في قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» وموردها:

وأما الأمر الثاني إن ما بنى عليه الماتن (قدس سره) ـ تبعاً لأهل المعقول من «أن الشيء ما لم يجب لم يوجد»(175) وأن فعل العبد ما لم يكن بالغاً حد الوجوب لم يتحقق خارجاً، بدعوى أن هذا لازم إمكان الشيء بلا فرق بين الافعال وغيرها، ولذلك التزموا بأن الارادة بالمعنى الذي فسروها به من الشوق المؤكد علة للفعل، وذلك الشوق أيضاً يوجد بمبادئه المترتبة على حسن الذات وسعادتها أو خبثها وشقاوتها، والسعادة والشقاوة من لوازم الذات لا تحتاج إلى علة، لأنـها توجد بالعلة الموجدة لنفس الذات ـ فمما لا يمكن المساعدة عليه، إذ لو كان الأمر كما ذكره، فكون أفعال العباد اختيارية لهم، مجرد تسمية لا واقع لها،ولا يكون في البين من حقيقة الاختيار شيء.

كما أن ما تقدم منه (قدس سره)، من تعلق إرادة الله (عز وجل) التكوينية بالافعال الصادرة عن العباد باختيارهم، إن كان المراد منه أنـه على تقدير صدور الفعل عن العباد بإرادتهم، فذلك الفعل متعلق إرادة الله (عز وجل)، فهذا من قبيل إرادة ما هو الحاصل. وإن كان المراد أنـه لا محيص عن صدور الفعل المفروض، فيكون مقتضى إرادة الله حصول مبادئ الارادة للعبد، وهو يقتضي لأبدية صدور الفعل، فهذا أيضاً يساوي مسلك الجبر، إذ مع حصول مبادئ الارادة تكون إرادة العبد واجبة الوجود والمفروض أن إرادة العبد علة تامة لصدور الفعل عنه، فأين الاختيار، وكيف يصح التكليف، وكيف يصح عقابه على مخالفة التكليف ؟ مع أن العبد البائس المسكين لا يتمكن من ترك المخالفة مع حصول مبادئ الارادة بتبع شقاوة ذاته، أو بإرادة الله (عز وجل)، ومعه كيف يصح التوبيخ بمثل قوله سبحانه «قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السم ع والابصار والافئدة قليلاً ما تشكرون»(176).

مع أن للعبد المسكين أن يجيب بأني لا أتمكن من الشكر لك، فأنت الذي أوجدت مبادئ إرادة الكفر والطغيان في نفسي، أو إن لي ذاتاً لازمها الشقاوة المستتبعة لمبادئ الكفر والنفاق والطغيان، ولا حيلة لي بغيرها، فكيف يصح عقابه ؟ وفي الصحيح عن يونس بن عبدالرحمن، عن عدة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال له رجل: جعلت فداك أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي، ثم يعذبهم عليها، فقال له: جعلت فداك، ففوض الله إلى العباد؟ فقال: لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي، فقال له: جعلت فداك، فبينهما منزلة ؟ قال فقال: نعم، أوسع ما بين السماء والارض(177).

 

الملاك في اختيارية أفعال العباد:

وبالجملة ما ذكروه من قاعدة «عدم إمكان حدوث شيء إلا عن علة تامة» و«أن الشيء ما لم يجب لم يوجد» لا تجري في الافعال الاختيارية، حيث إن المعلول وجوده ترشحي، أو انفعال بالخاصية، بخلاف الفعل الاختياري، فإن قدرة الفاعل على أمر لا تتحقق إلا إذا تساوى طرفاه من الفعل أو الترك بالإضافة إلى الفاعل، فلو لم يكن الفاعل متمكنا على كل من إيجاده وتركه قبل أن يصدر منه الفعل، لما كان في البين قدرة، بل كان جبر واضطرار، حتى بالإضافة إلى الواجب (جل وعلا)، حيث إنه بقدرته الذاتية يختار كون الشيء فيوجد، بلا فرق بين تعلق إرادته بالوجود عن طريق المقدمات الاعدادية أو بدونها.

