المذهب الإقتصادي في الإسلام 

(الفصل الأول)

العمل عنصر تحديد القيمة


 العمل يحدد القيمة!

      مع أنّ علم الإقتصاد يعدّ حالياً أحد أهم المسائل وأكثرها تأثيراً في العلوم الإجتماعية، لكنه علم حديث، دُوِّنت أُسسه وأصوله منذ أربعة (أو خمسة) قرون فقط، فأصبح مثل سائر العلوم له مبادئ وقوانين.

      ولذلك عندما نتحدث عن الإقتصاد في الإسلام، فإننا نعني الأحكام والقوانين التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسائل هذا العلم، وإن لم يرد اسمه أو ذكر أصوله كعلم في النصوص الدينية.(1)

      ومن خلال مطالعة هذه الأبحاث، يدرك القارئ جيداً أنّ القوانين الإقتصادية الإسلامية وضعت وعرضت للعالم بمنتهى الدقة، آخذة بنظر الإعتبار تحولات الزمان، دون أن تسمح باستغلال العامل أو إضمار الحقد لرب العمل، ومتسمة ببعد نظر خاص يؤكد كونها من آثار القوانين الإلهية.

      وبما أنّ توضيح أبعاد هذه المدرسة والدفاع عنها بحاجة الى عدة مقدمات ليتم الرد على الإنتقادات التي قد توجه الى هذا الأصول، لذلك ندعو القراء الى مطالعة هذه السلسلة من الأبحاث.(2)

 

      تتلخص العناصر الأساسية للإقتصاد في ثلاثة، هي: العمل - المال - الآلة. ومن خلال معرفة هذه العناصر الثلاثة ودور كل منها في الإنتاج، يمكن بيان أصول النظم الإقتصادية المختلفة في العالم.

      ويختلف مؤسسو هذه النظم حول دور كل واحد من هذه العناصر العملية الإنتاجية، فقسّموا، في نهاية الأمر، العالم الى مجموعتين أصليتين وعدة وحدات إقتصادية مختلفة.

      فقد منحت مجموعة من الإقتصاديين القدماء والجدد الدور الأكبر والأساس في هذا التقسيم الى رأس المال، ولم يعترفوا للعامل إلاّ بـ"الأجور"، أي المبلغ الذي يؤمّن له الحياة ليستأنف العمل مرة أخرى.

      وقد تعرّض هذا النظام الذي أطلقوا عليه: الرأسمالية على طول التاريخ لتغييرات كمية مهمة، حيث زادت هذه الأجور وتحسّن الوضع المعيشي للعامل وفقاً لتطور الحياة المادية وارتفاع مستوى المعيشة.

      ولكن هذه التغييرات كانت في أساسها تغييرات شكلية ولم يكن للعامل حصة في نتيجة العمل، ولم تتغير نظرة رب العمل إليه. "إنه أحد وسائل الإنتاج، وينبغي الإحتفاظ به للعمل والترغيب فيه بأقل التكاليف والأجور التي تنطبق مع الأوضاع والتحولات العالمية".(3)

      وقد اتبع هذا الأسلوب "المركانتليون"(4) (أحد المذاهب الإقتصادية القديمة، عاش أتباعه عموماً في القرن السادس الميلادي في إسبانيا والبرتغال)، والفيزيوقراطيون(5) (عاش علماء ومؤسسو هذا المذهب في أواخر القرن الثامن عشر في فرنسا وسائر أنحاء أوروبا) واتبعته معظم الإتجاهات الإقتصادية المعاصرة أيضاً.(6)

      وقد سلك عدد من علماء الإقتصاد، خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي، إتجاهاً معاكساً تماماً، وقالوا: إنّ الناتج الحاصل بأجمعه هو من نصيب العامل، ولم يعترفوا بأية حصة لرأس المال ووسائل الإنتاج.

      وأطلق هؤلاء على الربح الذي يجنيه رب العمل من الإنتاج تسمية "القيمة الفائضة"(7) أو بالأحرى: فائض القيمة. واعتبروا ذلك نوعاً من السرقة والتجاوز على حقوق العامل، ووجهوا حربة كفاحهم السياسي والفكري ضد هذا الربح، الذي يعدّ أساس الرأسمالية وفق اعتقادهم. ويعدّ الماركسيون - الذي يتبعون "ماركس"(8)، العالم الإقتصادي الألماني المعروف - من أبرز أنصار هذه النظرية.

      وتقسم المجموعة الثالثة الربح الناتج على العناصر الثلاثة المذكورة - أي العمل ورأس المال والآلة - ويرَون ضرورة انتفاع هذه العناصر الثلاثة مع وجود الإختلافات المتنوعة.

      وتقع ضمن هذه المجموعة النظم الرأسمالية الإرشادية (أي أنصار تدخل وإرشاد الدولة في الإنتاج).

      وقد حاولنا في هذه الأبحاث أن ندرس - بدقة وموضوعية وبعبارات واضحة وبعيداً عن التعصب هذا الإختلاف الكبير الذي يعدّ أساس أهم مشكلات العصر، متفهمين جيداً هدف مؤسسي هذه المناهج، منتقدين إياها ومذعنين للحق في أي جانب كان.

      وسنتناول دراسة هذا الهدف ضمن الإجابة عن الأسئلة التالية:

      هل العمل هو العامل والوحيد في تحديد قيمة الأشياء؟

      2- هل تسير ثروة الإنسان نحو الإزدياد؟

      3- كيف يجب توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها؟

      4- ما هي مصادر ظهور رؤوس الأموال الموجودة؟ وهل يمكن اعتبارها مشروعة؟

 

العمل وتحدد القيمة:

      سنوضح أولاً كمقدمة معنى الإنتاج، وكذلك المقصود من الإحتياجات الإقتصادية من حيث العلاقة بموضوع بحثنا:

      الإنتـاج، وخلافاً لمفهومه الظاهري المتداول في البحوث الإقتصادية، لا يطلق على خلق وإيجاد مادة معيّنة، بل على النشاط الذي يؤدي لإيجاد وضع جديد وحالة جديدة في الموجود، بشرط أن يجعل هذا الوضع وهذه الحالة ذلك الموجود قابلاً للإستخدام.. مثلاً: يقوم مصنع صهر المعادن بعزل مركبات الحديد الخام بعضها عن بعض بطريقة خاصة، ويضع الحديد الخالص بيد الصانع الذي بدوره يحوّل هذا المعدن الخالص الى أعمدة حديدية وسيارة وباب وقفل ومفتاح، أو يحوّل معدناً نفيساً الى أشياء جميلة تُستخدم للزينة.

      في هذه الأمثلة: يسمى تصفية الحديد وتغيير شكله، وجعله خالصاً وقابلاً للإستخدام، وكذلك تحويل المعدن النفيس الى شيء جميل، إنتاجاً. في حين لم يتم خلق أي شيء في هذه الأمثلة الثلاثة، وإنما تجلّت الصناعة وظهرت حالة خاصة في هذه الموجودات يستفيد منها المستهلك.

      والفلاح أيضاً لا يُستثنى من هذا القانون! حيث أنّ فعالياته من الحرث والسقي والزرع، وبمساعدة العوامل الطبيعية المختلفة من الماء والهواء وأشعة الشمس، تحدث تحولاً في حبة القمح أو سائر المحصولات وتجعلها قابلة للأكل.

      هذا النوع من التحولات يسمى في علم الإقتصاد بالتحولات الكمية.

      وقد عدّ علماء الإقتصاد التجارة أيضاً عملاً إنتاجياً، لأنها تمنح حالة جديدة للسلعة من خلال الحمل والنقل والتوزيع، وتجعلها في متناول المستهلك.

     

هكذا عرفوا الإحتياجات الإقتصادية:

      لا تطلق الحاجة في علم الإقتصاد على معاناة الإنسان إزاء حرمانه من شيء فحسب، بل إنّ كل رغبات الإنسان تعدّ من وجهة النظر الإقتصادية حاجة. وبناءاً على هذا، فإنّ كل شيء يرغب فيه الإنسان ويميل إليه يُعتبر ضمن الإحتياجات الإقتصادية، سواء كان هذا الشيء من ضرورات حياته، أو من وسائل الترفيه أو للترف. ولا نريد الخوض في تفاصيل أكثر بهذا الصدد، بل نتحدث حول السؤال ذي العلاقة بالبحث. ومن خلال دراسة أولية لمختلف الأشياء نتوصل الى أنّ قيمها تتوقف على العاملين التاليين:

      أ) الحاجة الإقتصادية الى ذلك الشيء، بحيث كلما ازدادت الحاجة إليه وأصبح كثير الإستهلاك، إرتفعت قيمته.

      ب) قلّته أو كثرته في الطبيعة، وبتعبير آخر: كون الشيء في متناول اليد، بحيث كلما كثر مقدار وجوده إنخفضت قيمته، وكلما قلّ وجوده إرتفعت قيمته. وعليه، تكون العلاقة بين القيمة ومدى توافره في الطبيعة علاقة عكسية.

      ما تم طرحه حتى الآن واضح لا شك فيه، ولكنهم عدّوا مثل هذه القيمة ذاتية وطبيعية، ولم يعترفوا بها لأنها تختلف تبعاً للحالات والخصوصيات الموجودة في الإنسان. وطرحوا قيمة أخرى باسم القيمة التجارية وعرّفوها بـ"قياس الأهمية الإقتصادية لشيئين أو أكثر في العلاقات الإقتصادية بين أفراد المجتمع".

      وبعبارة أوضح: أطلقوا على العلاقة المعيّنة التي يتم بموجبها تبادل البضائع المختلفة تسمية القيمة التبادلية، سواء كان هذا التبادل مباشراً وبدون تدخل النقد، أو بالنقد الذي يعدّ في الحقيقة وسيلة بحتة، وتعبيراً عن القدرة الشرائية ووثيقة مقدار البضاعة. وقد جرى البحث حول هذا النوع من القيمة والعامل الذي يحددها، حيث يعتقد "ماركس" أنّ العمل هو وحده الذي يحدد هذه القيمة لأنه هو العامل المشترك الوحيد بين المحصولات المنتجة والمتبادلة. إذ يقول: إنّ كل سلعة هي في الحقيقة عبارة عن كمية من العمل المتجسد فيها، أو أنّ العمل هو جوهر القيمة التبادلية حسب تعبيره. وبناءاً على ذلك، يكون السلع في الحقيقة تبادلاً بين الأعمال المختلفة.

      ويقول أيضاً: إذا أسقطنا العمل من الحساب فلا يبقى هناك أي عامل مشترك يجمع بين البضائع التي تختلف عن بعضها اختلافاً كاملاً من حيث النوع والصفة.

      ويقول "ماركس" في كتابه المعروف "رأس المال": "لنفرض أنّ 75 كيلو غراماً من الحنطة يساوي مئة كيلو غرام من الحديد، فماذا يعني هذا التساوي؟ يعني أنّ هناك عاملاً مشتركاً بين هذين الشيئين (الحنطة والحديد)، ولا يمكن أن يكون هذا العامل المشترك من خصائصهما الطبيعية، لأنّ هذه الخصائص لا تدخل في الحساب إلاّ بقدر ما تمنحهما من منفعة إستهلاكية. فإذا أسقطنا الخواص الطبيعية، أي المنفعة الإستهلاكية، عن الحساب، فإنه لا يبقى للسلع إلاّ صفة واحدة، وهي أنها نتيجة للعمل".

      ثم بحث في شرح العمل الذي يعدّه عامل تحديد القيمة، وفسّره بالعمل الإجتماعي، معتبراً الأعمال غير الإجتماعية خارجة عن البحث، وقسّم بعد ذلك الأعمال الى بسيطة ومركبة، ومتجسدة ومجردة، واعتبر العمل البسيط والمجرد هو المعيار.

      وفي توضيح هذا الجانب سنتحدث عن آراء ومعتقدات "ماركس"، فنبحث بشكل عامل في هذه النظرية التي تعدّ أحد أهم أفكار "ماركس" الإقتصادية: "العمل هو العامل الوحيد لإيجاد القيمة التبادلية والعامل المشترك الوحيد في تبادل السلع".

      في البدء نطرح سؤالين. وبعد توضيح الأمثلة، نبدأ بنقد هذه النظرية:

      ثمة سلعتان متساويتان على مستوى الحاجة البشرية إليهما، ومتساويتان أيضاً من حيث الوفرة، وإن استنزفت إحداهما عملاً أكثر من الأخرى في الإنتاج، ففي هذه الحالة هل يتم تبادل سلعتي العمل هاتين بالتساوي أم لا؟

      وإذا استهلكت السلعتان عملاً متساوياً في الإنتاج، ولكن كانت الحاجة الإقتصادية الى إحداهما أكثر من الأخرى أو تتوافر إحداهما أكثر من الأخرى، هل تكون قيمتاهما متساويتين؟

      مثلاً: هناك سلع متوافرة بشكل طبيعي وذات قيمة مرتفعة، ولكن يجري عليها عمل قليل، وتكون أحياناً أعلى قيمة بكثير من بضائع استهلكت عملاً كثيراً. فقيمة النفط الخام والمياه المعدنية والأحجار النفيسة والسمك وأنواع الصيد، أعلى بكثير من قيمة أحجار البناء والطابوق والجص والحطب الذي يجلب الى المدينة كوقود. بل هناك سلع ذات قيمة مرتفعة من دون أن يبذل أي عمل فيها مثل الينابيع، وبالعكس فقيمة المجوهرات المصنعة التي تبذل أعمال كثيرة ومعقدة لصياغتها أقل بكثير من قيمة المجوهرات الطبيعية.

      وقد يبذل خياطان في إنتاج قطعتي لباس، أو رسامان لتحضير لوحتين، أو فنانان لعملين فنيين، جهداً متساوياً، ولكن تتدخل عوامل كالمهارة والشهرة والموضة والصدفة فتجعل قيمة إحداهما أكثر من الأخرى. وأخيراً نلاحظ عجز هذه النظرية عن تبرير وبيان أسباب رخص إنتاج الصناعة الآلية إزاء إنتاج الصناعة اليدوية، كالسجاد مثلاً.

      من خلال التأمل في السؤالين السابقين ودراسة هذه الأمثلة وغيرها، يدرك المرء جيداً أنّ العمل لم يكن وحده عاملاً مؤثراً في كمية القيمة التبادلية. بل إنّ التأثير الأكبر هو للعاملين السابقين أي مقدار الحاجة الى السلعة وكثرتها، واللذين يمكن التعبير عنهما بالعرض والطلب بالمعنى الواسع. ومن البديهي أن يجري تقييم معدّل هذين العاملين أو تقييمهما معاً، كما يقول "ماركس".

      ومن خلال دراسة الموضوعات أعلاه نستطيع اختيار الكسر التالي لمعادلة القيمة:

          قيمة السلعة (التبادلية والطبيعية) = الحاجة الإقتصادية إليها

                                                                   وفرتها

 

      واللافت للإنتباه في المعادلة السابقة هو أنّ هذين العاملين، المعبّر عنهما بصورة البسط والمقام، يشتركان في جميع السلع ولا يقتصران على العمل، وبذلك يمكن رفض أهم أدلة النظرية السابقة.

      ونظراً لصعوبة مراعاة هذه المعادلة ومراعاة معدّلها أو مجموعها، وتلافي أخطائها، جُعل النقد وحدة التقييم، فأصبح يمثل القدرة الشرائية ومقياس القيمة التبادلية، فضلاً عن كونه ممثلاً عن مقدار السلعة التي يتم عرضها وتقديمها الى المجتمع.

      يقول البروفسور "جيد" العالم الإقتصادي الفرنسي المعروف، حول القيمة التبادلية:

      "لا شك أنّ العمل والطبيعة يخلقان موضوع القيمة، ولكن القيمة لا تكمن في هذا الموضوع بل في خارجه.. فالقيمة عبارة عن خيط من ضوء رغبتنا وأملنا الذي يسلط على الأشياء فتلمع قيمتها ما دامت الأضواء مسلّطة عليها ثم يلفّها الظلام. فلو كانت قيمة كل شيء هي العمل المتجسد فيه، لا بد من الإذعان إذاً الى أنّ كل قيمة ستبقى ثابتة حتماً لأنه لا يمكن تغيير ما قد مضى ولا يمكن القيام بعمل للحيلولة دون وقوع ما قد حدث".

      وينتقد البروفسور "جيد" نظريات "ماركس" حول العمل المجرد والعمل المتجسد، وتغيير الأعمال المعقدة الى بسيطة، وكيفية احتساب الزمن اللازم للعمل، ويعتبرها أموراً نظرية وفرضيات غير علمية.

      وحول عامل تحديد القيمة طرحت نظريات أخرى من قِبل المدرسة الكلاسيكية (من المدارس الإقتصادية البريطانية القديمة)، ومن قِبل علماء المدرسة الروحية الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ولكن نظراً للبحث التفصيلي حول نظرية "ماركس" وللشرح الذي قدّمناه في مجال التوضيح، لا نعتقد أنّ هناك حاجة لانتقاد وبحث هذه الآراء بشكل مستقل. ولذلك نبدأ بالإجابة عن سؤالنا الثاني.

 

 

 

 

 

 (الفصل الثاني)

تنـامي الثــروة

 

هل الثروة في تنامٍ مضطرد؟

      علمنا في جواب السؤال الأول في الفصل الأول بأنه لا يمكن اعتبار العمل العامل الوحيد في تحديد القيمة. ولكن يجب أن نعلم بأنّ العمل مع الطبيعة يولّد الثروة في معظم الأحيان، وينتج الموضوع ذا القيمة. وعليه، يمكن القول بأنّ العامل الإنساني الوحيد للإنتاج هو العمل. ويجب عدم الخلط بين ميّزتي العمل هاتين: "العمل هو العامل الإنساني الوحيد لتوليد الثروة والمادة ذات القيمة"، و"إنّ هذا العمل لا يلعب أي دور في تحديد القيمة".

      لقد بسط الله تعالى مائدة الطبيعة بملايين المواد المتنوعة وآلاف القوى الخفية والظاهرة. وبعد أن أكرم الإنسان بالعقل وقوة العمل دعاه الى الإستفادة من منابع الثروة التي لا حدّ لها. وبدوره استفاد الإنسان على مدى القرون والعصور الطويلة الماضية، وبالتدريج، من هذه المائدة المبسوطة في أمور معاشه وتحسين مستوى حياته، حتى لم يعد أسلوب الحياة المادية للإنسان اليوم من حيث المأكل والملبس وسائر الجوانب يشبه الأسلوب الذي كان عليه في الماضي. ويلاحظ هذا التكامل الذي يجري بسرعة خارقة بوضوح منذ بداية ظهور الثورة الصناعية العظيمة في أوروبا.

      ومن خلال ما ذكر، وبدراسة الأرقام التي نشرتها الأمم المتحدة بشأن تطور مستوى حياة الناس وتنمية الصناعات والمعادن، وازدياد المنتجات الغذائية، وتكامل وسائل الحياة، يتضح - بشكل جيد وكامل جواب السؤال الذي ندور حوله: "هل ثروة البشر في تنامٍ مضطرد"؟

      غير أنّ وضوح هذا الجواب لم يستطع أن يحول دون تأمل كبار علماء الإقتصاد. وفي نهاية الأمر، صار بعض هؤلاء العلماء يشككون في تنامي الثروة في بعض مجالات الإنتاج، وينكرون ذلك.

      ويقول هؤلاء على أساس أصل: "القيمة = العمل المتجسد" الذي اعتقدوا به في البحث السابق أنه:

      "عند حساب قيمة سلعة ما، يجب علينا أن نلتفت الى مقدار العمل الذي تم في المرحلة الأخيرة، والى مقدار العمل الذي تجسد قبل ذلك في المواد الأولية، وكذلك الى مقدار العمل الذي كان ضمن وسائل العمل، أي الأدوات والآلات والبناية ومحل العمل. فمثلاً: قيمة العمل، الذي تم مسبّقاً في القطن، وقيمة العمل الذي تجسد في الفحم والزيت وسائر المواد المستخدمة، وقيمة العمل الذي كان موجودا في الآلات والمغازل وبناية المصنع وغير ذلك.. قد استُهلكت بالكامل كما هو الحال مع المواد الأولية وانتقلت مباشرة الى السلعة التي شاركت في إنتاجها. ولكن نظراً لاستهلاك المغزل بمرور الوقت؛ مثلاً: يجري الحساب اللازم لإنتاج تلك السلعة ومعدّل استخدام المغزل خلال فترة زمنية معيّنة، كأن تكون يوماً واحداً مثلاً؛ وهكذا يُحسب مقدار القيمة التي تنتقل من المغزل في الخيط الذي ينتجه في اليوم الواحد".

      فمن جهة يعتقد هؤلاء العلماء بأنّ قيمة كل واحد من عناصر الإنتاج المختلفة، من عمل العامل والمواد الأولية وأدوات الإنتاج والوسائل والمواد المستهلكة، هي بمقدار العمل المتبلور فيها. ومن جهة أخرى، يعتبرون قيمة المحصول الناتج متساوية مع مجموع العمل الذي جرى القيام به في مجموع عناصر الإنتاج.

      وبما أنهم يوفّقون بين هاتين المقدمتين وأصل "القيمة تساوي العمل المتجسد"، يستنتجون بأنّ قيمة المحصول الناتج تساوي قيمة عناصر الإنتاج، لأنّ العمل المتجسد في المحصول الناتج يساوي مجموع العمل المتجسد في مجموع عناصر الإنتاج.

      ومثل هذا يعدّ على وجه التحديد إجابة بالنفي عن سؤال البحث بشأن سلسلة المنتجات الصناعية، لأنه بهذا الإستدلال لم تحصل ثروة إضافية أو قيمة زائدة على ما كانت موجودة (وهذا يعني أنّ الثروة ثابتة).

      وقد أصبحت هذه الأبحاث وسيلة أخرى للهجوم على أرباح رب العمل وصاحب رأس المال، لأنّ الربح الذي يحققه رب العمل في هذه الحالة مع فرض صحة هذه المقدمات يعدّ جزءاً من حقوق العامل.

      كان هذا خلاصة للأحاديث والخطب التي ألقاها "ماركس" في الإجتماع العام لجمعية العمال الدولية (الإجتماع الدولي الأول)، فيما يخص موضوع البحث.

      بيد أنّ القارئ العزيز سوف يشكك في صحة هذا البحث إذا ما أخذ بنظر الإعتبار المسألتين اللتين شرحناهما في الأبحاث السابقة. وكانت إحدى هاتين المسألتين عامل تحديد القيمة، حيث تم إثبات أنّ قانون "العرض والطلب" بمعناه الواسع هو الذي يحدد القيمة وليس العمل. والمسألة الأخرى هي شرح عامل إيجاد القيمة ومنتج الثروة، حيث علمنا أنّ العمل وحده لا يستطيع أن يلعب دورا في توليد الثروة والمادة ذات القيمة، بل إنّ الطبيعة هي التي تعدّ المادة الأصلية للثروات. وعندما يجري العمل عليها تتولد الثروة وينتج الشيء القيّم.

