير المميز لبيانات الامام وكلامه في الاستحواذ على مخاطبيه والى الحد الذي يدفعهم الى التضحية بارواحهم ينبغي البحث في اصالة الفكر هذا ، والحزم في الرأي والصدق الخالص معهم . ان من اهم المزايا التي وسمت نهضة الامام الخميني : الاعلان عن مسار في نضاله ، اتخاذ مواقف واضحة والثبات عليها ، والحزم في التحرك نحو الاهداف ، وهي الامور التي اقر بها العدو والصديق . ( هامش ) 39 - في ضاحية نوقل لوساتو الواقعة على بعد ( 25 )كليومترا من العاصمة الفرنسية باريس وضع منزلان صغيران تحت تصرف الامام ا لخميني ( س ) و مرافقيه . المنزل الاول كان صغيرا جدا وكان يعيش فيه الامام مع افراد عائلته ، اما المنزل الثاني - وكان يقع في الجهة المقابلة للمنزل الاول - فقد كان مخصصا للاجتماعات وللطلبة الجامعيين الايرانيين ولاعضاء مكتب الامام ، وكان الامام يقيم فيه صلاة الجماعة كما كان يصلي فيه نافلة الليل . كما استاجر محل اخركفندق لاستراحة الطلبة الجامعيين والضيوف الذين كانوا ياتون لزيارة الامام الخميني ، وكان الشهيد مهدي العراقي يتولى مسؤولية ادارة هذا المحل . وبسبب ضيق المكان كان يقضي عشرون الى ثلاثين شخصا ليلتهم في غرقة واحدة . وكان القادمون لزيارة الامام يستطيعون البقاء في هذا المكان لمدة ليلتين . والجدير بالذكر هنا ان الامام الراحل كان لا يسمح بدفع قيمة ايجار هذا المحل من سهم الامام (الخمس) لما عرف به من دقة في صرف الحقوق الشرعية ، لذا كان المتمكنون ماليا من الايرانيين يتولون دفع فيمة الايجار توسعة على الطلبة الجامعيين الايرانيين .( * )
ان دراسة البيانات والمواقف السياسية التي صدرت عن الامام خلال فترة النهضة التي قادها في مواجهة النظام الملكي وامريكا ومقارنتها مع ما صدر عن بعض الشخصيات العلمائية والسياسية والاحزاب والتجمعات والتيارات السياسية الاخرى ، تظهر بوضوح مدى ثبات الامام على المضي نحو تحقيق اهدافه وعزمه الراسخ على مواصلة النهضة بالنسبة لمدعي القيادة والرئاسة الاخرين . ان الوثائق التاريخية تدل بوضوح على كيفية نزول بعض الجماعات والافراد من اعلام السياسة والدين في الانتفاضة التي وقعت بين الاعوام 1961 - 1963 م الى ميدان الاحداث وكيف انهم كانوا يتمسكون باشد المواقف السياسية حدة ، وكيف انهم - وبمحض تعرضهم لاول رد فعل من النظام الملكي - تراجعوا عن كل مواقفهم واختار البعض منهم الانزواء والسكوت الطويل الذي - استمر حتى ايام بلوغ الثورة ذروتها في عام 1979 وانتصار الثورة ، كذلك فان عددا منهم ايضا حاول الابتعاد لمسافة كبيرة عن المواقف التي اتخذها قائد النهضة واختاروا - وبدلا من الجهاد والوقلاف بوجه السياسات الاستعمارية الامريكية في ايران ، ومعارضة النظام الملكي المستبد على اعتبار انه السبب الاساسي لتسليط الاجانب على البلاد - الانشغال بالمسائل الجزئية المعاصرة ورفع الشعارات الفضفاضة المطالبة بحرية الانتخابات او تطبيق الدستور مثلا . ولايخفى على المطلعين على احداث التاريخ الايراني المعاصر بان رفع امثال تلك الشعارات في تلك الايام لم تكن له نتيجة غير حرف المسار الجماهيري للنهضة عن مواجهة الاسباب الاصلية ، لذلك ايضا نرى بان دائرة الامن ( السافاك ) بادرت الى ترسيخ تلك التوجهات وتشجيعها. وفي هذا الوسط اصر الامام الخميني وانصاره على مواصلة مسيرتهم والثبات على مواقفهم . والمرابطة على مواضعهم رغم تعقيد الظروف والتحولات السياسية التي كان الواحد منها يكفي لان يكون سببا مقبولا لتغيير المواقف واختيار العزلة والسكوت والتسليم امام السلطةَ وبذا فقد قدم الامام وانصاره التضحيات واصرواعلى ما اعلنوه من المواقف الجهادية ، الامر الذي لم يكن يتحقق دون الثبات والاستقامة والايمان بالاسس والحقائق التي تسمو على مقتضيات الظروف السياسية والاجتماعية انذاك . اطل عام 1342 ش ( 963 1 م ) ليقترن بتحريم مراسم الاحتفال بعيد النوروز (الربيع ) وليصطبغ بدماء المظلومين التي اريقت في الفيضية . من جانب اصر الملك على تنفيذ الاصلاحات التي كانت تطالب بها امريكا ، ومن جانب اخر اصر الامام الخميني على توعية الجماهير واستنهاضهم للوقوف بوجه التدخلات الامريكية في الشؤون الداخلية والخيانات التي يرتكبها الملك . في الثالث من نيسان 1963 ، ابرق اية الله العظمى الحكيم من النجف الى العديد من العلماء والمراجع في ايران يطالبهم بالهجرة الجماعية الى النجف الاشرف ، موضحا بان الهدف من هذا الاقتراح هو الحفاظ على حياة العلماء وكيان الحوزات العلمية ، وقد عبر النظام الملكي - وعبر العديد من الممارسات - عن غضبه واستنكاره لدعم علماء النجف وكربلاء وايةالله الحكيم لنهضة العلماء في ايران ، ومن اجل خلق جو من الرعب والحؤول بين العلماء وبين الاجابة على برقية اية الله الحكيم ، فقد بادر النظام الملكي الى ارسال افواج من قوات الامن الداخلي الى مدينة قم ، كما ارسل في الوقت ذاته وفدا رسميا اخذ على عاتقه نقل رسالة التهديد الملكية الى مراجع التقليد . وقد امتنع الامام الخميني عن استقبال هذا الوفد . وقد اشار سماحة الامام الخميني الى هذه القضية في خطابه الذي القاه في ( 2 / 5 /1963) مشيرا الى الملك بكلمة “ التافه “ فقال : “ ان هذا التافه ، رئيس هذه الحكومة الخبيث ، ارسل وفدا من الشرطة الى منازل المراجع - طبعا انا لم استقبلهم ، وليتني فعلت ، ليتني يومها سمحت لهم بدخول المنزل ثم هشمت اسنانهم - يرسل ، الى منازل المراجع من يقول : ان الملك قد امر بارسال من يقوم بهدم بيوتكم وقتلكم وانتهاك اعراضكم اذا تبستم ببنت شفة في القضية الفلانية “ وقد ابرق الامام برسالة جوابية الى سماحة اية الله العظمى الحكيم غير عابىء بتلك التهديدات واكد في تلك البرقية على ان السفر الجماعي من قبل العلماء واخلاء مواقعهم في الحوزة العلمية في قم امر يتعارض مع المصلحة الاسلامية . كتب الامام في جانب من هذه البرقية يقول : “اننا سوف نؤدي تكليفنا الالهي ان شاء الله وسوف نوفق لاحدى الحسنيين ، اما قطع ايدي الخونة عن الاسلام والقرآن الكريم ، او مجاورة رحمة الحق جل وعلا واني لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما “( 40)َ
( هامش ) 40 - للاطلاع على نص البرقية وتفاصيل الامر ، راجع كتاب دراسة وتحليل لنهضةالامام الخميني ج 1 ص 398 - 405 ( * ) .
وفي بيانه الذي اصدره بتاريخ 2 نيسان 1963 بمناسبة اربعينية فاجعة الفيضية ، اكد على وقوف العلماء والشعب الايراني الى جانب قادة الدول الاسلامية والدول العربية ضد اسرائيل الغاصبة . وادان الاتفاقيات المبرمة بين الملك محمد رضا واسرائيل (41) . وبذا فقد اوضح - ومنذ الايام الاولى لانطلاق نهضته بان النهضة الاسلامية في ايران ليست بمعزل عن مصالح الامة الاسلامية ، وان نهضته انما كانت طلبا للاصلاح في كل العالم الاسلامي غير محدودة بحدود ايران الجغرافية . كتب الامام الخميني في معرض رسالة وجهها الى العلماء يقول : “ ان الخطر الاسرائيلي على الاسلام وايران وشيك للغاية ، فالمعاهدة مع اسرائيل في مقابل الدول الاسلامية اما انها ابرمت او انها على وشك ذلك . . . وبالسكوت والاعتزال سنضيع كل شى ، ان للاسلام علينا حقا ، فعلى علماء الاسلام والمتمسكين بالديانة المقدسة ان يؤدوا ما عليهم من دين لدينهم في هذا الزمان الذي تتعرض فيه كل الجهود المضنية التي بذلها ذلك العظيم (ص ) للزوال . لقد صممت على عدم التراجع حتى الزم هذا النظام الفاسد حده . . .”(42) ( هامش ) 41 - صحيفة النورج 1 ص 46 42 - صحيفة النورج 1 ص 44 ( * ) .
- انتفاضة الخامس من حزيران : وفي حزيزان عام 1963 م اطل شهر محرم الحرام . فبادر الامام الخميني لتحقيق اقصى استفادة من هذه الفرصة في تحريك الجماهير ودفعها لمواجهة النظام الملكي المستبد . وفي ( عاشوراء ) انطلق مئات الالاف من المتظاهرين في طهران وهم يحملون صور الامام ، وتجمعوا امام ( قصر المرمر ) ( محل اقامة الملك ) ورددوا لاول مرة في العاصمة شعار “ الموت للمستبد “ ثم تلتها مظاهرات اخرى في الايام اللاحقة ، تجمع فيها المتظاهرون في الجامعة والسوق المركزي وفي مقابل السفارة البريطانية معلنين عن دعمهم لنهضة الامام . وفي عصر يوم عاشوراء لعام 1383 ق ( 3 حزيران 1963 م ) القى الامام في المدرسة الفيضية خطابه التاريخي والذي كان بداية لقيام الخامس من حزيران . وقد خصص سماحته القسم الاعظم من خطابه لاستعراض المصائب التي الحقتها العائلة البهلوية بالبلاد ، وفضح العلاقات السرية بين الملك واسرائيل . وفي هذا الخطاب كان الامام يصيح مخاطبا الملك بالقول : “ يا سيد ! اني انصحك ! يا جناب الملك ! ياحضرة الملك ! اني انصحك ، فلتكف عن ممارساتك هذه ! انهم يستغفلونك يا سيد . ولست ارغب ان يبادر الجميع للتعبير عن شكرهم لله في اليوم الذي يتقرر فيه ان تنحى عن مقامك . . . فاذاكانوا يلقنونك ما تقول ، فلتفكر قليلا . . . واستمع لنصيحتي 000 فما هي العلاقة بين الملك واسرائيل حتى تطالب مديرية الامن بعدم التعرض لاسرائيل . . . فهل ان الملك اسرائيلي ؟ “(43) لقد وقع خطاب الامام كالمطرقة على روح الملك - وقد كان ما اصيب به من جنون القدرة والتكبر الفرعوني حديثا للقريب والبعيد - لذا فقد اصدر اوامره بكم صوت الثورة هذا ، فبادرت قوات امنه اولا لاعتقال جمع من انصار الامام في ليلة الرابع من حزيران ، ثم وفي فجر يوم الخامس من حزيران داهم المئات من رجال الكومندو الذين تم ارسالهم من طهران ، منزل الامام الخميني لاعتقاله في الوقت الذي كان يؤدي فيه نافلة صلاة الليل وتم نقله على الفور الى طهران ليودع في معتقل ( باشكاه افسران ) نادي الضباط ثم نقل في غروب ذلك اليوم الى (سجن القصر ) .
( هامش ) 43 - ظهور وسقوط سلالة البهلوي ( فارسي )ج 1 ص 510 ( * ) .
وبسرعة انتشر خبر اعتقال الامام في مدينة قم وضواحيها ، فانطلق الرجال والنساء من القرى من مدينة قم نحو منزل قائدهم وهم يرددون شعار “ الموت او الخميني “ الذي ملا ارجاء المدينة وقد بلغ الغضب الشعبي حدا دفع رجال الشرطة في البداية نحو الفرار الا انهم عادوا لمواجهة الجماهير بعد ان تسلحوا بمختلف التجهيزات العسكرية وبعد ان استقدمت قوات دعم عسكرية من المعسكرات الواقعة على اطراف المدينة . وبينما كانت جموع الجماهير تغادر حرم حضرة المعصومة ( عليها ) فتحت قوات النظام التي استقرت خارج الحرم المطهر نيران اسلحتها الاوتوماتيكية ، ولم تمض عدة ساعات على المواجهة بين الجماهير وقوات النظام ، حتى دار حمام من الدم في المدينة ، ولم يكتف النظام بذلك ، فقد ارسلت عدة طائرات مقاتلة للتحليق في سماء المدينة واختراق حاجز الصوت لادخال الرعب والهلع على قلوب الجماهير وتم مواجهة الانتفاضة بالسلاح للسيطرة على الاوضاع . بعدها بادرت العجلات العسكرية لجمع اجساد الشهداء والجرحى من الشوارع والازقة لنقلهم بسرعة الى اماكن غير معلومة . وفي غروب ذلك اليوم كانت مدينة قم تعيش حالة النكبة والحزن . في صباح يوم الخامس من حزيران كان خبر اعتقال الامام قد وصل الى طهران ، مشهد ، شيراز وسائر المدن مما فجر اوضاعا مشابهة في تلك المدن . فقد انطلقت مجاميع الناس من اهالي ( ورامين ) والمناطق السكنية في ضواحي طهران نحو العاصمة ، ولما كانت دبابات النظام والياته وقواته المسلحة قد احاطت بالعاصمة للحيلولة دون وصول المعارضين اليها ، فقد اشتبكت تلك القوات مع تلك المجاميع في تقاطع ( وارمين ) مما ادى الى سقوط العديد من القتلى والجرحى من الاهالي . كذلك فان تجمعا كبيرا كان قد حصل في السوق المركزي في طهران وفي وسط المدينة مرددا شعار “الموت او الخميني “ ثم توجه الجمع نحو قصر الملك . كما انطلقت سيول الجماهير من جنوب مدينة طهران متوجهة نحو مركز العاصمة وكان بينهم طيب الحاج الرضاني والحاج اسماعيل الرضائي (44) - وهما اثنان فتوات منطقة جنوب طهران - مع مجموعتهم ، وقد اعتقل هذين الاخوين فيما بعد وفي 2 تشرين الثاني 1963 م تم اعدامهما ونفي انصارهما الى مدينة بندر عباس . ( هامش ) 44- اشارة الى الحادثة المؤسفة التى وقعت عام ( 963 1 ) والتي تم خلالها اعدام اثنين من المجاهدين بتهمة المشاركة فى انتفاضة الخامس من حزيران وقد تم تنفيذ الحكم في فجر الثاني من تشرين الثاني 1963 ، والطيب الحاج رضائى ، تمكن من القضاء على شعبان الجعفري ( المشهور بالمجنون ) ومجموعته التي كانت تعمل لصالح النظام الملكي وذلك خلال احداث انتفاضة الخامس من حزيران .كذلك فان الحاج اسماعيل الرضائي من المؤمنين التحرريين الطهرانيين . وقد عرض النظام الملكي كلا الاخوين الى اقسى انواع التعذيب الروحي والبدني مطالبا اياهما بالاعتراف باخذ الاموال من الامام ، ولما ثبت لعناصر النظام شدة مقاومتهما بادر الى قتلهما . وعلى اثر انتشار خبر شهادتهما عطلت الحوزة العلمية اعمالها ، كذلك فقد تجمع العديد من المجاهدين المعروفين ورجال السوق الملتزمون وعلماء الدين في اليوم السابع من شهادة الاخوين وذلك تحت عنوان “ الهيئات الاسلامية المؤتلفة " واصدروا بيانا بالمناسبة جاء في جانب منه ،، . . . تم في فجر يوم السبت اعدام اثنين من ابطال ايران اللذين تحملا اشد انواع التعذيب غير الانساني دون ان يكونا على استعداد للاعتراف الكاذب بما املته عليهما مديرية الامن والذي اريد به الاساءة الى علماء الدين وسوف يبقى اسميهما علامة بارزة تزين صفحات تاريخ الجهاد ضد الاجانب “ وتجدر الاشارة الى ان عدد المعتقلين في مسألة الطيب والحاج اسماعيل هو سبعة عشر شخصا طالبت المحكمة العسكرية التى قدموا اليها بانزال حكم الاعدام بهم جميعا غير ان المحكمة الابتدائية حكمت خمسـة منهم بالاعدامنجا ثلاثة منهم . وبقي جمع من المعتقلين في السجن حتى انتصار الثورة الاسلامية . أوردنا اعلاه نقلا عن اعترافات احد شهود المحاكمة - وهو الجنرال دولوقاجار (الحاكم الذي حكم على الطيب والحاج اسماعيل ) - والتي ادلى بها امام محكمة الئورة الاسلامية في طهران . راجع صحيفة جمهوري اسلاهي الصادرة بتاريخ 25 تشرين الثاني 1979 ( * ) .
وقد كشف النديم الدائم للملك ( العميد حسين فردوست ( 45 ) في مذكراته ، النقاب عن استخدام أفضل الخبرات الامنية والسياسية الامريكية انذاك للقضاء على الانتفاضة ، وكذلك عن الاضطراب الذي اصاب الملك والبلاط وقادة الجيش والسافاك في تلك الساعات ، واشار الى وخامة الاوضاع فكتب يقول : “ قلت لاويسي ( قائد فرقة الحرس الخاص ) : بان السبيل الوحيد لحل هذه المعضلة هو ان تقوم بتجنيد جميع الطباخين والخدام وعمال التنظيف والحراس وغيرهم في فرقتك . . .
45 - دخل حسين فردوست ومنذ طفولته كتلميذ في مدرسة خاصة تسمى المدرسة الابتدائية العسكرية ليكون رفيقا لمحمد رضا وذلك بترتيب من رضاخان ، وبذلك فان فردوست يكون اقرب اصدقاء محمد رضا البهلوي وامين سره منذ الطفولة ، وحينما اوفد ولي العهد محمد رضا الى سويسرا لاتمام دراسته اوفد فردوست معه وبشكل رسمي وكان من الصديق المقرب لمحمد رضا خلال سنوات الدراسة في الخارج ، وبصعود محمد رضا الى سدة الحكم كان فردوست الى جانبه ايضا وكان الملك يقدمه على انه صديقه المقرب . الجنرال حسين فردوست كان يعمل عمل العين والاذن لمحمد رضا بهلوي ، فقد كان على راس اهم هؤسسات النظام المخابراتية ( مكتب المخابرات الخاص ) الذي يمثل مؤسسة شخصية للملك هدفها جمع المعلومات له وهي تمثل قمة الهرم الاداري لجميع منظومة المؤسسات السياسية والمخابراتية للبلاد بما في ذلك السافاك ( * ) .
وكتب اسد الله علم رئيس الوزراء في مذكراته يصف ما خاطب به الملك ذلك اليوم فقال : “ اذا ما تراجعنا فان الفوضى ستعم ايران باسرها وسوف يتعرض نظامنا للسقوط المذل وفي مثل هذه الحالة فاني اعرض في خدمتكم باننا يجب ان نصر على مواجهة هذا الموقف حتى وان تطلب انقاذ جلالتكم تنحيتي عن موقع المسؤولية والاعلان عن استنكاركم لما فعلت ، ثم الحكم علي بالاعدام باعتبار اني المسبب لما حدث!" ( 46 ) على اية حال ، فقد اعلنت الاحكام العرفية في الخامس من حزيران في كل من طهران وقم ، وعلى الرغم من ذلك فان تظاهرات واسعة انطلقت في الايام اللاحقة وان كانت تنتهي كل مرة بالمواجهة الدامية . لقد كان الخامس من حزيران 1963 م يوم انطلاقة ثورة الشعب الايراني الاسلاميةَ . بعد تسعة عشريوما من الاعتقال في سجن القصر، تم نقل الامام الخميني الى معتقله الجديد في ( معسكر عشرت اباد ) .
( هامش ) 46 - “ احاديثي مع الملك “ - المذكرات السرية للامير اسد الله علم ( * ).
بعد يومين من انتفاضة الخامس من حزيران ، وصف الملك ذلك القيام الشعبي بانه مصيبة وعمل وحشي نجم عن اتحاد الرجعية السوداء والحمراء ، وسعى لربط ما حدث بالخارج وصرح بان هناك اياد حركت الاحداث من امثال جمال عبد الناصر(47)َ ولم يخفط على احد حينها تهافت الادعاءات التي اطلقها الملك . وعلى العكس تماما من ادعاءاته تلك فان حزب تودة وسائر الشيوعيين الايرانيين قد اصروا في كتاباتهم ومواقفهم المعلنة على اعادة وتكرار وجهة نظر موسكو حول احداث الخامس من حزيران والتي كانت تصرح بها من خلال الاذاعة والصحف الصادرة في الاتحاد السوفيتي والمتمثلة في اعتبار تلك الانتفاضة حركة رجعية عمياء للوقوف بوجه الاصلاحات التقدمية التي كان الملك يرغب في تنفيذها(48) . كذلك فان احدا لم يصدق الادعاء الكاذب للملك والذي اراد من خلاله توجيه الاتهام الى جمال عبد الناصر رغم سعي السافاك ودسائسه التي حاكها في هذا السبيل . فالاستقلال التام لانتفاضة الخامس من حزيران ظهر بجلاء ووضوح للجميع الى درجة لم تتمكن معه امثال هذه الحصيات الصغيرة من توجيه ادنى ضربة لها .
( هامش ) 47 - احد رؤساء جمهورية مصر العربية تولى الحكم عام 1954 ، وبعد عامين من توليه الحكم بادر الى تأميم قناة السويس ، دخل حرب الستة ايام فى مواجهة العدو الصهيوني . توفي عام 1970 ودفن في محل عمله . 48 - راجع الهامش رقم 14 ( * ) .
وباعتقال قائد النهضة وممارسة القتل الوحشي بحق الجماهير في الخامس من حزيران عام 1963 م ، فان النهضة تكون قد اجهضت في الظاهر. وفي محبسه امتنع الامام الخميني عن الرد على اسئلة ضباط التحقيق ، معلنا بوضوح وشجاعة بان الهيئة الحاكمة في ايران والقوة القضائية تفتقد باجمعها الى الرصيد القانوني والصلاحية الرسمية وفي زنزانته الانفرادية في ( معسكر عشرت اباد ) لم يفرط الامام الخميني بالفرصة التي سنحت له فراح يكثر من مطالعة كتب التاريخ المعاصر وما كتب عن الحركة الدستورية في ايران ، وبعض ما كتب عن ( جواهر للال نهرو ). بعد اعتقال سماحته ايضا انطلقت الاصوات المعارضة الواسعة من قبل علماء الدين ومختلف طبقات الشعب ومن مختلف انحاء البلاد مطالبة باطلاق سراح قائدها . فقام جمع من العلماء الاعلام بالسفر الى طهران والاعلان عن معارضتهم لاعتقال الامام . وكان توقع اقدام النظام على تصفية الامام يثير القلق بين الجماهير ويدفعها لاظهاز رد فعل قوي . عموما فقد تعرض العلماء الذين تجمعوا في طهران لهجوم ازلام السافاك ، فتم اعتقالهم وايداعهم السجن لمدة من الزمن . وعندما راى الملك بان انتفاضة الخامس من حزيران وجهت ضربة للاستقرار والضمانات التي اعطاها لامريكا ، حاول ان يقلل من اهمية تلك الانتفاضة ويظهر بان الاوضاع عادية وتحت سيطرته . من جانب اخر كان الغضب الجماهيري ننتيجة استمرار اعتقال الامام في تنام مضطرد ، عليه اضطر النظام في الثاني من اب 1963 م الى نقل الامام من معتقله ليوضع تحت الاقامة الجبرية في منزل تحاصره قوات الامن في ( منطقة الداودية ) في طهران ، وبمجرد اطلاع اهالي طهران على انتقال القائد ، توجهوا نحو منطقة الداودية ، ولم تمر عدة ساعات من تجمع الاهالي حتى اضطر النظام الى تفريق الجموع ومحاصرة المنزل بشكل علني بواسطة رجال الشرطة . في مساء الثاني من اب نشرت صحف النظام خبرا مفتعلا اشارت فيه الى ابرام اتفاق بين الامام الخميني والمسؤولين في الحكومة ، ولم يكن ممكنا بالنسبة للامام الخميني الاطلاع على الخبر او تكذيبه ، غير ان العلماء الاعلام كذبوا من خلال بيانات اصدروها انئذ وقوع اي اتفاق او تفاهم بين الامام والنظام وقد تميز البيان الذي اصدره اية الله المرعشي النجفي (ره ) بحدة اللهجة والتاكيد على فضح اساليب النظام مما جعله من البيانات البالغة التاثير . بعد ذلك تم نقل الامام مخفورا الى منزل في محلة قيطرية في طهران وبقي تحت الاقامة الجبرية هناك الى يوم اطلاق سراحه 7 نيسان 1964 م . وفي الثلث الاول من عام 1964 تصور النظام بان الشدة التي واجه بها الجماهير في حادثة الخامس من حزيران ، قد ادت الى تنبيه الجماهير ودفعت المجاهدين الى اختيار جانب السكوت ، لذا فقد حاول النظام الايحاء بان وقائع العام الماضي قد تم نسيانها . وفي مساء السابع من نيسان 1964 م تم - وبلا اطلاع سابق - اطلاق سراح الامام الخميني ونقله الى قم . وبمحض اطلاع الجماهير على الامر عمت مظاهر الفرح مدينة قم باسرها واقيمت الاحتفالات البهيجة في المدرسة الفيضية وسائر الاماكن ودامت عدة ايام .
ولم تمر ثلاثة ايام على اطلاق سراح الامام الخميني حتى بادر سماحته الى ابطال كافة التصورات والدعايات التي تمسك بها النظام وذلك من خلال خطابه الثوري الذي القاه فوراطلاق سراحهَ فقال سماحته : “ لا معنى للاحتفال اليوم . فما دام للشعب عمر يحياه ، فانه غارق في حزنه على مصيبة الخامس من حزيران “ . ورد على مانشرته الصحف الاجيرة هناكاذيب فقال : “ كتبوا في مقالة صحفية ان تفاهما قد حصل مع علماء الدين ،وان علماء الدين يؤيدون ثورة الملك والشعب البيضاء . اية ثورة هذه ؟ واي شعب ؟ . . . ان الخميني لن يساومهم حتى وان اعدموه . . . ولا يمكن تنفيذ الاصلاحات تحت اسنة الحراب “(49)
( هامش ) 49 - الكوثر - شرح وقائع الثورة الإسلامية ج 1 ص 151 ( * ) .
ولما كان السافاك قد اقدم على مؤامرة بث الفرقة وايجاد شرخ في صفوف المجاهدين في الحوزة العلمية - وذلك من خلال ايجاد الخلافات بين العلماء والمراجع - تعرض الامام الخميني في خطابه الذي القاه في المسجد الاعظم في قم بتاريخ 15 نيسان 1964 م الى هذه المسألة هادفا افشال تلك المؤامرة فقال : “ اذا وجه احدهم اهانة لي ، بل اذا لطمني على وجهي ، او ضرب احد اولادي على وجهه ، اقسم بالله تعالى باني لا ارضى ان يهب احد لمواجهته والدفاع عني ، لست ارضى ، انني اعلم بان البعض يهدفون - اما عمدا او جهلا منهم - الى بث الفرقة في هذا المجتمع . . . انني ومن موقعي هذا اقبل ايادي جميع المراجع ، من كان منهم هنا او في النجف او في سائر البلاد ، مشهد طهران ، واينما كانوا اني اقبل ايادي جميع علماء الاسلام . ان هدفنا اسمى من هذه الامور اني امد يد الاخوة الى جميع الشعوب الاسلامية ، والى جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها “( 50) وفي هذا الخطاب كشف الامام النقاب عن العلاقات السرية بين الملك واسرائيل وصاح باعلى صوته : “ ايتها الجماهير ! ايها العالم ! اعلموا بان شعبنا يخالف افي اتفاق مع اسرائيل ، ان من يقوم بذلك هو ليس شعبنا ، ليس علماءنا، فان ديننا يمنعنا من ابرام اي اتفاق مع اعداء الاسلام “ . ( هامش ) 50 - الكوثر - سرح وقائع الثورة الاسلامية ج 1 ص 112( * )
وفي هذا الخطاب ايضا عبر سماحته عن الملك بكلمة “ التافه “ فقال موجها الخطاب اليه فقال : “ لا تشتبهوا ! فحتى لو داهنكم الخميني ، فان الامة الاسلامية لن تداهنكم .لا تشتبهوا ! فنحن في نفس خندقنا الذي كنا فيه ، نعارض كل اللوائح المخالفة للاسلام ، ونقف بوجه كل تجبركم . . . ان شعبنا المجيد مستاء غاية الاستياء من اسرائيل وعملائها ومن الحكومات التي تصالح اسرائيل “( 51) وفي الذكرى السنوية الاولى لانتفاضة الخامس من حزيران اصدر الامام وسائر المراجع بيانا مشتركا ، كما صدرت بيانات مستقلة عن الحوزات العلمية تم فيها تجليل ذكرى الانتفاضة واعلن يوم ذكراها يوم حداد عام (52) وفي شهر تموز عام 1964 م تم اعتقال المجاهد الكبير ا ية الد الطالقاني (53) والمهندس مهدي البازركان (54) وعدد من قادة تجمع ( نهضة الحرية في ايران ) الذين اعلنوا عن دعمهم لانتفاضة الخامس من حزيران وقدموا الى محكمة عسكرية وحكم عليهم بالسجن لمدد طويلة . فاصدر الامام الخميني بيانا حذر فيه الجماهير فقال : “ ان على المواطنين ان يتوقعوا اياما صعبة “(55) .كما اقترح الامام الخميني ان يعقد علماء الدين جلسات اسبوعية منتظمة لمتابعة اهداف النهضة وهداية القيام الشعبي .
( هامش ) 51 - الكوثر - شرح وقائع الثورة الاسلامية ج 1 ص 112 . 52 - صحيفة النورج 1 ص 83 والموقعون على هذا البيان هم ذوي السماحة : “ روح الله الموسوي الخميني ، محمد هادي الحسيني الميلاني ، شهاب الدين النجفي المرعشي ، حسن الطباطبائي القمي “ 53 - اية الله السيد محمود الطالقاني ( 1900 - 1979 م ) احد علماء الدين الملتزمين والمجاهدين كان له دور بارز في الجهاد الشعبي الاسلامى الايراني ضد الاستبداد والاستعمار . سافر - بعد ا تمامه دروسه في حوزة قم العلمية - الى طهران ليؤدي دوره في التبليغ بالاسلام وذلك عام ( 1938 م ) اعتقل في عام ( 1939 م ) بتهمة معارضة النظام البهلوي واودع السجن فترة من الزمن كان مكان درسه في مسجد (هدايت ) في طهران منذ عام 1948 م فما بعد ، فاصبح مكان درسه محلا لتجمع العناصر المثقفة المتدينة والطاقات الملتزمة من اعضاء الجبهة الوطنية ، الامر الذي انتهى فيما بعد الى تأسيس حركة “ نهضة الحرية ". سافر في الاعوام 1951 و 1952 م الى مصر والاردن ، ساهم في حركة المطالبة بتاميم النفط ، واعتقل بعد انقلاب ( 28 مرداد ) بتهمة التستر على نواب الصفوي ، زعيم حركة فدائي الاسلام . ومن ضمن نشاطاته السياسية البارزة مساهمته في تأسيس حركة نهضة الحرية في عام ( 1960 م ) كعضو اساسي ، الحركة التي يمكن اعتبارها انشقاقا عن الجبهة الوطنية . غير انه وقبل احداث الخامس من حزيران تم اعتقال مؤسسي حركة نهضة الحرية ثم تم تقديمهم للمحاكمة بعد نهاية الاحداث وصدرت بحقهم احكام مختلفة بالسجن لمدة لم تزد عن العشرة اعوام . وفي عام ( 1967 م ) تم اطلاق سراح السيد الطالقاني ثم لجأ النظام الى نفيه الى مدينة زابل ثم الى مدينة بافت كرمان في عام 1971 . وفي عام 1975 م القى القبض عليه مجددا بسبب خيانة احد المنافقين وحكم عليه بالسجن لمدة عشرة اعوام . وبقي في محبسه حتى ( 9 / 11 / 1978 م ) حيث اطلق سراحه مع الشيخ المنتظري وعدد من السجناء السياسيين . اما بعد انتصار الثورة الاسلامية فقد تم اختياره لرئاسة شورى الثورة وعضوية مجلس خبراء الدستور . كما ام سماحته - وبامر من الامام - اول صلاة جمعة بعد انتصار الثورة فى جامعة طهران وذلك في شهر تموز 1979 م . ترك تأليف اثار فكرية مختلفة في مجال تفسير القرآن و مختلف المعارف الاسلامية والموضوعات الاجتماعية والسيا سية . 54 - المهندس بازركان ( 1907 - 994 1 م ) رأس في عهد حكومة الدكتور مصدق مؤسسة الاسالة ، وشركة النفط الوطنية ، مؤسسة المعاهد الفنية ، بالاضافة الى ممارسته التدريس الجامعى . كان له دور بارز في تأسيس حركة نهضة الحرية في ايران . سجن لعدة سنوات في العهد البائد اناط به الامام الخمينى في عام 1978 م - بينماكانت الثورة الاسلامية في اوج تصاعدها - مسؤولية متابعة اضراب عمال شركة النفط الوطنية مع اشخاص اخرين . كما اوكل اليه مهمة تشكيل اول حكومة مؤقتة بعد انتصار الثورة الاسلامية . وقد قدم استقالته من منصبه ذاك بعد يوم واحد من احتلال الطلبة السائرين على نهج الامام لوكر التجسس الامريكي في طهران . تمكن بعد ذلك من الفوز بمقعد في مجلس الشورى الاسلامي ممثلا عن اهالي طهران . توفي في عام 1994 عن عمر يناهز السابعة والثمانين متاثرا من جلطة قلبية. له مؤلفات علمية عديدة. علاوة على عدة مؤلفات في المعارف الاسلامية والمجالات الاجتماعية الاخرى ، منها المطهرات في الاسلام ، الطريق المطروق ، الصغار منتهى الصغر ، الدين في اوروبا ، علمية الماركسية ، وكلها باللغة الفارسية . 55 - صحيفة النورج 1 ص 62 ( * ) .
- مواجهة “ لائحة الحصانة القضائية “ وفي جانب اخر ، كان الملك - وتحت الضغط الامريكي - مصمما على تنفيذ الاصلاحات التي اعدت في البيت الابيض متصورا ان المذابح والمعتقلات والمحاكمات ، قد ادت الى ازاحة ثقل قوات المقاومة من طريقه . ولما كانت الاصلاحات يجب ان تؤدي الى تحقيق النفوذ الشامل لامريكا في البلاد وتمكنها من الايفاد المباشر لخبرائها للحضور في مختلف المجالات الاقتصادية والعسكرية وفي مختلف المواقع الحساسة في النظام الملكي ، لذا وجب ان يكون الشرط الاول لتحقيق ذلك هو ازالة الموانع الحقوقية والقانونية امام حضور القوات الامريكية في ايران وضمان امنها واطلاق العنان لها . وبذا تم احياء نظام الحصانة ( الحصانة السياسية والدبلوماسية والقضائية للمواطنين الامريكان في ايران ) . فكان اقرار لائحة الحصانة من قبل مجلسي الشيوخ والشورى رصاصة الخلاص التي اطلقت على استقلال ايران الذي كان يعيش مقيدا مضطهدا . ومن اجل تنفيذ ذلك بادر النظام الى مواجهة المجاهدين بوحشية والقاء العديد منهم في السجون او نفيهم ، وقد ادت ممارسات الحكومة البوليسية للملك حبس الانفاس في الصدور ومنع اي احد من المعارضة او المخالفة . ومرة اخرى - وفي هذا الجو المضطرب - صمم الامام على اداء رسالته التاريخية ، فانبرى للقيام المجدد ، وللبدء في ذلك اختار الامام الخميني يوم السادس والعشرين من تشرين الاول من ذلك العام ( وهو يوم ميلاد الملك ، الذي اقترن باقامة الاحتفالات المفروضة وانفاق الاموال الطائلة ) فارسل الرسائل ونشر البيانات التي حثت العلماء في مختلف المدن على التجمع في قم . ومن اجل اخافة الامام الخميني وثنيه عن عزمه على القاء خطاب كل في ذلك اليوم ، قام الملك بارسال مبعوثه الخاص الى قم ، غير ان الامام رفض استقباله ، فقام المبعوث بابلاغ رسالة الملك الى السيد مصطفى نجل الامام الاكبر . وفي اليوم الموعود ، ودون الاكتراث بالتهديدات ، القى الامام الخميني خطابه في حشد كبير من علماء الدين واهالي مدينة قم وسائر المدن . كان ذلك الخطاب التاريخي - في الحقيقة - محاكمة للهيئة الحاكمة في امريكا على تدخلاتها غير القانونية في شؤون البلد الاسلامي ايران ، وفضحا لخيانات الملك ، وقد ابتداء الامام وبصلابة لا توصف خطابه بهذه الكلمات : “ . . . لقد سحقت عزتنا لقد انهارت عظمة ايران ومجدها ... لقد سحقت عظمة الجيش الايراني . فقد طرحوا على المجلس قانونا جديدا ، يلحقنا بمعاهدة فينا . . . فيكون لجميع المستشارين العسكريين وعوائلهم ، وموظفيهم الفنيين ، وموظفيهم الاداريين وخدامهم . . . حصانة اذا ارتكبوا اية جناية في ايران . . . اني احذركم ايها الجيش الايراني اني احذركم .. ايها السياسيون الايرانيون ، اني احذركم . . . اقسم بالله ماثوم من لا يصرخ . . . والله ان من لايصيح يرتكب كبيرة . . . يا قادة الإسلام ، اتقذوا الإسلام . ياعلماء النجف انقذوا الاسلام . . . ياعلماء قم ا نقذوا الإسلام “ وفي هذا الخطاب بالذات قال الامام الخميني مقولته المشهورة : “ 000 امريكا اسواء من انجلترا .. انجلترا اسواء من امريكا .. والاتحاد السوفيتي اسواء من كليهما ، بعضهم اسواء من بعض ، بعضهم اخبث من بعض ، غير اننا اليوم مضطرون للوقوف بوجه هؤلاء الخبثاء ، بوجه امريكا .. فليعلم الرئيس الامريكي بانه اشد الناس بغضا في اعين ابناء شعبنا ... كل مصائبنا بسبب امريكا ،كل مصائبنا بسبب اسرائيل ، واسرائيل ربيبة امريكا ))(56) وفي ذات اليوم ( 26 تشرين الاول 1964 م ) اصدر الامام الخميني بيانا ثوريا كتب فيه : “ليعلم العالم بان كل المصائب والمشكلات التي يتعرض لها الشعب الايراني والشعوب الاسلامية ، انما هي من الاجانب ومن امريكا . ان الشعوب الاسلامية مستاءة من الاجانب عموما ومن امريكا خصوصا . . . امريكا التي تدعم اسرائيل وانصارها ، امريكا التي تجهز اسرائيل بالقوة والقدرة لتشرد العرب المسلمين “(57) وبذا فقد اثمرت جهود الامام الخميني لفضح مؤامرة الحصانة في دفع ايران الى حافة الثورة من جديد في تشرين الاول من عام 1964 م ، غير ان الملك بادر وبسرعة لمواجهة الموقف مستفيدا من تجربته في انتفاضة الخامس من حزيران هذا ومن جانب اخر كان العديد من ( هامش ) 56 - الكوثر - شرح وقائع الثورة الإسلامية : ج 1 ص 69 1 - 78 1 57 - صحيفة النور ج 1 ص 109 ( * ) .
العناصر الدينية والسياسية البارزة والمدافعة عن نهضة الامام يقبعون في تلك الايام في السجن او المنفى . كذلك فان عددا من مراجع التقليد والعلماء الاعلام ممن ساهموا في احداث الخامس من حزيران كانوا قد انسحبوا من الميدان تدريجيا والتزموا الصمت يدفعهم الى ذلك الحفاظ على مصالحهم ، الامر الذي استمر ايضا الى عام 1979 سنة انتصار الثورة . من جانب اخر وبناء على الوثائق التاريخية التي تم نشرها بعد انتصار الثورة الاسلامية ، فان البعض من امثال السيد شريعتمداري ، كانوا يسعون في تلك الايام الى دفع بعض انصارهم ومؤيديهم الى انتحاء جانب الصمت وعدم اعلان الدعم لدعوة الامام الخميني مستفيدين من نفوذهم ومواقعهم المميزة لتحقيق ذلك . وبذا يكون الخطر الاساسي الذي هدد النظام الملكي هو وجود الامام الخميني ، الذي لم تنفع اية حيلة لاجباره على السكوت فهو الان قائد محبوب ومعروف لجميع المجاهدين من الشعب الايراني ، وهو مرجع تقليد للكثير من المسلمين ، ولما كانت التجربة السابقة قد اثبتت بان اعتقاله في داخل البلاد سيضاعف من مشاكل النظام مئات المرات ، ولما كان الاقدام على تصفيته جسديا سيؤدي الى تفجير اوضاع لا يمكن السيطرة عليها ، اتخذ النظام قرارا بنفيه الى خارج البلاد .
- نفي الامام الى تركيا : وفي فجر الرابع من تشرين الثاني من عام 1964 م داهم رجال الكوماندو الموفدون من طهران منزل الامام الخميني في قم بعد محاصرته - والملفت ان سماحته كان يؤدي مراسم المناجاة وصلاة الليل تماما كما كان حاله لدى اعتقاله في العام الماضي - وتم اعتقال الامام ونقله مباشرة الى مطار ( مهراباد الدولي ) . حيث كانت طائرة عسهكرية بانتظاره فاقلته مخفورا من قبل رجال الامن والشرطة الى ( انقرة ) وفي عصر ذات اليوم نشر السافاك في الصحف المحلية خبر نفي الامام بتهمة التأمر على النظام . ورغم الجو الخانق الذي كان سائدا انذاك فقد انطلقت موجات من الاحتجاجات . فقد خرجت مظاهرات في السوق المركزي في طهران ، تم تعطيل الحوزة لدروسها لمدة طويلة ، وارسلت الطوامير والرسائل الى المؤسسات الدولية والى مراجع التقليد . وكان اية الله الحاج مصطفى الخميني قد اعتقل في نفس يوم اعتقال الامام واودع السجن وفي الثالث من كانون الثاني عام1965 م تم نفيه اثر والده الى تركيا ايضا . وقد كانتا فترة نفي الامام الى تركيا عصيبة للغاية . فقد منع الامام هناك حتى من ارتداء الزي الروحاني ، غير ان ايا من تلك الضغوط الجسدية والروحية لم تتمكن من اجبار الامام على الاستسلام . كان اول محل لاقامة الامام في تركيا هو فندق ( بولوار بالاس ) في ( انقرة ) (الغرفة رقم 514 من الطابق الرابع ) ولاجل اخفاء محل اقامة الامام ، تم في اليوم التالي نقله الى شارع اتاتورك . ثم في 12 تشرين الثاني عام 1964 م - ولاجل ازواءه وقطع اي نوع من الارتباط معه - تم نقله الى مدينة ( بورسا ) الواقعة على بعد 46 كم غرب انقر ة . وفي تلك المدة سلب الامام امكانية اي تحرك سياسي ووضع تحت مراقبة مباشرة وشديدة من قبل رجال امن ايرانيين تم ارسالهم لهذا الغرض وبالتعاون والتنسيق مع قوات الامن التركية . دامت اقامة الامام في تركيا مدة احد عشر شهرا ، قام النظام الملكي خلالها - وبسرعة منقطعة النظير - بتصفية بقايا المقاومة في ايران ، وبادر الى تنفيذ الاصلاحات التي رغبت امريكا في تنفيذها في فترة غياب الامام . وقد اضطر النظام - واستجابة لبعض الضغوط التي مارستها الجماهير وبعض العلماء - الى السماح بسفر بعض الممثلين عن الجماهير والعلماء للاطمئنان على صحة الامام وسلامته . وخلال مدة اقامته في تركيا اشار الامام ومن خلال الرسائل التي بعث بها الى اقاربه ومؤيديه وعلماء الحوزة - تلميحا واشارة وعبر التماس الدعاء - الى ثباته على مواقفه الجهادية ، كما طلب ارسال بعض كتب الادعية والكتب الفقهية اليه . كانت فترة الاقامة الاجبارية في ( تركيا ) فرصة ثمينة للامام اغتنمها في تدوين كتابه القيم ( تحرير الوسيلة ) . وهو الكتاب الحاوي لفتاوى الامام الفقهية ، ذكر فيها - ولاول مرة في ذلك الوقت - مسائل تتعلق باحكام الجهاد والدفاع والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسائل العملية الهامة الاخرى ، الامور التي كانت حتى ذلك الوقت منسية لا يتعرض لذكرها احد . من الجدير بالذكر ان اراء الامام الاجتهادية في الفقه والاصول كانت قد نشرت - ومنذ سنوات قبل رحيل اية الله البروجردي - في العديد من الاثار والمؤلفات التي نشرت عن الامام الخميني ، وسوف نشير - في هذه المقالة - الى تلك الاثار والمؤلفات .