والحاصل إمكان صدور الفعل عن الفاعل بالاختيار لا يحتاج إلى غير قدرته عليه، نعم العاقل لا يصرف قدرته فيما لا يعنيه و ما ليس له فيه صلاح، بل يصرفها على أحد طرفي الشيء لغرض، من غير أن يكون ترتب الغرض على ذلك الطرف موجباً لسلب قدرته عن الطرف الآخر، وبتعبير آخر: يكون ترتب الغرض على أحد طرفي الشيء مرجحاً لذلك الطرف على الآخر، ولذا يسمى إعمال القدرة وصرفها في أحد طرفي الشيء اختياراً، لأن الإنسان يأخذ بما فيه الخير، وقد اعترف الماتن (قدس سره) في بحث التجري(178) ببعض ما ذكرناه ـ من كون اختيارية الفعل بالتمكن من عدمه ـ حيث ذكر أن بعض مبادئ اختيار الفعل اختيارية، لتمكنه من عدمه بالتأمل فيما يترتب عليه، فمراجع.

إن قلت: أفلا يكون مقتضى التوحيد والاعتراف بوحدانية الخالق، هو الالتزام بأن ما يحصل في الكون ـ ومنها أفعال العباد ـ مخلوقة لله (سبحانه)، لئلا يكون مؤثرا في الوجود وخالقا للكون إلا هو وإنما يصح العقاب حينئذ على فعل العبد، فلأجل أن الفعل في الحقيقة وإن كان بإرادة الله، إلا أن الله تعالى يريد فعل العبد، إذا تعلقت إرادة العبد به، فيكون المؤثر في ذلك إرادة الله، والعبد أيضاً أراد تحقيقه وإيجاده، ولكن إرادته لا تؤثر في الواقع شيئاً، ويعبر عن إرادة العبد كذلك بالكسب، فيكون العقاب على كسب العبد، وإن شئت فلاحظ من أراد رفع حجر عن مكان، باعتقاد أنه متمكن من رفعه، ولكن عند تصديه للرفع يظهر عدم تمكنه منه، فيضع شخص آخر أقوى منه يده تحت ذلك الحجر ويرفعه، فارتفاع الحجر عن مكانه يكون برفع هذا الشخص الثاني خاصة، ويستند الرفع إليه دون الأول، إلا أن سبب رفع الثاني للحجر هو تعلق إرادة الأول برفعه، ولأجله لا مانع من إسناد الرفع إلى المريد خاصة.

قلت: إن ما ذكر لا في تصحيح العقاب يجدي ولا في التحفظ على وحدة الخالق والمؤثر في الكون ومنه أفعال العباد.

أما الأول، فلأنه لا يصح عند العقل أن يذم رافع الحجر حقيقة، مريد الرفع خاصة ويوبخه على الرفع، لأنـه لم يرفعه، بل أراد رفعه فحسب، فالتوبيخ والذم يرد على رافع الحجر حقيقة الذي هو الشخص الثاني. نعم يصح توبيخ الأول على إرادة الرفع لا على نفس الرفع، وإذا فرض أن إرادته أيضاً فعل مخلوق يكون المؤثر فيه إرادة الله (سبحانه) فلا يصح عقابه ولا توبيخه على الارادة المخلوقة، وإن قيل بأن إرادة المريد ناشئة عن مباديها، ومباديها ناشئة عن خبث السريرة والشقاوة الذاتية كما تقدم في كلام الماتن (قدس سره) ثبت أيضاً أنه لا مصحح للعقوبة على ارادته ولا على فعله.

وأما الثاني فيظهر جوابه مما أجبنا آنفاً عن مقالة الفلاسفة في قاعدة «أن الشيء ما لم يجب لم يوجد» فراجع.

فتحصل أن ما ذكره الفلاسفة من قاعدة «أن الشيء ما لم يجب لم يوجد» لا يجري في الفاعل بالاختيار، فإنه بعد لحاظ الشيء والتصديق بفائدته والميل إليه والجزم بعدم المانع، يبقى الفاعل المختار قادراً على اختيار كل من الفعل والترك، والمبادي لا تجعل الفعل من قبيل واجب الوجود، بل إنها مرجحة لاختياره طرف الفعل، حيث إن الفاعل الحكيم لا يختار الفعل إلا مع الصلاح في شخصه أو المزية في الجامع بينه وبين فعل آخر، كما إذا لم تكن مزية في خصوص أحد الفعلين بالإضافة إلى الآخر، فإن قيام المزية في الجامع كاف في كون اختيار الفعل بالحكمة، ويدلك على ذلك أن الهارب يختار أحد الطريقين مع عدم المزية لأحدهما بالإضافة إلى الآخر.