      والآن نستطيع أن ندّعي أنّ الثروة التي تحققت في إنتاج صناعي هي أكثر من مجموعة الثروة التي استُخدمت في سبيل إنتاج ذلك، لأنه فضلاً عن العمل الذي تم القيام به في هذا الإنتاج إستُثمرت الطبيعة أيضاً باعتبارها المصدر الرئيسي للمواد الخام ووسائل الإنتاج - ومن ثم تولدت مادة أكثر قيمة من الأعمال المتنوعة التي تم القيام بها.

      فمثلاً في إنتاج الحبل تُنجز أعمال متنوعة، بمعنى أنّ العامل قد عمل، وبذل الفلاح مقداراً من العمل في إنتاج القطن، وتم القيام بالعمل في إعداد الفحم والزيت وسائر المواد الضرورية، كما عملت المكائن والآلات والمغازل في إطار الإنتاج، غير أنّ إنتاج الحبل لم يتم بهذه الأعمال وحدها بل جرى أيضاً استخدام قسم من الطبيعة، أي أنّ الطبيعة والمواد الطبيعية ساهمت مساهمة كبيرة في إنتاج القطن، وإنتاج الفحم والزيت، وفي إنتاج المكائن والآلات والمغازل. وبناءاً على هذا، إمتزج مقدار من العمل بأشكال مختلفة مع مقدار من المواد الطبيعية بأشكال مختلفة حتى تم إنتاج حبل قطني مفتول.

      وهكذا نرى بشكل واضح أنه ليس ثمة تكافؤ بين المادة المنتجة وبين العمل الذي بُذل في إنتاجها، بل إنّ المادة المنتجة تزداد عليه. وبذلك تكون قيمة السلعة التي أنتجت أكثر من قيمة العمل المبذول، ويكون الجواب عن السؤال المطروح إيجابياً بشكل واضح ومستدل. وهكذا، يكون ازدياد الثروة في سائر الأقسام مثل الزراعة وتربية الحيوانات واضحاً بشكل كبير وبديهي.

      وتعتبر دراسة الأفكار والمعتقدات التي طرحها كبار علماء الإقتصاد في الرد على تكهنات "مالتس"(9)، العالم الإقتصادي والفيلسوف البريطاني، أفضل دليل على صحة ما نقول.

      ولد "روبرت مالتس"، وهو أحد علماء المدرسة الإقتصادية الكلاسيكية، عام 1766 للميلاد وتوفي عام 1834. وقد اعتقد "مالتس" طبقاً لحسابات كثيرة ومفصّلة وأبحاث عديدة بأنّ ازدياد عدد السكان يتضاعف في كل خمس وعشرين سنة، ويكون أربعة أضعاف في كل خمسين سنة، وثمانية أضعاف في كل خمس وسبعين سنة، وستة عشر ضعفاً في كل مئة عام. في حين أنّ ازدياد المواد الغذائية الضرورية للبشر يجري بشكل متوالية عددية. أي أنّ مقدار المواد الغذائية يزداد ضعفاً واحداً في كل 25 سنة. فيكون مقدار المحصولات الغذائية في السنة الخامسة والعشرين ضعفين، وفي السنة الخمسين ثلاثة أضعاف، وفي السنة الخامسة والسبعين أربعة أضعاف، ويكون خمسة أضعاف في كل مئة عام. ونظراً لمحدودية الأراضي الصالحة للزراعة فإنّ ازدياد المواد الغذائية سيتوقف في وقت قريب.

      ومن خلال دراسة هاتين العلاقتين يعرف "مالتس" عن قلقه البالغ إزاء مستقبل الإنسان. ومن أجل معالجة وحل هذا الخطر المرعب يطالب بإيقاف التناسل والولادات، بل يطالب أيضاً بالرهبانية والكف عن الزواج، أو أن تؤدي الحروب أو الأمراض الفتاكة بشكل تلقائي الى إيجاد العلاقة المناسبة بين عدد السكان ومقدار المواد الغذائية. وبعد "مالتس" أخذ أتباعه الذين سُمّوا "المالتسيين الجدد" يغيّرون نظرياته، ويصححون أخطاءه، وطرحوا نظريته على النحو الآتي: "إنّ ازدياد عدد السكان، سواء كان في العالم كله أو في بلد واحد، لا يتناسب مع ازدياد مقدار المواد الغذائية".

      ولكن علماء الإقتصاد في العالم بعد "مالتس" - إلاّ فئة قليلة - رفضوا آراءه، واعتبروا تخميناته بعيدة عن الواقع وباطلة.

      ولم يتحقق أي مصداق ولو في منطقة واحدة من العالم للنظرية التي طرحها "مالتس" حول زيادة عدد سكان العالم. كما أنّ الأرقام التي نُشرت حول عدد سكان العالم في بداية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكذلك الإحصاءات التي صدرت حول ازدياد مقدار المواد الغذائية، زعزعت أسس تكهنات "مالتس".

      وبصورة عامة يمكن القول: إنّ ثمة علاقة ثابتة متينة بين ازدياد عدد سكان العالم وبين ازدياد مقدار المواد الغذائية، وكلما ازداد عدد السكان إزدادت معه مساحة الأراضي المزروعة، حيث يُعمد الى زراعة الأراضي المتروكة، كما يتم اتّباع طرق وأساليب علمية لزراعة الأراضي غير الصالحة للزراعة، ومن خلال الأساليب الحديثة تستثمر الأراضي بصورة أفضل. وأخيراً، يسخّر الإنسان في عملية تحضير المواد الغذائية عوامل غير الأرض كالماء والهواء والعِلم.

      وكذلك يمكن أن نلاحظ بوضوح تام أنّ شحة المواد الغذائية تؤدي بشكل تلقائي الى تضاؤل السكان وقلة التناسل والتكاثر، وبالتالي حفظ المعادلة بين الطرفين.

      ولعل حصيلة تجربة المئة قرن الماضية والنمو الفاحش لعدد السكان، وتناسب مقدار المواد الغذائية مع ذلك، خاصة في القرنين الماضيين التي مضت على تاريخ انتشار أفكار "مالتس"، أفضل شاهد وأقوى دليل يؤكد بطلان أفكاره.

      وسنحاول بحث ومناقشة نظريات "مالتس" وحساباته وحسابات أتباعه، والإشكالات التي أثارها العلماء بوجهه، وكذلك المعتقدات الدينية بشأن ازدياد السكان وأسباب ذلك إذا ما سنحت الفرصة. وإنّ ما دعانا الى إثارة الموضوع هنا، الإشارة الى أنّ ازدياد ثروة الإنسان وازدياد المواد الغذائية الضرورية لحياته، هما من مسلّمات وبديهيات علم الإقتصاد، ولم ينكرهما أحد.

 

 

 

 

(الفصل الثالث)

توزيـع الثـروة

 

      علمنا من البحوث السابقة أنّ:

      1- العمل مع الطبيعة يؤدي، في معظم الأحيان، الى إنتاج سلعة ذات قيمة.

      2- ليس العمل بأي حال عامل تحديد القيمة.

      3- قيمة الثروة الناتجة أكثر من قيمة العوامل المنتجة لها.

      والآن سنتحدث حول السؤال الثالث الذي يشكّل محور بحثنا في موضوع (العمل - رأس المال - الآلة).

 

كيف يجب توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها؟

      للإجابة عن هذا السؤال سنتحدث عن الآراء الإقتصادية المعروفة التي أوجدت النظم الإقتصادية المهمة المعاصرة، ثم نتناول الأفكار التي طرحها الدين الإسلامي في هذا الشأن.

 

المنهج الماركسي:

      إنّ الجزء الأهم من نظريات "ماركس" الإقتصادية إهتم بالإجابة عن هذا السؤال. كما أنّ أكبر إشكال إقتصادي في هذا القرن تضمّنه هذا البحث، ونعني: القيمة الفائضة.

      لقد أقام "ماركس" في أحاديثه وخطاباته هذه النظرية وهذا الإشكال على أساس مقدمتين، يقول في الأولى: "إنّ قيمة كل سلعة في السوق هي نفس قيمة تكاليفها المحسوبة بالنقد". ذلك أنّ قيمة سلعة من السلع في السوق هي في الغالب واحدة ومتشابهة، رغم اختلاف ظروف الذين ينتجونها، وتباين، رؤوس الأموال والأعمال المختلفة والمتنوعة التي استخدمت في إنتاجها. ومن ثم يجب القول إنّ قيمة السلعة يحددها معدل العمل المبذول لإنتاجها (أي أنّ معدّل العمل المبذول هو الملاك في تحديد القيمة). وبتعبير "ماركس" نفسه: "قيمة السوق توضح فقط مقدار معدّل العمل الجماعي اللازم في معدّل ظروف الإنتاج".

      صحيح أننا نرى قيمة سلعة معيّنة في السوق في ارتفاع وانخفاض، ولكن هذا التذبذب والإختلاف في القيمة إنما هو حالة مؤقتة تحصل حسب ازدياد حاجة الناس الى السلعة أو كثرتها وشحّتها، أي أنها تتبع تذبذب العرض والطلب. وبما أنّ حالة التذبذب هذه مؤقتة، لأنّ ازدياد حاجة الناس الى سلعة معيّنة يؤدي تلقائياً الى إنتاجها وعرضها بكثرة، وفي المحصّلة يقوم التوازن بين العرض والطلب، وتزول التذبذبات والتغييرات في قيمة السوق أيضاً لأنها تابعة لتذبذب العرض والطلب، وتبقى قيمة السلعة ثابتة تقريباً، وهي نفس قيمة تكاليفها.

      وطبقاً لما يقوله "آدم سميث" مؤسس "المدرسة الإقتصادية الكلاسيكية" فإنّ القيمة الطبيعية لكل سلعة هي بمنزلة القطب الذي تدور حوله قيمة السوق وتميل إليه وتقترب منه بالتدريج.

      وبناءاً على ما مر، فإنّ قيمة كل سلعة في السوق - مهما تغيّرت واختلفت - ستطابق القيمة الحقيقية لتلك السلعة أي "قيمة الكلفة".

      أما المقدمة الثانية التي كرّست لإثبات نظرية "ماركس" فقد تم التطرق إليها في البحوث السابقة: "القيمة الحقيقية لكل سلعة تساوي قيمة الأعمال التي بُذلت في إنتاجها وتجسدت فيها".

      ويُستنتج من هاتين المقدمتين أنّ "من الخطأ التصور بأنّ الربح الثابت والبسيط الحاصل من إنتاج سلعة معيّنة، ناجم عن قيمة تلك السلعة، أي أنّ السلعة بيعت في السوق بقيمة تفوق قيمتها بكثير".

      ثم يضيف قائلاً: "من أجل بيان ربح سلعة معيّنة لا بد أن يبدأ التحقيق والدراسة، إنطلاقاً من أنّ قيمة كل سلعة، أو العمل الذي استغرق في إنتاجها، تساوي قيمتها في السوق، وإذا لم تستطيعوا حساب الربح على هذا الأساس فإنكم لم تخطوا خطوة واحدة في سبيل إيجاد الربح".

      وبهذا الإستدلال يريد أن يثبت أنّ قيمة كل سلعة هي فقط بمقدار العمل المبذول فيها، وبهذه القيمة أيضاً يجري عرضها في السوق، ويكون التعامل في البيع والشراء على أساسها. وبناءاً على هذا يقتضي قانون العدالة أن يتم حساب القيمة الحاصلة من بيع السلعة في السوق بنفس الأعمال المنتجة للسلعة، وأنّ الربح الذي يحققه صاحب رأس المال من بيع السلعة يشكّل قسماً من قيمة السلع، أي قسماً من العمل الذي أُنجز في إنتاجها، وهذا الفعل يعتبر سرقة لقسم من حقوق الآخرين، أي العامل.

      وفي رأيه، لا يتحقق التوزيع العادل للثروة المنتجة إلاّ إذا قسّمنا الربح الحاصل بنسبة العمل المبذول، أي عمل العامل. أما العمل المبذول في استهلاك المكائن والآلات وفي توفير رأس المال، فيحصل كلٌ منها على نسبة معيّنة من الربح، مع ملاحظة أنّ جميع الآلات ورأس المال لا يُستهلك في إنتاج واحد، لذلك يجب حساب المقدار المستهلك منها فحسب.

      ومع هذا الإستدلال يُعتبر الربح الخالص الذي يكون أساس ازدياد رأس المال مغصوباً ومسروقاً، لأنّ هذا الربح هو فوائد يجنيها صاحب رأس المال بعد دفع أجور العامل وإخراج مبلغ إزاء استهلاك الآلات، ودفع ربح رأس المال سواء كان منه أو لم يكن. ويسمّي "ماركس" هذا الربح الخالص Plus Valu، أي "القيمة الفائضة"، ولا يعتقد بتحقق أي ربح ليصادره رب العمل لصالحه، بل إنّ ما تحقق هو قيمة السلعة، أي قيمتها الواقعية، والتي هي نفس قيمة الأعمال المبذولة، فيجب أن تكون من نصيب هذه الأعمال.

 

نقــد:

      من الواضح أننا لو قبلنا المقدمتين اللتين تشكلان أساس نظرية "ماركس"، فلا يبقى أمامنا غير الإعتراف والإقرار بعقيدته. غير أننا لا نؤمن بأيٍّ من هاتين المقدمتين، ومن ثم نملك جوابين مقابل استدلال "ماركس" سنوضحها مع الأخذ بنظر الإعتبار البحوث التي مرّت علينا.

 

الجواب الأول:

      ذكرنا في الفصل الثاني هذا الموضوع بشيء من التفصيل، وهو أنه في وحدة إنتاجية، صناعية أو غير صناعية، تتداخل أعمال متنوعة مع الطبيعة وتحصل ثروة أكثر من العمل المبذول فيها. وبناءاً على هذا، تكون القيمة الواقعية للسلعة المنتَجة دائماً أكثر من كلفة الإنتاج. وقد ذُكر أنّ إنتاج سلعة معيّنة يجري بواسطة أعمال متنوعة من العمل والعامل والعمل المتجسد في الآلات والعمل المتجسد في رأس المال، إضافة الى الطبيعة الكامنة في الآلة ووسائل الإنتاج، أو في رأس المال مع تغيير أوضاعها. ولم تكن لهذه المواد الطبيعية قيمة في حالاتها الأصلية بل إنّ تجسد العمل فيها هو وحده الذي منحها القيمة.

      وتلعب المواد الخام أيضاً دوراً مهماً في إنتاج السلعة، ولكن دون أن يجري العمل فيها أصلاً أو يجري بمقدار قليل. وفي كل الأحوال لا يمكن إغفال دور عامل الطبيعة في إنتاج السلعة.

      ومن خلال هذه الموضوعات، يدرك القارئ أنّ مقدمة "ماركس" الأولى لم تكن صحيحة، بل إنّ القيمة السوقية لسلعة ما تمثل قيمتها الواقعية بالحساب نقداً، ولكن القيمة الواقعية لا تمثل قيمة الكلفة بل هي أكثر من ذلك. وهكذا نصل الى الرد الأول على نظرية "ماركس".

      وإذا أردنا أن ندفع للعامل حقه العادل في وحدة إنتاجية صناعية (سواء أجره أو حصته من الدخل)، ونحسب استهلاك وأجور الآلات وربح رأس المال، فسيبقى مع ذلك مقدار يسمى الربح الخالص. وفي حال توزيع الربح الخالص بين العامل وصاحب رأس المال والآلات، ستبقى فائدة خالصة وعادلة ومشروعة لصاحب رأس المال، ولا تبقى هناك "قيمة فائضة" كمشكلة عصية على الحل. وسوف لا يكون ذلك أساس الرأسمالية المطلقة وغير المشروعة، بل سيكون هناك فائض على قيمة تكاليف السلعة، ويكون من نصيب صاحب رأس المال كربح خالص. وهكذا يتضح أنّ التوزيع الذي اعتقد به "ماركس" في الثروة الناتجة قد أهمل عامل الطبيعة.

      وفي الأبحاث القادمة سنتحدث عن عنصر صاحب العمل، وندرس مساهمته في الربح الحاصل من الإنتاج.

 

الجواب الثاني:

      في الفصل الأول إنتقدنا مقدمة "ماركس" الأولى: "قيمة كل سلعة تساوي العمل المبذول فيها". واتضح أنّ العمل ليس عامل تحديد القيمة، بل إنّ وفرة السلعة، وكذلك مقدار حاجة الناس الإقصادية إليها، هما العاملان اللذان يحددان قيمة السلعة.

      مع ملاحظة هذا الأصل، لو فرضنا أننا قبلنا مقدمة "ماركس" الأولى التي تقول: "إنّ قيمة كل سلعة تساوي قيمة تكاليفها" فلن تكون نظريته صحيحة أيضاً، لأنه ما لم تحدد قيمة السلعة إنطلاقاً من مقدار العمل المتجسد فيها فسيكون الربح الخالص مشروعاً، ولا يكون هناك إشكال "القيمة الفائضة".

      وكثيراً ما يحدث أن تحدد قيمة لسلعة ما بأكثر من قيمة عوامل إنتاجها، وفي هذه الحالة عندما نستخرج تكلفة الإنتاج من قيمة السلعة يبقى الربح الخالص، وفي حال توزيع هذا الربح على جميع عوامل الإنتاج المختلفة، سينال صاحب رأس المال سهماً من هذا الربح الخالص، ولا يكون دخله الخالص مسروقاً أو مغصوباً. وبهذا النحو يوجه النقد الى توزيع "ماركس"، وتُحل مشكلة القيمة الإضافية.(10)

      وفي كتاب "رأس المال" يحاول "ماركس" أن يبرهن بالأرقام على صحة نظريته حول توزيع الثروة ومسألة القيمة الفائضة، ويتطرق الى مراحل ظهور القيمة الفائضة في التجارة. وسنتناول هذين الموضوعين ونقدهما في الأبحاث القادمة.

 

 

 

 

 

 

 

(الفصل الرابع)

القيمـة الفائضـة

 

      والآن، لنتعرف على معضلة القيمة الفائضة من كتاب "رأس المال":

      "نعلم أنّ قيمة كل سلعة تتحدد في ضوء مقدار العمل المبذول في خلقها. لذلك، فإننا نحسب طاقة العمل المبذول في سلعة أنتجت بأمر صاحب رأس المال، خمس كيلو غرامات من الخيط مثلاً".

      ويقتضي إنتاج الخيط وجود عوامل متنوعة: كالقطن، وآلات الإنتاج مثل المكائن أو ماكنة الحياكة، وعمل عامل الحياكة. وبما أنه قد مرّ في البحوث السابقة بأنّ قيمة السلعة هي نفس قيمة العمل المبذول في إنتاجها. لذا، يكون حساب قيمة ثلاثة كيلو غرامات من الخيط وفق الترتيب التالي:

      "لإنتاج هذه الخيوط، إحتاج صاحب رأس المال الى مادة أولية لنفرض أنها خمسة كيلو غرامات من القطن، وتم شراؤه بقيمته في السوق ولنفرض أيضاً أنّ استهلاك الأدوات المستخدمة من قبيل الإبرة وغيرها بلغ ثلاثة ريالات".

      والآن ما هو مقدار العمل الذي يتطابق مع ستة عشر ريالاً؟ أي: لو أردنا أن نحسب مجموع قيم عوامل إنتاج خمسة كيلو غرامات من الحرير وفق العمل، كم سيكون مقدار هذا العمل؟

      ويوضح "ماركس" هذا الجانب على النحو الآتي:

      "لو اعتبرنا المعادل الذهبي لستة عشر ريالاً، الذي هو مجموع العددين، ناتجاً من 24 ساعة من العمل، وإنّ عدد ساعات العمل في القوم إثنتا عشرة ساعة، نستنتج أنّ هذه الخيوط إستهلكت يومين من العمل". وبتعبير آخر: لإنتاج مقدار من الذهب تعادل قيمته في السوق ستة عشر ريالاً، والذي يعتبر معيار جميع القيم، نحتاج الى يومين من العمل بمعدّل اثنتي عشرة ساعة في اليوم. وهكذا يمكن اعتبار كل ستة عشر ريالاً معادلاً ليومين أو 24 ساعة من العمل.

      "لقد علمنا أنّ القيمة التي يمنحها القطن، واستهلاك الإبر للخيوط تساوي ستة عشر ريالاً. ولكن يبقى أن نعرف مقدار القيمة التي يضيفها عمل النسّاج الى المحصول الناتج".

      والمقصود هنا حساب العنصر الثالث من عناصر الإنتاج، أي الأيدي العاملة. "فلو أنّ غزل 883 غراماً من القطن يستغرق ساعة واحدة مثلاً، فإنّ خمسة كيلو غرامات منه سوف تستغرق ست ساعات من العمل".

      بالإلتفات الى وسائل عصره تكهّن "ماركس" أنّ إنتاج خمسة كيلو غرامات من الخيط يحتاج الى ست ساعات من العمل، أي أنّ العامل يحوّل في كل ساعة 833 غراماً من القطن الى خيط.

 

      ومن خلال الحسابات التي ذُكرت أعلاه والشرح الذي قدّم لتوضيحها، وبدون ذكر المقدمات المعقدة، يمكن القول إنّ ست ساعات من العمل يعني نصف نهار وما يعادل أربعة ريالات من الأجور. أي أنّ الذهب الذي تعادل قيمته أربعة ريالات يمكن إنتاجه في ست ساعات.

      وهنا نصل الى نتيجة الحسابات وجمعها حيث نواجه هذه العبارة:

      "والآن نحسب القيمة الكلية للمحصول، خمسة كيلو غرامات من الخيط تمثل يومين ونصف من العمل، القطن والإبرة يمثلان يومين، الغزل يمثل نصف يوم". وإذا أردنا أن نحسب وفق القيمة أي مقدار الذهب المنتج فيجب القول: "أصبح هذا المقدار من العمل موجوداً في مقدار من الذهب يساوي عشرين ريالاً. إذاً، فالعشرون ريالاً تشير الى قيمة خمسة كيلو غرامات من الخيط. وعليه، تكون قيمة الكيلو غرام الواحد من الخيط أربعة ريالات".

      الى هنا تنتهي مقدمات "ماركس". وبعد اعتذار موجز لعدم الدقة في أرقام مثل هذا الإستنتاج، يطرح مسألة القيمة الفائضة، فيقول: "إذاً، قيمة المحصول هنا تساوي قيمة رأس المال المصروف مسبّقاً تحت عنوان "على الحساب"، ولكن هذا المبلغ المصروف لم ينتج ربحاً ولم تنتج منه قيمة فائضة، وبالتالي لم يتحول النقد الى رأس مال، وإنّ سعر خمسة كيلو غرامات من الخيوط عشرون ريالاً، وما صرف في السوق لشراء العناصر المكونة للمحصول، ثلاثة عشر ريالاً مقابل خمسة كيلو غرامات قطن، ثلاث ريالات لاستهلاك الإبر في ست ساعات، وأربعة ريالات للأيدي العاملة".

