والتحقيق جسما يؤدي إليه النظر الدقيق[1].

_________________________________________________________

المعنى الحرفي:

[1] وبتعبير آخر إن مثل لفظ «من» ولفظ «الابتداء» موضوعان لمعنى واحد غاية الأمر، ذلك المعنى يلاحظ تارة بما هو هو فيستعمل فيه لفظ «الابتداء»، وأخرى يلاحظ آليا فيستعمل فيه لفظ «من » وليس المراد أن اللحاظ الآلي أو الاستقلالي داخل في المستعمل فيه، بل هما نحوان من اللحاظ يتعلقان بنفس المعنى في مقام الاستعمال، ونفس ذلك المعنى ـ الذي يتعلق به اللحاظ الآلي تارة والاستقلالي أخرى ـ هو الموضوع له والمستعمل فيه، فيهما.

ويدل على عدم كون معاني الحروف جزئيات بل كمعاني الاسماء كليات، أن القائل بالجزئية إن أراد الخصوصية الخارجية الموجبة لكون المعنى جزئياً خارجياً، فمن الظاهر أن تلك الخصوصية غير داخلة في معاني الحروف، فإنه كثيراً ما يكون معنى لفظ «من» كلياً يصدق على كثيرين، كما إذا وقع تلو الأمر أو النهي، كقوله «سر من البصرة» ولذا إلتجاء بعض الفحول إلى جعله جزئيا إضافياً، وهو كما ترى، لأن ما يوجب كونه جزئياً إضافياً غير داخل في معناها بل هو مستفاد من دال آخر، كمدخولها كما لا يخفى.

وإن أراد جزئية معاني الحروف باعتبار خصوصية ذهنية مأخوذة فيها، موجبة لكونها جزئيات ذهنية، بأن يكون الموضوع له نفس الوجود العرضي الذهني، بأن يقال: كما أن الموجود الخارجي قد يكون قائماً بنفسه فيعبر عنه بالجوهر وقد يكون قائماً بالغير فيعبر عنه بالعرض، كذلك الموجود الذهني فإن المعنى قد يلاحظ بنفسه، فيكون إسمياً، وقد يلاحظ آلياً، حالة لمعنى آخر (بأن يكون الموجود ذهناًبما هو، المعنى الآخر) فيكون حرفياً، وعليه يكون معنى الحرف باعتبار أخذ واقع اللحاظ الآلي فيه وتقومه بمعنى آخر، جزئياً ذهنياً.

ففيه: أن هذا اللحاظ لا يمكن أخذه في معاني الحروف بشهادة أمور:

الأول: ما أشار إليه بقوله (قدس سره): «وإلا فلابد من لحاظ آخر» وتوضيحه: أنه لو كان واقع اللحاظ الآلي داخلاً في معنى الحرف لزم تعدد اللحاظ في استعماله، ضرورة أن الاستعمال موقوف على لحاظ المعنى وتصوره، وقد فرضنا واقع اللحاظ الآلي دخيلاً في معنى الحرف، فلابد من لحاظ الابتداء آلياً أولاً،ثم لحاظ الملحوظ باللحاظ الاول، وهذا مما يكذبه الوجدان.

أقول: توقف الاستعمال على لحاظ المستعمل فيه، وإن كان صحيحاً إلا أن لحاظ المستعمل فيه ليس إلا إحضاره في أفق النفس، وإذا فرض حضور المستعمل فيه عند النفس باللحاظ الأول ـ كما في المعلوم بالذات ـ فلا معنى لإحضاره فيها بلحاظ آخر وفي الجملة لو كان واقع اللحاظ الآلي مأخوذاً في معاني الحروف لم يكن في استعمالها حاجة إلى أزيد من ذلك اللحاظ.

الثاني: ما ذكره (قدس سره) من أنه لو كان اللحاظ مأخوذاً في معاني الحروف لما صح أن تصدق معانيها على الخارجيات، لأن الصدق عليها هو الانطباق عليها، والانطباق هو العينية، والمعنى المركب والمقيد باللحاظ أمر ذهني لا ينطبق على الخارج بوجه. نعم عدم الانطباق لا يمنع الحكاية عن كثيرين فإن الطبيعي المقيد بالكلي المنطقي لا يمكن حصوله في الخارج، مع ذلك يكون كليا باعتبار حكايته عن كثيرين ـ كما في الكلي العقلي المصطلح ـ وعلى ما ذكر فيمتنع امتثال قوله «سر من البصرة» إلا بالتجريد بإلغاء خصوصية اللحاظ عن متعلق الأمر.

الثالث: ما أشار إليه بقوله: «مع أنـه ليس لحاظ المعنى … إلخ» يعني ليس اللحاظ الآلي في استعمالات الحروف إلا نظير اللحاظ الاستقلالي في استعمال الاسماء، وكما أن اللحاظ الاستقلالي غير مأخوذ في معانيها في الوضع والاستعمال كذلك اللحاظ الآلي في استعمالات الحروف ووضعها.

ثم إن قوله (قدس سره): «لامتناع صدق الكلي العقلي عليها، أي الخارجيات» ليس كما ينبغي، فإن معنى الحرف بناءاً على تقيده باللحاظ الآلي وإن كان كالكلي العقلي من حيث حكايته عن كثير من الخارجيات إلا أنه ليس من الكلي العقلي المصطلح عليه، والصحيح أن يقال: لامتناع صدقه نظير امتناع صدق الكلي العقلي على الخارجيات.

 

قلت: الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منها بوضع[1].

_________________________________________________________

[1] وبتعبير آخر معنى لفظي «من وابتداء» وإن كان أمراً واحداً يتعلق به اللحاظ الآلي تارة والاستقلالي أخرى، وشيء من اللحاظين غير مأخوذ في ناحية الموضوع له والمستعمل فيه إلا أن الوضع في الحروف مقيد بتعلق اللحاظ الآلي بمعانيها عند الاستعمال، وفي الاسماء بتعلق اللحاظ الاستقلالي بها كذلك، واختلافهما بحسب الوضع واختلاف شرط الوضع في كل منهما يوجب عدم صحة استعمال أحدهما في موضع الآخر، وليس المراد بشرط الوضع ما يرادف معنى الشرط في المعاملات، أعني الالتزام بشيء في ضمن معاملة، ليقال إن اتباع شروط الوضع والعمل بها غير لازم، كما لو فرضنا أن الواضع اشترط دفع درهم على من استعمل هذا اللفظ في هذا المعنى، بل المراد بالشرط هو ما في لسان علماء الادب من أن وضع الحرف لذلك المعنى معلق على لحاظه آلياً وفي الاسم على لحاظه استقلالاً.

أقول: غاية ذلك عدم صحة استعمال الحرف في موضع الاسم حقيقة لكونه بغير الوضع، وأما عدم صحته أصلاً ولو بنحو المجاز، فلا موجب له، مع أن استعمال أحدهما موضع الآخر يعد غلطا، وهذا كاشف عن اختلاف المعنى في الحرف والاسم ذاتا، وأن معنى الأول غير الآخر، لا أنهما يختلفان باللحاظ أو بتقيد الوضع مع اتحاد المعنى، فيبقى الكلام في ذلك الاختلاف.

وعن المحقق الاصفهاني (قدس سره) أن الحرف موضوع للوجود الرابط الذي ذكره بعض الفلاسفة، في مقابل وجود الجوهر والعرض (الذي يعبر عنه بالوجود الرابطي). وحاصل ما ذكره (قدس سره) في المقام: أن الالفاظ الموضوعة للجواهر والاعراض ـ وهي الاسماء ـ تكون معانيها من قبيل الماهيات، سواء كانت متأصلة (أي منتزعة من نفس وجوداتها)، أو من الاعتبارات (أي المنتزعة من الشيء باعتبار أمر آخر)، ولا يكون الوجود الخارجي أو الذهني مأخوذاً في معاني الاسماء أصلاً، بل تتصف معانيها بالوجود والعدم، وفي مقابل هذه الماهيات من الجواهر والاعراض والانتزاعيات وجود آخر ضعيف ودقيق في الغاية زائداً على وجود الجوهر والعرض، يظهر بالبرهان على ما استدلوا عليه فإنه ربما يعلم بوجود كل من الجوهر (كوجود الإنسان) والعرض (كحصول الحركة)، ولكن يشك في قيام الحركة بالإنسان أو بغيره، وهذا دليل واضح على أن الحصة الخاصة من الحركة القائمة بالإنسان لها نحو وجود، نعبر عنه بالوجود الرابط زائداً على أصل الحركة، ووجود الإنسان لقضاء تعلق الشك به وتعلق الجزم بالاخيرين وهذا الوجود الرابط لضعفه وخفائه لا يكون له مهية، ليكون وضع اللفظ لها، بل الحروف موضوعة لنفس الوجودات الروابط، وتلاحظ هذه الوجودات في مقام الوضع، وعند الاستعمال بنحو الاشارة إليها، فتكون معاني الحروف مباينة ذاتاً لمعاني الاسماء، لأن الاسماء توضع للصور الذهنية المنطبقة على الخارج ويكون الوجود الخارجي كالوجود الذهني، خارجاً عن الموضوع له والمستعمل فيه فيها، بأن يكون الموضوع له والمستعمل فيه نفس الماهيات بخلاف الحروف، فإنها موضوعة لما هو رابط خارجاً، لا عنوان الرابط، فإنه معنى إسمي ويلزم على ذلك أن يكون الوضع في الحروف عاماً والموضوع له خاصاً(20).

أقول: يناقش فيما ذكره (قدس سره):

أولاً: بأنه لا سبيل إلى الجزم بأن في الخارج وجوداً آخر غير وجود العرض والجوهر يسمى بالوجود الرابط، والدليل عليل، إذ تعدد متعلقي اليقين والشك، لا يلزم أن يكون بتعدد الوجود، بل يكفي فيه تعدد الاعتبار والجهة مع الاتحاد خارجاً، فإنه ربما يعلم حصول الطبيعي ويشك في إفراده، ومن الظاهر أن الطبيعي عين إفراده خارجاً ولا وجود له غير وجودها، وعلى ذلك لو علم بوجود الإنسان خارجاً ووجود الحركة يكون الشك في إضافة ما تقوم به الحركة من كونه معنوناً بعنوان الإنسان أو غيره.

وثانياً: إن الوجود الرابط ـ على فرض تسليمه ـ لا يكون الموضوع له في الحروف، فإن الحروف تستعمل في موارد لا يكون فيها ذلك الوجود قطعاً، كما يقال «الوجود للإنسان ممكن» و«لشريك الباري ممتنع» و«لذات الحق (جل وعلا) واجب» مع أنه لا رابط في شيء منها بالمعنى المتقدم أصلاً.

وثالثاً: يلزم ـ على ما ذكر ـ أن لا يكون قول المخبر: (لزيد علم، ولعمرو خوف، ولبكر شجاعة) كذباً،فيما إذا لم يكن لهم شيء مما ذكر، فإنه في الفرض لا يكون للكلام مستعمل فيه بالإضافة إلى الحرف ليقال إن مدلوله غير مطابق للواقع كما هو الفرض من عدم الرابط، المدعى كون اللام مستعملة فيه، ويتضح ذلك أكثر بملاحظة الحروف المستعملة في النفي وفي الجواب والاستفهام والنداء والتعجب، إلى غير ذلك، مما لا يعقل فرض الوجود الرابط فيها.

وللمحقق النائيني (قدس سره) في اختلاف معنى الاسم والحرف كلام، ملخصه: أن المعنى في الأول إخطاري، وفي الثاني إيجادي، سواء كان معنى الحرف نسبياً أو غير نسبي، فالثاني كحروف النداء والتشبيه والجواب ونحوها، مما يتحقق باستعمالها فرد من النداء والتشبيه والجواب أو غيرها، بخلاف الأول ـ يعني الحروف النسبية ـ فإنه يتحقق باستعمالها فرد من النسبة والربط بين أجزاء الكلام بحسب معانيها.

وتوضيح ذلك: أن الاسماء ـ سواء كانت معانيها من الجواهر خارجاً أو من الاعراض ـ موضوعة لنفس المعاني التي تتصف بالوجود الخارجي أو الذهني تارة، وبالعدم أخرى، وهذه المعاني كلها مستقلة ذاتاً، بمعنى أنه يخطر عند سماع ألفاظها معانيها في الاذهان ولو لم يكن سماعها في ضمن تركيب كلامي،وهذا بخلاف الحروف، فإنه ليس لها معان استقلالية وإخطارية، بحيث تخطر إلى الذهن عند سماعها منفردة عن التركيب الكلامي.

ثم لا يخفى أن العرض لما كان لا يرتبط مفهومه ومعناه ـ بما هو مفهوم ومعنى ـ بمعنى المعروض ومفهومه كذلك، بل كان العرض خارجاً، مرتبط بمعروضه الخارجي وملابساته من الزمان والمكان والآلة والمفعول وغير ذلك من الملابسات، فدعت الحاجة إلى إيجاد الربط بين معنى اللفظ الدال على العرض ومعنى اللفظ الدال على المعروض، وكذا سائر الملابسات في مقام المعاني ليقوم الربط بين المداليل فيالكلام بحيث يعد نسبة الربط فيه إلى النسبة الخارجية مثل الظل إلى ذي الظل.

