إن ما وضعت له الالفاظ ابتداءاً هو الصحيح التام [1]._________________________________________________________[1] كأن مراد هذا القائل أن اللفظ في إبتداء الأمر، قد وضع ـ كسائر المركبات ـ للصحيح التام، ثم استعمل في الناقص بالتنزيل بلحاظ الاثر، يعنى سقوط التكليف بالناقص لاشتماله على الملاك ولو فيحال مخصوص، أو عناية للمشابهة في الصورة، كما في الناقص المحكوم بالفساد حتى صار اللفظ حقيقة في الناقص أيضاً.وقد أورد (قدس سره) على هذا التصوير بأنه يمكن في مثل أسامي المعاجين الموضوعة إبتداءاً للمركب من أجزاء خاصة، حيث يصح فيها إطلاقها على الناقص منها للمشابهة صورة أو للمشاركة في الاثر، ولا يتم في مثل الصلاة من العبادات التي تكون أفرادها التامة مختلفة ومتعددة بحسب اختلاف الحالات واختلاف المكلفين، بحيث يكون الصحيح بحسب حالة فاسداً بحسب حالة أخرى. أقول: هذا التصوير بظاهره لا يرجع إلى محصل، فإنه إذا فرض وضع اللفظ للصحيح التام، ثم فرض استعماله في الناقص بلحاظ الاثر أو المشابهة في الصورة، والمفروض أن الناقص بالإضافة إلى التام متعدد ومتكثر، يكون اللفظ المفروض بعد صيرورته حقيقة في الناقص أيضاً من قبيل متكثر المعنى، فأين الجامع الشامل للصحيح والفاسد كما هو قول الأعمي، اللهم إلا أن يراد صيرورته حقيقة في الجامع كما يأتي تقريره في الوجه الخامس.
ما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة[1]._________________________________________________________ [1] والفرق بين هذا الوجه والوجه الرابع المتقدم هو أن اللفظ على هذا الوجه، يكون في النتيجة حقيقة في الجامع، وذلك لأن اللفظ الموضوع للمقدار والوزن وإن لوحظ عند وضعه مقدارا خاصا معينا، ووضع بإزائه إلا أن مع استعماله في الزائد وفي الناقص عنه ـ ولو بدعوى أنهما ذلك المقدار ـ صار اللفظ المفروض حقيقة في الأعم من ذلك المقدار، بحيث يشمل معناه الزائد والناقص في الجملة.وقد أشرنا في الوجه السابق، أنـه يمكن إرجاعه إلى هذا الوجه، ولعل الماتن (قدس سره) قد فهم ذلك، حيث لم يورد على الوجه السابق بأنه يوجب كون اللفظ من متكثر المعنى، بل أورد عليه بأن اختلاف الصحيح وتعدده بحسب الحالات، يمنع الالتزام فيه بما يلتزم في أسامي المعاجين، كما أنـه أورد بذلك أيضاً على هذا الوجه، وقال: إن تعدد الصحيح في العبادة واختلافهما بحسب الحالات يمنع عن الالتزام فيها بما يلتزم في أسامي المقادير والاوزان، ولكن العجب هو ما ذكر في أسامي المقادير والاوزان، والتزم به الماتن (قدس سره) أيضاً، فإنه لو كانت هناك ألفاظ ذات معان محدودة في ناحية قلتها وكثرتها وسعتها وضيقها فأولها أسامي المقادير والاوزان، فكيف يمكن دعوى أنها صارت حقائق في الأعم، بحيث تشمل الزائد والناقص في الجملة؟ مع أنـه لا يترتب شيء من الاحكام المترتبة على تلك المقادير والاوزان على الناقص منها ولو بيسير، فلا يحكم باعتصام الماء ولو نقص من مقدار الكر مثقالاً، ولا تتعلق الزكاة بالغلة إذا نقصت عن النصاب بمثقال، ولا تقصر الصلاة في سفر إذا نقص من مقدار المسافة ولو بشبر، إلى غير ذلك. ولذا يصح سلب ذلك المقدار عن الناقص بل عن الزائد، كما لا يخفى.
وكل منهما بعيد إلى الغاية[1]._________________________________________________________ [1] يعني الالتزام بأن لفظ الصلاة استعمل في تلك الاستعمالات في الجامع مجازاً، أو أنـه لم يستعمل في الجامع بل في بعض الافراد بخصوصه، بعيد إلى الغاية.أقول: قد تقدم عدم تصوير الجامع على الصحيحي، فعليه أن يلتزم في تلك التراكيب إما باستعمال اللفظ في بعض الافراد أو في جميعها على نحو استعمال اللفظ في أكثر من معنى، أو في الجامع الاعتباري من الافراد الصحيحة، ولو كان ذلك الجامع غير موضوع له، وأما القائل بالأعم فهو في فسحة من ذلك، فهولا يلتزم بالمجاز فيها، بل باستعمال اللفظ فيها في الجامع الموضوع له كما تقدم.لا يقال الآثار المذكورة في تلك الاستعمالات لا تترتب إلا على خصوص الصحيحة من الصلاة لا على الجامع المتقدم الذي يتحقق بالصحيح والفاسد. فإنه يقال: قد تقدم أن الآثار الواردة تترتب على الصلاة، أي على الجامع المتقدم في مقام الامتثال، وإذا اتصف الجامع المفروض بأنـه امتثال يكون صحيحاً لا محالة، فإرادة الامتثال فيها بدال آخر، ودلالة الخطاب على إرادة الصلاة الممتثلة إنما هو بتعدد الدال والمدلول فلا مجازية، كما لا يخفى. وبالجملة، الآثار الواردة لا تترتب حتى على الصحيح في مقام التسمية، كما تقدم، فالمراد الصحيح في مقام الامتثال لا محالة.
