الثالث أن دخل شيء وجودي أو عدمي في المأمور به[1].

_________________________________________________________

أنحاء الدخل في المأمور به:

[1] وحاصله أن دخل أمر وجودي أو عدمي في متعلق الأمر على أنحاء:

الأول: أن يكون الشيء بنفسه داخلاً في متعلقه، بأن يتعلق الأمر بالمركب منه ومن غيره، كما فيتعلق الأمر بالصلاة التي منها السورة، وعلى ذلك تكون السورة جزءاً منها ودخيلة في قوامها، بمعنى أن الصلاة الفاقدة لها لا تكون مصداقاً لمتعلق الأمر، بل لا تكون صلاة على القول بالصحيح، ولا فرق فيذلك بين كون الشيء أمراً وجودياً أو عدمياً.

الثاني: أن يكون نفس الشيء خارجاً عن متعلق الأمر، ولكن تؤخذ في متعلقه خصوصية لا تحصل بدون ذلك الشيء، كما إذا تعلق الأمر بالصلاة المقيدة بسبق الاقامة عليها، أو بمقارنتها بالطهارة، أو بتأخر شيء عنها، فلا تكون الاقامة أو الطهارة أو غيرهما بنفسها داخلة في الصلاة المأمور بها، بل يكون الداخل فيها تقيدها بها، ولذا يمكن أن يكون نفس ذلك الشيء أمراً غير اختياري للمكلف كالوقت فإنه يكفي في الأمر بالمقيد به كون الخصوصية اختيارية. و بالجملة نفس الشيء في هذا الفرض من مقدمات المأمور به لا من مقوماته، ويعبر عنه بالشرط مقابل الجزء، هذا في الشرط الشرعي، وأما العقلي فيأتي الكلام فيه فيبحث مقدمة الواجب وأن الشرط المفروض من أجزاء العلة التامة.

ولا يخفى أنه يمكن أن يختص دخالة شيء في متعلق الأمر بأحد النحوين بحالة دون أخرى، كما في جل أجزاء الصلاة وشرائطها، حيث إن اعتبارها مختص بحال الاختيار، ويسقط عند الاضطرار وسائر الاعذار، كما هو مقرر في محله.

الثالث: أن لا يكون الشيء داخلاً في متعلق الأمر بنفسه ولا يتقيد به متعلق الأمر، كما في الصلاة بالإضافة إلى وقوعها في المسجد أو أول الوقت، بل تتشخص به الصلاة، حيث لابد من وقوعها في مكان أو زمان، وربما يكون الشيء كذلك موجباً لمزية أو نقص في الملاك الملحوظ في متعلق الأمر، وتكون دخالته في المزية إما بنحو الشرطية كما في مثال المسجد، وإما بنحو الجزئية بأن يكون الشيء بنفسه موجباً لمزية الملاك في متعلق الأمر، كما في القنوت على أحد الوجهين، وتكرار ذكر الركوع والسجود، فإن القنوت أو الذكر المكرر بنفسه يوجب كمال الصلاة ومزيتها، ومما ذكر يظهر أن الاخلال بالشيء في هذا النحو بكلا فرضية لا يكون إخلالاً بالمأمور به، إذ المفروض أنه لم يؤخذ في متعلق الأمر لا جزءاً ولا شرطاً، بخلاف النحوين الأولين.

ثمّ إنّه قد لا يكون لشيء دخل في متعلّق الأمر بأحد النحوين الأوّلين ، ولا في مزيّة ملاكه كما في النحو الثالث ، بل يكون الصلاح مترتّباً على الإتيان به أثناء الواجب والمستحب أو قبلهما أو بعدهما فيكون الإتيان بالواجب أو المستحب ظرفاً لامتثال الأمر به ، كما في الأمر بالأذان أو التعقيب بعد الصلاة، والقنوت على ثاني الوجهين، والأدعية المأثورة في نهار شهر رمضان للصائم فيه، حيث لا يتفاوت الحال في ناحية الصوم وملاكه بها، كما أنّ النوافل للفرائض اليومية كذلك، فإنّ لها مصالح تترتب على الإتيان بها فيما إذا وقعت قبل الفريضة أو بعدها.

أقول: إنّ مجرّد ترتّب زيادة ملاك المأمور به على الشيء لا يوجب كونه جزءاً استحبابياً أو شرطاً استحبابياً ولا ما يتشخّص متعلّق الأمر به ، فيما إذا كان له وجود ممتاز خارجاً وغير مأخوذ في متعلّق الأمر بالمركّب ، لا بنفسه ولا بخصوصيته، كما هو المفروض، فإنّه مع عدم أخذه في متعلّق الأمر يكون الأمر به عند الإتيان بالمركّب أمراً استحبابياً مستقلاً ويكون وجوده خارجاً غير متحد مع وجود متعلّق الأمر لا محالة.

والحاصل كما يأتي في الواجب التخييري، أنّ الوجوب التخييري بين الأقل والأكثر غير معقول، بل يكون الواجب هو المقدار الأقل والزائد مستحبّاً، نعم إذا كان ما يسمّى بالشرط الاستحبابي متحداً مع المأمور به خارجاً وتشخصاً، كما في الصلاة في المسجد وفي أوّل الوقت، بحيث ينطبق عنوان متعلّق الأمر على المأتي به انطباق الكلي على فرده، يكون الأمر بذلك الفرد إرشاداً إلى كونه أفضل الأفراد، بخلاف ما إذا كان للشرط وجود آخر كالتحنّك في الصلاة، فإنّها صلاة بضمّ عمل آخر معها فيكون الأمر بالتحنّك في الصلاة استحبابياً نفسياً وإن كان الملاك في الأمر به زيادة فضل الصلاة، ويترتّب على ذلك عدم بطلان الصلاة بالرياء في الجزء المستحبي لها أو الشرط المستحبي ممّا يكون وجودهما منحازاً ولا يتّحد مع الصلاة خارجاً ليكون من تشخّص الصلاة بهما، حيث إنّ الرياء فيهما لا يكون رياءاً في طبيعيّ الصلاة المأمور بها، كما أنّ زيادتهما في صورة الرياء فيهما لا تكون زيادة في الصلاة، لأنّ المفروض عدم الإتيان بهما بقصد أنّهما جزء الطبيعي أو شرطه، وهذا بخلاف الرياء في الجزء الواجب أو الشرط الواجب أو في الخصوصية التي تتحد مع الطبيعيّ خارجاً، كالصلاة في المسجد أو أوّل الوقت، حيث يصدق معها الرياء في الصلاة فتبطل الصلاة. نعم الإتيان بالخصوصية المتحدة، بداع آخر نفساني غير الرياء لا يبطل الصلاة، حيث لم تؤخذ في متعلّق الأمر ليعتبر فيها قصد التقرّب، كما لا يخفي.

ثمّ إنّ الرياء في جزء العبادة أو شرطها ـ يعني في التقيد المأخوذ فيها ـ يبطلها ولا يفيد تداركه بقصد القربة، وهذا إنّما هو فيما كانت الزيادة مبطلة للعبادة كالصلاة، وأمّا فيما لا تبطلها الزيادة فلصحّة العمل مع التدارك وجه تعرّضنا له في مباحث الفقه.

 

 

وأما ما له الدخل شرطاً في أصل ماهيّتها فيمكن الذهاب أيضاً[1].

_________________________________________________________

[1] يعني كما أن ما له الدخل في كمال طبيعي العبادة غير مأخوذ في ناحية المسمّي، كذلك ما له الدخل شرطاً في أصل ماهيّتها ، بأن يمكن أن يقال بعدم أخذه في ناحية المسمّى أيضاً، وينبغي أن يراد بالشرط تقيّد الأجزاء بما يسمّى شرطاً وإلاّ فنفس ما يطلق عليه الشرط كالوضوء والغسل والتيمّم بالإضافة إلى الصلاة، فخروجه عن المسمّى مقطوع به وإلاّ لانقلب جزءاً.

والوجه في خروج التقيد عن المسمّى ووضع اسم العبادة لنفس الأجزاء أو بعنوان ينطبق عليها خاصّة غير ظاهر، بناءاً على وضع أساميها للصحيحة.

نعم، قيل: إن أخذ الشرط في المسمّى مستحيل، لأنّ الشرط متأخّر عن الأجزاء رتبة، حيث إنّ الأجزاء هي المؤثّرة في الملاك والشروط دخيلة في فعليّة تأثيرها.

لكن ضعفه ظاهر فإنّ تأخّر رتبة الشرط لا يوجب امتناع وضع لفظ للمجموع ولو كان بعضه متقدّماً على البعض الآخر رتبة أو زماناً، أضف إلى ذلك ما ذكرناه من أنّ المراد بالشرط في العبادة أو المعاملة ما يكون التقيّد به داخلاً في متعلّق الأمر أو الموضوع للإمضاء، ولا يرتبط بالشرط من أجزاء العلّة التامّة الذي يكون به فعليّة تأثير السبب وحصول أثره.

 

 

الحقّ وقوع الاشتراك، للنقل والتبادر[1].

_________________________________________________________

الاشتراك:

[1] الاشتراك في اللفظ عبارة عن كونه موضوعاً لأكثر من معنى واحد، بحيث لا يكون وضعه لمعنى موجباً لهجر المعنى الآخر، ولذا يكون عند إطلاقه مجملاً يحتاج تعيين أحد معانيه إلى القرينة المعينة. والمراد بالنقل في قوله «للنقل» نقل اللغويين فإنهم ذكروا في بعض الالفاظ أنـه مشترك وأنه من الاضداد، كما أن المراد بالتبادر هو أنـه عند إطلاق مثل «قرء» يعلم أن مراد المتكلم أحد معنييه الحيض أو الطهر، وذلك علامة كونه حقيقة في كل منهما.

أقول: لعل المراد بنقل اللغويين، النقل على نحو يوجب العلم بالصدق وإلا فلا دليل على اعتبار نقل اللغوي بالإضافة إلى ثبوت الوضع.