- النفي المجدد من تركيا الى العراق في الخامس من تشرين الاول من عام 1965 م ، تم نقل الامام الخميني بمعية نجله اية الله الحاج مصطفى الخميني من تركيا الى منفاهما الجديد في العراق . ولا يسعنا في هذا المختصر التعرض بتفصيل الى علل واسباب تغيير محل منفى الامام الخميني . ولكن نشير باقتضاب الى انها تتركز فيما يلي : الضغوط التي مارسها المتدينون والحوزات العلمية في داخل البلاد ، والمساعى والتظاهرات التي قام بها المسلمون في خارج البلاد من اجل اطلاق سراح الامام ، سعي النظام الملكي لاظهار الاوضاع بالمظهر العادي والاشارة الى قدرة وثبات نظامه لجلب المزيد من الدعم الامريكي لنظامه ، المشاكل الامنية المتفاقمة في تركيا وتزايد الضغوط الداخلية من قبل الاسلاميين على الحكومة التركية ، واهم من كل ذلك تصور النظام الملكي بان الهدوء وعدم وجود الرغبة في التدخل في الامور السياسية والذي كان يسود الحوزة العلمية في النجف الاشرف ، ووضح النظام الحاكم في بغداد ستصبح كلها حواجزكبيرة تحد من فعاليات الامام الخميني . بعد وصوله الى بغداد توجه الامام الخميني لزيارة مراقد الائمة الاطهار في الكاظميين وسامراء وكربلاء ، ثم سافر بعد اسبوع واحد الى محل اقامته الجديد في مدينة النجف الاشرف 0 وقد اثبت الامام الخميني منذ بداية وجوده في العراق ومن خلال لقائه المقتضب مع ممثل الرئيس العراقي انذاك ( عبد السلام عارف ) ورفضه الاقتراح القاضي بعقده مؤتمر صحفي وتلفزيوني ، بانه ليس ذلك الشخص الذي يرضى بان يجعل من اصالة ثورته الالهية ئمنا للمصالحة بين نظامي بغداد وطهران . وقد بقي هذا المنحى من - السير المستقيم - صفة تصف منهج الامام طوال فترة اقامته في العراق ، وبذا فقد اثبت الامام الخميني بانه احد اندر القادة السياسيين في العالم ممن لم يقبلوا - وهم في اشد حالات التعرض للضغط والمشكلات - بالدخول في المهاترات السياسية المتعارفة والمساومة على اهدافه . لقد كان يكفي - بعد ظهور المناوشات السياسية بين حكومتي بغداد وطهران - ان يعطي الامام الخميني موافقته المبدئية حتى تنهال عليه انواع الامكانات لتوظيفها في مواجهة النظام الملكي الايراني ، غير ان الامام لم يمتنع عن الاقدام على ذلك وحسب ، وانما كان يقف في تلك المواطن على جبهتين لممارسة دوره الجهادي ، حتى ان الامر قد بلغ في عدة مرات حد المواجهة والقيام ضد النظام الحاكم في بغداد ايضا . وبلا شك فلو لم يستخدم الامام الخميني ذكاءه وحيطته لكادت الثورة الاسلامية ان تسير منذ ذلك الوقت في الطريق الذي طوته غالبية الحركات والجبهات والاحزاب السياسية الايرانية عدة مرات ، والذي لم ينته بها الا الى الارتباط والخذلان . ان الفترة الطويلة - والتي ناهزت الثلاثة عشر عاما - التي امضاها الامام الخميني في منفاه في النجف الاشرف بدات في ظروف - وان كانت ظاهرا تخلو من الضغوط والقيود المباشرة التي تعرض لها في ايران وتركيا - الا ان المعارضات والتحبيطات والكلام الجارح - الذي انطلق من العلماء القشريين واهل الدنيا المتخفين في لباس اهل الدين لا من جبهة العدو كانت واسعة ومؤلمة الى درجة جعلت الامام يتحدث - رغم ما عرف عنه من صبر وحلم - عن ظروف الجهاد العصيبة في تلك السنوات بمرارة بالغة كلما ذكرها . لكن ايا من تلك المصائب والمصاعب لم تستطع ثنيه عن مواصلة الطريق التي اختارها بوعي وادراك . كان الامام قد ادرك مسبقا بان الحديث عن الجهاد والدعوة للقيام في ذلك الجو عمل لا جدوى منه . فقد كان يتوجب عليه البدء من نفس النقطة التي ابتدأ منها في سنوات ما قبل انتفاضة الخامس من حزيران في ايران والحوزة العلمية في قم ، بمعنى البدء بالاصلاح والتغيير التدريجي للظروف وتربية وتعليم جيل يمكنه حمل رسالته . ومن هذا المنطلق شرع الامام بتدريس خارج الفقه في مسجد الشيخ الانصاري في تشرين الثاني عام 1965 م رغم الجهود المغرضة التي بذلت من اجل ثنيه عن ذلك . الامر الذي استمر حتى فترة ما قبل سفره الى باريس . وقد ادت المباني المتقنة للامام في الفقه والاصول ، وتسلطه على مختلف فنون واقسام المعارف الاسلامية الى جعل درسه وحوزته من ابرز الحوزات الدراسية في النجف الاشرف كما وكيفا وبعد مدة قصيرة ورغم ما بذله الرجعيون من جهود مثبطة محبطة . فقد حضر درسه الطلبة الايرانيون ، الباكستانيون ، العراقيون ، الافغا ن ، الهنود والخليجيون وغيرهم لينتهلوا من نبع علومه المغداق . وقد رغب انصار الامام ومحبوه ممن كانوا في ايران في الهجرة الجماعية الى النجف الاشرف ، غير ان توصيات الامام الخميني والخاصة بلزوم الثبات وحفظ الحوزات العلمية في ايران منعتهم من تنفيذ رغبتهم ، وان كان العديد من عاشقى الامام الخميني قد انطلقوا نحو النجف الاشرف ليساهموا في تنشيط مجمع الثوريين المعتقدين بنهج الامام . والذين حملوا على عواتقهم فيما بعد مسؤولية التبليغ برسالة الامام في سنوات الثورة فيما بعد . ومنذ وصوله الى النجف الاشرف لم يقطع الامام الخميني ارتباطه بالمجاهدين في داخل ايران ، فقد اتخذ من المبعوثين والرسائل وسيلة لحفظ ارتباطه ذاك . وقد حرص على تضمين رسائله ، التوصيات القيمة حول ضرورة الثبات على مواصلة النهضة لتحقيق اهداف انتفاضة الخامس من حزيران . والعجيب ان الكثير من الرسائل التي كان الامام الخميني يرسلها كانت تتضمن الاشارة الى قرب وقوع انفجار عظيم على المستوى السياسي والاجتماعي في ايران ، ومطالبة المجتمع العلمائي الايراني باعداد العدة لتحمل مسؤولياته في هداية المجتمع في المستقبل ، في وقت كانت ظواهر الامور تشير الى انعدام الامل بتغير الظروف السياسية والاجتماعية ، وفي حال كان النظام الملكي يبدو فيها اكثر اقتدارا نتيجة قضائه على جميع جيوب المعارضة الشعبية . وبنفي الامام الخميني وممارسة القمع والاضطهاد الشديدين بحق المعارضة ، ابتدأ اسوأ فصول حكومة الملك البوليسية . فقد تحول ( السافاك ) الى وسيلة لممارسة القدرة الملكية المطلقة ، حيث بلغ الامر حدا جعل توظيف اصغر موظف في ابعد نقطة من البلاد مرتبطا بموافقة جهاز السافاك . ولم يبق في هذا العهد من السلطات الثلاث الا اسماءها ، فقد كان الملك وعدد من حواشي البلاط وازلامه من الرجال والنساء هم المسؤولون عن كل نشاطات البلاد . وان كانت اعترافات الملك - التي سطرها في اخر كتاب اصدره واللقاءات التي اجريت معه - وما كتبه اقرباؤه والمنسوبون اليه من موظفي وحواشي البلاط ومن امراء الجيش واقطاب النظام الاخرين والتي نشرت بعد سقوط النظام الملكي في ايران ، وكذا الوثائق التي تمت مصادرتها من السفارة الامريكية في ايران ، تشير كلها - وبما لايقبل الشك - الى ان الملك والبلاط ايضا لم يكونا سوى الات مسلوبة الارادة لا غير ، فقيادة الامور وما كان يصدر عن البلاط والنظام الملكي ، حتى تعيين الوزراء وقادة الجيش وتنظيم اللوائح المهمة كهان يتم بواسطة السفارة الامريكية - والانجليزية احيانا - ونكتفي هنا بالاشارة الى مقطعين مما كتبه الملك للتدليل على ذلك ، كتب محمد رضا يقول : “...ان سفراء انجلترا وامريكا كانا يؤكدان لنا في كل لقاء بانهم يدعموننا ، وخلال خريف وشتاء 1978 - 1979 م ، شجعونا كثيرا على ايجاد جو سياسي مفتوح . . . غالبا ما كنت استقبل السياسيين او المبعوثين الامريكان ، وكانو يشجعونني على الثبات على موقفي ، ولكن عندما سالت السفير الامريكي عن ذلك ، اجابني بانه لم يتلق حتى الان امرا بذلك . . . وقبل ذلك بعدة اسابيع ، وعندما استقبلت مسؤول المخابرات الامريكية الجديد في طهران ، اصابتني الحيرة من تصريحاته ، تحدثنا قليلا عن الجو السياسي المفتوح واذا بي انظر ابتسامة عريضة ترتسم على محياه . . . على اية حال ، فان اولئك الذين كانوا لسنوات طويلة اصدقاءنا الاوفياء ، كانوا يخفون لنا من الغرائب الكثير مما فاجئونا به بعد ذلك “(58) والملفت ان الملك سعى من خلال هذا الكتاب الى الايحاء بان هذه العوامل والاسباب المفاجئة الخارجية ، هي التي ادت الى سقوط نظامه ، حتى انه صرح بان الجنرال ربيعي - قائد القوة الجوية - قال للقضاة قبل اعدامه : “ ان الجنرال هايزر ، القى بالملك خارج البلاد كما يلقي بفأرة ميتة ! “(59) والحال ان حديثه هذا يعتبر بحد ذاته تحريفا للتاريخ ، فطبقا للوثائق والمستندات التي لا تحصى - واهمها واوضحها اعترافات الجنرال هايزر نفسه في كتابه ( 60) - فان من المؤكد ان الجنرال هايزركان قد وفد الى طهران من اجل الحفاظ على النظام الملكي الذي كان يتهاوى تلك الايام ، وكان بصدد تنظيم انقلاب عسكري للسيطرة على الاوضاع في تلك الفترة الحرجة . ( هامش ) 58 - جواب للتاريخ ( فارسي ) ص 362 59 - جواب للتاريخ ( فارسي ) ص 367 60 - مامورية في طهران ( فارسي ) ( مذكرات الجنوال هايزر ) ( * ) .
وعلى فرض قبول ادعانه ، فان الملك وخلافا للاسم الذي اختاره لكتابه ، لم يعط اي جواب للتاريخ ، والا فهل يمكن مع كل تلك الادعاءات التي كان يدعيها - من امثال : ( لينم كورش رغدا ، فنحن يقظون ! !) وغيرها مما اطلقه طوال 37 عاما من حكومته - ان يتعامل مع استقلال بلاده بتلك الطريقة ، بحيت يتمكن جنرال امريكي من الطراز الكذائي ومن خلال اقامته في طهران لعدة ايام من القائه كالفأرة الميتة خارج البلاد !! ؟ ؟ . على اية حال ، فبعد ضرب انتفاضة الخامس من حزيران ، ونفي الامام من البلاد ، لم ير الملك حينها اي مانع امامه يحول بينه وبين تحقيق مقاصده . فقد وصلت البلاد الى وضع أصبحت فيه بعض نساء البلاط يمارسن دورهن في عزل وتنصيب الوزراء والنواب والقضاة ولقبت فيه ( اشرف بهلوي ) اخت الملك بلقب (الكل بالكل ) في حين ان فضائحها الاخلاقية ومسارها الاخلاقي المنحرف وتراسها لعدة عصابات تمارس تهريب المواد المخدرة كانت تملا الصحف والمجلات الاجنبية ، واختيار احد :البهائيين ( امير عباس هويدا ) الذي كان يردد مقولته المشهورة دوما : “ روحي فداء لجلالة الملك “ وبقائه على مسند صدارة الوزراة الشكلية لم يعن سوى انعدام استقلال السلطات الحاكمة ، وانعدام اي اثر وعلى اوطأ المستويات لحاكمية الجماهير في السلطة . كان الملك يسعى بقوة نحو التمدن العظيم الذي كان يتخيله ، فقد اسس للتمدن المستند على تروبج الثقافة الغربية ، وشيوع التحلل والتفسخ الاخلاقي ، والاغارة على الثروات الوطنية والقومية عبر المئات من الشركات الامريكية والاوروبية في ايران ، وتخريب البنية التحتية للزراعة الايرانية المستقلة نسبيا ، وترحيل القوى المنتجة الايرانية الى اطراف المدن وتحويلها الى قوى معطلة ومستهلكة ، وتوسيع الصناعات التجميعية المرتبطة وغير الضرورية ، وتجهيز ونصب محطات الانذار المبكر ومحطات التنصت والجاسوسية والقواعد العسكرية الامريكية في ايران وفي منطقة الخليج الفارسي ، من جيب الشعب الايراني . وخلال الفترة من عام 0 97 1 الى 977 1 انفق مبلغ 4،26 مليار دولار من عائدات النفط على الواردات التسليحية الايرانية من امريكا ، وخلال عام 1980 كان الملك قد ابرم اتفاقا لاستيراد ما قيمته 12 مليار دولار من الاسلحة الامريكية( 61) الامر الذي اريد من خلاله - وبناء على سياسة البيت الابيض - الحفاظ على المصالح الامريكية في منطقة الخليج الحساسة ، وهي مهمة انيطت ايضا بالمستشارين الامريكان الذين بلغ عددهم انذاك ( 60 الف مستشار ). كان النظام الملكي وفي اوج ثباته ودون ان يعاني من اية مشكلة خارجية يبيع يوميا 6 ملايين برميل من النفط الذي تجاوزت قيمته الثلاثين دولارا للبرميل الواحد ، وذلك لاسباب متعددة منها الحرب العربية الاسرائيلية والمساعي الغربية لتخزين كميات اكبر من النفط لاجل مواجهة الموقف المحتمل في تدفق النفط الاسلامي نحو الغرب واحتمال تعاضد الدول الاسلامية المنتجة للنفط بوجه الغرب ، وفي الوقت الذي لم يتجاوز عدد نفوس ايران الثلاثة وثلاثون مليونا ، في حين انك ترى انذاك بان العديد من الطرق الرئيسية غير معبدة ، والقسم الاعظم من ابناء الشعب محرومين من نعمة الطاقة الكهربائية ، بل من ابسط الحاجات الاساسية والمستوى الصحي .
( هامش ) 61 - " نفوذ امريكا في ايران “ - الفصل المرتبط بشراء الاسلحة ، نقلا عن الاحصائيات الرسمية ( * ).
في ذلك الوقت وبينما كانت مناطق واسعة من البلاد تعاني من ظروف كالتي ذكرنا . كان عشرات الرؤوساء والقادة والوزراء من البلدان الاخرى يجتمعون في العاصمة طهران لمشاهدة الاحتفالات بمرور الفين وخمسمائة عام على بداية الامبراطورية الفارسية ليسعدوا برؤية تلك الاحتفالات الاسطورية ، ولما كان المئات من العمال والعشرات العاطلين المشردين يعيشون في الاقبية والاكواخ المعدة من الصفيح في جنوب وشرق وغرب طهران وفي وسطها في حالة يرثى لها من الفقر والتردي الصحي ولما كان هذا الامر من السعة والانتشار في طهران الى درجة كبيرة ، فقد اجبر النظام اثناء تلك الاحتفالات على القيام باحاطة هذه الاحياء - خصوصا الواقعة منها على جانبي الطرق الي تمر منها الوفود الاجنبية - باسوار جميلة ومطلية حتى لا تظهر اثار التمدن العظيم للعيان !! وفي تلك الايام كانت العديد من المحلات السكنية في جنوب وغرب طهران تفتقد الى الماء الصالح للشرب ، وكان قد وضع لكل مائة عائلة ماسورة ماء واحدة ليشمربوا منها . وكان معدل الامية في عام 1976 ما يعادل 52.9 % بين من تتراوح اعمارهم بين السابعة وما فوق (62) . وحينما فرالملك من ايران في عام 1978 م كان قد مضى على ثورته البيضاء والاصلاحات المدعومة من قبل امريكا خمسة عشر عاما ، وخلال تلك المدة - ورغم انتاج وبيع النفط وسائر الثروات الوطنية بشكل مسرف - ورغم دعم الدول الاجنبية للنظام ، فان ايران لم تفشل في تحقيق استقلالها وحسب ، وانما كان الارتباط الاقتصادي والزراعي والصناعي بالخارج يزداد يوما بعد اخر وبازائه كان التدهور الاقتصادي والفقر وضياع العدالة يزداد باضطراد . اما من الناحية السياسية فقد حول الملك ايران الى اكثر بلدان العالم عمالة للغرب وخصوصا امريكا . وعلى رغم الظروف الصعبة والمعقدة التي كان الامام الخميني يمربها منذ نفيه ، فانه لم يكف عن الجهاد والوقوف بوجه النظام الملكي . فكان يبعث - ومن خلال خطاباته وبياناته - الامل بالنصر المؤزر في النفوس .
( هامش ) 62 - “ اقتصاد ايران “ مؤسسة الدراسات والتحقيقات التجارية ص 59 ( * ) .
فقد كتب في 16 نيسان 1967 في خطاب وجهه الى الحوزات العلمية في ايران يقول : “ انني اطمئنكم ايها السادة المحترمون واطمئن الشعب الايراني بان النظام سيواجه الهزيمة ، فان اسلاف هذا النظام قد تلقوا الضربة المناسبة من الإسلام ، وهولاء ايضا سينالون نصيبهم . استقيموا ولا تستسلموا في مواجهة الظلم . . . وهؤلاء سيرحلون وانتم الباقون . . . ان هذه السيوف الصدئة سوف تعود الى اغمادها . . . “(63)
( هامش ) 63 - دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني ج 2 ص 214 ( * ) .
وفي ذلك اليوم ايضا كتب الامام رسالة مفتوحة الى رئيس الوزراء ( امير عباس هويدا ) استعرض فيها ممارسات النظام المجرمة وحذره من الوقوف الى جانب اسرائيل في مقابل الدول الاسلامية فقال : “ لاتعقدوا عهد الاخوة مع اسرائيل عدوة الاسلام والمسلمين ، والتي شردت اكثر من مليون مسلم ، لا تمسوا عواطف المسلمين ، لا تطلقوا يد اسرائيل وعملائها الخونة في اسواق المسلمين اكثر من هذا ، لا تعرضوا اقتصاد البلاد للخطر لاجل اسرائيل وعملائها ، لا تجعلوا من ثقافتنا فداء للاهواء . . . فلتخشوا غضب الجبار ، ولتحذروا غضب الشعب . . . ان ربك لبالمرصاد ( 64) " (65) غير ان الملك لم يكترث لتحذيرات الامام الخميني ، ورغم كون البلدان الاسلامية في حالة حرب مع اسرائيل ، كانت البضائع والسلع الاسرائيلية رائجة في السوق الايرانية وتتمتع بدعم خاص من النظام ، فكانت انواع الفواكه والمواد الغذائية تعرض في الاسواق الايرانية باسعار متدنية نافست المنتجات الداخلية وعرضتها للبوار وفي ( 7 حزيران 1967 م ) اصدر الامام فتواه بتحريم اي نوع من الارتباط التجاري والسياسي من قبل الدول الاسلامية مع اسرائيل ، وحرم شراء البضائع الاسرائيلية ، وذلك بمناسبة حرب الايام الستة بين العرب واسرائيل (66) الامر الذي انزل ضربة قوية في العلاقات المتنامية بين النظام الملكي واسرائيل . ( هامش ) 64 - الاية 14 من سورة الفجر . 65 - صحيفة النور ج 1 ص132 . 66 - دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني ج 2 ص232 ( * ) .
كذلك فان العلماء وطلبة العلوا الدينية في ايران قاموا بتوزيع بيان جعل النظام يتعرض لضغط شديد . مما دفعه بالنتيجة الى الانتقام ، وذلك بالهجوم على منزل الامام الخميني في قم ومصادرة الكثير من الوثائق والكتب الخاصة به ، ثم الهجوم على المدارس الاسلامية في قم وجمع اثار وصور الامام الخميني . وقد تم خلال هذه الهجمات القاء القبض على نجل الامام الخميني حجة الاسلام السيد احمد الخميني ، وكذا حجة الإسلام الحاج الشيخ حسن الصانعي ، والمرحوم اية الله الاسلامي ( ممثل الاستفتاءات الشرعية للامام ) . فقد ادت جهودهم مع سائر انصار الامام الخميني الثوريين الى افشال مخططات وممارسات السافاك والنظام الملكي التي هدفت الى قطع المرتبات الشهرية الموزعة من قبل الامام ، والحؤول دون ارسال الحقوق الشرعية من قبل الجماهير الى مرجعهم . وكان السيد احمد ( نجل الامام) قد تعرض قبل مدة من ذلك للاعتقال اثناء عودته من النجف وذلك عند الحدود العراقية الايرانية بعد ان كان قد سافر من قم الى النجف لاستلام رسائل واوامر الامام الخميني حول مواصلة النهضة وكيفية ادارة منزله في قم . وقد سيق بعد اعتقاله الى سجن ( قزل قلعة ) وذلك اوائل عام 1967 م . واستنادا الى الوثائق التاريخية التي تم الحصول عليها من مؤسسات السافاك ، فان جهود منظمة الامن قد تركزت في تلك الفترة على قطع الارتباط بين الامام ومقلديه في ايران والحيلولة دون قيام الامام بدفع المرتبات الشهرية الى طلبته في الحوزة العلمية في قم . وقد تظافرت وتواصلت في غضون ذلك جهود وكلاء الامام الشرعيين في ايران من امثال ذوي السماحة : الاسلامي التربتي ، والحاج الشيخ محمد صادق الطهراني ( الكرباسجي ) واية الله البسنديدة ( شقيق الامام الخميني الاكبر ) رغم التهديدات التي عرضهم النظام لها ، ورغم تكرار اعتقالهم وابعادهم . وكذلك فقد بذل المسؤولون عن ادارة منزل الامام في قم والذي اصبح مقرا لادارة النهضة - وكان يدار من قبل نجل الامام الخميني - الجهود التي ساهمت في منع النظام من تحقيق اهدافه . وقد اتسمت تصريحات المسؤولين في جهاز الامن ( السافاك ) بالحساسية تجاه النشاطات الهادفة الى احياء اسم الامام الخميني وذكره وتنشيط دور منزله في قم ، الى درجة دفعتهم الى وضع منزله تحت المراقبة المتواصلة عبر مجموعة من عناصره وبعض عناصر الشرطة التي كانت تراقب المنزل طوال ساعات النهار وقسما من ساعات الليل ، وتحول دون تردد المراجعين والمقلدين على المنزل . غير ان المراجعين والمقلدين كانوا يفدون على منزل الامام في ساعات متاخرة من الليل وذلك بعد ذهاب المأمورين ، للحصول على الاجوبة والتوجيهات اللازمة . في تلك الايام ( حزيران 1967 م ) ايضا فشل مشروع النظام في اعادة نفي الامام الخميني مجددا من النجف الى الهند ، وذلك نتيجة قيام العديد من مؤيدي الامام والتيارات السياسية بمواجهة ذلك وفضحه داخل البلاد و خارجها . وبمجى حزب البعث ( 17 تموز 1968 م ) الى السلطة في العراق تضاعفت الضغوط والمشاكل امام نهضة الامام الخميني ، وذلك للطبيعة العدائية التي يكنها حزب البعث للحركات الاسلامية . غير ان الامام لم يكف ايضا عن مواصلة النهضة . فقد مهدت اقامته في النجف ، ونهضة العالم الاسلامي في قضية الحرب بين العرب واسرائيل ، الفرصة امام الامام لتوسيع نطاق جهاده المتمثل في احياء الاعتقاد الديني في عصر مظلومية الدين ، والعثور على الهوية ، واستعادة الامجاد السابقة وتحقيق وحدة الامة الاسلامية وعدم تحديده في مواجهة الملك الايراني . وقد اوضح الامام الخميني في لقائه مع ممثل حركة فتح الفلسطينية في ( 11 تشرين الاول 1968 م ) اراءه حول مختلف المسائل التي تهم العالم الاسلامي وحول جهاد الشعب الفلسطيني ، واكد في ذلك اللقاء على وجوب تخصيص جزء من الزكوات للمجاهدين الفلسطينيين (67). في اوائل عام 1969 م تزايدت الخلافات بين النظام المللاكي الايراني ونظام حزب البعث الحاكم في العراق حول الحدود المائية المشتركة بين البلدين . وقد بادر النظام العراقي انذاك على ترحيل اعداد كبيرة من الايرانيين المقيمين في العراق وفي اسوا الظروف ، كما سعى حزب البعث العراقي جاهدا لاستغلال العداء بين الامام الخميني والنظام الايراني في تلك الظروف . من جانب اخر فان الملك الايراني كان يتحين الفرصة للحصول على اقل مبرر للنيل من استقلال نهضة الامام الخميني ، لكن الامام وبوعيه وقف امام الدسائس التي كان كلا النظامين يحوكانها . وقد قام اية الله السيد مصطفى الخميني ممثلا عن والده بتسليم مذكرة احتجاج على ترحيل الطلبة والكسبة الايرانيين المقيمين في العراق - والتي تضمنت رفض اي نوع من المصالحة والتنسيق بين الامام الخميني والنظام العراقي - الى الرئيس العراقي احمد حسن البكر وسائر المسؤولين ممن حضروا اللقاء .
( هامش ) 67 - صحيفة النور ج 1 ص 136 ( * ) .
في 21 اب 1969 م قامت مجموعة من الصهاينة المتطرفين باحراق جانب من المسجد الاقصى . وعلى الفور تطوع الملك في ايران بقبول اقتراح تعمير المسجد نتيجة للضغط الذي كان يتعرض له من الرأي العام ، فقد انبرى لمساعدة اسرائيل للتخفيف من غضب المسلمين . وعلى الاثر اصدر الامام الخميني بيانا فضح فيه مكائد الملك واقترح في المقابل : “ ما دامت فلسطين محتلة ، فعلى المسلمين ان لا يقوموا باعادة بناء المسجد الاقصى وترميمه ، فليتركوا هذه الجريمة التي ارتكبتها الصهيونية ماثلة امام انظار المسلمين لتكون سببا لدفعهم نحو تحرير فلسطين “(68) ( هامش ) 68 - دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني ج 2 ص 458 نقلا عن صحيفة الجمهورية الصادرة في بغداد العدد 588 بتاريخ 23/10/1969 .
لقد استطاعت اربعة اعوام من التدريس ومساعي التوعية التي مارسها الامام الخميني تغيير وضع الحوزة الى حد ما ، ففي عام 1969 م اصبح لدى الامام مخاطبين جدد من العراقيين واللبنانيين ومن سائر بلاد المسلمين ممن اتخذوا من نهضة الامام الخميني اسوة لهم ، علاوة على الاعداد الكبيرة من المجاهدين داخل البلاد . وفي مطلع عام 1970 م شرع الامام بتدريس سلسلة مباحث حول الحكومة الاسلامية او ( ولاية الفقيه ) وقد ادى نشر هذه المجموعة من الدروس في كتاب تحت عنوان ( ولاية الفقيه او الحكومة الاسلامية ) - في ا يران والعراق ولبنان وفي موسم الحج - الى تفجير موجة جديدة من الحماس في صفوف المجاهدين . لقد عرض هذا الكتاب - وعلى لسان قائد الثورة - ابعاد الجهاد واهداف النهضة والمباني الفقهية والاصولية والعقلية للحكومة الاسلامية والمباحث النظرية المربوطة باساليب الحكومة الاسلامية . في نيسان 1970 م نشرت الصحف الامريكية خبر وصول هيئة رفيعة المستوى من الراسماليين الامريكان برئاسة روكفلر الى ايران . وقد وصل هذا الوفد لتحري الطريقة التي يتثم من خلالها اعادة عائدات النفط الايراني الى امريكا ، فتلك العائدات كانت قد بدات منذ ذلك العام بالتزايد بشكل جنوني ، لذا صار لازما معرفة اسلوب مشاركة الشركات الامريكية في تلك السفرة العامرة ! . ورغم ان السافاك منع - ومنذ عدة اشهر - العديد من العلماء من ارتقاء المنبر، الا ان علماء الدين الملتزمين ممن اطلعوا على اراء الامام في مسألة الحكومة الاسلامية - دفعهم الحماس الى فضح المخططات الملكية ومعارضة تزايد النفوذ الامريكي في ايران . وكان اية الله السعيدي من اشد مؤيدي الامام معارضة لما كان يجري ، مما عرضه الى الاعتقال في نفس شهر نيسان 1970 م ولم تمض عليه اكثر من عشرة ايام حتى فارق الحياة نتيجة شدة التعذيب الذي مورس معه في دهاليز السافاك في سجن قزل قلعة . وعلى اثر شهادته اصدر الامام الخميني بيانا تأبينيا خلد فيه جهاد هذا الرجل مؤكدا من خلاله : “ ان المرحوم السعيدي ليس وحده الذي سقط في سجنه معارضا لهذا الوضع المؤسف “ وقد جاء في هذا البيان ايضا : “ ان الخبراء واصحاب رؤوس الاموال الامريكان هجموا على ايران باسم - اكبر توظيف لرؤوس الاموال الاجنبية في البلاد - وذلك لتكريس اسر الشعب الايراني المظلوم . . . ان اي اتفاق يبرم مع اصحاب رؤوس الاموال الامريكان وسائر المستعمرين يخالف ارادة الشعب واحكام الاسلام “( 69) ( هامش ) 69 - صحيفة النور ج 1 ص 154 ( * ) .
- الاحزاب والتيارات السياسية ( منذ قيام 15 خرداد حتى انتصار الثورة الاسلامية ) ان اهم حركة سياسية كان لها حضور جدي في ميدان الجهاد الشعبي بعد انتفاضة الخامس من حزيران وساهمت بفعالية في حركة الثورة حتى انتصارها ، والتي كانت المقدامة في متابعة تنفيذ اهداف النهضة ، هي الحركة غير الحزبية وغيرالمسيرة والتي مثلها علماء الدين المعتقدين بنهج الامام الخميني الذين كانوا يوجهون الحركة الجهادية باساليب واشكال مختلفة - كان الامام الخميني يحدد اطرها في كل مقطع من مقاطع الجهاد - معتمدين في ذلك على مواقعهم الدينية المتميزة بين الجماهير ، والعلاقات المباشرة التي كانت لهم مع مختلف شرائح وطبقات الناس في المدن والقرى . وقد كان المنع من ارتقاء المنبر الخطابي ، والنفي الى المناطق النائية والاعتقال المتكرر وما يرافق ذلك من التعذيب الوحشي والذي قد يؤدي الى الشهادة في سجون النظام الملكي ، امورا كان علماء الدين الايرانيون الملتزمون قد اعدوا انفسهم لمواجهتهها بعيد انتفاضة الخامس من حزيران ودون ان تؤدي الى تراجعهم او منعهم من السعي في تحقيق اهدافهم . من جانب اخر ، وبعد انتفاضة الخامس من حزيران 1963 قامت مجموعة من الهيئات الدينية في طهران ( تتكون في الاساس من الكسبة وجمع من الشخصيات العلمانية والمؤمنة بقيادة ومرجعية الامام الخميني ) بتشكيل جمعية باسم ( الهيئات الاسلامية المؤتلفة ) عمل الجناح العسكري لها بطريقة ( فدائيي الاسلام ) . كان من اهم الاعمال التي قامت بها هذه الجمعية ، اغتيال رئيس الوزراء ( حسن علي منصور) الذي قبل تحمل عارالمصادقة على لائحة الحصانة اثناء فترة حكومته ، وقد اقدم النظام الملكي على اعتقال عدة عناصر مؤثرة من هذه الجمعية عقب نجاح تلك العملية . فقام باعدام البعض والحكم على الاخرين بالسجن لمدد طويلة . كان لاعضاء ومؤيدي هذه الجمعية دور اساسي ومؤثر طوال مدة الجهاد ، فقد اشرفوا على عملية طباعة وتوزيع بيانات الامام الخميني وتنسيق احتجاجات الكسبة والمهنيين ،كما كان لهم السهم الوافر في تنظيم المظاهرات والاضرابات في الاشهر الاخيرة من عمر النظام الملكي . كذلك فقد اسس (حزب الشعوب الاسلامية ) - من بعض العناصر العلمانية والجامعية ومن سائر فئات الشعب بعد انتفاضة الخامس من حزيران هادفا مواجهة النظام عسكريا ، وقد عكف هذا الحزب فور تأسيسه على تسليح وتدريب عناصره ، غير ان قياداته انكشفت بعد مدة من تأسيس الحزب نتيجة تحري وملاحقة السافاك ، فبادر - على اثر ذلك - بعض قادة واعضاء الحركة الى الفرار واللجوء الى الجبال الواقعة في شمال مدينة طهران ، لكن محاصرة قوات الشرطة لهم وبشكل منظم اوقعتهم في الاسر فسيقوا الى السجون ومن بين الجمعيات والاحزاب السياسية التي يمتد تاريخ تأسيسها الى ما قبل انتفاضة حزيران 1963 م يمكن الاشارة الى ( حزب تودة ) و ( الجبهة الوطنية ) و ( نهضة حرية ايران ) اما ( حزب تودة الشيوعي ) فكان متهما من قبل الجماهير بالخيانة ، ومن الناحية العملية فان الحزب كان قد صالح النظام منذ مدة طويلة سبقت انتفاضة الخامس من حزيران ونقل تشكيلاته الحزبية الى خارج البلاد ، وكان يعيش حالة دائمة من الاختلافات الداخلية ، علاوة على ان العديد من قادته سقطوا بعد اعتقالهم وتوجهوا للتعاون مع النظام والى حد قبول بعض المناصب السياسية والادارية في النظام الملكي . كانت السياسات التي انتهجها حزب تودة تابعة بشكل مباشر للمواقف السياسية التي تصدر عن موسكو ، وقد تركزت سياسة الكرملين خلال الخمس وعشرون عاما الاخيرة من العهد الملكي على حفظ العلاقات مع النظام وعدم التفريط بالمنافع الاقتصادية السوفيتية في ايران ، عليه فان نشاطات حزب تودة خلال تلك الفترة انحصرت في اصدار البيانات السياسية وتشغيل اذاعة من الخارج لم تمثل في الحقيقة سوى اداة بيد موسكو للضغط على النظام لتحقيق اهدافها كذلك فان ( الجبهة الوطنية ) وعلى رغم الموقع الذي تسلمته في نهضة تاميم صناعة النفط الا انها بعد انقلاب 19 اب تعرضت للانزواء والانشقاقات والاختلافات الداخلية ، وقد انحصرت النشاطات الاعلامية المتفرقة لانصار الجبهة عموما في الاوساط الطلابية والاتحادات التي كانوا يشكلونها خارج البلاد . وقد التزم انصار الجبهة من الاسلاميين والجامعيين - رغم مواقف قادتهم - جانب التاييد والدعم لنهضة الامام الخميني حركة ( نهضة حرية ايران ) التي كانت تتمتع بدعم المجاهد اية الله الطالقاني ، بادرت بعد انتفاضة حزيران الى دعم نهضة الامام الخميني ، وكانت هذه الحركة تتمتع بدعم محدود من قبل بعض المتدينين في الجامعة وبعض الجامعيين الدارسين خارج البلاد ، كما انها كانت تفتقد التشكيلات السياسية القادرة على توظيف الحركة الجهادية . منظمة ( مجاهدو خلق ) تاسست ما بين عامي 1965- 1966 م بهدف القيام المسلح بوجه النظام الملكي ، ونتيجة لسطحية معرفة قادة هذه المنظمة بالاسلام ، فان المنظمة وقعت في الالتقاطية ، ورغم انها قدمت تنظيمها على انه تنظيم اسلامي ، الا انها كانت تتعاطى في الخفاء بعض المطالب الماركسية في علم الاقتصاد ، وفي اساليب المواجهة . ورغم عدا انكشاف الانحرافات العقائدية لدى هذه المنظمة في تلك الظروف ، الا ان الامام الخميني امتنع عن دعمها وتأييدها ، حتى حينما ذهب ممثل الحركة للقاء الامام في النجف الاشرف طالبا اياه بدعم الحركة ، امتنع سماحته موضحا الانحرافات الفكرية التي وقعت فيها الحركة.
منظمة ( فدائيو الشعب ) ايضا كانت تمثل تشكيلا اخر تكون من ائتلاف مجموعتين ماركسيتين صغيرتين( 70) في عام 1971 م معلنة عن وجودها ومتخذة من الجهاد المسلح اسلوبا عمليا . وقد كان تشكيل هذه المنظمة اساسا نتيجة الاحساس بالحقارة الذي اصاب الشيوعيين الايرانيين نتيجة وضع حزب تودة والخيانات التي ارتكبها من جهة ، وتفوقا وتضحيات العلماء والعناصر الاسلامية في انتفاضة الخامس من حزيران من جهة اخرى . وقد حرصت كلا المنظمتين في السنوات الاولى من تشكيلها على كسب وتدريب بعض العناصر(71) ثم انها بادرت بعد ذلك للقيام بعدة عمليات مسلحة محدودة ومتفرقة تم على اثرها - ونتيجة تحقيقات السافاك - كشف قيادات المنظمتين واعتقالهم مما ادى الى تفكك المنظمتين ، فقد اعدم بعض قادة الحركتين مما دفع البقية الى تقديم تعهدات للنظام بالكف عن نشاطاتهم الحزبية والذوبان في هيكل النظام . ورغم ان السافاك قصد - من خلال المقابلات التلفزيونية التافهة التي اعدها مع بعض عناصر الحركتين - تشويه صورة المجاهدين الحقيقين في اذهان الناس ، إلا ان تلك المقابلات التلفزيونية والاعترافات المذهلة التي اقر بها اولئك كشفت النقاب عن الانحرافات الاخلاقية والعقائدية والتصفيات الدموية التي كانت تعيشها تلك المجاميع . ومما تجدر الاشارة اليه ان بعض المعتقلين من عناصر هاتين الحركتين تحملت على عاتقها مسؤولية التجسس على المعتقلين السياسين المؤمنين بخط الامام الخميني لصالح السافاك . ( هامش ) 70 - مجموعة جزني واحمد زادة . 71 - كان عدد اعضاء منظمة مجاهدي خلق في اوائل عام 1970 م (اي بعد 4 سنوات من تشكيل المنطمة بشكل رسمي ) فقط خمسون عضوا . راجع “ دراسة في منظمة مجاهدي خلق ايران - ص 36 ( * ) .
على اية حال ، فعلاوة على ( الهيئات الاسلامية المؤتلفة ) و ( حزب الشعوب الاسلامية ) كانت هناك مجاميع اسلامية مجاهدة اخرى مارست دورها في الدفاع عن نهضة الامام الخميني باتخاذ اسلوب الجهاد المسلح ، ويمكن على سبيل المثال ذكر المجاميع السبعة (72) التي انصهرت فيما بعد في تشكيل واحد ، وكذلك مجموعة الروحاني المجاهد الشهيد على اندرزكو(73) .
( هامش ) 72 - المجموعات السبعة هي : امت واحدة ، توحيدي بدر ، توحيدي صفَ الفلاح ، الفلق ، المنصورون ، الموحدون راجع تاريخ المجموعات التي شكلت منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية .
73 - المجاهد الشهيد السيد علي اندرزكو ( المعروف بالشيخ عباس الطهراني ) احد ابرز واشهر واظهر واخلص المجاهدين في الجهاد المسلح الايراني . بدا الشهيد بجهاده منذ تأسيس حركة “ فدائيو الاسلام “ وكان على معرفة وثيقة بالمرحوم نواب الصفوي زعيم الحركة . انضم رسميا الى ( هيئة الجمعيات المؤتلفة الاسلامية ) والتي اعلنت عن موجوديتها باغتيالها ( حسن علي منصور ) رئيس الوزراء الذي تم في عهده الاعلان عن لائحة الحصانة القضائية المذلة . كان الشهيد اندرزكو من مخططي ومباشري عملية الاعدام الثوري بحق حسن علي منصور وقد بادر الى الاختفاء بعد تنفيذ العملية فحكم عليه بالاعدام غيابيا . وتحول اختفائه الى بداية لمرحلة استمرت 13 سنة من الجهاد السري ضد حكومة محمد رضاخان البوليسية . كانت حياة الشهيد اندرزكو وعمليات فراره المتواصلة تشيد - على حد قول اصحابه - قصة اسطورية ، ففي السنوات التي جند السافاك واجهزة الامن والشرطة اقصى طاقاتهم لالقاء القبض عليه وملاحقة شخص مخرب مسلح فار يسمى علي اندرزكو (المعروف بالشيخ الطهراني ) في كل زقاق ومدينة من مدن ايران . كان الشهيد يتحرك بمنتهى الاطمئنان - الامر الضروري لكل مؤمن - وبشجاعة وحزم قل نظيرهما فيؤدي مهماته بدقة وبخدع قوى الامن وينجو دوما من الشباك التي ينصبونها له . فكان فراره لغزا حتى الصديق والعدو. . وفي كل مرة كانت قوى الامن تتمكن من العثور على خيط يوصلها اليه ،كان الشهيد يتمكن من الفرار من مكانه قبل وصول قوات السافاك اليه ، مصطحبا عائلته في اغلب الاحيان . لذا يمكن اعتباره بحق من اقدم واحذق واطول المجاهدين تجربة ، ومن اشدهم اخلاصا في تاريخ المواجهة المسلحة المعاصرة في ايران . وفي السنوات الاخيرة من عمر مواجهته المسلحة كان يلقب بـ كارلوس ايران ، فقد عرف انه يحمل 23 بطاقة هوية مختلفة بالاضافة الى عدد من الجوازات التي جعلت عملية عبور الحدود بالنسبة له اسهل من شربة الماء كما ينقل العدو والصديق . ويمكن اعتبار الشهيد ارشيفا متحركا من النشاطات الاسلامية للمجاميع الجهادية المـلحة بدءً بنشاط الهيئات المؤتلفة الاسلامية (اغتيال منصور ) وحتى اخر الساعات التي سقط فيها شهيدا ، والى درجة يصعب معها استثناء احدى الحركات او المنظمات المسلحة الاسلامية من نشاطات الشهيد اندرزكو او مساعداته لها . لقد عجز السافاك عن اعتقاله او القاء القبض عليه حتى انه خصص جائزة لمن يساعد في القاء القبض عليه حياً أو ميتاً ، فناهيك عن اهميته كعنصرمواجهة مسلح ، فإن الشهيد كان يعد مصدرا قيما للمعلومات . لكنه كان يطمئن اصحابه بثقة قائلا : “ اطمئنوا ، فاني لن اقع بايدي الاعداء حيا ابدا وانهم اذا تمكنوا من ذلك فاسكون حينها جنازة لا اكثر “ وهكذا كان ، فقد سقط شهيدا في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1977 م فتخضب بدمه ولقي ربه صائما ، ليضاف ا لى قائمة شهداء الثورة الاسلامية ( * ).