و ليس المراد أن النسبة الخارجية محققة للنسبة الكلامية، نظير فرد الإنسان خارجاً، حيث إنه يكون تحققاً لطبيعي الإنسان، بل المراد أن قيام الحركة مثلا بالإنسان كاف في ارتباطها به خارجاً ولكن معنى لفظ الحركة غير مرتبط بمعنى الإنسان، فوضعت الحروف لإيجاد الربط بينها في مقام التكلم، ثم إنه ربما يكون هذا الارتباط الكلامي متفقاً مع الاضافة الخارجية، توافق الظل وذيه، فيكون الكلام صادقاً، وربما لا يوافقها، فيكون كاذباً، فالمستعمل فيه في الحروف إيجادي، لكن لا كالإيجاد في إنشاء البيع والطلب، بأن يوجد البيع والطلب خارجاً وفي عالم الاعتبار، بل الايجاد في الحروف بمعنى تحقيق الربط بين مدلول أجزاء الكلام. نعم في الحروف غير النسبية يكون الموجود فرداً خارجياً من النداء والتشبيه والجواب وغير ذلك(21).

أقول: يرد عليه (قدس سره) أن دعواه بأن المعاني الاسمية لا يمكن لحاظها مرتبطة بنحو ارتباط بعضها ببعض إلا بالتكلم بالحروف، لا يمكن الالتزام بها، حيث يمكن للإنسان لحاظ شيئين مرتبطين خارجا بما هما عليه من الارتباط، فكما أن اللفظ الموضوع لكل منهما يحكي عنهما خارجاً بصورتهما المرآتية، كذلك الحرف بصورته المتدلية في معناهما، يحكي عما هما عليه من الارتباط خارجاً، فيمكن وضع لفظ للصورة المتدلية في صورتي الشيئين المرتبطين خارجاً، ويكون اللفظ بحكايته عن تلك الصورة المتدلية (الحاكية عن الخارج) موجباً لحصول الارتباط بين معنى كل من الاسمين. وبتعبير آخر: يكون الفرق بين معاني الاسماء والحروف أن معاني الاسماء إخطارية، بمعنى أنه ينسبق منها معانيها إلى الاذهان ولو عند التلفظ بكل منها منفرداً، بخلاف الحروف فإنه لا ينسبق منها المعاني إلا إذا تلفظ بها فيضمن تركيب كلامي، وهذا معنى كون معاني الحروف غير إخطارية. وهو لا يقتضي الايجادية، فلا ملازمة بين الايجادية وغير الاخطارية. نعم للمعنى الحرفي نوع خاص من الاخطار وهو الاخطار الضمني، أي فيضمن التراكيب الكلامية، بخلاف المعنى الاسمي فهو إخطاري استقلالا.

ومما ذكر ظهر أنه لا مقابلة بين إخطارية معنى اللفظ وبين كونه إيجادياً حتى يكون نفي الأول مستلزماً لإثبات الثاني.

ثم إنه (قدس سره) ذكر أن معاني الحروف تكون آلية ومغفولاً عنها، بخلاف الاسماء.

فهذا لا يمكن المساعدة عليه أيضاً، فإنه إن كان المراد بالآلية عدم كون تفهيمها هو المقصود الاصلي للمتكلم، فمن الظاهر أنه كثيراً ما يكون الغرض الاصلي من التكلم تفهيم الارتباط بين شيئين خارجاً، لعلم السامع بحصول كل منهما وعدم علمه بالارتباط الخاص بينهما، وإن كان المراد أن نظر المتكلم إلى صورها المتدلية في غيرها نظر مرآتي، فهذا النظر المرآتي حاصل في معاني الاسماء وغيرها، حيث إن المتكل م عند التكلم ينظر بالمعاني التي هي في حقيقتها صور للأشياء إلى نفس الاشياء في مواطنها.

إذن فالحق في المقام والذي يقتضيه التأمل في معاني الحروف هو أنها موضوعة لإفادة خصوصية في مدلول مدخولاتها بحسب الوعاء المناسب لتلك المدخولات، فمثلاً لفظة «في» موضوعة لتدخل على الاسم وتدل على أن مدخولها متصف بكونه ظرفاً بحسب الخارج وليس المراد أن لفظة «في» ترادف لفظ «الظرف» ليكون معنى «في» ظرفاً بالحمل الأولي أو بالحمل الشائع، بل المراد أن معنى لفظ «ظرف» معنى إسمي وأن لفظة في وضعت لتكون بعد دخولها على الاسم دالة على أن ذلك المدخول موصوف خارجاً بكونه ظرفاً لشيء يذكر في الكلام أو ذكر سابقاً، كما أن «كاف التشبيه» موضوعة لتكون دالة على أن المعني بذلك الاسم خارجاً مشبه به، ولفظة «من» وضعت لتكون دالة على أن مدلول ذلك الاسم خارجاً معنون بعنوان المبدأ، وكلمة «نعم» موضوعة لتدخل على الجملة ولتدل على أن مضمونها هو الجواب ولفظة «لا» موضوعة لتدخل عليها فتدل على انتفاء مضمون تلك الجملة بحسب الخارج وهكذا وهكذا، كما هو الحال في الاعراب والهيئات الداخلة على الاسماء والجمل .

وبتعبير آخر: كما أن حالات الاعراب موضوعة لتدل على أن معنى مدخولها بحسب الخارج متصف بكونه مصداقاً للفاعل أو المفعول أو غيرهما، كذلك الحروف موضوعة لتكون بدخولها على الاسم أو غيره دالة على خصوصية مدخولها بحسب الخارج، فمثلاً إذا قيل: (الصلاة في المسجد أفضل من الصلاة في غيره) يكون لفظ «في» دالا على أن المسجد متصف بكونه ظرفاً فتكون الهيئة الكلامية دالة على أن الصلاة المفروض كون المسجد ظرفاً لها محكومة بما ذكر، وعليه فلفظة «في» لم توضع لتقييد معنى الصلاة وتضييقها بالظرف. نعم بما أنها موضوعة للدلالة على كون مدخولها ظرفاً، تكون الصلاة المفروض لها الظرف الخاص أخص من طبيعي الصلاة، وأما إذا لم يكن في البين شيء قابل للتضييق لم يحصل ذلك التقييد كما في قولنا (زيد كالاسد) أو (في الدار) إلى غير ذلك.

والحاصل، أن الفرق بين الحروف والاسماء يكمن في أن الاسماء موضوعة للعناوين (ولذا تكون معانيها إخطارية بالمعنى المتقدم) بخلاف الحروف، فإنها موضوعة لتدل على اتصاف مدخولاتها بالعناوين بحسب الوعاء المناسب لتلك المدخولات (ولذا تكون معانيها في مداليل مدخولاتها).

ومما ذكر يظهر ضعف القول بأن الحروف موضوعة لتضييق معاني الاسماء وتقييدها(22). فإن التضييق وإن كان يحصل في المورد القابل له عند استعمال الحروف في معانيها إلا أنه لم يكن بموضوع لها، بل التضييق والتقييد لازم للمعاني الحرفية في المورد القابل.

لا يقال: ما الفرق بين لفظ «زيد» الحاكي عن مصداق خاص للإنسان، وبين لفظة «في» الحاكية عن مصداق الظرف، فلو كان مجر د الحكاية عن مصداق عنوان موجباً لكونه حرفاً، لزم كون معنى لفظ «زيد»أيضاً حرفياً.

فإنه يقال: معنى لفظ «زيد» إخطاري يحكي عن نفس المصداق ولو بعنوان مشير إليه ولا يحكي عن جهة كونه مصداقاً لعنوان الإنسان، بل الحاكي عن هذه الجهة الهيئة التركيبية في قولنا «زيد إنسان »، وهذا بخلاف لفظة «في» حيث إن معناها لا يكون إخطارياً، ولفظة «في» لا تحكي عن نفس مصداق عنوان الظرف، بل الحاكي عن نفس المصداق مدخولها، وهو لفظ الدار، فيكون مدلول لفظة «في» اتصاف مدخولها بكونه ظرفاً. وبما ذكرناه من معنى الحروف تبين صحة تعريف الحرف بأنه: ما دل على معنى فيغيره، على أن يكون المراد بالغير مدخوله.

كما تبين أيضاً أن ما اشتهر من عدم المعنى للاعراب، غير صحيح على إطلاقه، فإن الاعراب وإن لم يكن له معنى إخطاري إلا أنـه إذا دخل على المعرب دل على خصوصية في معناه بحسب الوعاء المناسب له، فما قيل من أن الحروف لو كانت كالاعراب في عدم المعنى، لزم أن يكون معنى مفردات الكلام مساوياً لمعنى الكلام، بأن يكون معنى «زيد» «دار» مساوياً لمعنى «زيد في الدار» غير صحيح، إذ هو يبتني على أن يكون الاعراب لا معنى له، وقد عرفت خلافه.

لا يقال: ما الفرق بين معاني أسماء الاعراض ومعاني الحروف، فكما أن العرض يكون خصوصية بحسب الخارج لمعروضه، كذلك معاني الحروف.

فإنه يقال: إن أسماء الاعراض تحكي عن نفس الخصوصية بنحو الاخطار، ولو لم تكن في ضمن تركيب كلامي، غاية الأمر تكون وجوداتها قائمة بالمعروض، وكون وجوداتها كذلك بإدراك العقل لا بدلالة اللفظ، بخلاف الحروف فإنه ليس لها معان إخطارية، بل حيث تدخل على الاسماء تكون دالة على أن مدخولاتها مت صفة بالعناوين الاسمية في الوعاء المناسب لها، ويعبر عن تلك العناوين الاسمية بالاعراض والخصوصيات .

وقد انقدح مما تقدم أن معاني الحروف لا تتصف بالكلية والجزئية لكونها متدليات بمعاني دخولاتها، فإن كان مدخول الحروف كلياً أو مما يصدق على الكل والابعاض، كانت معاني الحروف الداخلة عليه كذلك، فيكون معناها قابلاً للتقييد بتبع تقييد المدخول، وإن كان مدخولها جزئياً كان معنى الحرف الداخل عليه قابلاً للتعيين بحسب ما يقبله ذلك الجزئي من التعيين بحسب الحال والزمان.

وبتعبير آخر: الازمنة التي توجد فيها الدار المفروضة كحالاتها متعددة فيمكن تقييدها ببعضها، والحرف الداخل على كلمة الدار يقبل هذا النحو من التقييد، وإن لم يكن مدخول الحرف قابلاً حتى لهذا النحو من التقييد، لم يكن معنى الحرف قابلاً للتقييد أصلاً، كما في أول ساعة من يوم الجمعة من الشهر الفلاني من السنة الفلانية، فإذا قيل: (مات زيد في أول ساعة من ذلك اليوم) فلا يكون المعنى الحرفي قابلاً للتقييد. هذا كله في تقييد معاني الحروف، وأما تقييد معاني الهيئات فيأتي الكلام فيها في بحث الواجب المطلق والمشروط إن شاء الله تعالى.

 

 

ثم إنه لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضاً كذلك[1].

_________________________________________________________

الخبر والانشاء:

[1] يعني كما أن الفرق بين الاسم والحرف لم يكن إلا في ناحية الوضع مع كون الموضوع له والمستعمل فيه واحداً فيهما، فلا يبعد أن يكون الفرق بين الجملة الخبرية والجملة الانشائية كذلك، بأن يكون الموضوع له والمستعمل فيه فيهما واحداً، غاية الأمر الوضع في الجملة الانشائية مشروط بإرادة المعنى بنحو خاص، وفي الجملة الخبرية بإرادته بنحو آخر. توضيح ذلك أن ثبوت النسبة في موطنها وانتفائها فيه على اختلاف أنحائها لها صور عند النفس، ولو كانت تلك الصور متدلية في طرفيها، مثلاً نسبة المحمول إلى الموضوع واقعها اتحادهما وجوداً بنحو خاص، أو مفهوماً أيضاً، ونسبة المبدأ إلى الفاعل عبارة عن قيام المبدأ به صدوراً أو حلولاً أو غيرهما، والصور في جميع ذلك هي الموضوع لها في الهيئات وتلك الصور وإن كان لها وجودات في أفق النفس إلا أن الهيئات لم توضع لتلك الوجودات بل وضعت لذواتها وإذا خاطب المتكلم شخصاً بقوله: (أطلب منك ضرب زيد) بنحو الاخبار، أو (طلبت ضربه منك)، وقال الآخر لمخاطبه: (اضرب زيداً) إنشاءاً، فالكلامان مترادفان في المعني، وإنما يختلفان فينحو إرادة ذلك المعنى، فإنه في الاخبار يقصد المتكلم الحكاية عن ثبوت المضمون في موطنه، وفي الانشاء يقصد أن يثبت ذلك المضمون ويتحقق في موطنه .