وقد ينكر الاشتراك في الالفاظ ويقال إنه غير جائز، بمعنى خلاف الغرض من الوضع، فلا يقع من الواضع الحكيم، حيث إن الغرض من الوضع الدلالة على المعنى بنفس اللفظ ومع الاشتراك لا يحصل هذا الغرض.

و فيه أن الدلالة على المعنى بنفس اللفظ لا تنافي الاشتراك، غاية الأمر يحصل في تلك الدلالة الاجمال الخاص، ولذا يحتاج استعماله إلى القرينة المعينة على أن الاجمال في المدلول يتعلق به غرض المتكلم أحياناً فيذكر بلا قرينة من غير لزوم محذور.

ومما ذكر، يظهر فساد ما قيل من استحالة استعمال المشترك في القرآن المجيد بدعوى أن الكلام مع عدم القرينة اللفظية يكون مجملاً ومعها يكون تطويلاً بلا طائل ولا يليق شيء منهما بكلامه (جل شأنه).

وجه الفساد: إمكان تعلق غرضه (سبحانه) في بعض الموارد بالاجمال والاتكال على القرينة اللفظية، فيما إذا كانت تلك القرينة لإفادة أمر آخر أيضاً، يتعلق غرضه ببيانه فلا يكون تطويلا بلا طائل. وكيف لا يتعلق غرض الحكيم بالاجمال وقد أخبر سبحانه بوقوع المشتبه في كتابه العزيز، حيث قال سبحانه: «فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات»(94).

 

وإن أحاله بعض[1].

_________________________________________________________

[1] ذهب بعض إلى امتناع الاشتراك اللفظي واستدل له بأن الوضع عبارة عن جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، بحيث ينتقل الذهن إلى المعنى من سماع اللفظ، وعليه فإن كان الوضع الثاني متمماً للوضع الأول، بأن يحصل عند سماع اللفظ الانتقال إلى مجموع المعنيين فهو خلاف المفروض في الاشتراك، وكذا إن كان موجباً للانتقال إلى أحد المعنيين أو المعاني بلا تعيين، بأن يكون الموضوع له هو الجامع الاعتباري فهو خلاف المفروض أيضاً، وإن كان يوجب الانتقال إلى كل من المعنيين أو المعاني بخصوصه، بانتقال مستقل، فهذا لا يمكن من غير ترتب. فلا محالة يكون أحد الانتقالين في طول الآخر.

وفيه أن: الوضع ليس عبارة عن جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى، لأن الملازمة بين سماع اللفظ والانتقال إلى المعنى تحصل بسبب العلم بالوضع، فلابد أن يكون الوضع غير الملازمة الحاصلة من العلم به، هذا أولا. وثانيا: مع الغض عن ذلك، فلا ينحصر الأمر فيما ذكره من الشقوق، فإنه يمكن أن يكون جعل الملازمة في موارد ذكر القرينة المعينة لأحد المعاني، فمثلاً إذا لم يكن لفظ القرء موضوعا للحيض لم ينتقل الذهن إليه من سماع لفظ القرء ولو مع ذكر «ثلاثة أيام»، بخلاف ما إذا كان ذكرها بعد وضعه له فيحصل الانتقال بها، وهذا المقدار يكفي في حصول الغرض من الوضع وخروجه عن اللغوية، كما هو ظاهر، وما ذكره من عدم إمكان تعدد الانتقال المستقل من لفظ واحد يأتي ما فيه في البحث الآتي من استعمال اللفظ في أكثر من معنى إن شاء الله تعالي.

 

 

وربما توهم وجوب وقوع الاشتراك[1].

_________________________________________________________

[1] قيل بوجوب وقوع الاشتراك في اللغات، ولو في بعض الالفاظ المتداولة في كل لغة، بدعوى أن ألفاظ كل لغة متناهية بخلاف المعاني فانها غير متناهية.

وأجاب المصنف (قدس سره) عن ذلك بوجهين:

الاول: أنـه لا يمكن الوضع لكل المعاني غير المتناهية، لاستلزامه أوضاعاً غير متناهية.

الثاني: أن المعاني الكلية متناهية، فيمكن وضع ألفاظ لتلك المعاني الكلية بحيث لا يحصل الاشتراك فيها، وأما جزئياتها وإن كانت غير متناهية، إلا أنه لا ضرورة لوضع لفظ لكل منها كما في الاعلام الشخصية، بل يمكن في مقام الاستعمال تفهيم الجزئي بالقرينة، بنحو تعدد الدال والمدلول، أو بنحو المجاز في الاستعمال، فإن باب المجاز واسع.

أقول: ظاهر كلامه تسليم تناهي الالفاظ، ولكن الواقع ليس كذلك، بل الالفاظ كالمعاني غير متناهية، وذلك لأن الحروف الهجائية وإن كانت متناهية إلا أن المركب منها غير متناه، غاية الأمر تكون بعض الالفاظ كثيرة الحروف.

وأما ما ذكره (قدس سره) من تناهي المعاني الكلية فإن أراد بها نظير مفهوم الشيء والممكن من الكليات الوسيعة، فالأمر كما ذكره وان أراد الكليات الضيقة مفهوما (أي الجزئي الاضافي بالنسبة إلى ما هو أوسع منه) التي يتعلق الغرض بتفهيمها في مقام التخاطب فهذه الكليات غير متناهية ويكفي في الاذعان بذلك ملاحظة مراتب الاعداد فإنها غير متناهية.

ويظهر عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) أن الامتناع في المقام بمعنى عدم الوقوع، حيث قال ما حاصله: أنـه ليس في الالفاظ ما يكون مشتركاً لفظياً بل اللفظ في الموارد المعروفة بالاشتراك يوضع للجامع بين الأمرين أو أكثر، فمثلاً لفظ «قرء» موضوع لحالة المرأة الجامعة بين الطهر والحيض، ولفظ «جون» موضوع للجامع بين السواد والبياض، وخفاء الجامع أوجب الوهم بأن اللفظ من الاضداد، ولو لم يكن بينهما جامع لما كان بينها تقابل، فإن التقابل لا يحصل من غير جامع، ولذا لا يكون بين العلم والحجر تقابل، فإن أحدهما جوهر والآخر عرض، هذا بناءاً على عدم تفسير الوضع في الالفاظ بالتعهد، وإلا فكون اللفظ موضوعاً للجامع لا يحتاج إلى الاستدلال(95).

أقول: غاية ما ذكر عدم التقابل بين أمرين لا جامع بينهما، لا أن اللفظ في موارد التقابل موضوع للجامع مع أن لزوم الجامع في موارد التقابل غير صحيح، فإن من التقابل تقابل الايجاب والسلب والعدم والملكة والتضايف، ولا يمكن الجامع في الأول وكذا في الثاني، حيث إن التقابل بين الملكة وعدمها، هو تقابل الوجود والعدم مع اعتبار القابلية للوجود ولو بحسب الجنس، والتضايف اتصاف كل من الأمرين بما يقتضي النسبة بينهما، بل لا جامع في موارد تقابل التضاد إلا كون الضدين من مقولة واحدة، ومن الظاهرأن اللفظ فيهما لم يوضع للمقولة وإلا لصح استعمال اللفظ في غيرهما، مما يدخل في تلك المقولة.

 

 

اختلفوا في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد على سبيل الانفراد والاستقلال[1].

_________________________________________________________

استعمال اللفظ في أكثر من معنى:

[1] المراد باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، إرادة كل من المعنيين أو المعاني منه كما إذا لم يستعمل إلا في أحدهما أو أحدها، وقد اختار (قدس سره) عدم إمكان استعمال اللفظ كذلك في أكثر من معنى، وذكر في وجه امتناعه لزوم الخلف أو اجتماع المتنافيين.

وتقريره: أن الاستعمال ليس مجرد الاتيان بعلامة للمعنى، بحيث يكون مبرزاً لإرادته ليقال بإمكان كون شيء علامة لأمور متعددة فضلاً عن أمرين، بل هو عبارة عن جعل اللفظ باللحاظ وجهاً وعنواناً للمعنى، فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه، بل وكأن اللفظ عين المعنى، وكأنه الملقى خارجاً، كما عبر عن ذلك بقوله «بوجه، نفسه» يعني جعل اللفظ ولحاظه بنحو يكون عين المعنى، والشاهد على ذلك سراية الحسن والقبح من المعاني إلى الالفاظ، فيكون اللفظ مقبولاً للطباع بمقبولية معناه ومنفوراً عندها بالتنفرعن معناه، وعلى ذلك يكون لحاظ اللفظ فانياً في معنى كذلك منافياً للحاظه في نفس الوقت فانياً في معنى آخر، إذ لحاظه فانياً في معنى آخر يوجب عدم لحاظه في المعنى الأول، إلا أن يكون اللاحظ أحول العينين فيرى اللفظ لفظين يمكن له لحاظ أحدهما فانياً في أحد المعنيين والآخر فانياً في الآخر منهما.

أقول: لا أرى محذوراً في لحاظ اللفظ فانياً في كل من المعنيين وكأن كلا منهما وجود لذلك اللفظ، وقد تسلم (قدس سره) في الوضع العام والموضوع له الخاص بإمكان لحاظ العام بحيث يكون وجهاً وعنواناً لكل من أفراده وكأنه عين كل منها، وفيما نحن فيه يلاحظ اللفظ كأنه عين كل من المعنيين وكل من المعنيين وجود له، ولذا يشار إلى النقد الرائج في عصرنا ويقال: إنه الدرهم والدينار اللذان أهلكا الناس في العصور المتتالية.