في السنوات التي تلت انتفاضة حزيران 1963 م كان لمجموعة تحمل اسم “ جمعية الحجتية“ نشاط واضح ، ورغم ان تاريخ تشكيل هذه المجموعة يعود الى سنوات طويلة سابقة. وان محور سعيها يدور حول المواجهة الفكرية للحركة البهائية في ايران ، ورغم ما يبدو من التناقض بين اهداف هذه المجموعة واغراض النظام ومقامده باعتباره حامي البهائية ، الا ان الواقع العملي لم يكن كذلك ، ذلك لان ( اتحاد الحجتية ) وقادته كانوا يشترطون للانتماء الى الحركة ، عدم التدخل في السياسة ، الامر الذي هيأ للنظام ظروفا مناسبة يستطيع من خلالها صد مجاميع كثيرة من الطاقات الدينية الفعالة عن مواجهة العلة والعامل الاساسي للفساد في ايران ( السلطة الملكية العميلة ) واشغالها بمواجهة المعلول وبشكل غير مؤثر ايضا وهكذا كان الامر ، فقد مارست مجاميع الحجتية نشاطاتها السرية دون ادنى مضايقة من السافاك ، بل انها - في بعض المواطن - كانت توسع من نشاطاتها بدعم من السافاك ( 74)
( هامش ) 74 - ن . ك “ دارسة حول حزب قاعدي الزمان “ طبع دار العلوم الاسلامية - قم ( * ) .
وبعد قيام الامام الخميني بفضح حقيقة عقائد هذه الجمعية ، انفصل العديد من اعضائها والتحقوا بصوفمؤيدي نهضة الامام الخميني خصوصا قبيل انتصار الثورة الاسلامية . لقد كانت جمعية الحجتية تمارس دورها في مواجهة البهائية فكريا في حين ان البهائية في العقود الاخيرة - سواء في ايران ام في سائرانحاء العالم - كانت تعمل كحزب سياسي مرتبط باسراليل ومدعوم من قبل الصهاينة المقيمين في امريكا ومن الطبيعي ان ياخذ المتصدون لمواجهتها هذه الامور في الحسبان . ومنذ عام 1969 م وما بعد ، اصبحت الدروس والخطابات التي كان يلقيها افراد من قبيل : الاستاذ المطهري ، الدكتور المفتح ، الدكتور الباهنر ، المهندس البازركان ، والدكتور علي شريعتي في المراكز الدينية في طهران كمسجد قبا ، مسجد هدايت ، مركز التوحيد ، وحسينية الارشاد ( على الخصوص ) مركزا توجه نحوه العديد من المثقفين المتدينين والمسلمين الجامعيين . فقد كرس الاستاذ المطهري - باعتباره فيلسوفا وفقيها متميزا حضر لسنوات طويلة درس الامام الخميني والعلامة الطباطبائي (ره ) - جل اهتمامه بعد عودته الى طهران لتبيين المباني العقالدية الاسلامية وبلغة معاصرة ، وتوعية الجيل الشاب حول انحرافات المدارس الالحادية والالتقاطية . وقد عد الامام الخميني جميع اثار الشهيد المطهري - بعد شهادته - وبدون استثناء اثارا مفيدة وجلل ذكراه والخدمات القيمة التي قدمها . اما الجاذبية التي تميزت بها اثار الدكتور علي شريعتي انذاك - وناهيك عن قلته واسلوبه الادبي المتميز - انما نشات من كونه مثقفا متعلما ، نظر الى المقولات الدينية والتاريخية والاجتماعية للمجتمع الايراني المسلم بنظرة النقد والتمحيص . وقد ظهرت نتائج هذا الاتجاه من البحوث بين الشبان في تلك الظروف وبشكل جلي . ان الدراسة المنصفة للوثائق ، والرسائل والبحوث التي كانت للدكتور شريعتي مع السافاك والتي تم نشرها اخيرا(75) تدلل على ان السافاك كان ينظر الى حقيقة ان التفاف الشبان حوله يؤدي الى عزوفهم عن التوجه نحو الالتفاف حول الافكار اليسارية والشيوعية ، ويتوهم ان حملاته الشديدة والمستمرة على الروحانية التقليدية الايرانية ستهيا الارضية لبث الفرقة والاختلاف في جبهة العناصر المتدينة . لذا فقد امتنعوا لسنوات طويلة عن التعرض لنشاطاته ثم اضطروا في عام 1973 ها الى اعتقاله واغلاق حسينية الارشاد .
( هامش ) 75 - دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني - المجلد 3 ( * ) .
وتجدر الاشارة الى ان الرسائل والاثار الباقية من الاستاذ المطهري ، تشير الى ان السبب في اعتزال الاستاذ فعاليات ونشاطات حسينية الارشاد ، يكمن في اعتقاده ان الثورة الثقافية والاجتماعية يجب ان تستند الى اصالة الوحي والى الفكر الديني المحض ، لذا فان الاستاذ المطهري كان يعتقد بان تاثير الاتجاهات الحديثة والتفسيرات الثورية للمسائل الدينية والمذهبية - وغير المبنية على الاساس المذكور، والتي لا تاخذ باعتبارها الاساليب التخصصية في فهم استنباط الاحكام الدينية - سيكون مؤقتا سريع الزوال وسيفتح الطريق امام الالتقاط والخلط بين المقولات الدينية والافكار الوضعية وغير المتجانسة ، الامر الذي سيمهد السبيل امام دخول وثبات النظريات الفلسفية والاجتماعية الغربية . بعد انتصار الثورة الاسلامية ، وقفت بعض العناصر من المجاميع المتطرفة في مواجهة العلماء وقيادة الثورة بذريعة الدفاع عن الدكتور الشريعتي . وفي المقابل ايضا فان الكثير من اولئك الذين تعرفوا على الدين والسياسة من خلال اثار الدكتور شريعتي ، وقفوا مع جمع المدافعين عن الثورة الاسلامية ليؤدوا دورهم ، وهو مما لايمكن انكاره مهما كان الحكم على اثار الدكتور شريعتي . واستنادا الى الامور التي ذكرنا فقد قيلت العديد من الاراء حول دور الدكتور شريعتي ، فالبعض عده عاملا في تنفيذ المقاصد الثقافية للنظام الملكي ، كما عده الكثيرون مفكرا اسلاميا ثوريا واشاروا - مستندين الى مذكراته التي كتبها في اواخر حياته - الى انه اقر واوصى ايضا بضرورة تنقيح اثاره وحذف واصلاح بعض استنتاجاته السطحية وتفسيراته المغلوطة . اما الامام الخميني فقد اكد في الكثير من خطاباته وبياناته في ذلك الوقت على ضرورة الدفاع عن المواقف المقدامة للروحانية الشيعية المجاهدة طوال التاريخ ، والدفاع عن العلماء الاعلام ورد على كل الشكوك التي اثيرت حول هذا الموضوع . وقد كرر التحذير - في رسائله التي بعث بها الى الاتحادات الاسلامية للجامعيين الدارسين في الخارج - من الاستنتاجات السطحية وغير المتخصصة عن الاسلام منبها في الوقت ذاته - وضمن تكريمه وتجليله للخدمات التي اسداها المفكرون المثقفون المسلمون - الى خطر المتحجرين والقشريين من علماء الدين ، موكدا ايضا على تجنب طرح المسائل المثيرة للخلاف والمتحور حول الجبهة الفلانية والفلانية الامر الذي يعد مخالفا لمصالح الثورة .
- الامام الخميني ومواصلة الثورة ( 1971 - 1977 م ) في اواخر عام 1971 م تصاعدت وتيرة الخلافات بين نظام البعث العراقي والنظام الملكي الايراني الامر الذي اسفر عن ترحيل الالاف من الايرانيين المقيمين في العراق الى بلدهم . وقد ابرق الامام الخميني ببرقية اعتراضية الى الحكومة العراقية ندد فيها بشدة بعملية التهجير تلك ، واعتراضا منه على ما حصل قرر الامام مغادرة العراق ، غير ان النظام الحاكم في بغداد - ونتيجة معرفته بالنتائج التي تترتب على هجرة الامام - منع من اصدار الموافقة على سفره . من جانب ا خر وتزامنا مع زيادة انتاج النفط وارتفاع اسعاره في سنة 1971 م وما بعد ، احس الملك بقدرة اكبر، فضاعف من وحشيته في قمع واضطهاد المعارضين ، ودخل في سباق مجنون في شراء التجهيزات العسكرية والسلع والبضائع الاستهلاكية الامريكية ، وسرع من ايجاد القواعد العسكرية العديدة للامريكان في داخل البلاد وزاد من مستوى الروابط والعلاقات التجارية والعسكرية مع اسرائيل . وحمل الشعب الايراني نفقات هائلة لاقامة الاحتفالات الاسطورية في ذكرى مرور الفين وخمسماية عام على نشوء الملكية في ايران (76) والتي كان يحضرها العديد من قادة وروساء دول العالم ، وقد جعل الملك من هذه الاحتفالات استعراضا للقدرة والثبات الذي يتمتع بهما النظام الملكي .
( هامش ) 76 - بعد اعتقال الامام الخمينى ونفيه في عام 963 1 م ، بادر معارضو النظام الملكى الايراني الى انتحاء جانب السرية في اعمالهم التنظيمية ، ومنذ عام 1966 م حرص الملك - ولاجل اظهار قوته وسطوته ولاجل الهاء الجماهير - على اقامة الاحتفالات فى مختلف المناسبات ، ومن ابرز واضخم الاحتفالات التى اقامها ، الاحتفال بمرور الفين وخمسماية عام على الامبراطورية الفارسية ، فلاقامة هذا الاحتفال - الذي وصف بانه اضخم استعراض فى العالم - امر الملك باقامة مدينة كاملة في الصحراء بالقرب من اثار ( تخت جمشيد ) وحضر الاحتفال 90 ملكا وخمس ملكات و 21 اميرا وعددا كبيرا من رؤساء الجمهوريات ورؤساء الحكومات ومعاونيهم . وقد تم فى ايام الاحتفال تقديم الاطعمة المعدة في مطاعم ( ماكسيم ) الفرنسية ، على اطباق واواني واباريق من اجود واغلى الانواع المعروفة ، كما اعدت في تلك المدينة الاسطورية الاف القصور السيارة والمخيمات المجهزة بارقى الوسائل والمسلتزمات والاثاث والديكورات . كل ذلك والغالبية العظمى من ابناء الشعب الايراني كانت تفتقر الى ابسط الامكانات الرفاهية كالماء والكهرباء والدواء . فى عددها الرابع الصادر في شهر اب عام 1980 م كتبت مجلة التايم تقول : “ حتى شهرزاد القاصة لا يمكنها وصف الابهة التى اقيمت في احتفالات احياء الذكرى الالفين وخمسماية عام على الامبراطورية الفارسية الايرانية والتي اقيمت الى جانب خراب تخت جعشيد ، حتى وان استخدمت كل العبارات والاوصاف الاسطورية التي ذ كرت عنها في قصص الف ليلة وليلة . وعندها اقام الملك الايراني هذه الاحتفالات قدم نفسه كوارث لاعرق امبراطورية في العالم تمكنت من البقاء لقرون طويلة ، بل انه رغب في الاشارة الى انها ستبقى الى اخر التاريخ ، فمن ذا الذي خطر في ذهنه من الضيوف الموقرين ، او تصور حتى بان هذا التاريخ الامبراطوري الايراني سيختم بشخص محمد رضا ! ! ( * ) .
وقد ندد الامام الخميني - ومن خلال العديد من البيانات - بهذه الاحتفالات المفروضة على الشعب وكشف النقاب عن تخلف البلاد والحقائق المرة التي حكمت المجتمع الايراني . وخلال الحرب الرابعة بين العرب واسرائيل - وبينما كان الملك يمثل الحامي المقتدر لاسرائيل - طالب الامام الخميني - ومن خلال بيانه الذي اصدره في تشرين الثاني 1973 م الشعب الايراني في الوقوف بوجه اعتداءات الكيان الصهيوني ، كما افتى في هذا البيان بوجوب دعم الشعوب الاسلامية للمجاهدين الفلسطينيين ماديا ومعنويا وذلك عبر التبرع بالدم وارسال الاسلحة والذخائر والمواد الغذائية الى المجاهدين المسلمين (77).كما اكد سماحته في بيان اخر على ان : “ الامة الاسلامية لن ترى يوما سعيدا مالم تقتلع جرثومة الفساد هذه ( اسرائيل ) من جذورها ، وان ايران لن تشم نسيم الحرية ما دامت مبتلاة بهذه العائلة ( البهلوية ) الفاسدة “( 78) وفي اواسط شهر اذار 1974 م ، اوصل الملك استبداده الى الحد الاقصى ، حينما اعلن عن تشكيل حزب البلاط ( رستاخيز ) ( ويعني البعث ) واعتمد سياسة الحزب الواحد . فقد اعلن من خلال حديث تلفزيوني بان على جميع ابناء الشعب الايراني ان ينتسبوا الى هذا الحزب ، وان على المعارضين ان ياخذوا جوازات سفر بسرعة ويغادروا البلاد( 79) . ( هامش ) 77 - صحيفة النور ج 1 ص 209 . 78 - صحيفة النور ج 1 ص206 . 79 - الكوثر - شرح وقائع الثورة لاسلامية ج 1 ص 73 2 ( * ) .
وعلى الفور اصدر الامام الخميني فتواه فقال : “ نظرا لمخالفة هذا الحزب للاسلام ومصالح الشعب الايراني المسلم ، يحرم على جميع ابناء الشعب الانتماء اليه ، وان الانتماء اليه يعد اعانة للظالم ومشاركة في القضاء على المسلمين ، كما ان معارضته من ابرز مصاديق النهي عن المنكر “(80) وقد جاءت فتوى الامام الخميني وبعض علماء الاسلام مؤثرة ، فعلى رغم الاعلام المكثف للنظام للتشجيع على تقوية الحزب ، الا ان النظام اعلن عن هزيمته رسميا بحله الحزب بعد عدة سنوات . في نفس ذلك البيان كتب الامام الخميني يقول : “انني وانا في غربتي هذه ، يعصرني الالم والحسرة على الوضع المؤسف الذي يعيشه الشعب الايراني ، فما احلى ان اكون في هذه الظروف الحساسة بين ابناء الشعب ، اساهم معهم في هذا الجهاد المقدس من اجل انقاذ الاسلام وايران “( 81) ( هامش ) 80 - صحيفة النورج 1 ص 211 . 81 - صحيغة النور ج 1 ص 211 ( * ) .
وفي عام 1975 وفي ذكرى انتفاضة حزيران ، شهدت الفيضية مجددا قيام الطلاب الثوريين وانطلقت صرخات “ يعيش الخميني “ “ الموت لسلالة البهلوي “ لترن في ارجاء المدرسة لمدة يومين ، ولما كانت الحركات والمنظمات الفدائية قد تلاشت ، وان الشخصيات الدينية والسياسية المجاهدة كانت ترزح في سجون النظام ، فقد مثلت هذه الحركة الثورية صدمة للملك والسافاك . على اية حال ، حاصرت قوات الشرطة المدرسة الفيضية ثم انهالت على الطلاب بهجوم وحشي والقت القبض على جميع المعترضين واقتادتهم الى السجون . وفي بيان اصدره الامام الخميني بهذه المناسبة اشار سماحته الى تفاؤله فقال : “ رغم جميع المصائب فان صحوة الشعب تهبنا الامل . ان نهوض الجامعيين في مختلف انحاء ايران - وبناء على اعتراف الملك نفسه - والعلماء الاعلام وطلاب المدارس ومختلف شرائح الشعب ، رغم جميع الضغوط والتجبر ، يمثل بداية للحصول على الحرية والانعتاق من قيد الاستعمار”(82) ( هامش ) 82 - صحيفة النور ج 1 ص 215 ( * ) .
وفي البيان الذي بعث به الامام في الى المؤتمر السنوي للاتحادات الاسلامية للجامعيين الدارسين في امريكا وكندا وذلك في 24 ايلول 1975 م ، كتب سماحته يقول : “ان نقطة الامل المضيئة التي اراها في اواخر عمري ، هي هذا الوعي والصحوة التي يتحلى بها الشبان ، ونهضة المثقفين التي تتنامى بشكل سريع والتي ستحقق هدفها - باذن الله تعالى - في قطع ايادي الاجانب وبسط العدالة الاسلامية “(83) مضياً منه على سياساته في قمع الاديان ، غير الملك في اذار عام 1975 وبشكل وقح - التاريخ الرسمي المعتمد في البلاد من التاريخ الهجري الى التاريخ الملكي لملوك الهخامنشة . وفي رد سريع منه ، افتى الامام الخميني بحرمة استخدام التاريخ الملكي . وكما استقبلت الجماهير فتواه في تحريم الانتماء الى حزب ( رستاخيز ) فانها استقبلت ايضا تحريمه للتاريخ الملكي الموهوم ، واصبحت الحادثتان عارا على النظام الملكي ، فقد بادر النظام في عام 1978 م الى الانسحاب مجددا والغاء استخدام التاريخ الملكي . ( هامش ) 83 - صحيفة النور ج 1 ص219 ( * ) .
من جانب اخر ، انهكت اتفاقية الجزائر عام 1975 م والتي وقعت بين الملك وصدام حسين ( نائب رئيس الجمهورية العراقية انذاك ) الخلافات بين البلدين بشكل مؤقت ، فقد رات امريكا ان المنازعات والمناوشات بين بغداد وطهران في ذلك الوقت امر يعرض الثبات في المنطقة وفي الخليح الى الخطر .لذا فقد تم عقد تلك الاتفاقية بشكل رسمي بتدخل الرئيس الجزائري والرئيس المصري انور السادات الصديق الحميم للملك الايراني . وقد ادت اجواء التالف بين حكام بغداد وطهران لتعقيد الظروف امام مسير جهاد الامام الخميني ، غير ان هذه الموانع لم تتمكن من ثنيه عن مواصلة جهاده الذي ابتدأه . في تلك الايام كتب السفير الايراني في العراق تقريرا وجهه الى قادة النظام الملكي يقول : “ ان اية الله الخميني ، لم يكف عن ممارسة نشاطاته في العراق ، فهو ناشط جدا في العمل على مواجهة النظام ، يرجى اصدار اوامركم في هذا الخصوص لكي يتضح تكليفنا “ . وفي معرض جوابه على هذا التقريركتب الملك - بغضب - : “ لقد كررت القول بوجوب خنق هذا الصوت “(84) غافلا عن ان المقادير الالهية اقتضت مصيرا اخرا لرسالة الامام الخميني “ يريدون ليطفوا نور الله بافواههم والله متم نوره “(85) في عام 1976 وصل الديمقراطيون الى البيت الابيض الامريكي ، وضاعت سدى المعونات النقدية التي قدمها الملك الايراني الى الجمهوريين الامريكان . وانتصر كارتر يحمل شعار حقوق الانسان ، والحد من تصدير الاسلحة الى الخارج . وواضح ان هذه الشعارات انما رفعت لاجل الحد من احاسيس النفرة من امريكا والتي كانت تجتاح البلدان الاخرى كإيران مثلا ، والتعتيم على الازمة الاقتصادية التي كانت تعصف بامريكا وزيادة الضغط على الاتحاد السوفيتي ( السابق) للحصول على امتيازات اكثر في مفاوضات الحد من الاسلحة النووية ( سالت ) والتي كانت جارية انذاك بين الطرفين . ( هامش ) 84 - ن . ك الكوثر - شرح وقائع الثورة الإسلامية : ج 1 ص 373 وكذلك صحيفة كيهان 27 / 2 / 1980 م . 85 - من الاية 8 من سورة الصف ( * ) .
بعد اتضاح سياسات الديمقراطيين في امريكا ، قام الملك بالاعلان عن سياسة الجو السياسي المفتوح واقدم على القيام بتغييرات وتبديلات في بيادقه . وتشير الوثائق التي نشرت من وكر التجسس الامريكي ( السفارة الامريكية في طهران سابقا ) بان السياسة الامريكية فيما يخص ايران - والتي كانت تضع اطاره العام وزارة الخارجية الامريكية ووكالة المخابرات الامريكية C.I.A ، وكانت تبلغ للسفارة في طهران - لم تتغير، فامريكا تدعم الملك ونظامه بالكامل ، وان الديمقراطيين ايضا يرون - وكما هو الحال في السابق - بان الملك يمثل عاملا اساسيا لحفظ المصالح الامريكية في منطقة الخليج الفارسي ، لذا فان ايران استثنيت من حالة الحد من صدور السلاح اليها ايضا .وقد دلل سفر كارتر وزوجته الى طهران والحديث الذي ادلى به والتصريحات التي اعلن من خلالها على الدعم المطلق الذي يوفره البيت الابيض للملك ، على ان الجو السياسي المفتوح انما كان حركة تمثيلية سريعة المرور .
- اشتداد الثورة الاسلامية في عام 1977 ونهضة الجماهير: تمكن الامام الخميني - الذي كان يتابع التحولات والاحداث الجارية في ايران وفي العالم بدقة متناهية - من اغتنام الفرصة التي اتيحت له محققا الاستفادة القصوى منها . فقد اعلن في بيانه الصادر في اب 1977 : “ الان ونتيجة للاوضاع الداخلية والخارجية ، وانتشار انباء الجرائم التي يرتكبها النظام الملكي ، في المحافل الدولية والصحافة الاجنبية ، فان الفرصة سانحة للمنظمات العلمية والثقافية والوطنيين والجامعيين الدارسين في الخارج والداخل ، والاتحادات الاسلامية اينما كانت ، للمبادرة للقيام - دون خوف - والاستفادة من هذه الفرصة “ وجاء في جانب اخر من البيان ذاته : “ان التجاوز على حقوق مئات الملايين من المسلمين وتحكيم حفنة من الاوباش على مقدراتهم واتاحة الفرصة للنظام اللا قانوني الايراني وللكيان الاجوف الاسرائيلي ان يغتصبا حقوق المسلمين ويصادرا الحريات ، ويتعاملا مع الناس معاملة وحشية ، كلها جرائم ستثبت في ملفات رؤساء جمهور امريكا”(86) في شهر تشرين الاول 1977 م ، تحولت شهادة اية الله السيد مصطفى الخميني (87) والمراسم التأبينية المهيبة التي اقيمت له في ايران الى نقطة انطلاق لقيام الحوزات العلمية مجددا ، ونهضة المجتمع الديني الايراني وقد عبر الامام الخميني عن تلك الحادثة (بالالطاف الالهية الخفية ) - الامر الذي يثير التعجب ! وقد حاول النظام الملكي حينها الانتفام من الامام بنشر مقالة موهنة في صحيفة اطلاعات ، مجير ان السحر انقلب على الساحر فقد انتهت هذه المقالة الى نهضة التاسع من كانون الثاني عام 1978 م مما ادى الى استشهاد جمع من الطلاب الثوريين . ومرة اخرى كانت قم هي فتيل النهضة ، ولم تمض سوى مدة قصيرة - وفي ظروف تختلف تماما عن الظروف التي انطلقت فيها انتفاضة حزيران 1963 - تناغمت حركة الجماهير في مختلف انحاء البلاد حيت ادت اقامة مراسم العزاء المتتالية في الثالث والسابع والاربعين من سقوط الشهداء ، الى سريان شعلة الثورة الى مناطق اخرى من البلاد كتبريز ويزد وجهرم وشيراز واصفهان وطهران .
( هامش ) 86 - صحيفة النور ج 1 ص 243 87 - الحاج السيد مصطفى الخميني ، النجل الاكبر للامام الخميني ( 1930- 1977 م ) ابتدأ دراسته العلوم الاسلامية لما ناهز الخامسة عشر من عمره فبلغ مرتبة الاجتهاد قبل ان يتم عقده الثالث . وقد تمكن في شبابه من التبخر والالعام الكامل الشامل في مختلف العلوم الاسلامية . تتلمذ سماحته على حفرة الامام والمرحوم اية الله البروجردي والمرحوم الحاج السيد محمد الداماد . في 4/11/964 1 صدر الامر بالقاء القبض عليه من قبل النظام الملكي واودع سجن ( قزل قلعة ) فبقي هناك قرابة الشهرين ، ثم اطلق سراحه واعيد الى قم ليجد في استقباله حشودا من علماء وطلبة وجماهير مدينة قم الذين خرجوا لاستقباله بمجرد سماعهم نباء اطلاق سراحه . عرف عن سماحته - كما هو الحال مع والده - روحيته المجاهدة المقدامة - واعتقاده الراسغ بحتمية اسقاط الحكومة البهلوية من خلال القيام الشعبي والعلمائي الشامل وبذل في هذا السبيل مساع حثيثة وقد نفي بعد ذلك مع والده الى تركيا ثم العراق . وهناك ونتيجة لاطلاع النظام العراقي على الاوضاع استدعاه اقطاب النظام في عام 1969 م الى قصر الرئاسة في بغداد ، فالتقاه هناك الرئيس العراقي احمد حسن البكر وطالبه مهدداً اياه - بالموافقة على التعاون مع النظام البعثي العراقى لمواجهة النظام الملكى الايراني . الا ان سماحة السيد مصطفى رفض المقترح العراقي كليا وان كان النظام الايراني قد اشاع حينها اخبارا تشير الى تواطئه مع النظام العراقي . استشهد الحاج السيد مصطفى قبل عام واحد من انتصار الثورة الاسلاميه عن عمر يناهز الثامنة والاربعين ( * ) .
وطوال هذه المدة كانت البيانات المتواصله الصدور من الامام الخميني واشرطة تسجيل احاديثه وخطاباته - والتي كان يدعو فيها الجماهير الى الثبات ومواصلة النهضة حتى القضاء على النظام الملكي وتشكيل الحكومة الاسلامية - تستنسخ وتكثر على ايدي مؤيديه وانصاره ويتم توزيعها على مختلف مناطق البلاد(88). ولم يتمكن الملك - رغم اقدامه على تنفيذ المذابح الجماعية - من اطفاء شعلة الثورة المستمرة ، فقد كانت احابيله ودسائسه السياسية ومناوراته العسكرية - وقبل ان تساهم في تهدئة الغضب الجماهيري - تبوء بالفشل نتيجة صدور بيانات الامام التي كانت تكشف الخفايا وترشد الجماهير الى اتخاذ ما يلزم من الخطوات . ( هامش ) 88 - للاطلاع على سير احداث النهضة من 9 / 1 / 1978 م وحتى السقوط الكامل للنظام الملكي في 1 1 / 2 / 979 1 م والمواقف التي اتخذها الامام الخميني في تلك المدة ، راجع كتاب الكوثر - شرح وقائع الثورة الإسلامية ، المجلدات الاول الى الثالث ( * ) .
ولما لم ينفع تنصيب احد التكنوقراطيين المتغربين ( جمشيد اموزكار ) رئيسا للوزراء بدلا عن ( هويدا ) - الذي عمل في خدمة الملك ثلاثة عشر عاما - في حل المعضلة التي يتعرض لها النظام ، ابدل الاول من جديد باحد اعضاء المحافل الماسونية الى الاستعمارية في ايران ، فجاء ( جعفر شريف امامي ) رافعا شعار “ حكومة المصالحة الوطنية " . الى ان حيله ومفاوضاته مع شريعتمداري - الذي نجمه مجدداً باعتباره باعتباره احد القادة الدينيين ، الامر الذي دعمه النظام - في قم ، لم تتمكن من ايقاف حركة النهضة الجماهيرية . وفي عهد حكومته ( شريف امامي ) نفذت المذبحة الوحشية من قبل قوات الجيش بالجماهير العزل في ميدان جالة ( الشهداء حاليا ) في طهران في الثامن من ايلول . فاعلنت الاحكام العرفية في طهران واحدى عشرة محافظة من المحافظات الكبرى في ايران ولمدة غير محددة . غير ان الجماهير لم تكترث للاحكام العرفية مع وصو ل بيانات الامام الخميني ، واستمرت التظاهرات ليلاً نهارا وفي توسع مستمر . فقد كانت نداء ات (الله اكبر ) (الموت للملك ) (يعيش الخميني ) تسمع على مدار الساعة وترافقها احيانا رشقات الاسلحة الاوتوماتيكية وهي تنطلق من كل زقاق وزاوية . لقد تزعم الامام الخميني نهضته منذالبدء مستندا الى قوله تعالى “ ان الله لا يغيير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم “(89) مؤكد ا على تقديم الثورة الثقافية على القيام بالثورة السياسية والتحول الاجتماعي بواسطة الجماهير ، وكان يعتقد بعدم جدوى النضال من خلال الاحزاب او البرلمانات ، وكذا بعدها جدوى الكفاح المسلح اذا هي حرمت دعم الجماهير في تلك الظروف التي كانت تمر على ايران . وكان يرى الجهاد العام والمسلح اخر حل يتم اللجوء اليه اذا ما فكرت امريكا بالانقلاب العسكري . كانت المساجد والمراكز الدينية بمثابة المعاقل الاساسية للثورة الاسلامية الايرانية والمنطلق لتحرك الجماهير وتجمعها . وكانت الشعارات التي ترددها الجماهير مزيجا من التعاليم الدينية وارشادات الامام الخميني . وخلال عامي 977 1 و 978 1 م ، وعندما بلغت الثورة الاسلامية اوجها عادت الاحزاب والجمعيات السياسية للظهور من جديد وباعداد كبيرة جدا ، واتباع قليلين للغاية مما جعلها تعيش في جدب حرمها امكانية التاثير في مجرى الامور تماما واضطرها بالنتيجة الى متابعة الحركة الجماهيرية الواسعة .
( هامش ) 89 - من الاية 11 من سورة الرعد ( * ) .
في ذلك الوقت نشطت الحركات والمجاميع المسلحة الجهادية والتي تم تشكيلها على اساس اهداف اسلامية واعتقادات راسخة بنهج الامام الخميني . فكانت نشاطاتها تعبر عن اسلوب جهادي مستقل ، بل انها كانت تمثل حركة حماية وتقوية لثورة الشعب العارمة . وكان من الاساليب الموفقة التي اتبعها الامام الخميني في الجهاد ضد النظام الملكي ، دعوته الجماهير الى الاضرابات العامة وتوسيع رقعتها . فقد شملت الاضرابات في الاشهر الاخيرة من الثورة مختلف اركان النظام من وزارات وادارات ومراكز عسكرية حتى امتد الامر الى عمال وموظفي شركة النفط والبنوك ومراكز الدولة الحساسة الامر الذي وجه الضربة الاخيرة الى جسد النظام .
- سفر الامام الخميني من العراق الى باريس ت م الاتفاق في الاجتماع الذي عقد بين وزيري خارجية العراق وايران في نيويورك على اخراج الامام الخميني من العراق . وفي الرابع من ايلول 1978 ، حوصر منزل الامام الخميني في النجف من قبل قوات امن النظام العراقي ، مما فجر غضب المسلمين في ايران والعراق وسائر البلدان و عند لقائه بالامام صرح رئيس دائرة الامن العراقية للامام بان شرط اقامته في العراق هو الكف عن حركته الجهادية وعدم التدخل بالسياسة . وقد رد الامام بحزم على هذا الاقتراح منوها الى احساسه بالمسؤولية قبال الامة الاسلامية الامر الذي يمنعه من السكوت او عقد اي نوع من المصالحة (90). ( هامش ) 90 - للاطلاع على تفاصيل الموضوع والبيانات التى اصدرها الامام الخمينى مخاطبا الوفد الكويتي ، راجع كتاب الكوثر - شرح وقائع الثورة الاسلامية ج 3 ص 532 ( * ) .
في الرابع من تشرين الاول من نفس العام ، غادر الامام الخميني النجف الاشرف متوجها الى الكويت ، غير ان الكويت امتنعت عن استقباله بايعاز من النظام الايراني ، عندها اقترح البعض السفر الى سوريا او لبنان ، غير ان الامام الخميني - وبعد التشاور مع نجله حجة الاسلام الحاج السيد احمد الخمينى - قرر السفر الى باريس ( 91 ) ، وفي السادس من تشرين الأول عام 1978 م وصل الامارم الخميني الى باريس وانتقل بعد يومين من وصوله الى منزل احد الايرانيين المقيمين في نوفل لوشاتو ( في ضواحي باريس ) . بعدها قاموا موظفو قصر الاليزيه بابلاغ الامام الخميني بوجهة نظر الرئيس الفرنسي ( جيسكار ديستان ) المتمثلة بضرورة اجتناب الامام الخميني لأية فعالية سياسية ، وقد رد سماحته بحزم بان ذلك ينافي الادعاء بالديمقراطية ، وانه اذا اضطر للسفر من مطار الى مطار ومن بلد الى بلد فانه لن يكف عن جهاده لتحقيق اهدافه ( 92 ) ( هامش ) 91 - للاطلاع على كيفية هجرة الامام الخمينى من النجف الى الحدود الكويتية ثم عودته الىبغداد والسفر من هناك الى باريس والحوادثت التي وقعت في الاثناء - كما رواها السيد احمد الخمينى ( نجل الامام ) - راجع الكوثر - شرح وقائع الاسلامية ج 1 ص 434 92 - المصدر السابق ( * ) .
كتب الرنيس الفرنسي جيسكار ديستان في مذكراته بانه كان حينها قد اصدر الامر باخراج الامام الخميني من فرنسا ، لكنه عدل عن قراره في اخر لحظة عندما حذره ممثلو النظام الملكي الايراني والسياسيون الذين كانوا يعيشون اقصى حالات القلق والاضطراب ، من مغبة وقوع رد فعل جماهيري يستحيل السيطرة عليه ، وانهم غير مسؤولين حينها عما سيقع في ايران وفي اوروبا(93) . وخلال مدة اقامة الامام في ( نوفل لوشاتو ) والتي دامت اربعة اشهر ، تحولت تلك المدينة الصغيرة الى اهم مركز خبري في العالم ، وعرض الامام الخيمني من خلال اللقاءات الصحفية المتعددة التي اجريت معه مختلف وجهات نظره حول الحكومة الاسلامية واهداف نهضته المستقبلية امام العالم اجمع ، وبذا تعرف الكثيرون على فكر الامام وثورته ، ومن هنا ابتدأت قيادته لاصعب المراحل في النهضة الاسلامية الايرانية(94) . ( هامش ) 93 “ القدرة والحياة “ مذكرات الرئيس الفرنسي ( فاليري جيسكار ديستان ) ترجمة محمود طلوعي ( الى الفارسية ) صى 102 94 - مجموعة بيانات ، لقاءات ، وخطابات الامام الخميني خلال مدة اقامته في ( نوفل لوشاتو ) موجودة في صحيفة النور المجلد الثالث والرابع .
لم تستطع حكومة ( شريف امامي ) الصمود اكثر من شهرين ، وبعد سقوطها كلف الملك ( ازهاري ) بتشكبل حكومة عسكرية . فازدادت وتيرة المذابح الا انها لم تستطع السيطرة على الجماهير . فطالب الملك - بعد ان اصيب بالانهيار - السفيرين الامريكي والبريطاني بحل للازمة . الا ان ايا من الاقتراحات التي قدمت من قبلهما لم تجد نفعا(95). وفي يومي تاسوعاء وعاشوراء انطلقت المظاهرات المليونية في طهران وسائر المدن الاخرى ، والتي اشتهرت فيما بعد باسم ( الاستفتاء غيرالرسمي من قبل الجماهير ضد سلطة الملك ) . ( هامش ) 95 - جواب للتاريخ ، الصفحات 350 - 364 ( * ) .
بعد وقع اختيار الدوائر الامريكية على شابور بختيار( احد قادة الجبهة الوطنية ) - والذي اشتهر عنه قوله بعدم قانونية قيام الجماهير على سلطة الملك - كاخر بيدق لرئاسة الوزراء ، ففي اجتماعهم الرباعي في ( غوادلوب ) اتفق قادة الدول الصناعية على دعم وزارة بختيار ( 96 ) وبعد ذلك وصل الجنرال هايزر ( معاون قيادة حلف الناتو ) الى طهران في مهمة سرية استغرقت شهرين وقد كشف النقاب في اعترافاته فيما بعد عن ان مهمته كانت تتمثل في توفير دعم وحماية العسكريبن لبختيار وتوفير الامن لوزارته وكسر الاضرابات . واخيرا الاعداد لانقلاب عسكري لاعادة الملك الى السلطة بشكل مشابه لما تم في انقلاب 19 آب 1953 م ( 97 ) غير ان بينات الامام الخميني التي أكدت على وجوب مواصلة الجهاد أحالت جميع المخططات الى نقش على الماء . في مطلع عام 1979 شكل الامام الخميني شورى قيادة الثورة ، كذلك فإن الملك ايضاً وبعد تشكيل شورى السلطنة التصويت بالثقة على وزارة بختيار فر في 16 كانون الاول 1978 من البلاد وانتشر ذلك الخبر في طهران ثم سائر انحاء ايران وخرجت الجماهير الى الشوارع ترقص وتعبر عن فرحها . ( هامش ) 96 – ن . ك " القدرة والحياة " . 97 – ن . ك " مهمة في طهران " مذكرات الجنرال هايزر " ( * ) .
من جانب اخر لم تستطع اجتماعات هايزر المتواصلة بالمستشارين العسكريين الامريكان وامراء الجيش الملكي من مساعدة بختيار في التغلب على الاضرابات وانهاء الثورة الجماهيرية .
- عودة الامام من منفاد بعد 14 عاما : شاع في اواخر شهر كانون الاول خبر تصميم الامام الخميني على العودة الى ايران . ولم يمتلك من سمع بالخبر غيرالبكاء شوقا. لقد تحملت الجماهيراربعة عشرعاما من الانتظار ولكن الجماهير والمحبين كانوا في قلق على حياة الامام الخميني ، ذلك لوجود الحكومة العميلة للمك ولكونها حكومة عسكرية ايضا . لذلك فقد اوصى اصدقاء الامام بتاخير السفر قليلا لتأمين الظروف المناسبة لحمايته . من جانب اخر فان عودة الامام الى ايران في تلك الظروف واتصاله بالجماهير المليونية الثائرة كان يعني - من وجهة نظر امريكا - النهاية الحتمية للنظام الملكي . لذا فقد اتخذت خطوات عديدة، بدءً من التهديد بتفجير الطائرة التي تنقل الامام ، وانتهاء بالقيام بالانقلاب عسكري ، كل ذلك لدفع الامام الى تاخير سفره . حتى ان الرئيس الفرنسي انذاك توسط لدى الامام يطلب منه ذلك ( 1 ) لكن الامام كان قد اتخذ قراره النهائي واعلن عبر بيانات اصدرها للشعب الايراني بانه يرغب ان يكون مع شعبه في هذه الايام المصيرية والخطيرة . اقدمت حكومة بختيار – بالتعاون مع الجنرال هايزر – على اغلاق مدارج الطائرات ، وتوجهت الملايين من مختلف انحاء البلاد ، لتشارك في التظاهرات التي انطلقت في طهران مطالبة بفتح المطار . كما اجتمع جمع من العلماء والشخصيات السياسية في مسجد جامعة طهران واعلنوا عن اعتصامهم هناك حتى تفتح مدارج المطار . ولم تتمكن حكومة بختيار من الصمود أكثر من عدة أيام ثم رضخت لمطالب الجماهير . أخيراً وفي مطلع شهر شباط عام 1979 م وصل الامام الخميني الى ايران بعد اربعة عشر عاماً من فراق الوطن . وقد كان استقبال الجماهير لقائدهم عظيماً ومنقطع النظير الى درجة لم تستطع حتى الشبكات الاعلامية الغربية من انكاره ، فقد قدرت وسائل الاعلام الغربية عدد المستقبلين بين ( 4 – 6 ) ملايين نسمة . ( هامش ) 1 - للاطلاع على تفاصيل لقاء ممثلى قصر الاليزيه بالامام الخميني في ( نوفل لو شاتو ) ومحادثاتهم معه ، راجع كتاب الكوثر - شرح وقائع الثورة الاسلامية ج 2 ص 581 كذلك فقد اشار الامام الخميني في حديثه الذي القاه بتاريخ 5 2 / 6 / 78 9 1 فى الوفد الكويتي ، الى تلك المحادثات ن . ك المصدر اعلاه ج 3 ص 545 ( * ) .
وما ان وصل الامام حتى توجهت الجموع من مطار طهران الى مقبرة جنة الزهراء حيث مزار الشهداء ، لتصغي لحديث قائدها التاريخي . في ذلك الحديث صرح الامام بالقول : “سوف اقوم مدعوما من هذا الشعب ، بتشكيل الحكومة “(2) . في بداية الامر ، اعتبر بختيار بان الامام يمزح غير ان اياما قلائل لم تمر حتى تم ترشيح المهندس البازركان من قبل (شورى الثورة ) رئيسا مؤقتا للحكومة وذلك في الخامس من شباط 1979 م ، والمهندس البازركان وجه متدين معروف ، له ماض جهادي وتجربة في نهضة تاميم صناعة النفط . وفي ( حكم التنصيب ) الذي اصدره الامام الخميني ، طالب سماحته المهندس بازركان بتشكيل وزارته دون الاخذ بنظر الاعتبار العلاقات الحزبية وذلك لتهيئة المقدمات لاجراء استفتاء شعبي ثم اجراء الانتخابات (3) . مطالبا الجماهير الايرانية التعبير عن رايها من خلال الانتخابات المزمعة ، فبادرت الجماهير للانظلاق في مظاهرات حاشدة شملت البلاد باسرها للاعلان عن دعمها وتأييدها لقرار الامام الخميني . اما الاحزاب والفصائل السياسية الاخرى - والتي كان قاد تها ومسؤولوها واعضاؤها القليلون يخرجون من سجنهم ومعتقلاتهم ببركة نهضة الجماهير وعلى عدة مراحل - فقد وقفوا - والشعب يقف على بوابة النصر - يدعون ارثهم للثورة .ويطالبو ن بالسهم الاوفر ، ومنذ تلك الايام ابتدأ الاصطفاف بوجه الثورة الاسلامية بصفوف امتلأت بعملاء نظام الملك وازلامه السافاك والشيوعيين ومجاهدي خلق ( المنافقين ) .
( هامش ) 2 - للاطلاع على تفاصيل خطاب الامام الخميني في ( مقبرة جنة الزهراء ) وتفاصيل الحوادث والنتائج التي ترتبت على ذلك ، راجع كتاب ا لكوثر - شرح وقائع الثورة الاسلامية ج 3 ص 8 1 - 47 . 3 - المصدر السابق ج 3 ص 38 1 - 5 5 1 ( * ) .
- سقوط النظام الملكي وانتصار الثورة الاسلامية ( يوم الله 11 شبا ط ) في الثامن من شباط 1979 جاء منتسبوالقوة الجوية لمبايعة الامام في محل اقامته في ( المدرسة العلوية في طهران ) واصبح الجيش الملكي على حافة السقوط الكامل ، وقبل ذلك كان العديد من الجنود والمراتب من المؤمنين قد تركوا المعسكرات التزاما بفتوى الامام والتحقوا بصفوف الجماهير . في التاسع من شباط قام منتسبو القوة الجوية في اهم قاعدة لهم في طهران بالتمرد ، وبادرت قوات الحرس الملكي للقضاء على التمرد ، فهبت الجماهير لدعم القوات الثورية في القاعدة . وفي العاشر من شباط كانت اغلب مراكز الشرطة ومراكز الدولة الاخرى قد سقطت الواحد تلو الاخر بايدي الجماهير . وفي بيان عسكري اعلن القائد العسكري لمدينة طهران عن تمديد ساعات منع التجوال الى الساعة الرابعة بعد الظهر . وتزامنا مع ذلك عقد بختيار اجتماعا طارئا لمجلس الامن واصدر اوامره في القيام بالانقلاب العسكري الذي كان معدا سلفا من قبل الجنرال هايزر - من جانب اخر اصدر الامام الخميني بيانا دعا فيه الجماهير في طهران - ولاجل الحيلولة دون نجاح المؤامرة المزمعة - بالنزول الى الشوارع والغاء قرار منع التجوال بشكل عملي . فاندفعت الجماهير شبـيبا ونساء وشبانا واطفالا نحو الشوارع وابتدأت باعداد الخنادق . وما ان غادرت طلائع القوات الانقلابية قواعدها حتى سيطرت الجماهير عليها ومنعتها من مواصلة مسيرها . ففشل الانقلاب منذ ساعاته الاولى ، وبذا فان اخر معاقل النظام الملكي سقطت ، وفي صباح الحادي عشر من شباط اشرقت شمس النصر لتعلن عن انتصار نهضة الامام الخميني والثورة الاسلامية وانتهاء عهد حاكمية الملوك الظالمين في ايران (4) . ( هامش ) 4 - للاطلاع على تنصيل الملاحم المنقطعة النظير والتي سطرها الشعب الايراني والتي انتهت بسقوط النظام الملكي في يوم 1 1 / 2 / 979 1 راجع كتاب الكوثر - شرح وقائع الثورة الإسلامية الصفحات 1 26 - 5 1 3 ( * )
- تشكيل الحكومة الاسلامية واصطفاف الدول الاستعمارية ضدها : لم يكن تحقق الوعود التي اعطاها الامام الخميني وانتصار الثورة الاسلامية في ايران حادثة داخلية لتغيير نظام سياسي معين ، بل ان ذلك كان - وكما عبر عنها الكثير من ساسة امريكا واسرائيل واوروبا في مذكراتهم التي كتبوها عن تلك الايام - زلزالا مدمرا لعالم الغرب ( 5 ) . 5 - ن . ك “ مؤامرة في ايران " تأليف سايروس فانس ( وزير خارجية امريكا الاسبق ) وزيبغنيو برجنسكي ( مستشار الامن القومي الامريكي ) ترجمة محمود مشرفي ( الى اللغة الفارسية ) طبع انتشارات الاسبوع 1983 م – وكذلك ( مأمورية في ايران ) ويليام سوليفان – ترجمة مشرقي – في طبع انتشارات الاسبوع 1982 – وكذا " مأمورية في طهران " – مذكرات الجنرال هايزر – ترجمة حسين عادلي ، نشر مؤسسة الخدمات الثقافية ( رسا ) 1986 م – و" القدرة والحياة " جيسكار ديستان – ترجمة طلوعي ، طبع دار الترجمة 1989 م ( * ) .