      ومن أجل إكمال الإستدلال أعلاه، نضيف إليه بعض المقدمات من سائر الأبحاث ونوضح مزاعمه:

      1- القيمة المكلفة لخمسة كيلو غرامات من القطن عشرون ريالاً، وهذا هو السعر المتداول في السوق.

      2- يتوزع هذا المبلغ العشرون ريالاً على ثلاثة عشر ريالاً للقطن، وثلاثة ريالات لاستهلاك الإبر، وأربعة ريالات للعامل. فلا يبقى - إذاً - ربح لصاحب رأس المال.

      3- وأخيراً، ثلاثة عشر ريالاً للقطن، وثلاثة ريالات أجور الفلاح والعامل الذي ينتج القطن والإبرة.

      وهكذا، يجب دفع مبلغ العشرين ريالاً كله مقابل الأيدي العاملة، فيكون الربح الخالص الذي يجنيه صاحب رأس المال من المنتجات الصناعية هو في الحقيقة سرقة لحق العامل.

 

نقــد:

      أ) لإنتاج خمسة كيلو غرامات من القطن إستخدمت العناصر التالية، ولا بد من حسابها جميعاً عند التوزيع:

      1- خمسة كيلو غرامات قطن.

      2- إستهلاك الإبر.

      3- العمـل.

      وعند التأمل، نرى أنّ هذه العناصر الثلاثة تنقسم الى خمسة، ذلك أنّ القطن يتكون من عنصرين هما: الفلاح والطبيعة. وهكذا، الإبر حيث تكونت من عنصرين: المادة الخام والعمل. إذاً، ينبغي حساب العناصر على النحو الآتي:

      1- المادة الخام القطن.

      2- عمل الفلاح.

      3- المادة الخام في الإبر.

      4- عمل عامل الإبر.

      5- عمل عامل الغزل.

      والآن، نتساءل: هل ينبغي دفع المبلغ ثلاثة عشر ريالاً، الذي تم تخصيصه لخمسة كيلو غرامات قطن، الى الفلاح وحسب؟ أم يجب إعطاء حصة مقابل المواد الخام؟

      وكذلك، الثلاثة ريالات المخصصة لاستهلاك الإبر تقسم أيضاً على العنصرين المذكورين. وإذا خصص "ماركس" هذين المبلغين (ثلاثة عشر ريالاً وثلاثة ريالات) للعامل فقط، فلا بد من القول: إنّ قيمة خمسة كيلو غرامات قطن زادت على العشرين ريالاً، ويجب تخصيص مقدار للطبيعة الكامنة في القطن وفي الإبر.

      وفي المحصّلة تكون قيمة كلفة خمسة كيلو غرامات قطن أكثر من عشرين ريالاً، وثمة حصة لصاحب رأس المال الذي يوفّر ويقدم الطبيعة على شكل قطن وإبرة.

 

      ب) في هذه الحسابات، عُدّت قيمة خمسة كيلو غرامات خيط في السوق مساوية لقيمة تكاليفها، في حين أننا أثبتنا أنّ الذي يحدّد القيمة في السوق هما عاملا الوفرة والحاجة أو العرض والطلب بالمفهوم العام لهما.(11)

      وبناءاً على هذا، فلو أدى العرض والطلب الى أن تكون قيمة خمسة كيلو غرامات من الخيط أكثر من عشرين ريالاً، مثلاً خمسة وعشرين ريالاً، فكيف يتم توزيع الخمس ريالات الفائضة؟ وإذا قسّمناها على العناصر الخمسة المذكورة، فستبقى حصة لصاحب رأس المال أيضاً.

      إنّ زيادة قيمة السوق على قيمة التكاليف مسألة بديهية وموجودة في جميع المنتجات الصناعية، وهي التي تحفز أصحاب رؤوس الأموال على الإنتاج.

      وسنتطرق في الأبحاث القادمة الى دور رب العمل وحصته في الإنتاج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(الفصل الخامس)

التجارة والقيمة الفائضة

 

      لكي يعتبر التجارة عملاً غير مشروع، يقدّم "ماركس" توضيحاً خاصاً يثبت فيه ظهور القيمة الفائضة في التجارة. ولتوضيح هذا البحث ننقل مقدمة من كتاب "رأس المال":

      "يمكن ملاحظة أنّ المعاملات الجارية في السوق على شكلين:

      - الشكل الأول: شخص يملك سلعة وليس بحاجة إليها، فيبيعها ويوفر لنفسه السلعة التي يحتاج إليها. مثلاً: عشرون متراً من القماش يبيعه مالكه الأصلي في السوق ويشتري لنفسه بدلة. إذاً، المعاملة تمت بهذا الشكل: سلعة - نقد - سلعة.

      - الشكل الثاني: وهو يختلف تماماً عن الأول، ويعبّر عنه بـ: نقد سلعة نقد. أي تحويل النقد الى سلعة، ثم تحويلها من جديد الى نقد، أي الشراء من أجل البيع.

      ويلاحظ أنّ الهدف في الحالة الأولى - وهو توفير السلعة التي هناك حاجة إليها (بدلة) - تم بيع سلعة لا يحتاج إليها (عشرون متراً من القماش)، وقد لعب النقد دور الواسطة والوسيلة وحسب.

      أما في الحالة الثانية، فكان الهدف توفير النقد، ولهذا الغرض وظفت كمية أقل من النقد كرأسمال، وتم شراء السلعة التي أصبحت وسيلة لنمو رأس المال فحسب، وذلك من خلال بيعها والحصول على نقد أكثر.

      في الحالة الأولى، يتحول النقد أخيراً الى سلعة تُستخدم بعنوان قيمة الصرف أو شيء مفيد. وبسبب الشراء إبتعد هذا النقد عن مصدره، وتم صرفه دفعة واحدة.

      وفي الحالة الثانية، يضع المشتري نقده في إطار المعاملة ليسترجعه في الختام بصفة البائع. فعاد هذا النقد أخيراً الى مصدره الأصلي، ويبقى هكذا حيث استخدم في بداية الأمر في المعاملة بصورة عربون وعلى الحساب".

      ويستنتج "ماركس" من هذه المقدمة أنّ "الحركة في الشكل الثاني من المعاملات، أي: نقد - سلعة - نقد، بدأت بالنقد وانتهت الى النقد. فالمقصود منها قيمة التبادل، وإنّ نهاية المعاملة تعني أنّ مبلغين من النقد، المتساويين، من حيث الكيفية والفائدة، يختلفان عن بعضهما في الكمية فحسب.

      مثلاً، لو أنّ أحداً استبدل مئة ريال مع مئة ريال فإنه قام بعمل غير نافع، ولا يمكن أن يكون هناك سبب وباعث لحركة "النقد - السلعة - النقد) غير الإختلاف الكمي بين مبلغين من النقد، وفي نهاية الأمر يكون مقدار النقد الناتج من المعاملة أكثر من المقدار الذي وُظف في بداية المعاملة. والشكل الكامل لهذه الحركة عبارة عن: 100 ريال 1000 كيلو غرام قطن 110 ريال. حيث تنتهي المعاملة بتحويل مبلغ مقداره 100 ريال الى مبلغ أكثر مقداره 110 ريال. ونسمي هذا المقدار الإضافي البالغ عشرة ريالات قيمة فائضة.

      إذاً، لم يحافظ على النقد الذي دخل المعاملة على الحساب فحسب، بل أصبحت القيمة الفائضة التي حصلت عن طريق القيمة، عاملاً حوّل ذلك النقد الى رأسمال.

      ويمكن شرح الإستدلال أعلاه من خلال المقدمات الآتية والبرهنة على القيمة الفائضة:

      1- يوجد ألف كيلو غرام قطن في المعاملتين الجاريتين، وقد تم شراؤه أو بيعه وفق قيمته الواقعية.

      2- لم تتغير القيمة الواقعية لألف كيلو غرام قطن (أي درجة فائدته الإستهلاكية). فلماذا إذاً تساوى مع مئة ريال في المعاملة الأولى، ومع مئة وعشرة ريالات في المعاملة الثانية؟

      3- لا يوجد فرق بين المعاملتين من حيث درجة فائدة النقد. إذاً، فالفرق بين النقدين هو في الكمية فقط، يعني أنه أصبح هناك فائض بمقدار عشرة ريالات في المعاملة الثانية.

      وبناءاً على ما تقدّم، هناك إضافة عشرة ريالات من دون سبب، وسرقة من أموال مَن اشترى ألف كيلو غرام قطن، أخذها صاحب رأس المال (البائع) وقد أطلق عليها اسم القيمة الفائضة".

      ويضيف "ماركس" في الختام: "تعتبر المرحلة الأخيرة من حركة النقد - السلعة - النقد [التي عبّرنا عنها بمثال 110 ريال] المرحلة الأولى لحركة جديدة حدّها النهائي أكبر من هذا المبلغ، ويكون صاحب النقد الذي يعتبر ممثل هذه الحركة صاحب رأسمال. وتتجدد حركة تحصيل الربح بشكل دائم عن طريق دوران النقد، ويتم الشراء من أجل البيع بقيمة أكثر. وتكون معادلة رأس المال العامة بالشكل المهيمن على المعاملة".

 

نقـــد:

      تقتصر مسؤوليتنا في بحث ودراسة هذه النظرية على توضيح الأصل التالي: "هل فائدة السلعة وقيمتها الإستهلاكية في المعاملتين، المعاملة: النقد السلعة (100 ريال 1000 كيلو غرام قطن) ومعاملة: السلعة النقد (1000 كيلو غرام قطن 110 ريال)، واحدة أم لا؟ وهل فائدة النقد في المعاملتين واحدة أم متفاوتة؟

      مع توضيح هذا الأصل، يتضح دور التاجر في الإنتاج، وتتحقق مشروعية التجارة التي كانت وما زالت أكبر أساساً للرأسمالية.

      وتطرح في البداية عدة أمثلة:

      - المثال الأول: يشتري التاجر القطن من الفلاح المصري ويبيعه الى مصانع مانشستر لإنتاج الأقمشة في بريطانيا. هل يتساوى حال ألف كيلو غرام قطن عند شرائه من الفلاح المصري - من حيث الفائدة والقيمة الإستهلاكية - مع حال وصوله الى صاحب المصنع البريطاني.

      إنّ هذا يشبه تماماً توافر الماء الى جوار نبع، أو في صحراء قاحلة، بالنسبة لشخص ظامئ.

      - المثال الثاني: ما هو الفرق من حيث الفائدة بين ألف كيلو غرام ثلج في الشتاء وألف كيلو غرام ثلج في الصيف، لدى سكان المدن التي ما زالت تدّخر الثلوج في الشتاء في مخازن خاصة لاستهلاكها في الصيف؟!

      - المثال الثالث: فلاح لم يجنِ محصوله بعد، فباعه سلفاً لحاجته الماسة الى النقد من أجل معالجة ابنه المريض مثلاً. وفضلاً عن توفير احتياجاته، قام أيضاً ببعض الإجراءات من أجل تحسين مستوى محصوله، فالتاجر هنا يشتري المحصول رخيصاً ويبيعه غالياً.

      - المثال الرابع: من الطبيعي في التعامل بالدين أن تستلم السلعة في وقت ويؤجل دفع النقد الى وقت آخر، وبذلك يشتري البائع السلعة نقداً بقيمة أرخص.

 

      إنّ التأمل في دراسة هذه الأمثلة يساعدنا في الإقتراب من موضوع البحث، لأنّ الفرق واضح تماماً بين فائدة القطن في سوق مصر والثلج في الشتاء، وبين القطن في سوق مانشستر والثلج في الصيف. وإنّ هذه الفائدة تحققت في الغالب بفعل النشاط الفكري والعملي للتاجر. وفي المثالين الثالث والرابع لم تختلف فائدة السلعة، ولكن فائدة النقد إختلفت كثيراً، أي أنّ النقد في المثال الثالث يفيد الفلاح أكثر ويفضّل أن يحصل على نفس النقد قبل جني المحصول، نظراً لظروفه الصعبة.

      والآن، نستطيع أن نستنتج من هذا البحث ما يلي:

      في المعاملتين المفروضتين "النقد - السلعة" و"السلعة - النقد" إختلفت فائدة السلعة كثيراً نتيجة نشاط التاجر. فقد أصبح النقد الذي بُودل بالسلعة في المعاملة الثانية أكثر من نقد المعاملة الأولى. وهكذا، في قسم من المعاملات، إزدادت فائدة النقد في المعاملة الأولى. وبناءاً على هذا، أصبح هناك نقد أكثر في المعاملة الثانية ليتم التعويض عن انخفاض الفائدة.

      وبهذا التوضيح يتم إثبات الإنتقاد الأول. والآن لنلاحظ جملة أخرى من الكتاب: "لا يمكن أن يكون هناك سبب لحركة النقد - السلعة - النقد، غير الإختلاف الكمي بين مبلغَي النقد.

      تبيّن من التوضيحات التي مرت أعلاه أنّ التاجر رغم كونه عامل هذه الحركة من أجل الإختلاف الكمي بين المبلغَين، إلاّ أنّ الطرف الآخر للمعاملة قام بهذه المعاملة بسبب ازدياد فائدة السلعة أو انخفاض فائدة النقد.

 

عدة إنتقادات أخرى:

      أولاً: لا تقتصر التجارة اليوم على شراء سلعة لبيعها، بل توجد في الأسواق العالمية آلاف الأنواع من المعاملات التجارية التي ليست لتوضيحات "ماركس" في موضوع "القيمة الفائضة" أية علاقة بها. نكتفي هنا بذكر عدة أنواع منها:

      أ) جميع الأعمال التي تشمل حق العمل وحق العمولة والسمسرة، التي تعتبر اليوم فصلاً مهماً من التجارة، وأقرّت قوانين التجارة في العالم بشكل عام ضوابط خاصة بشأنها.

      ب) نشاطات مؤسسات نقل المسافرين ونشاطات حمل البضائع، الجوية والبحرية.

      ج) الضمان وأنواعه، الذي يعدّ اليوم من أهم الأنشطة التجارية في العالم وأكثرها شيوعاً.

      د) تبادل الوثائق التجارية مثل الحوالة والكمبيالة وغيرهما.

      هـ) النشاطات المصرفية التي تشمل آلاف الأنواع، مع أنّ قسماً كبيراً منها غير مشروعة، لبعض الأسباب.

      و) المعارض العامة.

      ز) معاملات المزايدة.

      ح) المعامل اليدوية التي تعتبر من الوحدات الإنتاجية الصناعية.

      ويلاحظ القارئ العزيز أنه لا يمكن القبول بأشكال القيمة الإضافية في مثل هذه المعاملات التجارية بالشكل الذي نقلناه في كتاب "رأس المال".

      ثانياً: على خلاف قاعدة "ماركس" (القيمة = العمل) يمكن التطرق في هذا البحث الى موضوع الفائدة والقيمة الإستهلاكية والقبول بأشكال القيمة الفائضة على أساس ذلك. ومن البديهي عندما ندرس نظريته في القيمة، يكون الجواب أوضح من الإشكال، لأنّ علماء الإقتصاد يبحثون منذ سنوات دور التاجر في الإنتاج، وفي النهاية يعترف الجميع - رغم اختلافهم - بحقيقة واحدة هي نشاط التاجر في مجال استهلاك السلعة، فتكون بذلك السلعة المستهلكة تجسيداً لأعمال المنتجين مع إضافة عمل التاجر. وإنّ وضع السلعة في الحالة الثانية (السلعة - النقد) يختلف عن الحالة الأولى (النقد - السلعة).

      جدير بالذكر أننا لم نهدف من وراء أبحاثنا، آنفة الذكر، الدفاع عن المنتجين ونشاطاتهم المختلفة أو عن التجار ومعاملاتهم، بل الحديث عن حقيقة علمية لا يمكن إنكارها، وهي: "إمكانية وجود رأس المال عن طريق مشروع" والتي ستكون أساس أبحاثنا المقبلة. والآن ندعو القارئ الكريم الى البحث التالي الذي يتمحور حول دراسة أسلوب المدرسة الإقتصادية الإسلامية في توزيع السلعة المنتجة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(الفصل السادس)

أسس منهج الإسلام في توزيع الثروة

 

      ذكرنا في القسم الأول من هذه الأبحاث، أنّ علم الإقتصاد علم حديث بمعنى الكلمة، وقد دُوّنت أصوله حديثاً وأصبحت على شكل أبحاث علمية. ومن هنا، فإننا عندما نتحدث عن منهج الإسلام في توزيع الثروة أو عن أي مبدأ إقتصادي إسلامي آخر، فإنما نقصد تلك النظرية المستنبطة من دراسة قوانين الإسلام الإلهية والأحكام الفقهية في أبواب المعاملات.

      وبناءاً على هذا، فإننا في هذا البحث "توزيع الثروة المنتجة بين عناصر الإنتاج" سندرس أولاً القوانين والأحكام التي تمثل أصول هذه النظرية، ثم نتطرق الى بيان وتوضيح منهج الإسلام.(12)

 

الأصل الأول: تحريم الربا

أ‌)    ما هو الربا؟     

      هناك معنيان للربا في الفقه الإسلام: الربا في البيع، والربا في القرض. فعندما يكون التعامل بمادتين التبادل بهما عادة بالكيل والوزن، ويكون أحدهما حين التبادل أكثر من الآخر، تكون هذه المعاملة ربوية وباطلة، مثلاً: فلاح يرى ما عنده من الحنطة غير مناسبة للبذر فيبدلها بحنطة أخرى، فيبيع طناً ومئة كيلو مما لديه مقابل طن واحد من الأخرى. غير أننا هنا لا نريد أن نبحث هذا النوع من الربا.(13)

      بل إنّ موضوع بحثنا الربا في القرض: وهو الفائدة الحاصلة بموجب اتفاق الإقراض، حيث يتعهد المقترض بأن يدفع بعد وقت محدد مبلغاً من المال أو شيئاً معيّناً، أو يقوم بعمل لصالح المقرض، فضلاً عن أداء أصل مبلغ القرض.

 

ب‌)   لماذا حُرِّم الربا؟

      تعتبر حرمة الربا الشديدة، وبطلان المعاملات الربوية، بأي شكل وبأي مقدار ولأي هـدف إنتاجياً كان أم غير إنتاجي من أكثر الأحكام وضوحاً في الفقه الإسلام. وفضلاً عن اتفاق فقهاء الإسلام، تصرّح بذلك الآيتان التاليتان، إضافة الى عشرات الآيات والروايات الدالة على الحرمة:

      1- {يا أيها آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تُبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون} (البقرة: 278-279).

      2- {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمَن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره الى الله ومَن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة: 275).(14)

      3- وردت روايات معتبرة لا حصر لها في حرمة الربا مذكورة في أبواب عديدة من كتب الحديث والفقه.

      ولا بد أن نعلم أنّ القرآن الكريم كافح قليلاً من الذنوب بهذه الشدة، حيث شاهدنا أنه اعتبر الربا بمنزلة حرب معلنة ضد الله والرسول، فيما اعتبرت الأحاديث الشريفة الربا سبباً للفساد والظلم وضياع الأموال وهلاك الأمم ومنع أعمال الخير والإحسان ودأب الناس على الذنب وردعهم عن الفعاليات التجارية والإنتاجية، حتى أنّ بعض الروايات عدّت أكل درهم واحد من الربا أعظم عشرات المرات من الزنا، وقد هدد حديث معتبر صراحة بأنّ ظهور الربا في أمة ما سيكون سبباً لهلاكها.(15)

 

الأصل الثاني: صحة المضاربة والمزارعة والمساقاة

أ‌)            التعريـف:

      المضاربة في الفقه عبارة عن اتحاد عاملَي العمل ورأس المال إتحاداً مباشراً، فصاحب رأس المال يضع ماله تحت تصرف العامل الخبير (العنصر المضارب) ليتاجر به طبق اتفاق خاص، ويكون شريكاً في الأرباح بنسبة معيّنة حسب الإتفاق.

      أما المزارعة والمساقاة فتعتبران صوراً خاصة من هذه المعاملة، فالمزارع يعمل برأسمال وأرض غيره فيكون شريكاً في المحصول، أو يسقي أرض غيره أو يعمل في بستانه، فيكون شريكاً في الثمار.(16)

 

ب) دليل الصحة:

      1- تصح المعاملات التي كانت شائعة وجارية منذ القدم، ثم استمرت في زمن الرسول الأكرم والأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) بعلمهم وإشرافهم ولم يمنع الإسلام المسلمين عنها، وتكون نافذة، حيث يعتبر سكوتهم عنها بمنزلة الإقرار والرضى.

      وكانت المضاربة والمزارعة والمساقاة ضمن هذا النوع من المعاملات، لذلك فهي صحيحة ومعتبرة.

      2- تعتبر الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب المضاربة والمزارعة والمساقاة في كتب الفقه والحديث، والتي تبيّن أصول وأحكام هذه الإتفاقيات، أفضل دليل على صحة هذه المعاملات الثلاث.

 

ج) الأحكام الخاصة بالمضاربة والمزارعة والمساقاة:

      1- يجب تقسيم الربح الحاصل من هذه المعاملات بين صاحب رأس المال والعامل حسب الإتفاق.

      2- في حال الخسارة لا يتحمل العامل شيئاً، بل يتحملها صاحب رأس المال وحده.(17)

      3- لو انتهك العامل الشروط الواردة في الإتفاق فإنه يتحمل الخسارة الناجمة.(18)

      4- إذا جعل صاحب رأس المال، العامل مسؤولاً عن الخسارة طبقاً للإتفاق، فليس لصاحب رأس المال نصيب في الربح، حسب رواية محمد بن قيس.(19)

      5- في اتفاق المزارعة لا يمكن مطلقاً تخصيص حصة للبقر والبذر أو سائر أدوات الإنتاج، بل يجب توزيع الربح بين العامل وصاحب رأس المال فقط.(20)

      6- لا يستطيع المضارب (العامل) أن يمنح اتفاقه لعامل آخر بمبلغ أقل ويحصل هو على ربح من دون عمل.(21)

 

الأصل الثالث: الإجارة والعمالة صحيحة(22)

أ‌)            التعريـف:

      إجارة البيت والدكان والسيارة وأمثالها هي من المعاملات الشائعة المعروفة(23). فقد يضع إنسان نشاطه البدني أو الفكري في تصرف شخص آخر لمدة معيّنة بموجب اتفاق، وتعتبر هذه المعاملة، التي تسمى "الإيجار" أو "العمالة"، صحيحة ونافذة.

 

ب) دليل صحة الإجارة:

      1- الأصل العام لصحة هذه المعاملات الشائعة هو الأصل نفسه الذي قيل بخصوص المضاربة.     