وأما ما ذكر ـ من أن لحاظ اللفظ فانيا في المعنى الثاني بحيث كأنه هو الثاني، ولازمه عدم لحاظه عين الأول في ذلك الآن إذ لحاظه عين الأول فرض لاجتماع المتنافيين ـ فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن لحاظه عين الثاني يلازم عدم لحاظه في ذلك الآن عين الاول، إذا لم يمكن الجمع في تنزيل اللفظ منزلة كل من الشيئين في آن واحد ومع إمكان التنزيل فلا مانع منه.

والسر في ذلك أن التنزيل ليس من جعل الشيء شيئاً آخر حقيقة، بل هو قسم من الوهم والخيال ولا واقعية له ليقال إن الواحد حقيقة لا يكون اثنين، وبالجملة اللفظ وإن كان له وجود واحد، وذلك الوجود وجود للفظ حقيقة ووجود للمعنى بالتنزيل، إلا أنـه لا مانع من كونه وجوداً تنزيلياً للمعنى الآخر أيضاً فيحين كونه وجودا تنزيليا للمعنى الأول، غاية الأمر أن ما ذكره في الوضع العام والموضوع له الخاص من أن العام يصلح ووجهاً وعنواناً لكل من افراده، يراد به الوجهية والعنوانية الحقيقية، بخلاف وجهية اللفظ وعنوانيته لمعانيه، فإنها اعتبارية وجعلية، فالعنوانية لا تنافي لحاظ المتعدد بالعنوان الواحد، وعليه فلا محذور في لحاظ معنيين بلفظ واحد، فإنه لحاظ تنزيلي وليس من قبيل إخراج الواحد إلى المتعدد حقيقة، هذا أولاً.

وثانياً: أن حقيقة الاستعمال ليس ما ذكره (قدس سره) لحاظ اللفظ عين المعنى أو كأنه نفس المعنى حتى يكون اللحاظ مقوماً للاستعمال، بل الاستعمال هو الاتيان بعلامة المعنى عند إرادة تفهيمه بحيث يكون اللفظ مبرزاً له، وغفلة المتكلم عن نفس اللفظ في مرحلة الاستعمال بلحاظه كأنه المعنى ناش عن الانس بالاستعمال وعدم غرض له إلا في نفس تفهيم المعنى ونقله إلى ذهن السامع، ولذا لا يكون الاستعمال على هذا الاسلوب في بداية تعلم الإنسان لغات غير لسانه، وكذا في موارد يكون المتكلم فيها في مقام إظهار كمال فصاحته وبلاغته، أفلا ترى أن غير العربي في أوائل تعلمه اللسان العربي أو المتكلم المتصدي لإلقاء خطبة يظهر بها بلاغته وفصاحته ملتفت إلى الالفاظ كمال الالتفات، وهذا شاهد صدق على كون حقيقة الاستعمال إبراز المعاني بالالفاظ وجعلها كاشفة عن مراداته.

وأما حديث سراية الحسن والقبح إلى الالفاظ فلا يشهد لما ذكره، فإن سرايتهما من ذي العلامة إلى علامته، ممكن وواقع، فإن بعض الناس يكرهون بعض الطيور لكونها عندهم علامة الابتلاء وخراب البيوت وتشتت الاهل، ويحبون بعضها الآخر بحيث يفرحون برؤيتها حيث إنها عندهم علامة الرخاء والنعمة والرحمة.

والمتحصل أنه لا محذور في استعمال اللفظ وإرادة معان متعددة منه في استعمال واحد وجعله علامة لإرادة كل منها بنحو الاستقلال، إلا أنه على خلاف الاستعمالات المتعارفة فلا يحمل كلام المتكلم عليه إلا مع القرينة عليه، ولو ورد في كلامه لفظ مشترك ولم تكن في البين قرينة على تعيين المراد من معانيه يكون الكلام مجملاً، فلا يحمل على إرادة جميع المعاني لا بنحو الاشتراك المعنوي ولا بنحو استعمال العشرة في مجموع آحادها ولا على الاستعمال في أكثر من معنى حتى بناءاً على جوازه كما هو المختار.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى ممتنع ولو قيل بأن الاستعمال عبارة عن الاتيان بالمبرز والعلامة للمعنى ووجه الاستحالة: أن استعمال اللفظ في كل من المعنيين يتوقف على لحاظ كل منهما في آن واحد بالاستقلال بأن تلاحظ النفس كلا منهما بلحاظ مستقل في آن واحد، وهو غير مقدور للنفس(96).

وفيه: أنـه لا محذور في اجتماع اللحاظات المتعددة من النفس في زمان واحد وشاهده صدور أفعال مختلفة من الإنسان في زمان واحد مع أن كلا من الافعال مسبوق بالارادة ومن مباديها اللحاظ، وكذا يشهد لذلك صدور الحكم فإن الحكم يتوقف على لحاظ الموضوع والمحمول والنسبة في آن الحكم.

نعم الشيء الواحد لا يلاحظ في آن واحد بلحاظين فيما إذا لم يكن بين اللحاظين اختلاف أصلاً بأن يحضر ذلك الشيء مرتين عند النفس في آن واحد، فإنه من قبيل إحضار الحاضر بخلاف ما إذا كان اختلاف في نحوي اللحاظ كما تقدم في التنزيل وجعل اللفظ عين المعنى، وإذا قلنا بأن الاستعمال عبارة عن الاتيان بالمبرز فلا يحتاج إلى تعدد اللحاظ في ناحية اللفظ أصلاً فإن كون شيء واحد علامة للمتعدد لا مجال للمناقشة فيه، كما تقدم.

 

ولولا امتناعه فلا وجه لعدم جوازه[1].

_________________________________________________________

[1] إشارة إلى ما ذهب إليه صاحب القوانين (قدس سره) من عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى مفرداً أو غيره، بمعنى عدم صحته من غير أن يكون امتناع في البين، وذكر في وجه عدم الجواز لغة، أن الوضع في الالفاظ توقيفي فلابد من رعاية الأمر الحاصل حال الوضع وهو وحدة المعنى يعنى أن الواضع عند وضعه اللفظ لم يلاحظ مع المعنى المفروض شيئا من سائر المعاني، فاللازم أن يكون استعماله فيه أيضاً على طبق الوضع، وعلى ذلك فلا يجوز استعمال اللفظ في أكثر من معنى حتى في التثنية والجمع، فإن الوضع فيهما أيضاً كان كالمفرد حال انفراد المعنى أي عدم إرادة طبيعة أخرى مع المعنى الذي تكون هيئتهما موضوعة لإفادة التعدد من ذلك المعنى. ولا يخفى ضعف ما ذكره، فإنه لا اعتبار بحال الوضع فيما إذا لم يكن ذلك الحال مأخوذاً في ناحية الموضوع له أو في نفس الوضع، والمفروض أن وحدة المعنى لم تلاحظ قيداً في شيء منهما ولو لزم رعاية الحال حتى مع عدم أخذه في ناحية شيء منهما لكان رعاية سائر الحالات أيضاً لازماً بان يستعمل اللفظ في المعنى في الليل خاصة فيما إذا كان الوضع بالليل مثلا وإلى هذا يرجع ما ذكره الماتن (قدس سره) من أن وحدة المعنى وتوقيفية الوضع لا تقتضي عدم الجواز.

 

ثم لو تنزلنا عن ذلك، فلا وجه للتفصيل بالجواز على نحو الحقيقة في التثنية والجمع وعلى نحو المجاز في المفرد[1]. _________________________________________________________

[1] يعني لو تنزلنا عن الالتزام بامتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى وبنينا على جوازه، فلا وجه للتفصيل بين التثنية والجمع، وبين المفرد، وأن الاستعمال في التثنية والجمع بنحو الحقيقة، وفي المفرد بنحو المجاز، كما اختار ذلك في المعالم بدعوى أن المفرد موضوع للمعنى المأخوذ فيه الوحدة واستعماله في أكثر من معنى يوجب إلغاء قيد الوحدة عنه، فيكون اللفظ الموضوع للكل مستعملاً في الجزء فيكون مجازاً، بخلاف التثنية والجمع فإنهما بمنزلة تكرار اللفظ، وكما أنـه مع تكرار اللفظ يجوز إرادة معنى من كل لفظ غير المعنى المراد من لفظ آخر، كذلك الحال فيما هو بمنزلته.

وأجاب (قدس سره) بأن الوحدة ليست جزءاً من الموضوع له، فإنه لا معنى لوحدة المعنى إلا انفراده وعدم انضمام معنى آخر إليه، فيؤخذ المعنى بشرط لا بالإضافة إلى سائر المعاني واستعماله في الاكثر استعمال للفظ فيه بشرط معنى آخر، فيكون المعنى بشرط لا، مع المعنى بشرط بشيء، متبانيين لا من استعمال اللفظ الموضوع للكل في جزئه.

وأما التثنية والجمع فكل منهما يتضمن مادة وهيئة، فالهيئة فيهما موضوعة لإفادة التعدد من معنى المادة، بأن يكون معنى هيئة التثنية فردين من الطبيعة، وهيئة الجمع ثلاثة أو أكثر منها والجمع في الاعلام يؤول كما في التثنية فيها، بأن يراد من زيد فيهما المسمى به.

ومع الاغماض عن ذلك بأن يقال إن الهيئة فيهما موضوعة لإفادة مطلق التعدد، سواء كان بإرادة الافراد أو المعاني الاخر، فلا يكون استعمال لفظ عينين في الذهب والفضة مثلاً من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، نعم لو أريد فردان من الذهب وفردان من الفضة لكان منه، ولكن لا وجه معه، للتفصيل بين المفرد وبين التثنية والجمع بالتزام المجاز في الأول، والحقيقة في الثاني لاستلزام الاستعمال في كل منه ومنهما إلغاء قيد الوحدة.

ثم إنه ربما يقال بجواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، بخلاف اللفظ الموضوع لمعنى واحد، فإنه لا يجوز استعماله فيه وفي معناه المجازي، لأن استعماله في معناه المجازي يقتضي نصب القرينة واستعماله في معناه الحقيقي يقتضي عدمها، فلا يمكن الجمع بينهما في استعمال واحد.