فناهيك عن ان امريكا فقدت بنجاح الثورة اهم موقع جغرافي واقتصادي وعسكري لها في احدى اشد مناطق العالم حساسية وفي بلد كان يمتلك اطول حدود مشتركة مع منافسه الشرقي ( الاتحاد السوفيتي السابق ) فان امواج هذا الانفجار الهائل ، هزت الانظمة العميلة في البلدان الاسلامية والعربية واصابتها بالذعر الشديد . لقد كانت رسالة الثورة الاسلامية الاصيلة ذات ماهية ثقافية بنيت على الفكر الديني والقيم المعنوية ، بذا فإن انتصار الثورة كان يعني صدور رسالتها وقيمها لتفجير موجة من النهوض والتحرر في البلدان الاسلامية في العالم الثالث . وفي نفس الفترة التي حققت فيها الثورة الاسلامية في ايران النصر ، سقط نظام العميل لامريكا في ( نيكاراغوا ) وفي افغانستان اضطرت حكومة الاتحاد السوفياتي الى القيام بانقلاب دموي ثم دفع قواتها العسكرية لاحتلال تلك الدولة رغبة منها في السيطرة على التحرك الاسلامي كذلك فإن الجماهير العربية المسلمة في لبنان وفلسطين احتفلت بانتصار الثورة الاسلامية في ايران وابتدأت مرحلة جديدة من الجهاد ، مستلهمة من الثورة الاسلامية افكار واساليب جديدة ، كما عادت الى الحياة الحركات الاسلامية في مصر ، تونس ، الجزائر ، الحجاز ، تركيا . بعد الحرب العالمية الثانية حكم العالم بنظام ظالم غير عادل . ففقد تم تفسيم مختلف مناطق العالم بين القوتين الغالبتين ( الشرقية والغرببة ) واوكلت مهمة الحفاظ على هذا النظام المقيت الى حلفي ( وارشو) و( الناتو) . ولم تستطع اية حركة او ثورة في العالم الثالث من تحقيق اي هدف لها خارج هذا الاطار ودون الارتباط باحد القطبين الحاكمين . في حين ان انتصار الثورة الاسلامية في العالم المعاصر - وفي منطقة كان يعدها الغربيون منطقة امن لهم - تم على اساس رفعها لشعار “لا شرقية لا غربية” . لقد وقفت نهضة الامام الخميني وبشكل مباشر بوجه الامبريالية الامريكية والحقت الهزيمة بها ، الامر الذي جرد الشيوعيين من سلاحهم الذي كانوا يلوحون به ( الوقوف بوجه الامبريالية ) ولاول مرة في العصر الحاضر ، طرح الدين على انه عامل محرك في عتق كفاح الشعوب . ورغم جميع المشكلات ، ورغم جميع تلك المساعي التي بذلت على المستوى الدولي للحفاظ على النظام الملكي وللحيلولة دون تحقيق الامام الخميني النصر في نهضته ، حققت الثورة الاسلامية النصر في المرحلة الاولى ، ولهذا فان انتصارها كان يعد معجزة اكثر منه تحولا عاديا . وعدا الامام الخميني والجماهير المليونية التي امنت بوعوده خارج اطار التحليلات العادية ، فان سائر المحللين السياسين وجميع المهتمين بالحوادث والوقائع التي كانت تقع في ايران ، كانوا يرون هذا الانتصار - حتى في اواخر ايام النظام البائد - امرا مستحيلا . وهكذا ومنذ صباح الحادي عشر من شباط 1979 م . ابتدأت مشاعر الخصومة والعداء للنظام الاسلامي الفتي بالظهور والتوسع . وقد قادت امريكا جبهة الاعداء - وكان لبريطانيا وبعض دول اوروبا وجميع الانظمة العميلة للغرب المشاركة الفعالة في تلك المواجهة - كذلك فان الاتحاد السوفيتي ومن يدور في فلكه ايضا ، وقفوا مع الامريكان في العديد من التواقف العدالية ودعموا موقفهم نتيجة عدم ارتياحهم لما وقع في ايران وما ادى اليه من حاكمية الدين والمذهب . والنموذج البارز لهذه التحالفات ، ما حصل من تحالف اليسار واليمين ضد الثورة داخل البلاد ، الامر الذي اظهرت الوثائق - فيما بعد - ارتباطه بسفارة الاتحاد السوفيتي و امر يكا ( 6) . ( هامش ) 6 - ن . ك الـ " كي جي بي في ايران “ فلاديمير كوز يجغين ( ضابط سابق في المخابرات السوفيتية ) ترجمة اسماعيل زند والدكتور ابوترابيان طهران 1991 م ، وكذلك مجموعة وثائق وكر التجسس الامريكي في ايران ، ترجمة وتنظيم الطلبة المسلمون والسائرون على نهج الامام الخميني ، طبع مركز نشر وثائق وكر التجسس الامريكي – طهران ( * )
وابرز من هذا ، التعاون الشامل بين الشرق والغرب في تسليح صدام ودعمه في حربه المفروضة على الجمهورية الاسلامية غير ان الامام الخميني مارس دوره القيادي بنفس المنطق الذى ابتدأ به قيادة النهضة وحيدا قبل سنوات ، فقد قاد سفينة الثورة وهي تعيش في خضم الفتن والضغوط الخارجية رافعا شعار “انتصار الدم على السيف " كما كان يعتقد بان المجتمع الذي يؤمن بان الشهاده تمثل اعلى درجة من الكمال الروحي للانسان ويجاهد في سبيل الله ، لا بد وان ينتصر . وكان الامام الخميني بصدد تشكيل تعبئة عامة من السعب الايراني لبناء البلاد وطرح نموذج عن المجتمع الديني السالم والمتقدم امام العالم وابتدأ جهاد الشعب تحت اسم ( جهاد البناء ) وانطلق الالاف من المتخصصين والمؤمنين بالثورة الى مختلف المناطق المحرومة والقرى المبثوثة على طول البلاد وعرضها ليبداوا اكبر حركة اعمارية من مد الطرق وبناء المراكز الصحية وايصال الماء والكهرباء الى مختلف مناطق البلاد . غير ان زمنا طويلا لم يمر حتى تتالت امواج الفتن والضغوط الخارجية تنهال على البلاد . فقد صممت امريكا على الاستفادة من طابورها الخامس في ايران لاشغال النظام الاسلامي بمشكلات داخلية وبث الفرقة والخلاف لايجاد الفرصة المناسبة لاسقاط النظام الفتي . وقد عملت السفارة الامريكية بفعالية - وعن طريق بعض عناصر الحكومة المؤقتة - لفتح الطريق للنفوذ من اجل مشاريعها المستقبلية وقد حققت بعض النجاح في ذلك ايضا ، فقد كانت حكومة السيد البازركان تتالف من افراد اتسم اكثرهم بالتوجهات الوطنية المحافظة(7) . وهؤلاء لم يكن بمقدورهم هضم الظروف والضرورات الثورية ودرك الارشادات والافكار السامية للامام الخميني . ( هامش ) 7 - كان تشكيل الحكومة المؤقتة والتي ضمت اكثرية مطلقة من اعضاء نهضة الحرية والجبهة الوطنية خلافا لحكم الامام الخميني والاتفاق المبدئي ، حول هذا الموضوع راجع التفاصيل في كتاب الكوثر - شرح وقائع الثورة الاسلامية - ج 3 ص 9 5 3 - 363 (*) بذا فقد ادى ضعف الحكومة المؤقتة وروح المماشاة التي كانت تتسم بها الى تنظيم المجموعات المعادية للثورة صفوفها بسرعة مستفيدة من المعونات الخارجية التي كانت تتلقاها ، ثم المبادرة الى خلق التشنجات في كنبد وكردستان وسائر المناطق . كذلك فإن النظان البعثي العراقي – والذي اصيب بالذعر أكثر من غيره من الانظمة العربية من انتصار الثورة الاسلامية نتيجة خوفه من امكانية قيام شعبه على نظامه – بادر الى تسليح العناصر المعادية للثورة في جنوب البلاد وفي كردستان . كما كان للسفارتين الامريكية والسوفيتية نشاط فعال في جمغ افراد السافاك وبعض عناصر النظام السابق وتحريك المجموعات الشيوعية ومجاهدي خلق ( المنافقين ) للقيام باعمال مؤذية ضد الثورة . فقد قامت ( مجموعة الفرقان ) باغتيال العلامة وعضو شورى الثورة الشيخ مرتضى المطهري ( 2/5/1979 ) واية اله القاضي الطباطبائي ( 1/11/1979 ) والدكتور المفتح (19/12/1979 ) والحاج مهدي العراقي ونجله ( 26/8/1979 ) واللواء القرني رئيس اركان الجيش ( 23/4/1979 ) وفشلت في اغتيال السيخ هاشمي الرفسنجاني والموسوي الاردبيلي . وكان الامام الخميني يعتقد - لمعرفته بخفايا الامور - بضرورة القضاء بحزم وبسرعة على اعداء الثورة خصوصا في الاضطرابات التي وقعت في كردستان . غير ان الحكومة المؤقتة ضيعت الفرصة بانشغالها بالمفاوضات العقيمة في كردستان وتعاملها اللين مع مثيري الاضطرابات وهيأت عمليا الارضية لتفاقم الاوضاع . من جانب اخر فان الاقتصاد الاحادي الذي ورثه النظام الملكي والمعتمد كليا على واردات النفط ، دفع امريكا واوروبا - المطلعتين على هذه الحقيقة - الى دعم موقف النظام السعودي ومؤيديه في منظمة اوبك لتخفيض اسعار النفط الى ادنى مستوى لها مما الحق الضرر بسوق النفط الا يراني . ومع وجود جميع هذه المشاكل لم يذعن الامام الخميني ولم يرضخ لقبول المصالحة ولم يتراجع عن مواقفه حتى خطوة واحدة . فبادر الى تشكيل المؤسسات الثورية لترميم ضعف الحكومة المؤقتة ولضمان ديمومة الثورة . وقد وقفت الجماهير الايرانية بعزم وفداء دفاعا عن الثورة ولم يمض اكثر من شهرين على انتصارالثورة حتى صوت 2،98 %من الجماهير في الاستفتاء الشعبي الذي اجري في ( الاول من نيسان 1979 م ) لصالح الجمهورية الاسلامية ، في واحدة هناكثر الانتخابات حرية في تاريخ ايران ، وبعدها اجريت الانتخابات المتوالية لتدوين والتصويب على الدستور ، وانتخابات نواب مجلس الشورى الاسلامي . وكان الامام الخميني يتحدث الى محبيه الذين كانوا يزورونه يوميا في مقر اقامته في قم ، وفي المدرسة الفيضية ليدعم ويرسخ اركان النظام الاسلامي ويبين الاهداف والاولويات في الحكومة الاسلامية ويدفع الجماهير للحضور الدائم في ميادين الاحداث . فقد سافر سماحته من طهران الى قم في الفاتح من اذار 1979 وبقي هناك حتى ابتلي بمرض قلبي ( 2 2 كانون الثاني 0 98 1 ) وبعد تسع وثلاثين يوما من العلاج المتواصل في مستشفى القلب في طهران ، اقام سماحته في منزل يقع في منطقة دربند ثم انتقل في 27 / 5 / 1980 - ونزولا عند رغبته - الى منزل بسيط يمتلكه احد علماء الدين ( حجة الاسلام السيد مهدي امام جماراني ) في منطقة جماران وبقي هنالك حتى مفارقة الحياة .
- الثورة الثانية : احتلال وكر التجسس الامريكي في ايران : ادى نجاح الانتخابات ومشاركة الجماهير الواسعة فيها الى تبديد الاماني الامريكية الموهومة في قرب سقوط النظام الاسلامي ، والذي كانت تكرر الاعلان عنه عبر وسائل الاعلام الغربية وعبر البيانات التي كانت تصدرها التيارات المعادية للثورة في الداخل . ولم تمتنع امريكا واوروبا من النزول عند مطالب الشعب والحكومة الايرانية المشروعة باسترداد الاموال والموجودات الايرانية المجمدة في تلك البلدان التي تقدر باكثرمن 22 ملياردولار فحسب ، بل انها وضعت امكانات واسعة تحت تصرف اقطاب النظام الملكي البائد اللاجئين لديها ، لتوظيفها في مواجهة النظام الاسلامي الفتي . وقد اثارت هذه التحريكات الامريكية والممارسات العدائية للبيت الابيض غضب الشعب . ففي عام 1979 وعلى اعتاب الذكرى السنوية لنفي الامام الخميني الى تركيا ( 4 تشرين الاول ) شاع خبر اللقاء السري بين بازركان وبريجنسكي ( مستشار الامن القومي الامريكي ) والذي جرى في الجزائر ، مما دفع مجموعة من الجامعيين المسلمين الثوريين - الذين اطلقوا على انفسهم اسم ( الطلبة الجامعيين السائرين على نهج الامام الخميني ) باحتلال السفارة الامريكية في طهران وبعد القضاء على مقاومة حرس السفارة ، قاموا بالقاء القبض على الجواسيس الامريكان . ثم عكفوا بعدها على نشر الوثائق التي عثروا عليها في السفارة الامريكية في خمسين كتاب سميت “ وثاثق وكر التجسس الامريكي في ايران “ وقد كشفت هذه الوثائق الدامغة النقاب عن اسرار الجاسوسية الامريكية والتدخلات التي قامت بها الادارة الامريكية في مختلف نقاط العالم واعلنت اسماء العديدين من الرابطين والجواسيس لامريكا ومختلف اساليب الجاسوسية والتحركات السياسية لامريكا في مناطق العالم المختلفة . لقد كان احتلال سفارة امريكا - والتي عرفت لدى الجماهير الايرانية الثائرة بوكر التجسس - عملا مذلا للحكو مة الامريكية بعد يوم واحد من احتلال السفارة الامريكية قدمت حكومة السيد بازركان استقالتها وقبلها الامام بعد ان توقع بازركان رد فعل اخر من الامام يتمثل في ضغطه على الطلبة الجامعيين لاخلاء السفارة الامريكية ، غير ان الامام الخميني قبل استقالة الحكومة فور تقديمها غير مفرط بهذه الفرصة السانحة والتي ستتيح له دفع الثوريين الى سدة السلطة وكف ايدي التيار المحافظ الذي عرض البلاد خلال مدة قصيرة الى خطر اعداء الثورة نتيجة اسلوبه الضعيف في التعامل مع الاحداث . دعم الامام الخميني حركة الطلبة الجامعيين الثورية وعد عملهم ثورة تفوق في اهميتها الثورة الاولى . والحق انها كذلك . فقد كانت امريكا تقف الى جانب النظام الملكي في الثورة الاولى وكانت تعلن رسميا عن مواجهتها وعداءها للثورة الاسلامية ، في حين ان الوثائق المصادرة من وكر التجسس الامريكي كشفت النقاب عن الدسائس التي حبكت ضد الثورة في الخفاء وفضحت عملاءها في الداخل . بعد احتلال السفارة الامريكية حاولمت امريكا وبمختلف الطرق والاساليب دفع ايران الى الانسحاب عن موقفها فقامت بفرض الحصار الاقتصادي والسياسي رسميا على ايران من قبلها ومن قبل من يدور في فلكها ، وابتدأت الجماهير مرحلة مواجهة الحصار الاقتصادي والسياسي مستندة الى توجيهات الامام الخميني دون ان تفكر في الاستسلام . وفشلت عملية اطلاق سراح الرهائن الامريكان وبشكل اعجازي بعد تحطم الطائرات الامريكية في صحراء طبس . في الرابع والعشرين من نيسان 1980 م قامت ست طائرات سمتية من طراز C130 من بالهبوط في احدى القواعد الامريكية السابقة في صحراء طبس الواقعة شرقي ايران ، وقد وقعت هذه الحادثة خلال رئاسة ابو الحسن بني صدر .وكان المقرر ان تقوم تلك الطائرات - بعد التزود بالوقود ووصول سمتيات خاصة بذلك النوع من العمليات - بالتحليق نحو طهران ، ثم تقوم - وبالتعاون مع بعض العملاء المخفيين - بقصف منزل الامام الخميني والمراكز الهامة الاخرى ، غير ان عاصفة هبت في الصحراء مما اجبر بعض الطائرات على العودة الى حاملة الطائرات ( نيميتس ) واضطر الباقيات الى الهبوط الاضطراري في الصحراء ، ونتيجة لسوء الظروف التي حاولت فيها الطائرات الهبوط ارتطمت احداها بطائرة اخرى فانفجرت كلتاهما ، وبالنتيجة قتل في هذه الحادثة ثمانية اشخاص من العسكريين الامريكان الغزاة واضطر جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الى الاعلان عن ايقاف العمليات الفاشلة(8) . ( هامش ) 8 - بعد هذه الاحداث ، نشرت كتب عديدة في الخارج ، وقد تمت ترجمة البعض منها الى اللغة الفارسية ويمكن من خلالها الوقوف على الاحداث والاهداف غير المعلنة ومدى الفضيحة التي لحقت بالبيت الابيض ن . ك " الهدف " طهران " تأليف جو ليتو غيزا ، ترجمة سهرابي ، الدار الجديدة 1983 م – " الازمة " هميلتون جرون ، طبع دار الكتاب 1983 م ، " امريكا في القيد " سالينجر ، طبع دار الكتاب 1983 ، و" 444 يوم " تيم ويلز ، ترجمة ابو ترابيان ، طبع درا الثقافة رجا 1978 م . ( * ) .
وفي 27 تموز 1980 انتفى - بوفاة الملك محمد رضا في مصر - وبشكل عملي احد الشروط الايرانية المتمثلة في استرداده باعتباره احد المجرمين الاصليين في المذابح الجماعية التي وقعت في ايران . واخيرا وبعد 444 يوما تم الافراج عن الجواسيس الامريكان بعد توسط الجزائر وبعد تصويت اعضاء مجلس الشورى لصالح الامر ، وبعد التوقيع على اتفاقية الجزائر بين ايران وامريكا ، والتي تعهدت امريكا بموجبها بعدم التدخل في الامور الداخلية لايران واعادة الارصدة والاموال الايرانية المجمدة في مصارفها . الامور التي لم تلتزم باي منها . ان اهم ما افرزته حادثة احتلال وكر التجسس الامريكي يتمثل في كسر الغرور الفرعوني الامريكي وبعث الامل في نفوس شعوب العالم الثالث بامكانية الوقوف بوجه القوى العظمى ، هذا علاوة على ضمانة ديمومة الثورة الاسلامية في ايران . بعد تلك الواقعة ، انهارت الابهة الامريكية والقدرة الوهمية - التي انفق من اجل اظهارها المبالغ الطا ئلةوالجهود الاعلامية المكثفة - وتعرضت امريكا الى صعوبات ومشاكل عديدة للسيطرة على العالم الثالث فيما بعد . في اول انتخابات لرئاسة الجمهورية الاسلامية الايرانية ( 25 / 10 / 1980 ) والتي جرت في وقت كان الامام الخميني طريح الفراش في مستشفى القلب في طهران ، فازالسيد ابو الحسن بني صدر على منافسيه ، وكان ابو الحسن قد عاد الى ايران قبيل انتصار الثورة الاسلامية ، وقدم نفسه من خلال خطاباته وكتبه على انه شخص متدين ومتخصص اقتصادي لامع . وفي مراسم اداء القسم الدستوري لتولي مهامه قال الامام : “ انني اوصي السيد بني صدر بوصية واحدة ، وهي موجهة للجميع ايضا ، اقول : حب الدنيا راس كل خطيئة”(9) ( هامش ) 9 - راجع الاصول من الكافي ، كتاب الايمان والكفر - باب حب الدنيا والحرص عليها ، الحديث ( * ) .
غير ان غرور بني صدر ورغبته في التسلط حالت دون التزامه بهذه النصيحة . ومنذ بداية حكومته اعتمد معارضة خط الامام والعلماء . وقد كان يعتقد - كما هو حال الحكومة المؤقتة - بضرورة مصالحة الدول الكبرى ، واعتماد اسلوب المناورات السياسية معها . اما على الصعيد الداخلي فقد بادر فورا الى عزل الطاقات الثورية واحلال العناصر المرتبطة بالجماعات المعادية للثورة محلها . وفي عهده احتل العراق مناطق شاسعة من الاراضي الايرانية ، وعلى الاثر قامت العناصر المرتبطة برئيس الجمهورية - والتي كانت ترى ان وجودها مرتهن بزيادة المشكلات وايجاد جو من التوتر امام النظام الاسلامي - بالحيلولة دون اداء المدافعين عن البلاد لدورهم بشكل مناسب ، ومنع تسلبح الجماهير واتاحة الفرصة للحرس الثوري باداء دوره الفاعل مستفيدين في كل ذلك من منصب بني صدر الذي كان قائدا عاما للقوات المسلحة . وبذا تعرضت الوحدة الوطنية الى الخطر نتيجة الخلافات التي اثارها بني صدر ، واخيرا اصدر الامام الخميني حكمه المقتضب في 10 حزيران 1981 م والقاضي بعدم كفاءة بني صدر ( 10 ) بسقوط بني صدر ، بادر اعضاء ومؤيدي منظمة مجاهدي خلق ( المنافقين ) - والذين استغلوا فرصة ما بعد انتصار الثورة الاسلامية وضعف الحكومة المؤقتة وما وفره لهم بني صدر من الدعم والحماية لتقوية تشكيلاتهم وتوسيعها - لادارة اضطرابات دموية الا ان جماهير طهران تمكنوا من القضاء على مثيري الاضطرابات وتم اعتقال العديد منهم . ومنذ ذلك الوقت اقدم المنافقون رسميا على القيام باعمال مسلحة واغتيالات ، وفي الوقت نفسه بادر قادة التنظيم للاختفاء في اوكارهم وقد تصدر حزب الجمهورية الاسلامية قائمة المستهدفين من قبل المنافقين تم تأسيس حزب الجمهورية الاسلامية بعد انتصار الثورة الاسلامية بهمة المخلصين من ذوي السماحة اية الله الخامنئي ، الدكتور البهشتي ، الدكتور الباهنر ، هاشمي الرفسنجاني ، الموسوي الاردبيلي بهدف تنظيم الطاقات المؤمنة بنهج الامام الخميني ، ومواجهة تحركات التيارات السياسية المعادية للثورة . ( هامش ) 10 - صحيفة النور ج 14 ص 276 ( * )
وقد استطاع هذا الحزب المد عوم من قبل الامام من كسسب اعداد كبيرة من المؤيدين في مختلف انحاء البلاد وبسرعة كبيرة ، واصبح سدا بوجه العناصر المعادية للثورة في السابع والعشرين من حزيران 1981 جرح اية الله الخامنئي على اثر انفجار قنبلة زرعها المنافقون بينما كان يخطب بالجماهير المحتشدة في مسجد ابي ذر في طهران . وفي اليوم التالي وقعت فاجعة رهيبة على اثر انفجار قنبلة قوية زرعها احد عملاء منظمة المنافقين في مقر حزب الجمهورية الاسلامية ، وذلك خلال اجتماع اعضاء الحزب ، مما ادى الى استشهاد اثنين وسبعين من خيرة الطاقات الثورية من عناصر النظام الاسلامي ومن انصار الامام الخميني ، كان بينهم رئيسى ديوان القضاء الدكتور البهشتي وعدد من الوزراء ونواب مجلس الشورى الاسلامي وجمع من مسؤولي السلطة القضائية وعدد اخر من المفكرين والكتاب والطاقات الثورية الاخرى . بعد شهرين من هذه الفاجعة ، وفي الثلاثين من شهر اب 1981 استشهد السيد محمد علي الرجائي - الوجه الثوري المحبوب من قبل الجماهير والذي انتخب لرئاسة الجمهورية بعد عزل بني صدر - والدكتور محمد جواد الباهنر ( رئيس الوزراء ) بينما كانا في مقر عملها اثر انفجار قنبلةاخرى . وكان لسرعة الامام وحزمه في اتخاذ القرار بانتخاب وتنصيب المسؤولين لسد الفراغ الحاصل نتيجة سقوط ذلك العدد من الشهداء كان له الاثر البالغ في تهدئة الاوضاع وادخال اليأس على نفوس الاعداء واصابة المحافل الخبرية والسياسية العالمية بالحيرة والذهول . ولو لم يكن ايمان الامام الخميني وصلابته المذهلة ، ووعي الجماهير الايرانية المؤمنة ، لتمكنت واحدة من هذه الوقائع لوحدها من اسقاط النظام الاسلامي . غير ان بيانات الامام الخميني وخطاباته كانت بعد كل واحدة من هذه الحوادث تهدأ روع الجماهير وتسهل عليها تحمل المصائب وتزيد من تصميم الجماهير على مواصلة طريقها . بعد شهادة الدكتور البهشتي هتفت الجماهير بشعار “ ماذا تريد امريكا ، ان ايران مليئة بامثال البهشتي “ والذي استلهمته من حديث الامام الذي كشف من خلاله النقاب عن ان الايادي الخفية للعدوالاصلي ( امريكا ) تكمن وراء هذه الاغتيالات . من جانب اخر فان الامام كان قد اكد مرارا على ان الثورة الاسلامية لا تقوم على الافراد مهما كانت مواقعهم واهميتهم ، وان ما يحفظ الثورة ، انما هو الله وايمان الجماهير المؤمنة . !ن اهم ما وفق فيه الامام الخميني هو قدرته على تنمية الشعور والوعي العام لدى الجماهير وايجاد الاحساس بالمسؤولية والقدرة علىالتحليل السياسي لدى ابناء الشعب ازاء الوقائع والاحداث المعاصرة . لسنوات طوال كانت وسائل الاعلام الغربية تعد الناس بحتمية سقوط النظام الاسلامي بعد وفاة الامام الخميني ، وقد طرح هذا الموضوع حتى في المؤتمرات التي عقدها المفكرون الغربيون لدراسة الثورة الاسلامية ، والاجتما عا ت السياسية والمفاوضات التي كان يجريها الساسة الغربيون - وبشكل جدي ، وتم القبول به ، وعلى هذا الاساس ايضا قبعت المجموعات المعادية للثورة في الداخل في مكامنها بانتظار ذلك اليوم الموعود ، غير ان الدنيا شهدت كيف ان النظام الاسلامي لم يتعرض لادنى ضرر بعد ارتحال سماحة الامام الخميني ، وبذا تبددت احلام واماني السنوات ، والسبب في ذلك هو ما ذكرناه ، فقد تمكن الامام الخميني من تربية الجيل الخامل اللامبالي نتيجة خمسين عاما من الجرائم والخيانات التي مارسها النظام الملكي البهلوي باليأس وعدم الاكتراث بطريقة جعلته قادرا وفي زمان قصير من تبديل عاداته وعلاقاته الاجتماعية السابقة والاعتقادات الخاطئة الراسخة ، نحو القيم والمثل السامية الجديدة وفي مختلف مناحي الحياة . ومئات الالاف من الشبان الذين واجهوا العدو البعثي المعتدي في جبهات القتال لمدة ثمانية اعوام متواصلة - متطوعين مختارين في ذلك ومع امتلاكهم لاعلى درجة من المعنويات والوعي - دليل على هذا المعنى والنماذج الكثيرة على مستوى وعيهم وشعورهم ومستوى ايمانهم ومعنوياتهم يتضح في الوصايا المطبوعة للشهداء منهم ، وهؤلاء هم انفسهم الذين كانوا والى ما قبل انتصار الثورة الاسلامية بقليل في معرض الوقوع في مختلف انواع المفاسد ، يحركهم اعلام السوء وتتجاذبهم انواع القوى التخديرية . ولعل البعض ممن لم يعاصروا مجتمع الامام الخميني عن قرب يعتبرون هذا الحديث نوعا من المبالغة في عرض الحقائق ، وانه امر ناشىء عن فرط المحبة للامام وللثورة الاسلامية ، لكن الامر ليس كذلك ، فكثير من الشواهد لازالت حية والوثائق والمستندات الدامغة من الكثرة بحيث ان اثبات هذا الامر لن يحتاج اك طويل بحث او مناظرة . فالى الان لازالت الثقافة الاجتماعية الايرانية الجديد ة تدفع الناس الى تهنئة من فقد ابنا في طريق تحقيق اهداف نهضة الامام الخميني بدلا من مواساته . الى الان مازال الكثيرمن الاباء والامهات في ايران ممن فقدوا عدة ابناء في هذا الطريق يجيبونك حينما تسالهم عن شعورهم : بان ذلك فخر للعائلة وانه نعمة من الله . ولعل من غير المعقول بالنسبة للغربيين ان يقوم بعض افراد العائلة بالتبليغ عن محلات اختفاء العديد من العناصر المضادة للثورة والارهابيين المنافقين من ابنا ئهم وقيام الاباء والامهات بمساعدة قوى الامن لالقاء القبض عليهم . وتتضح اهمية هذا الاحساس حينما يؤخذ بنظر الاعتبار شدة الترابط العاطفي في العائلة الايرانية والذي لا يمكن مقارنته - وعلى اي مستوى - مع ما هو موجود من الروابط الباردة الخالية من الروح في العائلة الغربية مثلا . الى الان اذا سالت ايا من عشرات الالاف من المقاتلين - الذين لازالوا يتذكرون ايام الجبهة - عن اشد ايا م وجوده في الجبهة قسوة ؟ لاجابك انه يوم اعلان الموافقة على القرار الدولي ووقف اطلاق النار ، فان وصف احساسات قوات التعبئة بالحزن العتيق والالم في ذلك اليوم لا يمكن وصفها الا بالمشاهدة والمعاينة القريبة ، كل ذلك لاحساسهم بان “ باب جنة الشهداء “ قد اغلق امامهم ، وانهم فقدوا الامل في الالتحاق بقافلة الشهداء . ان ايجاد تحول روحي كهذا في مجتمع ما ، وتحريك امواج التعلق بالاسلام في روح امة ما ، ليس بالعمل السهل والعادي . لبنان وملحمة حزب الله فيها ، نموذج اخر يدلل على هذا التحول الذي ذ كرناه . وخلافا لما يدعيه الغرب من خلال اعلامه ، فان تدخل ايران ودعمها لم يكن هو السبب في ايجاد هذا التحول ، ذلك لان لامريكا واوروبا والاتحاد السوفيتي ( السابق ) حضور عميق وواسع ومباشر في لبنان ، بيد انه لم يؤد الى شىء ، فالجامعة الامريكية في بيروت لها تاريخ طويل ، كما ان امريكا واوروبا انزلت قواتها في لبنان اثناء الاحداث التي وقعت في لبنان . لقد كانت لبنان وحتى وقت قريب اكبر سوق للسياسات الغربية في الشرق الاوسط ، فما الذي ادى الى ان يتمكن مجتمع صغير - قياسا الى اعدائه وفي بلد محاصر من جميع الجهات ، وله حدود مشتركة مع اسرائيل ، ورغم قلة امكاناته الدفاعية - من الوقوف بثبات وقوة بحيث يستطيع دفع القوات الغربية الى الاعلان رسميا عن فرارها من المنطقة ، واضطرارها الى ترك البلاد واليوم ايضا ورغم وجود مختلف الضغوط الاقتصادية الشد يدة ، والقصف والاعتداء ات الاسرائيلية التتكررة ، ترى حزب الله يثبت وجوده امام الغرب ويقاوم بشكل منقطع النظير. ان السبب الحقيقي في ذلك هو ان مسلمي لبنان وبناء على علاقاتهم الثقافية والعقائدية القديمة ، استطاعوا معرفة الامام وتلقوا رسالته اسرع من سائر البلدان الاسلامية . وبعد لبنان ، تجيء فلسطين التي افرزت وبسرعة ( حركة حماس ) والحركات الاسلامية في سائر بلدان المسلمين .. كلها نتيجة التاثر المباشر او غير المباشر لافكار الامام الخميني ورسالته الجهادية . والسبب في ايجاد تحول كهذا لاينحصر في الفكر السياسي للامام الخميني ونوعية جهاده السياسي ، فمدرسة الامام الخميني التربوية وقدرته في معرفة الانسان وفي معرفة المجتمع هي التي ساهمت في ايجاد الارضية المناسبة لوقوع مثل هذه التحولات . وللاسف فان ابعاد نظرات الامام وارائه حول الانسان والمجتمع والتاريخ وما قاله في التربية لم تزل حتى الان متناثرة غير مدونة وغير معروفة كما ينبغي ، فمدرسة الامام في التربية وعلم الاجتماع تختلف كثيرا عما يدرس تحت هذه العناوين في جامعات دول العالم الثالث والبلدان الاسلامية . ان الاساس الذي ابتنيت عليه نهضة الامام الخميني انما يمتد الى منهج الانبياء ، ذلك المنهج الذي استطاع ان يخلق من بعض العبيد المغمورين والمظلومين شخصيات من امثال ابي ذر الغفاري وسلمان المحمدي . ومن المجتمع الجاهلي الذي كان انذاك ، قائدا للمدنية والحضارة الاسلامية فيما بعد. فيما ان هذا المنهج اصبح في عصرنا الحاضر منسيا ، وما نعرفه اليوم تحت عنوان العلوم الانسانية المعاصرة انما يهتم بتعريف الانسان والعلاقات الانسانية من وجهة نظر المدارس الوضعية ( غير السماوية ) الليبرالية والغربية ، والذي نتج هو الاخر عن عصر النهضة الصناعية ونتيجة الضياع وفقدان الهوية الذاتية والاصالة والقبول باصالة المادة وحاكتية الالة على الانسان . اعود مجددا للحديث حول كيفية قيادة الثورة في السنوات المشحونة بالاضطراب مما تلا الثورة الاسلامية بعد فاجعة الثامن والعشرين من حزيران 1981 م واستشهاد العشرات من انصار الامام ومن المسؤولين في نظام الجمهورية الاسلامية ، وتمكن قادة مجموعة المنافقين من الفرار من البلاد متوجهين الى باريس برفقة رئيس الجمهورية المعزول ، وذلك بارتدائهم الملابسى النسائية وبالتعاون والتنسيق مع بعض العملاء المندسين في مطار طهران . فالطيار الذي قاد الطائرة كان من الطيارين الخاصين بالملك المخلوع والموثوقين لديه ( 11) وهو الذي قاد طائرة الملك حينما فر من البلاد قبل سنوات . ( هامش ) 11 - العقيد المعزي . تعرضت منظمة مجاهدي خلق ( المنافقين ) بعد الفرار الى مشكلات حقيقية في اقناع مؤيديها الذين خدعتهم با لشعارات الثورية والمعادية للامبريالية ، ودعوى الاسبقية في الوقوف بوجه النظام الملكي . فعدا عن انقاذهم لقائدهم ( مسعود رجوي ) بمساعدة الطيار السافاكي ومؤتمن الملك ، هناك العديد من الموارد الاخرى التى جعلت الكثير من انصار المنظمة يتركونها او ينشقون عليها ، ومن جملة ذلك لمكن الاشارة الى الائتلاف السياسي بين تيار بنى صدر الليبرالي المحافظ مع تيار رجوي الثوري واليساري الطاهر ( في ذلك الوقت ) الامر الذي ادى الى الزواج القلق بين مسعود رجوي وابنة بنى صدر ، وكذلك لجوء اعضاء المنظمة الى الدول التي تدور في فلك الامبريالية واستجدائهم الامكانات من امريكا واوروبا واخيرا اسرائيل ، وعقدهم اتفاقية تجسس وعمالة لصدام فى مقابل الحصول على معسكرات وامكانات تسليحية ، وكذا الزواج الثالث الفاشل بين مسعود رجوي واحدى عضوات المنظمة والذي تم تحت شعار “الثورة الايديولوجية “ ! ( * ) .
وخلافا لادعاءاتها في احترام حقوق الانسان ومواجهتها للارهاب ، اعطت فرنسا حق اللجوء السياسي لاولئك الذين اعترفوا بانفسهم في البيانات التي اصدروها بضلوعهم - بل بمسؤوليتهم - عن عمليات الاغتيال والتفجير في الاماكن العامة التي وقعت في ايران . بعد ذلك التاريخ اصبح المنافقون الهاربون الى مختلف الدول الاوروبية وفي امريكا يتمتعون بدعم وحماية تلك الدول ، ثم انهم واثناء الحرب العراقية الايرانية ، اتخذوا من العراق قاعدة اساسية لهم ، بعد ان عقدوا صفقة مع صدام ، فانتقلوا الى العراق ، وكانوا طوال فترة الحرب جواسيس ومرتزقة يضعون كل معلوماتهم وامكاناتهم تحت اختيار الجيش البعثي . وقد انحصرت مهمتهم الاساسية في جمع المعلومات عن الجبهات الايرانية بواسطة عملائهم المبثوثين في الداخل ، واعطاء المعلومات حول مواضع سقوط الصواريخ العراقية المطلقة نحو المناطق السكنية في ايران والتحقيق مع الاسرى الايرانيين والمشاركة في العمليات العسكرية العراقية . وفي عام 1988 م وبعد اعلان نهاية الحرب العراقية الايرانية قاد المنافقون هجومهم الهادف للدخول الى عمق الاراضي الايرانية ، الا انهم واجهوا عمليات ( المرصاد ) التي حالت دون تحقيقهم اية نتيجة ، بعد ان خلفوا اكثرمن الف قتيل على ارض المواجهة . كذلك وعلاوة على استشهاد 72 شخصا من اشد شخصيات النظام محبوبية لدى الناس في انفجار مقر حزب ا لجمهورية الاسلامية ، واستشهاد رئيس ا لجمهورية ورئيس الوزراء ، اقدم المنافقون على اغتيال العديد من الشخصيات ، كاية الله الصدوقي امام جمعة يزد ( 2 / 7 / 982 1 ) وا ية الله اشرفي الاصفهاني امام جمعة كرمانشاه ( 15 / 10 / 1982 ) واية الله دستغيب امام جمعة شيراز ( 11 / 12 / 1981 ) وا ية الله المدني امام جمعة تبريز( 11 / 9 / 1981 ) واية الله القدوسي واللواء الدستجردي ( 5 / 9 / 1981 ) وحجة الاسلام هاشمي نجاد ( 9 2 / 9 / 981 1) وعشرات الشخصيات من العلماء ، ممن كانوا يهيمنون على قلوب الناس في كل منطقة من المناطق التي كانوا يمارسون نشاطهم فيها وممن كان لهم السهم الوافر في نهضة الامام الخميني . وعلاوة على الوجوه السياسية والدينية ومسؤولي النظام الاسلامي ، فان اعدادا كبيرة من الناس العاديين سقطوا مخضبين بدمائهم في الازقة والشوارع بجرم الدفاع عن ثورتهم وحمايتها ونتيجة لعمليات ارهابية وتفجيرات قام بها المنافقون في الاماكن العامة(12) ( وكان اخرها القتل المفجع الذي مارسه المنافقون بحق اثنين من القساوسة المسيحيين ، وتفجير قنبلة في يوم عاشوراء جوار مرقد الامام الرضا ( عليه السلام ) في مشهد خلال العام 1994 ) . والجدير بالملاحظة ان امريكا واوروبا والمنظمات الدولية لم تختر السكوت امام كل تلك الجرائم فقط ، وانما كانت تقدم للارهابيين الملجأ والامكانات لمواصلة نشاطاتهم الارهابية . ولقد اتخذوا موقفا مشابها من جرائم الملك رغم ان ذلك يخالف ادعائاتهم ، ولهذا السبب بالذات فان الامام الخميني لم يتخذ من اراء ومواقف الدول الاجنبية والمنظمات الدولية مبنى للتقييم او للمواقف التي يتخذها سواء قبل انتصار الثورة او بعدها ، فقد كان سماحته يعتقد - وقد صرح بذلك مرات عديدة عبر خطاباته - بان هيئة الامم المتحدة ومجلس الامن ، ومنظمة الدفاع عن حقوق الانسان ليست سوى الات بايدي المتسلطين الدوليين ، تماما كما ان ادعاء الشيوعيين والاتحاد السوفيتي بحرية الشعوب ومناهضة الامبريالية ، لا يهدف منه سوى تلك الاهداف . وابعد من هذا فان الامام الخميني - وبناء على هذه الحقائق - علم مسؤولي النظام الاسلامي معيارا ملفتا لتقييم مستوى ادائهم فقال : “ في اليوم الذي تبادر فيه المؤسسات الدولية وامريكا والغرب الى مدحكم والاعتراف طواعية بموجوديتكم وبثورتكم ، فعليكم يومها ان تشكوا في سلامة مساركم وحقانيتكم “. ( هامش ) 12 - ان الاغتيالات العشوائية في الازقة والشوارع الايرانية ، والتي نفذها عناصر “ منظمة مجاهدي خلق " اتسعت واشتدت منذ الوقت الذي اعلنت فيه قيادة المنظمة في باريس عن مطالبتها مؤيديها العمل على سلب الامان في داخل البلاد ، فقد صرح رجوي فى باريس بالقول : " المرحلة الاولى ، كان المستهدف هم القادة السياسيون ، وفي المرحلة الثانية تكون الاهميه فى الدرجة الاولى من نصيب الجهاز التنفيذي . . . ينبغى زيادة العمليات الى الحد الذي يجعل الاخرين يرون ان عملية حراسة الثورة ليست بالعمل الهين ولا تتم بسهولة ، وان يرى حارس الثورة بعينيه بان الثمن باهظ جدا، حينها لن يجرؤ احد على التفكير بحواسه الثورة “ ن . ك “ رجوي ، مجموعة عام واحد ، 20 / 6 / 1982 م “ . وكانت نتيجة مواقف كهذه وتوجيهات ارهابية من هذا النوع ، ان تعرض العشرات من الاطفال والنساء والرجال الى الوقوع ضحية تلك العمليات العشوائية . وقد اعتمدت عمليات الاغتيال العشوائية تلك - والتى درست بعناية - على عنصر المباغتة وسلب الضحايا اية قدرة على الدفاع عن انفسهم ، فقد تعرض الضحايا للقتل بينما كانوا نياما او على مائدة الافطار في شهر رمضان ، او اثناء ممارسة اعمالهم اليومية ، او اثناء التردد على المسجد او صلاة الجمعة وكان المهاجمون يفرون - بعد تنفيذ عملياتهم - بواسطة وسيلة نقل - مسروقة في الغالب - وقد نشرت وثائق واعترافات ممن تم القاء القبض عليهم من منفذي تلك العمليات في كتاب صدر عن محكمة الثورة الإسلامية تحت عنوان “ الصحيفة السوداء - مناظرات سجناء سجن ايفين “ والملفت ان الدولة التي تصدر منها مباشرة الاوامر للقيام بهذه العمليات الاجرامية كانت تتهم - ولسنوات مع انجلترا وامريكا - الجمهورية الاسلامية الايرانية بدعم الارهاب ! ! ( * )
- الحرب المفروضة والدفاع المقدس : ادى الفشل الذريع لمشروع القضاء على النظام الجمهوري الاسلامي من خلال الحصار الاقتصادي والسياسي والذي حاولت امريكا تطبيقه ، وفشلها في عملياتها العسكرية لتحرير الجواسيس الامريكان - بالهبوط في صحراء طبس بعد احتلال وكر التجسس الامريكي - وعدم النجاح في فصل كردستان عن الحكومة المركزية ، الى لجوء الحكومة الامريكية في عام 1980 لتجربة الهجوم العسكري المباشر . بيد ان الموازنات الدولية بين الشرق والغرب في تلك الايام حالت دون تمكن امريكا من الهجوم المباشر بقواتها ، فالرأي العام العالمي قد تاثر نسبيا بافكار الامام الخميني ونشاطاته السياسية التي اطلع على جزء منها في فرنسا وفي الحوادث التي تلت انتصار الثورة الاسلامية ، مما ساهم في كشف النقاب عن مظلومية ايران وحقانية الشعب الايراني في مطالبه ، ودفع الرأي العام العالمي بالنتيجة الى التعاطف مع الشعب الايراني ،كذلك فان الانظمة المتزلزلة في الخليج الفارسي لم تكن على استعداد لمواجهة ردود الفعل الناجمة عن الهجوم الامريكي المباشر . لكل ذلك تم اختيار العراق للقيام بدور النيابة في اشعال هذه الحرب ، وهو اختيار محسوب من كافة النواحيَ فالعراق بلد يسير في ركاب الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية . ودخوله في حرب مع ايران سيؤدي الى وقوف الاتحاد السوفيتي والشيوعيون الى جانب صدام ، وبالنتيجة الى جانب امريكا واوروبا مما سيمنع من ظهور اية ردود فعل سلبية .كذلك فان العراق يعد ثاني بلد في المنطقة من حيث الامكانات التسليحية ، وهو بلد نفطي يمكنه الصمود في حرب طويلة الامد اعتمادا على ثرواته وعلى مساعدات الدول الرجعية العربية في المنطقة ، ودون الاحتياج الى دعم امريكا او اوروبا ماليا او عسكريا - رغم ان التوقعات الاولية من قبل امريكا وصدام كانت تدور حول حرب قصيرة الامد ، تؤدي الى القضاء على الثورة الاسلامية الايرانية بسرعة خاطفة. من جانب اخر ، فان النفسية التسلطية لصدام والنزاعات الحدودية السابقة بين العراق وايران تعد ظروفا مساعدة لدفع صدام الى الاعتداء واحتلال قسم من الاراضي الايرانية . ولو ان العالم امتنع عن قبول الادلة والوثائق التي قدمتها ايران خلال الحرب لاثبات مدعاها في ضلوع امريكا واوروبا والاتحاد السوفيتي في اشعال شرارة الحرب ، فان الاسرار التي انكشفت بعد حرب النفط بين امريكا وصدام ( حرب احتلال الكويت ) والوثائق التي انتشرت دلت على هذه الحقيقة بشكل قطعي . على اية حال في 2 2 ايلول 0 98 1 م بدأ الهجوم العسكري العراقي على طول الحدود المشتركة البالغة 1280 كم ومن اقصى نقطة في الشمال الايراني والى ادنى نقطة - ميناء خرمشهر - في جنوبها ، وترافق الهجوم البري مع هجوم جوي طال مطار طهران - الساعة الثانية بعد ظهر ذلك اليوم - ومناطق اخرى . وتمكنت الماكنة العسكرية الصدامية - والتي تم اعدادها بمساعدة فرنسا وشركات الاسلحة الامريكية والانجليزية والمعدات العسكرية الروسية للقيام بهذا الهجوم - بسرعة من النفوذ لعدة كيلومترات داخل المحافظات الايرانية الخمسة . وتعرضت المقاومة الشعبية المحدودة الى ضربة قوية من قبل الجيش العراقي نتيجة عنصر المباغتة الذي كان لصالح القوات الغازية ، ونتيجة عدم وجود التسليح والخبرة الكافيتين . وبسرعة غريبة تم تخريب المدن والقرى المحتلة ، وتحولت الى انقاض وشرد مئات الالاف من بيوتهم وقراهم ومدنهم . اما الجيش الايراني ، ونتيجة لحوادث الثورة فقد كان مصابا بالتخلخل والتفكك ، وكان يمضي ادواره الاولى في اعادة البناء والتنظيم ، فقد غادر الالاف من الخبراء العسكريين الاجانب والامريكان - خصوصا - ايران بعد انتصار الثورة ، كذلك فان العديد من التجهيزات العسكرية المعقدة والطا ئرات الحديثة والصواريخ المتطورة - والتي كان الشعب الايراني قد دفع اثمانها من كده - تم نقلها في الايام الاخيرة من حكومة النظام الملكي البائد - وبمساعي الجنرال هايزر التي دامت شهرين - الى امريكا(13) . ( هامش ) 13 - كانت عملية اعادة التجهيزات السرية العسكرية والجاسوسية الامريكية فى ايران ، والطائرات الخاصة بالبنتاغون والصواريغ المتطورة ارض - ارض وارض - جو والتي كانت منصوبة في صحاري شرق ايران والمناطق الشمالية والشمالية الشرقية للبلاد وبمحاذاة الحدود السوفيتية ( سابقا ) احدى ثلاث مهمات كان على الجنرال هايزر (مساعد قيادة حلف الناتو ) ان يقوم بها خلال فترة الشهرين التي وفد فيها الى ايران . راجع “ مامورية في طهران “ مذكرات الجنرال هايزر ، وكذلك “ المساعي الاخيرة في الايام الاخيرة “ الدكتور اليزدي ، طبع انتشارات القلم 1984 م ( * ) .