ومما ذكرنا يظهر أن في عبارته (قدس سره) حيث قال: «في حكاية ثبوت معناه» و«في قصد تحققه »تسامحا، فإن المناسب تبديل لفظة «في» باللام، لأن الحكاية أو التحقق غاية للاستعمال في الاخبار والانشاء كما هو المدعى، لا أنهما داخلان في الموضوع له أو المستعمل فيه. وبتعبير آخر: الفرق بين مثل قول المولى لعبده (أطلب خروجك إلى السفر) بنحو الاخبار، وبين قوله لعبده الآخر: (أخرج إلى السفر)إنشاءاً، بعد اشتراكهما في أن مدلول كل منهما ثبوت طلب الخروج من المولى، هو أن الشرط في وضع هيئة فعل المضارع كون الداعي للمستعمل من نقل ثبوت الطلب إلى ذهن المخاطب، حكاية ثبوته، بينما الشرط في وضع صيغة إفعل كون الداعي إرادة ثبوت الطلب بذلك الاستعمال.

وقد ظهر مما ذكرنا أنـه لا فرق عند الماتن (قدس سره) بين قول القائل: (بعت داري بكذا) إخباراً، وبين قوله: (بعت داري بكذا) إنشاءاً، إذ الهيئة فيهما قد استعملت في معنى واحد، وهو ثبوت بيع الدار،وكذا قوله: (اضرب زيداً) إنشاء، و(أطلب منك ضرب زيد) إخباراً، فإنهما قد استعملا في ثبوت الطلب والبيع، وإنما الاختلاف في أن إنشاء البيع بقوله: (بعت داري) استعمال بغير الوضع وإنشاء الطلب في (اضرب زيداً) استعمال بالوضع. نعم ربما لا يكون ثبوت الشيء أو ثبوته لشيء آخر قابلاً للإنشاء، نحو:زيد أسود اللون، وهذا لا يوجب أن لا يكون المستعمل فيه ثبوت سواد اللون لزيد، بل المستعمل فيه ذاك، فلا يكون قصد الحكاية داخلاً في الموضوع له والمستعمل فيه.

وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) أن الأمر في مثل قوله «بعت داري» من الصيغ المشتركة بين الاخبار والانشاء هو كما ذكره (قدس سره) من أن المستعمل فيه للهيئة نسبة بيع الدار إلى المتكلم، وهذه النسبة تكون لقصد الحكاية تارة، ولقصد الانشاء أخرى. وأما في مثل قوله: (اضرب زيداً) وقوله: (أطلب منك ضرب زيد) مما لا اشتراك فيه بين الجملة الانشائية والجملة الخبرية لفظاً وهيئة، فلا يتم ذلك، لأن الأول موضوع للبعث الاعتباري لا بما هو هو، بحيث يكون البعث ملحوظاً بذاته، بل بما هو نسبة بين المتكلم والمادة والمخاطب، ولذا لا تكون لتلك النسبة واقعية لتطابقها أو لا تطابقها. وبتعبير آخر: كما أنـه إذا حرك شخص غيره نحو الفعل تحريكا خارجياً لا يكون ذلك التحريك الخارجي ملحوظاً بذاته، بل الملحوظ هو الفعل من المحرك، كذلك في التحريك والبعث الانشائي الاعتباري، يكون الملحوظ بالذات نفس المادة من المخاطب، كما في قوله: (اضرب زيداً)، وأما إذا قال: (أبعثك نحو ضرب زيد) أو (أحرك كنحو ضرب زيد) أو (أطلب منك ضرب زيد) إخباراً، فليس الملحوظ بالذات ضرب زيد (بأن يكون البعث مفاد الهيئة وملحوظاً لا بذاته) حتى يقال لا فرق في المعنى بين الهيئة الانشائية والاخبارية، لأن البعث معنى واحد، والتفاوت باللحاظ غير المقوم للمستعمل فيه، بل مضمون الهيئة ومدلولها في موارد الاخبار نسبة نفس البعث إلى المتكلم بنسبة صدورية، وكم فرق بين النسبة البعثية وبين نسبة البعث(23)؟

أقول: يرد على المصنف (قدس سره) أنه لو لم يكن فرق في ناحية المستعمل فيه والموضوع له فيقوله: (اضرب زيداً) إنشاء، و(أطلب منك ضرب زيد) إخباراً، لكان استعمال الأول في مورد الثاني صحيحاً، غاية الأمر لا يكون الاستعمال على طبق الوضع فيحتاج إلى القرينة، كما تقدم في استعمال الحروف في موضع الاسم.

ويرد على ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) أن ما ذكره هو بيان للفرق بين الهيئة الداخلة على المادة المضاف إليها الطلب، كما في قوله: (إضرب زيداً) وبين الهيئة الداخلة على مادة الطلب عند إرادة الحكاية عن نفس الطلب، كقوله: (أطلب منك ضرب زيد) وأنـه يكون الطلب في الأول ملحوظاً آلياً، وفي الثاني ملحوظاً استقلالاً، وهذا الفرق مما لابد منه على مسلكهم، حيث إن استعمال الهيئة في الأول في الطلب لا يزيد على استعمال الحروف، بخلاف قوله: (أطلب منك ضرب زيد» فإن دلالته على الطلب بمادته وبمدخول الهيئة، ومعنى الطلب فيه لابد أن يكون ملحوظاً بذاته، كالمعنى الاسمي في استعمال سائر الاسماء إلا أن هذا ليس فرقاً بين الانشاء والاخبار، فإنه لو قصد من قوله (أطلب منك ضرب زيد)الانشاء لكان بين مدلوله ومدلول قوله (إضرب زيدا) ذلك الفرق، بمعنى أن المنتسب إلى المتكلم في الثاني هو الضرب بنسبة طلبية وبعثية، وفي الأول المنسوب إليه طلب الضرب بنسبة قيامية، وليس هذا محل الكلام وإنما الكلام في المائز بين الانشاء والاخبار وأن ذلك الميز داخل في المستعمل فيه والموضوع له، أو أنـه أمر خارج عنهما وأنه شرط للوضع في كل من الجملة الانشائية والخبرية، ويشهد لما ذكرنا أنـه لو أراد من قوله (أطلب منك ضرب زيد) الانشاء تارة والاخبار أخرى، لما كان بينهما فرق فيكون الطلب المتعلق بضرب زيد ملحوظاً بذاته، كما لا يخفى.

وذكر سيدنا الاستاذ (قدس سره) أن الجملة الخبرية لا يمكن وضع هيئتها للنسبة الخارجية ـ أيوضعها لثبوت شيء لشيء خارجاً ـ فإنه ربما لا تكون في الخارج نسبة كما في (الإنسان موجود) أو(شريك الباري ممتنع) أو (الإنسان ممكن) والالتزام باستعمال الهيئة في مثل هذه الموارد بالعناية خلاف الوجدان، مع أنـه لا معنى لدلالة الهيئة على النسبة الخارجية فإنها لا تفيد الظن بالثبوت الخارجي، فضلاًعن العلم به، ولا معنى لدلالة الهيئة على النسبة الخارجية، غير كونها كاشفة عنها علماً أو ظناً، كما لا معنى لوضعها للنسبة الكلامية بأن توجد النسبة بين أجزاء الكلام ـ نظير ما تقدم في الحروف من أنها موضوعة لإيجاد الربط بين المعاني الاسمية ـ، نعم الجملة الاسمية يوجب سماعها انتقال الذهن إلى ثبوت المحمول للموضوع بنحو التصور، ولكن ذلك المتصور لا يمكن أن يكون مستفاداً من الهيئة ومدلولاً لها، فإنها من قبيل التصور، ومفاد الهيئة في الجملة الخبرية تصديقي. فالصحيح أن الهيئة في الجملة الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم الحكاية عن الثبوت الواقعي، أي ثبوت شيء لشيء، ويعبر عن ذلك بثبوت المحمول للموضوع أو ثبوت شيء في موطنه من ذهن أو خارج، وبتعبير آخر: تكون الهيئة بحسب وضعها كاشفة عن قصد المتكلم الاعلام بالثبوت الواقعي، حيث إن الوضع في الالفاظ ـ كما تقدم ـ بمعنى التعهد والالتزام، والتعهد من شخص إنما يتعلق بفعل نفسه وعلم الغير بثبوت شيء لشيء، أو ظنه به خارج عن اختيار المتكلم، فلا يتعلق به التعهد، والذي هو فعل اختياري له، هو قصد الحكاية عن ثبوت شيء لشيء أو نفس ثبوته أو لا ثبوته، وعلى ذلك فلا يكون الصدق والكذب من أوصاف نفس مدلول الجملة الخبرية، بل من أوصاف متعلق المدلول، (يعني الحكاية). هذا بالإضافة إلى الجملة الاسمية المستعملة في مقام الاخبار، وأما إذا كانت فعلية فهيئتها أيضاً تدل على قصد الحكاية عن تحقق المبدأ بنحو المضي أو الترقب(24).

أما الانشاء فهو عبارة عن إبراز اعتباره فيما يكون ثبوت الشيء بذلك الاعتبار، والاعتبار وإن كان أمراً نفسانياً إلا أنه غير قصد الحكاية.

وما اشتهر من أن الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى خارجاً باستعمال اللفظ، لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنه إن أريد من المعنى في إنشاء البيع مثلاً الملكية التي يعتبرها المتكلم، فلا يكون إيجادها باللفظ، بل وجودها بالاعتبار القائم بالنفس ولا يحتاج إلى اللفظ، بل اللفظ مبرز لذلك الاعتبار، وإن أريد الملكية العقلائية أو الشرعية ـ يعني إمضاء العقلاء أو الشارع لتلك الملكية ـ فمن الظاهر أن إمضاء العقلاء أو الشارع لا يكون من فعل المستعمل ليوجده باللفظ أو بغيره، بل هو فعل العقلاء والشارع، فيكون حكماً مترتباً على الانشاء أو المنشأ لا موجوداً بفعل المستعمل للجملة الانشائية(25).

أقول: أولا: إنه قد اعترف (نور الله مضجعه الشريف وجزاه عن العلم وأهله خيراً) بأن سماع الجملة الخبرية الاسمية يوجب انتقال الذهن إلى ثبوت المحمول للموضوع، وكذا ثبوت الشيء لشيء أو وقوعه منه، فيما كانت الجملة الخبرية فعلية، مثل ضربت أو قمت، وحينئذ نقول: ما الموجب لهذا الانسباق ؟ هل هو إلا الوضع، فلو كانت الهيئة موضوعة لقصد الحكاية عن النسبة الخارجية لكان الذهن ينتقل إلى قصد الحكاية عنها، لا إلى نفس صورة الثبوت الخارجي أو لا ثبوته، مع أنـه لا يحرز قصد الحكاية إلا إذا أحرز أن المتكلم شاعر يريد بكلامه تفهيم المعنى، فليست الهيئة موضوعة لقصد الحكاية كما أنها ليست موضوعة للثبوت الخارجي ـ أي نفس النسبة الخارجية ـ ليلزم أن لا يكون في مورد كذب المتكلم استعمال أصلاً. بل الموضوع له والمستعمل فيه للهيئة هي صورة النسبة الخارجية، ولكن هذه الصورة ليس لها استقلال بل متدلية في أطرافها وخصوصية لها على نسق ما ذكرنا في معاني الحروف، وقد أغمض في وضع الهيئات عن كون تلك الصورة في أفق النفس، كما هو الحال في وضع الاسماء وغيرها،ومعنى دلالة الهيئة على تلك النسبة انتقال تلك الصورة إلى ذهن سامع الهيئة في ضمن سماع أسامي الاطراف والمواد، فإن كان غرض المتكلم من إحضار تلك الصورة (التي تلاحظ مرآة للخارج) إرادة تفهيم فعلية ذي الصورة مع قطع النظر عن الاستعمال المفروض كان ذلك إخبارا وإن كان غرضه حصول ذي الصورة بذلك الاستعمال والاحضار كان إنشاء.

وثانيا: إن ما ذكره (قدس سره) من أن الجملة الخبرية مفادها التصديق، وتلك الصورة من قبيل التصور لا التصديق.

ففيه: أن الاعتقاد بثبوت شيء لشيء خارجاً تصديق بالاصطلاح المنطقي، وغير داخل في مدلول الجملة الخبرية بوجه، والتصديق في مدلول الجملة الخبرية هو التصديق باصطلاح علماء الادب، وهو الدلالة على النسبة التي يصح سكوت المتكلم عليها، وهذا حاصل في استعمال الجملة الخبرية لا محالة فهو تصديق بالاصطلاح الادبي، وإن كان تصوراً بالاصطلاح المنطقي.