والجواب أن عدم الحاجة إلى القرينة في استعماله في معناه الحقيقي إنما هو في حال استعماله فيه فقط، وأما مع استعماله في معناه المجازي أيضاً كما هو المفروض، فلابد من نصب القرينة على الجمع في الاستعمال.

 

 

وهم ودفع: لعلك تتوهم أن الاخبار الدالة على أن للقرآن بطوناً سبعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد[1]. _________________________________________________________

[1] ربما يختلج بالبال أن الاخبار(97) الواردة في ثبوت البطون للقرآن يمكن أن يستظهر منها وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ووجه الاستظهار ظهور تلك الاخبار في إرادة كل من البطون السبعة أو السبعين من القرآن بارادة مستقلة ولو لم يجز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد لم يكن يراد من الآية الواحدة إلا معنى واحد ولم تكن سائر المعاني المعبر عنها بالبطن والبطون داخلة في مدلولها لتكون بطناً لها، والوجه في التعبير عنها بالبطن والبطون خفاء تلك المعاني عن غير أوليائه الذين نزل الكتاب في بيوتهم، وأمر الناس بولايتهم، وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وأجاب الماتن (قدس سره) عن ذلك بوجهين:

الأول: أنـه لا دلالة في تلك الاخبار على إرادة تلك المعاني المعبر عنها بالبطون بنحو إرادة المعنى من اللفظ عند استعماله فيه، بل لعل تلك المعاني كانت مرادة بأنفسها عند استعمال الآية في معناها الظاهر فيها، وبتعبير آخر لم يستعمل كلمات الآية في تلك المعاني استعمال اللفظ في المعنى، بل كانت تلك المعاني منظورة من الآية ومرادة منها بلا استعمال اللفظ فيها.

وفيه: أن إرادة أمر بنفسه عند استعمال لفظ في معنى لا يوجب كون الأول بطناً للثاني، مثلا إذا قال والد في مقام وعده أحد أولاده: أعطيك غداً ديناراً، وكان من قصده اتفاقاً إعطاء الدينار لسائر أولاده أيضاً، فلا يكون إعطائه لهم بطناً لكلامه.

الثاني: أن المراد بالبطون لوازم معاني القرآن وأن اللفظ يستعمل في معنى يعبر عنه بالمعنى الظاهر، إلا أن لإرادة ذلك المعنى من اللفظ أو لنفس ذلك المعنى لوازم، لخفائها وقصور أذهاننا عن الوصول إليها أطلق عليها البواطن، ومن البديهي أن الدلالة على اللازم أجنبي عن استعمال اللفظ في أكثر من معنى بحيث يكون كل معنى مرادا مستقلا من اللفظ.

وقد يستدل لهذا الوجه الثاني بروايات متواترة إجمالاً، منها ما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يا خيثمة القرآن نزل أثلاثاً... ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السموات والارض» الحديث (98).

أقول: لا دلالة لهذه الطائفة من الاخبار على أن بطن القرآن يكون من قبيل لازم المعنى أو من قبيل الملزوم له، بل يحتمل أن يكون المراد بالبطن أن المذكور في الآية وإن كان من قبيل حكاية واقعة خاصة ماضية أو حاضرة أو بيان حكم لواقعة إلا أن واقع الآية قضية سارية كلية. مثلاً قوله سبحانه «فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»(99) في واقعها بيان لعدم عذرية الجهل بترك الفحص ومخالفة الحق اعتقاداً أو عملاً في الأصول والفروع، وأن الشخص مع تمكنه من الوصول إلى الحق ـ ولو بالسؤال عمن يعلم ذلك الحق ـ إذا تركه، يؤاخذه الله به، وأن ترك السؤال ممن يعلم الحق ـ ولو لعدم إحرازه أنه يعلم الحق، مع تمكنه من إحراز أنه يعلمه ولو بالفحص ـ لا يكون عذراً، ومن أظهر مصاديق هذا المعنى عدم الرجوع في تعلم الاحكام الشرعية إلى الائمة (صلوات الله عليهم أجمعين) كما ورد في عدة من الروايات «نحن أهل الذكر ونحن المسؤلون أمر الناس بسؤالنا»(100)، مع أن ظاهر الآية الأمر بسؤال علماء الاديان الاخرى عما يردد على أسماع الناس من أن النبوة تناسب الملك لا البشر، فينبغي أن يكون رسول رب العالمين ملكاً لا يأكل الطعام، وقد ذكر سبحانه(101) أن هذه الوسوسة لا تكون عذراً لهم في ترك الايمان بالنبي (ص) لأن أنبياء السلف كانوا رجالاً، ويمكن تحصيل العلم بذلك بسؤال علماء الاديان السابقة. وبالجملة لا ينحصر البطن للقرآن بما ذكره ثانياً من لوازم معناه المستعمل فيه.

ثم إن ثبوت البطون للقرآن وقصور أذهاننا نوعاً عن الوصول إليها من غير ورود حجة معتبرة عن الائمة (عليهم السلام) لا يمنع عن اعتبار الكتاب المجيد بالإضافة إلى ظواهره، كيف وقد أمرنا بالتمسك بالكتاب العزيز والعترة الطاهرة (عليهم السلام) كما أمرنا بعرض الاخبار المأثورة عنهم (عليهم السلام)على الكتاب ورد ما ينافيه مما لا يعد قرينة عرفية على ظواهره، وكذا عرض الحديثين المتعارضين على الكتاب والاخذ بما يوافقه، ولو لم يكن لظاهر الكتاب اعتبار لما صح الارجاع المفروض والأمر بالعرض عليه. وأما الاخذ بالبواطن فيما لا يساعده الظاهر فهو دائر مدار ورود النص عنهم (عليهم السلام) فإنهم هم الاعرفون بظواهر الكتاب والعاملون ببواطنه، وأما بيان باطنه بما لا يعد الظاهر قرينة عليه داخل في تفسير القرآن بالرأي، وإسناد الشيء إلى الله سبحانه من غير علم به، ويكون من اتباع الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.

ثم إنه ربما يذكر كثمرة لهذا البحث حكم قصد المصلي في قرائته سورة الحمد أن ينشأ الحمد بما يقراءه من قوله تعالى: «الحمد لله رب العالمين»(102) وأن ينشأ الدعاء بإدخال نفسه في قوله تعالى: «إهدنا الصراط المستقيم»(103) حيث إن قصده القراءة من قبيل استعمال الالفاظ في الالفاظ النازلة إلى الرسول الاعظم من رب العالمين بقصد حكايتها، فتكون قرائته بقصد إنشاء الحمد بها أو بقصد الدعاء من استعمال ما يتلفظ به في معنى آخر أيضاً على نحو الاستقلال.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإنه قد تقدم في بحث استعمال اللفظ في اللفظ أن اللفظ لا يستعمل في اللفظ أصلاً بل يلقى بنفسه خارجاً فيكون الملقى خارجاً نفس اللفظ الملحوظ إبتداءاً، فإذا لاحظ القارئ سورة الحمد وأراد قرائتها فيوجد بما يتلفظ به عين ما لاحظه من السورة فتكون قراءة، ولا ينافي ذلك أن يريد من ألفاظها المعاني التي كانت للسورة عند نزولها، وأن يقصد ما تقتضي تلك المعاني عند قرائتها من إدخال نفسه في مدلول الضمير ونحو ذلك، كما لا يخفى.

 

 

الثالث عشر: إنه اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ في الحال أو فيما يعمه وما انقضى عنه[1].

_________________________________________________________

المشتق:

[1] الخلاف في المشتق نظير الخلاف المتقدم في الصحيح والأعم إنما هو في سعة معنى المشتق وعدم سعته بأن تكون هيئات المشتقات موضوعة لمعاني تنطبق على ما له المبدأ فعلاً ولا تنطبق على ما لا يكون تلبسه بالمبدأ حين الانطباق فعلياً، أو أنها موضوعة للأعم بحيث تنطبق على ما يكون تلبسه بالمبدأ عند الانطباق فعلياً أو منقضياً.

وبتعبير آخر: لا خلاف في عدم سعة معنى المشتق بحيث ينطبق فعلاً على ما يكون تلبسه بالمبدأ في المستقبل ولو اطلق وانطبق عليه معنى المشتق فعلاً يكون ذلك بنحو من العناية وإنما الخلاف في سعة معناه بالإضافة إلى ما انقضى عنه المبدأ وعدم سعته.

والمراد بالمشتق في المقام خصوص ما يحمل معناه على الذوات، فالافعال والمصادر المزيد فيها وإن كان يطلق عليها المشتق في اصطلاح علماء الادب، إلا أن النزاع في المقام لا يعمهما، لعدم صحة جري معانيها على الذوات، والمراد بالذات كل ما يتلبس بالمبدأ بأحد أنحاء التلبس والاتحاد، سواء كان بنحو الحلول كما في الاسود والابيض، أو الانتزاع كما في المالك والمملوك، أو الصدور والايجاد كالضارب والقاتل. وبتعبير آخر: لا يراد بالذات ما يقابل العرض، بل يعم ما يكون عرضاً، كقوله: سواده شديد أو ضعيف.

وزعم صاحب الفصول (قدس سره) أن النزاع في المقام يختص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبهة وما يلحق بها من النسب، كالكوفي والبصري، والوجه فيما زعمه أنـه ذكر لكل من سائر المشتقات معنى واعتقد أنـه متفق عليه عند الكل، قال: «أما اسم المفعول فيكون بعض صيغه لخصوص المتلبس، كالمملوك فإنه إذا قيل: (هذا مملوك زيد) يراد أنـه ملكه فعلاً، لا أنـه كان ملكاً له سابقاً ولو صار ملك شخص آخر بالفعل، وبعض صيغه يكون للأعم كما في المكتوب، فإنه إذا قيل: (هذا مكتوب زيد)فلا يراد أنه يكتبه فعلاً، وكذا غيره من المشتقات»(104).