      2- الآيات التي أشارت الى الإجارة، والروايات المعتبرة الكثيرة التي وردت في بيان أحكام إجارة البيت والدكان والأرض والدواب، جعلت صحة هذه المعاملة من بديهيات الفقه الإسلام.

 

ج) أحكام الإجارة والعمالة وما ينتج عنها:     

      1- العمالة بشكل عام أمر مكروه، ولا تحبّذها شريعة الإسلام.(24)

      2- يجب دفع أجرة العامل بأسرع ما يمكن، ويعتبر غصب حق العامل من أكبر الذنوب وسبباً لغضب الله.(25)

      3- وردت تعاليم كثيرة بشأن الرفق والمحبة مع العمال.(26)

      4- لا يكون المستأجر ضامناً لأي شيء من مادة الإجارة إلاّ أن يقصّر في المحافظة عليها، أو أن يستفيد منها أكثر من الحد المعمول المتعارف (التعدي والتفريط).(27)

 

الأصل الرابع: أصل سيادة الإرادة أو أصالة الصحة

أ) ما هو أصل سيادة الإرادة:

      يعبّر الفقه الإسلامي عن هذا الأصل، الذي اعتبروه من مفاخر القوانين المعاصرة بـ"أصالة الصحة"، وهو ذو سابقة تاريخية طويلة.(28)

      ومن معاني أصل سيادة الإرادة التي نبحثها هنا هو : يحق للإنسان أن يعقد حسب إرادته ورغبته اتفاقية مع الآخرين، سواء كانت هذه الإتفاقية متداولة وشائعة أو كانت من ابتكاره، وسواء كانت متعارفة إبان التشريع الإسلامي أو لم تكن. وهكذا، تكون المعاملة التي يبتكرها طرفان، صحيحة وإن لم تكن من المعاملات المتداولة والشائعة، علماً أنّ الشرط الأساس لهذه الصلاحيات هو ألاّ تكون هذه المعاملة مشمولة بأحد عناوين البطلان والحرمة كالربا والمجهولية والبيع والشراء من دون عدّ أو كيل أو وزن.

 

ب) دليل أصل سيادة الإرادة:

      لقد طرح هذا الموضوع في كتب الفقه منذ زمن طويل، وجرى التحقيق بشأنه ودراسته بشكل تفصيلي. وما نطرحه هنا يمثل آراء عدد من كبار الفقهاء المتأخرين التي يرجحها المؤلف على غيرها من الآراء:

      1- {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم} (النساء: 29).

      ومن الواضح أنّ الإتفاقية ذات الصيغة التجارية أو التي تمت برضى الطرفين تكون مشمولة بالآية الشريفة وصحيحة، سواء كانت متداولة أو مبتدعة.

      2- {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} (المائدة: 1)، سواء كانت هذه العقود جديدة أو غير جديدة. وبديهي أنّ العقود الباطلة مستثناة من هذه الآية.

 

الأصل الخامس: الإقتصاد على أساس العقيدة والأخلاق

أ‌)            التعريـف:

      إنّ الدراسة والتأمل في القوانين الإسلامية المالية والتجارية والإقتصادية، يوضح جيداً أنّ الإسلام لم يحصر هدفه في رفع مستوى الحياة المادية للإنسان، وتحسين وضعه من حيث المأكل والملبس والمسكن وسائر أبعاد الراحة، بل اهتم أيضاً بموازاة ذلك وأكثر منه بالتكامل الروحي والفضائل الأخلاقية للإنسان.

      ومن هنا، أخذت الأحكام الفقهية والمعاملات وكل القوانين الإسلامية هذا الأساس بنظر الإعتبار(29). فلا بد أن نأخذ نحن أيضاً هذا الأمر بنظر الإعتبار بشكل كامل.

 

ب) دليل هذا الأصل:

      1- ثمة آيات كثيرة عدّت الحياة الدنيا والمال زينة وجمالاً، وكان هدفها التربية والإمتحان، أو بالأحرى كسب الأعمال الصالحة، وهي خير دليل على هذا الإدعاء.(30)

      2- الروايات التي لا حصر لها التي وردت في كتب الحديث والفقه، نكتفي بذكر عدة أنواع منها:

      عن رسول الله (ص) أنه قال: نعم الغنى ما أعان على التقوى.(31)

      قال رسول الله (ص): "لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال، يكفّ به وجهه، ويقي به دينه، ويصل به رحمه".(32)

      كما وردت تأكيدات شديدة على تعلّم المسائل الشرعية للتجارة قبل الإشتغال بها. وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: "كان أمير المؤمنين (ع) عندكم بالكوفة يغتدي كل يوم بكرة من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً، ومعه الدرة على عاتقه، وكان لها طرفان وكانت تسمى السبتية، فيقف على أهل كل سوق فينادي: يا معشر التجار اتقوا الله. فإذا سمعوا صوته ألقَوا ما بأيديهم وارعوا إليه بقلوبهم، وسمعوا بآذانهم، فيقول: قدّموا الإستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وتناهَوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثَوا في الأرض مفسدين، فيطوف في جميع أسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس.(33)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(الفصل السابع)

حصة العمل رأس المال الآلة في الإسلام

 

      نقرأ في هذا الفصل منهج الإسلام في توزيع الثروة، فنلاحظ أهمية عناصر الإنتاج من وجهة نظر قانون هذا الدين المقدس، ونقارن بين هذا المنهج وبين نظريات أرقى المذاهب الإقتصادية العالمية، فندرك في نهاية المطاف كيف شرّع هذا التوزيع العادل والرصين على أساس الحقائق العينية والحقوق الثابتة لعناصر الإنتاج، الأمر الذي لا يمكن أن يصدر إلاّ عن القانون الإلهي المقدس.

 

حصة عناصر الإنتاج (العمل، رأس المال، الآلة):

·       العمـل(34): وقد جعل المذهب الإقتصادي الإسلامي له أكبر حصة وأسمى درجة، أولاً بموجب الأصل الثاني من الأصول على النحو الآتي:

      1- للعمل ثلاث ميزات: الأجرة والربح وعدم المشاركة في الخسارة.

      2- لرأس المال ميزة واحدة هي: الربح مع المشاركة في الخسارة.

      3- للآلة ميزة واحدة هي: الأجرة (بدل الإيجار).

 

الماركسية وعناصر الإنتاج:

      أوضحنا بشكل كافٍ في الأبحاث السابقة أنّ المذهب الإقتصادي الماركسي يحصر رأس المال ووسائل الإنتاج في العمل المتجسد، ويرى أنّ قيمتها تساوي العمل المتراكم فيهما، ثم يستنتج أنّ حصتهما في الثروة الناتجة تكون حسب العمل ومقداره (مع ملاحظة ما يُستهلك من رأس المال ووسائل الإنتاج في عملية الإنتاج كما مرّ في مثال القطن). وهكذا، يجب أن تكون أهمية عناصر الإنتاج الثلاثة عند هذا المذهب مساوية للعمل، سواء صدر من العامل أو تم القيام به مسبّقاً، وتبلور في وسائل الإنتاج أو رأس المال، وبالنتيجة تتحول روح هذه العناصر الثلاثة الى عنصر واحد هو "العمل" وتكون أهمية هذه العناصر على النحو الآتي:

      العمل = الآلة = رأس المال: ولهذه المعادلة ميزتان هما الخمسة التي سبق الحديث عنها (صحة المضاربة)، حيث يمكن للعمل أن يأخذ حصة من الربح في وحدة إنتاجية تجارية أو صناعية أو زراعية من دون أن يتحمل شيئاً من الخسارة المحتملة. وثانياً يستطيع العمل أن يأخذ الربح الثابت (الأجرة)، وهذا ما جرى استنتاجه من الأصل الثالث (الإجارة صحيحة).

 

·    رأس المال: وله إحدى ميزتي العنصر السابق، أي ليس لهذا العنصر، وتحت أي عنوان، حصة في الربح الثابت من دون الخسارة، وهو ما يُصطلح عليه (الأجرة)، لأنّ الربح الثابت لرأس المال يعتبر رباً، وقد علمنا في الأصل الأول من الأصول السابقة أنّ الربا باطل وحرام.

      ولكن يمكن أن تكون لرأس المال حصة في ربح إنتاج ما شريطة أن يكون شريكاً في الربح والخسارة. وقد استنتج هذا الحكم من المادتين (1 و 2) من أحكام المضاربة (الأصل الثاني).

 

·    الآلـة: للآلة أيضاً حصة واحدة فقط من حصص العمل، أي أنها تحصل فقط على الربح الثابت (بدل الإيجار)، إستناداً الى الأصل الثالث الإجارة صحيحة)، ولا يمكن مطلقاً أن تشارك الآلة في الربح الناتج، سواء شاركت في الخسائر أو لم تشارك. وتدل على ذلك المادة الخامسة من الأحكام الخاصة بالمضاربة.

      وبملاحظة ما ذكر أعلاه، يمكن معرفة أهمية عناصر الإنتاج الأجرة والفائدة، مع افتراض المشاركة في الخسارة. ولكن ولأسباب سياسية (وليس بدافع معايير العدالة) احتُسبت "الأجرة" لرأس المال والآلة دون "الفائدة"، فيما خصص للعمل "الأجرة والفائدة" معاً.

 

الرأسمالية وعناصر الإنتاج:

      ترى المناهج الرأسمالية المعروفة والمتداولة، أنّ رأس المال أهم وأكبر عناصر الإنتاج، وتحتسب له أجرين، فيما تعتبر العمل واحداً من وسائل الإنتاج. وبناءاً على هذا، تصبح عناصر الإنتاج وفق الترتيب التالي حسب أهميتها:

      1- لرأس المال ميزتان: الأجرة والفائدة.

      2و3- العمل ووسائل الإنتاج لكل واحد منهما ميزة واحدة: الفائدة الثابتة "الأجرة أو بدل الإيجار".

 

الرأسمالية الجديدة:

      كما أشرنا في القسم الأول من هذا البحث، إنّ بعض المذاهب الرأسمالية الراقية أعاد النظر في حصة العامل، وجعل له حصة في الربح الخالص بنسبة مئوية معيّنة.

      وفيما يلي جدول بحصص عناصر الإنتاج في المذاهب الإقتصادية المختلفة:

 

الرأسماليـة

الماركسيـة

الإسـلام

عناصر الإنتاج

الربح الثابت (الأجرة)

الأجرة + الفائدة بدون خسارة

الأجرة + الفائدة بدون خسارة

العمـل

الربح الثابت (الربا)

الفائدة مع الخسارة

الأجـرة

الفائدة مع الخسارة

رأس المال

الأجـرة (بدل الإيجار)

الأجـرة

الأجـرة (بدل الإيجار)

الآلـة

 

      يوضح الجدول أهم جانب في هذا البحث، ويشير الى أنّ أياً من المذاهب الإقتصادية لم يعطِ العمل الأهمية التي أولاها له الإسلام.

 

      ولمزيد من التوضيح يرجى ملاحظة الجدول الآتي:

 

المذهـب

عنصر الإنتاج

الربح الثابت

(الأجرة الربا قيمة الإيجار)

الفائـدة

الحصانة من الخسارة

الإسـلام

العمـل

+

+

+

رأس المال

-

+

-

الآلـة

+

-

-

الماركسية

العمـل

+

+

-

رأس المال

+

-

-

الآلـة

+

-

-

الرأسمالية

العمـل

+

-

-

رأس المال

+

+

-

الآلـة

+

-

-

 

      وبالتالي، أقرّت المذاهب الإقتصادية حقوق عناصر الإنتاج على النحو الآتي:

-   الإسـلام: للعمل: ثلاث ميزات، لرأس المال: ميزة واحدة، للآلة: ميزة واحدة.

-   الماركسية: للعمل: ميزتان، لرأس المال: ميزة واحدة، للآلة: ميزة واحدة.

-   الرأسمالية: للعمل: ميزة واحدة، لرأس المال: ميزتان. للآلة: ميزة واحدة.

 

عدة نتائج مهمة ومفيدة:

      1- المذهب الإقتصادي الإسلامي هو المدافع الأكبر عن حقوق العامل.

      2- الحقوق التي تمنحها الماركسية للعامل أقل من الحقوق التي يمنحها الإسلام.

      3- يعدّ العامل في المذهب الرأسمالي، من وسائل الإنتاج!

أسباب هذه الحقوق والتقسيمات:

      ذكرنا في الأبحاث السابقة أنّ عملية الإنتاج لا تعني خلق شيء وإيجاده، بل هي عبارة عن التعامل مع المواد الخام الموجودة في الطبيعة، وتحويلها الى ثروة إقتصادية من خلال العمل والحالة الجديدة التي تصبح فيها. وهكذا، فالإنتاج عبارة عن كل شيء ذي قيمة وقابل للإستفادة يتم إيجاده من اتحاد الطبيعة والعمل سواء كان يجري استهلاكه بنفسه أو يُستخدم في إنتاج ثروة أخرى على شكل رأسمال أو وسائل الإنتاج.

      وبهذه الطريقة يتضح أنّ كلاً من رأس المال ووسائل الإنتاج عبارة عن: "العمل بإضافة الطبيعة".

      وتشير النتيجة التي تحصل من هذه المعادلة الى أهمية العمل وعلّة تفوّقه على رأس المال والآلة في عملية الإنتاج، لأنّ الطبيعة وإن أصبحت في ملكية الذي يخلق العمل، وأصبح رأس المال كله أو وسائل الإنتاج ملكاً لمن ينتجهما، ولكن المواد الطبيعية وضعت تحت تصرّف الجميع مجاناً ولم يتحمل الإنسان تعباً ولم يبذل جهداً في سبيل إيجادها.

      إذاً، فإنّ عنصر "العمل" بكامله وبجميع حقائقه وليد جهد الإنسان ونتيجة نشاطه، فيما يعمل عنصرا "رأس المال" و"الآلة" على تغيير شكل وحالة المحصول الذي يعكس سعي الإنسان.

      لقد تم تجاهل هذه الملاحظة تماماً في الدراسات الإيديولوجية الماركسية، وكذلك غابت عن أذهان العلماء الرأسماليين، ومن هنا اعتبرت الماركسية قيمة الأشياء تساوي العمل، فيما جعلت الرأسمالية رأس المال أهم من العمل.

      ولا يخفى، ما دامت هناك فوائد عينية لوسائل الإنتاج، فقد خصصت لها الأجرة (بدل الإيجار). غير أنّ رأس المال لما كان يستخدم بنحو المقامرة (فوائد محتملة مع احتمال الخسارة)، لذا يجب أن يكون حقه مشابهاً لخصوصيته ومنسجماً معها، حيث وضعت هذه الحقوق على أساس الحقائق العينية والقانون الثابت لعناصر الإنتاج.

 

أصل مهم جداً:

      نستنتج مما ذُكر أنّ الإسلام أقر نوعين من التوزيع لثروة المنتجة هما:

      1- أن يأخذ العامل الأجرة، وتأخذ وسائل الإنتاج مبلغاً معيّناً بدل الإيجار، ويبقى الربح الخالص مع الخسارة لصاحب رأس المال.

      2- تكون للعامل حصة في الربح (دون الخسارة)، ويدفع بدل الإيجار لوسائل الإنتاج، ويأخذ صاحب رأس المال حصة من الربح الخالص ومتحملاً الخسارة وحده.

      ولكن تحديد وتنظيم هذين النوعين من التوزيع، اللذين يطرح كل واحد منهما في إطار عام وفي أشكال وصور مختلفة، وكذلك تحديد مقدار الأجرة وبدل الإيجار ووسائل الإنتاج، وشروط المعاملة الى غير ذلك، يجري طبقاً للإتفاقيات التي يتم عقدها بين أطراف المعاملة بموجب الأصل الرابع (أصل سيادة الإرادة) من الأصول الخمسة، مع مراعاة الظروف الإقتصادية الدولية المختلفة، ورغبات وطلبات العامل وصاحب رأس المال، وكذلك تقلبات "العرض والطلب" والمتغيرات المهمة التي تشهدها المراحل الحياتية من حياة الإنسان. كما أنّ هذا المنهج الأصولي جعل من تشريعات الإسلام قوانين دائمية لسعادة الإنسان.

      وإنّ الذي يعيّن إطار وحدود الإتفاقيات هو الأصل الخامس (الإقتصاد على أساس الأخلاق)، وكذلك مصالح المسلمين العليا، التي يسهر عليها دائماً حاكم المسلمين ويشرف على مختلف شؤون حياة المجتمع، ويجعل من منهج الإقتصاد الإسلامي منهجاً إرشادياً.

      هذا وسأحاول إنجاز القسم الأخير من هذا البحث، وسيحمل عنوان "منابع ظهور الإستثمارات الموجودة"، وهو موضوع مستقل وطريف وتربوي، وسيكون في متناول الراغبين - بمثابة الجزء الثاني من الكتاب - إن شاء الله.(35)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(الملاحـق)

الإيديولوجية  ـ  الإقتصاد  ـ  المذهب الإقتصادي في الإسلام

 

أ) الإيديولوجية:

      الدين إيديولوجية، وبما أنّ لكل إيديولوجية منطقاً خاصاً تفسّر به التاريخ والحوادث وبعضهم يضع التفصيل المادي للتاريخ وبعضهم يعتبر الدين والقومية محرّكاً للشعوب.

      فما هو المنطق الإسلامي الذي يفسّر الحوادث التاريخية؟

      هنا ينبغي أن أوضح نقطة أساسية، وهي أنّ كلمة إيديولوجية نحاول أن نستعين بها لأنها أصبحت واضحة الآن، لإلقاء الضوء على الفكر الإسلامي ولوضع العقيدة والتقاطع الإسلاميين في موضعهما الطبيعي من التفكير.

      كما نعمل في قضية الإقتصاد، فنحن عندما نقول الإقتصاد الإسلامي علينا أن نعرف أنّ في الإسلام فصلاً باسم علم الإقتصاد، لا في القرآن، ولا في كتب السنّة، ولا في سيرة الأئمة أو سيرة مَن بعدهم من العلماء. وفي كتب العلوم الإسلامية لا نجد علماً باسم علم الإقتصاد، لكن إذا درسنا الأحكام الإسلامية في العلاقات المالية بين المسلمين بعضهم مع بعضهم وبينهم وبين غيرهم من المسلمين، إذا درسنا أسلوب الإسلام في الإنتاج والإستهلاك، نكتشف مذهباً إقتصادياً ونتأكد من أنّ الأحكام الإسلامية لم تأتِ صدفة ولا عفواً بل جاءت مركّزة على قواعد إقتصادية معيّنة، وهذا يسمى بالمصطلح الحديث "المذهب الإقتصادي" لا علم الإقتصاد، لأنّ علم الإقتصاد علم حديث وُضعت له الأسس مؤخراً. إذاً، عندما نقول "الإقتصاد الإسلامي" نقصد المذهب الإقتصادي في الإسلام، أي أنّ كل باحث عندما يقرأ الأحكام الإقتصادية، مثلاً: الميراث، وكيفية الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة، كيفية الغنائم والأرباح، كيفية الإقطاع (أي اقتطاع الأراضي)، كيفية ملكية الأراضي: ملك خاص، أراضٍ مفتوحة عنوة ملك المسلمين جميعاً، أراضٍ ملك الدولة أو ما يسمى بـ"الأنفال".

      عندما يقرأ الباحث هذه الأحكام، من هنا وهناك، يكتشف مذهباً إقتصادياً في الإسلام.

      والأمر في الإيديولوجية مشابه لما نقوله في الإقتصاد. ففي الإسلام لم يرد فصل باسم الإيديولوجية، بل لم يرد فصل في الإسلام باسم العقيدة، لأنّ الإسلام دين واحد، دعا رسول الله الأمة بالطريقة المعروفة في مكة أو الأحكام كان يقول: "لولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا".

      طبعاً "قولوا" لا تعني فعل القول فحسب، وإنما إلتزموا.

      و"لا إله إلاّ الله" لا تعني فقط في الأصنام بل الآلهة الأرضية بكل معنى الكلمة، بشكل لا يمكن أن نقول إنّ الإسلام فصل، فصول، وأبواب، وجعل فصلاً خاصاً باسم الإيدلولوجية بل من خلال الأحكام الإسلامية يكتشف الباحث إيديولوجية إسلامية.

      وهكذا سنصل الى المنطق الذي يفسّر الإسلام به التاريخ، وهذا شأن بقية المدارس الفكرية.

      مثلاً، من أهم وأشهر المدارس الفكرية المعاصرة المدرسة الماركسية. والماركسية فكرة مستندة الى "ماركس". فماذا كان "ماركس"، وماذا يكون؟

      فكرة إقتصادية أولاً تبنّاها "ماركس" كعالم إقتصادي لا كقائد ولا كزعيم، فهو كعالم يدرس الإقتصاد ويكتشف التطورات الإجتماعية وارتباطها بالتطورات الإقتصادية، ثم كناظر متفرج على شرفة التاريخ (مبني في مؤلفات "ماركس" الأولية) يقول إنّ التطورات الإجتماعية النابعة عن التطورات الإقتصادية تتحول وتتغير وتبشّر بالمستقبل المعيّن.

      فما هو دور "ماركس"؟ لا شيء سوى الإستنباط.

      الرأسمالية في رأي "ماركس" تنمّي في أعماقها وأحشائها بذور الإنفجار، وتنفجر ربما دون تحرك ماركسي. تحوّل "ماركس" من عالم إجتماعي الى زعمي سياسي، أي حاول أن يساهم في تفجير الرأسمالية بالدعوة الى الثورة وبشعار التغيير. ففي المرحلة الأولى كعالم وفي المرحلة الثانية كزعيم.

      كان دور "ماركس" في الإقتصاد، إقتصاداً معيّناً ذلك الذي يسمّيه بالشيوعية. بعد ذلك يحاول "ماركس" أن يركّز هذه المدرسة الإقتصادية على أسس فلسفية ففتش عن فلسفته هنا وهناك، فاعتمد المدرسة الفكرية المشهورة بـ"المادية"، وهي ليست من أفكار "ماركس" ولا من اختصاصاته، إنما كعالم إقتصادي إجتماعي إعتمد المادية كفلسفة تلائم اقتصاد "ماركس" المادي.