وثالثا: إن ما ذكره (قدس سره) من أن الأمور الانشائية يكون حصولها بالاعتبار القائم بالنفس ولا يحتاج إلى اللفظ، بل اللفظ مبرز لذلك الاعتبار، لا يمكن المساعدة عليه، فإن الانشائيات وإن كان اعتبارها بالنفس، إلا أنها أمور إبرازية أيضاً، فما لم يكن في البين إبراز لا يحصل ذلك الأمر الاعتباري حتى في اعتبار المعتبر، فلو اعتبر الدائن براءة ذمة المديون، ولكن لم يبرز أصلاً، لم يكن إبراءبوجه، حتى بنظره (قدس سره)، فلو سألناه عن إبرائه ذمة زيد ـ مثلا ـ فلا يصح له أن يقول إخباراً (إنه بريء الذمة) ويصح أن يقول: (إنه بريء الذمة) إنشاءاً، فإبراء الذمة لم يحصل حتى بنظر المعتبر قبل الابراز، فكيف يعتبره موجودا قبل الابراز؟

فالمختار في المقام هو أن الموضوع له و المستعمل فيه للهيئة هي صورة النسبة الخارجية، ولكن هذه الصورة ليس لها استقلال بل متدلية في أطرافها وأنها خصوصية لها على نسق ما ذكرنا في معاني الحروف، وقد أغمض في وضع الهيئات عن كون تلك الصورة في أفق النفس كما هو الحال في وضع الاسماء وغيرها. ومعنى دلالة الهيئة على تلك النسبة انتقال تلك الصورة إلى ذهن سامع الهيئة في ضمن سماع أسامي الاطراف والمواد، فإن كان غرض المتكلم من إحضار تلك الصورة (التي تلاحظ مرآة للخارج) إرادة تفهيم فعلية ذي الصورة مع قطع النظر عن الاستعمال المفروض، كان ذلك إخباراً، وإن كان غرضه حصول ذي الصورة بذلك الاستعمال والاحضار، كان إنشاء.

وقد ظهر مما ذكرنا أن قول المخبر (بعت داري بكذا) في مقام الاخبار، وقول منشئ البيع في مقام إنشائه (بعت داري بكذا) لا يختلفان في المستعمل فيه، بل المستعمل فيه في كلا المقامين هو صورة وقوع البيع خارجاً، ولكن الغرض من إلقاء تلك الصورة إلى ذهن المخاطب يختلف، ففي مقام الاخبار يكون غرضه أن يفهم السامع الوقوع الخارجي، مع قطع النظر عن هذا الاستعمال، سواء كان السامع بعد إلتفاته إلى وقوعه بصورته جازماً به أو ظاناً أو شاكاً أو حتى جازماً بالعدم، ولذا يصح أن ينسب إلى المتكلم أنك ذكرت لنا وقوع البيع، كما يصح للمتكلم أن يقول: ذكرت لكم وقوع البيع، وفي مقام الانشاء يكون غرضه من إحضار صورة وقوع البيع هو أن يتحقق ذو الصورة خارجاً بذلك الاحضار بالتكلم أو بغيره، فلو باع الوكيل متاعاً وحين إنشاء الوكيل البيع قال المالك لشخص آخر: (بعت مالي) إخباراً ببيع وكيله، لم يكن قول المالك إنشاءاً، بل هو إخبار، يخالف قول وكيله لمشتري المتاع: (بعت) فإنه إنشاء.

وبالجملة الانشاء هو إحضار صورة وقوع الشيء بالتكلم أو بغيره، لغرض تحقق ذي الصورة خارجاً بالاعتبار، سواء كان إحضار تلك الصورة بنحو المعنى الحرفي أو بنحو المعنى الاسمي، فقوله للمخاطب :(إضرب زيداً) وقوله: (أطلب منك ضرب زيد) إنشاءاً كلاهما إحضار لصورة البعث المتعلق بضرب المخاطب إلا أنـه في الأول بنحو المعنى الحرفي، وفي الثاني بنحو المعنى الاسمي، وبكل منهما يحصل البعث خارجاً ولو بالاعتبار.

نعم مقتضى ما تقدم هو أن الانشائية والاخبارية إنما تنشئان من الغرض من نقل صورة وقوع الشيء خارجاً إلى ذهن السامع، لا أن الهيئة في الجملات لا دلالة لها على تعيين الغرض من الاحضار بالوضع، فإن هذا أمر لا يمكن إنكاره، فهيئة (إضرب) وإن كانت توجب انتقال صورة بعث المخاطب نحو الضرب ولو بنحو المعنى الحرفي، إلا أنها تدل أيضاً على تعيين الغرض وهو إيجاد الطلب خارجاً، كما أن الجملة الخبرية بهيئتها تدل على أن الغرض من الاحضار حكاية حصول ذي الصورة، ولذا تكون إرادة الانشاء من الجملة الخبرية محتاجة إلى القرينة ولكن لا يصح إرادة الاخبار من الهيئة الموضوعة للإنشاء فلا يصح قوله للمخاطب (بع المال) إخباراً بالبيع، لأن الكلام الدال على طلب البيع من المخاطب لا يناسب إخباره به، فإن الطلب منه يستلزم عدم حصول البيع فعلاً، والاخبار والحكاية يتوقف على الفراغ عن حصوله، فالإخبار بوقوع شيء بالجملة الانشائية يشبه طلب الحاصل الركيك، بخلاف استعمال الجملة الاخبارية لغرض إنشاء طلبه، فإن التعبير عن طلب شيء بوقوعه ولو مستقبلاً يناسب شدة الطلب والشوق والوثوق بالفاعل، وهذه مناسبة توجب حسن استعمال الجملة الخبرية في مقام الانشاء.

 

ويمكن أن يقال المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة[1].

_________________________________________________________

الوضع في أسماء الاشارة:

[1] ظاهر كلامه (قدس سره) أن الموضوع له والمستعمل فيه في أسماء الاشارة والضمائر وسائر الاسماء المبهمة كالموصولات، هو معنى عام كالمفرد المذكر، بأن يكون لفظ (هذا) مرادفا للفظ المفرد الموصوف بالتذكير، غاية الأمر الاختلاف بينهما بالوضع حيث أن لفظ (هذا) موضوع لذلك المعنى العام على أن يشار إليه عند استعماله فيه بالاشارة الخارجية، كما أن الضمير الغائب كلفظ (هو) موضوع له بشرط أن يشار إليه بالاشارة المعنوية، ولم يؤخذ في ناحية الموضوع له والمستعمل فيه قيد، وإنما أخذ في ناحية نفس الوضع، كما تقدم في معاني الحروف، وعلى ذلك فضمير المخاطب مثلاً يكون لنفس ذلك المعنى العام يعني الفرد الموصوف بالتذكير، ويكون وضعه له مشروطاً بالتخاطب معه عند استعماله في ذلك المعنى. وبالجملة دعوى أن الموضوع له والمستعمل فيه في الاسماء المفروضة كالوضع فيها عام وإنما الخصوصية والتشخص ناشئة من الاشارة والتخاطب حيث أن الاشارة لا تكون إلا إلى الشخص، والخطاب لا يكون إلا مع الشخص، غير بعيدة .

أقول: لا ينبغي التأمل في أن لفظ (هذا) لا يكون مرادفاً للمفرد المذكر المشار إليه أو معنى لفظ المفرد المذكر عند الاشارة إليه، نعم لو قيل: إن (هذا) إسم لما يصح إطلاق عنوان المفرد المذكر عليه عند الاشارة إليه، صح، سواء كان ما يطلق عليه من قبيل الموجود الخارجي أو الموجود الذهني أو معنى من المعاني المفردة أو التركيبية، ولا يعتبر في استعمال (هذا) كون الاشارة خارجية، بل ربما تكون الاشارة معنوية، كما في قولك: (الإنسان مدرك للكليات)، وبهذا يمتاز عن سائر الحيوانات حيث إن الاشارة بهذا في المثال معنوية، وكما في قولك: (الإنسان كلي يصدق على كثيرين، وهذه الكلية ليس موضعها الإنسان الخارجي)، نعم ضمير الغائب كـ«هو» تكون الاشارة فيه معنوية إلى السابق ذكراً أو ذهناً، بخلاف ضمير الخطاب، فإنه للإشارة إلى المخاطب الحاضر حقيقة أو ما يكون بمنزلة الحاضر، وبما أن خصوصية الاشارة مستفادة من اللفظ، فكيف لا تكون داخلة في معناه ولو بنحو التقيد؟ ثم إن الاشارة في استعمال (هذا) في الخارجيات بمثل الاصبع ونحوه إنما هو لتعيين المشار إليه لا لخصوصية الاشارة، كما يظهر للمتدبر.

ومما ذكرنا يظهر أن الوضع في تلك الاسماء عام، والموضوع له خاص، ولا نعني بالخاص، الجزئي الخارجي، بل ما ينطبق عليه عنوان الفرد المذكر ولو كان في نفسه معنى من المعاني وطبيعة من الطبائع، كما لا يخفى.

 

 

صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له بالطبع أو بالوضع[1].

_________________________________________________________

الاستعمال المجازي:

[1] المراد بصحة الاستعمال حسنه عند أهل المحاورة، بأن لا يستهجن عندهم استعمال اللفظ في المعنى المفروض، وهل الصحة محتاجة إلى الوضع بمعنى ترخيص الواضع في خصوص ذلك الاستعمال (ويسمى بالوضع الشخصي) أو ترخيصه في نوع ذلك الاستعمال بأن يرخص الاستعمال فيما كانت بين الموضوع له والمستعمل فيه إحدى العلاقات المعروفة، أو لا تحتاج إلى شيء من ذلك، بل كل استعمال لا يكون مستهجناً عند أهل اللسان وكان استعمالاً للفظ فيما يناسب معناه عندهم فهو صحيح، حتى مع منع الواضع عنه فضلاً عن عدم ترخيصه، وكل ما يكون مستهجناً عندهم ولا تقبله الطباع فهو غير صحيح حتى لو رخص الواضع فيه.

قال سيدنا الاستاذ (قدس سره): إن البحث في أن المجاز محتاج إلى وضع شخصي أو نوعي،يتوقف على أمرين:

أحدهما: ثبوت الاستعمالات المجازية، بأن يستعمل اللفظ الموضوع لمعنى في غير ذلك المعنى، وأما بناء على ما ذهب إليه السكاكي في باب الاستعارة من أن اللفظ يستعمل دائماً في معناه الموضوع له ويكون تطبيقه على غير مصداقه، بدعوى أنه فرده، فلا يبقى مجال لهذا البحث، والصحيح ما ذهب إليه السكاكي والوجه فيه أنـه يفهم الفرق بين قول القائل: (زيد أسد، أو أنـه قمر) وبين قوله: (زيد شجاع، أو أنـه حسن الوجه) حيث يفهم المبالغة من الأول دون الثاني، ولو كان لفظ (أسد) أو (قمر) مستعملاً في معنى الشجاع أو حسن الوجه لما كان بينهما فرق.

ثانيهما: الالتزام بأن الوضع غير التعهد والالتزام بإرادة المعنى الفلاني عند ذكر هذا اللفظ، وإلا فبناءاً على مسلك التعهد يكون كل مستعمل متعهداً بإرادة ذلك المعنى منه عند ذكره بلا قرينة وإرادة مناسبه عند ذكره مع القرينة سواء كان تعيين ذلك المعنى المناسب أيضاً بالقرينة كما في الوضع النوعي،أو بما عينه أولاً، كما في الوضع الشخصي(26).

أقول: ما ذهب إليه السكاكي من الالتزام بالعناية والمجاز في الاسناد والتطبيق، لا يعم جميع الاستعمالات المجازية ليقال إن أمر التطبيق خارج عن شأن الواضع، بل ذكر ذلك في الاستعارة وهي ما يكون بعلاقة المشابهة في أظهر الاوصاف والخواص، وأما في موارد سائر العلاقات فلا ينبغي إنكار استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له، كما في قوله: (من قتل قتيلاً) وقوله: (رأس القوم) وإرادة رئيسهم، و(عين القوم) وإرادة حارسهم، و(أعتق رقبة) وإرادة العبد والمملوك، إلى غير ذلك من الموارد التي لا ينتقل ذهن السامع فيها إلى المعاني الأولية للألفاظ، وإنما ينتقل إلى المعاني التي يستعمل فيها اللفظ (ولو بالقرينة)، حتى مع جهله بالمعاني الحقيقية، وهذا بخلاف (زيد أسد) أو (أن وجهه قمر).

وأما عدم جريان النزاع على مسلك التعهد فلا يتم أيضاً، وعلى تقديره أيضاً يكون للبحث مجال، وذلك لأن الوضع ينسب إلى المتعهد الأول، ولذا يقال في جواب من سأل: من سمى الولد بهذا الاسم؟ سماه أبوه، ولو لم يكن الوضع مستنداً إلى السابق في التعهد لم يكن للسؤال والجواب مجال، وعلى ذلك يقع الكلام في أن استعمال اللفظ المفروض في معنى آخر يحتاج إلى رخصة الشخص المفروض شخصاً أو نوعاً، أو أن كل ما تقبله الطباع من الاستعمال يصح ولو مع منع ذلك الشخص.

 

كما إذا قيل: ضرب مثلا فعل ماض[1].

أو صنفه كما إذا قيل (زيد ـ في ضرب زيد ـ فاعل) إذا لم يقصد شخص القول أو مثله كضرب في المثال فيما إذا قصد.

_________________________________________________________

استعمال اللفظ في اللفظ:

[1] التزموا بصحة استعمال اللفظ في اللفظ، بأن يكون اللفظ دالا على إرادة اللفظ الآخر، فيكون اللفظ الآخر مدلولاً وصححوه في استعمال اللفظ في نوعه واستعماله في صنفه واستعماله في مثله.