ومنها أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على الصحيحي[1]._________________________________________________________ [1] وبيان ذلك: أنـه لا يمكن التمسك بالاطلاق الوارد في الخطاب إلا بعد إحراز انطباق المعنى المطلق على مورد الشك مع تمامية مقدمات الحكمة، حيث يحرز بعد الانطباق وتماميتها بأنه لولا ثبوت الحكم لمورد الشك، لكان في البين دال على التقييد، ومع عدم ما يدل عليه، يكون المتكلم مظهراً لعدم دخالة المشكوك، وأما إذا لم يحرز ذلك الانطباق، كما إذا ورد في الخطاب (جعل الله الماء لكم طهوراً) وشك في صدق الماء على الجلاب ليصح الوضوء وسائر الطهارات به، فلا يمكن الحكم بكونه طهوراً تمسكا بإطلاق الماء في الخطاب المفروض، إذ لو لم يكن مطهراً فإنما هو لعدم كونه ماء لا لتقييد الماء بغيره.وعلى ذلك فإذا شك في كون شيء جزءاً للصلاة مثلاً، لا يمكن إحراز عدم كونه جزءاً أو شرطاً بمثل قوله سبحانه «أقيموا الصلاة» على القول بالصحيح لعدم إحراز معنى الصلاة حتى ينطبق على الفاقد لذلك الجزء، وهذا بخلاف القول بالأعم، فإنه بناءاً عليه يمكن نفي جزئية المشكوك أو شرطيته به، مع تمامية مقدمات الحكمة لإحراز كون الفاقد له صلاة. نعم يتحقق إجمال الخطاب بناءاً على الأعمي أيضاً،فيما إذا احتمل كون المشكوك مقوماً للمسمى. وذكر المحقق النائيني (قدس سره) أن الخطابات من الكتاب والسنة غير واردة في مقام بيان الاجزاء والشرائط لمتعلقات الاحكام، يعني العبادات، بل كلها في مقام تشريع تلك المتعلقات، فلا يمكن التمسك بها على القولين، غاية الأمر عدم جواز التمسك بها على الصحيحي، لإجمالها في ناحية المراد من المتعلقات، وعلى الأعمي لإهمالها من جهتها، هذا بالإضافة إلى الاطلاق اللفظي، وأما بالإضافة إلى الاطلاق المقامي، كما إذا أحرز في مورد، أن الشارع في مقام بيان ما يعتبر في العبادة جزءاً أو شرطاً كصحيحة حماد(68) الواردة في كيفية الصلاة، وكصحيحة زرارة(69)، وغيرها الواردة في بيان غسل الجنابة، فيمكن نفي جزئية المشكوك أو شرطيته بإطلاقها يعني عدم ذكر دخالة المشكوك في ذلك المقام، فإنه لو كان معتبراً في العبادة لكان عدم ذكره فيه خلاف الغرض، بلا فرق القول بالصحيح أو الأعم.ثم قال (قدس سره): ولكن الصحيح عدم جواز التمسك بصحيحة حماد المشار إليها، لإثبات وجوب المذكورات فيها، وذلك للعلم الاجمالي باشتمالها على أمور مستحبة أيضاً، فيكون ظهورها في الوجوب والجزئية ساقطاً، ونظيرها التمسك بقوله (ص): «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»(70)، فإنه بعد القطع واليقين بعدم اقتصار النبي (ص) على الاجزاء الواجبة والشرائط اللازمة، بل كان يأتي بالمستحبات في صلاته، يكون المراد بالأمر بالاتباع مطلق الطلب، فلا يمكن الحكم بالجزئية والشرطية بمجرد ورود رواية بأن النبي (ص) كان يقراء في صلاته بكذا أو يفعل كذا(71).وفيه العلم الاجمالي باشتمال الصحيحة على بعض الامور المستحبة ينحل بالظفر خارجاً بالدليل على استحباب بعض تلك الامور، وبتعبير آخر: إن قيام الدليل على الترخيص في ترك بعض تلك الامور لا يكون موجباً لرفع اليد عن ظهورها بالإضافة إلى غير ذلك البعض، وأيضاً العلم الاجمالي المفروض لا يمنع عن الحكم بعدم الجزئية والشرطية في المشكوك الذي لم يذكر في تلك الصحيحة، وإنما يمنع مع عدم انحلاله أو مع المناقشة في أصل ظهور الصحيحة في الوجوب بالإضافة إلى المذكورات فيها. ومما ذكرنا يظهر الحال بالإضافة إلى قوله (ص): «صلُّوا كما رأيتموني أصلي» بل لا يبعد صحة التمسك بالاطلاق اللفظي لأدلة العبادات، على الأعمي فيما إذا أحرز عدم دخول المشكوك في المسمى بمثل قوله سبحانه «ثم أتمُّوا الصيام إلى الليل»(72)، بعد قوله «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض» فإنه لا بأس بالاخذ به فيما إذا شك في كون الارتماس مفطراً. ودعوى إهمال الخطاب في ناحية المتعلق لا يمكن المساعدة عليها بعد ظهور الآية التي قبلها وبعدها في أن ما يمسك عنه هو الاكل والشرب والنساء، والاصل في الخطاب كون المتكلم في مقام بيان الحكم والمتعلق والموضوع، كما لا يخفى. لا يقال: التمسك بالاطلاق في آية الصوم، يجري على الصحيحي أيضاً، فإنه من التمسك بالاطلاق المقامي. فإنه يقال: لم يظهر معنى الصوم من قوله سبحانه «ثم أتمُّوا الصيام إلى الليل» بناءاً على الصحيحي ليتمسك بإطلاقه، بخلافه على الأعمي لصدقه على الامساك عن المذكورات في عرف المتشرعة، لاتصافه بالبطلان مع تجرده عن الامساك عن سائر المفطرات، كما لا يخفى. وقد يقال بإجمال الخطابات على القولين، أما بناءاً على القول بالصحيح، فلما تقدم، وأما بناءاً على الأعمي فللعلم بأنه ليس المراد من الخطابات المسميات، لأن المسمى يصدق على الصحيح والفاسد، بل المأخوذ في متعلق الأمر مقيد بالصحة لا محالة، ولا فرق في عدم جواز التمسك بالخطاب بين كونه مجملاً بنفسه أو بالقيد المجمل المعلوم أخذه فيه، فيكون متعلق الأمر مجملاً بالذات على القول بالصحيح، ومجملاً بالعرض على القول بالأعم. وأجيب بأن الصحة متأخرة عن الأمر بالعبادة، ولا يمكن أخذها في متعلق الأمر. ولكن لا يخفى أن هذا لا يدفع المناقشة، فإن هذه الصحة كما أنها متأخرة عن الأمر بالعبادة، كذلك متأخرة عن التسمية حتى على القول بالصحيح، ولا تكون مأخوذة في متعلق الأمر، ولا في التسمية على القولين، والذي كان موجباً لإجمال المعنى على مسلك الصحيحي هو عدم معلومية تمام ما له دخل في الملاك الملحوظ، ولو بالعنوان الملازم، وهذا المعنى المأخوذ في متعلق الأمر على الصحيحي مأخوذ في متعلق الأمر في الخطابات على الأعمي، فيكون متعلق الأمر مجملاً حتى بناء على الأعمي أيضاً. والصحيح في الجواب هو أن يقال: إن المناقشة بإجمال الخطاب على الأعمي مبتنية على استعمال لفظ الصلاة، مثلاً عند الأمر بها، فيما هو الموضوع له عند الصحيحي، ولكن الأمر ليس كذلك بل ورود القيد على متعلق التكليف في المقام كورود القيد على سائر المطلقات لا يكشف عن استعمال اللفظ الموضوع للمطلق في المقيد إلا بنحو تعدد الدال والمدلول، كما ذكر في بحث المطلق والمقيد، فظاهر الخطاب على الأعمي تعلق التكليف بنفس المسمى، غاية الأمر يعلم بورود القيد على ذلك الطبيعي المسمى، وإذا دار أمر القيد بين الاقل والاكثر، فما ثبت تقييد المتعلق به يؤخذ به، ويتمسك في غيره بالاطلاق على حد سائر الموارد التي يكون ورود الأمر فيها بشيء مطلقا، ثم يعلم بورود القيد عليه ولو بخطاب آخر، فإنه يؤخذ في القيد المشكوك بإطلاق المطلق. وبتعبير آخر: المراد الجدي من تعلق التكليف هو المراد الاستعمالي من