كذلك فان الحرس الثوري - الحديث العهد والذي تم تشكيله بناء على بيان صادرمن الامام - لم يكن يمتلك التجهيزات والخبرة الكافية في الايام الاولى من الحرب ، مضافا الى ان صدام حسين ايضا كان يعلم بكل هذه التفاصيل مستندا الى المعلومات التي زودته بها امريكا وفرنسا وعملاء الطابور الخامس ، لذا فانه كان قد اعد حتى خرائط ( العراق الكبير ) مضيفا فيها الى اراضي العراق الحالية مناطق شاسعة من محافظة خوزستان ومن المحافظات الغربية الايرانية ، لقد كان واثقا من ان النظام الاسلامي عاجز عن مواجهة هذا الجيش الجرار ، وانه سيتعرض للسقوط بسرعة ، كما ان الاستكبار العالمي كان يدعمه ويقف وراءه. لقد قوبل خبر اشتعال الحرب العراقية الايرانية - رغم اهميته - بالسكوت التام من قبل كافة المنظمات الدولية والقوى الكبرى ، هذا السكوت ذا المعنى ، والعداء المتأصل في نفوس الدول الكبرى للجمهورية الاسلامية الايرانية ، والواقع الذي كان تعيشه البلاد ، والقدرة العسكرية البعثية ، كانت كلها ظروفا عقدت عملية اتخاذ القرار . ووقفت ايران امام مفترق يؤدي الى طريقين لاغير : التصميم على المقاومة في حرب غير متعادلة يلفها - حسب الظاهر - الغموض والابهام ، او القبول بشروط امريكا واللجوء اليها للضغط على صدام للانسحاب ، والخيار الثاني يعني التخلي عن الثورة ، وعن الاسلام الى الابد . غير ان هذه الظروف رغم كل تعقيدها ، كانت اقل من ان تعرض الامام الخميني الى التردد في تشخيص مسؤوليته وما عليه ان يتخذه من مواقف . لقد كان الامام يؤمن بقوله تعالى : “ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله ، والله مع الصابرين “( 14) ايمانا شهوديا ، كما انه كان قد طوى - وقبل ان يتنسم مقام القيادة للامة بسنوات - مقامات “ الفناء في الله“( 15) ، ود رس “ الاسفار الاربعة ،)(16) - ا لتي تمثل هجرة الانسان الكامل - نظريا لعدة دورات ، ناهيك عن انه قد قطع تلك الاسفار بمنتهى الكمال على المستوى العملي . مضافا الى انه اورد احكام الجهاد والدفاع في رسالته العملية على انها احكام الهية لايمكن تخطيها .
( هامش ) 4 1 - سورة البقرة - الاية 249 . 15 - ” الفناء في الله “ مصطلح عرفاني يراد به التعبير عن حالة فناء العبد في الحق ( الله ) بمعنى فناء الجنبة البشرية منه في الجنبة الربوبية من الخالق ، وهو نهاية سير العبد نحو الله . وبعد الربوبية ياتي دور العبودية ، الذي تقر فيه ذات العبد وتعترف ، اذا فسلوك العبد من مقام الذات نحو الكمالات يبدا بالصعود حتى يصل به الى مقام العلم بجميع الاسماء عدا تلك التي خض الباري تبارك وتعالى بها ذاته ، وما ان يصل الى هذا المقام حتى تكون صفاته وافعاله فانية في صفات وافعال الحق ، وفي هذا المقام يحصل له مقام “ الفناء من الفناء “ الذي يمثل مقام اخفاء الفناء. 16 - كتاب “ الاسفار الاربعة “ احد مؤلفات صدر المتألمين ، ويقسـم فيه سماحته مسائل الفلسفة باعتبارها ( النكر ) نوعا من السلوك المختص بالذهن ، الى اربعة اقسام :1 - السفر من الخلق الى الحق : ويشمل الامور التي تعد اساسا ومقدمة لبحث التوحيد وفي الحقيقة سير الفكر البشري . 2 - السير بالحق في الحق : ويشمل مباحث التوحيد ومعرفة الله وصفاته . 3 - السير من الحق الى الخلق بالحق : ويشمل باحث الافعال الالهية. 4 - السير في الخلق بالحق : ويشمل مباحث النفس والمعاد . وهو من اشهر كتبه واكثرها تداولا في الحوزات العلمية . ( * ) .
ولو ان احد ا امتلك الاطلاع الكافي عن شخصية الامام الخميني وسيره التكاملي لامكنه الحدس بنوع المسار الذي اتخذه الامام عند المفترق الذي ذكرناه . اول رد فعل صدر عن الامام ، واول بيان اصدره واول حديث القاه بعد الحرب ، وعدوان الجيش العراقي ، كان - ومن حيث علاقته بمعرفة شخصيته ونوع قيادته - مثيرا للعجب للغاية . وهو امريضيق المقام عن تفصيله . لقد اصدر الامام فورا امره بالمقاومة ، واشار في اول تحليل له عن الهجوم الى تحميل امريكا المسؤولية الكاملة عن اشعال هذه الحرب . وطمأن الجماهير بصراحة الى انهم منتصرون لا محالة ، وان العدو مهزوم قطعا اذا كان قيامهم للدفاع في سبيل الله وعلى اساس ان ذلك تكليف شرعي ، رغم ان ظواهر الامور تشير الى خلاف ذلك (17) . ( هامش ) 17 - صحيفة النور ج 13 ص 90 ( * ) .
وفي اليوم التالي من عدوان النظام العراقي على الاراضي الايرانية ، وضح الامام الخميني - ومن خلال بيان خاطب فيه الشعب الايراني المسلم - الخطوط العامة لكيفية ادارة الحرب وامور البلاد في ظروف الحرب ، ولخص ذلك في سبعة بنود قصيره غاية في الجمع والدقة(18) . ثم اصدر بعد ذلك عدة بيانات وجهها الى الجيش البعثي والشعب العراقي لاتمام الحجة عليهما(19) . ثم شرع بادارة وتوجية امر الدفاع المعقد لمدة ثمانية اعوام وباسلوب قل نظيره . في الايام الاولى من الحرب ، توجه عشرات الالاف من ابناء الشعب الى جبهات الحرب متطوعين - واستجابة لبيان الامام - لمساعدة القوات المسلحة ، وتم في المرحلة الاولى ايقاف تقدم العدو ، وذلك بالتضحيات العالية للمقاتلين المسلمين . وكان القتال غيرمتكافىء بشكل كبير. بيد ان الامام الخميني استند كعادته على الله والمؤمنين به ، فراح - وعبر البيانات والخطابات المتوالية - يهيى الامة لحرب طويلة وعصيبة ، فقد كان سماحته يعتقد - مستندا في ذلك الى الايات القرآنية الواضحة - بوجوب الدفاع حتى ازالة العدوان ومعاقبة المعتدي . ( هامش ) 18 - صحيفة النور ج 3 1 ص 94 9 1 - صحيفة النورج 13 الصفحات 95 - 120 ( * ) .
بعد عدة ايام من بداية الحرب خاطب الامام الخميني سفراء الدول الاسلامية المقيمين في طهران بالقول : “ اننا مدافعون عن الاسلام ، والمدافعون عن الإسلام يقدمون لاجل ذلك ارواحهم واموالهم واعزاءهم ولن يتراجعوا عن ذلك ابدا “(20) . في هذا اللقاء - وفي مناسبات اخرى ومن خلال رسائل خطية وبيانات رسمية - طالب الامام الخميني قادة الدول الاسلامية ان يعملوا - وان كانوا يرون ان صدام ( عديم الدين ) رجلا مسلما - بحكم الاية القرآنية “ وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى نفي الى امر الله "(21) ( هامش ) 20 - صحيفة النورج 13 ص 123 - 129 ، حديث الامام في جمع من سفراء الدول الاسلامية ولقائه مع الحبيب الشطي الامين العام للمؤتمر الاسلامي . 21 - سورة الحجرات - الاية 8 ( * ) .
لقد وعد صدام قواته بالفتح السريع الذي لا يتجاوز الثلاثة ايام . لذا فان الجيش العراقي لم ير ضرورة للاستعداد لحرب طويلة مدمرة . لكن القوات العراقية واجهت - وقبل تحقيق الاهداف المرسومة - صلابة وقوة الدفاع الذي تميز به الشعب الايراني . وانتهت مساعي القوات العراقية لكسر الخطوط الدفاعية بالفشل على عدة مراحل بعد تحملها لخسائر فادحة . ورويدا رويدا اتضح لامريكا خطأ حساباتها ومرارتها . فبدات مرحلة من الضغط السياسي على ايران بقيادة البيت الابيض ، وعن طريق المنظمات الدولية والبلدان العربية . فهؤلاء وبدلا من ادانة المعتدي ، بادروا الى الضغط على ايران الاسلامية لقبول وقف اطلاق النار . والحال ان القبول بوقف اطلاق النار في تلك الظروف كان يعني مكافاة صدام المعتدي على اعتداله وتحقيق هدفه وهدف اعداء الثورة الذي لم يتمكنوا من تحقيقه من خلال جبهات ا لحرب . ان ايران لم تشن الحرب حتى تبادر هي الى ايقافها ، وقد وقفت بوجه المعتدي في احلك الظروف لمنعه من المزيد من التقدم ،كما ان العدو احتل عشرات المدن ومئات القرى ومساحات شاسعة من المناطق النفطية في غرب وجنوب البلاد ، كما ان الحرب ليست دائرة على طرفي الحدود بين البلدين حتى يصار الى مطالبة من وقع عليه الهجوم بالقبول بوقف اطلاق النار . وعلى فرض ان صدام لايريد من وقف اطلاق النار التقاط انفاسه واستعادة قواه لمعاودة المحاولة لتحقيق اهدافه ، فان قبول وقف اطلاق النار من قبل ايران سيعني ان القوات العراقية المعتدية ستبقى في عمق الاراضي الايرانية ، مما سيضطر الجمهورية الاسلامية الى اعطاء الامتيازات الهائلة ولسنوات لاسترداد كل متر مربع من اراضيها المحتلة وستجبر على استجداء المنظمات الدولية والسماسرة السياسيين وبالنتيجة العامل الاصلي لاشعال الحرب (امريكا ) لمساعدتها في استرداد اراضيها. وهذا منطق لايرضاه اي حر غيور ، ناهيك عن الامام وجماهيره الذين خرجوا منتصرين للتو من ميدان القيام على اشد الملوك استبداداً في المنطقة . هذا فضلا عن ان صدام لم يقدم اية ضمانات في كل تلك المقترحات المطروحة على سرعة انسحابه من الاراضي الايرانية ، بل انه ادعى رسميا بان المناطق المحتلة - وحتى التي لم تقع ضمن الاحتلال بعد - يجب ان تلحق بالاراضي العراقية ! وهذا الادعاء مشابه لما ادعاه عند احتلاله الكويت حينما اطلق عليها اسم المحافظة العراقية التاسعة عشرة ! . والحقيقة ان ايا من الدول التي بادرت - بعد اتضاح حقيقة عجز صدام عن اسقاط نظام الجمهورية الاسلامية - الى الحديث عن وقف اطلاق النار والضغط على ايران لقبول السلام ، لم يكونوا يرغبون في السلام حقيقة ، وهم يعلمون مسبقا بان اي شعب واي بلد لا يمكنه في ظروف كهذه القبول بالاستسلام . والسلام كان بالنسبة لهم عصا يسلطونها على ايران لازوائها وعزلها . واهم من كل ذلك فان الدول الرجعية العربية كانت تهدف من ادعاء السعي للسلام وايقاف اطلاق النار التخفيف من حدة الضغط الذي كانت تتعرض له من شعوبها الاسلامية ، والا فما لها والدفاع - من كافة النواحي - عن معتد معروف كصدام ، والوقوف بوجه بلد سخركل وجوده وامكاناته للدفاع عن الإسلام ؟ ان امريكا ، والدول الاوروبية والعربية لم تكن صادقة في دعوتها للسلام . وسنورد ادناه اسطع دليل على ذلك ودون الحاجة لعرض اية وثيقة ان صدام وبعد اول سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة التي قامت بها ايران في العام الثاني من الحرب ، لم يتمكن من الصمود حتى لفترة شهر واحد دون الاعتماد على المساعدات المالية الهائلة التي قدمها له شيوخ العرب ، ودون الاستفادة من التجهيزات العسكرية المتطورة التي قدمتها له الدول الغربية . فلو انهم كانوا صادقين في ادعائاتهم لكفاهم قطع الامدادات عن صدام بدلا عن المشاركة في الحصار التسليحي والاقتصادي والنفطي على الجمهورية الاسلامية الا يرانية . ان جرم ايران يتمثل في مواجهتها لعدوها الذي غزا ارضها واستقر فيها وعرض الاف الابرياء للمذابح البشعة خلال الايام الاولى من عدوانه ، وشرد مئات الالاف عن ديارههم . ورغم ان الدول العربية التي وقفت مع صدام ، قدمت اعتذاراتها الرسمية الى ايران - بعد احتلال الكويت من قبل صدام - واقرت باخطائها ، الا ان ذلك لا يقلل من جسامة مسؤوليتهم وجريمتهم - هم والدول الغربية وصدام في استمرار الحرب واطالة امدها. وبالاستدلال السابق ، كان الامام الخميني يواجه الهيئات والوفود التي كانت تفد الى ايران من اجل وقف اطلاق النار ، ويعلن بانه وشعبه سيواصلان الدفاع حتى يتحقق دفع المعتدي الى خارج الحدود ، وحتى يتم اجباره على دفع خسائر هذه الحرب . غير ان الصخب الاعلامي الغربي كان شديدا الى درجة حالت دون وصول صوت مظلومية الشعب الايراني الى الاسماع . بالتدريج قلبت الحقائق ، واظهرت ايران على انها عدوانية الطبع ، وان صدام راغب في السلام . لكن هذه الضغوط وهذا التزوير لم يؤثرا ايضا في موقف الامام والشعب الايراني الصلب والثابت ، وبعد عزل بني صدر ورسوخ خط الامام في اركان الجهاز التنفيذي ، نفذت سلسلة من عمليات التحرير للمناطق المحتلة من قبل الحرس الثوري . قبل ذلك كان امر الامام الخميني بتأسيس التعبئة العامة وتشكيل جيش العشرين مليون قد لقي استقبالا من الشبان الثوريين الايرانيين ، واتخذت ايران طابعا من الحركة تميزت بالدورات التدريبية والتوجيه لجبهات القتال ، وادت النجاحات المتوالية لمقاتلي الحرس الثوري الى ظهور ا ثار الانكسار والهزيمة على جبهة العدو البعثي بشكل جلي . وبالتدريج ظهر الوجه الحقيقي لامريكا وحلفائها ، فانهالت الاسلحة المتطورة - والتي كان بيعها يتم حتى في حالات السلام ضمن شروط صعبة ومفاوضات قد تستغرق عدة سنوات ، ويمثل اعطاؤها نوعا من الامتياز - بسرعة على صدام وكان من جملة ذلك صواريخ كروز وطائرات السوبراتندار الفرنسية ، كذلك توافدت شحنات صواريخ سكود المتوسطة المدى وطائرات الميغ 29 وسائر التجهيزات العسكرية الروسية على صدام بلا انقطاع لتقوية ماكنته العسكرية الحربية . حتى ان تقنية زيادة مدى الصواريخ وموادها الاولية وتقنية صناعة المواد الكيميائية اهديت هي الاخرى من قبل الشركات الامريكية والاوروبية الى صدام لكي يتمكن من التفوق على الجمهورية الاسلامية الايرانية . في ذلك الوقت اجبرت العربية السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة ودول الخليج الفارسي الاخرى من قبل امريكا على تامين ميزانية الحرب الصدامية - وقد اعلن النظام العراقي ذاته بشكل رسمي اسرار تلك المساعدات العربية - والعراق اليوم مدين باكثر من 80 مليار دولار لتلك الدول عن المساعدات التي قدمت له طوال الاعوام الثمانية من الحرب . اما مصر ففضلا عن تقديها الطيارين والطائرات ، فقد ارسلت عدة الاف من الجنود المصريين للمشاركة في الحرب ، وكان للاردن دور داعم مشابه . القصف المكثف للمدن والقرى والمراكز الاقتصادية واطلاق الصواريخ المخربة على المناطق المسكونة كانت حلقة اخرى في سلسلة جرائم صدام التي اغمض المجتمع الدولي والدول المتشدقة بالدفاع عن حقوق الانسان عيونها عنها وهيأت بدلا عن الشجب والاستنكار وسائل تنفيذ تلك الجرائم لصدام . وقداختطفت تلك الاعتداءات مئات الضحايا من الاطفال والنساء والعزل . وقد قاد الامام الخميني عملية الدفاع المقدس في ظروف كانت ايران تعاني رسميا من الحصار التسليحي من قبل امريكا واوروبا ، وكانت مضطرة احيانا للعمل لعدة اشهر من اجل الحصول على قطعة غيار واحدة لاحدى طائراتها . ان الكثير من دول العالم اما انها اختارت السكوت في مقابل تلك الاعتداءات ومارست الضغط على ايران ، او انها وقفت رسميا الى جانب صدام ودافعت عنه . كما ان اكثر الدول المصنعة للسلاح في العالم سواء شرقية كانت او غربية دعمت صدام ووقفت الى جانبه . ووقفت ايران وحيدة فريدة للدفاع عن نفسها ،ولم يكن للشعب من دعامة يستند اليها غير الايمان بالله والايمان بالامدادات الغيبية وارشادات هذا العالم الرباني . والعجيب ان هذه الجبهة المظلومة والوحيدة تمكنت في النهاية من تحقيق النصر وتعقب العدو قدما بقدم حتى عقر داره . وتجدر الاشارة الى انه وفي العام الثالث للحرب ، وبعد نجاح عمليات بيت المقدس الكبرى والتي انتهت بتحرير ميناء خرمشهر الاستراتيجي من ايدي القوات العراقية ، ابدى الامام رغبته في ضرورة انهاء الحرب والدفاع في تلك الفترة ، الا ان مسؤولي النظام الاسلامي الملتزمين ، بما في ذلك القادة العسكريون والمسوولون السياسيون في البلاد ، اعربوا للامام - بعد دراسة جميع الظروف السياسية والعسكرية في البلاد واوضاع الجبهات - عن اعتقادهم بضرورة مواصلة الدفاع حتى تحقيق الظروف المناسبة لاقامة سلام دائم . وقد اشاروا الى ان قسما من الاراضي الايرانية ما زال تحت احتلال القوات العراقية المعتدية ، كذلك فان صدام ورغم تعرضه الى هزيمة ساحقة بعد تحرير خرمشهر ، لم يكن مستعدا بعد للقبول بالحقائق والتراجع عن اهدافه التوسعية ، فهو لم يكن يفكر بالسلام وانما كان يفكر ونتيجة لاعتماده على الدعم اللامتناهي الذي وفرته له الدول الكبرى - بجبران هزيمته ، وذلك عبر اعادة تسليح قواته ومعاودة الهجوم العسكري على ايران ، لذا فان السلام في ظروف كهذه لا يمكن الاعتماد عليه . وان صدام لايزال مصرا على ادعاءاته السابقة . عليه فان ايقاف الحرب من جانب ايران ، سيجعل المدن المحررة والمناطق الحدودية ، عرضة للهجمات العراقية المحتملة في المستقبل وسيجعلها غير قادرة على الدفاع عن نفسها . على اية حال ، فاستناد ا للاستدلال السابق مضافا الى ما كانت تمارسه التنظمات الدولية من الكيل بمكيالين ، وعدم قبولها بالشروط الايرانية المنصفة لانهاء الحرب ، ومواصلة القوى الكبرى دعم وتقوية الماكنة العسكرية العراقية ، كلها كانت اسبابا دفعت القائد والشعب الايراني الى القبول بمواصلة الدفاع المقدس . ثمانية اعوام من حياة الامام الخميني مرت في قيادة هذا الدفاع المقدس ، ولم تؤد المساعدات المختلفة الى صدام من تغيير ظروف الحرب التي كانت تتغير بسرعة لصالح جيش الاسلام . في الفترة التي اشتدت فيها حرب المدن وحرب الصواريخ اضطرت امريكا للتدخل المباشر ، فتوجهت حاملات الطائرات والسفن الحربية الفرنسية والبريطانية والامريكية والروسية نحو مياة الخليج القارسي ، فلم يبق امام امريكا من خيار سوى تدويل الحرب وتوريط دول اخرى فيها ، فبدات حرب ناقلات النفط . وقد تركزت مهمة القوات الوافدة الى المنطقة على منع النفط الايراني من الصدور وايقاف وتفتيش السفن التجارية للحيلولة دون وصول المواد الاولية والبضائع الاساسية الى الجمهورية الاسلامية الايرانية . وفي هذا الاطار تعرضت العديد من السفن النفطية الايرانية الى هجمات صاروخية وجوية ، كما اضرمت النار في الابار النفطية الايرانية في الخليح الفارسي ، وبلغ الامر بامريكا بعد ذلك ان اقدمت على ارتكاب جريمة مروعة ، وذلك باطلافاها صاروخين من حاملة الطائرات وينسنس نحو طائرة ايرباس مدنية ايرانية تابعة لخطوط الجمهورية الاسلامية ( الرحلة رقم 655 ) في شهرتموز 1988 فاسقطتها مما ادى الى استشهاد جميع من كانوا على متنها فراح ضحية الحادث 290 شخصا من الاطفال والنساء والرجال . وقد لاذ العالم - الظالم والبعيد عن الحق - بالصمت ازاء هذه الجريمة لمجرد انها وقعت بحق اناس كانوا يطالبون بالاسلام ، وهذا في نظر الغرب يعد لحاله جريمة لا تغتفر ! وهي نفس جريمة البوسنيين المظلومين اليوم فهم يتعرضون للابادة التامة عقابا لهم على هذا الذنب !. اما صدام فقد ختم صحيفة اعماله العسكرية بجريمة قل نظيرها في التاريخ ، فقد قام بقصف مدينة (حلبجة) العراقية بالمواد الكيميائية ، الامر الذي ادى الى استشهاد اكثر من خمسة الاف مواطن اعزل كان اكثرهم من الاطفال والشيوخ . ولم يتحرك ضمير هيئة الامم المتحدة لهذه الفاجعة ايضا. ان تجحفل قوات الغرب في الخليج الفارسي ، وما حصل خلال الاشهر الثمانية الاخيرة من الحرب لم يكن الا لان جيش الاسلام كان في موقع متفوق تماما على جيش العدو الذي فر من اغلب المناطق المحتلة الى ما وراء الحدود . ان سقوط صدام المحتمل على ايدي ابطال الاسلام - او هزيمته على الاقل دفع القوى الكبرى الى المبادرة الى دعمه ومساعدته ، وانصبت جهود امريكا وهيئة الامم المتحدة الان وخلافا لمنحاهم السابق على السعي لسد الطريق امام تقدم المقاتلين الايرانيين والحيلولة دون سقوط صدام . صادق مجلس الامن على القرار ( 598 ) والذي شكل في اغلبه اراء ومطالب وشروط ايران السابقة لالقاء السلاح - والتي كانت قد اصرت عليها منذ بدء الحرب ومبادرتها للدفاع عن نفسها ، لكن المنظمات الدولية لم تقبل بها سابقا املا بانتصار صدام . المصادقة على هذا القرار من جهة ، والجرائم المفجعة التي ارتكبت من قبل مشعلي الحرب في الاشهر الاخيرة منها من جهة اخرى ، دفعت الامام الى اصدار اوامره الى هيئة من المتخصصين العسكريين والسياسيين والاقتصاديين الايرانيين الملتزمين بدراسة المستجدات على ساحة المواجهة . وعند انهاء دراستها للامر قدمت الهيئة تقريرها الذي تضمن الاثارة الى ان الوقت مناسب لايران لاثبات حقها في هذا الدفاع المقدس الذي دام ثمانية اعوام ، ان عليها ان تقبل بايقاف الحرب على اساس القرار ( 598 ) .
وفي 0 2 / 7 / 1988 اصدر الامام بيانه المعروف باسم ( بيان الموافقة على القرار ) والذي يعد من افضل الادلة على كفاءة قيادته وادارته ، ففي هذا البيان استعرض سماحته الحرب المفروضة وابعادها بشكل جلي ، ورسم الخطوط المستقبلية للنظام وللثورة الاسلامية في جميع الميادين ، بما في ذلك المواجهة للقوى الكبرى والثبات على الاهداف والغايات التي حددتها الثورة . وقد عبر الامام الخميني عن قبوله بالقرار بعبارة “ تجرع السم الزعاف “ الامر الذي يخفي بين طياته من الامور والمسائل الدقيقة مالايتسع المقام لعرضه ، لذا نكتفي بذكر مقطع من بيان الامام الخميني هذا ، يقول سماحته : “ واما فيما يتعلق بقبول القرار الدولي والذي يعد في الحقيقة موضوعا شديد المرارة صعب الاستقراء للجميع خصوصا بالنسبة لي . ذلك لاني ولفترة قريبة كنت اؤمن باسلوب الدفاع والثبات على المواقف المعلنة السابقة بالنسبة للحرب ، وكنت ارى بان مصلحة النظام والبلاد والثورة في تنفيذ تلك المواقف ، غير ان الحوادث والعوامل التي اود عدم الخوض في تفيصلاتها املا ان تتضح مستقبلا ، والاراء التي اتفق عليها المتخصصون السياسيون والعسكريون من ذوي المقامات الرفيعة في البلاد ممن اثق في تدينهم واخلاصهم وصدقهم ، دفعتني الى القبول بالقرار الدولي ، والموافقة على وقف اطلاق النار ، اني اعتبر ذلك الان في مصلحة الثورة والنظام . والله يعلم بانه لو لم يكن الداقع من ذلك جعلناجميعا مضحين بعزتنا واعتبارنا في مسار مصلحة الاسلام والمسلمين ، فانني لم اكن لاقبل بهذا الامر مطلقا ولكان الموت والشهادة احلى مذاقا بالنسبة لي . ولكن ما العمل ونحن جميعا مطالبون بالاذعان لمايرضي الله تعالى . ومن المسلم ان الشعب الشجاع البطل كان - وسيبقى - متحركا على اساس هذه المعايير “(22) وتماما كما حذر الامام مرارا - من ان ادعاءات صدام للسلام لا تعدو كونها محاولة لتضليل الرأي العام - فان الواقع اثبت ذلك ، فبعد قبول ايران بالقرار الدولي ، بادر صدام حسين الى الهجوم مجددا وارتكاب حماقة جديدة باندفاعه في الجبهات الجنوبية لاحتلال مناطق منها ، غير ان انتشار بيان الامام الحماسي والعاطفي ادى مرة اخرى الى موجة من التطوع في صفوف قوات التعبئة وتجمع الطاقات الثورية المقاتلة من اقصى نقاط البلاد للتوجه نحو المناطق الجنوبية ، وبذا فقد ادت سرعة تحركهم وتنظيم قواتهم الى تحميل العدو خسائر فادحة ومسارعته الى الفرار من هناك . ولم يبق امام صدام من طريق سوى القبول بالهزيمة.
(هامش ) 2 2 - صحيفة النور ج 5 2 ص 227 ( * ) .
وبذا - وبمشيئة الله وكما وعد الامام الخميني - فان الشعب الذي فرضت عليه الحرب ، استطاع فرض السلام على عدوه - المغرور سابقا والخائب حاليا - وذلك بتقديمه الكثير من اعزائه ، وبتسطيره البطولات والملاحم التي لم نر مثيلا لها الا في الحروب التي خاضها المسلمون الاوائل في عصر صدر الاسلام . لقد جاء صدام - بايعاز من امريكا - لتقسيم ايران والقضاء على الثورة الاسلامية ، الا انه اليوم مضطر - ومن اجل حفظ حياته ونظامه المفروض على الشعب العراقي المظلوم - الى القبول بشروط الشعب الايراني الثائر . وعليه انتهت الحرب التي دامت ثمانية اعوام . ولم يوفق مشعلو فتيلها من تحقيق اي هدف من اهدافهم . ولم يبق النظام الجمهوري الاسلامي قائما وحسب ، وانما تمكن ومن خلال الوحدة الوطنية لجماهيره المسلمة في ايران ، من القضاء على الطابور الخامس في داخل البلاد ، وحكم من قدرته وحاكميته على جميع البلاد . اما على الصعيد الخارجي فقد ظهرت الجمهورية الاسلامية على انها قوة ثابتة لا تهزم تمكنت من اثبات حضورها الفاعل على المستوى الدولي واثبات حقانيتها رغم ثمانية اعوام من الاعلام المكثف المعادي ، واستطاعت ابلاغ رسالتها للعالم . وطبيعي انها دفعت من اجل سلوك هذا الطريق الثمن الباهظ المطلوب “ ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم “ ( 23) . ان هناكبر ذنوب وجرائم صدام وجميع الحكومات العربية - الاسلامية الظاهر - التي شجعته على الاعتداء ودعمته طوال فترة الحرب ، علاوة على جريمتهم في هدر الطاقات الانسانية والاقتصادية العظيمة لكلا البلدين ( ايران والعراق ) في تلك الحرب المشؤومة - يتمثل في تأخير الوحدة الاسلامية والثورة الاسلامية الكبرى - التي كانت قاب قوسين او ادنى بعد سقوط النظام الملكي الايراني - ولسنوات طويلة قادمة ، وعرضت صفوف المسلمين الى التفرق والاختلاف ، وعوضا عن التربيت على يد الاخوة التي مدها الامام الخميني بعد 11 شباط ( يوم انتصار الثورة ) - عبر جميع البيانات والخطابات - الى الحكومات الاسلامية ، وقبول دعوته للاتحاد وحل مشكلات العالم الاسلامي وتحرير القدس ، تراها وقفت الى جانب اساطين الكفر . وطبيعي فان هذا الطريق لا يوصل سوى الى التسليم المذل امام اسرائيل ، والاعتراف رسميا بوجود هذه الغدة السرطانية واستقبال عساكر الكفر في بلدانهم ، وتسليم ثرواتهم القومية واراضيهم لامريكا لكي تستقر في قلب البلدان الاسلامية وفي مهبط الوحي . ( هامش )
ان الهجوم الصدامي المجنون على الكويت وتدميره لكيان تلك الدولة ، والنتائج المرة التي ترتبت على ذلك الاحتلال من تخريب البنية الاقتصادية والاجتماعية للشعب العراقي والحضور الدائم لاعداء الاسلام في المنطقة انما يمثل عقوبة هذا الذنب الذي لا يغتفر “ فاعتبروا يأولي الابصار “ ( 24) . ( هامش ) 24 - قسم من الاية 2 من سورة الحشر ( * ) .
بعد استقرار السلام النسبي ، حدد الامام الخميني للمسؤولين في الجمهورية الاسلامية وعبر بيان اصدره في 3 / 0 1 / 1988 في تسعة بنود ، السياسات والبرامج اللازمة لاعادة بناء البلاد . ويكفي لاستشراق عمق تفكير الامام ، واصالة القيم من وجهة نظره ، مطالعة هذا البيان بدقة(25) . ثم وبعد مرور عشرة اعوام من التجربة بالنسبة للنظام الجمهوري الاسلامي ، اصدر الامام الخميني في 4 2 / 2 / 989 1 - ولاجل اصلاح وتكميل ركائز نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية - اوامره وضمن رسالة الى رئيس الجمهورية انذاك ( اية الله الخامنئي ) - بتشكيل هيئة من المحققين والمتخصصين لدراسة وتدوين التعديلات اللازمة في الدستور على اساس ثمانية محاور محددة في نفس الرسالة ، اهمها اصلاح المواد المتعلقة بالشروط اللازم توافرها في القائد ، ايجاد المركزية في السلطتين التنفيذية والقضائية والاذاعة والتلفزيون ، وتحديد مسؤوليات مجمع تشخيص مصلحة النظام (26) . ( هامش ) 25 - صحيفة النورج 1 2 ص 36 26 - صحيفة النورج 1 2 ص 122 ( * ) .
وقد تم طرح المواد الدستورية المعدلة للاستفتاء الشعبي في 3/ 2 1 / 989 1 م ( بعد رحيل الامام ) وصوتت عليها الجماهير باغلبية مطلقة .
- توقع الامام الخميني انهيار الماركسية : اقدم غورباتشوف - اخر زعيم سياسي للاتحاد السوفيتي - على القيام باصلاحات وتغييرات في بنية القطب الشيوعي العالمي . ولم يزل المحللون السياسيون وقادة الغرب ينظرون بعين التردد والشك الى ما يفعل دون ان يصدقوا بان هذه التحولات التي تجري في هذا النظام الملحد - الذي عمر سبعين عاما - ستمتد الى جذوره العميقة ، واقصى ما توقعوه هو ان يقوم قادة الكرملين في النهاية باهمال بعض العلاقات المباشرة بين بلدان الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي للتخفيف من المشكلات الاقتصادية الداخلية وتأسيس نظام جديد للشيوعية يقوم على قيادة ا كثر محدودية للاتحاد السوفيتي ومسؤولية ا كثر للبلدان التي تدور في فلكها . في حين ان الامام الخميني وببصيرته غير القابلة للدرك - بالنسبة للمحللين الماديين - بعث برسالة في تلك الايام وبتاريخ 1 / 11 / 1989 الى غورباتشوف توقع فيها انهيار الماركسية فكتب يقول : “من الان فصاعدا ينبغي ان يبحث عن الماركسية في متاحف التاريخ السياسي للعالم “(27) في تلك الرسالة عرض الامام الخميني اعمق التحليلات عن التحولات الجارية في الاتحاد السوفيتي وعبر عما يجري بالقول : “صوت تهشم عظام الماركسية “ والعجيب انه توقع في نفس الرسالة توقعا قرنه بالتحذير ، مما يشير الى احاطة الامام الخميني بالظروف السياسية للعالم في تلك الايام . فقد حذر سماحته بوضوح من تقلب الروس نحو الروضة الخضراء - ظاهرا - للراسماليين الغربيين والانخداع بما تطرحه امريكا . ( هامش ) 27 - تم نشر النص الكامل لرسالة الامام الخميني هع شرح من قبل اية الله الجوادي الاملي في كتاب “ نداء التوحيد - رسالة الامام الخميني الى غورباتشوت “ . طبع مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ).( * ) .
لقد طالب الامام الخميني غورباتشوف بالايمان بالله بدل تعليق الامال على الماديين الغربيين معتمدا في مطالبته على عرض المسائل الفلسفية والعرفانية العميقة مشيرا الى فشل الشيوعيين في سياستهم في محاربة الاديان . قال الامام في رسالته : “ ان مشكلة بلدكم الاصلية لا تكمن في مسألة الملكية والاقتصاد والحريه ، ان مشكلتكم انما تكمن في عدم الاعتقاد الواقعي بالله ، وهي نفس المشكلة التي يعاني منها الغرب والتي جرته نحو الابتذال ووصلت - او انها ستصل به - الى طريق مسدود “( 28) . الا ان القادة السوفيت لم يحملوا نصائح الامام وتحذيراته - للاسف - على محمل الجد ، مما اتاح للشركات الامريكية والاوروبية ، ان تجعل من روسيا الحالية العوبة لمطامعها الاقتصادية ، وتعرضها لنوع جديد من الاستثمار الذي لايحمل معه فى المستقبل سوى الظلام والانتهاء الى الطريق المسدود ، الا اذا افاقت الجماهير الروسية وعادت الى رشدها . من الجدير بالذكر ان ( شيفاردنادزه ) وزير خارجية الاتحاد السوفيتي انذاك ، حينما وفد يحمل رد الرئيس السوفيتي الى الامام الخميني ، اذهله ان راى ان هذا العملاق الصلب الذي يوجه التحذيرات بصراحة عجيبة الى قادة ثاني قوة في العالم ، يعيش في بيت صغيربسيط في جماران في غرفة لا تتجاوز مساحتها 12 مترا مربعا ، مكتفيا بوسائل واثاث في منتهى البساطة ودون وجود اي اثر من المراسم والتشريفات المعمول بها . اذهله ان يرى الامام جالسا باطمئنان واستقامة كالطود يضع الى جانبه نسخة من القرآن الكريم وسجادة صلاة ومسبحة وعدد ا من الصحف ومذياعا صغيرا وقد ازدادت حيرة ( شيفردنادزه ) وتعجبه ا كثر حينما التفت الى انه لايوجد كرسي اخر ليجلس عليه مرافقه الروسي ذا المنصب الهام ، وان على الاخير ان يجلس على الارض - ولو لمرة واحدة - او لعل وزير الخارجية السوفيتي ظن بان قدح الشاي مع حبتي القند - الذي قدمه له الشيخ العجوز الذي كان في خدمة الامام - كان امرا متعمدا واستثنائيا ، غير ان الحقيقة غير ذلك ، فالامام لم يغير اسلوبه في العيش ببساطة خلال جميع ادوارحياته سواء حينما كان وحيدا ومغتربا ومنفيا او خلال عهد زعامته الدينية وقيادته السياسية وحتى اخر لحظة من عمره . ولم يقبل لنفسه ان يغير من اسلوبه امام المقامات الدنيوية الاعتبارية مهما عظمت وتسامت .
( هامش ) 28 - المصدر السابق ( * ) .
- الدفاع عن النبي الاكرم ( ص ) والقيم الدينية : بعد توقف الحرب بين العراق وايران ، بدا القادة السياسيون الغربيون نوعا جديدا من الهجوم على الاسلام الثوري لقد ادرك هؤلاء الساسة - ومن خلال الحرب العراقية الايرانية والمواجهة التي وقعت بينهم وبين حزب الله لبنان ، ومن نشوء المنظمات الفلسطينية الاسلامية والجهاد الاسلامي للافغان ، ومن عملية اغتيال السادات على ايدي المسلمين الثوريين المصريين في ( 6 / 10 / 1981 ) بان الحركة الاسلامية المتنامية ، وانه لايمكن القضاء عليها بالسلاح وبالاسلوب العسكري . لذا فقد لجاوا الى فتح جبهة جديدة يتم فيها الصراع على اساس روحي وتقافي وايديولوجي . ولماكان بت الفرقة بين المسلمين على اساس مذهبي وطائفي قد فقد قدرته نتيجة لوعي الامام الخميني ومسؤولي النظام الاسلامي . توجه هؤلاء لضرب الجذور والاسس الاساسية المحركة لهدا التيار ، وهي المباني الاعتقادية والمقدسات التي ادى عشقها الى توحيد الاهداف والاساليب بين مختلف اتجاهات الحركة الاسلامية . فكان تنظيم ونشر الكتاب المبتذل “ الايات الشيطانية " لمؤلفه ( سلمان رشدي ) والدعم الرسمي للدول الغربية له بداية لفصل جديد من الهجوم الثقافي . ولو ان الامة الاسلامية لم تبد اية مقاومة ازاء ما جرى من المساس بشخصية الرسول الاكرم ( ص ) لتم الاستيلاء على الخندق الاول من خنادقها الدفاعية ، ولتم بعد ذلك الهجوم على الاسس الدينية والمقدسات والاعتقادات بما وراء الطبيعة وسائر القيم المعنوية في المجتمعات الاسلامية بمختلف الاساليب . ان هوية التفكر الديني والهوية التي توحد الامة الاسلامية انما تتشكل من هذه المقدسات وان التشكيك بها يؤدي الى تضييع الهوية الذاتية للعالم الاسلامي والحركات الاسلامية ويجردها من اي سلاح في مقابل الهجوم الثقافي والايديولوجي من قبل الغرب . واستنادا الى الحقائق والاسباب التي ذ كرناها ، اصدر الامام الخميني في 14/2/1989 حكما مختصرا اعلن فيه ارتداد ( سلمان رشدي ) وحكم عليه بالاعدام هو ومن ينشر كتابه اذا كان مطلعا على محتوى الكتاب من الامور المؤدية الى الكفر( 29) . ( هامش ) 9 2 - صحيفة النورج 1 2 ص 86 ( * ) .