      الفلسفة المادية قديمة جداً من اليونان ولها تطورات كثيرة: المادية الفلسفية، المادية الخيالية، المادية العلمية، وهي ليست لـ"ماركس" وإنما اعتمدها "ماركس" لملاءمتها اقتصاده، ولأنه فكّر أنّ رجال الدين في أوروبا هم الذين يحمون الإقطاع ويحمون الرأسمالية لذلك قلع جذورهم من الأساس. وهذا الأسلوب المادي في الفلسفة منسجم مع طبيعة اقتصاد "ماركس". ثم أنه افتعل منطق الديالكتيك، وهو ليس منطقاً ماركسياً وإنما أُسس أيام سقراط ثم تطور في العصور المختلفة. ولتنتقل الماركسية بعد ذلك من مرحلة العلم الى مرحلة الزعامة، فتساهم في تفجير المجتمع المعاصر لـ"ماركس"، فاعتمدت نظرية باسم "المادية التاريخية"، والتي أيضاً ليست جديدة. وإنما الربط بين هذه النظرية الفلسفية المادية، واستعمال المنطق الديالكتيكي، واعتماد المادية التاريخية بتفكير "ماركس"، تحولت الى وحدة فعالة من خلالها يعطي "ماركس" تفاصيل وآراء وأبحاثاً وموقفاً لكل شيء، والسبب واضح، فعندما يريد "ماركس" أن يدعو العمال الى حركة يضع أمامهم تفسيراً تاريخياً ليقول لهم إنّ التاريخ كله يتحول الى أسباب إقتصادية وأنتم المحوّلون للتاريخ، فأراد أن يعرض للناس صورة عن التاريخ، ذلك الذي يسمّيه "المادية التاريخية"، تمهيداً لتحركه من الوضع العلمي المحض الى الوضع السياسي الذي وصل إليه "ماركس" في أواخر حياته.

      إذاً، هذه المدرسة المشهورة تستعين أيضاً بالمنطق الديالكتيكي وبالفلسفة المادية والمدرسة المادية التاريخية. تستعين هنا وهناك وليست منبثقة من أصل المدرسة الفكرية. إذاً، نستطيع أن نستنتج حتى الآن:

      1- لا نكتشف من الإسلام اقتصاداً أو إيديولوجية معيّنة.

      2- المدارس الفكرية تستعين بالفلسفة من هنا وهناك لتأخذ ما ينسجم من أهدافها وأفكارها.

      بعد هاتين المقدمتين ندخل في حديثنا المعيّن.

      ما هي نظرية الإسلام الى التطور التاريخي؟

      هنـا، كالإقتصاد، علينا أن نقول مذهباً وليس علماً، لأنه لا يوجد تفسير معيّن للتاريخ في القرآن أو السيرة. علينا أن نكتشف من خلال توجيهات وتعليمات الإسلام في مختلف الشؤون، الرأي الإسلامي في هذا الموضوع.

      يوجز رسول الله (ص) الفكرة التحولية للتاريخ بالكلمة التالية: "قولوا لا إلا إلاّ الله تفلحوا". هنا علينا أن نعيد النظر في كثير من الأشياء ونفكر بها، تفلحوا أي تصبحوا مفلحين. أنتم لستم في حالة تحسدون عليها. المجتمع المكي أو المجتمع العربي من ورائه لم يكن في حالة طيبة، كانت الظروف السياسية والإجتماعية والإقتصادية، الظروف الخلقية والظروف المالية والنفسية والعقائدية كلها بصورة غير مرضية حتى سمّي المجتمع آنذاك بـ"المجتمع الجاهلي".

      يقول لهم: "قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا" يعني تحوّل المجتمع من الوضع الذي كان موجوداً الى مجتمع آخر يسعد فيه الفرد وتسعد فيه الجماعة يحتاج الى موقف الإلتزام بالله الواحد.

      معنى الجملة يحتاج الى بحث طويل حول نفي الآلهة الأرضية أو ما نسمّيه اليوم بالأصنام، تحطيم أصنام المال، أصنام السياسة، أصنام الجاه أو ما نسمّيه بالإقطاع. المصطلح الديني لهذه الأمور والدعوة الى وحدة الناس معتمدة على أساس الإيمان بالله الواحد. هنا يبدو أنّ طريقة تطوير المجتمع المكي الى مجتمع سعيد إنما يكون بالعقيدة وليس بالإقتصاد وحسب.

      إنطلاقاً من هذه النقطة، نقول بأنّ سبب التطور في المجتمعات، كما تقول المادية التاريخية، أن تكون الظروف الإجتماعية المحيطة بالمجتمعات مبالغة في تأثير الإقتصاد. لا شك أنّ الوضع الإقتصادي يلعب دوراً كبيراً في حياة الإنسان، لكن أن نقول إنّ الوضع الإقتصادي هو كل شيء في حياة الإنسان مبالغة في الأمر.

      الإنسان يتأثر بالعامل الإقتصادي دون شك، لكن العامل الإقتصادي ليس هو جميع المؤثرات، هناك مؤثرات أخرى في حياة الإنسان، ولذلك ترى إنساناً في طبقة إقتصادية واحدة مع إنسان آخر ولكن يختلف معه في التفكير.

      ونحن شاهدنا في الأنظمة الإقتصادية الحديثة أمثلة كثيرة، فوجدنا في أبناء الثورة السوفياتية تفاوتاً كبيراً، لا في قادة الثورة فحسب لأنهم أبناء ما قبل الثورة، لكن حتى في أبناء الثورة وجدنا خلافات عقائدية ضخمة أدت الى التصفيات والقتل والسجن والإبعاد، كما حصل مع الثورة الفرنسية أو أي ثورة أخرى..

      فلو كانت الطبقية، أو وحدة الطبقة، هي التي تكوّن الفكر الموحد، وبالتالي تنفي الصراع الطبقي في التاريخ، لما حصل ذلك. تاريخهم مليء، بالأمس كان "ستالين" و"فيريام" و"ماريكوف"، وكانت مؤثرات أخرى وشخصيات أخرى..

      والعكس أيضاً هو الصحيح، فالإنسان يوجد في الطبقات الإقتصادية المتفاوتة تشابهاً في التفكير. "روبرت أوين" البريطاني، الذي يسمى بـ"أبو الإشتراكية في العالم"، كان رأسمالياً يملك الكثير من أسهم المصانع، وهو الذي وضع قوانين لتحديد ساعات العمل، ولمنع الأطفال من العمل، ولإعطاء بعض الحقوق للعمال، وهو رجل ليس من أبناء الطبقة البروليتارية.

      إذاً، ليس الفكر الإقتصادي وحده يكون الفكر والإيديولوجية والمصطلح وخط السلوك الخ.. بل هناك عوامل عديدة، لا شك أنّ الإنسان وليد بيئته، فالمؤثر في العامل الإقتصادي تؤثر فيه عوامل أخرى، ومن جملة العوامل الأخرى درجة الحرارة والرطوبة والقرب من البحر والبعد عنه، والعوامل العائلية.

      ونحن لا يمكننا أن نتجاهل عامل الوراثة والدعوات الروحية، ونحن لا يمكننا أن نقول إنّ النبي محمداً (ص) لم يؤثر في تاريخ العالم، ومهما حاولنا أن نعطي تفسيراً مادياً لمحمد ولحركته نكون قد بالغنا وتصرفنا في التاريخ حسب ذوقنا ورغبتنا، ذلك أنّ حركته لم تكن حركة إقتصادية محضة وإنما كانت حركة روحية تؤثر في خلق الإقتصادي المكي والمدني.

      لا يمكننا أن نفسر جميع العوامل المؤثرة في حركة التاريخ في عامل إقتصادي محض، بل هناك عوامل أخرى ترجع لطموح الإنسان ولأهدافه وللرغبات السامية لدى الإنسان أثرت في تكوين المجتمعات من هنا وهناك.

      وهكذا بالنسبة للمنطق، نحن نعرف المنطق الديالكتيكي أو المنطق القديم أو ما نسمّيه بـ"منطق أرسطو".

      علماء المسلمين استعملوا هذا المنطق أو ذاك كأسلوب للتفكير ورأي في المنطق، بإمكانكم أن تستندوا الى هذا المنطق أو ذاك، إذا اقتنعتم بهذا أو ذاك، في ذهنية التفكير.

      من باب المثل: من أسس المنطق الديالكتيكي صد التضاد.. وله وجود فعلي يسمّى بالكسر، وهذا الوجود، أو هذه الظاهرة، تنمو خلالها عكسها وضدها، وذلك نسمّيه اليوم بـ Antithese، ينمو Antithese على حساب These..

      تدرجياً يقضي Antithese على These. كذلك Antithese من خلال الصراع إنتصر وتغيّر وجرّب. مما يؤدي أنّ الحكم في المستقبل ليس Antithese لأنه متطور نسمّيه بـ Synthese فيحكم هذا في المستقبل مع التغيرات التي جعلت من These على Antithese.

      هذا أحد المبادئ الأربعة للمنطق الديالكتيكي: أصل التضاد.

      نرجع الى الفلسفة الإسلامية. عندما نقول: الفلسفة الإسلامية نقصد فلسفة المسلمين لا الفلسفة الإسلامية أو الإيديولوجية الإسلامية، إنما علماء المسلمين قالوا: آراء المسلمين على ضوء الإسلام.

      في الفلسفة الإسلامية مبدأ باسم أنّ كل موجود مادي مؤلف من صورة ومن مادة، أو بتعبير آخر من هيولى وصورة.

      الصورة هي الحالة الفعلية لشيء تماماً مثل These فكل شيء يحمل حالة استعداد للصيرورة، هذا التمكن والإمكانيات في ذات الشيء يسمى بالقوة أو بالهيولى. والموجود في حركة دائمة بين الصورة والمادة. فمع كل مرحلة تتحول الصورة الى المادة فتصبح الصورة مادة ثانية تعمل مادة أخرى وتتحول بطريق التطور كما يقول صدر الدين الشيرازي وبطريق الخلع واللبس كما يقول ابن سينا.

      مثلاً البذرة، حبة القمح، هي جامدة لا تتحرك شيئيتها أو صورتها بأنها قمح أو These ، ولكن حبة القمح تصلح لأن تتحول الى سنبلة، ولكن حتى تتحول الى سنبلة تحتاج الى شروط مناسبة. إذاً، حبة القمح لها شيئية أخرى غير أنها حبة القمح. الشيء الثاني يسمى مادة بالهيولى، فتحول الحبة الى سنبلة يسمى بالقوة.

      الإنفصال الذي قاله فلاسفتنا هو نفسه الذي قاله الديالكتيكيون إنما بشكل آخر وهكذا..

      إذاً، مبادئ الديالكتيك بشكل آخر تجد في سبيل الفلسفة أو المنطق المستعمل سابقاً. وبإمكان الفكر الإسلامي أن يختار منطقاً من هنا وهناك، وانتخاب الفكر الإسلامي بخضوعه لمنطق أرسطو أو بخضوعه لفلسفة Idialisme تجنٍ. بإمكان الفلسفة الإسلامية أن تعتمد منطق أرسطو وبإمكانها أن تعتمد منطق الديالكتيك.

      إذاً، الإسلام مبدئياً في موقفه وتفسيره للتاريخ لا يقبل أنّ الإقتصاد هو المحرك الوحيد بل يقول إنّ هناك عوامل كثيرة تحيط بالإنسان وبالحكام وبالشعب وتؤثر في تطوير الدولة.

      وعلى صعيد المنطق، ليس المنطق الإسلامي هو منطق أرسطو، بل استُعمل منطق أرسطو من قِبل بعض العلماء المسلمين، كما استُعمل المنطق الجدلي بأصوله المتنوعة من قِبل بعض علماء مسلمين آخرين.

 

ب) الإقتصــاد:

      بالنسبة للبحث الثقافي، كنا نتحدث عن الإقتصاد الإشتراكي، طبعاً لا بد أن نضيف:

      نحن في البحث الثقافي، ولا سيما عندما نتحدث عن الإقتصاد في الإسلام، أنّ الإقتصاد اليوم يُستعمل بمعنيين: علم الإقتصاد والمذهب الإقتصادي.

      جواباً على السؤال نقول هذا الكلام. إنّ علم الإقتصاد، علم جديد. مؤخراً أُسّسس، وُضعت له قواعد، وكُتب فيه. إذاً، لا نقدر أن نقول يوجد علم اقتصاد، ولا ندّعي ذلك. ولكن المذهب الإقتصادي، المسلك الإقتصادي هو المتّبع في حوارنا هذا. يعني الإنسان الذي يقرأ الإسلام، ويطّلع على التدابير الإسلامية حول كيفية إيجاد الثروة، توزيع الثروة، تنمية الثروة، بحيث توفر لكل الناس ما يريدونه من الحاجات التي تساعدهم في تنمية شخصيتهم الإنسانية. عندما يطّلع الإنسان على الأحكام يدرك أنّ هناك خطة وليست صدفة. يعني هناك مذهب، هناك موقف، هناك منطلق إقتصادي في الأحكام الإسلامية. والأبحاث التي نحن نقولها، والباحثون يقولونها، هي تفتيش عن هوية هذا المسلك.

      إذاً، إذا رأيتم أحداً وقد فوجئ بأنّ الإسلام له خطة إقتصادية، ففي الجواب علينا أن نقول: لا ندّعي أنّ هناك علم اقتصاد في الإسلام كما كان علم الفقه في الإسلام، ولكن الباحث في الإسلام يكتشف أنّ هناك خطة واضحة المعالم في جميع جوانبها، هي التي توجه الأحكام الإٍسلامية في الإقتصاد. أقول ذلك لأنه حتى بعض رجال الدين في لبنان، وكثير من المتدينين في العالم الإسلامي، كانوا يقولون إنّ الإسلام ليس له اقتصاد. الإسلام دين الله، ويعتمد في كل مرحلة الإقتصاد المفضّل. وكان هذا العالم الديني يميل الى اعتماد الماركسية مع الأسف في اقتصاده الإسلامي. طبعاً هذا غريب، ولكن أغرب منه أنّ هناك علماء ومؤمنين سابقين اعتبروا أنّ الإقتصاد الإسلامي هو الإقتصاد الغربي، الإقتصاد الرأسمالي. كما نقلت لكم بعض الأحكام في الحلقة السابقة. إذاً، الإسلام بوضوح، عندما نتتبع أحكامه، نجد أنّ له بالفعل خطة إقتصادية وراء كل هذه التدابير المتنوعة.

      تتذكرون أنّ الأصل الأول الذي ركّزنا عليه، والذي هو أهم خطة: معنى الملكية، مفهوم الملكية. أكرر بشكل موجز حتى يرسخ في ذهنكم: الملكية في الإسلام أمانة ومسؤولية. ولذلك، في كيفية التملّك، في أحكام الملكية: حقوق المالك في ملكه، بيع، شراء، منع الربا، منع الإحتكار، الوصية، الميراث، كل هذه الأمور. واضح أنّ الملكية بمعناها الرأسمالي، تعني السيطرة الحقوقية التامة على شيء، هذا لله تعالى في الإسلام. الملكية في الإسلام أمانة: ربنا يكلّف، إبقِ هذا عندك وتصرّف فيك، وحافظ عليه، واصرفه ضمن الخطة المعيّنة المرسومة. أمانة، مسؤولية، وظيفة.

      ثم انتقلنا الى النقطة الثانية، أنّ الأحكام الإقتصادية الإسلامية، والرؤية الإقتصادية الإسلامية، معتمدة ومقترنة بقيم. والسبب أنّ الطموح البشري في الإسلام يتهذب. فكثيراً ما يتنازل عن الملك، ويتنازل عن حقه الشرعي المطلق، ويتنازل عن حاجته الأساسية، من أجل الآخرين. لا لأنه مجنون، بل لأنه يريد أن يكسب رضوان الله، الذي هو أهم. وذكرنا أحكاماً كثيرة.

      أريد أن أختم البحث الأخلاقية المناقبية في الإقتصاد الإسلامي بنقطة طريفة، تدل على عمق التأثير الإسلامي في خلق طموحات أخرى، غير طموح الملكية. الى درجة ما، وقد ذكرت لكم أنّ الجرحى العطشى، كانوا يؤثرون إخوانهم على أنفسهم عندما يقدّم لهم الماء. في الإسلام، آية في القرآن الكريم تقول: {ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً} (الإسراء: 29).

      يعني أنت في عملك، في عطائك، في بذلك، لا تكن بخيلاً. ضم اليد الى العنق، يعني واحد يمسك كل شيء، ولا يريد أبداً أن يعطي لأحد، لا يطلع منه قرش واحد، لا يقدّم لشخص خدمة واحدة، أو كلمة واحدة، هناك ناس كبار أو صغار، بخلاء. لسانهم ليس في خدمة الناس، ولا يدهم في خدمة الناس، ولا مالهم في خدمة الناس. هذا مرفوض.

      ومن جهة أخرى {ولا تبسطها كل البسط}، أيضاً لا تمدّ يدك حتى تهدر كل ما تملك في يدك. هذا أيضاً لا يجوز. يعني واحد ينفق كل أمواله للآخرين {فتقعد ملوماً محسوراً}. هذا في المال. وفي الجهد، أنت تستعمل جهدك لنفسك، كله مرفوض، أو تستعمل كل جهدك لخدمة الآخرين، وتصبح مثل الميت، بيننا ناس من هذا النوع. وبعد ذلك يراجع نفسه، يمرض، يضعف، يسقط، ولا يستطيع أن يتابع العمل. أريد أن ألفت نظركم لهذا الخطر، يعني عمق التربية الإسلامية، في حقل المناقبية، أو ما سمّي بالإيثار، يصل درجة ينهى عنها الإسلام. يعني يبدو أنّ هذا الإنسان الأناني، الراغب في اجتذاب كل شيء، وفي السيطرة على كل شيء، تحت المطرقة الإسلامية، تحول الى موجود يحمّل كل شيء للآخرين. فالنبي يقول: لا! أيضاً أولادك لهم حق، ولبدنك عليك حق أيضاً. هذا كله يدور حول التربية المناقبية. هذه النقطة الثانية.

      النقطة الثالثة: أنّ أرضية الإقتصاد تعتمد على إيديولوجية أيضاً. طبعاً هذا ليس جديداً في الإسلام. ليس منحصراً في الإسلام. كل اقتصاد يعتمد فلسفة، لأنّ الإقتصاد يعتمد العدل في التوزيع، يعتمد الصورة الفضلى للتملّك، يعتمد الأسلوب الأفضل لاقتناء الملك. حسناً، إذا كان الإقتصاد قائماً على فلسفة، يعني يكون له جذور إيديولوجية، إقتصاد منسّق، لأنّ كل الأحكام نابعة من فكرة، وهناك تنسيق بين الإقتصاد، والشؤون والأنظمة الإجتماعية والأخلاقية والسياسية وكل شيء. طبعاً نحن نعرف أنّ الإقتصاد الماركسي، يعني الشيوعية - "ماركس" إسم الرجل - هذا الإقتصاد يعتمد قريناً له في التاريخ. الإشتراكية، أو ما سميناه الإجتماعية Socialiste "سوسياليست"، "سوسياليسم"، وكلاهما يعني الإقتصاد الماركسي الشيوعي، والنظام الإجتماعي الإشتراكي، أو الإجتماعي، كلاهما يُبنى على قاعدة إيديولوجية، هي Materialisme "ماترياليسم"، "ديالكتيك"، المعروفة بـ"المادية الجدلية". يعني المنطق هو المنطق الجدلي المعتمد على المبادئ الأربعة ولا بد أنّ الشباب يعرفون هذه الأشياء، أليس كذلك؟ نحن عادة ينبغي أن نعطي رؤية عن الماركسية بوضوح لشبابنا، ولوحداتنا الثقافية، حتى يطّلعوا على الموضوع. حتى إذا سمعوا يكونوا على اطلاع مسبّق ولا يؤخذوا على حين غرة، يعني مسائل عادية. والمادية يعني الإنكار لما وراء الحس، مادة.

      إذاً، الإقتصاد هناك أيضاً مبني على إيديولوجية، والإقتصاد الإسلامي الذي هو أسبق، بطبيعة الحال قائم على إيديولوجية: الإيمان. لأنه كما قلنا، إذا قلنا بالملكية المطلقة لله يكون الإيمان بالله قبل الملكية. عندما نقيّد تصرّف المالك في ملكه ضمن الخط العام، نلتزم بوضوح صورة ملكية الله للكون، حتى نعرف المناخ. الإنسان في الصيف لا يلبس ملابس شتوية، وإلاّ يتعب. والإنسان بالشتاء لا يلبس ملابس صيفية. مناخ الكون يؤخذ من إيماننا بالله وبصفاته. يعني عندما نؤمن بالله وبصفات الله، نكتشف ما هو المناخ في هذا الكون، وكيف يجب أن نمشي، وكيف نكون منسجمين مع هذا المناخ حتى ننجح ولا نفشل.

      وحكينا في بداية الأبحاث الثقافية في الحازمية، أنه عندما يقول القرآن: {والسماء رفعها ووضع الميزان} يضيف فوراً: {ألاّ تطغَوا في الميزان} (الرحمن: 8). المناخ الكوني، مناخ عدالة، مناخ انضباط، مناخ حساب. إذاً، إذا كنت أنت تريد أن تنطلق وتنجح، فيجب أن يكون عملك قائماً على أساس العدل والإنضباط، والميزان، والتنظيم.

      إذاً، مقارنات الإقتصاد الإسلامي: الأخلاق، المناقبية، وأرضيته، قاعدته، أساسه، الإيديولوجية، كما نحن ندرك بقية الشؤون المختلفة. بالنسبة للمسائل التي ذُكرت سابقاً حول القيمة، والطبيعة، هناك مبدأ أساسي آخر أكثر تفصيلاً من النقاط التي ذكرناها. وموضع نقاش مفصّل في الفقه. المهم التقاط الخط الأساسي لموضوع، وإذا ناقشكم بعض المؤمنين في بعض التفاصيل، ليس المهم التفاصيل. الحقيقة، الأحاديث الثابتة المستفيضة تؤكد أنّ ثلاثاً هي في الشرع سواء. بمعنى أنّ ثلاثة أشياء في الشريعة مثل بعض، أو في الشرع يعني شُرع، يعني مشاع مفتوح لجميع الناس: الماء، والنار، والكلأ.

      الماء معروف. النار أيضاً طاقة، سواء كان الفحم، أو الحرارة، أو البترول. والكلأ والأرض.

      طبعاً، هنا أبحاث طويلة، وكتب بالفقه حول الموضوع. أحب أن أقول: مثلاً مسألة الكلأ، الأرض، كيف يمتلك الإنسان الأرض أساساً؟

      هناك أراضٍ لا تُملك، أراضٍ للدولة، أو أراضٍ للأمة. ما هي الأراضي للأمة، أو للدولة؟ الأراضي التي للدولة: الأنفال.

      الأنفال: رؤوس الجبال، وبطون الأودية، والمناجم، والمراتع العامة. أراضٍ للأمة، لكل المسلمين: الأراضي المفتوحة عنوة.