وفيه أن المبادئ المأخوذة في المشتقات تختلف بحسب الفعلية والشأنية والصناعة والملكة واختلافها كذلك يوجب اختلاف فعلية التلبس بالمبادئ، فإن كان المبدأ أمراً فعلياً كما في المالك والمملوك، يكون المتلبس بالمبدأ هو المتلبس بالمبدأ الفعلي، وإن كان المبدأ صنعة كما في المكتوب، يكون المتلبس بنحو الصنعة متلبساً بالمبدأ، ويلاحظ الانقضاء بالإضافة إلى الأمر الفعلي في الأول وبالإضافة إلى الصنعة في الثاني، وهذا الاختلاف الناشئ من ناحية المادة لا يوجب اختلافا في ناحية هيئة المشتق التي يبحث عن مفادها في المقام.

وعن المحقق النائيني (قدس سره) خروج أسماء الآلة عن مورد النزاع، لكونها موضوعة للاستعدادوالقابلية، ولا يعتبر فيها تلبس الذات بالمبدأ أصلاً، فضلاً عن اعتبار بقائه وعدم انقضائه، مثلاً لفظ مفتاح موضوع بهيئته لما فيه استعداد الفتح به وإن لم يتلبس بالفتح أصلاً، وكذا لا نزاع في المقام في إسم المفعول، فإن صيغة «مفعول» موضوعة لما يقع عليه الفعل، والذات بعد وقوع الفعل عليها لا تنقلب إلى غيره، والمقتول من وقع عليه القتل والشخص بعد وقوع القتل عليه لا يتصف بغيره، وكذا مثل الممكن والممتنع والواجب والعلة والمعلول، لعدم انقضاء المبدأ عن الذات في أمثالها، فإن المبدأ في مثل ما ذكروا إن لم يكن عين الذات إلا أنه كالذاتيات، غير قابل للانفكاك والانقضاء(105).

ولكن لا يخفى أن شيئاً مما ذكره (قدس سره) لا يصلح لخروج المذكورات عن مورد الخلاف في المقام، وذلك لأن غاية ما أفاده أن المبدأ في أسماء الآلات أخذ بنحو الاستعداد والقابلية لا الفعلية، ولكن هذا لا يقتضي عدم وضع الهيئة للمتلبس بالمبدأ بالمعنى المفروض، بل الهيئة تكون موضوعة له بالفعل، ويكون الانقضاء فيه بلحاظ انقضاء الاستعداد والقابلية، كما إذا انكسر بعض أسنان المفتاح بحيث لا يصلح للفتح به، فيكون من الذات المنقضي عنها المبدأ، وكون المبدأ في ضمن هيئة أمراً فعلياً وعملاً خاصاً لا ينافي كونه في ضمن هيئة أخرى بمعنى استعداد ذلك الأمر والشأنية لذلك العمل، فلا يقال إن معنى لفظ (فتح) بهيئة المصدر أمر فعلي فكيف يكون في إسم الآلة استعدادياً وأما إسم المفعول فلم يحرز أن الموضوع لهيئته ما وقع عليه المبدأ، بل من المحتمل وضعه لما يقوم به المبدأ قياماً وقوعياً، فبعد انقضاء القيام بالوقوع عليه لا ينطبق معناه عليه إلا بلحاظ حال القيام وإلا فيجري ما ذكره في صيغ إسم الفاعل أيضاً، فيقال: إن هيئته موضوعة لذات صدر عنها الفعل، والذات بعد صدور الفعل عنها لا تنقلب إلى غيره.

وأما مثل الممكن والواجب والمعلول مما لا يتصور في مبدئه الانقضاء، فقد تقدم أن النزاع في المقام في ناحية هيئة المشتقات، والهيئة فيما ذكر لم توضع مستقلة، بل وضعت في ضمن وضع هيئة إسم الفاعل أو المفعول أو الصفة المشبهة، وعليه فعدم تحقق الانقضاء في بعض المبادئ لا ينافي وضع الهيئة الداخلة على المبدأ مطلقا لمعنى وسيع ينطبق على المنقضي أيضاً في موارد إمكان الانقضاء، كما يمكن وضعها لمعنى أضيق لا ينطبق إلا على الذات المتلبسة بالمبدأ.

 

 

ثم إنه لا يبعد أن يراد بالمشتق في محل النزاع مطلق ما كان مفهومه ومعناه جارياً على الذوات[1].

_________________________________________________________

[1] يجري الخلاف في المقام في بعض الاسماء الجامدة التي لا يصح إطلاق المشتق عليها في اصطلاح علماء الادب، لأن اللفظ فيها بهيئته ومادته موضوع بوضع واحد، بخلاف المشتقات بحسب اصطلاحهم التي يكون فيها لكل من الهيئة والمادة وضعاً، وتلك الاسماء هي الجارية على الذوات مما تكون معانيها منتزعة عنها بملاحظة اتصافها بأمر عرضي أي اعتباري كالزوج والزوجة، والرق والحر ونحوها، وعلى ذلك فلا يبعد أن يراد بالمشتق في المقام ما يعم مثل هذه الاسماء بأن يكون المراد منه كل لفظ يكون معناه مأخوذاً من الذات بملاحظة اتصافها بعرض أي بمبدأ متأصل، كالضرب والقتل، أو بملاحظة اتصافها بعرضي (أي بأمر اعتباري) فتكون النسبة بين المشتق بحسب اصطلاح علماء الادب وبين المراد في المقام العموم من وجه، لخروج بعض ما يطلق عليه المشتق بحسب اصطلاحهم عن محل الكلام كالافعال والمصادر المزيد فيها، ودخول بعض ما لا يطلق عليه المشتق بحسبه فيه كالجوامد المشار إليها، ولو لم يكن المراد بالمشتق ما يعم تلك الاسماء الجامدة كما هو مقتضى الجمود على ظاهر لفظ المشتق الوارد في عنوان الخلاف، فلا ينبغي التأمل في أن النزاع الجاري فيه، جار فيها أيضاً كما يشهد لذلك ما عن الايضاح(106) وغيره في المسألة المعروفة في كون المراد من الزوجة في حرمة أم الزوجة، خصوص المتلبس بالزوجية أم يعم المنقضى عنها.

أقول: لا بأس بالتكلم في تلك المسألة بما يناسب المقام، ولها صور:

الصورة الأولى: فيما إذا أرضعت الكبيرتان زوجته الصغيرة مع الدخول بالمرضعة الأولى فقط، ففي هذه الصورة تحرم المرتضعة على زوجها مؤبداً، لأنـها إما بنته إذا كان اللبن منه، أو ربيبته من المرضعة الأولى المدخول بها، إذا لم يكن اللبن منه.

وهل تحرم المرضعة الأولى أيضاً؟ المشهور أنها تحرم مؤبداً كالمرتضعة، لكونها أما لزوجته الصغيرة، فيشملها قوله سبحانه: «وأمهات نسائكم» الآية(107).

ولكن قد يناقش في حرمتها بأن ظاهر الآية المباركة حرمة من تكون أما لزوجته حال اتصافها بالزوجية، بأن يجتمع كونها أما وكون بنتها زوجة في زمان واحد، وليس الأمر في الفرض كذلك، فإنه في زمان تحقق أمومة المرضعة ترتفع زوجية المرتضعة، فلا يجتمعان.

وقد أجيب عن المناقشة بما حاصله: إن مقتضى التضايف بين الامومة والبنوة أن يكون تحقق الامومة للمرضعة، مساوياً لحصول البنوة للمرتضعة، وبما أن حصول البنوة للصغيرة علة لارتفاع الزوجية عنها، فيتأخر ارتفاع الزوجية رتبة عن حصول البنوة لها وعن الامومة للمرضعة، كما هو مقتضى التضايف بين الامومة والبنوة وتأخر كل معلول عن علته، وعلى ذلك تكون الصغيرة متصفة بالزوجية في رتبة حصول الامومة للمرضعة، فتجمع أمومة المرضعة مع زوجية المرتضعة في الرتبة، وهذا المقدار يكفي فيصدق أن المرضعة أم زوجته.

وفيه: أن ما ذكر لا يصحح اجتماع الامومة للمرضعة وزوجية الصغيرة في زمان واحد. والمدعى في المناقشة ظهور الآية المباركة في اجتماعهما في الزمان، وبتعبير آخر: ارتفاع الزوجية عن الصغيرة لصيرورتها بنتاً أو ربيبة للزوج يتوقف على تمام الارضاع الموجب لصيرورتها بنتاً للمرضعة وصيرورة المرضعة أماً لها، وبتمامه ترتفع الزوجية، فيكون حصول الامومة مقارناً لانحلال الزوجية، فلا يجتمعان في الزمان.

وأما ما رواه الكليني (قدس سره)، عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن علي بن مهزيار،عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قيل له إن رجلاً تزوج بجارية صغيرة، فأرضعتها امرأته، ثم أرضعتها إمرأة له أخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «أخطاء ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولاً، وأما الاخيرة فلم تحرم عليه، كأنها أرضعت ابنته»(108)، فهو وإن كان ظاهراً في حرمة المرضعة الأولى، إلا أنه قد يناقش فيه بوجهين:

الأول: أن الرواية مرسلة، فإن ظاهر نقل فتوى ابن شبرمة أن المراد بأبي جعفر هو الباقر (عليه السلام)، وعلي بن مهزيار لم يدرك الباقر (عليه السلام)، فتكون الرواية مرسلة.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإن علي بن مهزيار ظاهر نقله أنه بالحس، وهذا يكون قرينة على أن المراد بأبي جعفر هو الجواد (عليه السلام)، ونقل فتوى ابن شبرمة إليه (عليه السلام) لا يكون قرينة على خلاف ذلك. ولعل ناقل الفتوى شخص آخر قد سمعها منه مباشرة أو مع الواسطة نقلها إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام).