بذا فقد اشعل الامام فتيل ثورة جديدة فوحد المسلمون صفوفهم بصرف النظر عن مذاهبهم والسنتهم وبلدانهم للوقوف بوجه الغرب ، وقد اظهرت النتا ئج - التي ترتبت على هذه الواقعة - المجتمع الاسلامي على انه امة واحدة ، وان المسلمين - رغم اختلافاتهم الداخلية والجزئية - متى ما توفرت لهم القيادة الصحيحة استطاعوا ان يقوموا - وباعتبارهم روادا - بدور فاعل في حركة احياء القيم الدينية في مستقبل العالم . كذلك فان اصدار هذا الحكم بدد التصورات الغربية الموهومة حول تخلي ايران عن اهدافها الاسلامية الثورية بمجرد قبولها بالقرار ( 598 ) .
- السنوات الاخيرة من عمر الامام والاحداث المرة : نقل المقربون من الامام الخميني في مذكراتهم مسائل عن حالات سماحته وروحيته في اواخر عمره ، تشير الى ان سماحته كان يرى قرب اجله ودنو موعد اللقاء بالمحبوب . وناهيك عن الحالات العرفانية للامام في تلك السنوات ، فان خصائص بياناته وخطاباته وطبيعة المواقف التي كان يتخذها واساليبه السياسية اخذت عما كان عليه في السابق وسنورد نماذج من ذلك فيما يلي : وقعت في تلك السنوات عدة حوادث ثقل اثرها على روح الامام الخميني وقلبه ، احداها استشهاد عدد كبير من الحجاج الايرانيين المظلومين في جوار بيت الله وفي موسم الحج لعام 1987 . كان الامام يعتقد برسوخ - واستنادا الى مئات الايات القرآنية الصريحة وسنة النبي الاكرم ( ص) وسيرة ائمة الدين وما لا يحصى من الروايات المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام ) - بان السياسة جزء من الدين ، وان عملية فصل السياسة عن الدين - والتي شاعت خلال العقود الاخيرة من هذا القرن - انما روح لها المستعمرون ، وان النتائح المشؤومة لهذا الفصل واضحة في العالم الاسلامي وبين اتباع سائر الاديان الالهية . ان الامام الخميني يعتقد بان دين الاسلام عقيدة لهداية البشر في جميع مراحل وابعاد وادوار الحياة الفردية والاجتماعية ، ولما كانت العلاقات الاجتماعية والسياسية جزء لا يتجزا من حياة البشر فان اعتقاد الامام الخميني يتمثل في ان الاسلام الذي يهتم فقط بالجوانب العبادية والاخلاقية الفردية ، ويصد المسلمين عن تقرير مصيرهم وعن المسائل الاجتماعية والسياسية ، اسلام محرف وكما يقول سماحته “ اسلام امريكي “كما ان سماحته وقد شرع بنهضته ايضا على اساس فكرة عدم الانفصال بين الدين والسياسة ، وواصله على هذا الاساس . لقد بادر الامام الخميني بعد انتصار الثورة الاسلامية و علاوة على تشكيل الحكومة الاسلامية - وباسلوب يختلف بشكل كامل عن الانظمة السياسية المعاصرة - وضحت اركانه واصوله في دستور الجمهورية الاسلامية - الى احياء الشعائر الاجتماعية للاسلام والروح السياسية للاحكام الاسلامية احياء واقامة مراسم صلاة الجمعة ، ومراسم صلاة الاعياد الاسلامية الكبرى في مختلف انحاء البلاد ، على انها عقيدة عبادية سياسية وطرح المسائل والمشكلات التي يتعرض لها المجتمع الاسلامي داخل البلاد وخارجها في خطب صلوات الجمعة والاعياد الدينية ، وتغيير اسلوب ومحتوى مراسم العزاء والرثاء تعد نماذج من ذلك . احد ابرز اعمال الامام الخميني ، احياء الحج الابراهيمي . فالى ما قبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران كانت مراسم الحج - ونتيجة نوع التفكير والطبيعه العميلة لحكام البلدان الاسلامية وبالاخص حكام السعودية - التي تقام سنويا خالية من الروح الواقعية . فقد كان المسلمون يؤدون مناسك الحج وهم غافلون تماما عن فلسفة تشريع هذا التجمع الديني السنوي الكبير ، ومع ان الحج - وكما نصت عليه الاية القرآنية “ جعل الله الكعبه البيت الحرام قياما للناس “( 30) - يعتبر من ابرز مظاهر التلاقي واعلان البراءة من المشركين ، لايرى الناظر الى الحج اي اثر من طرح مشكلات العالم الاسلامي والبراءة من المشركين . في وقت تعيش فيه المجتمعات الاسلامية احلك الظروف وتتعرض لهجمات المستعمرين واسرائيل من كل ناحية . وبعد انتصار الثورة الاسلامية ، اكد الامام الخميني - ومن خلال البيانات السنوية التي كان يصدرها في موسم الحج مخاطبا الحجاج - على وجوب اهتمام المسلمين بالامور السياسية للعالم الاسلامي ، وعلى ان اعلان البراءة من المشركين ، ركن من اركان الحج ، وعلى توضبخ مسؤوليات الحجيج في هذا الخصوص . وبالتدريج اتخذ مؤتمر الحج العظيم شكله الحقيقي وصارت مسيرة البراءة تقام سنويا بمشاركة عشرات الالاف من الحجاج الايرانيين والمسلمين الثوريين من البلدان الاخرى ويرددون خلالها شعارات تدور حول اعلان البراءة من امريكا والاتحاد السوفيتي واسرائيل باعتبارها ابرز التصاديق للشرك والكفر العالمي ، وحول دعوة المسلمين الى الاتحاد ، وتزامنا مع ذلك كانت الموتمرات تقام من اجل تبادل الاراء بين المسلمين وتحري الحلول لمشكلاتهم وتاخذ ابعادا مختلفة . وقد ادى التاثير المذهل لهذه الخطوات الى دفع امريكا الى زيادة ضغطها على حكومة السعودية للحيلولة دون تنامي هذه الامور او اقامتها اساسا . ( هامش ) 30 - ” جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس “ المائدة - الاية 97 “ واذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان الله برىء من المشركين “ التوبة - الاية 3 ( * ) .
في يوم الجمعة السادس من ذي الحجة عام 1407 هـ ق وبينما كان اكثر من مائة وخمسين الف حاج مندفعين في شوارع مكة للمشاركة في مراسم البراءة من المشركين ، اقدم رجال امن الحكومة السعودية - السريين والعلنيين - على مهاجمة الجموع الغفيرة من الحجاج هجوما يدلل على سبق اصرارهم وترصدهم ، فوقع في هذه الحادثة المؤلمة اكثر من اربعمائة شهيد من الحجاج الايرانيين واللبنانيين والفلسطينيين والباكستانيين والعراقيين وغيرهم ، وجرح اكثر من خمسة الاف اخرين كما تم اعتقال العديد من الاجانب . وكان اكثرالشهداء والجرحى من النساء والشيوخ ممن عجزوا عن الفرار السريع من مكان المذبحة. لقد سقط هولاء بمنتهى المظلومية والبراءة بتهمة اعلانهم للبراءة من المشركين ، واهم من ذلك فان حرمة الحرم الالهي الامن قد انتهكت في يوم الجمعة وفي ايام الحج المباركة وفي الشهر الحرام . وقد كانت اثار الغضب والالم تعتصر الامام الخميني من هذا ا لتجرؤ الوقح ، الا ان مصالح الامة الاسلامية وظروف العالم الاسلامي منعته من القيام باية خطوة عملية ، مما حبس الغم في داخله وترك اثره على كلامه وبياناته حتى اخر عمره . بعد عام من هذه الواقعة ، ونتيجة لاسباب استعرضناها في الفصل السابق قبلت الجمهورية الاسلامية الايرانية وحكومة العراق القرار 598عمليا وانهيا الحرب المفروضة . وقد كانت الملاحم البطولية التي سطرها جند الاسلام والمقاومة الشعبية الايرانية الرائعة خلال ثمانية اعوام من الدفاع المقدس للحيلولة دون تحقيق الاعداء لاي من اهدافهم - التي فرضوا الحرب من اجلها - على الشعب الايراني وطرد المعتدين من المدن والمناطق المحتلة من خلال صراع غير متكافىء تماما ، وانتهاء الحرب بانتصار جند الاسلام ، امور تدعو الى الفرح والسرور ، غير ان الظروف والفجائع التي ظهرت قبل انتهاء الحرب - ومنها المجزرة الرهيبة التي وقعت في ( حلبجة ) نتيجة القصف الكيميائي لهذه المدينة من قبل الطائرات العراقية والقصف الواسع للمناطق السكنية في ايران ودعوة الدول المدعية للاسلام امريكا واوروبا للمجيء الى الخليج الفارسي بناقلاتها الحربية لحماية صدام واسقاط الطائرة الايرانية المدنية في الخليج الفارسي من قبل القوات العسكرية الامريكية كلها كانت مسائل مؤلمة تعتصر قلب اى مسلم غيور فضلا عن رجل طاهر كالامام الخميني الذي اوقف عمره لخير الامة الاسلامية وصلاحها ، ونهض من اجل استعادة مجد المسلمين الضائع . كان الامام الخميني يعاني الامرين مما كان يراه من وقوف الكثير من الدول الاسلامية - وخلافا لارادة شعوبهم - مع اعداء الاسلام الحاقدين ، ودعمهم للمعتدي ، خصوصا وانه كان يرى بوضوح العواقب الوخيمة لهذا الدعم ، وانه حذر من مغبة مواجهة النظام الاسلامي الايراني وتقوية الحكام البعثيين ، مشيرا الى ان هذا الامر - وعلاوة على انه لن يحل مشكلة من مشاكل العالم الاسلامي - فانه سيؤدي في المستقبل القريب الى تعريض هؤلاء الحكام الداعمين للاكتواء بالنار المستعرة تحت الرماد . ونورد من نماذج عن تلك القدرة المحيرة على توقع الاحداث ، فنطلعك عزيزي القاريء على حديث الامام الذي القاه قبل ثمانية اعوام من الهجوم الصدامي على الكويت والذي طبع في السنة نفسها في كتاب صحيفة النور (ج 6 1 ص 0 5 1 ) . قال الامام في يوم 6 1 ايار 982 1 م مخطابا الدول العربية الداعمة لصدام : “ على حكومات المنطقة ان ينتبهوا الى انهم انما يلقون بانفسهم الى !لتهلكة من اجل امريكا او غيرها من القوى الكبرى ، لقد حذرناهم مرارا من ان يصبحوا الة بايدي القوى الكبرى وقد قلنا اكثر من مرة بان صدام اذا تمكن من النجاة من ورطته هذه واستعاد قدرته فانه ليس بذلك الرجل الذي سيضع اعمالكم وما قدمتموه له موضع التقدير ، انه مصاب بجنون العظمة ، ومن المحتم انه سيبادر للهجوم عليكم “كذلك فقد حذر الامام في خطابه الذي القاه بتاريخ 2 / 11 / 1981 قائلا : “ انني انصح جميع حكومات المنطقة بان يكفوا عن دعم صدام ، وان يخشوا ذلك اليوم الذي يحل فيه غضب الله عليهم “ والملفت ان مدة لم تمض على وفاة هذا الرجل الرباني حتى تحقق ما قال ، فقد اصبح اولئك - الذين اتهموا ايران بانها عدوانية الطبع ، واعتبروا المعتدي المتجاوز هو الطرف الراغب بالسلام - انفسهم فريسة لذات الطرف المتجاوز والمعتدي مع اختلاف بين ما فعلت وما فعلوه ايران في السابق ، فقد بادروا هم الى الاستنجاد بالدول التي تعد السبب الرئيس لاشعال فتيل كل هذه الفتن والحروب . ان عدم اكتراث الدول الاسلامية امام الاعتداء ات الاسرائيلية على جنوب لبنان والجرائم التي ارتكبها الصهاينة في ذلك البلد ، والمواجهة القاسية للمسلمين المنتفضين في الاراضي الفلسطينية المحتلة واسوأ من ذلك كله ، توجه الدول العربية نحو اقامة - ما يسمى - بالسلام مع اسرائيل والكف عن السعي لتحرير القدس ، كانت تمثل كلها معاناة تدمي قلب عجوز جماران . لقد اطلق سماحته صيحته - منذ شروعه بالنهضة من اجل تحرير الاراضي الاسلامية من قبضة الصهاينة - بوجه اسرائيل وحاميها الاول (امريكا) ومن اجل ذلك بالذات تم نفيه الى خارج بلاده مدة اربعة عشر عاما . كذلك فانه وخلال فترة مابعد انتصار الثورة الاسلامية لم يأل جهدا ولم يدخر وسعا في تقديم الدعم المادي والمعنوي لتحقيق ذلك الهدف . واليوم يرى بان قادة الدول الاسلامية وقادة المنظمات الفلسطينية يهيؤون انفسهم للامضاء على سند الاستسلام في وقت تغيرت فيه الظروف لغير صالح امريكا واسرائيل نتيجة تنامي تيار الصحوة الاسلامية بين الشبان الفلسطينيين وفي مختلف انحاء العالم الاسلامي . وهذه اموركانت تترك اسوأ الاثار على روحية الامام . ولاشك انه في السنوات الاخيرة من عمره كان يخصص السهم الاوفر من مناجاته الليلية للشكوى لله من تلك الامور والدعاء من اجل اصلاحها . اما على الصعيد الداخلي ، فقد كانت الظروف التي ادت الى اقالة اية الله المنتظري عن سمته في تولي امر القيادة بعد الامام ( 8 2 / 3 / 1989 ) من جملة الحوادث المرة الاخرى . ان احد اهم الاصول التي يقوم عليها دستور الجمهورية الاسلامية - والذي تم طرحه وتصويبه على اساس مباني الامام الخميني - هو تشكيل مجلس الخبراء لتعيين القائد وصلاحيات القيادة في النظام الاسلامي . والخبراء مجموعة من الفقهاء والمجتهدين الذين تتوفر فيهم الشروط ، يتم انتخابهم من قبل الجماهير بشكل مباشر ، وبذا تكون الجماهير مشاركة وناضرة على اهم امر يرتبط بمصير المجتمع الاسلامي - اي القيادة - وذلك عن طريق راي الخبراء . صوت اول مجلس للخبراء في جلسته المنعقدة في شهر تموز 1983 م على انتخاب اية الله المنتظري لمقام نائب القائد ، فهو من تلامذة الامام الخميني البارزين ومن المجتهدين الذين كان لهم حضور فاعل في الدفاع عن انتفاضة الخامس من حزيران وما تلاها من الحوادث ، لذا فقد تعرض - كما هو حال اية الله الطالقاني وسائر علماء الدين الثوريين - للسجن لفترات طويلة في العهد الملكي البائد. في اخر رسالة بعث بها الامام الخميني الى اية الله المنتظري - والتي ادت الى تقديم الاخير استقالته من منصبه - صرح سماحته بانه كان معارضا لانتخاب المنتظري كقائد للنظام الاسلامي بعده ، فقد كان يرى فقدانه الطاقة اللازمة لتحمل هذه المسؤولية الثقيلة والخطيرة والمعقدة( 31) . وقد صرح الامام في هذه الرسالة بان عدم اتخاذه لموقف معارض لمجلس الخبراء انما كان لرغبته في عدم اختراق الحدود التي اقرها القانون لمسؤوليات ووظائف مجلس الخبراء ! - وهذا الامر بذاته بالغ الاهمية في دلالته على اسلوب الامام الخميني في الادارة - فهو يحترم قانون النظام الاسلامي وراي الجماهير ، ويلتزم به الى الحد الذي يمنعه من ابداء رايه ونظرته الشخصية حتى فى ادق الظروف واكثرها حساسية ، رغم ان ابداءه لرايه لن يؤدي الى وقوع اية مشكلة نتيجة المحبوبية والمقبولية التي يتمتع بها لدى الجماهير ومسؤولي النظام . ( هامش ) 31 - كتبت هذه الرسالة بتاريخ 28 / 3 / 1989 م ، ونصها الكامل في صحيفة النورج 1 ص 112 ( * ) .
في نفس الرسالة ، اكد الامام الخميني - وضمن تعبيره عن محبته للمنتظري - على انه يرى ان من الصالح له ( المنتظري )ان يكف عن تكراراشتباهاته السابقة ، وان يطهر بيته من الافراد غير الصالحين ، ويحول دون تردد المعارضين للنظام الاسلامي عليه ، وان يتفرغ لاغناء المجهود الفقهي واتاحة الفرصة للحوزات للاستفادة من ارائه الفقهية. ومن الجدير بالذكر ، ان الامام الخميني لم يخف رايه الشخصي بعد اصدار مجلس الخبراء رايه في المنتظري ، وانما بادر لتقوية واصلاح نقاط ضعف المنتظري بكل جهده ، واناط به من المسؤوليات والامور المهمة الكثير لاكسابه التجربة الكافية واعداده لتحمل مسؤولية القيادة الخطيرة . غير ان اثار حقيقة ( فقدانه الطاقة اللازمة لتحمل مسؤولية هذا المقام الخطير ) كانت تظهر - وللاسف - تدريجيا ، الامر الذي دفع العناصر غير الصالحة والتي تسللت الى منزل اية الله المنتظري الى استغلال هذه المسألة - وقد اظهرت اعترافاتهم التي ادلوا بها عبر التلفزيون عن سوء مواضيهم واهدافهم المشؤومة التي كانوا يخططون لتنفيذها - حتى بلغ الامر حد ا تجاوز عدم الالتزام بالنصائح المشفقة والحكيمة التي قدمها الامام الخميني والاصرار على الاسلوب ا لخاطيء . لقد نصحه الامام الخميني عدة مرات - عبر الرسائل تارة ، واللقاءات المباشرة تارة اخرى - بضرورة تطهير منزله من تلك العناصر ، والتعاون مع مسؤولي النظام المخلصين . ولاجل ادراك المفاصل الحساسة في هذه الواقعة التاريخية ومرارة الاثر الذي تركته هذه الحادثة على قلب الامام ، ولفهم مدى التزام الامام بمصالح الامة وعدها الاخذ بنظر الاعتبار العلاقات العاطفية والشخصية في مقابل الاهداف المهمة، يكفينا نقل هذا المقطع من رسالة الامام التي بعث بها الى ممثلي مجلس الشورى والحكومة بتاريخ 10 نيسان 1989 م ، وسوف يغنينا ذلك عن اي تفسير او تحليل ، يقول سماحته : “ بلغني انكم لاتعلمون شيئا حول قضية السيد منتظري ، وانكم تجهلون تفصيلاتها . فلتعلموا بان والدكم الشيخ بذل وسعه منذ اكثر من عامين من خلال البيانات والرسائل لتفادي وصول الامر الى هذا الحد ، غير انه - وللاسف - لم يوفق في ذلك (32) ، من جانب اخر فان المسؤولية الشرعية اقتضت اتخاذ القرار المناسب لحفد النظام والاسلام ، لذا فقد اقلت - بقلب يعتصره الالم - وضحيت بحاصل عمري ( التنتظري ) من اجل مصلحة النظام والاسلام “(33). وبهذا الشكل تم القضاء على احدى المخاوف التي احاطت بمستقبل النظام الاسلامي وذلك على يد الامام الخميني الكفوءة المقتدرة . وهذا الامرالمعقد لم يكن ليحل الا بواسطة شخصية كشخصية الامام الخميني . (هامش ) 32 - للاطلاع على معاناة الامام الخميني من هذا الموضوع والوثائق والرسائل المتبادلة ، راجع كتاب “ رسالة العذاب “ لحجة الاسلام والمسلمين السيد احمد الخميني ، وكذلك كتاب “المذكرات السياسية “ لاية الله المحمدي الري شهري . 33 - صحيفة النور ج 1 2 ص 116 ( * ) .
والامام الخميني لم يوجه حديثه الى الاخرين فقط حينما يقول : “ان الثورة ليست مدينة لاية مجموعة “ و “لقد اعلنت مرارا باني لم اوقع عقد اخوة مع اي احد ومهما كان منصبه " و “ ان الاطار لمحبتي للاخرين انما يتحدد من خلال صحة الطريق الذي ينتهجونه “ بل انه يشمل بذلك حتى نفسه ، ففي بيانه المعروف الذي وجهه للحوزات العلمية كتب يقول : “الله يعلم باني لا اعتقد لنفسي بذرة من المصونية والحق والامتياز ، واني مستعد للمؤاخذة اذا بدر مني اي خلاف " (34) . ( هامش ) 34 - “ بيان العلماء “ بيان الامام الخمينى الموجه الى الحوزات العلمية ، طبع مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) ( * ) .
كما اشرنا سابقا ، فان بيا نات وخطابات الاما م الخميني خلال السنوات الاخيرة من عمره تختلف عم اكانت عليه في السابق . الامر الذي يعبر عن سعة افقه وعمق احساسه بالمسؤولية عن الفترة التي ستلي فترة وجوده ، فخلافا لبياناته واحاديثه في المراحل السابقة - والتي كانت تركز اساسا على توجيه الجماهير والمسؤولين فيما يتعلق بالاحداث الجارية والمواقف المناسبة امام الابتلاءات التي تتعرض لها البلاد والعالم الاسلامي - فان بياناته في السنوات الاخيرة من عمره كانت عبارة عن تلخيص وجمع للاحداث السابقة والحالية ، وترسيم ابعاد المستقبل ، وبيان تكاليف عموم الملسمين في قبال المسؤوليات المستقبلية وبنحو اشد وضوحا من السابق . وبعبارة اخرى فان الامام الخميني كان يشعر بقرب الرحيل ، عليه فانه سعى في السنوات الاخيرة من عمره الشريف الى التذكير بمجموعة القيم والمثل والاهداف التي شكلت الاساس لانطلاق الثورة ، وترسيم وتوضبح الاولويات للنظام الجمهوري الاسلامي والثورة الاسلامية العالمية على اساس هذه القيم والاهداف . لقد سعى الامام الخميني من خلال هذه البيانات - وبطرح تقييمه عن مجمل العناصر الموجودة في المجتمع الايراني والعالم الاسلامي ، وكذلك تحليلاته عن الانظمة الحاكمة للعالم المعاصر - لتوضيح الطريق امام انتخاب واختيار اللاحقين ، وتبيين تكليف كل شريحة ازاء الظروف المستقبلية وفي حال عدم وجوده . وقبل عدة سنوات من رحيله وبتاريخ 15 شباط 1983 كتب الامام الخميني وصيته السياسية الالهية مستندا الى هذا المبنى ومعتمدا على هذا الدافع (35) . وهذه الوصية - التي طبعت ونشرت الى الان بمختلف اللغات تعد بمثابة بيان الامام الخالد المتضمن اصول فكره واهدافه وارشاداته الخالدة لانصاره ومحبيه . وكتابة وصيته على هذا المستوى وبهذه الابعاد عمل لم يسبق له مثيل بين فقهاء الشيعة ومراجع التقليد ، ودليل على عمق اطلاع الامام على الحاجات الحالية والاتية للمحتمعات الاسلامية ، وعلى شدة احساسه بالمسؤولية في هذا الاطار . ( هامش ) 35 - قامت مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) ولحد الان بطبع الوصية الالهية السياسية للامام الخميني تحت عنوان ( النداء الاخير) مع توضيحات وفهارس باكثر من عشرة لغات منها العربية ، الاردو ، الانجليزية ، الفرنسية ، الالمانية ، الروسية ، التركية والاذرية . . . وغيرها . كما قامت بطبع النسخة الفارسية مقرونة بفهارس موضوعية وصورة عن النسخة الخطية تحت عنوان : دراسة موضوعية للوصية السياسية الالهي ة للامام الخميني (س ) ( * ) .
ان بيانات الامام الخميني الاخيرة ، هي - في الحقيقة - شرح وتفسير منه للقيم التي دافع عنها في وصيته والامور السياسية التي طرحها فيها . من جملة الخصائص التي تميزت بها بيانات الامام في اواخر عمره ، تاكيده على ضرورة التفات المسلمين الى نوعين متضاربين من الفكر الديني والاسلامي ، فهو - واستنادا للشواهد التاريخية العديدة - يعتقد بان الاسلام وسائر الاديان الالهية - ومنذ سحيق الزمان وحتى اليوم - عرضت بصورتين متضادتين تماما . فمن جانب كان الدين والاسلام المحرف الذي استغله الظالمون والمستعمرون والذي ابتدعه المتحجررن والقشريون من رجال الدين الكاذبين ، ومن جانب اخر كان الدين والاسلام الحقيقي الذي حفظ وانتشل من احضان الخرافات والشعبذات بدماء المجاهدين والمساعي الحثيثة لعلماء الدين الملتزمين طوال التاريخ . وبذا فان احد اسرار موفقية الامام الخميني في قدرته على تحريك الامة الاسلامية انما يتمثل في قدرته على بيان هذا التضاد المستمر بين هذين النوعين وخصائص كل واحد منهما . والامام الخميني يعتقد بان عدم الالتفات والاطلاع على هذه الحقيقة التاريخية ، هو الذي ادى الى نزول الاستعمار واستقراره في البلدان الاسلامية ، وابتعاد المسلمين عن عصور التحضر والثقافة اللامعة التي كانوا عليها . وبالنتيجة الى ظهور هذه الوضعية الحالية ، حيث نرى - وللاسف - ان الحكومات الاسلامية - التي رفع اسلافها شعار”الاسلام يعلو ولا يعلى عليه “و” لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”(36) - تستجدي اليوم - ومن اجل مواصلة حياتها والحفاظ على حدودها - اعداء الاسلام من الكفار والمشركين . وقد عبر سماحته عن تياري الفكر الديني والاسلامي المتضادين وبعبارتي “ الاسلام الاصيل “ و “ الاسلام الامريكي “ فهو يرى بان الإسلام الذي تهمل احكامه القرآنية المسلمة وسنة نبيه الاكرم ( ص ) فيما يتعلق بالمسؤوليات الاجتماعية ،الاسلام الذي تترك منه ابواب الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعدالة الاسلامية والاحكام المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الاسلامي ، الاسلام الذي يبعد المسلمين عن المشاركة في السياسة وفي تقرير مصيرهم ، ويرى ان الدين يتلخص في مجموعة من الاذكار والعبادات الفردية الخالية من الفلسفة والروح الحقيقية ، هو اسلام من صناعة وابداع امريكا ومن يدور في فلكها . ( هامش ) 36 - سورة النساء - الاية 141 ( * ) .
سماحة الامام يستند في تحليله هذا على ظواهر تاريخية وشواهد دامغة مستلة من الوضع الذي كانت عليه البلدان الاسلامية . فسماحته يعتقد بان الاستعمار الحديث هو نتاج لمساعي المستعمرين السابقين . فاولئك سعوا لتغيير دين الجماهيرالمسلمة عن طريق المبشرين المسيحيين ولما فشلوا في ذلك حولوا مساعيهم منذ ذلك الزمان وحتى الان لتنصب على ابطال مفعول الاحكام الاسلامية السامية وافقاد الدين اثره من الداخل . ونتيجة ذلك جلية للغاية ، فجميع البلدان الاسلامية اليوها تعتمد في انظمتها وقوانينها الموضوعة واساليبها في القضاء وفي هيكل النظام الحكومي والقوانين السياسية والاجتماعية على القوانين والاساليب الملحدة للغرب ، والتي تتعارض في ماهيتها مع القوانين المستندة الى الوحي . ان الاسلام الامريكي هو الذي يتيح للثقافة الغربية ومفاسدها وتحللها ان تنفذ الى عمق المجتمعات الاسلامية ويهلك الحرث والنسل . الاسلام الامريكي هو الذي فسح المجال للحكومات العميلة للاجانب ان تمارس سلطتها على المسلمين وتقف وباسم الاسلام - في مواجهة المسلمين الحقيقيين ، وتمد في الوقت ذاته - يد الصلح والسلام والصداقة الى اسرائيل وامريكا ، اعداء الاسلام . لقد اكد الامام الخميني من خلال بياناته الاخيرة على حقيقة ان الطريق الوحيد لانقاذ البشر من مشكلاته الحالية هو العودة الى عصر الدين والاعتقاد الديني ، وان السبيل الاوحد لتحرير البلدان الاسلامية من وضعها الحالي المخزي ، هو عودتهم الى الاسلام الاصيل والى هويتهم الاسلامية المستقلة .
- نظرة على اعتقادات الامام الخميني واهدافه وتطلعاته : بعد ان وصلنا في هذه المقالة الى الايام الاخيرة من عمر سماحة الامام الخميني ، لا يفوتنا ان نلقي نظرة عابرة على اهم جوانب فكره واهدافه (37) . بديهي ان من اللازم - لتكوين صورة واضحة وكاملة عن مبادئي الامام الخميني الاعتقادية واهدافه - مطالعة جميع الاثار الخطية وغير الخطية التي اثرت عن هذا الرجل العظيم ودراسة سيرته العملية بدقة ، الامر الذي لا يتيسر في هذ ه العجالة .
( هامش ) 37 - ان ما تم استعراضه في هذه المقالة ، هو خلاصة لاراء ومواقف توجيهات الامام الخميني في المسائل التي تطرقت المقالة لها . ولدى قسم التحقيق في مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني فهارس موضوعية لجميع اراء الامام ونظراته الاعتقادية والسياسية والثقافية ، مستخرجة من كل موضوع ، وتوضع هذه المادة القيمة تحت تصرف المحققين للاستفادة منها . وقد استند المؤلف في هذه المقالة الى تلك الفهارس الموضوعية مضافا الى الكتاب القيم “ منهجية الثورة الإسلامية " - والذي يضم اهم اراء واعتقادات ومواقف الامام الخميني مستلة من احاديثه وكتاباته - وكذلك كتاب الكلمات القصار ( وكلا الكتابين من منشورات المؤسسة ) والوصية السياسية الالهية للامام الخمينى ( * ) .
الامام الخميني شيعي المذهعب ، يعتقد بشدة بوحدة الامة الاسلامية ( بغض النظر عن توجهاتيهم المذهبية ) في مقابل المستعمرين واعداء الاسلام . فالدعوة الى الوحدة تمثل جانبا مهما من بياناته وخطاباته ، وهو لا يجوز اية حركة تؤدي الى زرع الفرقة في صفوف المسلمين وتمهد الطريق امام المستعمرين والمستغلين لتحقيق هيمنتهم . لقد وضح سماحته - ومن خلال اصدار الفتاوى المتميزة ، ومن خلال دعمه لاعلان اسبوع الوحدة بين المسلمين - وذلك في ذكرى ولادة النبي الاكرم - واصدار البيانات المتواصلة - الطرق العملية لتحقيق الوحدة بين الشيعة والسنة . وقد اصر على مواجهة كل مايؤدي الى التفرقة والجدال بين الشيعة والسنة طوال مدة زعامته . كان سماحته يعتقد بان الايمان بالله الواحد ، والاعتقاد برسالة خاتم الانبياء ( ص ) والايمان بالقرآن المجيد - على انه صحيفة الهداية الابدية - والاعتقاد بالضروريات والشعائر والاحكام الدينية كالصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد ، تعتبركلها محاور عملية ثابتة تلتف حولها جميع المذاهب الاسلامية في مقابل المشركين واعداء الدين . ان النهضة الاصلاحية للامام الخميني وبياناته لم تتحدد بالمجتمع الايراني وسائر المجتمعات الاسلامية . فهو يعتقد بان الفطرة البشرية لجميع الناس انما خلقت على اساس الدوران حول محور التوحيد والخير والبحث عن الحقيقة والعدالة ، ولو ان المعرفة البشرية العامة تناست وتمت السيطرة على شيطان النفس الامارة ، وتم تضعيف شياطين الخارج ، فان احاد المجتمع البشري سيتوجهون نحو الله والحياة في محيط ملى بالعدالة والسلام . على هذا الاساس فان الامام الخميني دعا - وفي اغلب بياناته - المستضعفين والشعوب الاسيرة في بلدان العالم الثالث الى القيام بوجه المستكبرين . وقد دعا في الايام الاولى من انتصار الثورة الاسلامية وبصراحة الى فكرة اقامة حزب عالمي للمستضعفين ودافع عن هذه الفكرة .كما ان اول المؤتمرات العالمية التي ضمت الحركات التحررية اقيم لاول مرة خلال عهد زعامة الامام الخميني في ايران . لقد اكد الامام الخميني مرارا على ان الثورة الاسلامية انما تعادي الاهداف التسلطية لقادة وحكومات امريكا والغرب والاتحاد السوفيتي (السابق ) لا شعوب تلك البلدان - التي وقعت هي بذاتها ضحية للاستعمار الجديد - ان شعار الامام الخميني هو مواجهة الظالم والدفاع عن المظلوم ، يقول سماحته “لا نظلم ولا نرضخ لظلم الا خرين "( 38) . ولعل من الافضل ان ننقل هنا اهم المباني الاعتقادية للامام الخميني بالنص من خلال نقل جواب سماحته على سؤال ممثل صحيفة التايمز البريطانية ، يقول سماحته : “ ان اعتقادي انا وجميع المسلمين انما يدور حول نفس تلك المسائل التي اوردها القرآن الكريم ، او التي اوضحها نبي الاسلام (ص ) وائمة الحق من بعده ، وان اساس واصل جميع تلك العقائد - والذي يعتبر اهم واسمى اعتقاداتنا - هو اصل التوحيد ، واستنادا لهذا الاصل فاننا نعتقد بان خالق العالم وجميع عوالم الوجود والانسان ، هو الله تبارك وتعالى ، التطلع على جميع الحقائق والقادر على كل شيء ومالك كل شيء وهذا الاصل يعلمنا بان على الانسان ان يسلم فقط امام ذات الله المقدسة ، وان لا يبدي الطاعة لاي انسان اخر الا اذا كانت طاعته استمرارا لطاعة الله . على هذا الاساس فلا يحق لاي انسان ان يفرض على الاخرين التسليم له .
( هامش ) 38 - الكلمات القصار ص 93 ( * ) .
ومن هذا الاصل الاعتقادي ، نتعلم اصل حرية البشر ، وان لا حق لاي انسان ان يسلب انسانا اخر او مجتمعا او شعبا حقهم بالحرية ، او ان يضع لهم قانونا يقوها بتنظيم سلوكهم وعلاقاتهم استنادا الى مقدار وعيه ومعرفته الناقصين ، او استنادا الى رغباته وميوله ، استنادا لهذا الاصل فاننا نعتقد ايضا بان وضع القوانين لتطوير الحياة هو من اختصاص الباري جل وعلا ،كما ان قوانين الوجود والخلق من اختصاصه هو تعالى ، وان سعادة الانسان والمجتمعات وكمالها ، يمكن فقط في طاعة القوانين الالهية التي تم ايصالها الى البشر عن طريق الانبياء ، وان الانحطاط والسقوط اللذين يعاني منهما البشر انما هما بسبب مصادرة الحريات والاستسلام امام بعض الافراد . عليه فان على الانسان ان يثور على هذه القيود والسلاسل المقيدة ، وعلى الاخرين الذين يدعونه للاستسلام للاسر وان يسعى لتحرير نفسه ومجتمعه ليكون الجميع عبيدا لله ، ومن هذا المبدا تنشأ مقرراتنا الاجتماعية ضد القوى المستبدة والاستعمارية . ومن هذا الاصل الاعتقادي (التوحيد ) فاننا نستلهم المساواة بين جميع بني البشر امام الله ، قهو خالق الجميع ، والجميع مخلوقون له وعبيده . الاصل تساوي البشر وما يتيز فردا عن فرد - كقاعدة ومعيار - انما هو التقوى والابتعاد عن الانحراف والخطأ عليه ينبغي الوقوف بوجه كلما يراد به تخريب المساواة الاجتماعية وتحكيم الامتيازات المزيفة والفارغة على المجتمع “(39) يقول الامام الخميني “ المعيار في الاسلام ، رضا الله لا رضا الاشخاص ، ونحن انما نقيس الاشخاص على الحق ، لا الحق على الاشخاص . المعيار هو الحق والحقيقة “( 40)
( هامش ) 39 - منهجية الثورة الاسلامية ص 1 . 40 - الكلمات القصار ص 20 ( * ) .
ان الامام الخميني يعتقد بأن الفطرة الانسانية مخمرة في عشق الكمال المطلق المنحصر بالحق تعالى ، وهو تعالى منشأ جميع الكمالات والقدرات . كان الامام الخميني يذكر انصاره دوما بان “ العالم محضر الله ، فلا تعصوا الله محضره “( 41) “ لاتخشوا اي احد الا الله ، ولاتعقدوا الامال على اي احد سوى الله “(42) ان الامام الخميني يرى بان الهدف من بعثة الانبياء يتمثل في هداية البشر نحو معرفة الله وتحويل طلب الكمال من القوة الى الفعل ، وازاحة الظلمات واصلاح المجتمعات وايجاد القسط والعدالة . يقول سماحته : “ان بعثة الانبياء انما تهدف الى انقاذ اخلاق الناس ، نفوسهم ، ارواحهم ، واجسامهم من الظلمات ، وازاحة الظلمات واستبدالها بالنور”(43) ويقول : “لا نور سوى الحق تعالى ، الجميع ظلمات “(44)
( هامش ) 41 - الكلمات القصار ص 21 42 - الكلمات القصار ص 18 43 - الكلمات القصار ص 22 44 - الكلمات القصار ص 17 ( * ) .
الامام الخميني يرى بان الاسلام خاتم الاديان الالهية وانه يمثل اسمى واشمل العقائد الهادية ، يقول سماحته مؤكدا : “ ان الاسلام على قمة هرم الحضارة ” و “ ان النظام الحقوقي في الاسلام ارقى واكمل واشمل الانظمة الحقوقية “(45) “ في الإسلام قانون واحد وهو القانوني الالهي “(46) انه يرى بان الاسلام دين العبادة والسياسة ، يقول سماحته “كان الاسلام من مؤسسي الحضارة الكبرى في العالم “(47)كان سماحته يوصي اتباعه بالقول : “ اياكم والخلد بين القرآن المقدس وعقيدة الاسلام المنجية بالعقائد الخاطئة المنحرفة ، التي ابتدعها الفكر البشري “(48) ويقول “ ان مشكلة المسلمين الكبرى تكمن في تركهم القرآن الكريم وسعيهم للانضواء تحت مظلة عقائد الاخرين “(49) ويقول : “ ان التشيع - وهو العقيدة الثورية ، والامتداد للاسلام المحمدي الاصيل - كان كما هو الحال مع الشيعة - هدفا لحملات المستبدين والمستعمرين الغادرة “( 50) .
( هامش ) 45 - الكلمات القصار ص 25 46 - الكلمات القصار ص 25 47 - الكلمات القصار ص 30 48 - الكلمات القصار ص 43 49 - الكلمات القصار ص 44 50 - الكلمات القصار ص 46 ( * ) .
لقد اكد سماحته مرارا حينما تحدث عن هدفه من نهضته وعن الباعث عليها بالقول : “ان اقصى ما نهدف اليه هو الاسلام “( 51) . فالامام الخميني يرى بان الثورة الاسلامية شعاع من الثورة الحسينية الخالدة(52) التي انطلقت في عاشوراء لانقاذ الدين من قبضة المجرمين الظالمين ، فهو يعتقد “ان الاسلام لم ينزل من اجل قوم خاصين ، وليس لديه فرق بين الترك او الفرس او العرب او العجم ، الاسلام للجميع ولا قيمة او امتياز في نظامه للجنس او اللون او القبيلة او اللغة”(53)”الجميع اخوة متكافئون ، فالكرامة فقط وفقط في اطار التقوى ، والتمايز انما يتم على اساس الاخلاق الفاضلة والاعمال الصالحة “( 54) . الامام الخميني يسمي الشهادة في سبيل الله عزا ابديا ، وفخر الاولياء ، ومفتاح السعادة ، ورمز النصر ، ويرى ان الاندفاع نحو الشهادة انما ينتج عن عشق الله ، ويقول حول قيمة الشهادة وماهيتها “ما اشد غفلة عياد الدنيا والسائرين الذين يبحثون عن قيمة الشهادة ومعناها في صحائف الطبيعة ، وعن وصفها في الاناشيد والملاحم والقصائد ويستجدون لكشفها فن التخيل وكتاب التعقل ، والحال ان حل هذا اللغز لا يتيسر الا بالعشق “(55). بهذا المنطق كان سماحته يقول : “ اقول لكم يااخواني المؤمنين : ان نموت على ايدي امريكا والاتحاد السوفيتي المجرمين ونمحى من صفحة الوجود ، ونلقى الله مخضبين بدمائنا مرفوعي الراس افضل من ان نعيش برفاه تحت لواء الجيش الاحمر الشرقي ، والاسود الغربي “(56)
( هامش ) 51 - الكلمات القصار ص 35 52 - نسبة الى الحسين بن علي بن ابي طالب ( عليهما السلام ) وثاني السبطين ( سيدي شباب اهل الجنة ) امه فاطمة الزهراء (ع ) بنت النبي محمد (ص ) ولد في الثالث او الخامس من شعبان سنة ثلاث او اربع للهجرة ، يكنى ابا عبد الله ويلقب بالرشيد والطيب والزكي والوفي والسيد والمبارك والتابع لمرضاة الله والسبط . اقام مع الرسول (ص ) سبع سنين ومع ابيه امير المؤمنين (ع ) سبعا وثلاثين سنة ومع اخيه الحسين (ع ) سبعا واربعين سنة ، وكانت خلافته بعد اخيه احدى عشر سنة ، عرف عنه كباقي الائمة من اهل البيت الذين (“اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا “ الورع والصلاح والسداد في الرأي والتقوى والزهد والكرم والشجاعة ؛ فروي انه كان يصلي في اليوم والليلة الف ركعة ، وحج خمسا وعشرين مرة ماشيا على قدميه ، لا من عسر ، بل تواضعا لله . شهد مع ابيه حرب الجمل وصفين وقتال الخوارج . ويذكر بعض المؤرخين انه شهد مع بعوث الفتح الاسلامي فتح افريقيا وغزوة طبرستان وغزوة القسطنطينية . بقي مع ابيه واخيه في الكوفة حتى ، استشهادهما ( عليهما السلام ) وبعد وفاة اخيه الحسن (ع ) مسموها واستتباب الامر لمعاوية بن ابي سفيان انتقل الى المدينة المنورة وبقي فيها حتى هلك معاوية ، فخرج الى مكة بعد ان رفض مبايعة يزيد شارب الخمرة المجاهر بالفسق على خلافة المسلمين ، فاتته كتب اهل العراق تبايعه بعد موت معاوية ، فارسل اليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ، فاخذ بيعتهم وارسل اليه ( ان اقدم ) فتوجه صوب الكوفة الا ان الامور تبدلت بسرعة وقتل مسلم بن عقيل وقطع جيش عبيد الله بن زياد - الذي عد بعشرات الالاف - الطريق عليه ولم يكن معه من اصحابه واهل بيته غير نيف وسبعين رجلا فقتلوه واصحابه واهل بيته حتى الاطفال الرضع واحرقت خيم عياله وشرد الاطفال وسبيت نساؤه بعد ان حالوا بينهم وبين ماء الفرات ، وذلك في العاشر من محرم الحرام سنة 61 هـ ق وحز راسه الشريف ورؤوس اصحابه وجيل بها البلدان . 53 - الكلمات القصار ص 26 . 54 - الكلمات القصار ص 71 55 - الكلمات القصار ص 61 56 - الكلمات القصار ص 62 ( * ) .
الامام الخميني فيلسوف الهي ، عارف رباني ، فقيه اصولي ومرجع تقليد للجماهير ، وفي الوقت ذاته ، زعيم الثورة الاسلامية ومؤسس الجمهورية الإسلامية في ايران . كان سماحته مطلعا على اسس الفلسفة الغربية ، ومتقنا لاسس ومباحث المنطق والفلسفة الاسلامية ، في اتجاهيها المشائي والاشراقي . ولعله يمكن القول بان الفكر الفلسفي للامام يميل - الى حد ما - نحو الفلسفة الشهودية والاشراقية وبالاسلوب التلفيقي الذي اتبعه الحكيم المتأله المرحوم ملا صدرا(57) - طبعا مع وجود اختلافات ومزايا لدى الامام - درس الامام الخميني الفلسفة بمستوياتها العالية لمدة خمسة عشر عاما ، وقد عد سماحته الفلسفة بمنزلة السبيل لمعرفة مرحلة ومرتبة من حقائق الوجود والموجودات ، وعلى هذا الاساس فان نظرته الفلسفية لحقيقة الوجود ووحدته ومراتبه ، متاثرة بشدة بالاتجاه العرفاني .