      يعني عندما احتل المسلمون أرضاً ووضعوا دماءهم ثمناً لاستردادها أو لتحريرها، هذه الأراضي ليست لمن احتلوا، بل هي لكل المسلمين خلال الأجيال. هناك أراضٍ تُملك، الأرض المباحة. هنا بأي وسيلة ممكن أن تُملك الأرض؟ في الفقه يسمّوه التحجير، يعني وضع الحجر، وضع الإشارات، يعني يكلفون شخصاً يروح للصحراء يضع إشارة. هذه الأرض التي وُضعت عليها الإشارات تصبح أرضي، أنا أولى بها من غيري. بالإضافة الى أني لا أملكها بمجرد التحجير. يعني أنا إذا وضعت الإشارات، وسجلت الأرض بدائرة الطابو لن أملك الأرض. متى أملك الأرض؟ من أحيى أرضاً ميتة فهي له. نعم، الإحياء. ما الإحياء؟ يعني سكب الطاقة البشرية على الطبيعة، رجعنا لتحليل القيمة التي تذكرونها. أنه القيمة للأشياء هي تزاوج العمل مع الطبيعة. الأرض أيضاً طبيعة، للجميع. عندما أسكب في الطبيعة طاقتي فأحييها، هذه الأرض تصبح لي. إذاً، ملكية الكلأ، ملكية الماء، ملكية النار، وبتعبير أدق: ملكية الطبيعة كلها، ثابتة عندما تتزاوج هذه الطبيعة مع الجهد البشري. حسناً أنا أحييت هذه الأرض، بنيت فيها بناية عملت بستاناً، زرعت، سنة.. سنتان.. صارت ملكي. تركته! ..(36)

 

ج) المذهب الإقتصادي في الإسلام:

      لا شك في أننا نعلم أنّ الإقتصاد كعلم، هو علم جديد. ولكن الإنسان يتمكن من أن يكتشف، وكما ذكرنا في الحلقة الأولى، أن يكتشف من الأحكام الإسلامية المتفرقة، مذهباً إقتصادياً.

      يعني أنّ الإسلام اختار، بين المذاهب الإقتصادية التي تبلورت في عصرنا هذا، إختار الإسلام طريقة واضحة، جميع أحكام الإسلام الإقتصادية تنصبّ في هذا المذهب.

      إذاً، بعد أن بحثنا في الحلقات الثلاث الماضية، تحدثنا عن بعض أبعاد إقتصادية: مبادئ عامة إقتصادية، مكتشفة من خلال الأحكام.

      اليوم نتحدث وبسرعة عن بعض قضايا فنية، حتى نضع أمامكم معالم هذا المذهب ونكتشف من هذه الأحكام الطريق.

      نحن عندما ننظر الى الأحكام في الإسلام نعرف أنها تنقسم الى قسمين: الأصول والفروع. هذا التقسيم، كان تقسيماً أكاديمياً، لمجرد الإحاطة والتدقيق والدرس. ولم يكن تقسيماً حقيقياً يفرّق بين الأصول والفروع.

      كل الأحكام أصولية أساسية. فكانوا يتحدثون عن الإيمان، حسب التقليد - أرجو الإنتباه الى هذه النقطة ويرتبون عليها آثاراً كثيرة - نحن كبرنا وسمعنا أهلنا يقولون: أصول الدين ثلاثة، وأصول المذهب اثنان، فأصول الدين والمذهب خمسة. أما أصول الدين: فالتوحيد، والنبوة، والمعاد. وأما أصول المذهب: فالإمامة، والعدل.

      كل هذه الترتيبات أكاديمية، لم ترد في القرآن، ولم يمارس الرسول هذا الأمر. حتى أنّ الرسول يبدأ بالأصول أولاً. قولوا: "لا إله إلاّ الله تفلحوا". وبعد فترة تبدأ بالصلاة.

      عندما نراجع القرآن، في أول القرآن: {ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين} (البقرة: 2). ثم يصف المتقين: {الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة: 3). الإيمان بالغيب أصل من أصول الدين، لأنّ الإيمان بالله يعني الإيمان بغير المادة، الإيمان بالروح. ثم فوراً: {ويقيمون الصلاة} (البقرة: 3). بالترتيب الأكاديمي الصلاة ليست من أصول الدين، هي من فروعه. ولكن مَن يسم هذه أصول وهذه فروع؟ كلها "على الرأس والعين" إنتاج علمائنا (رضوان الله عليهم)، للتعليم والتدقيق وللتصنيف، حتى يبوّبوا الكتاب. لا تفرقوا بين هذه الأمور.

      {الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة} (البقرة: 3) هذا فرع من فروع الدين. {ومما رزقناهم يُنفقون} (البقرة: 3) أيضاً من فروع الدين. {والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك} (البقرة: 4). هذه من الأصول، النبوة العامة والنبوة الخاصة. {ما أُنزل من قبلك} هي النبوة العامة. {وما أُنزل إليك} هذه النبوة الخاصة. ثم {وبالآخرة هم يوقنون} (البقرة: 4) أي المعاد فهو يعتبر من أصول الدين.

      أنظروا الى هذا الترتيب والتصنيف، ليس ترتيباً قرآنيا إنما علماؤنا لتسهيل المهمات قالوا هذا ورتبوها هكذا. ويجب أن لا يخلق لنا هذا الترتيب أي نوع من الخطأ في الرؤية.

      القرآن في عدة أماكن يقول، يصف الإسلام، يصف قواعد الإسلام، فيقول: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. إذاً، بإمكاننا أن نقول: الأصول، العقائد، الإيديولوجية، الإيمان هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. سمّها ما شئت! أصول.. فروع.. أنا أعرف أنه على المسلم أن يؤمن بهذه الأشياء. أن يؤمن! {آمنوا}. هي قضية ممارسة. قضية العقيدة والإيمان، قضية معايشة، والمعايشة تطلب دليلاً. إذا قال لك أحدهم: الله موجود. وقلت له "تكرم" فهذا ليس إيماناً، هذا محاباة. الإيمان محتاج للدليل، للقناعة الواضحة، للرؤية.

      إذاً، إذا نحن تحررنا من هذا التصنيف الأكاديمي، ودرسنا، نرى أنّ في الإسلام قواعد، ذكرنا بعضها {ومما رزقناهم ينفقون} (البقرة: 4).

      {ومما رزقناهم ينفقون}، "مما رزقناهم" ليس مالاً فقط، الصحة أيضاً "مما رزقناهم". فالصحيح صحياً عليه أن ينفق من صحته. والذكي، والمجرّب، والعالم، عليه أن ينفق من ذكائه وتجربته وعلمه.

      الحديث يقول: "هل أدلّكم على طريق الجنة؟" يقول الرسول ذلك. قالوا: "بلى يا رسول الله"، قال: "صنّعوا الأخرق". يعني علّموا الصناعة للأحمق، هذا طريق الجنة؟ هل نريد أكثر من طريق الجنة؟ إذا علّمت الأحمق مهنة، الأحمق يقوم مقابل "الأمّي"، أمّي يعني لا يقرأ ولا يكتب، والأحمق يعني مَن لا يتقن المهنة. العرب يسمّونه "الأخرق". إذا علّمنا الأخرق صناعة، فهذا هو الإسلام، طريق الجنة.

      إذاً، قضية الإنفاق، قضية الزكاة، قضية العطاء، قضية شاملة. ليس فقط مالاً. بل علم! تجربة! صحة! شباب! كل شيء حتى نصيحة.

      ثم قال إنّ الزكاة أو الإنفاق ليس من أصول الدين؟ لا إيمان بدون إنفاق. ليس من إيمان بدونه. {أرأيت الذي يكذّب بالدين، فذلك الذي يدعّ اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين} (الماعون: 1-3). ثم الحديث: "ما آمن بالله واليوم الآخر مَن بات شبعاناً وجاره جائع!" حتى ولو لم يكن عليه زكاة. يعني إذا أنا دفعت زكاتي كلها، وجاري جائع وأنا شبعا،، فإذا تجاهلته فلست بمؤمن. مهم! ماذا تعني الأصول؟ مَن لم يزكّ، مَن لم ينفق، مَن يتجاهل شؤون المعذبين، ليس بمسلم. خذ الآيات العديدة في سورة البلد: {ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين، فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة} (البلد: 8-12). تصور! إنه يصف لك الهدف من إعطاء نعمة الله. {وما أدراك ما العقبة، فكّ رقبة} أي تحرير، تحرير الفرد أو تحرير الجماعة.

      اليوم، لا يوجد عبيد بالمفهوم التقليدي، ولكن يوجد عبيد، هناك بلاد واسعة كلهم فيها عبيد، يعني مذلولين، يعني المستعمر، الإقطاع، الجور، السلطان يتحكم فيهم.

      {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} (البلد: 14). إطعام: أي إشباع. {يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة} (البلد: 15 و 16).

      إذاً، مسألة الزكاة، مسألة الإنفاق هي أولاً شاملة، وثانياً أساس، أصول.. لا إيمان بدونها.

      وفي سورة المدّثّر آيات أخرى: {قالوا ما سلككم في سقر، قالوا لم نكُ من المصلّين، ولم نكُ نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذّب بيوم الدين} (المدّثّر: 42-46). أربعة أمور:

      1- {لم نكُ من المصلّين} فمن يقول إنّ الصلاة ليست من الأصول. مَن لا يصلي فهو في سقر، يعني النار.

      2- {ولم نكُ نطعم المسكين} هذا الإطعام.

      3- {وكنا نخوض مع الخائضين} اللهو، الإلتهاء، عدم الجد، عدم الممارسة، إهمال الجهد، إفراغ الحياة من العمل: هو أيضاً كفر.

      4- {وكنا نكذّب بيوم الدين} القيامة، المعاد.

 

      وفي سورة "المؤمنون"، أول سورة "المؤمنون": {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون}. أنظروا الى الجدية، الإعراض عن اللغو. الجدية أصل من أصول الدين، يعني الإبتعاد عن اللهو، الإبتعاد عن الباطل، الإبتعاد عن الهدر، عدم البطالة. نفس الأركان الواردة في سورة "المدّثّر": الصلاة، الإعراض عن اللغو، الزكاة.

      إذاً، عندما نقرأ الأحكام الإسلامية، نجد في الأساس وفي العمق مسألة الإنفاق. والإنفاق أساس أولاً، وشامل ثانياً. ليس لي أن أقول: أنا لا أملك مالاً، فالزكاة ساقطة عني. إذاً أنا لا أملك المال، فأنا أملك الصحة، أملك القوة الجسدية، أملك التجربة، أملك الثقافة، أدلّ على الطريق، بإمكاني أن أقدّم.

      إذاً، بشيء من عمق الرؤيا بالنسبة للإنفاق، وهو الأساس الشامل، نرى أنّ الإسلام يرفض أن يكون الإنسان يجتذب لنفسه ويأخذ لنفسه دون أن يشرك الآخرين.

      أرجو الإنتباه لهذا التعبير: {ومما رزقناهم ينفقون}، يعني بنفس الوقت الذي يأتيك رزقك من الله، مالاً أو صحة أو علماً. بنفس الوقت عليك أن تعطي. أريد أن أبيّن هذا الشيء لكي أعود الى مسألة الصراع المطروح لدى الماركسية.

      أول قاعدة مستفادة من الأحكام: إنّ الطموح، طموح الإنسان، ليس بالإكثار من الرزق، من المال، من الجاه، بل طموحه بالأخذ والتوزيع {مما رزقناهم ينفقون} هذا هو الطموح، يعني الهدف، وهذا من الأصول.

      ننتقل الى الأحكام الإقتصادية الأخرى، فنرى الى جانب الزكاة وأهميتها، زكاة الفطرة، زكاة المال، زكاة الأغنام، الأرباح، نجد طبعاً الخمس.

      الخمس يقرّه الفقه الشيعي ويؤكد عليه، ويختلف في ذلك مع بقية المسلمين الذين يقولون إنّ الخمس الواجب هو خمس الغنائم الحربية. أما الشيعة فيقولون الخمس لكل غنيمة، حتى غنيمة التجارة، يعني حتى ولو ربح في تجارته. كل مَن غنم، كل مَن ربح شيئاً، مَن كنز، أو معدن، أو غوص يعني في البحر، أو تجارة، أرباح المكاسب، ففيها الخمس.

      هذا نوع من الزكاة، وله أحكام خاصة. ولكن لا تقلقوا من أنّ هناك فرقاً بيننا وبين الغير: نحن نقول بالخمس والغير يقول بالزكاة! لا! الخمس نوع من الزكاة.

      الزكاة صدقة المال. الضرائب المتوجبة على المسلم لأجل تحرير الطبقات هو الزكاة. وحول الزكاة بالذات، بحث خاص وطويل، أشير إليه بشكل سريع:

      الزكاة من المكلف الى الفقير. ولكن مَن هو الفقير؟ هو مَن لا يملك قوت يومه وقوت سنته فعلاً أو قوة.

      ما هو القوت؟ يختلف! اليوم إذا كان أحد لا يملك ثمن سيارة، أجرة سيارة من هنا الى القرية فيضطر أن يذهب سيراً، فهو فقير، لأنّ شؤون الحياة تستلزم أن يركب سيارة. بينما في ما مضى لم تكن السيارة أو أجرتها من شؤون الإنسان العادي. هذا كان ينتقل سيراً أو على الدابة. في ما مضى لم يكن نوع الخبر، الكهرباء لإضاءة البيت، من المستلزمات المطلوبة اليوم. كل وقت له مستوى. وبعبارة أخرى المستوى العادي لحياة المواطن هو متغير.

      كل مَن يكون مستوى حياته، أقل من مستوى حياة الإنسان العادي، هو فقير. الفقير اليوم، قد يكون أفضل حالاً من غني قبل ألف سنة، يعيش أفضل منه. الذين نسمّيهم نحن الآن بالفقراء، مَن هم؟ ماذا يلبسون مثلاً؟ نحن نلبس الآن، وكلنا والحمد لله فقراء، ملابس لم تكن تتوفر لكبار الأغنياء قبل مئة سنة، ملابس جميلة ونظيفة، من الصوف. مستوى الحياة يتغير، ومستوى الفقير يتغير.

      إذاً، عندما نقول الزكاة، نعني عطاءاً من الغني الى مَن هو دون مستوى الحياة العادية، وكل ما يتقدم الإنسان تتوسع دائرة الفقر النسبي التي تتعلق بها الزكاة، أذكر لكم حديثاً وأنتقل من هذه النقطة.

      يسأل أحدهم الإمام الصادق (ع): أنا أعطي زكاتي لفلان.. ولكني رأيته يشتري اللحم.. فهو ليس فقيراً؟ أي أنه استكثر اللحم على الفقير الذي يعطيه من زكاته. طبعاً في ذلك الحين اللحم لم يكن متوفراً لكل الناس.

      فالإمام قال له: "أنفق عليه، لينفق على عياله، ليلحقهم بالناس". لاحظوا دقة التعبير. الإختلال بالمستوى الإنفاقي، ليس الطبقي. في الإسلام بإمكانك أن تعطي هؤلاء الناس حتى يرتفع مستوى الإنفاق المطلوب. أي يرتفع مستوى هذا الفقير حتى يكون بمستوى سائر الناس. يعني أنّ ما يكون مدخوله أقل من معدّل الدخل الفردي في المجتمع.

      إذاً، الزكاة وهي الشاملة لكل شيء وهي أساس، هي متطورة: سبيلها يختلف، غاياتها رفع مستوى مَن هو دون المعدّل الى المعدّل. يعني تعديل وتقارب بين مستوى الحياة لدى البشر.

      مع العلم أنّ نوع مصروف الزكاة يختلف. سابقاً كنا نتصدق. اليوم يمكن أن نترجم الزكاة على شكل: الضمان الإجتماعي، تأمين الطب الإجتماعي، المدرسة المجانية، إدارة الأيتام، المؤسسات المهنية، هذه الأمور. ممكن تنفيذ الزكاة بشكل متطور. هذا بحث طويل حول الزكاة. مكتوب عند بعض الباحثين.

      النقطة الثانية: بعد الزكاة، عندما نتبصّر، نرى الإسلام يحرّم أشياء ويحلّل أخرى. يحرّم الربا. ما هو الربا؟

      الربا نوعان: الربا في القرض، والربا في البيع.

      الربا في القرض: هو كل قرض يجرّ نفعاً. يعني أنا آخذ منك عشر ليرات وأعيدها إحدى عشرة ليرة بعد يوم، بعد شهر، بعد سنة. آخذ منك عشر ليرات لأعطيك عشر ليرات وأبني لك غرفة، هو ربا أيضاً. آخذ منك عشر ليرات لأعطيك عشر ليرات وأرسم لك طيارة، أو أعلّم لك إبنك، أو أقدّم لك خدمة، هو ربا.

      كل قرض يجرّ نفعاً فهو ربا. يعني المال النقد، العملة، لا ينجب، لا يعطي زيادة. وإذا كنت تريد أن تأخذ زيادة عن المال فهو حرام.

      ولكن المال يعطي ربحاً غير ثابت، ربحاً مقترناً بمخاطر "ريسك". يعني إذا أخذت منك مالاً، ألف ليرة مثلاً، ثم اشتغلت تجارة، فربحت مئة ليرة من هذا الألف، حسب التعاقد أعطيك خمسين ليرة أو ثلاثين ليرة أو ستين ليرة وآخذ الباقي. هذا الذي يسمى أحياناً في لبنان "شريك مضارب".

      ولكن، إذا أخذت الألف ليرة منك، وتريد أن تأخذ نسبة محددة، مبلغاً محدداً ثابتاً، يعني كل شهر تأخذ مبلغاً محدداً: خمسون ليرة، مئة ليرة. هذا حرام. العملة لا يمكن أن تنجب.

      أما إذا اشتغلت بالمال، إمتزج العمل بالمال، فبإمكانك أن تأخذ ربحاً.

      ما هو الفرق؟ أنت صاحب المال لم تشتغل على كل حال. في الحالة الأولى لم تشتغل وفي الحالة الثانية لم تشتغل، ولكن أنا الذي أشتغل. الفرق هو الثبات، ليس للمال أن ينجب دخلاً ثابتاً. يحق له أن يربح إذا كان مهدداً بالخسارة.

      يعني، أنت الذي تقدّم مالك كشريك مضارب، إذا أنا خسرت فالخسارة منك أيضاً. فعملتك ربما لا تعطي شيئاً، وربما تعطي مئة، وربما تخسر عشرة. هذا الذي يجوز.

      إذاً، النقد، المال لا يحق له أن يربح دخلاً ثابتاً. يحق له أن يربح ربحاً، متغيراً مهزوزاً، مقترناً بمخاطر. وعندما اشتغل بمالك، بإمكانك أن تعطيني أجراً بالشهر محدداً: مئة ليرة، خمسمئة، ألف، سواء ربحت أم خسرت، يحق لي أن آخذ مبلغاً ثابتاً. ويحق لي أن آخذ ربحاً متغيراً. يعني أنا إذا أخذت المال منك يمكن أوزع الربح. فحلال لي أن آخذ الربح أيضاً.

      هناك فرق بين المال والعمل، العامل يأخذ ربحاً ثابتاً، ويأخذ ربحاً متغيراً. المال لا يأخذ ربحاً ثابتاً، يأخذ ربحاً متغيراً.

      هذا المال إذا تحول الى آلة، سابقاً كانوا يستعملون البقر، أو جهازاً للحرث، لا يجوز إعطاء حصة للبقر أو لجهاز الحرث. يحق له أن يأخذ، أن أعطيه دخلاً ثابتاً. أحدد للثور مبلغاً ثابتاً، وكذا لجهاز الحرث مبلغاً ثابتاً. أجرته عشر ليرات مثلاً.. خمس ليرات..

      هنا، ومع التطور أضع أمامكم الصورة التالية: الآلة، كل آلة: ماكينة، سيارة، وسائل النقل، وسائل الإنتاج: الآلة. الآلة لا يحق لها المشاركة في الربح، بل لها الأجر الثابت. المال عكس هذا، لا يحق له الأجر الثابت، يحق له المشاركة في الربح، العمل، كلاهما يحق له الأجر الثابت، ويحق له المشاركة في الربح.

      إذاً، في عوامل الإنتاج وعناصر الإنتاج أهم العناصر هي:

-   العمل: الذي يحق له الأجر الثابت، ويحق له المشاركة في الربح.

-   المـال: لا يحق له الأجر، لأنّ هذا ربا ويحق له المشاركة في الربح.

-   الآلـة: يحق لها الأجر الثابت، ولا يحق لها المشاركة في الربح.

      هذه العناصر الثلاثة في الإنتاج. لماذا نتكلم عنها؟ نستخرج من هذا البحث الفني السريع الموجز أنّ أهم عوامل الإنتاج في الإقتصاد الإسلامي هو العمل، أهم من المال وأهم من الآلة.

      فالعنصر الأول في الإنتاج الإسلامي ليس المال أو الآلة، بل العمل. وهذا له استنتاجات إقتصادية كثيرة وأوسع، سنتكلم عنها مستقبلاً.

 

 

 

 

 

 



      (1) من الضروري هنا أن نلفت نظر القارئ العزيز الى الفرق بين "علم الإقتصاد" و"المذهـب الإقتصـادي" كـي تتضـح المسألـة تمامـاً:

      "المذهب الإقتصادي" يعني الطريقة والأسلوب، فيما يعني: علم الإقتصاد، دراسة وتحليل القوانين الإقتصادية. وبعبارة أخرى إنّ المذهب الإقتصادي هو كل قانون ودستور في الحياة الإقتصادية يستند الى العدالة الإجتماعية. أما علم الإقتصاد فهو الذي يدرس القوانين الإقتصادية بالمقاييس العلمية والمادية دون أدنى علاقة بمسألة العدالة وغيرها من المسائل المشابهة.

      فعلى سبيل المثال: إنّ البحث حول العوامل والأسباب التي تؤدي الى زيادة الإنتاج أو قلّته، وكذلك قانون العرض والطلب، وقانون تحديد الأجور، يعدّ من شؤون من شؤون علم الإقتصاد، ولكن عندما تأخذ هذه المسائل صبغة عملية وتكون موضع تأييد أو رفض أحد المذاهب الإقتصادية، فإنها تعدّ من قوانين المذهب الإقتصادي. أي لا يوجد مذهب إقتصادي ينظر الى مسألة الإنتاج من زاوية القوانين العلمية والمقاييس المادية، وإنما يبحث مثلاً في مسألة "هل يجوز" و"هل من العدالة" أن نضع وسائل الإنتاج تحت تصرف الحكومة؟ أو ما هي الطريقة العادلة لإنتاج الثروة وتوزيعها وحل المشكلات الإقتصادية للإنسان.

      إثر هذا الخلط والخطأ بين "علم الإقتصاد" و"المذهب الإقتصادي"، ظن البعض أنّ الإسلام لم يأتِ بنظام إقتصادي، وأنّ الإعتقاد بوجود اقتصاد إسلامي ليس إلاّ ضرباً من الخيال، لأنهم لم يجدوا في الإسلام بحثاً علمياً بحتاً حول الإقتصاد وتوزيع الثروة كأبحاث علماء الإقتصاد التقليديين أمثال "آدم سميث" و"ريكاردو"! في حين أنهم لو التفتوا الى الفرق بين هذين الموضوعين لما ظنوا مثل هذا الظن، ولأشادوا بالإسلام لأنه طرح مذهباً ومنهجاً إقتصادياً عادلاً يعدّ جزءاً من عقائد وقوانين هذا الدين المقدس.