المتعلق على مسلك الصحيحي، وأما على مسلك الأعمي فالمستعمل فيه للفظ الصلاة حتى فيما ذكر في خطاب التكليف هو الجامع الوسيع، غاية الأمر يعلم بورود القيد على ذلك المتعلق، فإذا دار القيد بين كونه أقل أو أكثر يؤخذ بالمقدار الثابت من التقييد ويؤخذ في غيره بالاطلاق. وما تقدم سابقاً من تحديد الصلاة بالاركان أو بمعظم الاجزاء والشرائط في ناحية الاقل وأنـه لا يوجب المجاز عند إرادة الكل فليس المراد منه استعمال لفظ الصلاة بمجرده في المجموع التام، بل المراد استعماله فيه بنحو تعدد الدال والمدلول، ولكن مع ذلك يكون تطبيق المسمى على التام كتطبيق الكلام على ما ذكر معه من متعلقات الفعل والفاعل حقيقة. لا يقال: نفس العلم الاجمالي بورود القيود على المطلق ودورانها بين القليلة والكثيرة يوجب إجمال الخطاب، حتى لو بني على إرادة المقيد من المطلق بنحو تعدد الدال والمدلول، وأنـه لا يوجب استعمال نفس اللفظ الدال على المطلق في المقيد. فإنه يقال: العلم الاجمالي لا يوجب الاجمال فيما إذا كان المعلوم بالاجمال معلوماً بوجه آخر، كما إذا علم أن المطلق قد ورد عليه التقييد بخطابات مستقلة، بحيث نحتمل أن لا يكون في البين قيد آخر غير ما في تلك الخطابات، وفي مثله يرجع عند الشك في قيد آخر لم يقم عليه خطاب مستقل، إلى إطلاق الخطاب، ولذا يتمسك بخطاب «أحل البيع» في موارد الشك في شرطية شيء للبيع، مع العلم بأن البيع قد ورد عليه في الشرع قيود. وأما إذا لم يكن للمعلوم بالاجمال وجهاً معلوماً، فمجرد العلم ببعض القيود لا يكفي لخروج الخطاب عن الاجمال، بل عن الاهمال، حيث إنه مع العلم بعدم إرادة الاطلاق وعدم نصب خطاب للقيد يعلم أن المتكلم لم يكن في مقام البيان من جهة القيود، وهذا التفصيل يختص بباب الاطلاق ولا يجري في العام الوضعي، حيث إن ظهوره في إرادة كل فرد بالوضع ولا يرفع اليد عن ظهور العام إلا في الافراد التي يعلم بعدم إرادتها ثبوتاً ويؤخذ بالظهور في غيرها. وأما دعوى الاجمال في الخطابات حتى على الأعمي، بدعوى العلم بأن للشارع غرضا واحداً من الصلاة وغيرها من العبادات، ولا يعلم حصوله بالاكتفاء بالمتيقن من القيود، فواضحة الفساد فإن على المتكلم التكلم بنحو يحصل الغرض بالاتيان بمتعلق أمره، ومع الاطلاق يدفع دخالة المشكوك في غرضه، نعم ربما يناقش بمسألة الغرض الواحد في الرجوع إلى أصالة البراءة في موارد الشك في الجزئية والشرطية، وهذا غير المفروض في المقام، فإن الكلام في المقام في التمسك بالاطلاق ويأتي في بحث الاقل والاكثر الارتباطيين عدم صحة المناقشة المفروضة وأن العلم بالغرض من تعلق الأمر لا يمنع عن الرجوع إلى أصالة البراءة الشرعية.
وقد انقدح بذلك أن الرجوع إلى البراءة والاشتغال[1]._________________________________________________________ [1] يعنى بما أن موارد إجمال الخطاب في ناحية متعلق التكليف أو إهماله داخلة في الشك في الاقل والاكثر الارتباطيين، يكون المرجع فيها أصالة البراءة أو الاشتغال على القولين، وأنه لا أساس لما ذكره صاحب القوانين (قدس سره) من أن ثمرة النزاع هو الرجوع إلى البراءة على الأعم وإلى الاشتغال على الصحيح(73).والوجه في ذلك، أنه لو قيل بانحلال التكليف المعلوم بالاجمال في مقام الثبوت إما انحلالا وجدانياً أو حكمياً يكون المرجع عند دوران أمر المتعلق بين الاقل والاكثر هي البراءة وإذا بني على عدم الانحلال حقيقة ولا حكماً يكون المرجع قاعدة الاشتغال بلا فرق بين القولين. وذكر المحقق النائينى (قدس سره) انتصاراً لصاحب القوانين أن الصحيحي لا يمكنه الرجوع إلى البراءة عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته لمتعلق التكليف، بل عليه الالتزام بالاشتغال، وذلك لأن الصحيحي لا بدله من الالتزام بأخذ جامع بسيط خارج عن نفس الاجزاء والشرائط يكون ذلك الجامع معنى لفظ الصلاة مثلاً، والجامع المفروض إما مأخوذ من ناحية الاثر للأفراد الصحيحة، أو من ناحية عللها، ومع أخذ ذلك الجامع في متعلق التكليف يكون صدق المعنى على الفاقد للمشكوك غير محرز، فلابد من إحراز صدق ذلك العنوان عليه لرجوع الشك فيه إلى الشك في المحصل ـ بالكسرـ، وما حكي عن المشهور من ذهابهم إلى البراءة في تلك المسألة مع ذهابهم إلى القول بالصحيح في المقام، يحمل على الغفلة منهم أو تخيلهم عدم أخذ العنوان البسيط، معنى، للفظ الصلاة(74). أقول: لا يمكن المساعدة على الانتصار فإن مجرد كون العنوان البسيط معنى للفظ الصلاة لا يجعل المورد من موارد الشك في المحصل ليجري الاستصحاب في ناحية عدم حصول المحصل ـ بالفتح ـ بالاكتفاء بالاقل، أو تجري قاعدة الاشتغال في ناحية التكليف المتعلق به. وبتعبير آخر: الموجب لجريان الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال اختلاف متعلق التكليف مع المشكوك فيه وجوداً، بحيث يكون متعلق الشك وجوداً آخر، مغايراً لمتعلق التكليف، وإذا فرض أن العنوان المتعلق به التكليف ينطبق على نفس المركب المشكوك انطباق العنوان على معنونه والأمر الانتزاعي على منشأه، ففي مثل ذلك يكون المطلوب حقيقة هو ذلك المعنون لا العنوان، كما هو الحال في تمام موارد العنوان الانتزاعي، والمعنون بما أنـه مردد بين الاقل والاكثر، فيجري الكلام في انحلال التكليف المتعلق به ثبوتاً ولو بعنوان انتزاعي، وتفصيل الكلام في بحث الاقل والاكثر الارتباطيين إن شاء الله تعالى. ثم إن ما تقدم من لزوم الاحتياط عند الشك في المحصل ـ بالكسر ـ قد يقال باختصاصه بغير المحصلات الشرعية، وأما المحصلات الشرعية، فيمكن أن يقال فيها بجواز الاقتصار على الاقل المحرز من أجزائها وشرائطها في موافقة التكليف المتعلق بالمحصل ـ بالفتح ـ وذلك لأن المحصل ـ بالفتح ـ في حقيقته حكم شرعي واعتبار للشارع، فالتكليف لا يتعلق به وإنما يتعلق بما هو فعل المكلف، فمثلاً إذا فرض أن الطهارة من الخبث أمر يوجد بغسل الثوب والبدن، ففيما إذا شك في حصولها بالغسل مرة أو مرتين، حيث أن التكليف في الحقيقة متعلق بما هو الموضوع لها، يعني الغسل ـ فلا بأس بجريان البراءة عن وجوب الغسل مرة ثانية، وهذا بخلاف المحصلات الخارجية، فإن متعلق التكليف فيها يعني المسبب ـ بالفتح ـ غير مشكوك فيه والمشكوك سببه. ولكن لا يخفى أن لهذا الكلام وجها إذا أريد بالمحصل الشرعي ـ بالفتح ـ مجرد الحكم الشرعي الداخل في الحكم الوضعي، وكان ذلك متعلق التكليف الالزامي، وأما إذا أريد منه الأمر الواقعي الذي كشف عنه الشارع أو كان ذلك المعتبر قيداً لما هو متعلق التكليف الالزامي، كما في الأمر بالصلاة المقيدة بالطهارة، فلا مجال إلا للاشتغال وللكلام في ذلك مقام آخر.