فالأول كما إذا قيل: (ضرب فعل ماض) إذ من الظاهر أن الملفوظ ليس بالفعل الماضي بل هو مبتدأ في الكلام، والذي هو فعل ماض ما يقال عند الاخبار بوقوع الضرب بنحو التحقق، وإذا أراد المتكلم بقوله (ضرب) طبيعي لفظ ضرب (الذي يقال عند الاخبار بوقوع الضرب بنسبة تحقيقية) يكون ذلك الطبيعي من قبيل المعنى لما تلفظ به، فيكون الملفوظ دالا وذلك الطبيعي مدلولاً.

والثاني فيما إذا قال: (زيد في ضرب زيد، فاعل) ولم يرد شخص ما ذكره من (ضرب زيد) بل كان مراده: أن كلما ذكر زيد بعد (ضرب) في مقام الاخبار فهو فاعل، وعليه فإن لفظ زيد الذي ذكره أولاً دال وزيد الثاني مدلول، وهو من قبيل إرادة الصنف لا النوع إذ لا يشمل كل افراد لفظ زيد حتى الواقعة غير فاعل، مثل (زيد ضرب)، بل خصوص افراده الواقعة فاعلاً في مقام الاخبار من أي متكلم، فالمراد الصنف من لفظ زيد لا النوع.

والثالث نفس المثال، فيما إذا أراد من لفظ زيد الذي ذكره أولاً، لفظ زيد فيما تكلم به من شخص القول وهو من قبيل استعمال لفظ زيد في مثله.

ومما ذكرنا يظهر أن قول المصنف (قدس سره): «كضرب في المثال فيما إذا قصد» من سهو القلم، ولابد من تبديله إلى قوله كـ(زيد في المثال فيما إذا قصد شخص القول).

ثم أراد (قدس سره) بقوله: «وقد أشرنا إلى أن صحة الاطلاق … إلخ» ما تقدم منه في الأمر الثالث من أن صحة استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالطبع، وزاد عليه بالاستشهاد له بوقوع هذا النحو من الاستعمال في الالفاظ المهملة، كما إذا قيل (ويز) مهمل. ودعوى أن الالفاظ المهملة إنما يطلق عليها المهملة لعدم وضعها لمعنى على حد سائر الالفاظ، ولا ينافي ذلك كونها موضوعة للاستعمال في نوعها أو صنفها أو شخصها، واضحة البطلان.

واختلفوا فيما إذا ذكر لفظ وأريد منه شخصه، كما إذا قيل: (زيد لفظ) وأريد منه شخص الملفوظ لا نوعه وصنفه ومثله، فإن كون ذلك من قبيل استعمال اللفظ في المعنى محل إشكال، لأن شخص الملفوظ إن كان دالا ومدلولاً لزم اتحاد الدال والمدلول، وإن كان دالا فقط، لزم تركب القضية المحكية من جزئين المحمول والنسبة، مع أن تلك القضية لابد من تركبها من ثلاثة أجزاء: الموضوع، والمحمول، والنسبة، فإنه لا يمكن تحقق النسبة بدون المنتسبين.

وأجاب الماتن (قدس سره) عن الاشكال بوجهين:

الأول: أنـه يكفي في تعدد الدال والمدلول، تعددهما بالاعتبار، ولا يلزم التعدد الخارجي، فاللفظ بما أنـه صادر عن لافظه دال وباعتبار أنه بنفسه وبشخصه مراد، يكون مدلولاً.

والثاني: أن القضية المعقولة وإن امتنع تركبها إلا من ثلاثة أجزاء، إلا أن القضية الملفوظة لا يمتنع تركبها من جزئين، وبيان ذلك أنه إذا أمكن للمتكلم إحضار الموضوع في القضية المعقولة في ذهن السامع بلا توسيط استعمال اللفظ، كانت الاجزاء في القضية المعقولة تامة بلا حاجة إلى الاتيان بالحاكي عنه، وفيما إذا تلفظ بلفظ وأريد شخصه في ثبوت المحمول له تتم القضية المعقولة، ولا يكون في ناحية الموضوع استعمال للفظ في المعنى أصلاً.

أقول: أما الجواب الأول فهو لا يفيد شيئاً، لأن الكلام في المقام في الدلالة اللفظية واستعمال اللفظ، بأن يكون خطور اللفظ إلى ذهن السامع أولاً، وخطور معناه بتبعه ثانياً، ولو ببركة القرينة، وهذه الدلالة تحتاج إلى تعدد اللفظ والمعنى حقيقة، وأما دلالة صدور اللفظ من لافظه على إرادة اللافظ ذلك اللفظ، فهي دلالة عقلية، فإن اللفظ في كل مورد صدر من متكلم عاقل، يكون كاشفاً عقلا عن تعلق إرادة اللافظ ولحاظه به، ولا يختص ذلك بالتلفظ بل يجري في كل فعل صادر عن فاعل مختار، فيكون صدوره كاشفاً عن تعلق قصد فاعله به ولحاظه إياه، وأين هذا من الدلالة اللفظية وإحضار المعنى إلى ذهن السامع بتبع إحضار اللفظ؟

ومما ذكرنا يظهر أنه لا يمكن المساعدة على ما ذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) في المقام في توجيه كفاية التعدد الاعتباري بين الدال والمدلول، من أن التضايف بين الشيئين لا يقتضي التقابل بينهما مطلقا بأن يكون لكل من المتضائفين وجود مستقل، بل التقابل ينحصر بالموارد التي يكون بين الشيئين تعاند وتناف في الاتحاد، كما في العلية والمعلولية والابوة والبنوة، لا في مثل العالمية والمعلومية والمحبية والمحبوبية، فإن النفس من كل إنسان عالمة ومعلومة لها، ومحبة لها ومحبوبة لها، والدلالة ـ أيكون الشيء دالا ومدلولاً ـ من هذا القبيل، ولذا ورد في دعاء أبي حمزة الثُّمالي: «وأنت دللتني عليك»(27).

ووجه الظهور أن الكلام في المقام في الدلالة اللفظية واستعمال لفظ في معنى، والمراد بها ما تقدم، من انتقال ذلك المعنى إلى ذهن السامع بنقل اللفظ إليه، وهذه تكون من قبيل العلية والمعلولية في الانتقال، فلا يعقل اتحاد الدال والمدلول خارجاً، وأما الدلالة في دعاء أبي حمزة الثُّمالي «وأنت دللتني عليك» فهي كون شيء منشأ للعلم به، ومن الظاهر أن الله سبحانه نفسه منشأ لعرفان الخلائق إياه، فإنه الذي هو خالق الاشياء ومكون الأجرام الفلكية والكونية ومركب الإنسان وغيره من سائر الحيوانات، فيكون كل ذلك معرفاً لقدرته وعظمته وجبروته وحكمته، فإن البناء بعظمته يكشف عن مهارة بانيه وبالتالي تظهر مهارة الباني بمهارته نفسه.

وأما ما ذكره في الجواب ثانياً من إحضار الموضوع وإلقائه إلى ذهن السامع بلا توسيط استعمال اللفظ، فهو مر صحيح، لأن الاستعمال إنما يحتاج إليه فيما إذا لم يمكن إلقاء المعنى ونقله إلى ذهن السامع بلا توسيط، وأما إذا كان مقصود المتكلم ومراده نفس اللفظ والحكم عليه، فلا موجب للاستعمال بل لا مصحح له، وعليه فلا يكون من باب استعمال اللفظ في المعنى، كما تقدم.

 

 

بل يمكن أن يقال إنه ليس أيضاً من هذا الباب ما إذا أطلق اللفظ وأريد به نوعه أو صنفه[1].

_________________________________________________________

[1] ثم إنه (قدس سره) قد أجرى ما ذكره في ذكر اللفظ وإرادة شخصه ـ من عدم كون إرادة الشخص من قبيل استعمال اللفظ، بل من إلقاء الموضوع بلا توسيط الاستعمال ـ على ما إذا ذكر اللفظ وأريد به نوعه أو صنفه، وذكر أنه يمكن في موارد إرادة النوع أو الصنف أن يحكم على اللفظ ـ أي الملفوط ـ بما هو فرد ومصداق من الطبيعي، فيقال: زيد ثلاثي، أو بما هو فرد من صنف نوعه بأن يقال: زيد المذكور في أول الكلام مرفوعاً مبتداء، إلى غير ذلك، ولكن قد التزم باستعمال اللفظ في اللفظ في موارد إرادة المثل كما أنه التزم في آخر كلامه بأنه يمكن في موارد إرادة النوع أو الصنف كونه بنحو إلقاء الموضوع كما تقدم، ويمكن كونه من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، كما إذا جعل اللفظ مرآة وحاكياً عن نوعه أو صنفه، فإنه كموارد إرادة المثل، يكون مستعملاً في المعنى وحاكياً عنه، ثم ذكر (قدس سره) أن الاستعمالات المتعارفة في موارد إرادة النوع ليست من قبيل إلقاء الموضوع حيث أن الحكم المذكور في الكلام ربما لا يعم نفس الملفوظ كما في قولنا: (ضرب فعل ماض) حيث إن ما تلفظ به ليس بفعل ماض، بل هو مبتداء في الكلام. ومن الظاهر أن ما ذكره في النوع من عدم عموم الحكم يجري في إرادة الصنف أيضاً، فهذه الموارد تكون من قبيل استعمال اللفظ في اللفظ ولكن الاستعمال فيها ليس بحقيقة، لعدم الوضع، كما أنـه ليس بمجاز، لعدم لحاظ العلاقة بين المعنى الحقيقي والمستعمل فيه، لجريان الاستعمال في المهملات أيضاً، وهذا هو المراد من قوله (قدس سره) فيما يأتي في بحث الحقيقة الشرعية: «وقد عرفت سابقا أنه في الاستعمالات الشائعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز»(28).

لا يقال: ما الفرق بين إرادة المثل وقد التزم (قدس سره) فيه بالاستعمال وبين إرادة الصنف فالتزم فيه بإمكان الوجهين من الاستعمال وإلقاء الموضوع بنفسه.

فإنه يقال: كأنه (قدس سره) نظر إلى أن مقتضى كون شيء مثلاً للآخر هو الاثنينية فيهما، ولذا يلزم اجتماع المثلين، بخلاف موارد إرادة الصنف، فإنه يمكن وجود فرد من الصنف والحكم عليه بما هو فرد،كما إذا قيل: زيد في أول الكلام مبتدأ، ولذا يكون الحكم المذكور شاملاً لنفس ذلك اللفظ.

أقول: الصحيح عدم الفرق بين موارد إرادة الشخص وبين موارد إرادة المثل والصنف والنوع، فإن شيئاً منها ليس من قبيل استعمال اللفظ في اللفظ وذلك لأنه كما يكون المعنى كلياً ويرد عليه التقييد بحيث لا ينطبق معه إلا على واحد، كذلك نفس اللفظ وإذا أريد طبيعي الملفوظ يعني زيد مع هيئته وقيد بكونه بعد شخص (ضرب) ينطبق على الواقع بعده ولا يعم غيره، فيكون الحكم في القضية على فرد خاص لا بصورته الخاصة، بل بالعنوان المنطبق عليه خاصة، ولو ببركة التقييد.

لا يقال: القابل للتقييد والانطباق على الفرد هو الطبيعي، لا الشخص، وبالتلفظ بلفظ زيد، يوجد الشخص لا الطبيعي القابل للتقييد، ففي مورد إرادة المثل لابد من الالتزام بالاستعمال.

فإنه يقال: تقييد الطبيعي بقيد بحيث لا ينطبق معه إلا على واحد يكون في موطن النفس، فلا ينافي ذلك كونه شخصاً بالتلفظ به، فهو ـ مع قطع النظر عن تشخصه باللفظ ـ يكون كلياً في أفق النفس، وقد قيد فيه وحكم عليه بما ذكر.

وبالجملة الاطلاقات المتعارفة في موارد الحكم على اللفظ كلها من قبيل إلقاء الموضوع في الخارج بنفسه لا بلفظه. وما ذكره (قدس سره) من أن الحكم في القضية قد لا يعم شخص اللفظ كما مثل له بقوله: ضرب فعل ماض، وأن الملفوظ مبتداء لا فعل ماض، لا يمكن المساعدة عليه، حيث إن (ضرب) فيما إذا استعمل في معناه الموضوع له يكون ماضياً، وأما مع عدم استعماله في المعنى المفروض وإرادة نفس الصيغة كما هو المفروض يمكن الحكم عليه فيكون مبتدأ. وبتعبير آخر: يكون المراد (ضرب) في المثال السابق على تقدير استعماله في معناه الموضوع له فعلاً ماضياً لا مطلقا، كما لا يخفى. نعم يمكن الحكم عليه بما إذا لم يقيد بحال استعماله في المعنى، كما في قولنا: (ضرب لفظ).

لا ريب في كون الالفاظ موضوعة بإزاء معانيها[1].