 

      (2)  نُشرت  بحوث الكتاب أولاً بصورة مقالات متتابعة في إحدى المجلات الفكرية التي كانت تصدرها الحوزة العلمية في مدينة قم، وقد حملت عنوان "الإقتصاد في المدرسة الإسلامية".

 

      (3)  ما دامت الطبقة العاملة، أو "البروليتاريا"، التي تشكّل في النظام الرأسمالي طبقة معيّنة، أسيرة النظام الرأسمالي، فإنها لا تستطيع رفع مستواها المعيشي أكثر من الحد المنظور لها. وطبقاً لقانون تحديد الأجور، يجب أن لا تتجاوز أجور العمال المقدار الضروري لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

 

      (4)  من خلال تفوقهم الفكري والعقلي دعَوا عامة الشعب والحكومة الى تسهيل سبل كسب المال والذهب، وكانوا يطرحون الأفكار الكفيلة بذلك، معتقدين بأرجحية المال والتجارة على الزراعة والصناعة. ثم عُرفت آراؤهم بـ"المذهب الإقتصادي المركانتلي" (التجاري).

 

      (5)  "الفيزيوقراطيون" مجموعة من المفكرين الذين اتفقوا في الأصول، وبرزوا الى مسرح الأحداث نتيجة الفوضى وعدم وجود نظام إقتصادي واضح. ومن شخصياتهم المعروفة الدكتور "كونيه" الذي عُرف بشعاره القائل: "مسكينة تلك الدولة التي يكون فلاحوها من الفقراء والمحرومين.

 

      (6) من أجل دراسة النظام الرأسمالي، لا بد من التطرق الى القوانين الأساسية الحاكمة على التحول الإقتصادي الرأسمالي:

‌أ)       النفعيـة: نعلم بأنّ الإقتصاد الرأسمالي إقتصاد "قاسم على السوق"، أي أنّ الإنتاج الرأسمالي هو السلعة، وأنّ هدف المنتج هو بيع الناتج، ولا يقدّم المنتج هذا العمل خدمة للمجتمع الإنساني بل من أجل كسب شيء نسميه "الربح".

‌ب)     المنافسـة: تتوقف سهولة بيع الناتج على وضع "الطلب"، وهذا بدوره يتحدد في ضوء القدرة الشرائية. في حين لا يتم فرض مثل هذا القيد على الإنتاج. وهكذا، تقوم المنافسة بين أرباب العمل الرأسماليين من أجل الحصول على "الطلب". ويحاول كل رب عمل قدر الإمكان أن ينتزع المشتري من زميله، وأن يمسك السوق بيده ويشبعه بمنتوجاته، وأن يطرد منافسيه من الساحة.

‌ج)      المركزيـة: من أجل أن لا يطرده منافسوه من السوق، ومن أجل أن يبيع كل إنتاجه، لا بد لكل رأسمالي أن يخفّض ثمن سلعته، ولا بد أن يعمل على توسيع نطاق تشكيلاته، الأمر الذي يستدعي توظيف مزيد من الأموال، وكذلك خروج الرأسماليين الذين لم يتمكنوا من الصمود، أو لم يريدوا ذلك من ساحة المنافسة. وعليه، تتركز أدوات الإنتاج ومن ثم المنتوجات بيد فئة معدودة أكثر فأكثر.

‌د)      إنخفاض حصة الربح: طبقاً لقانون المنافسة، يسعى الرأسماليون دائماً لانتزاع الأسواق من يد منافسيهم. ومن أجل ذلك يسعى كل واحد منهم لزيادة إنتاجه ليستطيع أن يعرض منتوجه بثمن أكثر ملاءمة من أثمان زملائه، الأمر الذي يؤدي الى المركزية والى انخفاض مقدار الفائدة (حصة الربح) في الوقت نفسه.

      ونفهم من ذلك أنّ الربح هو القوة المحركة للإقتصاد الرأسمالي، وأنّ البحث عن الفائدة والمنفعة بين الرأسماليين يؤدي الى بروز المنافسة، التي بدورها تدفع كل رأسمالي نحو توسيع نطاق تشكيلاته وإزاحة منافسيه من الساحة، وهذا ما يؤدي في النهاية الى المركزية. ثم تستمر الحالة النفعية عبر تشكيلاتها العملاقة بالمنافسة فيما بينها داخل البلد الواحد، أو ما بين عدة بلدان مختلفة. وفي النتيجة تقوم هذه التشكيلات بزيادة كمية إنتاجها عبر استكمال وسائل الإنتاج، وتؤدي هذه الزيادة تلقائياً الى انخفاض الربح.

      في هذه الحال، يجب على الرأسمالي إما أن يذهب أبعد من قانون تحديد الأجور، ويخفّض أجور العمال الكادحين الى أدنى من مستوى الكفاف، ويزيد من ساعات العم، ولا ينتج هذا الأمر غير البطالة، وتمرد العمال، وتدمير أساس الرأسمالية، وتفجّر ثورة الكادحين ، وقيام حكومة البروليتاريا على أنقاض الرأسمالية. وإما أن يحدد سقف الإنتاج، عبر تشكيل مؤسسات إحتكارية، ويحافظ بذلك على الربح. وهنا يعيش المجتمع حالة من الركود والإضطرابات الإجتماعية التي لا يمكن الخلاص منها إلاّ بالقضاء على الرأسمالية وإزالتها.

      وهكذا، فإنّ الربح الذي يشكّل القوة المحركة للإقتصاد الرأسمالي يعدّ في الوقت نفسه إحدى نقاط ضعفه.

      ومن جهة أخرى، نستطيع أن نعتبر الرأسمالية، في منظار عالمي، قاعدة وأساساً للعدوان والممارسات التوسعية، وأن نعتقد في نهاية المطاف بخروج الممارسات التوسعية من الإطار الإقتصادي الى الإطار السياسي، لتنتهي الى الإمبريالية، وتكمن هذه النتيجة في طبيعة وجوهر هذا النظام.

      وطبقاً لما يقوله "بيار ريمبر"، فإنّ "الرأسمالية تحمل الحرب في داخلها مثلما يحمل السحاب الصاعقة والعاصفة" (الإشتراكية، ص: 76).

      وبالإلتفات الى الموضوعات التي ذُكرت أعلاه، ومع الأخذ بنظر الإعتبار الجرائم والمفاسد الأخلاقية والإجتماعية التي تنشأ اليوم من المعسكر الرأسمالي الغربي، يتضح جيداً أنّ الرأسمالية عاجزة عن حل المشكلات الإقتصادية للشعوب، بل إنها من أشد النظم الإقتصادية رجعية وخواءاً، وقد ترافقت دائماً مع الظلم والإستغلال والإعتداء على حقوق الإنسان، حتى أصبحت الآن مرفوضة في معظم دول العالم، أو أنها في حالة الإحتضار، ولم تعد قادرة على التقدم. وبموازاة الحركات التحررية التي تخوضها الشعوب ضد الإستعمار والإمبريالية، سيزول النظام الرأسمالي بكل آثاره المشؤومة الأليمة عن مسرح الحياة الإنسانية.

 

      (7)  المقصود من Plus – Value، أو فائض القيمة، الربح الناتج من بيع سلعة بعد تأمين كافة مصاريفها..  

      وتوضيحه: أنّ رأس المال الذي يجري توظيفه في منظومة ما يقسم الى قسمين: القسم الأول: يوظف لتوفير الوسائل، والأبنية، والمواد الأولية. والقسم الثاني: يصرف كأجور للعمال. وإذا قبلنا بتعاريف "ماركس"، نسمي القسم الذي يوظف من رأس المال لتوفير الوسائل والبنايات والمواد الأولية "رأس المال الثابت"، ونرمز إليه اختصاراً بالحرف (ث)، ونسمي القسم الذي يصرف كأجور "رأس المال المتغير" ونرمز إليه اختصاراً بالحرف (م). وبذلك يكون (ث + م) مجموع رأس المال الذي يتم توظيفه في مؤسسة إنتاجية، وهو ما يسميه "ماركس" بـ"التركيب المنظم لرأس المال".

      وتنقسم قيمة كل سلعة الى قسمين أيضاً، الأول: قيمة "العمل السابق": "المواد الأولية والطاقة واستهلاك الآلات والبنايات". والثاني: "قيمة العمل الجديد"، أي العمل الذي يجب القيام به حتى تتحول المادة الأولية الى سلعة.

      وبدورها تنقسم "قيمة العمل الجديد" الى قسمين، الأول: الرأسمال المتغير (الأجور)، والثاني: "القيمة الفائضة" التي ليست إلاّ مجموع الربح. ويعتقد "ماركس" أنّ رأس المال المتغير والعمل الجديد يتحققان بواسطة العمال الذين ينتجون القيمة الفائضة التي يسرقها رب العمل الرأسمالي.

 

      (8)  إتّباعاً للعالم الإقتصادي التقليدي "ريكاردو"، يرى "ماركس" العمل أساس القيمة التبادلية للسلعة. ومن هذه الرؤية الإشتراكية بأنّ الربح الذي يضاف الى الأثمان والتكاليف في سوق التبادل (القيمة الفائضة) هو من نصيب وحصة العامل، ولكن الرأسمالي يسرقه منه، وإنّ هذه السرقة لا تؤدي إلاّ الى الإختلاف الطبقي والتناقض الإقتصادي. ومن أجل القضاء التام على الطبقية وتغيير وضع المجتمع الى مجتمع الطبقة الواحدة، لا بد من إقامة النظام الإقتصادي الإشتراكي على أساس القواعد الأربع التالية:

1-  إشتراكية وسائل الإنتاج.

2-  إحلال الملكية العامة بدل الملكية الخاصة.

3-  محـو الطبقة.

4-  أن يتم التوزيع على أساس قانون: "من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله".

      وهنا لا بد من الإلتفات جيداً الى النقاط التالية:

      أ) ترى الإشتراكية الماركسية العامل الإقتصادي، الأساس الوحيد لكل التحولات، ومن ثم ترى أنّ السبيل الوحيد لمحو الطبقية يكمن في تحسين الوضع الإقتصادي وتوزيع الثروة بشكل عادل. في حين أننا نعلم ونرى بوضوح أنّ هذه النظرية لا تصح دائماً ولا تنطبق على كل مكان.

      وما أكثر الإختلافات والفوارق الطبقية التي تنشأ من جذور دينية وسياسية أو عسكرية.

      وبناءاً على هذا ليس صحيحاً أن نعتقد بأنّ إلغاء الملكية الخاصة، وحصر وسائل الإنتاج بيد الحكومة العمالية يعني محو الإختلافات الطبقية، بل يمكن أن تظهر في إطار المنظومة الإشتراكية فوارق طبقية جديدة على أساس آخر.

      ب) طبقاً لقاعدة "لكل حسب عمله" في النظام الإشتراكي ونظرية "ماركس" القائلة: القيمة = العمل المنجز، لا بد لكل شخص أن يمل ويأخذ ربحاً من الإنتاج، ولكن نظراً لتباين الأشخاص من حيث الإستعدادات الفكرية والبدنية، يكون هذا القانون في مرحلة التطبيق أساس الإختلافات الطبقية الجديدة. فعلى سبيل المثال: هناك عامل لا يستطيع أن يعمل أكثر من ست ساعات في اليوم، في حين أنّ عاملاً آخر يستطيع أن يعمل عشر ساعات، أو أنّ عاملاً قادراً على الإبداع والإبتكار يستطيع أن يوظف ذلك في حركة الإنتاج ويرفع قيمة السلعة المنتجة الى الضعفين، ولكن غيره قد لا يملك مثل هذا الإستعداد. وفي هذه الحالة لا يستطيع النظام الإشتراكي أن يساوي بين عامل يصنع الأدوات الكهربائية وبين آخر يعمل جمّالاً، بل يجب أن يفرّق بينهما طبقاً لقانون "القيمة = العمل المنجز) وتدفع أجور أقل للعامل البسيط لأنه خلق قيمة أقل.

      يقول أحد قادة المذهب الإشتراكي: "يستحيل أن نستطيع من الناحية العملية تطبيق المساواة المطلقة، وننظر الى إنتاج المفكرين والسياسيين والمخترعين في مستوى عمل بسيط، لأنّ هذا الأمر سيقود الى الجمود الفكري وإلغاء الحياة الفنية والعقلية". ("إقتصادنا"، ج: 2، ص: 216)

      وبناءاً على هذا، ليس أمام الحكومة في النظام الإشتراكي غير خيارين: إما أن تطبق نظرية "لكل حسب عمله" بحذافيرها على صعيد التوزيع الخارجي، وهذا ما يؤدي الى نثر بذور الفوارق الطبقية الجديدة نظراً لاختلاف الأعمال وتباين الأثمان والقيم تبعاً لذلك.

      وإما أن تطبّق المساواة بشكل غير عادل بين العمل البسيط والعمل المركب، والعامل البسيط والعامل الماهر، وتلغي دور المواهب والكفاءات والعلوم، وتسرق القيمة الفائضة التي يخلقها العامل الفني الماهر بدل أن يسرقها الرأسماليون. وهذا ما لا ينسجم مع أصول الإقتصاد الإشتراكي أيضاً.

      ج) قبل أكثر من مئة عام أي في عام 1848 صدر البيان الشيوعي الذي يعدّ أشهر وثيقة إشتراكية، وقد وقع "ماركس" تحت تأثير الأوضاع التي كانت سائدة في بلدان الغرب آنذاك والسلوك الأوروبي العام في حرية الملكية بشكل مطلق، والرأسمالية والنظام الذي لم يكن يعدّ العامل شيئاً، ودرس في كتابه قيمة العمل بشكل مبالغ فيه، حتى أنه لم يأخذ بالحسبان أي فرق بين قيمة المواد الأولية في الطبيعة وبين مسألة كثرة (أو قلة) السلعة وموضوع العرض والطلب. ورأى ميزان القيمة في مقدار العمل المتجسد فقط، ولذلك لا يمكن اعتبار هذه النظرة إلاّ فرضية ذهنية لا تتفق مع الواقع، ولا يمكن أن تكون أساس نظام إقتصادي راسخ.

     

      (9)  لا تملك "المالتسية" أي رصيد علمي، مضافاً الى أنّ لها جذوراً إستعمارية. وكان "مالتس" نفسه عميلاً للإستعمار البريطاني.

      ولكن يتضح الموضوع، يكفي أن نعلم بأنّ أكثر من 20 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم ليست مزروعة، وأنّ هذه الأراضي تشمل أراضي قابلة للإنتاج مع أبسط وأسهل الأساليب والفنون الزراعية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ قيمة المنتجات الأًصلية التي تتحقق من الزراعة كانت دائماً أقل من قيمة المنتجات الصناعية. وهنا يظهر للعيان الهدف الأول للإستعمار، لأنه هو الذي أوجد مثل هذا الفرق الشاسع والشرخ العميق بين المنتجات الصناعية والمنتجات الزراعية، وجعل الأخيرة حقيرة متدنية، وأصبح سبباً لعدم استخدام الأراضي استخداماً صحيحاً.

      وينتقد "جوزيه دو كاسترو" معادلة "م وغت"، المتحدث باسم "المالتسيين"، التي هي عبارة عن نظرية "مستوى نظرية الحياتية للتربة"، ويقول: "ليس هناك وجود لمثل هذا المستوى، ويمكن زيادة المحصول والناتج الى خمسة أو ستة أضعاف بنفس التقنية الموجودة اليوم. صحيح أننا لا نقول بأنه لا نهاية لهذه القدرة، ولكن لا شك أنّ طاقة إنتاج التربة هي أكثر من المقدار الذي تقدّمه اليوم. وعليه، فإنّ من الخطأ الفاحش أن ندّعي عدم توافر التربة والمنابع الكافية لإطعام البشر، بل نستطيع، وبهذه التقنية الحالية، أن نطعم من البشر عشرة أضعاف تعدادهم الحالي في العالم.

      بل يمكن من خلال الأساليب الفنية المتطورة وبسهولة، توفير الطعام لمئة ضعف من نفوس العالم حالياً.

      ولو كان "مالتس" صادقاً، وكان تعداد العالم يزداد حسب "المتوالية الهندسية" لبلغ نفوس العالم 180 مليار نسمة وليس 3 مليارات. ويكشف هذا الحساب أكثر من أي شيء آخر كذب هذا الإدعاء.

      والمسألة الأكثر إثارة هي أنّ السيد "مالتس" يسعى الى تبرير أساس المشكلات الإقتصادية بازدياد سكان العالم، وبعدم كفاية المصادر الطبيعية، وعدم تناميها، ويقول في الرسالة التي بعثها بتاريخ 7 تموز 1821 الى "ريكاردو" العالم الإقتصادي المعروف: "في جميع أرجاء العالم تقريباً، أثمرت طاقات عظيمة ولم تُستخدم في العمل، ونحن نفسر هذه الظاهرة بأنه: بما أنّ المنتجات الموجودة لا توزع بصورة جيدة فلا يوجد مبرر كافٍ لاستمرار الإنتاج".

      والمسألة المهمة جداً التي ينبغي الإشارة إليها هي أنّ "مالتس" كان إنساناً قلقاً ومضطرباً، فاستغله الإستعمار وقام باستخدامه. وأصبح المستعمرون يستفيدون من أفكاره ونظرياته.

      ظهرت نظرية "مالتس" مع الثورة الصناعية الأولى، وكانت بمنزلة المساعد والمؤازر للطبقة الحاكمة في بريطانيا التي كانت تريد أن تقنع ضميرها حول مسألة الهند! فهؤلاء الذين كانوا يريدون احتلال الهند وإبادة الهنود رأَوا أنّ صناعاتهم تقتضي هزيمة الهند وإيجاد القحط ثم تدمير الهنود، ولكنهم كانوا يريدون أن يوحوا الى أنّ البريطانيين ليسوا مذنبين في ظهور هذا القحط القاتل، بل هو ذنب الهنود الذين يتكاثرون بدون أي ضابط ونظام، فأصبح "مالتس" في خدمة هذا الهدف اللاإنساني ونال مكافأة جيدة على خدماته.

      يراجع كتاب "العالم الثالث وظاهرة قلّة النمو"، ص: 41، ونشرة العلوم الإجتماعية، العدد: 2، ص: 126 و 127، وسلسلة مقالات كاتب السطور في نشرة: خلاص جيل الشباب، العددان 8 و 9.

 

      10)  يجب أن لا يساء الفهم، فالمقصود ليس الدفاع عن أرباب العم والنشاطات غير المشروعة واللاإنسانية لأصحاب الرساميل، بل دراسة حقيقة علمية حول كيفية توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها بين عوامل وعناصر الإنتاج، وهل العمل، باعتباره أحد عناصر الإنتاج، هو وحده الذي يستفيد من الربح الخالص دون سائر العناصر؟!

      ومن الواضح أنّ دراسة هذا الموضوع وكذلك البحث حول إمكانية وجود رأس مال مشروع ليس لها علاقة بالنظام الرأسمالي الرجعي والمهترئ أبداً. وقد بيّنا في أحد الهوامش السابقة ضمن دراسة الأسس المتحكمة في التحول الرأسمالي نقاط ضعف وعجز هذا المذهب الإقتصادي.

 

      (11)  في الحقيقة، إنّ حصر تحديد القيمة الواقعية للبضائع الصناعية في ميزان مقدار العمل المتجسد، أمر غير مقبول، لا من حيث الفكر والنظرية، ولا من حيث انطباقه مع الحياة الواقعية، وإنّ القبول به أو الدفاع عنه ليس إلاّ تعصباً وجموداً.

      ومما يبعث على الحيرة والدهشة، إصرار "ماركس" رغم قدرته العلمية على هذه النظرية ومحاولاته المستميتة للبرهنة على صحتها، عبر طرح التبريرات والإستدلالات الإقتصادية والمعادلات المختلفة! وربما تزول هذه الدهشة إذا ما ألقينا نظرة على أوضاع الغرب آنذاك، خاصة الدول التي عاش فيها "ماركس" وشاهد أوضاعها عن كثب، لأنّ النظريات والمناهج الأوروبية العامة في فترة التحولات الصناعية وما قبلها، كانت تنطلق من حرية الملكية والرأسمالية المطلقة وكانت هذه الحرية المطلقة قد قُبلت في تلك البلدان باعتبارها نظاماً طبيعياً أو إرادة إلهية (!)، وكانت العواطف والأفكار الإنسانية تزداد توهجاً بشكل دائم مقابل جشع وطمع الرأسماليين الذين كانوا يتمتعون بحماية الحكومة والقانون.

      وقد أدرك "ماركس" جيداً من خلال إطلاعه الكامل على أوضاع عصره أساس النظام الظالم آنذاك، ووضع إصبع تشخيصه على أعصاب الألم المستعدة للثورة. ومن خلال دراسة قيمة العمل بشكل مبالغ فيها حرّض العمال على النهوض والثورة، فبلغ التحول والثورة - التي وضع "ماركس" وزملاؤه أسسها أوجهما في روسية عام 1917.

      وبعد انتصار الثوار وهدوء الأوضاع نسبياً، وُضعت المشاريع الماركسية على محك التجربة. وحتى نهاية الحرب العالمية الأخيرة لم تكن شعوب العالم تعرف كما يجب ماذا يجري خلف الستار الحديدي. وبعد انتهاء الحرب واتصال روسية بالعالم الخارجي، إتضحت الى حد ما الأوضاع والأحداث التي شهدتها تلك البلاد.

      والآن أمست نقاط القوة والنتائج المفيدة، وكذلك السلبيات والمعايب والمضارّ العملية للنظريات المطروحة، موضع دراسة وبحث. ولكن المسلّم به هو أنّ هذه الثورة على الرغم من الهزة التي أحدثتها في العالم والبشر الذين أنقذتهم من الإستغلال، أوجدت طبقة جديدة في مهد الثورة مع امتيازات قانونية لا حصر لها ومنحتها السلطة. فيما كانت التوقعات والبشارات التي أعلنتها شيئاً آخر. وكان المولود الذي أفصح عن وجهه في البلدان الشيوعية عبارة عن فئتين مقتدرتين متسلطتين هما إدارية (البيروقراطية) وعسكرية (الميلتارية).

      وقد اعترف بذلك "لينين" حين قال بأنّ حزبه يمثل سلطة جديدة. واعترف كثير من زعماء الشيوعية بأنه لم يتم القضاء بشكل تام على أصول الرأسمالية والأعمال العدوانية الناجمة عنها، وأنّ الطبقات ما زالت قائمة بأشكال مختلفة رغم كل التوقعات.