إلا أنه ليس بثمرة لمثل هذه المسألة[1]._________________________________________________________ [1] كأن نظره (قدس سره) إلى أن المسألة الأصولية هي التي يستنبط منها الحكم الشرعي الفرعي الكلي، وتعيين المصداق للموضوع أو متعلق الحكم الشرعي الفرعي الكلي بواسطة مسألة من المسائل، لا يوجب دخولها في علم الأصول إذا كان الحكم معلوما من الخارج لا مستنبطاً من تلك المسألة، وما نحن فيه من هذا القبيل، لأن وجوب الوفاء على من نذر إعطاء درهم لمن صلى، حكم شرعي فرعي معلوم من الخارج، وبمسألة الصحيح والأعم يعين مصداق موضوع وجوب الوفاء بهذا النذر، إذ الصلاة الباطلة صلاة على الأعم، ومن أتى بها فقد صلى، فيجب على الناذر إعطاء درهم. ولكن ترتب مثل هذه الثمرة على مسألة الصحيح والأعم لا يدخلها في علم الأصول.ونظير ذلك ما ورد في الخطاب الشرعي من النهي عن صلاة الرجل وأمامه إمرأة تصلي، فعلى الأعم يحكم ببطلان صلاة الرجل أو كراهتها، حتى فيما كانت صلاة المرأة غير تامة من حيث الاجزاء والشرائط، بخلافه على الصحيح حيث لا يحكم ببطلان صلاته أو كراهتها، إلا إذا كانت صلاتها صحيحة. ولكن المناقشة ليست في محلها فإن مسألة الصحيح والأعم، لا تكون من المسائل الأصولية، ولذا لم تجعل من مسائل علم الأصول، بل ذكرت في مقدمة مسائل علم الأصول، فتكون هذه المسألة من المبادئ التصورية لمسائله. بيان ذلك: أن مسألة التمسك بالاطلاق في استنباط الاحكام الشرعية سواء كان الشك في أصل التقييد أو في التقييد الزائد، مسألة أصولية بلا فرق بين القول بأن مقدمات الحكمة توجب ظهور المطلق في الاطلاق، والقول بأن الاطلاق بحكم العقل، وكلامنا في المقام في تعيين أن ألفاظ العبادات تعد من المطلق ليمكن التمسك بإطلاقها فيما إذا وردت في الخطاب الشرعي وتمت فيه مقدمات الحكمة، كما هو مقتضى قول بالأعم أو أنها مجملة لا تدخل في المطلق. فالمناسب أن يناقش بأن ثمرة النذر أو ثمرة صلاة الرجل لا تجعل المسألة من مبادئ المسائل الأصولية، بل تجعلها من مبادئ المسائل الفقهية فلاحظ وتدبر، ولعل الماتن (رحمه الله) أشار إلى ذلك في آخر كلامه بقوله «فافهم».
ولا منافاة بين دعوى ذلك[1]._________________________________________________________ [1] وبتعبير آخر: معنى لفظ الصلاة وإن كان مجملاً على القول بالصحيح وغير مبين من جهة أجزائها وشرائطها إلا أن هذا الاجمال لا ينافي كون معناها مبيناً من جهة أثرها، ويكفي في الانسباق من اللفظ كون المعنى مبيناً ولو من جهة، هذا بالإضافة إلى التبادر، وأما صحة السلب، فيكون مقتضاها عدم السعة في معنى مثل لفظ الصلاة، بحيث يعم الافراد الفاسدة.أقول: للمناقشة في كل من التبادر وصحة السلب مجال واسع كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الاخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص[1]._________________________________________________________ [1] لا ينبغي التأمل في أن الآثار المحمولة على العبادات لا تعم الافراد الفاسدة، إلا أن عدم شمولها إما لكون مسمياتها المعاني الصحيحة، كما هو مقتضى القول بالصحيح، أو بتقييد مسمياتها بالقيود، كما هو مقتضى القول بالأعم، فيكون المقام من صغريات ما إذا علم المراد وأحرز أن الحكم الجاري على المطلق لا يعم شيئاً، ودار الأمر بين خروجه عن الاطلاق بالتقييد وبين عدم كون المطلق شاملاً له بحسب معناه الوضعي، ففي أمثال ذلك لا تجري أصالة الاطلاق أو الحقيقه وغيرها، كما أن الاخبار النافية للحقيقة عند فقدان جزء أو شرط مثل قوله (ص): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»(75) إرشاد إلى جزئية القراءة في الصلاة المأمور بها، والأمر دائر بين كون أخذها في متعلق الأمر بالتقييد ـ ونفي الصلاة عن فاقدها بحسب مقام الامتثال فقط ـ كما هو مقتضى القول بالأعم وكون النفي بحسب مقام الامتثال والتسمية كما هو مقتضى القول بالصحيح، ولا مجال لأصالة الاطلاق أو الحقيقة أو لغيرهما من الأصول مع العلم بالمراد، ولعله يشير إلى ذلك في آخر كلامه بقوله «فافهم».هذا مع الاغماض عما تقدم من أن مثل قوله سبحانه «الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»(76) أو قوله (ص): «إن عمود الدين الصلاة»(77) يراد به الصحيح في مقام الامتثال لا الصحيح في مقام التسمية.
إلا أنها قابلة للمنع[1]._________________________________________________________ [1] ووجه كونها قابلة للمنع، أنـه لم يثبت أن الواضع يضع اللفظ ابتداءاً بإزاء ذلك التام، بل يضع اللفظ للأعم منه ومما يختلف معه في الجملة كما تقدم سابقاً، هذا أولاً.وثانياً إن ما ذكر إنما يصح إذا كان المركب التام واحداً، فالحكمة في وضع الالفاظ تقتضي وضع اللفظ لذلك التام، لكون غرض التفهيم يتعلق به غالباً، بخلاف التام في المقام، فإنه يختلف بحسب الحالات والاشخاص والازمان وغيرها، وإذا أمكن وضع اللفظ للجامع المركب بين الافراد فلا محالة يكون ذلك الجامع أعم يصدق على التام والناقص، على ما تقدم.