( هامش ) 57 - صدر المتألهين الشيرازي المشهور بالملا صدرا المتوفي عام 1050 هـ والذي اسس للحكمة المتعالية . ومن الجدير بالذكر ان كلمة “ الحكمة المتعالية “ قد استخدمت من قبل ابو علي سينا ايضا وذلك في كتابه ( الاشارات ) غير ان مدرسة ابو علي سينا لم تموت قط باسم الحكمة المتعالية . وصدر المتألهين هو الذي سعى فلسفته بالحكمة المتعالية فتميزت لمدرسته الفكرية بذلك . ومدرسة صدر المتألهين الفلسفية تشبه المدرسة الإشرافية من حيث الاسلوب ، بمعنى انه يعتمد بالاستدلال والكشف والشهود معا ، لكنها تختلف عنها من الناحية الامولية ومن حيث الاستنتاجات وعلاوة على ما حققته مدرسة صدر المتألهين من المسائل الخلافية بين المدرسة المشائية والإشرافية فان المسائل الخلافية بين الفلسفة والعرفانَ او الفلسنة وعلم الكلام قد حلت عند صدر المتألهين تماما . وتجدر الاشارة الى ان فلسفة صدر المتألهين ليست فلسفة التقاطية ، وانما فلسفة تمثل نظاما فلسفيا خاصا وان كانت الاتجاهات الفكرية الاسلامية قد اثرت فيها . تمكن صدرالمتألهين من استيعاب ما جاء من الفلسفة عن قدماء اليونان خصوصا ما اثر عن افلاطون وارسطو . كما تمكن من استيعاب ما تركه حكماء المسلمين من امثال الفارابى وابو علي سينا والشيخ الاشراقي وما اضافوه على الفلسفة ، مستعينا على ذلك بعرفانه الكبير وقوته وهدايته الباطنية ، ثم لجا بعد ذلك الى وضع اسس جديدة للفلسفة تستند الى اصول وقواعد محكمة وثابتة من حيث الاستدلال والبرهان ، وقد تمكن من نظم مسائل الفلسفة باسلوب رياضى يعتمد فيه كل مطلب على الاخر ويستنبط منه ، وبذا فقد اخرج الفلسفة من طرق الاستدلال المتناثرة ( * ) .
عرفان الامام الخميني يقوم على الايات القرآنية واحاديث ائمة الدين وتعاليم اولياء الله في اطار الشرع الاسلامي المطهر . كان سماحته يعارض بشدة التصوف السلبي الذي يروج بان الدين والعقيدة منحصران في الذكر والاوراد ، والذي يدعو الى الاعتزال والتخلي عن اداء المسؤوليات السياسية والاجتماعية . وهو يرى بان معرفة النفس اساس لمعرفة الله ، وان تهذيب نفوس البشر من الرذائل والمفاسد الاخلاقية والسعي في اكتساب الفضائل شرط اساس لنيل معرفة الحق كما ان بلوغ المعرفة الحقيقة والمقامات المعنوية السامية لا يتحقق الا بطي الطريق التي طواها وعلمنا اياها الانبياء العظام وحجج الله في ارضنا هذه . بناء عليه فان الامام الخميني لا يجوز الاساليب والرياضات الخارجة عن اطار الشرع المنور والاوامر الالهية ، كما انه يتنفر من القشرية والتظاهر بالقدسية والمراءات بالعرفان . كان الامام الخميني يعتقد بان الاستمداد - خلال الجهاد الاكبر المحفوف بالمخاطر ، والسير والسلوك ، في وادي الاسفار الاربعة - ينبغي ان ينظر الى المرشدين الحقيقيين واصحاب الكشف والكرامة الحقيقيين ، لا المدعين الكاذبين المحترفين لهذا الامر ، كما انه ينبغي ان يرتبط بالولاية العظيمة التي تمثل سفينة النجاة ، فكل ما يبلغه الانسان عن غير هذا الطريق هو ضلال في ضلال ، ونفس الامام المهذبة وروحه المتسامية وتخطيه للمراحل العملية للسير والسلوك المعنوي بموفقية ظاهرة ، تعد بذاتها افضل شاهد على حقانية نهجه . لقد بلغ الامام الخميني في هذا المسير مرتبة من المقامات المعنوية والادراك الشهودي ، وكان فانيا في الله حتى انه كان يناله ما يناله من الاضطراب في مقابل ادعاء الحلاجين (58) بـ” انا الحق “ لامن حيث ما كان يتهمهم به - السذج من الغرباء عن العرفان - وتكفيرهم اياهم ، ولكن من حيث انهم يرون في الوجود ما هو غير الحق ويدعون “ الانية" وجود الواسطة ، في حين ان الامام يرى بان الحق تعالى وحده هو النور ، وان كل ما عداه ظلمة والظلمة هي عدم النور ، والعدم ليس بوجود ، وان الوجود هو تجلي الحق ولاشيء سواه .
( هامش ) 58 - نسبة الى حسين بن منصور المعروف بالحلاج ، من عرفاء القرن الثالث الهجري (المتوفي سنة 309 هـ - 922 م ) تم اعتقاله نتيجة ما كان يحمله من الاعتقادات وظل حبيسا لعدة سنوات ، ثم اصدر العلماء المعاصرون له حكما بالاعدام عليه ، بذا قامت السلطات في بغداد ، بربطه وجلده الف جلدة ثم قطع سيقانه وحرق جسده والقاء رماده في نهر دجلة واسد الاتهامات التي وجهت اليه حينها هي قوله في حال الجذبة “ اناالحق “ ( * ) .
كان الامام الخميني وعلاوة على تعمقه في الفلسفة والعرفان والتفسير والاخلاق وعلم الكلام الاسلامي ، مجتهد ا بارزا في الفقه والاصول ، فقد درس الفقه والاصول على اعلى مستوياتهما اكثر من ثلاثين عاما . والان ، فان هناك - وفضلا عن الكتبالفقهية والاصولية التي الفها سماحته العشرات من تقريرات طلابه لدورات درسه (59) . من الخصائص التي تميزت بها مدرسة الامام الفقهية ، رؤيته اصالة خاصة للفقه والاصول وتجنبه خلط الاستنتاجات الكلامية والفلسفية والعرفانية مع الاحكام الفقهية في مرحلة استنباط الاحكام . ( هامش ) 59 - قامت مؤسسمة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) بجمع العديد من تقريرات دروس الامام الخميني ، وقسم التحقيق التابع للمؤسسة والكائن في قم يقوم بطبعها تدريجيا . ( * )
كان سماحته يرى بان تحرك الفقه والاصول وتطورهما ضرورة لازمة في البحث الاجتيهادي ، وان لعنصري الزمان والمكان دور حيوي هام في الاجتهاد ، وان عدم اخذهما بنظر الاعتبار سيؤدي الى العجز عن درك المسائل المستحدثة والحاجات المعاصرة ويحول دون تقديم الاجوبة المناسبة لها . كذلك فانه كان يعتقد بان تحرك الفقه وتطوره ليس بمعنى عدم الثبات في اسلوب الاستنباط والاجتهاد المتعارف . وبناء عليه فقدكان سماحته يؤكد في توصياته الى الحوزات العلمية على ضرورة الاستناد الى الفقه التقليدي ، بمعنى حفظ اساليب ومناهج السلف الصالح في استنباط الاحكام ، وان تخطيها يعتبر افة وخطر عظيم ، يمهد السبيل لظهور البدع ( 60) . ( هامش ) 60 - ن . ك : بيان الامام الخميني الذي وجهه الى العلماء والحوزات العلمية بتاريخ 23/4/1988 م والذي عرت فيما بعد بر” بيان العلماء “ وقد نشر نصه الكامل في كتاب مستقل تحت نفس العنوان سنة 1990 م . راجع ايضا صحيفة النورج 21 ص 88.( * )
وسماحته يريد اصلاح الحوزات العلمية وتطويرها في هذا الاطار ، وقد كان سماحته من السياسيين في هذا المضمار . فقد مهد سماحته الطريق - ومن خلال اصدارة للفتاوى الثورية - امام تغيير الزاوية التي ينظر منها المجتهدو ن وتوجبهها نحو سعة المسائل الحياتية والاساسية للمجتمع ، واثبت من خلال - احيائه للابواب المنسية في الفقه . اهمية عنصري الزمان والمكان في الاجتهاد(61) . يقول سماحته “ان الحكومة بنظر المجتهد الحقيقي ، تعبير عن فلسفة اعمال جميع الفقه في مختلف زوايا الحياة البشرية . والحكومة دليل على الجنبة العملية للفقه في تعامله مع جميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية ، فالفقه نظرية واقعية وكاملة لادارة حياة الانسان من المهد الى اللحد (62) ( هامش ) 61 - المصدر السابق 62 - المصدر السابق ( * ) او على اساس هذه النظرة ، طرح الامام الخميني نظرته المتمثلة في “ اقامة الحكومة الاسلامية على اساس ولاية الفقيه في زمن الغيبة" وجاهد من اجل تحقيقها سنوات طوال ورغم ان نظرية ولاية الفقيه - بغض النظر عن اختلاف الاراء في حدود صلاحيات الولي الفقيه - عموما ، تعتبر أمراً اتفقت عليه اراء فقهاء الشيعة، الا ان ابعادها لم تتعرض للبحث ولم تتح لها الفرصة للتحقيق لعملي نتيجة عدم توفر الظروف المناسبة في الماضي . وعليه فان الامام الخميني يعد اول فقيه نجح بعد قرون في تشكيل الحكومة الدينية المبنية على اساس قيادة المجتهد الجامع للشروط ، التي من جملتها : التهذيب وصيانة !لنفس ، التدبير والقدرة على ادارة المجتمع ، الشجاعة والعدالة والمعرفة العالية والاجتهاد في الاحكام الالهية - يقول سماحته “ ان الحكومة الاسلامية هي حكومة القانون الالهي على الناس “(63) ( هامش ) 63 - الكلمات القصار ص 117 ( * )
في عقيدة الامام ، فان الحكومة الاسلامية - وبغض النظر عن الاختلافات في الاهداف والغايات - تختلف عن الانظمة السياسية المعاصرة من حيث تشكيلاتها واركانها ايضا . ففي نظرية الحكومة الاسلامية تجد “ الاكثرية “ مشروعيتها على اساس “ الحق “ وتبعا لذلك فان وجوب اعمال الولاية منوط بتوفر شروطها - التي من جملتها القبول العام للجماهير - الامر الذي يتجلى بالانتخاب المباشر المتعارف او عن طريق قيام الخبراء - وهم منتخبو الشعب - بالاختيا ر( 64) . وعلى هذا الاساس فان من الطبيعي ان تكون العلاقة بين القائد والحكومة الاسلامية من جهة والجماهير من جهة ، علاقة عميقة واعتقادية ، وبذا فان الحكومة التي اقامها الامام وقادها هي من اشد انواع الحكومات جماهيرية وشعبية . ففي هذه الحكومة - وخلافا لجميع الانظمة السياسية الموجودة في العالم - فان الجماهير وبعد اداء دورها في تعيين القائد من خلال الانتخابات - بشكل مباشر او غير مباشر - لا تنتهي مسؤوليتها ولاتترك لحالها ، بل ان حضورها في ميدان ادارة المجتمع الاسلامي والمساهمة في النظام الاسلامي ضمن لها باعتباره تكليفا شرعيا . فمن وجهة نظر الامام الخميني فان الحكومة الاسلامية انما تستند على العلاقة والثقة المتبادلة بين الجماهير والقائد الصالح ، لذا فهو يقول “اذا مارس الفقيه نوعا من الاستبداد في امر ما ، فانه يسقط عن مقام الولاية “(65)”ان القائد والقيادة ليست بالامور المهمة القيمة في حد ذاتها في الاديان السماوية وفي الاسلام العظيم ، حتى تدفع الانسان - لاسمح الله - الى الغرور والعجب " (66) من هذا المنطلق كان سماحته يقول “ان يقال عني خادم افضل من ان يقال عني قائد ، فالمسألة ليست مسألة قيادة ، المهم هو الخدمة ، فالاسلام اوجب علينا ان نقوم بالخدمة “(67)“اني اخ لابناء الشعب الايراني ، واني اعتبر نفسي خادما وجنديا لهم “(68) “ شيء واحد يحكم في الاسلام وهو القانون . فحتى في زمن النبي الاكرم كان القانون هو الحاكم ، والنبي (ص ) منفذ للقانون "( 69) يقول الامام الخميني مخاطبا الحكومات التي ترى انها هي الحاكمة وانها افضل من الجماهير : “ ان الحكومات اقلية ينبغي ان تكون في خدمة هذا الشعب ، لان اولئك لايفهمون بان الحكومة ينبغي ان تكون خادمة للشعب ، لاحاكما عليه " ( 70 ) “ ان وعي الجماهير ومشاركتها في ممارسات حكومتهم المنتخبة ونظارتها عليها وانسجامها معها ، يعد بحد ذاته ضمانة لحفظ الامن في المجتمع " ( 71 ) والفرق جلي بين هذه النظرية حول مسألة الحكومة والامن القومي والاجتماعي مع النظريات التي ترى - حتى في اشد الانظمة السياسية ديمقراطية - بان الدولة والحكومة لا تعرف الامن خلال “ القدرة " ووسائلها واساليبها ، والتي ترى - على هذا الاساس - بان اهم ركن للامن الاجتماعي انما يكمن في هذه القدرة . يقول الامام الخميني “ ان اية قوة عظيمة معرضة للسقوط اذا حرمت الدعم الشعبي " ( 72 ) . وسقوط النظام الشيوعي - القوي الظاهر - من جهة وثبات نظام الجمهورية الاسلامية في ايران - رغم عداء اعتى قوى العالم لها ورغم دخولها في حرب دامت ثمانية اعوام - من جهة اخرى ، يعد بحد ذاته دليلا وشاهدا على صحة نظرية الامام الخميني . ( هامش ) 64 - جاءت وجهة النظر هذه في دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية ، خصوصا في مقدمته ، وكذا في المادة المتمثلة بالقيادة ومسؤولياتها . 65 - الكلمات القصار ص 119 . 66 - الكلمات القصار ص119 . 67 - الكلمات القصار ص 227 . 68 - الكلمات القصار ص 227 . 69 - الكلمات القصار ص 130 . 70 - الكلمات القصار ص 139 71 - الكلمات القصار ص 121 . 72 - الكلمات القصار ص 121 ( * ) .
بديهي بان نظرية الامام الخميني حول الحكومة الاسلامية ودور وموقع الجماهير فيها ، لاربط له بتاتا ( بالعنصرية ) المتعارفة في الثقافة السياسية للعالم . بل انها على الضد منها تماما . فالعنصرية التي تظهر احيانا كايديولوجية تنتهي - وبغض النظر عن عجزها على الصعيد العملي - الى نظام يعادي القيم والمبادى الانسانية . ذلك لان نظرية كهذه ، اذا توهمت بان عنصر اي شعب هو بمنزلة الحقائق التي ينبغي الدفاع عنها ، فان ذلك سيعني عدم وجود حقائق وقيم ثابتة وان هناك من الحقائق والقيم على عدد الشعوب وعلى عدد الحدود الجغرافية والسياسية ، وان مصطلحات كالعدالة والسلام والحرية ايضا ستتعدد بتعدد الشعوب وتتغير وتتضاد بشكل مستمر . وطبيعي - وفي ظروف كهذه - ان يرى الشعب - الذي يتمتع بقدر من القدرة اعلى - بان من حقه المشروع التسلط على الشعوب الاضعف . ذلك لان العنصرية المتطرفة ، لا تعتقد سوى بتفوق العنصر او اللون او اللغة او الموقع الجغرافي والتاريخي . اما الامام الخميني واستنادا للشواهد التاريخية - فكان يعتقد بان ترويج ( القومية ) و ( الشعوبية ) وتأسيس حركات داعية للقومية العربية والتركية والفارسية وامثالها في العالم الثالث وفي البلدان الاسلامية ، انما نتج عن دراسات المستعترين ومساعيهم لتجزئة البلدان وبث الفرقة والاختلاف وتحقيق تسلطها عليهم . يقول سماحته : “ ان هدف القوى الكبرى وعملائها في البلدان الاسلامية، يتمثل في بث الفرقة بين الملسمين - الذين اخى الله بينهم وسمى المؤمنين منهم بالاخوة - وفصلهم عن بعضهم باسم الشعب التركي ، الشعب الكردي ، الشعب العربي ، الشعب الفارسي ، بل وايجاد العداوة بينهم . ومذا الامر على الضد من مسير الاسلام والقرآن الكريم تماما “(73) لهذا فقد حرص الامام الخميني على القول : “ان نهضتنا اسلامية قبل ان تكون ايرانية “( 74) ( هامش ) 73 - الكلمات القصار ص 127 . 74 - الكلتات القممار ص 127 ( * ) .
يرى الامام الخميني بان استقرار السلام الواقعي في العالم مع وجود القوى المتسلطة المتكبرة الكبرى ، والقبول بوجودها وسلطتها ، امر خيالي محض ، يقول سماحته : “ ان الاستقرار والسلام العالميين انما يرتبطان بزوال المستكبرين ، فما دام اولئك المتسلطون المتوحشون على هذد الارض ، فان الممستضعفين لن ينالوا ارثهم الذي وعدهم الله تعالى به " ( 75 ) “انه يوم مبارك ، ذلك اليوم الذي تتحطم فيه سسلطة الناهبين الدوليين على شعبنا المظلوم وسائر الشعوب المستضعفة وتتمكن عندها جميع الشعوب من استعادة حقها في تقرير مصيرها " ( 76 ) “ يمكن ان تهزمنا امريكا ، ولكنها لن تتمكن من هزيمة ثورتنا، لذا فاني واثق من انتصارنا ، فالحكومة الامريكية لا تدرك معنى الشهادة " ( 77 ) . يقول الامام الخميني حول ماهية الكيان الاسرائيلي الغاصب ومنشأه “ ان امريكا - الارهابية الطبع هي التي اضرمت النارفي العالم باسره وربيبتها الصهيونية العالمية . هي الي ارتكبت في سبيل تحقيق اغراضها جرائم تانف الاقلام والالسن عن كتابتها وذكرها " (78) .
( هامش ) 75 - الكلمات القصار ص 151 76 - الكلمات القصار ص 153 77 - الكلهات القصار ص 156 78 - الكلماط القصار ص 154 . ( * ) .
“ان اسرائيل غاصبة ومعتدية بنظر الإسلام والمسلمين واستنادا الى جميع الموازين الدولية “(79) “انني اعتبر الاعتراف الرسمي باسرائيل فاجعة بالنسبة للمسلمين ، وانفجارا بالنسبة للدول الاسلامية “( 80) بعد انتصار الثورة الاسلاميه ، اعلن الامام الخميني اخر جمعة من شهر رمضان المبارك كل عام يوما عالميا للقدس ، وطالب جميع المسلمين بتنظيم التظاهرات والاعلان عن تضامنهم مع المجاهدين الفلسطينيين في ذلك اليوم من كل عام ما دامت القدس رازحة في قيود اعداء الاسلام . ان الامام الخميني يعتقد بان الطريق الوحيد لتحرير القدس والقضاء التام على اسرائيل يتمثل في الايتان بالله والاعتقاد بعقيدة الشهادة والجهاد المسلح . يقول الامام الخميني حول الشيوعية : “منذ بدء ظهور الشيوعية ، كان مدعوها هم اشد الحكومات استبدادا وتسلطا في العالم “(81) وقال حول التقدم الغربي : “ اننا نقبل بالتقدم الذي حققه الغرب ، ولكننا نرفض الفساد الغربي الذي يأنون هم انفسهم من اثاره المخربة “(82) “ ان التربية الغربية تجرد الانسان من انسانيته “(83) “ اننا لا نعارض التحضر ، انما نعارض التحضر المستورد”(84) “اننا نريد حضارة تقوم على اساس العزة والانسانية )(85) . اكد الامام مرارا على الدور الاساسي للثقافة ، فقال “ الثقافة هي الاساس الذي تعتمد عليه سعادة اي شعب او شقائه . . . ان ما يبني الشعوب هو الثقافة الصحيحة"(86) “ان حالة الشبع الحيواني ليست هي الملاك ، المهم كرامة الانسان "(87) “ ما دام البشر يريدون مواصلة حياتهم تحت ظل السلاح ، فانهم لن يتمكنوا من ان يصبحوا اناسا بمعنى الكلمة ، ولن يتمكنوا من بلوغ الاهداف الانسانية "(88) “ لتبذلوا مساعيكم لاستبدال الاسلحة بالبيان والقلم ، واجعلوا الميدان ميدان صراع بالاقلام والعلوم والفكر “(89) الامام الخميني يرى بان الفن المسخر لخدمة الاستعمار والاستغلال و “ الفن من اجل الفن “ امر سلبي يفتقد الى اية قيمة ، يقول سماحته : “ ان الفن في العرفان الاسلامي هو ترسيم واضح للعدالة والعزة والانصاف ، وتجسيم لمرارة الجوع التي يعاني منها المغضوب عليهم من قبل اصحاب القدرة والمال “(90) . كان الامام الخميني استاذا نموذجيا في مجال التعليم والتربية سواء في المجال النظري ام العملي . فقد تمكن باساليبه التربوية من النجاح في دفع مجتمعه الى الانسجام في نهضة دينية كبرى رغم انه كان - ونتيجة لجرائم العائلة البهلوية الخائنة وعملاء الفكر الغربي - قد جر نحو ثقافة وقيم منحلة ، وروض على عدم الاكتراث . ( هامش ) 79 - الكلمات القصار ص 148 . 80 - الكلمات القصار ص 148 . 81 - الكلمات القصار ص 159 . 82 - الكلمات القصار ص 158 . 83 - الكلمات القصار ص 158 . 84 - الكلمات القصار ص 176 . 85 - الكلمات القصار ص 176 . 86 - الكلمات القصار ص 175 . 87 - الكلمات القصار ص 174 . 88 - الكلمات القصار ص 174 . 89 - الكلمات القصار ص 180 . 90 - الكلمات القصار ص 181 ( * ) .
نقل بان البعض من اصدقاء الامام سألوه - اثناء وقوع انتفاضة الخامس من حزيران وما رافقتها من ظروف اجتماعية مؤسفة وما كان شائعا من اجواء الكبت - عن الطاقات والامال التي بنى عليها نهضته من اجل اقامة حكومة العدل . فاشار حينها الى مهد ينام فيه طفل صغير( 91 ) ، والغريب ان الدور الاساسي الذي لعب في ايام الثورة بعد خمسة عشر عاما من تاريخ تلك الحادثة ، قام به الطلاب والتلاميذ المسلمون الايرانيون ! .كان الامام يعتقد بان مراقبة النفس والسعي الدؤوب في تهذيبها من الاهواء النفسانية والشيطانية في جميع مراحل الحياة يعد ضرورة لبلوغ الكمال الحقيقي ويعتقد بان التربية يجب ان تبدا منذ الطفولة - حتى مراحل الجنينية منها وذلك عن طريق التزام الام بنوع من السلوك - لذا فهو يقول : “ لايوجد عمل اشرف من الامومة “(92) “ ان اول مدرسة يدخلها الطفل هى حضن الام “( 93 ) . ( هامش ) 91 “ منزل الايام " محمد رضا الحكيمي 92 - الكلمات القصار ص 212 93 - الكلمات القصار ص 212 ( * ) .
كان الامام يخاطب المسؤولين عن التربية في المجتمع بالقول : “ انتبهوا الى ان المرحلة المدرسية اهم من المرحلة الجامعية ، ذلك لان الرشد العقلي للاطفال انما يتشكل في تلك المرحلة”( 94 ) “ان المعلم مؤتمن على شيء يختلف عن كل الامانات ، فهو مؤتمن على الانسان " ( 95 ) “ان جميع اشكال السعادة والشقاء انما تنبعث من المدارس ومفتاح ذلك بايدي المعلمين " ( 96 ) . الامام يرى بان التعليم هو مهمة الانبياء ، واهم مسؤولية تقع على عاتق المعلم - بغض النظر عن تقديمه العلوم المختلفة - هي هدايته المجتمع نحوالله . الامام يسمي الانسان “ عصارة جميع موجودات العالم " ويقول “الانسان اعجوبة ، فمنه يمكن ان يصنع موجود الهى ملكوتي او موجود جهنمي شيطاني " ( 97 ) .
( هامش ) 94 - الكلمات القصار ص 185 95 - الكلمات القصار ص 204 96 - الكلمات القصار ص 204 97 - الكلمات القصار ص 173 ( * ) .
ويقول : “ يتم اصلاح العالم ، بتربية الانسان فقط “(98) كما انه يعتبر التربية والتزكية مقدمة على التعليم ، ويرى بان المتعلم اذا لم يقرن تعلمه بتزكية النفس فانه يصبح - رغم سمو العلم - مثل الالة في خدمة الاهداف الشيطانية . ويقول : “اذا دخل العلم في قلب او عقل فاسد من الناحية الاخلاقية ، فان ضرره اشد من الجهل “(99) احد اهم منجزات نهضة الامام الخميني في ايران ، استعادة المراة لدورها الفعال في المجال الاجتماعي ، ويمكن القول بجراة بان المراة الايرانية لم تبلغ طوال التاريخ الايراني هذا المستوى من الوعي السياسي العام ، ولم يكن لها مثل دورها الان في تقرير مصير البلاد . ففي اشتداد وتنامي القيام الجماهيري على النظام الملكي ، كانت المراة جنبا الى جنب الرجل - بل قد تقدمت عليه احيانا - وطوال الحرب العراقية المفروضة ، قامت النساء المسلمات في ايران - وهن خلال تهياة الامكانات لجبهات الحرب ، وتشجيع اخوانهن وازواجهن على المشاركة في الدفاع عن الاسلام والثورة ، بل حتى المشاركة المباشرة في توفير مايلزم في الخطوط الامامية للجبهة - بدور منقطع النظير في الحروب المعاصرة .
( هامش ) 98 - الكلمات القصار ص 184 . 99 - الكلمات القصار ص 187 .( * ) .
والان ايضا ، فان النساء في المجتمع الايراني ، لهن الدور البارز في النشاطات الاجتماعية وامور التربية والتعليم ، الجامعات ، والمجالات الصحية وفي الادارات الحكومية وسائر المجالات . في حين ان النساء كن قبل انتصار الثورة الاسلامية - ونتيجة للمحيط الفاسد الموبوء الذي اوجده النظام الملكي البائد - مضطرات لالتزام المنزل ، وكانت الكثير من الفتيات - خصوصا في المدن والقرى - محرومات من نعمة التعليم اما اولئك اللاتي كانت الفرص متاحة لهن في المدن الكبيرة لممارسة دورهن في النشاطات الاجتماعية ، فقد انشغلن في مواجهة هجوم الثقافة امتنحلة وفي ظروف غاية في التعقيد للدفاع عن شرفهن وعفتهن ، في حين اضطرت والاخريات الى ترك العمل والدراسة من اجل ذلك . ان التحول الذي حصل في التجتمع النسوي الايراني مرهون - وقبل كل شيء بنظرة الامام الخميني الخاصة الى شخصية ومنزلة المراة ودفاعه عن حقوقها . يقول سماحته “ ان للمراة في النظام الاسلامي نفس الحقوق التي للرجل ، حق الدراسة ، حق العمل ، حق التملك ، حق التصويت ، حق الترشيح "(100) “ ليس هناك من تفاوت بين الرجل والمراة من ناحية الحقوق البشرية ، ذلك لان كلاهما انسان ، وللمراة الحق في تقرير مصيرها كالرجل تماما " ( 101 ) ويقول سماحته : “ ان ما يعارضه الاسلام ويعده حراما هو الفساد ، سواء كان من طرف المراة ام الرجل “(102) “اننا نريد للمراة ان تتسنم موقعها الانساني السامي ، لا ان تكون ملعبة . . . الاسلام لايريد للمراة ان تكون شيئا او دمية بيد الرجال ، الاسلام يريد حفظ شخصية المراة ويهدف ان يخلق منها انسانا جديا “( 103 ) “ ان المراة كالرجل حرة فى اختيار مصيرها ونوع نشاطها " (104) “ ان الحرية بالاسلوب الغربي - الذي يودي الى ضياع الشبان والفتية والفتيات - مردود بنظر الاسلام والعقل " ( 105 ) . اما على الصعيد الاقتصادي فقد كانت توصيات الامام ومواقفه تستند عموما الى اجراء العدالة واعطاء الاولوية لاعطاء حقوق المحرومين والمستضعفين في المجتمع (106 ) فسماحته يسمي خدمة المحرومين “ اعظم العبادات " ويعتبر المحرومين اولياء نعمته ونعمة المجتمع . اكثر ما اوصى به الامام مسؤولي النظام الاسلامي ، هو توصيته بالاهتمام بامر الفقراء وتجنب اخلاق المترفين . سماحته يعتقد بان الحكومة والمسؤولين والمدراء خدام للشعب ، ولا حق للخادم ان يطالب بامكانات تفوق مخدوميه . يقول سماحته : “ شعرة من راس احد سكان الاكواخ والاقبية ومقدمي الشهداء ، اشرف واعز من جميع القصور وسكانها”(107) “ان من هم معنا الى اخر الشوط هم اولئك الذين تذوقوا طعم الفقر والمحرومية والاستضعاف “(108) “ في اليوم الذي تتوجه فيه حكومتنا للاهتمام بالقصور الفخمة ، علينا ان نقرا الفاتحة على الحكومة والشعب معا “(109) . من الصفات البارزة لدى الامام الخميني ، هي ان حديثه ينبع دوما من اعتقاده الراسخ بما يقول وصدق ما يقول ، وتطبيقه لما يقول . فقد كانت حياة الامام نموذجا في الزهد والقناعة والبساطة . وهذا الامر لا يصدق على عهد مرجعيته وقيادته فقط وانما يمتد الى عهد حكومته ، فهويرى بان على القائد ان يعيش حياة بسيطة كحياة ابسط طبقات المجتمع ، بل حتى اوطأ من ذلك . وقد اصر طوال عمره المبارك على الحياة الزاهدة ، ومع ان هناك الكثير مما كتب حول هذا الجانب من حياة الامام ( 110) ومما يحتاج جمعه الى كتاب ضخم ، غير ان ابعاد اعتماد حياته على الزهد والبساطة لم يزل حتى الان امرا غير معروف تماما . ولتوضيح بساطة حياة الامام الخميني واعتقاده بضرورة الاحتياط الكامل في انفاق بيت المال ، يكفي ان نذكر ان المادة 142 من الدستور - والتي اقترحت من قبل الامام - تنص على ان ( ديوان القضاء العالي ) مسؤول عن حصر وتشخيص ممتلكات القائد والمسؤولين الحكوميين الرفيعي المستوى قبل وبعد تصديهم للمسؤولية ، لضبط اية زيادة تطرا عليها دون حق . وقد بادر الامام الخميني بتسجيل كافة ممتلكاته البسيطة في كشف رسمي بتاريخ 14 / 1 / 1981 وسلمها ( لديوان القضاء العالي ) ثم وبعد وفاته مباشرة ، طالب نجله - ومن خلال رسالة نشرتها الصحف المحلية(111) السلطة القضائية ، باعادة حصر وتشخيص ممتلكات الامام مجددا وطبقا للدستور . وفي 2/7/1989 اعلنت نتيجة الحصر في بيان اصدره رئيس ديوان القضاء العالي (112 ) صرح فيه : بان ممتلكات الامام الخميني البسيطة لم تبق على حالها وحسب ، بل انها نقصت عما كانت عليه ، فقطعة الارض التي كان قد ورثها عن ابيه في خمين ، اعطاها في حياته الى الفقراء في منطقته ، فخرجت من ملكيته ( 113 ) وامواله غير المنقولة تتمثل في المنزل القديم الذي يمتلكه في قم ، والذي كان ومنذ عام ( 1964 ) - عام بدء النهضة - في خدمة اهداف النهضة ، ومركزا لتجمع الطلبة والمراجعين من الجماهير ولايزال حتى الان مفتقدا لصفة كونه مسكنا .
( هامش ) 100 - الكلمات القصار ص 210 . 101 - الكلمات القصار ص 210 . 102 - الكلمات القصار ص 211 . 103 - الكلمات القصار ص 211 . 104 - الكلمات القصار ص 210 . 105 - الكلمات القصار ص 112 . 106 - عرضت اراء ونظريات الامام الخميني الاقتصادية الى البحث والتحليل والشرح من قبل الاساتذة والمحققين والمتخصصين الاقتصاديين في مؤتمر اقيم تحت هذا العنوان في جامعة طهران عام 1992 م وقد قامت مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخمينى (س ) بجمع خلاصة البحوث والمقالات المقدمة في المؤتمر ونشرها . 107 - الكلمات القصار ص 222 . 108 - الكلمات القصار ص 222 . 109 - الكلمات القصار ص 221 . 110 - ن . ك “( مقاطع مختارة من حياة الامام الخميني ( 6 مجلدات ) برواية جمع من النضلاء ، جمع وترتيب مصطفى وجداني /” في ظلال الشمس “ بقلم محمد حسن الرحيميان / “ خطوة بخطوة مع الشمس - ما ذكر ومالم يذكر عن حياة الامام الخميني “ ( 4 مجلدات ) جمع وتدوين امير رضا ستودة وترتيب افسانه شعبان نجاد ،" مذكرات عن الامام الخميني “ علي الدواني / وكذلك كتاب “ دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني “ ( 3 مجلدات ) للسـيد حميد الروحاني . 111 – ن . ك : الصحف الرسمية للبلاد والصادرة بتاريخ 17 حزيران1989 م 112 - ن . ك : الصحف الرسمية المحلية الصادرة بتاريخ 2/7/1989 م . 113 - في 1 2 / 4 /1989 م ارسل الامام حكما لامام جمعة مدينة خمين وكله فيه عنه في توزيع الارض التى ورثها الامام عن والده على الفقراء في المدينة ، وتم العمل طبقا لذلك . راجع صحيفة النور ج 19 كل ط 148 ( * ) .
ذكر في الكشف المذكور - والذي تم تنظيمه في عام 1981 ، تم على اساس اعادة البحث القانوني لحصر ممتلكات الامام بعد وفاته ، واعلنت نتيجته رسميا - وقلنا انه لم يخلف الا باتجاه النقصان - بان ممتلكات الامام تشمل الاتي : عدد من الكتب ، بعض الوسائل الاولية والمستعملة والتي كانت في منزله وهي تخصق زوجته ، قطعتين من السجاد المستعمل ( وقد اوصى باعطائها للفقراء بعد وفاته ) كما اشير الى عدم وجود اثاث شخصي ، وعدم وجود اموال شخصية وان وجد مال ، فهو من الحقوق الشرعية التي يقدمها المسلمون الى الامام لانفاقها في مواردها الشرعية المعينة ، ولاحق للورثة فيها . عليه فان ما ورثه هذا الرجل - الذي عمر ما يناهز التسعين عاما ، وعاش يتمتع باقصى درجات المحبوبية من قبل الناس - تشمل مايلي : نظارات ، قراظة اظافر ، مشط ، مسبحة ، مصحف وسجادة صلاة وعمامة وثيابه الخاصة ومجموعة كتب في مختلف العلوم الدينية . ذلك كشف بممتلكات رجل لم يكن قائدا لبلد نفطي غني يبلغ تعداد سكانه عشرات الملايين فحسب ، بل انه كان حاكما على قلوب الملايين من الناس ، ممن وقفوا في صفوف طويلة ليتطوعوا للشهادة حينما اصدر اوامره بتشكيل قوات التعبئة للدفاع عن الاسلام ، ممن كتبوا الرسائل او تجمعوا امام المستشفى التي رقد فيها الامام يعلنون عن استعدادهم للتبرع بقلوبهم لسماحته (114) . ان السر في كل هذه المحبوبية يجب ان يبحث عنه في ذلك الايمان الحقيقي والزهد ، والصدق . كان الامام الخميني يعتقد بشدة باهمية البرمجة لجوانب حياته وبالنظم والانضباط . فهو يتوجه للعبادة وذكر الحق وقراءة القرآن والدعاء والمطالعة في ساعات محددة من الليل والنهار . ممارسة المشي والانشغال بالذكر والتفكر كان جزء من برنامجه اليومي . جدوله حافل يفوق العديد من القادة السياسيين - رغم اقترابه من التسعين من العمر - لم يفرط من خلاله بالنشاط في الخدمة في سبيل الله تعالى ، وخدمة المجتمع الاسلامي ، وحل مشكلاته ، حتى في اضد الحوادث تعقيدا . وعلاوة على ممارسته المطالعة يوميا ، فقد كان يطلع كذلك على اهم الاخبار والتقارير والصحف والمجلات الرسمية للبلاد وعشرات المقاطع الخبرية ، ويسـتمع الى اخبار الاذاعة والتلفزيون الايرانية ، والى التحليلات والتقارير والاخبار التي تذيعها الاذاعات الاجنبية باللغة الفارسية ليلا ، وعلى مختلف ساعات الليل ، ليكون صورة عن الاعلام المعادي للثورة ، ويفكر في طرق مواجهته .
( هامش ) 114 - تحتفط موسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) باكثر من مليون رسالة مرسلة الى الامام الخميني ، وقد اقدمت المؤسسة في عام 1993 على نشر جانب من هذه المخاطبات في كتاب تحت عنوان “ تجليات الكلام " ومن ضمن تلك الرسائل ، عرض الكتاب رسائل البعض ممن بعثوا بتفاصيل عن فصائل دمهم ودم ابنائهم للتبرع بقلوبهم للامام . ( * ) .
كذلك فان ازدحام جدوله اليومي وعقد الجلسات مع مسـؤولي النظام الاسلامي لم يحل ابدا دون ارتباطه بالجماهير العاديين ، على انه اهم رصيد للثورة الاسلامية . وقد تم جمع ما يزيد على ( 3700) لقاء له مع الجماهير في كتاب سمي “محضر النور”(115) وذلك فقط في السنوات التي تلت انتصار الثورة الاسلامية ، الامر الذي يوضح عمق علاقة الامام بجماهيره . ( هامش ) 115 - ” محضر النور - فهرست لقاءات الامام الخميني “ ( مجلدين ) طبع ونشر مؤسسة تنظيم ونثر تراث الامام الخميني ( س ) ( * ) .
تجنب سماحته اتخاذ اي قرار يرتبط بمصير مجتمعه الا بطرحه على الجماهير بصدق . فقد كان يرى بان الجماهير تمثل اهم شريحة محترمة لمعرفة الحقائق . تقاطيعه حازمة ، ووجهه عطوف ، نظرته مشحونة بالجاذبية فياضة بالمعنوية حينما تجلس الجماهير في محضره تغرق دون اختيارها في جاذبية معنويته ، فتنطلق الدموع من عيون الكثير من الحاضرين دون وعي . ان للجماهير الايرانية الحق في الدعاء الذي تعارفت عليه بعد انتصار الثورة من التضرع لله بتحويل اعمارها الى دقائق مضافة على عمر الامام (116) ، فاذا كان العالم لايعتقد بالمعنوية ، فانهم - وهم الذ ين نشاوا مع الامام - يعرفون عمليا قدر اللحظات في عمر هذا العزيز ، فقد اوقف حياته لله ولخدمة خلق الله .
( هامش ) 116 - لسنوات طوال كانت الجماهير الايرانية المسلمة تدعو في اجتماعاتها الدينية وفي المظاهرات وبعد صلوات الجماعة بالدعاء التالي وبشكل جماعي “ الهي ، الهي حتى ظهور المهدي احنظ لنا الخميني ، وخذ من اعمارنا واطل عمر قائدنا “ ( * ) .
ورغم ان عالم الاستكبار ووسائل الاعلام الغربية قد ارتكبت ظلما كبيرا بحق الامام الخميني - وقبله بحق البشرية جمعاء - فمارست حملة مكثفة من الاعلام المضلل للنيل من شخصية الامام وثورته الاسلامية ، ورغم انها ما زالت تواصل ذلك اليوم وبعد ان مرت عدة اعوام على رحلته . فما زالت عشرات المحطات الاذاعية والتلفزيونية تبث برامجها المعادية للثورة ولاهداف الامام باللغة الفارسية ليل نهار ، ورغم ان امكانات هائلة قد وضعت في امريكا واوروبا تحت تصرف المجموعات المعادية للثورة بدء من الملكيين وانتهاء باليساريين ومجاهدي خلق ( المنافقين ) ورغم انها سمحت - ولاتزال - سنويا بنشر عشرات الكتب ومئات المقالات والمنشورات لقلب الحقائق المتعلقة بنهضة الامام الخميني ، الا ان من المحتم ان شمس الحقيقة ستبدد سحب الخداع والتضليل . لقد نجح العالم الغربي - والذي اقام وجوده ومنذ عدة قرون والى الان على السعي في احكام سلطته على سائر الشعوب واستغلالها على خداع الرأي العالم العالمي - في تحديد الخطر الحقيقي الذي يهدده . والا فاي حر تعرف على حياة الامام الخميني وبياناته ثم لم يسلم قلبه طواعية للسير على نهجه ولم ينتفض بوجه هذا النظام الظالم الحاكم على هذاالعالم ؟ حقا لماذا يمنع نشر ومطالعة وصية الامام الخميني والكثير من اثاره وبياناته وخطاباته الاخرفى في اغلب الدول العربية والاسلامية التي تعيش تحت سلطة الحكومات العميلة ؟ ولماذا يعذ هذا العمل جرما يطاله القانون ؟ ولماذا كل هذا الداب والتنسيق على مستوى قادة العديد من الحكومات من اجل السيطرة على تسرب مفاهيم وافكار الامام الخميني ؟ اليس لان سماحته كان يدافع عن الحقائق والقيم التي عاشت البشرية قرونا من المعاناة نتيجة فقدانها ؟ المهم ان جميع من تعرفوا على حياة الامام الكريمة الطيبة ، وجميع من بلغهم نداءه وجميع من عرفوا شخصيته واثقون من ان المشعل الذي حمله سماحته لن يخبو رغم كل هذا الصخب المعادي ورغم كل هذا السيل المخرب المحرف للحقائق “ والله متم نوره ولو كره الكافرن “(117) ( هامش ) 117 - قسم من الاية 8 من سورة الصف ( * ) .
- رحيل الامام الخميني : وصال المحبوب ، وفرا ق الاحبة : لقد بلغ الامام الخميني قولا - ومارس عمليا - بجميع الاهداف والغايات وكل ما ينبغي عليه قوله او فعله ، بل انه على الصعيد العملي سخركل وجوده من اجل تحقيق جميع ذلك . والان - وعلى اعتاب منتصف خرداد عام 136(اوائل حزيران 1989 م ) - هياالامام نفسه للقاء عزيزافنى جميع عمره من اجل كسب رضاه . ولم يحن قامته لغيره ولم يبك سوى له ، وانشد كل اناشيده العرفانية في الم فراقه وبيان عطشه للحظة وصاله . والان فقد ازف الوقت وحانت ساعة اللقاء الرائع بالنسبة له ، العصيب بالنسبة لانصاره ومحبيه - فهو قد كتب في وصيته يقول : “ والان فاني استاذنكم ايها الاخوات والاخوة لاسافر نحو مقري الابدي بقلب هادي ، وفؤاد مطمئن وروح قرحة وضمير امل بفضل الله ، واسالكم بالحاح الدعاء بالخير ، كما اسأل الله الرحمن الرحيم ان يقبل عذري عن قصوري وتقصيري ، وامل من الشعب ان يقبل عذري لما قصرت اوكنت قاصرا فيه ، وان ينطلق الى الامام بقدرة وارادة وتصميم “
وحينما تقف الجماهير المحبة للامام بجنب ضريحه ، فانها تتمتم للرد على هذه العبارات المتواضعة التي قالها سماحته فتقول : “ايها الامام ! عن اي قصور او تقصير تتحدث ؟ فعلى حد علمنا وعلم ابائنا وطبقا لما رايناه وسمعنا فانت كنت صلاحا ونورا وطهرا خالصا “ اشهد انك قد اقمت الصلاة و اتيت الزكاة وامرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وجاهدت في الله حق جهاده ““(118) الغريب ان الامام الخميني قال في احدى قصائده التي نظمها قبل عدة سنوات من وفاته : تمر السنون وتتوالى الحوادث وانا انتظر الفرج في منتصف خرداد(119)
وكانت الابيات التي سبقت هذا البيت من الشعر تتحدث عن الم الهجران والامل بتحقق لحظة الوصال . وهاهي لحظة وصال المحبوب قد حانت في النصف من خرداد . ( هامش ) 118 - قسم من الزيارة التي اعدت لزيارة الامام الخميني (س ) 119 - ورد هذا الشعر تحت عنوان “ الانتظار “ في ديوان الامام الخميني الشعري ، ص152 ( * ) .