وحكي عن الفخر الرازي(179) استدلاله على ذلك بأنه لا مرجح لحركة الشمس من المشرق إلى المغرب، وقد طعن عليه صدرالمتألهين في شرحه على أصول الكافي(180)، ولم يأت في الرد عليه إلا بالطعن والشتم.

ولكن لا يخفى ما في المحكي، حيث إن حركة الارض حول نفسها، أو حركتها حول الشمس، ليست من الافعال الاختيارية لها، فلابد من خصوصية خارجية تقتضي تعين تلك الحركة. نعم خلق الشمس أو الارض بتلك الخصوصية من فعل الله (سبحانه)، ولا سبيل لنا إلى الجزم بأن الخلق بتلك الخصوصية كان لمرجح في الجامع بين الخصوصيتين.

ونظير ما ذكره الفلاسفة بالإضافة إلى الافعال ـ من دعوى اقتضاء التوحيد ونفي الشرك في الخلق ـ الالتزام بأن أفعال العباد مخلوقة لله (سبحانه) تمسكاً ببعض الآيات، مثل قوله (سبحانه): «والله خلقكم وما تعملون»(181)، وقوله (سبحانه): «وما تشاءون إلا أن يشاء الله»(182)، وقوله (سبحانه): «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذ لك غداً إلا أن يشاء الله»(183)، وقوله (سبحانه): «وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله»(184) وقوله (سبحانه): «الذي له ملك السموات والارض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك»(185) أي الخلق، إلى غير ذلك.

والجواب عنها: أن الآيات المذكورة ونحوها إذا لوحظت في مقابل مثل قوله (سبحانه): «إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما»(186)، وقوله (سبحانه): «ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربُّك أحداً»(187)، وقوله (سبحانه): «إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا»(188)، ومثل قوله (سبحانه) حكاية عن أهل النار: «قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنت م إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في صحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير»(189) ونحوها، يتضح كمال الوضوح أن إسناد الافعال إلى الله (سبحانه) في مثل الحسنات والافعال الحسنة، إنما هو باعتبار أن القدرة على العمل والمعدات التي يتوقف عليها العمل كلها من الله (سبحانه)، ولذا لن تجد مورداً في كتاب الله (سبحانه) أو غيره أسند فيه العمل القبيح الصادر عن العبد إليه (تعالى)، ولذا ذكرنا أن التوحيد لا يقتضي إسناد الظلم إلى الله (تعالى) بأن تكون إرادته المشار إليها في قوله تعالى «إنما أمره إذا أراد شيئاً»(190) متعلقة بأفعال العباد الاختيارية التي يتعلق بها التشريع، بل تلك الارادة تعلقت بكونهم مختارين، حيث إن الدنيا دار الفتنة والامتحان. وأما قولنا: أراد الله أن نصلي ونصوم، فمعناه أنـه سبحانه طلب منا العمل وأمرنا أن نفعل.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنـه إذا لوحظ صحة تكليف العباد وجواز مؤاخذتهم على ما ارتكبوا من المعاصي، ولوحظت الآيات الواردة في أمر العاصين بالتوبة والاستغفار وأمر المؤمنين بالاستقامة في الدين ولوحظ ما ورد من الآيات من كون العاصين ظالمي أنفسهم، تجد أن إسناد بعض الافعال إلى الله (سبحانه) ليس بمعنى نفي اختيار العبد فيها، بل بمعنى أن القدرة عليها بمشية الله وإرادته، وربما يلقي(سبحانه) حب العمل والشوق إليه في أنفسهم، فيكون ذلك تأييداً للعبد على الاستقامة ونيل الثواب ،بعد علمه (سبحانه) أن العبد يهم بالطاعة والاجتناب عن السيئات ما أمكن.

ويظهر من ذلك بطلان توهم علية سوء السريرة، أو حسنها لحصول المبادي التي من قبيل العلة التامة لحصول الارادة ـ يعني الشوق المؤكد المحرك للعضلات ـ، وكذا بطلان توهم أن اختيارية فعل العبد ينافي مسلك التوحيد الافعالي، والالتزام بالملك المطلق لله (سبحانه).

 

إبطال مسلك التفويض:

وأما مسلك التفويض المقابل للجبر، فقد يقال إنه مبني على مسلك استغناء الممكن في بقائه عن العلة.