وفيه أنـه قد عرفت الاشكال في تصوير الجامع[1]._________________________________________________________[1] قد تقدم عدم الاشكال في تصوير الجامع المركب على الأعم، فليس في دعوى التبادر محذور من جهة الجامع ولا من سائر الجهات، وكذا في دعوى عدم صحة سلب المسمى عن الفاسد. والمراد من صحة التقسيم إلى الصحيح وغيره صحته بحسب مسمى اللفظ، لا المسمى الذي تعلق به التكليف ثبوتاً، أو الذي يقوم به الغرض، فإن الصحيح بمعنى ما يقوم به الملاك والغرض يصح سلبه حتى عن التام بحسب مقام التسمية، الفاسد في مقام الامتثال، ولو لعدم قصد التقرب فيه، وبالجملة معنى صحة تقسيم المسمى إلى الصحيح والفاسد هو أن المعنى المتفاهم من لفظ الصلاة مثلا إذا تحقق في الخارج قد يتصف بأنه تام وقد يتصف بأنه ناقص، فيقال: إن الصلاة إذا وقعت قبل وقتها تكون فاسدة، وإذا وقعت بعده تكون صحيحة. ومنها استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الاخبار في الفاسدة[1]._________________________________________________________ [1] قد يقال: ظاهر جملة من الاخبار، ومنها الخبر المنقول(78) إن الولاية شرط لقبول العمل في مقام إعطاء الاجر والثواب لا شرط لصحته، وعليه فلا يمكن الاستدلال بالخبر لكون عبادة المخالف صلاة على القولين.أقول: يمكن الاستدلال بالخبر بتقريب آخر وهو أن الصلاة التي يأتي بها المخالف محكومة بالفساد للنقص في بعض أجزائها وشرائطها، فإطلاق الامام (عليه السلام) الصلاة على عمل المخالف لا يكون إلا بإرادة الأعم، فينحصر الجواب عن ذلك بما ذكره الماتن (قدس سره) أخيراً، ويمكن أن يقال: المرادبالاخذ، الاخذ باعتقادهم فلا موجب للالتزام باستعمال الالفاظ في غير الصحيح أو في الأعم، هذا مع الاغماض عما ذكرناه من أن الاستدلال بأصالة الاطلاق وأصالة الحقيقة لكشف كيفية الاستعمال لا يصح بعد معلومية المراد.وأما الاستدلال على قول الأعمي بنهي الحائض عن الصلاة أيام إقراءها(79) بدعوى أن النهي كالأمر لا يتعلق بغير المقدور، والصلاة الصحيحة لا تتمكن منها الحائض، لاشتراطها بالخلو من الحيض، فنهيها عنها أيام حيضها كاشف عن كون المراد بالصلاة الأعم، فهو كما ترى، إذ غاية الأمر يعلم بأن لفظ الصلاة في خطاب نهي الحائض مستعمل في الأعم بقرينة عدم إمكان نهيها عن الصحيحة، ولا دلالة لها على كون الاستعمال على نحو الحقيقة، هذا أولا. وثانياً أن النهي المفروض ليس بتكليفي ليقال إنه لا يتعلق بغير المقدور، بل إرشاد إلى عجزها عن الصلاة لاشتراطها بالخلو من الحيض، ونتيجة ذلك أن حرمة الصلاة على الحائض تشريعية، فإذا أتت بها تعليماً لبنتها، أو لغير ذلك من غير قصد الامتثال به لم تفعل حراماً. ودعوى كون النهي الارشادي أيضاً كالأمر الارشادي لا يتعلق بغير المقدور، لا يمكن المساعدة عليها، فإن الارشادي لا يتعلق بما أحرز عدم إمكانه لكونه لغواً محضا، وأما تعلقه بغير المقدور واقعاً،إرشاداً إلى عدم قدرة من يتوجه إليه النهي على متعلقه، فهو ليس بلغو، كما في النواهي الارشادية العرفية.
ومنها أنـه لا شبهة في صحة النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه[1]._________________________________________________________ [1] لا يخفى أن مرادهم نذر ترك صلاة النافلة، أو الصلاة التي تكون من قبيل الواجب الموسع، بحيث أمكن امتثال الأمر بها بإتيانها في غير الحمام، وأما نذر ترك الصلاة الواجبة التي ينحصر امتثال الأمر بها بالصلاة في الحمام ولو كان الانحصار بسوء الاختيار، فلا ينعقد، لأن النذر المفروض مساو لنذر تركالواجب، فلا ينعقد.وبتعبير آخر: نذر ترك الصلاة في الحمام كنذر ترك الصوم في يوم عاشوراء يصح ويحصل الحنث بالصلاة فيه، كحنث نذر ترك صوم يوم عاشوراء بالصوم فيه، فالمذكور في كلامهم أمران: صحة النذرالمفروض، وحصول الحنث بالفعل، ويستدل على القول بالأعم بهذين الأمرين، فإنه على قول الصحيحي لا يمكن أن يحكم بانعقاد النذر المفروض، وذلك لأن متعلق النذر على ذلك القول ترك الصلاة الصحيحة في الحمام، والصلاة الصحيحة من جميع الجهات غير مقدورة مع نذر تركها، فيلزم انتفاء النذر، لأنـه يعتبر في انعقاد النذر كون متعلقه مقدوراً، كما أنه على قول الصحيحي لا يمكن الالتزام بحصول الحنث بالصلاة في الحمام لكون تلك الصلاة فاسدة، لتعلق النهي بها ولو بعنوان حنث النذر ويلزم من حصول الحنث بها عدم حصوله، لأن المنذور ترك الصلاة الصحيحة وما يلزم من وجوده عدمه محال سواء كان نذراً أو حنثاً. والجواب عن هذا الاستدلال بأمرين: الأول: أن ما ذكر من المحذور لا يثبت كون لفظ «الصلاة» وغيره من ألفاظ العبادات موضوعة للأعم، بل غايته أن ما ذكر من المحذور قرينة على أن الناذر يريد بالصلاة في نذره، معناها الأعم. وهذا الجواب غير صحيح، لأن للمستدل أن يدعي أن من المقطوع به أن الناذر يستعمل لفظ «الصلاة» في المعنى الذي يستعمل اللفظ فيه في غير النذر. والثاني: أن المراد بالصحيح عند الصحيحي، هو التام من حيث الاجزاء والشرائط التي قررها الشارع لنفس الصلاة، وأما فسادها من قبل النهي عنها ولو بعنوان آخر، فلا يضر بالصحة المأخوذة في مسمى الصلاة، فالمراد بالتام من الصلاة في قول الناذر هو الصحيح لولا النذر، ولذا لو صلى الناذر في الحمام وأبطل صلاته في الاثناء بالحدث أو بغيره لا يحصل الحنث بها.