    

      (12)  تناول سماحة المؤلف هنا توزيع الثروات المنتجة وحسب، في حين كان من الأفضل أن يتناول "التوزيع قبل الإنتاج" أولاً، ثم ينتقل الى دراسة منهج الإسلام في توزيع الثروات المنتجة بين عناصر الإنتاج. وسنحاول نحن هنا استعراض هذا الموضوع بصورة إجمالية:

      أقام الإسلام توزيع الثروة العادل على أساس الحاجات الفطرية والرغبات الطبيعية للإنسان، ورفض إجراء أي تعديل أو تغيير على هذا القانون مهما اختلفت الظروف وتباينت الأوضاع، لأنّ القضية هي قضية الإنسان وحاجاته ورغباته الطبيعية.

      والذين أطلقوا على الإقتصاد الإسلامي جهلاً أو عمداً تسمية إقتصاد رعي الأغنام واعتبروه غير قابل للتطبيق في عالم التكنولوجيا، كانوا غافلين عن هذه الحقيقة أو تجاهلوا أنّ إنسان اليوم هو إنسان الأمس، وأنّ الدوافع الفطرية والحاجات المختلفة والرغبات الطبيعية لإنسان اليوم هي الرغبات والدوافع الفطرية ذاتها لإنسان الأمس. فإنسان القرن العشرين هو نفس إنسان عصر رعي الأغنام وبنفس الخصوصيات والملكات الإنسانية، سواء كان يفلح الأرض بيده ويزرعها أو يستخدم في ذلك المكائن الحديثة مستفيداً من التطور الصناعي.

      إنّ القاعدة الإقتصادية التي وُضعت على أساس الفطرة البشرية لن تخفق وتضعف أبداً، وهي تنفع عالم الرعي وتتكفل أيضاً دنيا الصناعة. فالإسلام يقول: يجب توزيع الوسائل والعوامل الطبيعية للإنتاج بالشكل الذي يلبي الحاجات الطبيعية للإنسان، ويستطيع جميع الناس أن يأخذوا نصيبهم منها. ومن الواضح أنّ كل إنسان له حاجاته ورغباته الخاصة به، تبعاً لاختلاف خصوصيات أفراد البشر، ولا بد من مراعاة تلك الحاجات والرغبات ضمن حدود وأطر معيّنة. وقد لبى الإسلام، من خلال السماح للملكية الفردية في بعض الأموال والمباحات العامة، هذه الحاجة الفطرية. وبما أنّ المجتمع الإنساني بدوره يحتاج الى بعض الضرورات الخاصة، فقد تكفّل الإسلام أيضاً بحل الحاجات الجماعية عن طريق الملكية العامة في بعض مصادر الإنتاج. ونظراً لوجود بعض الأفراد الذين لا يقدرون على توفير احتياجاتهم عن طريق الملكية الفردية، وإنه لأمر طبيعي أن يختل التوازن الإقتصادي بمحرومية البعض، تكفّل الإسلام بحفظ هذا التوازن وحماية المجتمع من الأزمات الإقتصادية، وذلك عن طريق الإعتراف بملكية الدولة الإسلامية، ووضع لكل واحدة من هذه الملكيات قواعد وأحكاماً وشروطاً خاصة، وبذلك وزع الطبيعة والمواد والثروات التي سخّرها الله تعالى للإنسان في مسير توفير حاجات الإنسانية بشكل عادل.

 

      (13)  يشير التاريخ الى أنّ أكل الربا وتحقيق الفائدة عن طريق النقد، كان أمراً شائعاً وحراً بين الأمم والأقوام السابقة، ولكنه في الوقت ذاته اعتُبر عملاً قبيحاً وظالماً، وكان الناس يلومون المرابين وينتقدونهم.

      ففي مصر القديمة كان أكل الربا شائعاً، مع وجود بعض القوانين التي تحدّد مقدار الفائدة. فطبقاً لقانون "لوخوريوس" مثلاً، لم يكن جائزاً أبداً أن ترتفع الفائدة الى مستوى مقدار أصل المال.

      وفي اليونان قبل فترة الإصلاحات وسن قانون "سولون" المعروف ، وفي الروم قبل سن قانون الألواح الإثني عشر كان أكل الربا شائعاً بدون أية قيود، بل كانت العادة جارية بأن يكون المدين عبداً ومملوكاً للدائن ما دام عاجزاً عن أداء دَينه!

      الدولة الوحيدة التي كان الوضع فيها يختلف عن سائر الدول القديمة هي دولة "إسبارطة" التي لا نشاهد في تاريخها ما يشير الى وجود أكل الربا أو قوانين متعلقة بذلك، ولعل السبب هو عدم ظهور النقد في ذلك الوقت، بل كانت معظم المعاملات التجارية تتم على شكل المقايضة، أي تبادل السلعة بسلعة أخرى.

      وفي الصين، كانوا يحترمون آكلي الربا أثناء إعطاء القرض فقط، والمثل الصيني يقول: "اللصوص الأصليون يعملون في الصرافة".. ("التاريخ العام"، ويل ديورانت، ج: 3، ص: 1051.

      وفي الجزيرة العربية لم يكن قبل الإسلام أي قانون أو عرف يحدد أكل الربا. فالعرب كانوا يقترضون من اليهود القاطنين في الجزيرة العربية ثم يقرضون ذلك المبلغ مرتين بعضهم بعضاً بفائدة أكبر!

      وحول تحريم الربا تقرأ في التوراة ما يلي: "إذا أقرضت نقداً فقيراً من قومي وهو جار لك، فلا تتعامل معه كآكل الربا، ولا تحمّل عليه فائدة". (سفر "الخروج"، الآية: 25).

      "ولا تأخذ من أخيك ربا وفائدة، واخشَ ربك، ليعيش أخوك معك. لا تقرض مالك بالربا، ولا تعطه طعامك بالفائدة". (سفر "الأديان"، الآية: 25).

      "لا تعامل أخاك معاملة الفائدة، ولا معاملة الفضة، ولا معاملة الطعام، ولا معاملة أي شيء فيه فائدة". (سفر "مثنى": الفصل: 23، الفقرة: 19).

      ونقرأ في الإنجيل:  "وإذا أقرضت فما هو فضلك إذا كنت تأمل استعادة دينك منه، بل أحسن الى أعدائك بالمحبة، وأقرض دون أن تأمل استعادته، عند ذلك يكون أجرك عظيماً". (إنجيل "لوقا"، الباب السادس، الآية: 34 35)

 

(14)  شُرّع تحريم الربا في القرآن المجيد بشكل تدريجي، ولكن في الوقت نفسه بلهجة شديدة وتأكيد خاص. وهذا هو الأسلوب الأساسي والمؤثر الذي يتبعه حالياً المشرّعون، لأنه عندما لا تكون الأذهان والمشاعر العامة للمجتمع مستعدة لقبول قانون معيّن، فإنّ هذا القانون سيواجه عند التطبيق والتنفيذ مشكلات وعراقيل كثيرة.

      وقد حرّم القرآن المجيد الربا في أربع مراحل مختلفة هي:

      أ) في الآية 39 من سورة الروم ورد الحديث عن الربا بصورة نصيحة أخلاقية، وقد عبّر عنه بأسلوب مؤثر جداً، عبر الإشارة الى أنّ "أكل الربا" ليس عملاً مرضياً ومقبولاً عند الله، يقول تعالى: {وما آتيتم من رباً ليربوَ في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المفلحون}.

      فالذين يعانون من قصر النظر هم وحدهم الذين يعتقدون أنّ ثروة آكل الربا تزداد عن طريق الربا. وأما عند الله، ومن الناحية المعنوية، فلا يحصل آكل الربا على شيء.

      ب) في المرحلة الثانية ذُكر الربا في سياق انتقاد العادات والتقاليد المقيتة لليهود، مشيراً الى أكلهم الربا بالذم الشديد: {وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} (النساء، الآية: 161).

      ج) تحريم أكل الربا بشكل نهائي في الآية 130 من سورة "آل عمران"، يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون}.

      ولكن هذا التحريم كان يعني نوعاً خاصاً من الربا، ذلك هو "الربا الفاحش".

      د) في المرحلة الرابعة حُرّم بصورة قطعية جميع أنواع الربا، وذلك بالأمر الإلهي الذي ورد في الآيتين 278-279 من سورة "البقرة" واللتين أشير إليهما في المتن ضمن أدلة تحريم الربا. وأصبحت "حرمة الربا" ضمن قوانين الإسلام العالمية الخالدة.

 

      (15)  من المفيد أن نطلع القراء الكرام هنا على عدد من الروايات:

-     "مَن أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل وما اكتسب منه مالاً لم يقبل الله منه شيئاً عن عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده منه قيراط" (الوسائل، ج: 12، ص: 427).

-     "إنما حرّم الله الربا لكيلا يمتنعوا عن صنائع المعروف" (الوسائل، ج: 12، ص: 525).

-     "لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه" (الوسائل، ج: 12، ص: 424).

-     ".. فحرّم الله الربا على العباد بعلّة فساد الأموال" (الوسائل، ج: 12).

-     "إنّ القوم سيفتنون بعدي بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهداية والربا بالبيع" (نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ص: 148).

 

      (16)  لو عقد اتفاق بين العامل وصاحب رأس المال على أساس تعاون عنصري (رأس المال والعمل) يصح هذا الإتفاق والعمل المشترك في الإقتصاد الإسلامي، وتوزع الثروة الناتجة بين صاحب رأس المال والعامل بالنسبة التي تم الإتفاق عليها. وقد أُطلق على هذا النوع من الشركة في الفقه الإسلامي "المزارعة" إذا كانت بشأن الأراضي الزراعية، و"المساقاة" إذا كانت بشأن الغرس والسقي ورعاية الأشجار، و"المضاربة" إذا كانت بشأن التجارة ("جواهر الكلام"، كتاب الغصب، الطبعة القديمة، ص: 458 و486).

 

      (17)  ".. إن ربح فله، وإن وضع فعليه.. له الربح وعليه الوضيعة.. فلك نصف الربح، وإن كان وضيعة فليس عليك شيء" (الوسائل، ج: 13، كتاب الشركة، ص: 174، الأحاديث: 1-5-6-7-8).

 

      (18)  ".. له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء، إلاّ أن يخالف عن شيء مما أمر صاحب المال.. يضمن المال والربح بينهما.. في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال: هو ضامن والربح بينهما" (الوسائل، كتاب المضاربة، ص: 183-184، الأحاديث: 1-3-5).

 

      (19)  في باب: "إنّ صاحب المال إذا ضمن العامل فليس له إلاّ رأس ماله". هكذا تقول رواية محمد بن قيس حسب نقل "وسائل الشيعة" في كتاب المضاربة: ".. عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (ع) (في حديث): أنّ علياً (ع) قال: مَن ضمن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله، وليس له من الربح شيء".

 

      (20)  ".. الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثاً، وللبقر ثلثاً، قال: لا ينبغي أن يسمي شيئاً فإنما يحرم الكلام.

      .. في الرجل يزارع فيزرع أرضه غيره، فيقول: ثلث للبقر، وثلث للبذر، وثلث للأرض. قال: لا يسمي شيئاً من الحب والبقر، ولكن يقول: إزرع فيها كذا وكذا، إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثاً" (الوسائل، كتاب المزارعة والمساقاة، ص: 200، ج: 4و5).

 

      (21)  أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه قال: سئل أبو جعفر (ع) عن رجل أخذ مالاً مضاربة أيحلّ له أن يعينه غيره بأقل مما أخذ؟ قال: لا. (الوسائل، كتاب المضاربة، ص: 191، باب: 14، الحديث: 1).

 

      (22)  يراجع الحديث الأول، كتاب الإجارة (الوسائل)، ص: 243، ج: 13.

 

      (23)  عرّف الفقهاء الإجارة بقولهم: "وهي تمليك عمل أو منفعة".. ويعني العمل نشاطاً بدنياً أو فكرياً، وتعني المنفعة عيناً كالبيت والدكان. وبعضهم عرّف الإجارة بهذه العبارة: "التسليط على عين للإنتفاع بها بعوض".. أي يدفع المستأجر مبلغاً الى المؤجر إزاء عين ما "بيت أو دكان" ("العروة الوثقى"، كتاب الإجارة، ص: 559).

 

      (24)  المقصود هو أنّ العمالة في إطار الترتيب السداسي (الواجب المستحب الحلال الحرام المباح المكروه) محكومة بالكراهة لا الحرمة. وبما أنّ كل مكروه جائز، لذلك تعتبر (العمالة) صحيحة. وقد وردت في كتاب (وسائل الشيعة) ثلاث روايات في باب كراهة العمالة، منها: ".. عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) قال: مَن أجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق".

 

      (25)  من وصايا الرسول الأكرم (ص) لعلي بن أبي طالب (ع): ".. ومَن منع أجيراً أجرته فعليه لعنة الله". وفي رواية أخرى قال: "مَن ظلم أجيراً أجرته أحبط الله عمله وحرّم الله عليه ريح الجنة" (الوسائل، ج: 13، ص: 247، الحديث: 1-2).

 

      (26)  كالرواية التي تؤكد دفع أجور العامل قبل أن يجفّ عرقه: "أعطِ الأجير حقه قبل أن يجفّ عرقه".

 

      (27)  "فصل: العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة فلا يضمن تلفها أو تعييبها إلاّ بالتعدي أو التفريط" ("العروة الوثقى"، كتاب الإجارة، ص: 573).

 

      (28)  كانت المعاملات تجري بين الأمم القديمة بما فيهم الرومانيون بأشكال وأطر معيّنة، أي أنّ المشرّع يضع لكل معاملة إطاراً ونظاماً معيّناً يجري التعامل على ضوئه. فعلى سبيل المثال، كان يتحتم على طرفي المعاملة حين إجراء المعاملة أو استلام القرض، أن يحضرا أمام القاضي ومعهما خمسة شهود وميزان وسبيكة معدنية، ويؤديا ألفاظاً معيّنة على صيغة السؤال والجواب، بل كان يجب أن تتطابق هذه الألفاظ من حيث زمن الفعل، وكان التخلف عن واحدة من هذه المراسم التشريفاتية يؤدي الى بطلان المعاملة وعدم نفاذها. وتشير السبيكة المعدنية والميزان الى عصر لم يكن النقد المسكوك قد اختُرع بعد لدى الرومانيين، فكانوا يأخذون السبائك المعدنية الى الحاكم ويكيلونها هناك بدل قيمة المبيع، ثم تعطى الى المقترض..

      ويرى الإسلام أنّ تكامل شخصية الإنسان يتوقف على حريته واستقلال إرادته واحترام شخصيته، وعلى القانون أن يمنع فقط التعارض بين الإرادات الحرة كي لا تترتب نتائج سيئة على هذه الحرية، ولا تقع المصلحة العامة ضحية الحرية والإرادة الفردية. غير أنّ بعض أنصار استقلال الإرادة أفرطوا في تصوراتهم معتقدين بعدم إمكانية التعهد بشيء دون إرادة الأفراد. كذلك فرّط معارضو استقلال الإرادة فأنكروا أن تكون إرادة الفرد مؤثرة ولو لمرة واحدة!!

      والفقه الإسلامي أيد (بدون إفراط أو تفريط) أصل حرية الإرادة تحت عناوين: "أصالة الإباحة" "أصالة البراءة" "أصالة الحظر".

      وتقوم العقود في القانون الإسلامي على "التراضي"، أي أنها تتوقف على رضى الطرفين، وقد أصاب الفقهاء الذين اعتبروا "الألف واللام" في الآية الشريفة: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} "ألف لام" الجنس وليس العهد (يراجع كتاب "ثرمينولوجيا القانون" للدكتور محمد جعفر الجعفري، "القانون المدني الإيراني" للدكتور سيد علي شايغان، "أرضية القانون المقارن" لحسين نجوميان.

 

      (29)  فضلاً عن النتائج الإيجابية التي تترتب على العقيدة والأخلاق عند التطبيق على الصعيد الفردي والجماعي، فإنهما يمنحان سيرة الإنسان صبغة خاصة ويرفعان قيمة الأعمال الى مستوى الإرتباط بالله والإتصاف بالصفات الإلهية، وهذا بحد ذاته أحد الميزات النفيسة للمدرسة الدينية التي تميزها عن سائر المدارس. وبديهي أنّ الإرتباط بمبدأ الخير والرحمة يستطيع أن يرفع الإنسان ويفتح ذهنه على آفاق واسعة ينظر من خلالها الى العالم.

      ويسعى الإسلام، من خلال زرع الإيمان والإعتقاد بحياة النعيم، والعودة الى الحياة الباقية والإنسانية، أن يفتح عين الإنسان على المستقبل ويعدّه لحياة أفضل وأشمل. ومن هذه الزاوية لا تمثل الحياة الطبيعية والمادية هدف الإنسان الأبدي، فالأرض هي مهد نمو الإنسان وتربية قواه الإنسانية، وهي سبيل المسافرين ومحل إقامتهم ليتزودوا فيها من مائدة النعم المادية والمعنوية كلٌ حسب قدرته وعمله للحياة الآخرة، فـ"الدنيا مزرعة الآخرة". وإنّ الشكر على هذه النعم يتمثل في أن يعرف الإنسان صاحب الدار ويطبق قوانينه، فينتج كل واحد ويتصرف برأسمال الطبيعة حسب تلك القوانين وحسب طاقته ويأخذ منها حسب حاجته وينفق بالعدل.

      ومن خلال بعد النظر هذا، لا تستطيع الثروات المادية والإنتاج والتوزيع أن تغلق عقل الإنسان وفكره، بل تكون سبيلاً للعبور والسمو والعروج.

      وفي ظل هذه النظرة الإيمانية السامية يحل "التعاون من أجل البقاء" الذي يعدّ من النزعات الفطرية للإنسان محل "الصراع من أجل البقاء" الذي يعدّ إرثاً حيوانياً، ولا يكون المال هدفاً بل يبقى وسيلة كما هو. غير أنّ تصور مثل هذا المجتمع القائم على أساس الإيمان والعواطف الإنسانية يكون صعباً لأولئك الذين فتحوا عيونهم في البيئة الإقتصادية لعصر التحولات الصناعية. ولذلك، نرى القيم الإنسانية والمتطلبات الواقعية الإنسانية قد نُسيت، وبات ينظر الى جميع شؤون الحياة من زاوية الإقتصاد والحرب والطبقية، وقد رفعوا من سلطة المال حتى جعل الإنسان آلة لا تملك الإرادة. وسجدوا أمام الآلة ووسائل الإنتاج!

 

      (30)  ومن هذه الآيات قوله تعالى: {زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا..}، {وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو..}، {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها..)، {إعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة..}، {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً..}.

 

      (31)  لعل سماحة المؤلف يقصد الحديث المروي عن الرسول الأعظم (ص): "نعم المال الصالح للرجل الصالح".

 

      (32)  "وسائل الشيعة"، ج: 12، ص: 19.

 

      (33)  "وسائل الشيعة"، ج: 12، كتاب التجارة، باب جملة ما يستحب للتاجر من الآداب، ص: 183، الحديث: 1.

 

      (34)  إعترف الإسلام بثلاثة أنواع من العمل، هي: العمل اليدوي (البدني) كعمل الفلاحين والعمال وغيرهم، والعمل الفكري كالمعلمين والكتّاب وغيرهم، والعمل العاطفي والمعنوي كعمل الفنانين وأعمال من قبيل رعاية الأطفال والحضانة والتمريض. ويخضع كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة لإشراف وسيطرة النظام السداسي (الحرمة والوجوب و..). وتعتبر دراسة آراء الإسلام وتعاليمه في باب أنواع الأعمال وعلاقة العامل ورب العمل ضرورية لمعرفة قيمة العمل بمعناها الإقتصادي، إلاّ أنّ مثل هذه الدراسة خارج نطاق بحثنا، ونكتفي القول إنّ الإسلام وضع للعمل أسمى قيمة معتبراً إياه أحد العناصر الأساسية للملكية. وقد بلغ تقديس الإسلام للعمل والعامل مبلغاً لا يمكن أن نرى له مثيلاً في أي مذهب من المذاهب الإقتصادية المعاصرة، إذ يروى أنّ الرسول الأكرم (ص) رفع يد عامل كانت قد تورمت من شدة العمل وقال: "هذه يد لا تمسها النار أبداً، هذه يد يحبها الله ورسوله.مَن أكل من كد يده نظر الله إليه بالرحمة". وقال (ع) أيضاً: "ما أكل امرؤ طعاماً خيراً من عمل يده، وإنّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". وذُكر للرسول الأكرم (ص) رجل كثير العبادة لا يعمل، فقال (ص): مَن يعيله؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه".

      وجاء في سيرة رسول الإسلام الأعظم أنه كان كلما رأى إنساناً عاطلاً ليس له حرفة يلومه ويقول: "إنّ المؤمن إذا لم تكن له حرفة، يعيش بدينه".

      وكان الإمام محمد الباقر (ع) يفلح أرضه، فمرّ به شخص وقح وقال له بأسلوب غير مؤدب: "لو جاءك الموت على هذه الحال فماذا تجيب ربك؟ فقال له الإمام: ".. لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله عز وجل".

وقال الإمام جعفر الصادق (ع) لأحد أصحابه، واسمه معاذ، كان قد ترك العمل: "هل تركت العمل لعجز؟ قال لا، فلدي مال كثير ولست مديناً لأحد، وتكفيني ثروتي لآخر عمري فلا أحتاج إذاً لأحد حتى أكد وأتعب وأعمل! فقال له الإمام: لا تتركها فإنّ تركها مذهبة للعقل".

      وقال الإمام أيضاً لشخص طلب منه يوماً أن يدعو له: "لا أدعو لك، أُطلب كما أمرك الله عز وجل".

      وإنّ ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أنّ الإسلام لم يكتفِ بمنع الإستغلال وحسب بل حرّم كل تعاون أو عمل مع المؤسسات والأشخاص الذين يعملون بشكل ما خلافاً لمصالح المجتمع الإقتصادية.

      والإسلام لم يحرّم الأعمال الإدارية، بل فرض إشرافه وسيطرته الحازمة على نوع العمل وكيفته. إنّ ماهية الحكومة، ونوعية العمل الحكومي هما اللذان يحددان جواز أو حرمة التعاون. فالعمل لحكومة غير مشروعة، وعدوانية، حرام تحت أي عنوان كان. إذ يروى عن النبي (ص) أنه قال: مَن سار الى ظالم لعمل، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام.

      وعن الإمام موسى بن جعفر (ع) (ما معناه): لئن أُرمى من شاهق وأُقطّع إرباً إرباً خير لي من أن أعمل مع سلطان ظالم.

 

      (35)  مع بالغ الأسف لم يوفق سماحة المؤلف لكتابة الجزء الثاني من هذا الكتاب.

 

      (36)  الدروس الثلاثة [الملاحق] أُثبتت كما أمكن أخذها من أشرطة كاسيت، دون تعديل أو إضافة، حفاظاً على أمانة النقل.