_________________________________________________________

خروج القصدعن المعنى:

[1] وبيانه أنـه يتحقق الاستعمال بأمرين: الأول لحاظ المتكلم المعنى، وثانيهما كون قصده من الاستعمال الالتفات إليه بأن يحضر ذلك المعنى إلى ذهن السامع بتبع التفاته إلى اللفظ أولاً، وقد ذكر(قدس سره) سابقاً خروج الأمر الأول ـ يعني لحاظ المعني ـ عن حريم الموضوع له والمستعمل فيه، وأن المستعمل فيه اللفظ كالموضوع له، نفس المعنى.

ويذكر في المقام خروج الأمر الثاني عن حريمهما وأن القصد المفروض كاللحاظ غير مأخوذ في معاني الالفاظ، واستشهد للخروج بأمور:

الأول: أن القصد المفروض مقوم للاستعمال ومحقق له فلا يؤخذ في الموضوع له والمستعمل فيه، كاللحاظ.

والثاني: صحة الحمل والاسناد في الجمل بلا تصرف في أطرافها، فإن الالفاظ لو كانت موضوعة للمعاني بما هي مرادة، لما صح الاسناد والحمل فيها بلا تجريد في أطرافها، مع أن المحمول على زيد في (زيد قائم) والمسند إليه في (ضرب زيد) نفس القيام والضرب لا بما هما مرادان، وكذلك الأمر في ناحية الموضوع والفاعل، فإن الموضوع والفاعل هو زيد لا بما هو مراد.

والثالث: أن اللازم على تقدير أخذ القصد المفروض في المعاني هو كون الوضع في عامة الالفاظ خاصاً، والموضوع له خاصاً، لأن ما يتوقف عليه الاستعمال بل مقومه ليس هو مفهوم الارادة والقصد، بل ما يكون بالحمل الشائع إرادة وقصداً وأخذ واقع القصد في معنى اللفظ يوجب جزئيته.

أقول: كلامه كما ذكرنا ناظر إلى خروج قصد المعنى عن الموضوع له والمستعمل فيه، وأما أن القصد المفروض ليس شرطاً في ناحية الوضع نظير ما التزم به في المعنى الحرفي والاسمي من كون اللحاظ الآلي شرطاً في وضع الحرف، والاستقلالي شرطاً في وضع الاسم، فليس في كلامه تعرض لإبطال ذلك. ولقائل أن يقول: بما أن الوضع في الالفاظ أمر بنائي، فلا محالة يختص بصورة خاصة، وهي ذكر اللفظ في مقام قصد المعنى وإرادة انتقاله إلى ذهن السامع، وأما مع ذكره في غير هذا المقام فلم يتعلق باللفظ تعيين وقرار، فيكون نفس الوضع مقيداً بصورة إراده التفهيم لا الموضوع له والمستعمل فيه، ليرد عليه لزوم التجريد في مورد الحمل أو الاسناد أو كون الوضع في عامة الالفاظ عاما والموضوع له خاصاً. وما ذكر من خطور المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ ولو من غير شاعر لا ينافي اشتراط الوضع بالقصد، فإن الخطور المفروض لا يستند إلى الوضع، بل إلى أنس الاذهان بتلك المعاني من تلك الالفاظ، ولذا يخطر المعنى ولو مع تصريح الواضع باختصاص وضعه بصورة قصد التفهيم، وحيث إن قصد التفهم لابد من إحرازه بوجه، فلو أحرز تكون الالفاظ معينة للمعاني بمقتضى قرار الوضع والتعيين، وقد جرت سيرة أهل المحاورات عند صدور كلام عن متكلم عاقل على حمله على إرادة التفهيم ما لم يكن في البين قرينة على الخلاف.

والحاصل أن الدلالة التصديقية التي ذكرها المصنف في ذيل كلام العلمين (قدس سرهما) عين الدلالة الوضعية وأن الدلالة التصورية ـ يعني خطور نفس المعني من نفس اللفظ عند سماعه بأي نحو كان ـ ناشئة عن أنس الذهن بالاستعمال ولا يكون في اشتراط الوضع بذلك شيء من المحاذير المتقدمة.

ولكن الصحيح أنه كما لا اشتراط في ناحية المستعمل فيه كذلك لا اشتراط في ناحية الوضع أيضاً،وذلك لأنـه إن كان المأخوذ في ناحية الوضع مطلق إرادة التفهيم في مقابل التلفظ غفلة وبلا إرادة، فهذا لا يحتاج إلى الاشتراط، لأن الاستعمال لا يكون بدون تلك الارادة وإنما يمكن اشتراط شيء في الوضع إذا أمكن استعمال اللفظ بدونه لو لا الاشتراط، وإلا يكون الاشتراط لغواً، وإن كان المأخوذ إرادة خاصة كالإرادة المتعلقة بتفهيم المعنى الفلاني مثلاً، فاشتراطها في الوضع غير معقول، لأنـه على ذلك يلزم على السامع إحراز أن المتكلم يريد المعنى المفروض من الخارج لأنـه شرط دلالة اللفظ، وهذا في الحقيقة إبطال لدلالة الالفاظ، فتحصل من جميع ذلك أن اللفظ في مقام الوضع يتعين لذات المعنى، من غير أن يؤخذ اللحاظ أو الارادة والقصد في ناحية المعنى أو في ناحية الوضع.

 

 

كما توهمه بعض الافاضل[1].

_________________________________________________________

تبعية الدلالة للإرادة:

[1] وحاصل التوهم هو أن ما حكي عن العلمين (قدس سرهما) من تبعية الدلالة للإرادة، ظاهره أن ثبوت المدلول للكلام تابع وموقوف على إرادة المتكلم له، بأن يكون قصد المعنى قيداً للمعنى، وإلا لم يكن المدلول موقوفاً وتابعاً للإرادة. وبتعبير آخر: حيث إن ظاهر كلام العلمين (قدس سرهما) توقف ثبوت المدلول للكلام على إرادة المتكلم بحيث لا يثبت المدلول فيما لم يكن له إرادة، يلزم أخذ الارادة في معاني الالفاظ.

ودفع (قدس سره) التوهم بأن للكلام مدلولين:

الأول: المدلول التصوري، وهو الناشئ من العلم بوضع الالفاظ، بأن يكون سماع اللفظ موجباً للانتقال إلى معناه فيما كان السامع عالماً بوضعه، وهذا المدلول ثابت للكلام على كل تقدير، وغير موقوف على قصد المتكلم وإرادته.

والثاني: المدلول التصديقي، وهو كون المتكلم قاصداً لتفهيم المعاني المقررة في وضع تلك الالفاظ، وهذه الدلالة لا تثبت بمجرد العلم بالوضع، ولذا لابد فيها من إحراز كون المتكلم في مقام التفهيم ليحرز قصده تلك المعاني من تلك الالفاظ وكلام العلمين (قدس سرهما) ناظر إلى هذه الدلالة الموقوفة والتابعة للقصد والارادة.

لا يقال: هذه الدلالة أيضاً لا تتبع قصد المتكلم، فإن المدلول التصديقي يثبت في موارد عدم إرادة المتكلم، كما في مقام الخطاء والاعتقاد بإرادة شيء مع أنـه لم يكن ذلك الشيء مراداً للمتكلم.

فإنه يقال: لا يكون في هذه الموارد دلالة حقيقة، بل تخيل دلالة يحسبها الغافل دلالة.

أقول: الدلالة التصديقية أيضاً على قسمين:

الأول: الدلالة التصديقية الاستعمالية، وهذه الدلالة تتبع قصد التفهيم، فإنه إذا قصد المتكلم تفهيم أمر وأتى بالكلام على وفق وضع الالفاظ المقررة للمعاني ثم جزم السامع بأن ما أفهمه المتكلم بكلامه أمر آخر، يكون ذلك من خطاء السامع وتخيله، لا من المتكلم.

والثاني: الدلالة التصديقية، بالمراد الجدي يعني كشف المراد الجدي بأصالة التطابق بين مراده الاستعمالي ومراده الجدي وهذه الدلالة ـ المعبر عنها بأصالة التطابق تثبت ولا تتبع إرادة المتكلم جداً، لما أفهم بكلامه كما في موارد الافتاء تقية. وبتعبير آخر: هذه الدلالة لا تتبع إرادة المتكلم واقعاً وجداً، ولا ينافيها عدم إرادته كذلك، وإنما ينافيها العلم بالخلاف أو نصبه القرينة على الخلاف، كما لا يخفى. وعلى ذلك فإن أراد العلمان (قدس سرهما) تبعية هذه الدلالة التصديقية لإرادة المتكلم، فقد ذكرنا عدم تبعيتها لها، وإن أراد التبعية في ثبوت الدلالة الاستعمالية فلها وجه، كما تقدم.

 

 

لا وجه لتوهم وضع المركبات غير وضع المفردات[1].

_________________________________________________________

الوضع في المركبات:

[1] بأن يقال: المركب بما هو مركب ـ مادة وهيئة ـ قد وضع لمعنى بوضع آخر زائداً على وضع مفرداته في ناحية موادها شخصياً، وفي ناحية هيئات مفرادته نوعياً، وقوله (قدس سره): «ومنها خصوص هيئات المركبات » عطف على قوله: «بهيئاتها المخصوص يعني من الهيئات الطارئة على المواد هيئات المركبات، كهيئة المبتداء والخبر، مع أداة التأكيد أو مع غيرها أو بدونهما.

ثم إن ظاهر كلامه وكلام غيره أن الوضع في مثل (زيد قائم) و(ضرب زيد عمراً) في ناحية موادهما شخصي وفي جهة الهيئات نوعي.

ولنا أن نتسائل: كيف صار الوضع في ناحية المواد شخصياً، وفي ناحية الهيئات نوعياً؟

فإن قيل: بأن الواضع حين وضع المواد لاحظ مادة مخصوصة بحيث لا تعم سائر المواد ووضعها لمعنى، ولذا صار الوضع في ناحية الماده شخصياً.

فيقال: بأن الوضع في ناحية الهيئات أيضاً كذلك، فإن الواضع حين الوضع لاحظ هيئة خاصة بحيث لا تعم سائر الهيئات، مثلاً لاحظ هيئة (الفاعل) بخصوصها ولم يكن الملحوظ شاملاً لهيئة (مفعول) أو غيرها.

وإن قيل: إن الملحوظ حين وضع هيئة (فاعل) كان شاملاً لجميع جزئياتها الطارئة على المواد المختلفة بالنوع وبهذا الاعتبار سمي وضعها نوعياً.

فإنه يقال: الملحوظ عند وضع المادة أيضاً كان شاملاً لجميع جزئياتها الطارئة عليها الهيئات المختلفة بالنوع، وبالجملة لم يظهر وجه لتسمية الوضع في ناحية الهيئة نوعياً وفي ناحية المادة شخصياً.

وأجيب عن الاشكال: بأن حال الهيئات ـ حتى في مقام اللحاظ ـ حال العرض في الخارج، فكما أن العرض لا يتحقق بلا موضوع كذلك الهيئة لاتكون ملحوظة إلا في ضمن مادة، حيث لا يمكن حين وضعها لحاظها بنفسها بخلاف المواد فإنها قابلة للتصور بنفسها، بمعنى أنه يمكن للواضع ملاحظة مادة من المواد، عارية عن جميع الهيئات المعروفة الموضوعة في مقابل المواد، وعليه فاللازم في وضع الهيئات أحد أمرين: إما ملاحظتها طارئة على عنوان جعلي مشير إلى المواد المختلفة بالنوع، كما يعبرون عن ذلك بـ(ف ع ل) ويجعلونه مشيراً إلى المواد المختلفة. وإما ملاحظتها طارئة على مادة فتوضع هي وما يماثلها من الهيئات لمعناها.

أقول: عدم إمكان لحاظ الهيئة مستقلاً والاحتياج عند وضعها إلى أحد الأمرين لا يكون موجباً لافتراقها عن المادة بحسب الموضوع، حيث إن الموضوع في كل منها كما ذكرنا هو النوع لا الشخص في أحدهما والنوع في الآخر وإمكان لحاظ المادة بلا هيئة لا يفيد فيما ذكر في الفرق، فإن علماء الادب القائلين بوضع المادة شخصياً والهيئة نوعياً قد صرحوا بأن الاصل في الكلام ـ أي المشتقات ـ هو المصدر أو الفعل الماضي، ومرادهم من الاصل أن المادة حين وضعها لوحظت في ضمن هيئة المصدر أو هيئة الفعل الماضي، وعلى ذلك فالموضوع ليس خصوص المادة الملحوظة مع هيئة المصدر أو الفعل، بل هي وما يكون منها في ضمن سائر الهيئات فيكون وضعها أيضاً نوعياً كالوضع في ناحية الهيئة.

واستدل الماتن (قدس سره) على عدم وضع آخر للمركب بما هو مركب بأمرين:

الأول: عدم الحاجة إليه بعد وفاء الوضع في ناحية مواد المركب وهيئاتها لغرض الوضع.

والثاني: بأن لازم ثبوت وضع آخر للمركب بما هو مركب تعدد الانتقال، فباعتبار الوضع في مواده وهيئاته يكون الانتقال تفصيلياً، وباعتبار وضعه بما هو مركب يكون الانتقال إجمالياً، كما ينتقل إلى ما يراد من لفظ الدار من المعنى إجمالاً بسماع لفظ الدار، وينتقل إليه تفصيلاً فيما إذا ذكر العرصة التي عليها الجدران وفيها البيوت وسائر المرافق ومدخلها من الباب.