نعم لو فرض تعلقه بترك الصلاة المطلوبة بالفعل [1]._________________________________________________________[1] وحاصله، أنـه إذا تعلق النذر بترك الصلاة المطلوبة، لتكون مطلوبة للشارع بعد نذر تركها، فيمكن أن يقال بعدم حصول الحنث بالصلاة في الحمام، لأن الصلاة الفاسدة لا تكون حنثاً لذلك النذر. وذكر في هامش الكتاب أن صحة النذر المفروض مشكل، لعدم إمكان الصلاة الصحيحة المطلقة، بأن تكون مطلوبة بعد نذر تركها، ويلزم من ذلك صحة الصلاة في الحمام لعدم انعقاد النذر وبقاء الصلاة في الحمام على حكمها الاصلي.أقول: لا ينبغي التأمل في أن النذر يتعلق بفعل الناذر أو تركه، ولا يدخل فعل الغير في نذره ـ سواء كان فعل الشارع أو غيره ـ ولو نذر ترك الصلاة في الحمام، بحيث تكون تلك الصلاة مطلوبة وصحيحة حتى بعد نذره، بأن كان الوصف تقييداً في الصلاة المنذور تركها، فالنذر محكوم بالبطلان، لعدم تحقق مثل تلك الصلاة، نعم إذا كان وصفها بالصحة والمطلوبية حتى بعد النذر بتخيل أن الصلاة في الحمام لا تسقط عن المطلوبية والصحة حتى بعد النذر المفروض، فالنذر صحيح ويحصل الحنث بصلاته في الحمام، فتدبر.
فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة[1]._________________________________________________________ [1] ذكر (قدس سره) أنـه لا يجري نزاع الصحيحي والأعمي في ألفاظ المعاملات من العقود والايقاعات بناءاً على كونها أسامي للمسببات حيث أن المسبب لا يكون تاماً تارة وناقصاً أخرى، ليقع البحث في أن أسامي المعاملات موضوعة لخصوص التام أو القدر الجامع بينه وبين الناقص، بل المسبب أمر بسيط يتصف بالوجود تارة، وبالعدم أخرى. نعم لو كانت الالفاظ موضوعة للأسباب، فللنزاع المفروض مجال، فإن الاسباب مركبات لها أجزاء وقيود تكون بمجموعها موجبة لحصول المسبب، فيقع النزاع في ناحية الموضوع له بأنه التام أو القدر الجامع.وقد يقال بأنه لا فرق في صحة النزاع بين القول بأنها موضوعة للأسباب أو المسببات، فإن المسبب هو الذي ينشئه الموجب أو الموجب والقابل، ويقع مورد الامضاء من العقلاء والشرع تارة، ولا يقع مورد الامضاء من العقلاء والشرع أخرى، أو من الشرع خاصة ثالثة، فمثلا ملكية المبيع للمشتري بإزاء الثمن أمر ينشئه البائع ويقع مورد الامضاء فيما كان البائع مالكاً عاقلاً رشيداً وكذا المشتري، ولا يقع مورد الامضاء حتى عند العقلاء فيما كان البائع سكراناً أو صبياً غير مميز، وعلى ذلك فيمكن البحث في أن الملكية المنشأة الموضوع لها لفظ البيع هي الواقعة مورد الامضاء من العقلاء والشرع، أو أنه موضوع لنفس الملكية المفروضة التي ينشأها العاقد ولو لم تقع مورد الامضاء، أو أنـه موضوع لما تكون مورد الامضاء من العقلاء خاصة، والحاصل الصحة في المعاملات عبارة عن التمامية بحسب الامضاء، لا من حيث الاجزاء أو الشرائط، كما كان الأمر عليه في العبادات، نعم لو كانت أسامي المعاملات موضوعة للأسباب فيمكن أن تكون الصحة فيها بمعنى التمامية من حيث الاجزاء والشرائط. أقول: لا يخفى أنه لا يمكن أن يكون الامضاء الشرعي قيداً لمعنى البيع، بل الامضاء شرعاً حكم شرعي يترتب على البيع بمعناه العرفي وإلا يكون قوله سبحانه «أحل الله البيع» بمعنى إمضائه لغواً، ولذا ذكرنا أنه لا تحتمل الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات المتداولة عند العرف والعقلاء، نعم ربما يكون الموضوع للحكم الشرعي البيع الممضى شرعاً كما في قوله (عليه السلام): «البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام»(80)، وهذا لا يكون استعمالاً للفظ البيع في الممضى شرعاً، بل إرادته بنحو تعدد الدال والمدلول، نظير ما تقدم في أسامي العبادات فيما إذا ورد في الخطابات الأمر بها على قول الأعمي، وبالجملة الخطابات المفروضة لبيان حكم البيع بعد فرض إمضائه، والنزاع المعقول في المعاملات ـ على تقدير كونها أسامي للمسببات ـ هو أن الموضوع له فيها المسبب في نظر العاقد مطلقا ولو لم يلحق به إمضاء العقلاء؟ أو أن الموضوع له خصوص ما يكون ممضى عند العقلاء؟ نظير ما ذكرنا في بحث البيع من أن إطلاق البيع بالمعنى المصدري ينطبق على فعل البائع إلا أن انطباقه عليه في صورة تحقق القبول من المشتري، لا مطلقا، وذكرنا أيضاً أن إطلاق السبب والمسبب في المعاملات أمر لا أساس له، وليس في المعاملات سبب ولا مسبب، وإنما يكون فيها الانشاء بالمعنى المتقدم، لأن الانشاء مقوم لعنوان المعاملة فلا يطلق البيع على مجرد الاعتبار النفساني بتمليك شيء بإزاء مال، ما لم يبرز، فالإبراز مقوم للمعاملة سواء كان عقداً أو إيقاعاً، غاية الأمر كونه معاملة في العقود مشروط بقبول الطرف الآخر دون الايقاع، نعم هذا ما يسمى عندهم بالمعاملة بمعناها المصدري، وأما بمعناها الاسم المصدري فهو المعتبر المنشأ، وعلى ذلك فلو كان في ناحية الانشاء نقص فلا يكون في البين لا معاملة بمعناها المصدري ولا بمعناها الاسم المصدري، هذا بناءاً على الصحيح، وأما بناءاً على أن ألفاظها أسامي للأعم فيكون في البين منشأ، ولكن فيه نقص ولو في ناحية إنشائه، كما لا يخفى.