ولكن لا يخفى سخافة هذا البناء والمبنى، وذلك لأن بقاء الممكن بلا علة، كحدوثه بلا علة في الامتناع، حيث إن اختلاف الاشياء الممكنة في البقاء والزوال، واختلافها في طول البقاء وقصره، يكون مستنداً إلى أمر لا محالة، ولو كان مجرد العلة لحدوث شيء كافياً في بقائه مع استواء البقاء والزوال بالإضافة إليه لأمكن تحققه كذلك في الآن الأول أيضاً بعين وجه تحققه في الآن الثاني. وبالجملة فما في الكون من الممكنات تحتاج في بقائها، كحدوثها إلى الموجب.

وينبغي أن يبتني مسلك التفويض على أمر آخر، وهو أن الممكن وإن كان محتاجاً في بقائه إلى العلة، إلا أن حاجة الكائنات ومنها الإنسان إلى ذات الباري (عز وجل) من قبيل حاجة المنفعل والمصنوع إلى الفاعل والصانع، فتكوين الإنسان وسائر الكائنات وإن حصل بإرادة الله (عز وجل) ومشيته التي بها تكونت الاشياء وظهرت من ظلمات الماهيات إلى نور الوجود إلا أن بقائها مستند إلى موجبات البقاء فيها من الخصوصيات والاستعدادات المكنونة في بعض الاشياء واستمداد بعضها من البعض الآخر نظير البناء، فإنه وإن احتاج في حدوثه إلى البناء، ولكن بقائه مستند إلى القوة والاستعداد في الاجزاء المستعملة في البناء.

والله (سبحانه) خلق الاشياء وكونها بإرادته ومشيته، بما فيها من الخصوصيات والاستعدادات، ولكن تلك الخصوصيات والاستعدادات الحادثة بعد حدوث المثل أو قبله تنتهي وتفنى، وإذا انتهى بعض ما في الكون الظاهر لنا من الخصوصيات والاستعدادات يظهر أن كل شيء منه فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام، وعلى ذلك فالإنسان المخلوق في الكون والباقي منه الموجود بتوليد المثل يكون كل ما يفعله بإرادته واختياره من نفسه، ولا يستند شيء منها إلى الخالق (سبحانه) لعدم استناده في البقاء إليه.

ولكن لا يخفى سخافة هذا الوجه أيضاً، فإن الكائنات في العالم لا تقاس بالبناء الحاصل من فعل البناء، فإن خالق الكائنات حي قيوم له ملك السموات والارض، إذا أراد شيئاً يكون، وإذا أراد عدمه فلايكون، بلا فرق في ذلك بين الاشياء الحاصلة بالعلل المادية أو من أفعال الإنسان أو غيره.

وليس المراد أن العلية بين المعلولات وعللها باطلة وإنما جرت عادة الله (سبحانه) أن يخلق بعض الاشياء بعد خلق بعضها الآخر كما يقول به القائل بالجبر تحفظاً على التوحيد.

بل المراد أن بقاء الشيء المستند إلى علته المبقية ـ ليصير علة لوجود شيء آخر إنما ينشأ من عدم تعلق إرادة الله بإفنائه كما أن حصول شيء من شيء آخر موقوف على تعلق إرادة الله بحصوله منه ،وإلا فإن تعلقت إرادته (جلت قدرته) بأن لا يوجد فلا يوجد، إما بإرادة زوال العلة أو بخلق المزاحم للتأثير والعلية «وكان الله بكل شيء محيطاً»(191) وقد تقدم أن مشيته (جلت عظمته) قد تعلقت بكون الإنسان قادراً متمكناً من الافعال، ومنها الافعال التي تعلق بها طلبه وإرادته بمعني الايجاب والندب، وما تعلق به زجره ومنعه، كي يتميز المطيع من العاصي، والكافر من المؤمن، والصالح من الطالح، «والله من ورائهم محيط»(192)، «والله بما يعملون محيط»(193)، «ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون»(194)، «ولو شاء ربُّك لآمن من في الارض كلهم جميعا»(195)، «وَلَو شئنا لآتينا كل نَفس هداها»(196)، ومع كون العباد وأفعالهم محاطا بهم «وكان الله على كل شيء رقيباً»(197) قد تصيب رحمته ورأفته العبد ويؤيده حتى يجتنب الحرام، أو يفعل الطاعة، قال (عز من قائل): «ومن يؤمن بالله يهد قلبه»(198)، «فاعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه»(199)، وقال سبحانه: «الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل»(200)، «قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا»(201)، إلى غير ذلك من الآيات الواضحة في أنـه (تعالى) هو القاهر فوق كل شيء، وأنه يحيي ويميت، وينزل الغيث، ويرزقكم من السماء، وبيده ملكوت كل شيء.