الثاني: أن في سند الرواية صالح بن أبي حماد، ولم يثبت له توثيق لو لم نقل بثبوت ضعفه، لقول النجاشي «وكان أمره ملتبساً يعرف وينكر»(109).

أقول: هذا أيضاً لا يصلح لسقوط الرواية عن الاعتماد عليها، لا لدعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور، ليقال أنـه لم يظهر استناد المشهور إليها، بل لعلهم استفادوا الحكم من ظاهر الآية الشريفة كما تقدم، بل لأن الرواية رواها الشيخ في التهذيب(110) عن الكليني (قدس سره) بالسند المفروض، ولكن ذكر في فهرسته أن له إلى كتب علي بن مهزيار ورواياته طريقاً صحيحاً إلا نصف كتاب مثالبه(111)، وهذه تدخل في روايات علي بن مهزيار، ويبعد كونها من روايات كتاب المثالب، مع أن طريقه إلى نصفه الآخر فيه إبراهيم بن مهزيار الذي قد يناقش في ثبوت التوثيق له، لكن لا يبعد عده من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح، فالرواية لتبديل أمر سندها لا مجال للمناقشة في سندها.

وقد يقال في المقام: إن تفريق فخر المحققين (قدس سره) بين المرضعتين، ليس لفارق بينهما فيالابتناء على وضع المشتق ليقال بأن الالتزام بحرمة المرضعة الأولى والخلاف في الثانية بلا وجه، بل الالتزام بحرمة الأولى للإجماع والنص الصحيح في موردها، دون الثانية، ولذلك بنى حرمة الثانية على مسألة المشتق، وأوضح الحكم فيها من طريق القاعدة. والنص هو صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) «لو أن رجلاً تزوج بجارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح»(112) ظاهرها فساد نكاح الرضيعة، ويحتمل فساد نكاح المرضعة.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإن الكلام في المقام في حرمة المرضعة الأولى مؤبداً ولا دلالة للصحيحة على فساد نكاحها، فضلاً عن حرمتها، بل ظاهرها فساد نكاح الرضيعة وحرمتها مؤبداً، وهذا لا كلام فيه، كما تقدم.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) أن من المحتمل أن يكون صدق الزوجة على الرضيعة في زمان كافياً في حرمة أمها حتى لو كان حصول الامومة بعد انقضاء الزوجية، حيث لم يقيد حرمة أم الزوجة في الآية بكونها أما للزوجة الفعلية، بل إطلاقها يعم من تكون أما للزوجة الفعلية، بل إطلاقها يعم من تكون أما للزوجة السابقة، نظير حرمة الربيبة، حيث لا يعتبر في حرمة بنت الزوجة المدخول بها كونها بنتاً لها حال كونها زوجة. والحاصل أن ما نحن فيه نظير ما يأتي من قوله سبحانه «لا ينال عهدي الظالمين»(113) من كون الظالم في زمان لا ينال العهد إلى الابد(114).

وفيه أن ظاهر الخطاب دوران الحكم مدار بقاء العنوان، وكون حدوث عنوان موجباً للحكم في المعنون إلى الابد ولو مع عدم بقاء العنوان يحتاج إلى قرينة، مع أن الموضوع للحكم في المقام أمهات نسائكم، لا أمهات من كانت من نسائكم، وظاهر الأول تحقق الامومة في زمان انتساب المرأة إلى الإنسان بالزوجية، ولا يقاس المقام بمسألة بنت الزوجة، فإن الحرمة في الخطاب لم تتعلق بعنوان بنت الزوجة ليقال فيه ما تقدم في أم الزوجة، بل تعلقت بعنوان الربيبة، والربيبة بنت من تزوج بها سواء كانت بنتيتها قبل الزواج أو بعد انقضائه، والمتحصل أن العمدة في المقام هو أن دليل الحكم ـ بحرمة المرضعة الأولى كالصغيرة مؤبداً ـ ما تقدم من الرواية التي صححنا سندها.

الصورة الثانية: ما إذا أرضعت الكبيرتان الصغيرة، مع الدخول بالمرضعة الثانية فقط، فتكون المرتضعة محرمة عليه مؤبدا بعد إرضاع الكبيرتان لما تقدم في الصورة الأولى، ويحكم بفساد نكاح المرضعة الأولى من غير حرمة، ووجهه أنها قبل تحقق الرضاع من المرضعة الثانية تكون أماً للصغيرة ،والصغيرة بنتا لها، وبما أنـه لا يمكن الجمع بين الام والبنت في النكاح فيبطل نكاحهما، لأن تعيين البطلان في أحدهما بلا معين إلا أن يدعى بأن مجرد النكاح على البنت كاف في تحريم أمها، بخلاف العكس، وعليه تحرم المرضعة الأولى مؤبداً لكونها أما لزوجته.

الصورة الثالثة: ما إذا أرضعت الكبيرتان زوجته الصغيرة مع الدخول بالكبيرتين، وقد نقل الماتن (قدس سره) هذا الفرع عن الايضاح، والحكم فيها بعينه ما تقدم في الصورة الأولى.

الصورة الرابعة: ما إذا أرضعتاها بلا دخول بهما، وفي هذه الصورة لا تحرم الصغيرة ولا الكبيرتان .نعم يكون نكاح الصغيرة والمرضعة الأولى باطلاً، لما تقدم من عدم إمكان جمعهما في النكاح، وتعيين البطلان في أحدهما بلا معين، وعلى الاحتمال الآخر يبقى نكاح الصغيرة وتحرم المرضعتان مؤبداً، لكون كل منهما أما لزوجته.

 

 

وهذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعاً عن مقام الذات والذاتيات[1].

_________________________________________________________

[1] المنتزع عن مقام الذات كالانواع، والمنتزع عن الذاتيات كالجنس والفصل خارجان عن مورد النزاع، فإنه لا يطلق على الملح المتبدل إليه الكلب، أنـه كلب، وعلى التراب المتبدل إليه الإنسان، أنه إنسان، بل كان كلباً أو إنساناً، والوجه في ذلك أن شيئية الاشياء إنما هي بصورها لا بالهيولى والقوة القابلة لها حتى بنظر العرف أيضاً، وإذا زالت الصورة انعدم الشيء ولا يمكن انطباق الشيء على عدمه.

 

 

ويمكن حل الاشكال بأن انحصار مفهوم عام[1]. _________________________________________________________

[1] وقد يناقش في جريان النزاع في أسماء الزمان، بأن زمان الفعل ينقضي وينصرم بنفسه، فلا يكون له بقاء بعد انقضاء المبدأ ليبحث في انطباق عنوان إسم الزمان عليه بعد انقضاء المبدأ أو عدم انطباقه.

وذكر (قدس سره) أنه يمكن حل الاشكال بأن زمان الفعل وإن كان متصرماً ينقضي بنفسه ولا يمكن أن يكون له بقاء بعد انقضاء المبدأ، إلا أن هذا لا ينافي النزاع في أسماء الازمنة باعتبار ما تقدم سابقاً من أن النزاع في المقام يقع في ناحية هيئة المشتقات و يكون البحث في أنها موضوعة لخصوص المتلبس، أو أن معناها عام شامل له وللمنقضي، وهذا بعينه قابل لأن يجري في اسم الزمان أيضاً بأن يكون البحث في أنه موضوع لخصوص المتلبس أو للأعم، ولو كان وضعه للأعم لكان إطلاقه على المتلبس من قبيل إطلاق اللفظ الموضوع للكلي على أحد فرديه، وامتناع فرده الآخر خارجاً لا يوجب اختصاص الوضع بفرده الممكن، كما أنـه وقع الخلاف في لفظ الجلالة بأنه علم شخصي لذات الحق (جل وعلا) أو أنـه إسم للكلي وإطلاقه عليه سبحانه من إطلاق اللفظ الموضوع للكلي على فرده الممكن فقط، ولو كان امتناع فرد آخر من الكلي موجباً لعدم وضع اللفظ إلا لخصوص فرده الممكن لما تحقق هذا الخلاف بينهم، وأيضاً لما كان اتفاق على أن الموضوع له في لفظ الواجب هو الكلي مع انحصار فرده بواحد.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من أن امتناع فرد آخر من الكلي لا يوجب وضع اللفظ لفرده الممكن متين، بل وضع اللفظ بإزاء كلي لا يمكن منه حتى فرد واحد كمعنى شريك الباري بمكان من الامكان، فإن الغرض من الوضع تفهيم المعنى ومن الظاهر أن قصد التفهيم كما يكون في المفاهيم والمعاني الممكنة ،كذلك يكون في الممتنعة أيضاً إلا أن ما ذكره من أن لفظ الواجب موضوع لكلي لا يمكن منه إلا فرده الواحد، غير تام، وذلك لأن الواجب وإن كان يقيد ويقال «الواجب بذاته وبلا علة» ويراد منه ما لا يمكن انطباقه إلا على ذات الحق (جل وعلا) وهو ما لا يمكن فرض عدمه أو فرض العلة له، إلا أنه لم يوضع لهذا المعنى.

والذي أظنه أن الاشكال في أسماء الازمة لا يكون راجعاً إلى امتناع وضعها للأعم ليجاب عنه بما ذكر، بل يرجع إلى أن البحث فيها في المقام لغو لا يترتب عليه ثمرة، إذ الاحكام الشرعية الثابتة لعناوين الاسماء المفروضة ترتفع بارتفاع الزمان الواقع فيه المبدأ ـ سواء قيل بوضعها لخصوص المتلبس أو للأعم ـ وهذا بخلاف سائر المشتقات كاسم الفاعل، فإنه إذا ورد الأمر بإكرام العالم مثلا، فبناء على وضعه لخصوص المتلبس لا يحكم باستحباب إكرام من زال عنه العلم بنسيان أو غيره، وبناء على القول بوضعه للأعم يحكم باستحبابه أيضاً، وهذا بخلاف إسم الزمان فإن الذات فيه وهو الزمان ينقضي بانقضاء المبدأ، فلا يكون في الخارج ذات انقضى عنها المبدأ ليثبت لها الحكم بناء على القول بوضعه للأعم.