ولكن لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً [1]._________________________________________________________ [1] ذكر (قدس سره) أنه بناء على كون أسامي المعاملات موضوعة للأسباب، فالموضوع له فيها ـ كالموضوع له في أسامي العبادات ـ هو العقد الصحيح، أي المؤثر للأثر المترقب من تلك المعاملة، بلا فرق بين استعمالات العرف والشرع، واختلاف الشرع مع العرف في بعض القيود المعتبرة في العقد لا يوجب اختلاف المعنى، بل المستعمل فيه عند كل من العرف والشرع العقد المؤثر لذلك الاثر، غاية الأمر يمكن أن يرى أهل العرف العقد ـ ولو مع فقد بعض القيود ـ مؤثراً، ولا يرى الشرع ذلك، فيكون الاختلاف بينهما في المحققات ومصاديق المعنى، ويكون نظر الشارع من قبيل تخطئته العرف في المصداق، حيث يرى الموجود مع فقد ما يعتبر في تأثيره شرعاً مؤثراً.وبيان ذلك: كما أن لفظ الخمر موضوع لمائع خاص يعرف بمسكريته، وإذا اعتقد أحد أن المائع الفلاني خمر، واعتقد الآخر أنه خل فاسد، فلا يكون اختلافهما في معنى لفظ الخمر بل اختلافهما في مصداقه، حيث إن الموجود الخارجي مصداق للخمر عند أحدهما وليس كذلك عند الآخر، كذلك لفظ البيع مثلاً، فإنه موضوع عند العرف والشرع للعقد المؤثر في ملكية عين بعوض، وعليه فمثلاً الايجاب من الصبي المميز المراهق مع القبول من الطرف الآخر لو رآه العرف بيعا وحكم الشارع بفساده، فمعناه أن الشارع لا يرى عقده مصداقاً للبيع وحكمه بالفساد تخطئة للعرف. وبالجملة فألفاظ المعاملات على تقدير كونها أسامي للأسباب، موضوعة للتام أي المؤثر في الاثر المترقب عند العرف والشرع، حيث إن الشارع لم يخترع للفظ البيع معنى واختلافهما من جهة بعض القيود، إن ما هو في المصاديق لا في أصل المعنى. أقول: التخطئة بمعناها المعروف لا يكون إلا فيما كان للشيء مصداق واقعي بحيث يكون انطباقه عليه قهرياً وفي مثل ذلك يمكن أن يرى أحد أن الشيء الخارجي مصداق واقعي له، ولا يراه الآخر كذلك، كما مثلنا لذلك بالخمر، وأما الاعتباريات التي يكون فيها الشيء مصداقاً للمعنى بالاعتبار فمصداقيته دائرة مدار اعتبار المعتبر، ولا معنى لتخطئة المعتبر فيها، حيث إنه يمكن أن يعتبر أحد شيئاً مصداقاً له ولا يعتبره الآخرون مصداقاً له، فمثلاً يرى طائفة الفعل الخاص تعظيما ولا يراه الآخرون تعظيماً، ولا يكون في الفرض اعتبار إحداهما تخطئة للأخرى، إذ ليس في البين واقع معين ليكون نظر إحداهما بالإضافة إليه خطاء ونظر الاخرى صواباً. لا يقال: إذا ورد في خطاب الشارع «أحل الله البيع» يحرز بعد تمامية مقدمات الاطلاق أن ما هو مصداق للبيع عند العرف هو تمام المؤثر عند الشارع أيضاً، حيث إن الاستعمالات الشرعية في المعاملات جارية على المعاني العرفية، كما يأتي، فلو ورد بعد ذلك في خطاب «لا بيع في المكيل إلا بالكيل» يكون هذا تخطئة، لانكشاف أن المؤثر عند العرف لا يكون مؤثراً عند الشارع. فإنه يقال: التخطئة بهذا المعنى الذي مرجعه إلى الاخذ بالاطلاق قبل ورود خطاب التقييد، وإلى رفع اليد عنه بعد وروده، لا يكون مختصاً بباب المعاملات، بل يجري في جميع الاطلاقات، ولعله (قدس سره) يشير إلى ذلك في آخر كلامه بقوله «فافهم». وعن المحقق الاصفهاني (قدس سره) إن التخطئة ليست بلحاظ نفس الأمر الاعتباري ليرد أنها لا تكون في الاعتباريات، بل بلحاظ الملاك والصلاح الموجب للاعتبار، بحيث لو انكشف الواقع يرى العرف عدم الصلاح في اعتبارهم(81). ولا يخفى ما فيه، فإن الصلاح في الاعتباريات (يعني ما كان من قبيل الوضع لا التكليف بالفعل الخارجي) يكون في نفس الأمر الاعتباري، وهو حفظ نظام المعاش بين الناس، ولكن الشارع قد يضيف إلى ذلك الصلاح في لحاظه أمراً آخر، فيضيف قيداً آخر في اعتبار المعاملة لتمييز من يطيعه عمن يعصيه، أو لعلمه بعدم الصلاح في اعتبار المعاملة بدونه، فعليه لا يكون اختلافه مع العرف في كل مورد تخطئة ولو بلحاظ الملاك، كما لا يخفى، وبالجملة لابد من الالتزام بأن الشارع يستعمل أسامي المعاملات في معانيها العرفية. الثاني أن كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيحة لا يوجب إجمالها[1]._________________________________________________________ [1] لا ينبغي الريب في عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات وأن الشارع لم يخترع فيها اصطلاحاً، بل جعل لها بمعانيها العرفية، أحكاماً امضاء كما في قوله سبحانه «أحل الله البيع»(82)، أو تأسيسا، مثل قوله (عليه السلام) «والخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري» الحديث(83)، وأضاف إليها قيوداً في إمضائها أو في ترتب الحكم التأسيسي عليها، وبعد البناء على ذلك وكون استعمالات الشارع بتبع الاستعمالات العرفية فيمكن التمسك بخطاباتها عند الشك في اعتبار أمر آخر في إمضاء المعاملة، أوبيان الحكم لها، حتى بناءاً على كونها أسامي للصحيحة، وذلك لعدم إجمال الصحيح عند العرف كما كانت أسماء العبادات عندهم على الصحيحي، وعلى ذلك فبعد إحراز مقدمات الاطلاق كما هو الفرض، يحرز أن الموضوع للإمضاء أو الحكم التأسيسي، نفس تلك المعاملة عند العرف، وإلا كان على الشارع بيان القيد.ولكن مع ذلك، قد يناقش في التمسك بإطلاق المعاملات عند الشك في كون شيء قيداً في إمضائها، بدعوى عدم ورود الخطابات في مقام إمضاء الاسباب، بل مفادها إمضاء المسببات، فقوله سبحانه «أحل الله البيع»(84) ناظر إلى إمضاء المسبب، وأما أن سببه أي شيء، فلا إطلاق له من هذه الجهة، نعم يمكن أن يقال: إن قوله سبحانه «أوفوا بالعقود»(85) دال على إمضاء الاسباب إلا أن التدبر في حكمه يقتضي صرفه إلى المسببات أيضاً، لأن اعتبار البقاء يكون في المسبب، وأما السبب فلا بقاء له ليجب الوفاء به. أقول: لا يخفى ما فيه، فإن قوله سبحانه «أحل الله البيع»(86) من القضايا الحقيقية الانحلالية، فيكون مفاده إمضاء كل مسبب في الخارج يتعنون ويتصف بكونه بيعاً، ومن الظاهر أن إمضاء المسبب كذلك، لا ينفك من إمضاء السبب، ولا يخفى أن هذا بناءاً على مسلك الاسباب والمسببات في المعاملات وهو مسلك سخيف كما تقدم في بحث الاخبار والانشاء، ونتعرض لذلك في المقام بوجه أخصر. وأما ما ذكر من رجوع خطاب الامضاء إلى المسبب، حتى في مثل قوله سبحانه «أوفوا بالعقود»(87) بقرينة أن العقد بما هو إيجاب وقبول، لا بقاء له ليجب الوفاء به، بل الباقي هو المسبب، فيكون الوفاء به لا بالسبب، ففيه أيضاً ما لا يخفى، فإن العقد له بقاء اعتباراً ولذا يتعلق به الفسخ والاقالة، حيث إن الفسخ حل ذلك العقد، فيعود الملك إلى مالكه الأول بالسبب الناقل قبل العقد المفسوخ، والاقالة اجتماع طرفي العقد على فسخه، كما في البيعة وحلها، وبالجملة البقاء الاعتباري للعقد كإلغائه واضح لا يحتاج إلى تطويل الكلام، وعليه فلو كانت أسامي المعاملات للتام من الاسباب فلا موجب لحمل الحكم الجاري عليها في الخطابات على الحكم للمسببات.