علائم الحقيقه والمجاز.

 

 

بداهة أنه لولا وضعه لما تبادر[1].

_________________________________________________________

التبادر:

[1] بعدما ثبت بطلان الدلالة الذاتية، بحيث يكون اللفظ دالا على معنى بلا جعل قرار، فإنه لو كان اللفظ بنفسه مقتضياً للانتقال إلى معناه لما كان أحد جاهلاً باللغات، يكون التبادر والانسباق معلولاً للعلم بالوضع، ولا يكفي فيه ثبوت الوضع واقعاً، فإنه من الواضح أنه لو لم يكن علم بالوضع لم يكن انسباق وتبادر، فالانسباق معلول للعلم بالوضع، ولو كان العلم بالوضع أيضاً حاصلاً من الانسباق، كما هو مقتضى جعل التبادر علامة للوضع، لتوقف إحراز الوضع على إحرازه، وهو الدور.

وأجابوا عن ذلك كما في المتن بأن العلم الحاصل من التبادر غير العلم بالوضع الذي يتوقف عليه التبادر، فإن الأول علم تفصيلي، والثاني ـ يعني ما يتوقف عليه التبادر ـ علم إجمالي ارتكازي، والمراد بالعلم الاجمالي الارتكازي عدم الالتفات فعلاً إلى المعنى وخصوصياته من سعته وضيقه، لا الجهل به رأساً، وأهل أي لغة واصطلاح يعلمون معاني لغتهم بالارتكاز ويلتفتون إليها عند سماع ألفاظها.

أقول: ما يترتب على التبادر كما ذكر لا أهمية له، فإن تشخيص المراد الاستعمالي للمتكلم موقوف على العلم الاجمالي الارتكازي بأوضاع الالفاظ هيئة ومادة، لا على العلم التفصيلي، والمفروض أن العلم الاجمالي لا يحصل بالتبادر، بل التبادر يحصل به.

ثم إن هذا فيما إذا أريد كون التبادر عند المستعمل (بالكسر) أمارة عنده على وضع اللفظ، وأما إذا أريد كون التبادر عند أهل المحاورة أمارة للمستعلم الجاهل بوضعه، فلا مجال لتوهم الدور، فإن علم المستعلم موقوف على التبادر، والتبادر عند أهل المحاورة موقوف على علمهم، وفي هذا الفرض يستكشف المستعلم من التبادر عندهم وضع اللفظ ولكن في خصوص ما أحرز أن التبادر عندهم غير مستند إلى قرينة خاصة أو عامة، ولا يفيد مع احتمال الاستناد إلى القرينة أصالة عدم القرينة، لأن أصالة عدم القرينة أو الحقيقة أو غيرهما من الأصول اللفظية إنما تعتبر فيما شك في مراد المتكلم، لا فيما أحرز مراده وشك في أنـه بالقرينة أم بالوضع.

مثلاً إذا أحرز ظهور كلام الشارع أو غيره فعلاً، ولكن شك في أن الكلام زمان صدوره أيضاً كان ظاهراً في هذا المعنى أو كان ظاهراً في غيره لاحتمال النقل أو كان زمان صدوره مجملاً لاشتراك اللفظ في ذلك الزمان، ثم هجرت سائر معانيه بعد ذلك، ففي مثل ذلك بما أن الشك في مراد المتكلم زمان صدور كلامه، تجري أصالة عدم النقل أو عدم الاشتراك أو أصالة عدم القرينة إلى غير ذلك.

 

 

والتفصيل أن عدم صحة السلب عنه وصحة الحمل عليه بالحمل الذاتي الذي كان ملاكه الاتحاد مفهوماً علامة كونه نفس المعنى[1].

_________________________________________________________

صحة الحمل وعدمه وصحة السلب وعدمه:

[1] حاصل ما ذكر (قدس سره) في عدم صحة السلب المعبر عنه بصحة الحمل وفي صحة السلب المعبر عنه بعدم صحة الحمل هو أنه لو لم يصح سلب معنى لفظ (والمراد المعنى المرتكز منه إجمالاً في الاذهان على قرار ما تقدم في التبادر) عن معنى وصح حمله عليه بالحمل الأولي، كان ذلك علامة كون المعنى عين معنى اللفظ المرتكز في الاذهان، كما أن عدم صحة سلب ذلك المعنى المرتكز عن شيء، وصحة حمله عليه بالحمل الشائع علامة لكون الشيء المفروض من مصاديق ذلك المعنى المرتكز، كما أن صحة السلب بالسلب الأولي علامة لعدم كون المعنى المفروض هو المعنى المرتكز من ذلك اللفظ، كما أن صحة السلب الشايع علامة عدم كون الشيء المفروض من مصاديق ذلك المعنى المرتكز من ذلك اللفظ، وإن قلنا بأن إطلاق اللفظ المفروض وحمل معناه المرتكز على ذلك الشيء لا يكون من باب المجاز في الكلمة، بل اللفظ يستعمل في معناه المرتكز ويطبق عليه بالادعاء والعناية، فيكون المجاز في الأمر العقلي، لأن انطباق المعنى على مصاديقه خارج عن استعمال اللفظ في معناه، بل هو أمر يدركه العقل، فلذا يقال: إن المجاز في هذه الموارد في أمر عقلي كما صار إليه السكاكي.

ومما ذكر في التبادر، يظهر أن كون صحة الحمل علامة للحقيقة أو لكون المصداق حقيقياً وكون صحة السلب علامة للمجاز أو لعدم كون الشيء مصداقاً حقيقة لا يستلزم الدور للتغاير بين الموقوف والموقوف عليه بالاجمال والتفصيل، أو أن أحدهما علم المستعلم، والآخر علم أهل المحاورة.

أقول: صحة الحمل الأولي وإن كان يكشف عن اتحاد المحمول مع الموضوع مفهوماً، لكنه لا يكشف عن اتحادهما من جميع الجهات، بل قد يكون بينهما تغاير بالاجمال والتفصيل (كما في قولنا: الحيوان الناطق إنسان) أو باعتبار آخر (كما في قولنا: الإنسان بشر)، وعليه فلا يكون صحة الحمل الأولي كاشفا عن كون المعنى المحمول عليه هو بعينه المعنى المرتكز للفظ، بل غاية ما يثبت بذلك صحة الاستعمال، وهو أعم من الحقيقة.

وتظهر ثمرة ذلك فيما إذا كان أحد العنوانين موضوعاً لحكم خاص في خطاب الشارع دون الآخر، فإنه وإن صح حمل الموضوع على العنوان الآخر بالحمل الأولي إلا أن الحكم لا يترتب إلا على العنوان الأول، مثلاً: إذا حكم الشارع بطهارة الدم المتخلف في الحيوان المذبوح، وذبح حيوان وشك في دم فيجوفه أنه من الدم المتخلف أو أنـه رجع إلى جوفه لعارض كعلو رأس الحيوان أو جر نفسه الدم من الخارج، فإنه باستصحاب عدم خروج الدم المفروض إلى الخارج لا يثبت عنوان الدم المتخلف، مع أنه يحمل بالحمل الأولي على عنوان (دم لم يخرج من جوفه عند ذبحه) إلا أن حكمه لم يثبت عليه، فتدبر.نعم صحة السلب ـ يعني سلب المعنى المرتكز من اللفظ ـ عن شيء شك بدواً في كونه مصداقاً له علامة عدم كون المسلوب عنه مصداقاً وفرداً لذلك المعنى، فإن الطبيعي لا يسلب عن فرده ومصداقه في حال، بل يحمل عليه في جميع الاحوال، ولو صح حمل عنوان على شيء في حال خاص لثبت أنه فرده فيذلك الحال فقط، فتدبر جيدا.

 

ولعله بملاحظة نوع العلائق[1].

_________________________________________________________

الاطراد:

[1] وحاصله أن القائل بكون الاطراد في استعمال اللفظ في معنى علامة الحقيقة، وعدم اطراده علامة المجاز لاحظ نوع العلائق التي ذكروها للاستعمالات المجازية، ورأى أن اللفظ لا يستعمل فيكل معنى يكون بينه وبين معناه الموضوع له إحدى هذه العلاقات، ولاحظ أيضاً اللفظ الموضوع لمعنى ورأى أنه يستعمل فيه دائماً، فذكر أن استعمال اللفظ في معنى مطردا علامة كونه حقيقة فيه وعدمه كما ذكر علامة كونه مجازاً، وإلا فلو لاحظ هذا القائل خصوص علاقة يصح بها استعمال اللفظ في معنى بتلك العلاقة لرأى أنه يصح استعماله في ذلك المعنى مكرراً، فمثلا استعمال لفظ الاسد في الحيوان المفترس مطرد، وكذلك استعماله في الرجل الشجاع، وعلى ذلك فلا يعلم من مجرد اطراد الاستعمال في لفظ بالإضافة إلى معنى من المعاني أنـه على نحو الحقيقة أو المجاز.

وذكر صاحب الفصول (قدس سره) أن الاطراد بلا تأويل علامة الحقيقة(29).

وفيه أن زيادة قيد (بلا تأويل) أو (على وجه الحقيقة) وإن كان موجباً لاختصاصه بالحقيقة فإنه لابد في الاستعمال المجازي من التأويل وإعمال العناية، إلا أن الاطراد على ذلك لا يكون علامة الحقيقة إلا بوجه دائر، لتوقف إحراز كون الاطراد بلا تأويل على العلم بالوضع، فلو توقف العلم بالوضع عليه لدار.

لا يقال: الموقوف على الاطراد العلم التفصيلى، والاطراد موقوف على العلم الاجمالى بالوضع، كما تقدم في الجواب عن الدور في التبادر وعدم صحة السلب.

فإنه يقال: الجواب المتقدم غير جار في المقام، فإن انسباق المعنى من اللفظ إلى ذهن السامع لا يتوقف على علمه التفصيلي بوضع ذلك اللفظ لذلك المعنى، فالعلم التفصيلي يحصل للسامع بالتبادر، بخلاف المقام، فإن الاطراد هو شيوع استعمال اللفظ في معنى بلا تأويل وعناية، وإحراز هذا الاطراد يتوقف على حصول العلم التفصيلي بالوضع قبل إحراز الاطراد وذلك لأن العلم التفصيلي يحصل بملاحظة استعمال واحد وإحراز الاطراد يتوقف على ملاحظة أكثر من استعمال واحد. وكذلك الأمر، بناءاً على أن التبادر عند العالم علامة للمستعلم، حيث إنه يمكن للمستعلم إحراز المعنى المتبادر من اللفظ عند أهل المحاورة قبل علمه بالوضع، بل يحصل هذا العلم له نتيجة علمه بالتبادر عندهم، وهذا بخلاف الاطراد فإن إحراز الشخص أن هذا اللفظ يستعمل عند أهل المحاورة بنحو الشيوع والتكرار بلا عناية في معنى خاص فرع علمه بالوضع عندهم لذلك المعنى، وإلا فكيف يحرز أن هذه الاستعمالات كلها بلا لحاظ علاقة وعلى وجه الحقيقة؟

أقول: لعل مراد القائل بكون الاطراد علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز هو أنه لو أراد المستعلم أن يعلم كون استعمال لفظ في معنى خاص عند أهل المحاورة بنحو الحقيقة ومن قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له أو أنه يستعمل فيه بنحو المجاز، فعليه أن يلاحظ استعمالاتهم فإذا رأى صحة التعبير عندهم عن ذلك المعنى بذلك اللفظ حتى في استعمالاته التي لا تناسب رعاية العلاقة المحتمل رعايتها في بعض تلك الاستعمالات، علم بوضع اللفظ لذلك المعنى، وإذا رأى عدم صحة استعمال اللفظ المفروض فيذلك المعنى في جميع التراكيب المتعارفة، فيعلم بأن استعماله إنما هو بلحاظ تلك العلاقة التي كان يحتمل وقوعه بلحاظها، كما في المرق الرقيق، فإنه قد يطلق عليه الماء في موارد الطعن على صاحبه مثلاً، أو آكليه، وقد لا يطلق عليه الماء في جميع الموارد كما إذا لم يكن عند المكلف ماء للوضوء والغسل وكان عنده المرق، فإنه لا يقول عندي ماء، وهذا بخلاف ماء الكوز ونحوه فإنه يطلق عليه الماء في جميع الموارد، ووصفه في بعضها بأنه قليل لا يقدح فيما هو المهم فيه.

 

للفظ أحوال خمسة: وهي التجوز والاشتراك والتخصيص ...[1].

_________________________________________________________

أحوال اللفظ:

[1] فإنه إن استعمل اللفظ في غير ما وضع له بلحاظ العلاقة يكون مجازاً، وإن استعمل في معنى آخر باعتبار أنـه الموضوع له أيضاً بلا هجر معناه الأول يكون مشتركاً، ومع هجره ورعاية المناسبة يكون منقولاً، وباعتبار عدم إرادة بعض مدلوله جداً يكون تخصيصاً، وباعتبار تقدير الدال على المراد يكون إضماراً.