نعم لو قيل بأن هيئة (مفعل) لم توضع بإزاء زمان الفعل تارة ولمكانه أخرى، بل وضعت لمعنى واحد لهما ـ ويؤيد ذلك عدم اختلاف أسماء الزمان والمكان في الهيئة، بل لهما هيئة واحدة ـ لكان جريان النزاع فيها بلا كلام، حيث تترتب الثمرة على البحث في معناها كما لا يخفى.

وقد يقال إن الالتزام بأن هيئة مفعل، موضوعة لمعنى ينطبق على الزمان والمكان غير مفيد، ووجهه أن تلبس المكان بالمبدأ نحو تلبس، وتلبس الزمان به نحو آخر، وعنوان الظرفية والوعائية وإن كان يطلق على كلا التلبسين إلا أنه جامع عرضي انتزاعي، لا يمكن أخذه في معنى إسم الزمان والمكان، فإنه لا يكون معنى المقتل عنوان وعاء القتل، كما أن الالتزام بأخذ ما يكون وعاء بالحمل الشائع، مضافا إلى أنـه غير مفيد، يوجب أن يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً، فإن الموضوع له أشخاصه.

أقول: الوضع في ناحية المشتقات أي هيئاتها يكون عاماً والموضوع له خاصاً لا محالة، لأن الهيئة تتضمن معنى حرفيا لا محالة، فالكلام في أن هيئتي إسم الزمان وإسم المكان، هل وضعتا لمعنى يشار إليه ويعبر عنه بعنوان «ما يقع فيه المبدأ» بالخصوص، أو وضعتا لما يعبر عنه بعنوان «ما خرج فيه، المبدأ إلى الفعلية» سواء بقيت فيه الفعلية أو انقضت؟

فإذا وضعتا بوضع واحد للأول، يكون الوضع فيهما مختصا بالمتلبس الفعلي، وإذا وضعتا كذلك للثاني، يكون الوضع للأعم، وبهذا اللحاظ يجري النزاع. هذا مع أن للتأمل في اختلاف تلبس الزمان بالمبدأ عن تلبس المكان به مجالاً واسعاً.

وأجاب المحقق النائيني (قدس سره) عن الاشكال في أسماء الزمان بأن الذات المأخوذة فيها يمكن أن تكون كلية، كاليوم العاشر من المحرم، وما وقع فيه الفعل كالقتل وإن كان الموجود منه فرداً من أفراده وينقضي بانقضاء القتل فيه، إلا أن الذات وهو المعنى الكلي يكون باقياً حسب أفراده المتجددة بعده(115).

وفيه: أن العام يعني الكلي، وإن كان يتكثر بتكثر أفراده وتسري إليه أوصاف أفراده فيتصف بوصف كل منها، إلا أن حدوث فرد من الكلي وارتفاعه، وحدوث فرد آخر منه بعد ذلك، لا يصحح بقاء العام بذلك الوجود، فإن الحادث وجود آخر والمأخوذ في معنى إسم الزمان ولو كان عاما إلا أن ما هو ظرف للمبدأ وجود واحد لا بقاء له على الفرض وحدوث فرد آخر لا يصحح كون الكلي بذلك الوجود متصفاً بالمبدأ، ويتضح ذلك بملاحظة المأخوذ من الذات في معنى لفظ المجتهد، فإنه ليس خصوص زيد، بل المأخوذ فيه مطلق الذات المتصفة بالاجتهاد، وقيام مبدأ الاجتهاد بزيد يوجب اتصاف الإنسان بالمبدأ المفروض، ولكن لا يوجب ذلك صدق المجتهد على سائر أفراد الإنسان بدعوى أن المأخوذ في معنى المجتهد كلي الذات المتصفة بالاجتهاد لا خصوص زيد الموصوف بمبدأ الاجتهاد.

والسر في ذلك أن لكل فرد من أفراد الإنسان وجوداً، قد يتصف الطبيعي بوصف بعض وجوداته وينطبق عليه عنوان باعتبار بعض أفراده ولكن هذا لا يوجب بقاء الطبيعي الموصوف بوصف ما، بوجود فرده الآخر. وقد ذكر هذا الوجه لعدم جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي.

وربما يقال: إن للزمان بقاءاً اعتباراً، فإن اليوم باق مادام لم تغرب الشمس، والليل باق مادام لم تطلع الشمس أو الفجر، ولذا يجري استصحاب بقاء الشهر أو اليوم أو الليل ونحو ذلك، وهذا النحو من البقاء كاف في جريان النزاع في اسماء الزمان، حيث إن اليوم العاشر من كل سنة وإن لم يكن مقتلاً للحسين (عليه السلام) إلا أن اليوم العاشر من سنة إحدى وستين يصدق عليه مقتله (عليه السلام) حتى بعد الزوال أيضاً، بناءاً على أن المشتق حقيقة في مطلق ما تلبس بالمبدأ وإن انقضى تلبسه.

أقول: ما ذكر من الاعتبار في النهار والليل والشهر ونحوها لا ينكر، كما في بحث جريان الاستصحاب في ناحية الزمان، ولكن هذا لا يثمر في جريان النزاع في أسماء الزمان، والوجه في ذلك أن الذات المأخوذة في معنى المشتق أو الملازم لمعناه ـ كما يأتي ـ مبهمة من جميع الجهات غير تلبسها بالمبدأ، والعناوين الاعتبارية كالنهار والليل، لم يؤخذ شيء منها في معنى إسم الزمان، وما أخذ فيه من المعنى المبهم إنما ينطبق على نفس القطعة الزمانية التي وقع فيها الفعل، والمفروض أنها لا تبقى بعد انقضاء التلبس.

نعم، في المقام أمر، وهو أنـه لو أخذ في بعض الخطابات الشرعية مقتل الحسين (عليه السلام) ونحوه موضوعاً لآداب، يكون ذكر الآداب قرينة على أن المراد به مثل ذلك الزمان لا نفسه، ومثله وإن كان فرداً آخر حقيقة إلا أن إطلاق مقتله (عليه السلام) عليه باعتبار أن أهل العرف يرون المثل عوداً لنفس ذلك الزمان ولو تسامحاً.

 

ثالثها: إن من الواضح خروج الافعال والمصادر المزيد فيها عن حريم النزاع[1].

_________________________________________________________

[1] المصادر المزيد فيها وإن كان يطلق عليها المشتق باصطلاح علماء الادب إلا أنها كالمصادر المجردة لا تحمل على الذوات، فإن معانيها عبارة عن المبادئ وما تتصف به الذوات وما يقوم بها، ومع انقضاء التلبس عن الذوات لا يمكن انطباقها على عدمها، وهكذا الافعال فإنها مركبة من المبادئوالهيئات، أما مباديها فالحال فيها كالحال في المصادر لا يمكن أن تنطبق على عدمها، وأما هيئاتها فلأنها دالة على قيام تلك المبادئ بالذوات قيام صدور أو حلول أو غير ذلك، ومع انقضاء المبدأ عن الذات لاقيام للمبدأ بها.

 

 

قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان حتى أخذوا الاقتران في تعريفه[1]. _________________________________________________________

[1] ذكر النحاة في الفرق بين الاسم والفعل بعد اشتراكهما في الدلالة على معنى مستقل ـ أي مستقل في اللحاظ ـ أن ذلك المعنى المستقل بمجرده مدلول الاسم ولا يدل الاسم على اقترانه بأحد الازمنة، بخلاف الفعل فإنه يدل على معنى مقترن بأحد الازمنة الثلاثة، وعباراتهم في التفرقة بين الاسم والفعل توهم دخول الزمان في مدلول الافعال بخلاف الاسماء، حيث إن الزمان خارج عن مداليلها فهذا الوهم فاسد جدا ـ سواء كان مراد علماء الادب في تعريف الاسم والفعل هذا أو غيره ـ، فإن من الافعال عندهم الأمر والنهي وليس لهما دلالة على الزمان، فإن الأمر يدل على إنشاء طلب الفعل، والنهي على إنشاء الزجر عنه أو طلب الترك، غاية الأمر يكون الانشاء حال التكلم لا محالة، كما هو الحال في الاخبار ولو بالجملة الاسمية، كقوله زيد ابن عمرو، أو بالجملة الفعلية كضرب زيد أو يضرب عمرو، بل لا دلالة للفعل الماضي أو المضارع على الزمان، ولذا لا يكون عناية وتجريد عند إسنادهما إلى الزمان والمجردات. وبالجملة لا ينبغي التأمل في أن الزمان غير مأخوذ في معنى الفعل لا في ناحية معنى المادة ولا في ناحية معنى الهيئة، نعم لمعنى هيئة الماضي والمضارع عند دخولها على المادة خصوصية، وتلك الخصوصية تقتضي زمان الماضي أو الحال والاستقبال فيما كان الاسناد إلى الزماني، فإن الماضي يدل على انتساب المبدأ بنحو التحق ق والمضارع على انتسابه بغيره من الفعلية أو الترقب ودلالة هيئتهما على ذلك بنحو ما تقدم في معاني الحروف، لا على عنوان الانتساب الموصوف بالتحقق أو الترقب.

ثم إنه لو كان في البين قرينة على لحاظ الترقب أو التحقق بالإضافة إلى زمان فلا كلام، كما في قوله: (يجيئني زيد بعد عام وقد ضرب قبله بثلاثة أيام) وكما في قوله: (جائني زيد في شهر كذا وهو يضحك) حيث لوحظ تحقق الضرب في الأول بالإضافة إلى زمان المجيء، والفعلية أو الترقب في الضحك بالإضافة إلى زمانه أيضاً في الثاني، وإلا يحمل التحقق والترقب على أنهما بالإضافة إلى زمان الاخبار، وهذا هو المراد بالاطلاق في قول الماتن (قدس سره): «بل يمكن منع دلالة غيرهما على الزمان إلا بالاطلاق والاسناد إلى الزمانيات».