وأجاب المحقق النائيني (قدس سره) عن المناقشة السابقة في التمسك بالاطلاقات عند الشك في قيود الاسباب بما حاصله: أن الايجاب والقبول في العقود والايجاب في الايقاعات لا تكون من قبيل الاسباب، والأمر الاعتباري المترتب عليها ليس من قبيل المسبب ليكون للمسبب وجود آخر غير وجودالسبب، حتى لايمكن التمسك بخطاب الأول عند الشك في اعتبار قيد للثاني بدعوى أن إمضاء الأول لا يستلزم إمضاء الثاني، بل العقود والايقاعات بالإضافة إلى الأمر الاعتباري من قبيل الآلة إلى ذيها، فكما أن المفتاح آلة الفتح والمؤثر في الفتح هو حركة يد الفاعل، فكذلك للمعاملات، عند العقلاء والشرع ما هو كالآلة لها ويعبر عنه بصيغ العقود من الايجاب والقبول وما هو بمنزلة ذي الآلة ويعبر عنه بالمعاملة من البيع وغيره، فالمعاملة بمعناها الاسم المصدري وإن كانت تباين المعنى المصدري إلا أن الظاهر تعلق الامضاء في مثل قوله تعالى «أحل الله البيع» بالجهة الصدورية، فيكون إمضاء البيع بمعناه المصدري إمضاء للآلة التي يقصدها العاقد بتلك الآلة(88). وفيه ما تقدم من أن الامضاء لو كان بنحو الانحلال كما هو مفاد القضية الحقيقية، فيكون إمضاء المسبب وذي الآلة إمضاءاً للسبب والآلة لا محالة، حيث لا يمكن الحكم بحصول المسبب وذي الآلة فيمورد، مع عدم تحقق السبب والآلة، وإن كان مفاد الخطابات على نحو لم يكن فيها انحلال، لا يكون إمضاء المسبب أو ذي الآلة مفيداً في مورد الشك في السبب أو الآلة، لأن للآلة أيضاً وجوداً غير وجود ذي الآلة، كما في السبب ومسببه. وقد يقال: إن المناقشة في التمسك بإطلاقات المعاملات مبنية على كونها من قبيل الاسباب والمسببات أو الآلة وذيهما، ولكنهما ضعيفان، وأما على المسلك الصحيح، من كون البيع مثلا في حقيقته أمراً اعتبارياً يحصل بالقصد والاعتبار، من غير تأثير للفظ وبلا دخل له في حصول ذلك بنحو السببية أو الآلة، بل اللفظ أو غيره يكون مبرزاً، ويطلق على المجموع من المبرز ـ بالفتح ـ ومبرزه ـ بالكسر ـ عنوان البيع، فيجوز التمسك بإطلاقاتها إذ على هذا المسلك لا يصدق البيع ولا غيره من عناوين المعاملات في العقود والايقاعات، بمجرد الاعتبار من دون الابراز بقول أو فعل، وعلى ذلك فمثل قوله سبحانه :«أحل الله البيع»(89) يكون إمضاءاً للمركب من الأمر الاعتباري ومبرزه ـ بالكسر ـ فيكون دلالته على ما سموه بالسبب أو الآلة بالدلالة التضمنية ويكون إمضاء البيع إمضاء المجموع المركب من المبرز ـ بالكسر ـ والمبرز ـ بالفتح ـ ومعه لا مانع من التمسك بالاطلاق(90). وفيه: أن ما ذكر من كون الايجاب والقبول مبرزاً للمعتبر الذي يكون إبرازه بقصد اعتباره، ولا يكون الابراز من قبيل السبب والآلة كما ذكرنا في بحث الانشاء والخبر، وإن كان صحيحاً إلا أن المأخوذ في معنى البيع بمعناه الاسم المصدري، هو المبرز ـ بالفتح ـ بما هو مبرز بحيث يكون وصف المبرزية محققاً ومقوماً له، وأما نفس المبرز ـ بالكسر ـ فهو غير داخل في معناه على وجه الجزئية، فيرد الاشكال بأن إمضاء المبرز ـ بالفتح ـ لا يلازم إمضاء مبرزه ـ بالكسر ـ مطلقا، إلا بنحو انحلال الخطاب، كما تقدم. لأن إطلاقها لو كان مسوقا في مقام البيان[1]._________________________________________________________ [1] لا يخفى أن التمسك بالاطلاق اللفظي في خطابات إمضاء المعاملات، يبتني على كون المراد من ألفاظ المعاملات في تلك الخطابات معانيها العرفية، ـ أي ما يعتبره العرف معاملة ـ، لما تقدم من أن معانيها ليست من الامور الواقعية، ولا من المخترعات الشرعية، فيكون مفاد الخطاب المتضمن للحكم بنحو القضية الحقيقية، شمول الامضاء والحكم لكل ما يصدق عليه عنوان المعاملة عرفاً، وعلى الشارع في موارد إضافة قيد في إمضاء معاملة أو عدم إمضاء فرد، بيان القيد لتلك المعاملة، أو تقييدها بغير ذلك الفرد، في خطاب إمضائها، أو بخطاب منفصل ولذلك تمسك العلماء بخطابات المعاملات في أبوابها.وأما إذا بني على أن المراد من أسامي المعاملات المعاني الواقعية منها، كسائر الخطابات التي تتضمن الحكم التكليفي أو الوضعي لعنوان واقعي ولو بنحو القضية الحقيقية، بحيث لا توجب التخطئة في بعض مصاديقها تقييداً في خطاب الحكم، كما التزم به الماتن (قدس سره) قبل ذلك، فلا موجب للتمسك بتلك الخطابات في موارد احتمال التخطئة في بعض المصاديق والمحققات لها بل لابد لدفع احتمال التخطئة فيها من التشبت بالاطلاق المقامي، ويشكل إحراز هذا الاطلاق في المعاملات التي تكون لها مصاديق متيقنة(91)، نعم لو احرز في مقام خاص بكون الشارع فيه متصدياً لبيان جميع ما يقع من أفراد المعاملة ومحققاتها وكان مصداق منه مورد التخطئة، يتمسك بالاطلاق المقامي فيه، كما تقدم نظيره في العبادات على قول الصحيحي، بل على الأعمي، بناءاً على الاجمال في خطابات التشريع. وبالجملة فظاهر عبارة الماتن (قدس سره) جواز التمسك بالاطلاق اللفظي في المعاملات حيث قال: «ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره كان عليه البيان ونصب القرينة عليه (أي على اعتباره في المعاملة) وحيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً، ولذا يتمسكون بالاطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح»(92) وأنت ترى أن هذا التمسك لا يناسب مسلك التخطئة في المصداق، حيث إن اعتبار القيد لا يكون تقييداً لإطلاق المعاملة الواقعية، فلاحظ وتدبر(93). |