منذ عدة ايام سابقة لوفاته كانت الجماهير على علم بمرض الامام وما اجري له من عملية جراحية ، وحقا فان الوضع الروحي للجماهير في تلك الايام مما يعجز الانسان عن وصفه ، فمراسم الدعاء والتوسل تجري في كل حدب وصوب ، في المنازل في الحسينيات في التكايا والمساجد وفي مختلف انحاء البلاد ، بل في كل مكان من العالم وجد فيه محب للامام . ولعلك في تلك الايام لاتكاد ترى احدا وقد تمكن من اخفاء اثار الحزن والغم عن محياه . العيون باكية ، والقلوب هافية لجماران الساعات تمر ببطء شديد ، وايران كلها تلهج بالدعاء . الفريق الطبي المشرف على علاج الامام استنفذ ما في وسعه ، غير ان امر الله يدفع المقادير باتجاه اخر “ يا ايتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية “( 120). في تمام الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة قبيل منتصف الليل من الثالث عشر من خرداد 1368 ( حزيران 1989 م ) حانت لحظة الوصال . وتوقف القلب الذي اضاء الملايين من القلوب بنور الله والمعنوية . ( هامش ) 120- الايات 27 و 28 من سورة الفجر ( * ) .
في الايام التي لازم فيها سماحته فراش المستشفى . وضع محبو الامام جهاز تصوير مخفي تم من خلاله تصوير الامام في تلك الايام ، اثناء العملية الجراحيه ، واثناء الساعات التي كان يلتقي فيها بالحق (121) . وحينما بث التلفزيون الايراني في تلك الايام جانبا من حالات الامام المعنوية والاطمئنان الذي كانت عليه ، كادت القلوب ان تتفجر من الشوق والى الحد الذي لايمكن وصفه الا من خلال الرؤية والمباشرة . ( هامش ) 121 - هذه الافلام موجودة في ارشيف مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) وقد تم تنطيم العديد منها في عدة برامج تلفزيونية وعلى اشرطة الفيديو ، والمؤسسة تقدمها للراغبين فيها . وتعتبر هذه الافلام من حيث نوعية التصوير لحالات خلوات الامام الخميني بربه وحالاته في حياته الشخصية فريدة من نوعها ، الا انها تعتبر من الناحية الفنية ليست على المستوى المطلوب ، وذلك لان الامام لم يكن يجيز التضحية بصفاء زهده واخلاصه ومعنويته للاهداف الاعلامية ( * ) .
الشفاه في ذكر دائم لله ، وفي اخر ليلة من عمره - وبينما كانت عدة حقن من المواد التغذية موصولة بذراعيه - قام ليلتها يؤدي نافلة الليل ويتلو القرآن . بدت على محياه في الساعات الاخيرة طمانينة وهدوء ملكوتيين ، وكان يردد الشهادة بوحدانية الله ويقر بالاعتقاد برسالة النبي الاكرم ( ص ) حتى حلقت روحه العظيمة نحو الملكوت الأعلى . فكانت الرحلة التي خلفت في القلوب نارا لاتنطفى . وحينما اذيع خبر ارتحال الامام ، حدث ما يشبه وقوع زلزال عظيم وقعت فتفجرت الاحزان وانفجرت الدموع في وقت واحد من جميع العيون في ايران وفي كل مكان وجد فيه من عرف الامام وانتهل من فيض هدايته . وراح المحبون يلطمون الرؤوس والوجوه . . . وتعجز الاقلام ، بل يعجز اي بيان على تصوير ابعاد ما حصل وما تدفق من امواج من الاحساسات المتلاطمة . وللشعب الايراني وللمسلمين الثوريين الحق في الضجيج بتلك الصورة - التي لم يسجل التاريخ نموذجا يضاهيها بالشدة والعظمة - فهم قد فقدوا عزيزا اعاد لهم عزتهم المهدورة ، وكف ايدي الملوك الظالمين والناهبين الامريكان والغربيين عن اراضيهم ، واحيا الاسلام وحقق للملسمين المجد والعزة ، واقام الجمهورية الاسلامية ،ووقف بوجه جميع القوى الشيطانية في الدنيا بثبات ليواجه مئات المؤامرات الهادفة لاسقاط النظام ، والطروحات الهادفة لقلب نظام الحكم او اثارة الفتن في الداخل والخارج وعلى مدى عشرة اعوام ، وقاد الدفاع المقدس لثمانية اعوام في جبهة واجه فيها عدوا كان يتمتع وبوضوح بدعم القوى الشرقية والغربية الكبرى . لقد فقدت الجماهير قائدها المحبوب ومرجعها الديني والمنادي بالاسلام الاصيل ، لعل اولئك العاجزون عن درك واستيعاب هذه المفاهيم ، يقفون حيارى حينما يشاهدون حالة الجماهير - التي عرضتها الافلام التلفزيونية - اثناء مراسم توديع وتشييع ودفن الجثمان الطاهر للامام الخميني ، ولعلهم يدهشون حينما يسمعون بوفاة العشرات الذين لم يتمكنوا من تحمل ثقل الصدمة ، فتوقفت قلوبهم عن العمل ، اوبسقوط العشرات الاخرين مغشيا عليهم نتيجة شدة الحزن وانتقالهم من يد الى يد فوق امواج هائلة من البشر لينقلوا الى المستشفياتَ. . الى غير ذلك ... لكن اولئك الذين يعرفون معنى العشق والذين امتحنت قلوبهم لذته ، يرون كل ذلك امرا طبيعيا ، والحق ان الجماهير الايرانية كانت عاشقة للامام الخميني ، وما اجمل الشعار الذي رفع في الذكرى السنوية لوفاته “ عشق الخميني عشق لكل ما هوجميل “ في الرابع من حزيران 1989 م ، عقد مجلس خبراء القيادة جلسته الرسمية ، وبعد ان قرئت وصية الامام الخميني من قبل اية الله الخامنئي - الامر الذي استمر ساعتين ونصف الساعة - ابتدا البحث والتشاور حول تعيين من يحل محل الامام الخميني ليكون قائدا للثورة الاسلامية ، وبعد عدة ساعات تم وبالاجماع ترشيح اية الله السيد علي الخامنئي ( رئيس الجمهورية انذاك ) لتسنم هذا الموقع الخطير ، واية الله الخامنئي احد طلاب الامام الخميني - سلام الله عليه - ومن الوجوه البارزة في الثورة الاسلامية ، ومن انصار انتفاضة الخامس من حزيران ، وقف حاملا روحه على كفيه طوال فترة نهضة الامام وفي جميع الحوادث مع سائر انصار الثورة . لقد سعى الغربيون وعملاؤهم في داخل البلاد لسنوات طوال من اجل الحاق الهزيمة بالامام ، ولما يئسوا من ذلك وعدوا ذيولهم بعهد ما بعد وفاة الامام . لكن وعي الشعب الايراني ، وسرعة مجلس خبراء القيادة في الاختيار المناسب للتشخيص للقيادة ، ودعم انصار الامام لذلك ، بدد امال اعداء الثورة ، ولم يخب املهم في ان تكون وفاة الامام نهاية طريقه فحسب ، بل ان عصر الامام الخميني - في الحقيقة - ابتدا على نطاق اوسع من السابق بعد وفاته . فالفكر والصلاح والمعنوية والحقيقة لا تموت ابدا . في يوم وليلة الخامس من حزيران 1989 م تجمع الملايين من ابناء طهران والمعزون من ابناء المدن والقرى ، في مصلى طهران الكبير ليلقوا النظرة الاخيرة على الجثمان الطاهر لرجل اعاد لقامة القيم والكرامة المهطعة في عصر الظلم الاسود استقامتها بقيامه وثورته ، وفجر في الدنيا نهضة من التوجه لله والعودة نحو الفطرة الانسانية . لم يكن هناك من اثر للمراسم الرسمية الخالية من التوجه فكل شى كان جماهيريا تعبويا وعشقيا . وكان جثمان الامام الموشح باللون الاخضر موضوعا على دكة عالية يتحلق حولها الملايين من اصحاب العزاء ويضيء كدرة نفيسة . وكان كل واحد من ذلك الجمع الغفير يتمتم بحزن مع امامه الفقيد ويذرف الدموع . امتلا المكان وحتى الطرق السريعة المؤدية الى المصلى بالجماهير الموشحة بالسواد . ورفعت اعلام العزاء على الابواب والجدران وانطلق صوت القرآن من جميع المساجد والمراكز والادارات والمنازل وما ان هبط الليل حتى اوقدت الاف الشموع تذكيرا بالمشعل الذي اوقده الامام ، واضاءت منطقة المصلى وما حولها . تحلقت العوائل المفجوعة حول شموعها وقد تعلقت انظارها بذلك المرتفع النوراني الذي رقد فيه امامهم المحبوب . وكانت صرخات “ ياحسين “ التي تنطلق من التعبويين الذين شعروا باليتم قد احالت المكان الى عاشورا جديدة . فقد قصمت الظهور ، هل حقيقة ان هذا الصوت الرباني لن ينطلق مجددا من حسينية جمران ؟ . . . بقيت الجموع المفجوعة تندب فقيدها حتى الصباج . وفي اول ساعات يوم السادس من حزيران ، ادت الملايين صلاة الميت على جثمانه الطاهر بامامة اية الله العظمى الكلبايكاني . ان من المواقف التي اثبتها التاريخ يوم 12 بهمن 57 3 1 ( 1 شباط 979 1 م ) ويوم تشييع الامام اذ تكرر في اليومين اجتماع الملايين وانطلاق مختلف المشاعر الحماسية والمعنوية . لقد قدر مراسلو وكالات الانباء عدد المستقبلين للامام في عام 1979 بستة ملايين شخص كما صرحوا بان عدد المشيعين قد تجاوز التسعة ملايين شخص ، والحال ان الدول الغربية والشرقية تحالفت خلال الاحد عشر عاما التي امضاها الامام الخميني في الحكم ومارست مختلف انواع المؤامرات وحملت ايران حربا ضروسا دامت ثمانية اعوام ، الى المئات من المخططات الخبيثة التي كان يهدف من خلالها صد جماهير الشعب عن الالتفاف حول قائدها ، غير ان ذلك لم يتحقق رغم مئات المشاكل التي تحملها ابناء الشعب ، ورغم ما قدموه من الشهداء وذلك نتيجة للتربية العقائدية التي مارسها الامام الخميني ، فالشعب المجيد كان يعتقد برسوخ بمقولة الامام الخميني “ ان القدرة على تحمل المصائب والمصاعب والمحرومية والتضحية بالانفس انما تتناسب مع حجم الهدف وعلو مرتبته “ بدات مراسم التشييع ، فانطلقت الجموع الغفيرة من المصلى الى مرقد الامام - بجوار مقبرة جنة الزهراء ( مزار الشهداء ) وضجت الجموع اطفالا ونساء ورجالا وكان ارواحهم تخلع من ابدانهم . مرت ساعات دون ان يتمكن الجمع من التقدم نتيجة اضطراب الاحاسيس ، وبالنتيجة تم حمل الجثمان الطاهر بطائرة سمتية لينقل الى المثوى الاخير . ورغم انه قد تم وضع عوائق عالية للحيلولة دون ازدحام المعزين في محل الدفن ، الا انه ما ان حطت الطائرة على الارض ، حتى اضطرب كل شى ، فقد تاججت نار الفراق في القلوب وادى الاحساس بالفراق الطويل الى تصاعد الحزن والغضب والى الدرجة التي جعلت كل جهود المأمورين - لاتمام عملية الدفن - مذهب سدى . كانت الوقائع تنقل بشكل مباشر الى التلفزيون ( والافلام الخاصة بذلك اليوم موجودة الان ايضا ) . ثم وبصعوبة بالغة تم استرداد الجثمان من ايدي الجماهير ، واعيد الى الطائرة وحمل من جديد نحو حسينية جماران . ان اولئك القابعين في مغرب الارض ، او في ظل الفكر الغربي ، ممن يرون ان الحياة عبارة عن نافذة تطل على المال والهوس - وممن لا يتمكنون ونتيجة حياتهم الصاخبة المكتظة بالاصوات المدمرة للماكنة والالة ، الغافلون عن الاصالات والعشق الحقيقي والقيم لايمكنهم ان يدركوا ابعاد ما يشاهدونه من الصور التي نقلتها الافلام عن يوم دفن جثمان الامام . . .
ولو ان جهود المحرفين واصوات الاعلام المسموم لاعداء الحقيقة اتاحت الفرصة لهم ليقراوا وصية الامام او احد بياناته دون حكم مسبق ، وبانصاف وعلى اساس من الوجدان والفطرة ، فان احكامهم ستتغير لا شك . بعد تعذر اتمام مراسم الدفن نتيجة شدة احاسيس المعزين ، اعلنت الاذاعة وعبر بيان رسمي عن تاجيل المراسم الى اشعار اخر . غير ان المسؤولين كانوا على يقين بان مرور الوقت سيضاعف من اعداد الوافدين من عشاق الامام من المدن والقرى البعيدة لذا فقد اضطروا الى اتماها الدفن في عصر ذلك اليوم متحملين شدة الضغط والصعوبات البالغة . وقد نقلت بعض وكالات الانباء جانبا من تلك المراسم . ان عشرات المجلدات التي ضمت القصائد الشعرية التي نظمها الايرانيون وغير الايرانيين والتي تم جمعها ونشرها في الايام التالية ، تعد بحد ذانها تعبيرا عن طبيعة الاحاسيس الجماهيرية التي تفجرت في تلك الايام . وكان من بينها ما عد من امهات القصائد ومن اروع الملاحم الشعرية في الادب الفارسي .
بعد ذلك اقيمت مراسم الثالث والسابع والاربعين في العام الاول - وحتى تاريخ كتابة هذه المقالة ، اذ مرت الذكرى الخامسة - بنفس العظمة في الرابع من حزيران من كل عام . وتم بهمة عشاق الامام بسرعة خارقة تشييد مبنى حول ضريحه المقدس كتعبير عن نوع من التقدير من قبل الامة الاسلامية لهذا القائد المعنوي العظيم ، وكتعبير عن ابدية ذكراه ، وصار مزاره الشريف يضم كل يوم - خصوصا في المناسبات الدينية - زائريه وعشاقه الوافدين من انحاء ايران ومن سائر البلدان . وصار العلم الاحمر الذي يرفرف على قمة قبة ضريحه يذكربالعلم الاحمرالمنصوب على قبة الحسين بن علي ( ع ) وعن ان النهضة العاشورية للامام الخميني ايضا - وكما هو الحال مع الثورة الحسينية في كربلاء - ستحرك دماء العزة والانسانية والاستقامة على دين الله في عروق المعتقدين بالاسلام الغيارى ما دام التاريخ موجودا . وهكذا فان رحيل الامام اصبح هو الاخر - وكما كانت حياته - منشا لليقظة والصحوة والنهضة وخلد نهجه وذكراه . ذلك لانه كان حقيقة ، والحقيقة خالدة ما خلد الدهر .
لقد كان مظهرا من مظاهر “ الكوثر “ كوثر الولاية الجاري في الارض والزمان وستظل حكاية هذا العبد الصالح باقية مدى الدهر . والسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا .
- * اثار ومؤلفات الامام الخميني : ترك سماحة الامام الخميني عشرات الكتب والاثار القيمة في المبا حث الاخلاقية ، العرفانية ، الفقهية ، الاصولية ، الفلسفية ، السياسية ، والاجتماعية وقد تم نشر اكثرها الى الان . غير ان عددا من رسائله ومؤلفاته النفيسة فقدت اثناء الانتقال من منزل مستأجرالى اخر ، واثناء العديد من حملات ازلام السافاك على منزله ومكتبته الشخصية . كان للامام خط جميل ، وكان يتبع في الكتابة قواعد التأليف القديمة ، والنظم في الكتابة ويتجنب الاطالة . كذلك فان اسلوبه النثري واستخدام المحسنات البديعة والابداع في التركيب وبالاسلوب المحبب مما كان يستخدمه سماحته في بياناته السياسية والدينية ، احدثت تحولا في الادبيات الدينية والسياسية في ايران ، والان فان المفردات والتركيبات الخاصة بالامام اصبحت جارية الاستعمال في المتون الادبية الفارسية بل حتى في عرف المحاورات العامة . بعض مؤلفات الامام وتناسبا مع موضوعها التخصصي ( الفقه ، الاصول والعرفان ) كتبت اساسا باللغة العربية ، كما ان بعضها ايضا تكتب باللغة الفارسية . وعلاوة على مؤلفاته الخاصة ، فان لديه عددا من الرسائل العلمية لبعض المفكرين يمتلك منها نسخا فريدة ، قام سماحته باعادة كتابتها بخط جميل ولم تطبع حتى الان . بعض مؤلفات الامام الخميني كتبها باسلوب وبطريقة تخصصية بحتة ، بحيث يتعذر فهم متونها ومطالبها دون الاستعانة بشرح او تفسير اساتذة ذلك العلم . وبعضها ايضا كتب باسلوب بسيط . ان الكتب التي نشرت من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) مؤخرا ، تتميز بامور ايجابية كثيرة من حيث ما قدم لها من مقدمات ، وما اضيف اليها من هوامش توضيحية وفهارس ، ومن حيث دقتها وصحة متونها وما ارفق من صور عن امل نسخها الخطية ، ولايفوتنا ان نشير الى ان بعض اثار الامام تم نشرها من قبل المؤسسـة المذكورة ، وان البقية تنتظر دورها في الصدور بعد ان يتم تهميشها وكتابة التوضيحات عليها وتنظيم الفهارس لها. نورد هنا جردا باسماء اثار ومؤلفات الامام الخميني حسب تاريخ كتابتها ، وطبيعي ان التعريف باي واحذ من هذه الاثار يحتاج الى تحقيق مفصل ومستقل ، وقد تم انجاز الكثير من ذلك عبر مقالات وكتب مختلفة نحيل القارفي الراغب في المزيد اليها(122) . ( هامش ) 122 - تم لاعداد هذا الفهرست عن اثار الامام الخميني الاستفادة من مقالة لاية الله رضا الاستادي ( نشرت في مجلة حضور عام 1991 العدد الاول ) وكذلك على مقالة اخرى نشرت في مجلة حضور ايضا عام 1992 م العدد الخامس والسادس ، وعلى المعلومات المتوفرة فى ارشيف مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) وكذلك مجموعة من الكتب الرجالية مثل : نقباء البشر ( اغابزرك الطهراني ) الذريعة الى تصانيف الشيعة ( اغابزرك الطهراني) فهرست الكتب المطبوعة ( للمرحوم خان بابابشير ) فهرست الكتب العربية المطبوعة (للمرحوم خان بابابشير ) اثار الحجة ، ائينه دانشوران - 1974 بالاضافة الى كتاب دراسة وتحليل لنهضة الامام الخميني وكتاب “ سير في مولفات الامام الخميني “ وكتاب “ عطر الورد “ وغيرها ( * ) .
1 - شرح دعاء السحر : كتاب يضم مسائل عرفانية ، فلسفية وكلاميه عميقة ، استند فيه الامام على الايات القرآنية وروايات اهل بيت العصمة ( ع ) في شرح دعاء المباهلة المعروف بدعاء السحر 1347 هـ ( 1928 م ) كتبه باللغة العربية وقد ترجمه سماحة السيد احمد الفهري وطبع عدة مرات . اخر طبعة صدرت منه عن انتشارات مؤسسة اطلاعات طهران في عام 1 9 9 1 م ويقع الكتاب في 239 صفحة .
2 - شرح حديث راس الجالوت : شرح لحديث راس الجالوت ( احتجاجات الامام الرضا ( ع ) ) على اصحاب الاديان المختلفة ، ومن جملتها احتجاجاته على اليهود في قضية راس الجالوت كتبه عام 1348 هـ (1929 م ) ذكره مؤلف كتاب “ ائينة دانشوران “ الذي نشر عام 353 1 ق 934 1 م .
3 - حاشية الامام على شرح حديث راس الجالوت : علاوة على شرح الامام للحديث المذكور في كتاب مستقل ، فقدكتب سماحته تعليقه على شرح المرحوم القاضي سعيد القمي ( من عرفاء القرن الحادي عشر) لحديث راس الجالوت ايضا وقد ذكره ايضا مؤلف كتاب ( ائينه دانشوران ) ومؤلف كتاب الذريعة المرحوم الشيخ اغا بزرك الطهراني .
4 - الحاشية على شرح الفوائد الرضوية : في هذا الاثر العرفاني ،كتب الامام الخميني اراءه على شكل حاشية على كتاب شرح الفوائد الرضوية للمرحوم القاضي سعيد القمي . وسوف ينشر هذا الكتاب قريبا من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) .
5 - شرح حديث جنود العقل والجهل : اثر نفيس في علم الاخلاق ، يضم اراء الامام الكلامية والاخلاقية والعرفانية بشكل اوضح ، ومن خلاله اتاح سماحته الفرصة لقطاع اوسعع من الجماهير للاستفادة منه ، كما هي الحال مع كتاب ضرح الاربعين حديث . والكتاب الان في قسم التحقيقات ( فرع قم ) التابع لمؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام ، وسوف ينشر بعد ان ينتهي العمل بهوامشه وفهارسه وسائر الامور التحقيقية ، ويتوقع ان يقع الكتاب في 800 صفحة .
6 - مصباح الهداية الى الخلافة والولاية : يعتبر هذا الكتاب من اعمق والمع اثار العرفان الاسلامي في عصرنا الحاضر فرغ الامام من تأليفه في عام 1349 هـ ( 1930 م ) وهو في سن الثامنة والعشرين من عمره . اخر طبعة صدرت من الكتاب كانت عن انتشارات مؤسسة تنظيم ونشر اثار الامام في عام 1993 ، ويقع الكتاب في 315 صفحة تشمل متن الكتاب ومقدمة مفصلة وشرح لحياة الاستاذ جلال الدين الاشتياني .
7 - الحاشية على شرح فصوص الحكم : كتاب فصوص الحكم من تأليف الشيخ الاكبر محي الدين بن عربي ( من العرفاء اللامعين في العالم الاسلامي ) وقد كتبت لهذا الكتاب شروح عديدة ، يعد افضلها ما كتبه القيصري . وفي عام51355( 1936 م ) كتب الامام الخميني تعليقه باللغة العربية على شرح فصوص الحكم للقيصري ، والحاشية تشير الى تسلط الامام على اراء اساطين العرفان ، نظير الشيخ الاكبر ، القونوي الملا عبد الرزاق الكاشاني ، الفرغاني ، العراقي والقيصري . وقد طبع هذا الكتاب مع الكتاب الذي سنورده ادناه في مجلد واحد .
8 - الحاشية على مصباح الانس : كتاب “ مصباح الانس بين المعقول والمشهود “ شرح كتبه محمد بن حمزة بن محمد الغفاري على كتاب (مفتاح الغيب ) لابي المعالي محمد بن اسحاق القونوي ( من تلامذة محي الدين بن عربي البارزين ) والذي كتب في موضوع العرفان النظري . وقد كتب الامام الخميني اراءه ونقده العلمي على الكتاب بشكل حاشية استوعبت ثلث الكتاب المذكور وذلك في عام 1355 هـ (1936 م ) تم طبع الحاشيتين المذكورتين اعلاه ( على نصوص الحكم ومصباح الانس ) في كتاب واحد تحت عنوان “ تعليقات على شرح نصوص الحكم ومصباح الانس “ ويقع الكتاب في 329 صفحة ، تم طبعه عام 1986 م بواسطة مؤسسة ( باسدار اسلام ) في قم
9 - شرح الاربعين حديثا : “ الاربعين حديثا “ او “ شرح الاربعين حديث “ احد الاثار الاخلاقية والعرفانية النفيسة للامام الخميني كتبه بالفارسية في عام 1358 هـ ( 1939 م ) تعرض فيه لشرح مجموعة من احاديث اهل البيت ( 34 حديث اولا - ثم احد عشر حديثا في المسائل الاخلاقية - وستة احاديث اخرى في المسائل الاعتقادية ) اخر طبعاته صدرت عن مؤسسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني في عام 1993 م ، ويقع في 900 صفحة .
10 - سر الصلاة ( صلاة العارفين ومعراج السالكين ): كتاب قيم في العرفان ، كتبه سماحة الامام باللغة الفارسية في بيان الاسرار المعنوية والعرفانية للصلاة وقد اتمه في عام 1358 هـ ( 1942 م ) ويمكن من خلال مباحث هذا الكتاب والكتب السابقة التي ذكرناها الوقوف على تسلط الامام الخميني على العرفان النظري وطيه المقامات المختلفة في العرفان العملي . اخر طبعات الكتاب صدرت عن مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام في عام 1990 م ، ويقع الكتاب في 266 صفحة ، ويتالف من مقدمة كتبها اية الله الجوادي الاملي ، وفي الكتاب ، عدة فهارس توضيحية مع صورة كاملة من النسخة الخطية للكتاب .
11 - اداب الصلاة : تم تأليف هذا الكتاب في عام 1361 هـ ( 1942 م ) وبعيد تأليف كتاب سر الصلاة . كتب الامام الخميني في بداية الكتاب يقول : “ قمت قبل ايام بتحرير رسالة . . . ولان الرسالة لاتناسب حال العامة قررت تأليف رسالة اخرى لشرح الاداب القلبية لهذا المعراج الروحاني ). فهو اذن شرح مبسوط لاداب الصلاة واسرارها المعنوية ، والكتاب يفيض بالمطالب الاخلاقية والعرفانية ، وقد كتبه الامام باللغة الفارسية . اخر طبعاته صدرت عن مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام في عام 1993 م ، ويقع الكتاب في 836 صفحة ، يشمل ، مقدمة ، متن الكتاب ، فهارس وصورة كاملة عن النسخة الخطية للكتاب ، كما صدرت منه طبعةاخرى تقع في 421 صفحة لم تشتمل على الصورة الخطية .
12 - رسالة لقاء الله : رسالة موجزة كتبت باللغة الفارسية وتدور حول المسائل العرفانية ، وقد طبعت من قبل مؤسسة الفيض الكاشاني وذلك عام 991 ام كملحق مع رسالة ( لقاء الله ) التي الفها اية الله الحاج الميرزا جواد الملكي (ره ) .
13 - الحاشية على الاسفار : قام الامام الخميني وخلال سنوات عديدة في قم بتدريس كتاب ( الاسفار الاربعة ) تأليف الفيلسوف الشهير صدر المتألمين ، وكتب على مباحثه حاشية لم نعثر - وللاسف - على نسخة منها الى الان . وتنوي مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني ، جمع ونشر مختارات من الاراء الفلسفية للامام الخميني والتي تم جمعها من تقريرات دروسه في الفلسفة من بعض تلامذته لينتفع بها المجتمع الاسلامي .
14 - كشف الاسرار : كتاب سياسي ، عقائدي واجتماعي ، كتبه سماحته في عام 1944 م ( 4 36 1 هـ ) - أي بعد عامين من عزل رضاخان عن السلطة - رد فيه على ما اثاره احد الوهابيين من شبهات وتهم باطلة ضد الدين والعلماء في كتابه “ اسرار هزار ساله “ استند الامام في كتابه على حقائق تاريخية ، واستعرض ونقد فيه اراء الفلاسفة اليونانيين القدماء ، والفلاسفة الاسلاميين والغربيين المعاصرين ، ليثبت في النتيجة حقانية مذهب التشيع ويبرز الدور الفعال الذي نهض به العلماء المسلمون . طرح في هذا الكتاب فكرة الحكومة الاسلامية وولاية الفقيه في عصر الغيبة وفصل القول في السياسات المضادة للقومية التي مارسها رضاخان ومن لف لفه في البلدان الاسلامية ( في ذلك الوقت ) ويقع الكتاب في 334 صفحة .
15 - انوار الهداية في التعليقة على الكفاية (مجلدين ): كتاب يتناول المباحث العقلية في علم اصول الفقه ، كتبه الامام الخميني باللغة العربية وعلى شكل حاشية على التباحث المذكورة من كتاب كفاية الاصول لاية الله العظمى الاخوند الخراساني (ره ) وقد اتمه في عام 1368 هـ ( 1949 م ) يوضح هذا الكتاب القيم - مع كتاب ( مناهج الوصول ) والرسائل المستقلة للامام الخميني في المسائل الاصولية - والى حد كبير اراء ومدرسة الامام الخميني الاصولية . طبع مؤخرا ( في عام 1993 م ) ولاول مرة في مجلدين من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ).
16 - بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر : رسالة تحقيقية ، اجتهادية كتبها الامام باللغة العربية حول ( قاعدة لاضرر ) التي تعتبر من القواعد الفقهية المهمة . اتم تأليفها في غرة جمادي الاولى عام 1368 هـ (1950م) طبعت هذه الرسالة مع عدة رسائل اصولية للامام في مجموعة تحت عنوان “ الرسائل “ في عام 1965 هـ ( 1965 م ) وقد تم اخيرا ( في عام 1993 م ) طبعها بشكل مستقل من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) مع مجموعة من التعليقات والفهارس وتحت الاسم المذكور اعلاه .
17 - رسالة الاستصحاب : رسالة تفصيلية اجتهادية ،كتبها سماحته باللغة العربية حول مبحث “ الاستصحاب “ الذي يعد من المباحث البالغة الاهمية في علم اصول الفقه . اتم تأليفها في عام 1370 هـ (1951 م ) ويقع الكتاب في 290 صفحة ، وقد تم نشرها مع مجموعة “ الرسائل “ التي ذكرناها سابقا وذلك عام 1385 هـ ( 1965 م ). وسيتم قريبا طبع هذه الرسالة بشكل مستقل ومنقح من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ).
18 - رسالة في التعادل والتراجيج : تم تأليف هذه الرسالة في عام 1370 هـ ( 1951 م ) والتعادل والتراجيح من المباحث التكميلية في علم اصول الفقه ، يدور حول التعايير في انتخاب الدليل في مقام تعارض الادلة . وقد طبعت ايضا في 1385 هـ قد ضمن مجموعة “ الرسائل “ الانف ذكرها .
19 - رسالة الاجتهاد والتقليد : الاجتهاد والتقليد ايضا من المباحث التكميلية والمهمة في علم اصول الفقه . وقد استدل الامام الخميني في هذه الرسالة الاجتهادية على ارائه . تم تأليف هذه الرسالة في عام 1370 هـ ، وقد طبعت ايضا مع مجموعة “ الرسائل “ .
20 - مناهج الوصول الى علم الاصول ( مجلدين ) : كتاب تحقيقي واجتهادي في مباحث الفاظ علم اصول الفقه ، كتبه باللغة العربية ، بعد عام 1370 هـ ( 1951 م ) وصدر في مجلدين لاول مرة في عام 1993 م مع تعليقات وفهارس ومقدمة كتبها اية الله الفاضل اللنكراني ، وقد اهتمت بطبعه مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) .
21 - رسالة في الطلب والارادة : كتاب اصولي ، فلسفي وعرفاني ، اتم تأليفه الامام الخميني في عام 1371 هـ (1952م) طبعت هذه الرسالة من ترجمة لها باللغة الفارسية في كتاب يقع في 157 صفحة في عام 1983 م من قبل مركزالانتشارات العلمية والثقافية ، في طهران .
22 - رسالة في التقية : رسالة فقهية واجتهادية كتبها الامام في مبحث “ التقية “ في عام 1372هـ ( 1953 م) باللغة العربية ، وثبت من خلالها بان فلسفة وجوب التقية انما تدور حول حفظ الدين لامحوه ، طبعت ضمن مجموعة “ الرسائل “ في عام 1385 هـ في قم .
23 - رسالة في قاعدة من ملك : رسالة اجتهادية في القاعدة الفقهية الموسومة بـ ” قاعدة من ملك “ وقد ذ كرها مؤلف كتاب اثار الحجة ( المطبوع سنة 1373 هـ 1954 م ) .
24 - رسالة في تعيين الفجر في الليالي المقمرة : رسالة فقهية واستدلالية في بيان كيفية تعيين طلوع الفجر في “ الليالي المقمرة “ طبعت تحت هذا العنوان في عام 1988 م في قم .
25 - كتاب الطهارة ( 4 مجلدات ) : كتاب يشتمل على المباحث المتعلقة بـ” الطهارة “ - وهو من ابواب الفقه - وقد كتبه الاما م الخميني باللغة العربية بين عامي 1373 و 1377 هـ ( 954 1 و 958 1 م ) وباسلوب فقهي استدلالي واجتهادي ، يقع الكتاب في اربعة مجلدات ، طبع مجلدين منها في عام 1367هـ في قم والمجلدين الاخرين في عام 1389 هـ في النجف الاشرف ، ويتألف الكتاب كله من 1202 صفحة .
26 - تعليقة على العروة الوثقى : حاشية الامام الخميني على مسائل كتاب “ العروة الوثقى “ ( كتاب اية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي المشهور ) تم تأليفها في عام 1375 هـ ( 1956 م ) ويشتمل الكتاب على فتاواى الامام الفقهية في ابواب الفقه المختلفة وقد طبع مستقلا ومع العروة الوثقى عدة مرات .
27 - المكاسب المحرمة ( مجلدين ) : أثر اجتهادي في الفقه الاستدلالي في موضوع انواع المكاسب المحرمة والمسائل المتعلقة بهذا الامر ، كتبه الامام الخميني في الفترة ما بين عامي 1377 - 1380 هـ ( 1954 و 1958 ) باللغة العربية ، طبع في عام 1381 هـ في مجلدين يقعان في 612 صفحة ويضم الكتاب بحوثا لطيفة حول حكم الموسيقى والغناء والرسم والنحت .
28 - تعليقة على وسيلة النجاة : حاشية الامام الخميني ، الحاوية لفتاواه الفقهية على كتاب وسيلة النجاة ( رسالة عملية ، لاية انله العظمى السيد ابو الحسن الاصفهاني ) .
29 - رسالة نجاة العباد : رسالة تحوي فتاوى الامام الخميني في الاحكام الفقهية ، كتبها باللغة الفارسية ، ويتألف الكتاب من ثلاثة مجلدات - على ما يبدو - طبع المجلد الثاني منها في عام 1380 هـ ( 1961 م ) في قم .
30 - الحاشية على رسالة الارث : حاشية الامام الخميني ، التي تحوي فتاواه الفقهية في احكام الارثَ كتبها على (رسالة الارث ) للمرحوم الحاج ملا هاشم الخراساني ( صاحب كتاب “ منتخب التواريخ “ ) طبع مع اصل الرسالةالمذكورة ( باللغة الفارسية ) في قم ويبدو ان ذلك تم بعد عام 1961 م .
31 - تقريرات درس الاصول لاية الله العظمى البروجردي : كتب الامام الخميني في هذا الكتاب تقريراته عن دروس الاصول التي حضرها عند اية الله البروجردي ، وباللغة العربية . والكتاب في طريقه الى النشر لاول مرة من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) .
32 - تحر ير الوسيلة ( مجلدين ) : كتاب يحوي فتاوى الامام الخميني ، كتبه باللغة العربية اثناء وجوده في منفاه الاول (تركيا وذلك بين عامي 1964 و1965 م ) طبع لاول مرة في مجلدين ( 1309 صفحات ) في النجف الاشرف ثم اعيد طبعه لمرات عديدة في النجف وبيروت وايران .
33 - كتاب البيع ( خمسة مجلدات ) : اثر نفيس في الفقه الاستدلالي في الابواب المختلفة المتعلقة بالبيع والتجارة ، كتبه سماحته في الفترة مابين عامي 0 138 و 1396 هـ ( 1961 و 1976 م ) في النجف الاشرف ، وقد تم طبعه لاول مرة في النجف الاشرف ايضا ، تقع المجلدات الخمسة معا في 2371 صفحة .
34 - الحكومة الاسلامية او ولاية الفقيه : طبع قبل وبعد انتصار الثورة عدة مرات باللغة العربية والفارسية ، يضم الكتاب اراء الامام الاجتهادية حول الحكومة الاسلامية ، وحول عدم امكانية الفصل بين الدين والسياسة ، وحول ولاية الفقيه في زمن الغيبة ، وقد عرضها الامام على شكل سلسلة من الدروس كان قد القاها في النجف الاشرف وذلك في عام 1969 م . اخر طبعة صدرت من الكتاب في عام 1993 م ضمت مقدمة وتوضيحات وفهارس ، وذلك من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) .
35 - كتاب الخلل في الصلاة : كتاب ضم اراء الامام الخميني الاجتهادية والاستدلالية حول مبحث الاحكام الفقهية للخلل في الصلاة كتبه الامام باللغة العربية في السنوات الاخيرة من اقامته في النجف الاشرف يقع الكتاب في 314 صفحة ، وقد طبع في قم .
36 - الجهاد الاكبر ( او جهاد النفس ) : دروس للامام الخميني - حول ضرورة واهمية تهذيب النفس - القاها في النجف الاشرف . وفي الوقت الذي تميزت فيه هذه الرسالة بالاختصار فقد حوت من المسائل الاخلاقية والتربوية والسياسية الكثير ، طبع هذا الكتاب سابقا على شكل ملحق لكتاب ولاية الفقيه واخر طبعة صدرت منه كانت في عام 1993 م مقرونة مع مقدمة وتوضيحات من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) .
37 - تقريرات دروس الامام الخميني : علاوة على مؤلفات الامام الخميني في مباحث علم الفقه والاصول ، فقد كتبت العديد من التقريرات عن دروسه من قبل طلابه ، وقد تم طبع العديد منها الى الان ، ولازال العديد منها ايضا ينتظر دوره لدى مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) - وفي فرع المؤسسة في قم .
38 - توضيح المسائل ( رسالة عملية ) : كتاب يضم فتاوى الامام الخميني في ابواب الفقه المختلفة ،كتبه سماحته باللغة الفارسية ليكون رسالة عملية ينتفع منها مقلدي الامام وقد طبع عدة مرات .
39 - مناسك الحج : فتاوى الامام الخميني حول اعمال ومناسك الحج ، اخرطبعة صدرت من هذا الكتاب كانت في عام 1991 م عن مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام (س ) ويقع الكتاب في 272 صفحة .
40 - تفسير سورة الحمد : تفسير عرفاني لفاتحة الكتاب ( سورة الحمد المباركة ) وهذه الرسالة هي مجمل ما عرضه الامام الخميني من موضوعات حول سورة الحمد خلال عدة احاديث في عام 1358 هـ ثم طبعت في كتاب تحت العنوان اعلاه .
41 - استفتاءات : مجموعة من فتاواى الامام الخميني رد بها على اسئلة الجماهير الشرعية في الابواب الفقهية المختلفة وخصوصا المستحدثات من الامور ، وقد طبع منها حتى الان مجلدان من قبل رابطة مدرسي الحوزة العلمية في قم وذلك في عامي 1987 و 1993 م .
42 - ديوان شعر : كتب الامام الخميني منذ صباه بعض القصائد الشعرية العرفانية والسياسية والاجتماعية ، غير ان القسم الاعظم مما كتبه في الماضي فقد اثناء الانتقال من منزل الى منزل ، او نتيجة مداهمة شرطة السافاك لمنزله ومصادرتهم لبعض ما تحتويه مكتبته الشخصية . كما فقد بعضها لاسباب اخرى . كذلك فقد كتب الامام بعض الاشعار وبقوالب ادبية ( خاصة بالشعر الفارسي ) مختلفة . وقد جمعت قصائد الامام الاخيرة وبعض ما بقي من القصائد القديمة ونشرت في كتاب مستقل اطلق عليه اسم “ ديوان الامام “ . وقبل نشر هذا الكتاب كانت بعض قصائد الامام الشعرية قد نشرت مع بعض اثاره مثل “ حافلة العشق “ و” مستودع الاسرار “ و “نقطة عطف “ ويجد القارى في المقدمة التي صدر بها الديوان معلومات جامعة حول اسلوب وسبك الامام لاشعاره وتاريخ ما نظمه . وكذلك فقد خصص ملحق في الكتاب لتوضيح المعالم الفنية والادبية لتلك القصائد او الاشعار . يقع الكتاب في 445 صفحة ، ويتمتع الكتاب بهيئة فاخرة ، وقد نشرت في عام 1993 م . من قبل مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) . وقد اعيد طبعه عدة مرات . وتجدر الاشارة الى ان مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام قامت ايضا بنشر كتاب تحقيقي حول شرح الاصطلاحات العرفانية التي استخدمها الامام في اشعاره اطلق عليه “معجم ديوان الامام “ .
43 - الرسائل العرفانية : كتب الامام الخميني عدة رسائل الى بعض اقاربه وارحامه ضمنها بعض الاشارات الاخلاقية والمسائل العرفانية والتربوية ، ونجد نماذج منها في كتاب “ مستودع الاسرار “ و”طريق العشق “ و “ نقطة عطف “ التي قامت مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) بطبعه ونشره ، وكذا كتاب “ التجليات الرحمانية “ الذي قامت مؤسسة شهداء الثورة الاسلامية بطبعه ونشره .
44 - الوصية السياسية الالهية : ان اكثر بيانات الامام الخميني خلودا - والذي خاطب به الاجيال الحاضرة واللاحقة - هو ما تضمنته وصيته السياسية الالهية ، وضمن توضيحه لعقائده الحقة ، عرض الامام في هذه الوصية اهم الاراء ، واهم الارشادات حول المسائل السياسية والاجتماعية في المجتمعات الاسلامية والمجتمع البشري على العموم ، وفي قالب من التحليلات الوثائقية والنصائح المشفقة . لقد طبع من الوصية ما يناهزالبضعة ملايين من النسخ من قبل الكثير من دور النشر ، والمؤسسات الثورية وانصار الامام ، وقد ترجمت ايضا الى مختلف اللغات . واحدث طبعة منها ما نشرته مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) والتي ضمت علاوة على المتن الكامل للوصية وصورة عن نسختها الخطية ، توضيحات حول تاريخ تدوين الوصية وسير في مطالبها مع فهارس موضوعية وفهارس اخرى تحت عنوان “دراسة موضوعية للوصية السياسية الالهية “ .
45 - البيانات ، الاحاديث ، اللقاءات ، الاحكام و الرسائل ( 22 مجلدا ) ( مجموعة الاثار السياسية والاجتماعية للامام الخميني ) :
علاوة على الكتب التي نشرت مثل ( كشف الاسرار - الحكومة الاسلامية - الوصية السياسية الالهية ) فان الاما م الخميني قام بعرض اراءه وتوجيهاته السياسية والاجتماعية والدينية ضمن المئات من الخطب والبيانات والاحكام والرسا ئل طوال سنوات الجها د وسنوات ما بعد انتصار الثورة الاسلامية ، وقد انتشرت هذه التوجيهات بصور مختلفة وتحت عشرات العناوين . وتمثل “ صحيفة النور “ المتكونة من 22 مجلدا ( ومجلد اخر كمفتاح ومرشد للصحيفة ) اشمل كتاب تم نشره حتى الان . فقد درجت في هذا الكتاب اثاركثيرة على اساس تسلسلها الزماني . وطبيعي ان هناك الكثير من الاثار والرسائل والبيانات والاحكام الصادرة عنه لم تطبع في هذه الدورة مما يشكل عدة مجلدات اخرى . ويوجد في ارشيف مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (س ) حتى الان 1126 خطبة ، وما ينيف عن 470 حكم ، و 367 رسالة موجهة الى شخصيات سياسية ودينية خارج البلاد و 420 رسالة موجهة الى شخصيات ايرانية دينية وسياسية . واكثر من 350 بيان - مما يعد اكمل دورة للاثار السياسية والاجتماعية للامام - يتم نشرها على مراحل في كتاب اطلق عليه اسم “ الكوثر “ . وقد صدر حتى الان خمسة مجلدات تقع كلها في 3200 صفحة من هذه المجموعة ( وتشمل الكوثر “ خلاصة بيانات الامام منذ البدء وحتى الوفاة “ وتقع في مجلدين والكوثر “ شرح وقائع الثورة الاسلامية منذ انطلاقتها وحتى انتصارها في شباط 1979 م وتقع في 3 مجلدات “ ) كذلك فان مجلة حضور لعام 1992 ، وفي اعدادها الخامس والسادس عرضت - في مقالة حول ماصدر عن الامام - اكثر من 230 عنوان من اثار الامام الخميني والاثار المرتبطة بحياته وجهاده وما كتب حول افكاره .
ا لفهرس
- اشارة - يوم الكوثر - الخلفية التاريخية - من الولادة وحتى الاستقرار فى قم - السفر الى قم - الامام الخميني في خندق الجهاد والثورة - انتفاضة الخامس من حزيران - مواجهة “ لائحة الحصانة القضائية “ - نفي الامام الى تركيا - النفي المجدد من تركيا الى العراق - الاحزاب والتيارات السياسية ( منذ قيام 15 خرداد حتى انتصار الثورة الاسلامية ) - الامام الخميني ومواصلة الثورة ( 1971 - 1977 م ) - اشتداد الثورة الاسلامية في عام 1977 ونهضة الجماهير - سفر الامام الخميني من العراق الى باريس - عودة الامام من منفاه بعد 14 عاما - سقوط النظام الملكي وانتصار الثورة الإسلامية ( يوم الله 11 شباط )
|