وإفراد التخصيص عن المجاز مبني على ما هو الصحيح من أنه كالتقييد لا يكون موجباً للمجاز في استعمال العام، وأما عدم ذكره (قدس سره) التقييد، فلعل مراده بالتخصيص ما يعمه، كما أن عدم تعرضه للمجاز والعناية في الاسناد لدخوله في التجوز عنده من باب الاستخدام.

ثم إذا أحرز ظهور اللفظ في معنى، واحتمل أن يكون مراد المتكلم غير ذلك الظاهر بأن احتمل استعماله في غيره مجازاً، أو أنه موضوع للمعنى الآخر عنده بلا هجر معناه الأول، أو مع هجره أو أنه أراد غير ذلك الظاهر بنحو الاضمار، أو كون مراده الجدي غيره بنحو التخصيص أو التقييد، تكون أصالة الظهور متبعة كما هو المقرر في مبحث حجية الظهور، وأما إذا أحرز أن مراده غير معناه الظاهر وتردد مراده بين الانحاء المذكورة أو بين بعضها، فلا اعتبار بشيء مما قيل في ترجيح بعضها على بعض ما لم يكن في البين ظهور لكلامه في تعيين أحدها.

 

وهو أن الوضع التعييني كما يحصل بالتصريح بإنشائه[1].

_________________________________________________________

الحقيقة الشرعية:

[1] ذكر (قدس سره) أن إنشاء الوضع التعييني كما يكون بالقول، كذلك قد يكون بنفس استعمال لفظ في معنى غير موضوع له، على نحو استعمال اللفظ فيما وضع له بأن يقصد الحكاية والدلالة على ذلك المعنى بنفس اللفظ لا الحكاية عنه باللفظ مع القرينة، نعم لابد في البين من قرينة دالة على أن استعمال اللفظ فيه والحكاية عنه بنفس اللفظ لغاية تحقق وضعه له ـ وهذه غير قرينة المجاز، حيث إن القرينة فيه تكون على حكاية اللفظ معها عن المعنى ـ وعدم كون استعمال اللفظ في المعنى في مقام وضعه له، من الاستعمال الحقيقي (حيث إن المفروض حصول الوضع بعد تحقق ذلك الاستعمال) ولا من المجاز (حيث إن المعتبر في الاستعمال المجازي لحاظ العلاقة بين المعنى المستعمل فيه ومعناه الموضوع له) غير ضائر، بعد كون هذا النحو من الاستعمال مما يقبله الطبع ولا يستهجنه، وقد تقدم أن في الاستعمالات الشائعة ما لا يكون حقيقة ولا مجازاً، ولكن مما يقبله الطبع، كاستعمال اللفظ في اللفظ.

وأورد المحقق النائيني (قدس سره) على ما ذكر من حصول الوضع بالاستعمال، بأن الاستعمال يقتضي لحاظ اللفظ فانياً في المعنى بحيث يكون الملحوظ استقلالاً هو المعنى ويكون اللفظ مغفولا عنه، بخلاف الوضع فإنه يقتضي لحاظ اللفظ استقلالاً، فلو حصل الوضع بالاستعمال لزم كون اللفظ في ذلك الاستعمال ملحوظاً آلياً واستقلالياً.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإنه ـ كما سيأتي في بحث استعمال اللفظ في أكثر من معنى ـ أن مجرد استعمال اللفظ في معنى لا يقتضي كون اللفظ ملحوظاً استقلالاً، لا أنه يقتضي عدم لحاظه استقلالاً، فلو كان في الاستعمال غرض يقتضي لحاظ اللفظ استقلالاً فلا ينافيه الاستعمال، كما إذا كان غير العربي يتكلم باللغة العربية ويعبر عن مراداته بتلك اللغة في مقام إظهار معرفته بها، فيكون كمال إلتفاته إلى الالفاظ ويستعملها لتفهيم مراداته. ولو أغمض عن ذلك وقلنا بأن الاستعمال يقتضي فناء اللفظ في المعنى وكونه مغفولا عنه، فإن مقتضى ذلك أن لا يكون اللفظ بنفسه ملحوظاً استقلالاً عند إنشاء المعنى المراد من اللفظ أو الحكاية عنه، وهذا لا ينافي كون النفس ملتفتة إلى الاستعمال المفروض فتعتبره وضعاً لذلك اللفظ بإزاء ذلك المعنى المنشأ والمحكي عنه.

وأورد أيضاً على ما ذكره الماتن (قدس سره) من أن المقصود في مورد الوضع بالاستعمال الحكاية والدلالة على المعنى بنفس اللفظ لا بالقرينة، كما في المجاز، بأن دلالة اللفظ على المعنى المفروض لا تكون بلا قرينة، وذلك لعدم إمكان انتقال المعنى إلى ذهن السامع من اللفظ بدون الوضع وبدون القرينة لبطلان الدلالة الذاتية في الالفاظ، وإذا لم يكن وضع قبل حصول الاستعمال كما هو المفروض، فكيف يكون الانتقال من اللفظ إلى ذلك المعنى بلا قرينة ؟ غاية الأمر القرينة الدالة على كونه في مقام الوضع تكون مغنية عن قرينة مستقلة للدلالة عليه، ولو فرض في مورد عدم كفايتها، لزم نصب قرينة أخرى أيضاً للدلالة.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإن دلالة اللفظ على المعنى وإن لم تكن ذاتية ولكنها لا تتوقف على الوضع الحاصل من قبل أو القرينة، بل الموجب للدلالة هو العلم بالوضع، ولو بالوضع الحاصل بالاستعمال، فالقرينة على الوضع بالاستعمال، في الحقيقة قرينة على جعل نفس اللفظ دالا على المعنى المفروض، فيكون ذلك اللفظ بنفسه دالا، ولذا ذكر أنها تغني عن القرينة الاخرى.

 

 

فلا يكون حقيقة ولا مجازاً[1].

_________________________________________________________

[1] لعل نظره (قدس سره) في عدم كون الاستعمال المفروض حقيقة إلى عدم تحقق الوضع عند الاستعمال وكون الاستعمال إنشاءاً للوضع مقتضاه أن لا يتصف الاستعمال المفروض بكونه موضوعاً له، وأما عدم كونه استعمالاً مجازياً فلأن المفروض عدم كون الاستعمال بلحاظ العلاقة وإعمال العناية.

أقول: ما ذكره من عدم كون الاستعمال حقيقة فيما إذا أريد تحقق الوضع لا يمكن المساعدة عليه، فإن حصول الوضع بالاستعمال لكون الابراز مقوماً في الانشائيات ومنها الوضع في الالفاظ، وعلى ذلك فلا يكون المعنى قبل الاستعمال متصفاً بكونه موضوعا له، وكذا في مرتبة الاستعمال، ولكن زمان حصول الاستعمال متحد مع زمان الوضع الذي يكون اعتباره بالنفس وإبرازه بالاستعمال، ولا حاجة في كون الاستعمال حقيقة إلى أزيد من ذلك، إذ معه لا يحتاج المتكلم إلى لحاظ العلاقة وإعمال العناية، وقد تقدم أن ما أشار إليه المصنف من أن في الاستعمالات المتعارفة ما لا يكون بحقيقة ولا مجاز غير صحيح، وأن استعمال اللفظ في اللفظ أمر لا أساس له.

 

 

ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها[1].

_________________________________________________________

[1] قد يقال: تبادر المعاني الشرعية من ألفاظ العبادات الواردة في محاورات الشارع أول الكلام، وعلى تقديره فلا يكون مثبتاً للوضع بالاستعمال، ولكن الظاهر عدم ورود الاشكال، فإنه لا يحتمل أن يكون مثل قوله سبحانه: «كتب عليكم الصيام» الآية (30)، عند نزولها من المجملات، ولم تكن ظاهرة في الصدر الأول في المعاني الشرعية، أو كانت ظاهرة في معانيها اللغوية.

نعم، يبقى في البين احتمال كون تلك الالفاظ موضوعة لتلك المعاني قبل الشريعة الاسلامية أيضاً، كما استشهد الماتن لذلك بغير واحد من الآيات، مثل قوله تعالى «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم»(31)، وقوله سبحانه: «وأذن في الناس بالحج»(32)، وقوله سبحانه: «وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا»(33)، فتكون ألفاظها حقيقة لغوية لا شرعية، واختلاف الشرائع في تلك الحقائق جزءاً أو شرطاً لا يوجب تعدد المعنى، فإن الاختلاف يمكن أن يكون في المصاديق والمحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا.

ثم إنه (قدس سره) أيد ثبوت الحقيقة الشرعية في تلك الالفاظ، بعدم ثبوت علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية وبين معانيها اللغوية، وقد مثل بلفظ الصلاة حيث لا علاقة بين معناها الشرعي وبين معناها اللغوي، ومجرد اشتمال معناها الشرعي على الدعاء لا يوجب ثبوت العلاقة المعتبرة في استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، حيث إنه لا تركيب حقيقة، وليس الجزء من الاجزاء الرئيسية. فعدم ثبوت العلاقة المعتبرة يكشف عن عدم كون استعمال لفظ الصلاة في معناها الشرعي في محاورات الشارع من قبيل الاستعمال المجازي، والوجه في جعل ذلك مؤيداً لا دليلاً يمكن أن يكون أحد أمرين، الأول :إن عدم العلاقة على تقديره لا يكشف عن وضع الشارع، لإمكان كون تلك الالفاظ موضوعة للمعاني الشرعية قبل الاسلام، كما استشهد لذلك بالآيات. والثاني: إمكان صحة استعمال اللفظ في المعنى، ولو مع عدم العلاقة المعتبرة وبلا وضع، كما تقدم من وقوعه في بعض الاستعمالات المتعارفة لحسنها بالطبع.

وأورد المحقق النائيني (قدس سره) على ما ذكره ـ من أن ثبوت المعاني الشرعية في الشرائع السابقة يوجب كون تلك الالفاظ حقائق لغوية ـ بأن ثبوت بعض المعاني الشرعية أو كلها في الشرائع السابقة لا يوجب انتفاء الحقيقة الشرعية، لأن ثبوتها فيها لا يكشف عن كون أساميها المتداولة عندنا كانت موضوعة لها قبل الاسلام في لسان العرب السابق، حيث لم تكن لغة جميع الأنبياء السابقين (على نبينا وآله وعليهم السلام) عربية، فيحتمل أن العرب في ذلك الزمان كانوا يعبرون عنها بغير الالفاظ المتداولة عندنا، بل كانوا يعبرون بغير اللغة العربية كما نراهم فعلاً يعبرون عن بعض الاشياء المخترعة بلغات سائر الأمم، ووجود لفظ الصلاة في الانجيل المترجم بلغة العرب لا يدل على سبق استعمال لفظ الصلاة أو غيره في تلك المعاني قبل الاسلام، لاحتمال حدوث الاستعمال عند ترجمة الانجيل بلغة العرب بعد الاسلام.

وبالجملة، ثبوت الحقيقة الشرعية لا يتوقف على عدم وجود المعاني الشرعية قبل الاسلام، بل موقوف على عدم كون الالفاظ المتداولة عندنا موضوعة لتلك المعاني الشرعية قبل الاسلام، سواء كان ذلك لعدم المعنى الشرعي سابقاً أو لعدم وضع اللفظ له قبل الاسلام(34).

أقول: المدعى أن الناس قد فهموا من قوله سبحانه «كتب عليكم الصيام»(35) عند قراءة النبي(ص) لها و لغيرها من الآيات، المعاني الشرعية ولا يكون ذلك عادة إلا إذا كان تعبيرهم عن تلك المعاني الشرعية السابقة على الاسلام بهذه الالفاظ المتداولة.

لا يقال: كيف يمكن دعوى الجزم بأن المعاني الشرعية كانت هي المتبادرة في محاورات الشارع وعند نزول الآيات المشار إليها، مع أن ما ورد في الروايات المعتبرة في قضية تيمم عمار شاهد لكون المتفاهم عندهم كانت هي المعاني اللغوية؟

فإنه يقال: المدعى أن جل تلك الالفاظ كانت حقيقة في تلك المعاني لا كلها، بحيث لا يشذ منه لفظ أو لفظان، ولفظ التيمم ـ على ما يظهر من الروايات ـ لم يكن له معنى خاص في الشرائع السابقة، كما يشير إليه قوله (ص): «جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً»(36).

ودعوى أن لفظ الصلاة أيضاً كان ظاهرا في معناه اللغوى وإنما كان يستعمل في معناه الشرعي في محاورات الشارع مجازاً أو بلحاظ العلاقة، حيث إن الصلاة في اللغة بمعنى الميل والعطف، والعطف من الله سبحانه الرحمة والمغفرة، ومن العباد طلبها، فيكون من باب استعمال اللفظ الموضوع للكلي وإرادة فرده الخاص، لا يمكن المساعدة عليها، فإنه لا يحتمل أن يكون قوله سبحانه «وأقيموا الصلاة»(37) مرادفاً عندهم لقوله «واستغفروا الله» ولا مناسباً له، كما لا يخفى.