والبرهان العقلي على ذات الحق (جل وعلا) مقتضاه أيضاً ما ذكر، والتعرض له لا يناسب المقام، ومن الله الهداية والرشاد.

 

 

الفصل الثاني

فيما يتعلق بصيغة الأمر، وفيه مباحث، الأول: أنه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها[1].

_________________________________________________________

معنى صيغة الأمر:

[1] ذكر (قدس سره) أنـه قد يذكر لصيغة الأمر معان استعملت فيها ويعد منها الترجي والتمني والتهديد والانذار والاهانة والاحتقار والتعجيز والتسخير، إلى غير ذلك مما أنهاها بعضهم إلى خمسة عشر معنى، فيقع الكلام في أن استعمال صيغة الأمر في الموارد المفروضة هل هو من قبيل استعمال اللفظ في معانيه المتعددة كما ذكر، فمثلا أن قول القائل: (يا رب تب علي) مرادف لقوله: (لعل الله يغفر لي)، وقوله: (ليت ربي يرجعني) مرادف لقوله: (يا رب ارجعني) إلى غير ذلك، أو أن المستعمل فيه للصيغة في جميع الموارد أمر واحد وهو إنشاء الطلب المتعلق بالمادة، إلا أن الداعي إلى إنشائه يختلف، فتارة يكون الغرض إرادة حصول داعي الانبعاث لدى المطلوب منه فيكون الطلب المنشأ بعثاً وتكليفاً، وأخرى يكون الداعي إلى إنشائه ترجي المادة أو تمنيها، وثالثة إظهار عجز المطلوب منه، ورابعة إظهار وهنه فيكون تحقيراً، وإلى غير ذلك.

والذي يشهد به الوجدان في موارد استعمالات الصيغة، هو أن المستعمل فيه إنشاء طلب المادة ممن يتوجه إليه الطلب، والاختلاف إنما هو في ناحية الدواعي إلى إنشائه.

وغاية ما يمكن أن يقال إنه اشترط في وضع صيغة الأمر لإنشاء الطلب، كون الداعي والغرض حصول ما يمكن أن ينبعث به المطلوب منه نحو الفعل وإيجاد المادة، وهذا نظير اشتراط قصد الانشاء والاخبار، أو قصد اللحاظ الآلي والاستقلالى في وضع الحروف والاسماء.

وبالجملة فاختلاف الدواعي في إنشاء الطلب أمر واختلاف المستعمل فيه لصيغة الأمر أمر آخر،وقد اشتبه أحدهما بالآخر، وعلى ما ذكرنا يكون استعمالها في غير موارد البعث والتحريك من استعمال اللفظ في معناه، ولكن بغير الوضع، فيكون مجازاً.

وقد يقال: إن الصيغة في موارد الطلب تستعمل لإبراز كون المادة على عهدة الغير، وأما إذا استعملت في غير مقام الطلب، يكون المستعمل فيه أمراً آخر، وكون استعمالها في معنى واحد في جميع المقامات ـ مع الاختلاف في الدواعي كما ذكر ـ مبني على كون الانشاء إيجاداً للمعنى باللفظ لا إبرازاً للاعتبار الحاصل بالنفس.

أقول: الظاهر عدم الفرق بين القول بأن الانشاء عبارة عن قصد إيجاد عنوان اعتباري بالتلفظ، أو أنـه إبراز لأمر اعتباري حاصل من النفس مع قطع النظر عن الابراز بالتلفظ، حيث إن اعتبار الفعل على عهدة الغير وإبرازه قد يكون لغرض التصدي إلى حصول الفعل منه خارجاً، وأخرى لغرض إظهار عجزه عنه أو وهنه وحقارته، إلى غير ذلك، هذا وقد تقدم عدم كون مدلول الصيغة اعتبار الفعل على العهدة.

نعم هذا الاعتبار إذا حصل وأبرز ممن له ولاية الطلب على الغير فهو يعتبر إيجاباً وطلباً منه، إلا أن الصيغة لم توضع له، ويشهد له عدم اختلاف معنى الصيغة في موارد استعمال العالي والداني، وموارد الايجاب والاستحباب، على ما تقدم.