 

 

يؤيده أن المضارع يكون مشتركاً معنوياً[1].

_________________________________________________________

[1] هذا تأييد لعدم دخول الزمان في مدلول الافعال وأن الداخل في مدلولها خصوصية انتساب المبدأ إلى الذات، وتقتضي تلك الخصوصية فيما كان الفاعل من الزمانيات أحد الازمنة. ووجه التأييد أنـه لا جامع بين زماني الحال والاستقبال إلا معنى لفظ الزمان، ومفهوم الزمان معنى إسمي غير داخل في معنى هيئة الافعال حتى عند النحويين، فإن ظاهر كلامهم دلالة الفعل على معنى مقترن بمصداق الزمان، فلابد من أن يكون مرادهم أيضاً أن للهيئة في فعل المضارع خصوصية تقتضي زمان الحال أو الاستقبال.

أقول: لم يثبت من النحويين التزامهم بالاشتراك المعنوي في هيئة فعل المضارع بمعناه المعهود ليشكل عليهم بأن الهيئات ليس لها معان إسمية حتى يتصور فيها الاشتراك المعنوي، بل لعل مرادهم أن صيغة فعل المضارع تدل على ما يوصف به انتساب المبدأ إلى الفاعل بكونه في غير الزمان الماضي من الحال أو الاستقبال، فالمراد بالاشتراك الوضع العام والموضوع له الخاص، كما في الحروف وهيئات سائر الافعال.

وغاية ما يرد عليهم أن خصوصية النسبة المستفادة من هيئة الفعل الماضي أو الفعل المضارع وإن كانت تقتضي الاقتران بالازمنة فيما كان الفاعل من الزمانيات إلا أن اقتضاء الخصوصية لا يوجب دخول الزمان وأخذه في مدلوله ليلزم العناية أو التجريد في موارد الاسناد إلى الزمان أو المجرادت.

فيكون الحال في الفعل الماضي أو المضارع مثل الجملة الاسمية كـ(زيد ضارب)، حيث إنه نسب (ضارب) إلى (زيد) بنسبة تحققية أو بنسبة ترقبية، وهذه النسبة تقتضي أحد الازمنة الثلاثة لا محالة، لكون (زيد) من الزمانيات، والفرق أن تعيين كون النسبة في (زيد ضارب) تحققية أو ترقبية يكون بالقرينة العامة أو الخاصة، بخلاف تعيينها في الفعل فإنه يكون بالوضع، حيث إن هيئة الفعل الماضي تدل على نسبة تحققية وهيئة المضارع على نسبة ترقبية.

ومما ذكر يظهر أن في عبارة الماتن (قدس سره) تسامحاً، فإنه (قدس سره) ذكر أن للمضارع معنى يصح انطباقه على الحال والاستقبال ووجه التسامح أن معنى الفعل ـ سواء كان ماضياً أو مضارعاً ـ لا ينطبق على الزمان، بل ينطبق على النسبة الخارجية المقتضية للزمان فيما كان الفاعل من الزمانيات، وكذلك الحال في الجملة الاسمية ك'(زيد ضارب)، فتدبر.

 

 

إلا أنك عرفت فيما تقدم عدم الفرق بينه وبين الاسم[1]. _________________________________________________________

[1] ذكر (قدس سره) فيما تقدم أنـه ليس الاختلاف بين الحرف والاسم في نفس الموضوع له والمستعمل فيه لا بالذات ولا بالاعتبار، بل الموضوع له والمستعمل فيه فيهما واحد وهو ما يتعلق به اللحاظ الالي تارة والاستقلالي أخرى، من غير دخل للحاظين في الموضوع له والمستعمل فيه، والاختلاف في كيفية اللحاظ عند استعمالهما معتبر في وضعهما حيث إن الاسم وضع لذلك المعنى الذي يكون من قبيل الكلي الطبيعي، ليلاحظ عند الاستعمال بما هو هو، والحرف وضع له ليستعمل فيه عند لحاظه آلياً، فالمعنى الموضوع له والمستعمل فيه في نفسه في كل منهما كلي طبيعي، وكيفية اللحاظ عند الاستعمال لا تدخل في المستعمل فيه لا في الاسماء ولا في الحروف، ولذا تكون معاني الاسماء والحروف كليات تنطبق على الخارجيات، وتصدق على كثيرين.

ولو قيد المعنى باللحاظ، بأن يكون واقع اللحاظ الآلي أو الاستقلالي داخلاً في المعنى، يكون المستعمل فيه جزئياً ذهنياً وكلياً عقلياً، حيث إن الوجود الذهني كالخارجي يكون شخصاً لا محالة، بحيث لو لوحظ المعنى المفروض ثانياً، يكون اللحاظ الثاني وجوداً ذهنياً آخر مثل الأول، ويكون المعنى مع أنه جزئي ذهني ـ حيث أن المقيد بأمر ذهني يكون ذهنيا لا ينطبق على الخارج ـ كليا عقليا، وقد ذكرنا أن المراد بالكلي العقلي، مرآتية الملحوظ وحكايته عن كثيرين في الخارج من غير أن ينطبق عليها ليكون عين ما في الخارج، ويمكن تشبيهه بالصورة المنقوشة على الجدار من إنسان أو غيره، فإنها تحكي الخارج وتشير إليه من غير أن تكون عين الخارج، وأضاف هنا إلى ما تقدم، التوفيق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمي وبين كليته ـ أي كونه كلياً طبيعياً يصدق على كثيرين في الخارج ـ بأن المعنى الموضوع له والمستعمل فيه إذا قيد بواقع اللحاظ، يعني الوجود الذهني، يكون جزئى ذهنياً وكلياً عقلياً، وإذا أغمض عن اللحاظ الذي هو من كيفيات الاستعمال ومقدماته يكون نفس المستعمل فيه كلياً طبيعياً يصدق على الخارجيات.

أقول: قد تقدم أن المعنى الحرفي يختلف عن المعنى الاسمي ولا اتحاد بينهما أصلاً وأن الاختلاف ليس بحسب اللحاظ فقط ليقال إن اللحاظ غير داخل في المستعمل فيه فيهما، بل قد ذكرنا في الفرق ما ملخصه: أن الحرف إذا ذكر مجرداً لا يكون له معنى، وإذا دخل على الاسم أو غيره دل على خصوصية في معنى المدخول بحسب الخارج، فتكون تلك الخصوصية، نسبية وغير نسبية، مثلاً إذا قيل (سرت من البصرة إلى الكوفة) فكلمة (من) الداخلة على (البصرة) تدل على أنها في نسبة السير إليها معنونة بعنوان المبدئية له، بخلاف ما إذا قلنا (ابتداء السير)، فإن لفظ (الابتداء) يضاف إلى (السير) لا إلى (المكان) فلا يدل على خصوصية المبدئية في النسبة ليقال إن المستعمل فيه فيهما أمر واحد، وقلنا: إن هذا هو السر في عدم استعمال أحدهما في موضع الآخر، لا أن الاختلاف بينهما يكون بمجرد اللحاظ فراجع وتأمل. وقد ذكرنا هناك أيضاً أن نفس الخصوصيةالخارجية في مدلول المدخول ليست هي معنى الحرف ليقال إن الحرف لم يستعمل في شيء، في صورة الكذب في الاخبار، بل مدلول الحرف تلك الخصوصية بصورتها المندكة في معنى المدخول، ولذا لا يكون للحروف معان إخطارية، فالاسم يدل على معنى فينفسه، والحرف يدل على معنى في غيره، والخصوصية المدلول عليها بالحرف في معنى الغير، تصحح اتصاف معنى المدخول بعنوان إسمي كالمبدئية.

 

 

رابعها: أن اختلاف المشتقات في المبادئ[1].

_________________________________________________________

[1] قد تقدم أن النزاع في المقام في ما وضع له هيئات المشتقات وأنـه ينطبق على ما انقضى عنه المبدأ، أو لا ينطبق إلا على ما يكون تلبسه بالمبدأ فعلياً، ولكن المراد بالمبدأ في المشتقات يختلف، فيكون المراد بالمبدأ في بعضها بنحو الحرفة، وفي بعضها بنحو الصنعة، وفي بعضها بنحو الملكة، وفي بعضها بنحو الشأنية أو الاستعداد، وفي بعضها بنحو الفعلية، وهذا الاختلاف في المبادئ لا يوجب اختلافاً في دلالة الهيئات، ولا تفاوتاً في محل النزاع، والفرق بين الحرفة والصناعة أن الأولى لا تحتاج إلى التعلم بخلاف الثانية.

ثم إن اختلاف المشتقات بحسب المبادئ لا يوجب الاشتراك اللفظي في ناحية المبادئ من جهة ظهور المبدأ في الفعلية وظهور المشتق في الاستعداد وغيره، لإمكان إرادة الملكة أو الاستعداد أو غيرهما من المبدأ ولو بنحو المجاز.

وبذلك يظهر أن ما ذكر من عدم كون المبدأ موضوعاً للاستعداد فلا يمكن أن يكون مستفادا من مشتقاته أيضاً، كما في الفتح والمفتاح، فإذا لم يستعمل الفتح في الاستعداد، فكيف يستعمل المفتاح في استعداد الفتح، لا يمكن المساعدة عليه إذ الاستعداد للفتح غير داخل في مدلول الهيئة، بل الهيئة قرينة على إرادة الاستعداد من المبدأ ولو مجازاً، حيث إن الآلية لشيء لا تستلزم إيجاد ذلك الشيء بها فعلاً.