 

 

إيقاظ: لا يخفى أن ما ذكرنا في صيغة الأمر جار في سائر الصيغ الانشائية[1].

_________________________________________________________

[1] مراده: كما أن صيغة الأمر تستعمل في إنشاء الطلب ويكون الاختلاف في الدواعي لإنشائه، كذلك في التمني والترجي والاستفهام، فإن صيغة كل واحدة منها وضعت لإنشاء الترجي أو غيره، غاية الأمر تارة يكون الداعي إلى إنشاء الترجي مثلاً ثبوت الترجي الحقيقي في النفس، وأخرى يكون الداعي إلى إنشائه حصول طلب الفعل والبعث إليه، وفي أداة الاستفهام يكون المستعمل فيه إنشاء طلب الفهم، والداعي إلى إنشائه قد يكون قصد الفهم، فيكون استفهاماً حقيقياً، وقد يكون حصول الاقرار ممن توجه إليه طلبه أو الانكار أو غير ذلك، فيكون إقراراً أو استفهاماً إنكارياً أو غير ذاك، وعليه فلا وجه للالتزام بأن هذه الصيغ إذا استعملت في كلامه (تعالى) تنسلخ عن معانيها الموضوعة لها، لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه (تبارك وتعالى) التي تستلزم العجز والجهل، وذلك لأن الصيغ لم توضع للحقيقي من معانيها، بل الموضوع له فيها الانشائي منها، غاية الأمر الداعي إلى إنشائها قد يكون غير ثبوتها حقيقة حسب ما يقتضيه الحال.

أقول: يمكن أن يقال: إن أداة التمني والترجي وضعت لإظهار الصفة النفسانية (أي إظهار ثبوتها) وأن التمني يطلق على هذا الاظهار، إلا أن إبراز ثبوتها قد يكون لثبوتها واقعاً، فيكون تمنياً وترجياً حقيقة، وقد يكون الاظهار لغرض آخر من طلب الفعل ونحوه، وإن شئت التوضيح فلاحظ الجمل الخبرية في موارد الكنايات، فإنها موضوعة لإظهار ثبوت محمولاتها لموضوعاتها ولكن الاظهار تارة يكون لحكاية الثبوت الواقعي، وأخرى لثبوت أمر آخر، حيث إن قول القائل (زيد كثير الرماد) لا يكون لغرض الحكاية عن ثبوت مدلول الجملة واقعاً، بل لغرض ثبوت ما يلازم مدلولها. وبالجملة الممتنع في حق الباري(جل وعلا) الثبوت الواقعي للتمني أو الترجي أو الاستفهام لا إظهار ثبوتها لغرض آخر غير ثبوت معانيها الحقيقية المستحيلة في حقه (تعالى).

 

 

ولا يبعد تبادر الوجوب[1].

_________________________________________________________

دلالة صيغة الأمر على الوجوب:

[1] المراد بالوجوب كما تقدم إطلاق الطلب، ويقابله اقتران الطلب واتصافه بثبوت الترخيص في ترك الفعل، وأما حكم العقل بلزوم الاتيان بالمأمور به، بمعنى استحقاق العقوبة على المخالفة، فهو يترتب على وصول الطلب إلى المطلوب منه صغرى وكبرى، ولكن اتصاف الطلب بالوجوب والندب إنما هو قبل ملاحظة الوصول إليه، كما تقدم.

والحاصل أن إطلاق الطلب أو اتصافه بثبوت الترخيص في الترك خارجان عن المدلول الوضعي للصيغة وهما وصفان للطلب الصادر عمن له ولاية الحكم وإذا تمت مقدمات الاطلاق في ناحية الطلب، يكون ظهور الصيغة بملاحظة حال منشأ الطلب ظهوراً إطلاقياً في وجوب الفعل، ومع ثبوت الترخيص ينتفي عنها الظهور في الوجوب، ويشهد لخروج الوصفين عن المدلول الوضعي للصيغة عدم الفرق في المعنى المتفاهم عرفاً من نفس الصيغة بين موردي الوجوب والندب، وهذا بخلاف ما تقدم في مادة الأمر، فإنها بنفسها دالة على تعنون الطلب بعنوان الوجوب، ولذا يصح أن نقول ما أمرنا بصلاة الليل وأمرنا بالصلوات اليومية. وبالجملة إطلاق الطلب من العالي يكون وجوباً، ومع ثبوت ترخيصه يكون ندباً، وإذا لم يؤخذ في مدلول الصيغة خصوصية الطالب، فكيف يكون الوجوب أو الندب داخلاً في المدلول الوضعي للصيغة مع أنهما فرع علو الطالب، وما ذكره (قدس سره) من عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب، لا يكون دليلاً على أن الظهور وضعي لا إطلاقي، ولعله لذلك عده مؤيداً.

 

 

وكثرة الاستعمال فيه[1].

_________________________________________________________

[1] هذا شروع في الرد على صاحب المعالم (قدس سره)، حيث ذكر عدم ظهور الصيغة في الوجوب، معللاً بكثرة استعمالها في الندب في الاخبار المروية عن الائمة (عليهم السلام) فيشكل الحكم بوجوب فعل بمجرد ورود الأمر به بالصيغة.

وحاصل الدفع أن استعمال الصيغة في الاستحباب وإن كان كثيراً، إلا أن كثرة الاستعمال إذا كانت بالقرينة المتصلة في أكثر الموارد لا توجب انقلاب ظهور اللفظ أو إجماله، وإنما توجب ذلك إذا كانت مع القرينة المنفصلة، فإنه في هذه الصورة يحصل للذهن أنس بين اللفظ ومعناه المجازي، فيوجب انقلابه أو إجماله، ألا ترى أن صيغ العموم أو أداته قد استعملت في الخصوص عند صاحب المعالم (قدس سره) كثيراً، بحيث قيل: ما من عام إلا وقد خص، إلا أن الكثرة بما أنها تكون مع المخصص المتصل، لا توجب انقلاب ظهورها.

 

 

لتعدد المجازات[1].

_________________________________________________________

مدلول الجملة الخبرية المستعملة في مقام الانشاء:

[1] وجه لعدم ظهور تلك الجمل في الوجوب، والظاهر أن المراد بالمجازات الوجوب والندب ومطلق الطلب، فيقال إنه بعد قيام القرينة على عدم استعمال الجملة الخبرية في الاخبار والحكاية، لا يكون لها ظهور في خصوص الوجوب لتعدد المجازات وعدم كون الوجوب أظهر المعاني المجازية وأقواها.

وذكر الماتن (قدس سره) بأن الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب، تكون ظاهرة في وجوب الفعل، بل تكون دلالتها عليه أظهر وأقوى من دلالة الصيغة عليه، والوجه في ذلك أن الجملة الخبرية في ذلك المقام لا تستعمل في غير معناها، بل تكون مستعملة في حكاية حصول الشيء خارجاً في المستقبل، إلا أن الداعي إلى الحكاية ليس ثبوت الشيء خارجاً، بل بداعي البعث والطلب بنحو آكد،حيث إن المستعمل حكى وقوع الشيء خارجاً في مقام طلبه لإظهار أنه لا يرضى بعدم وقوعه، فالجمل الخبرية تستعمل في قصد الحكاية عن ثبوت الشيء أو لا ثبوت، ولكن بداعي الطلب، وهذا نظير ما تقدم في الصيغ الانشائية من أنها تستعمل دائماً في معانيها الانشائية، ولكن بدواع مختلفة.

 

 

مع أنه إذا أتى بها في مقام البيان فمقدمات الحكمة[1].

_________________________________________________________

[1] يعني لو نوقش فيما ذكره من أن الاخبار بوقوع شيء مستقبلاً بداعي البعث والطلب يدل على شدة الطلب وعدم الرضا إلا بوقوع الفعل فلا ينبغي التأمل في أنه لو كان الطالب في مقام البيان وأخبر بوقوع الفعل مستقبلا بداعي الطلب يكون الطلب بالاخبار المفروض متعيناً في الوجوب بمقتضى مقدمات الحكمة، لأن شدة مناسبة الاخبار بوقوع الفعل مع الطلب الوجوبي موجبة لتعين إرادته إذا كان الطالب في مقام الطلب ولم ينصب قرينة على غير الطلب الوجوبي.

والفرق بين هذه الدعوى ودعوى الظهور المتقدم هو أن هذا الظهور إطلاقي موقوف على جريان مقدمات الحكمة، بخلاف الظهور السابق، فإنه ظهور انصرافي ولا حاجة في الظهور الانصرافي إلى إجراء مقدمات الحكمة.

أقول: الصحيح عدم الفرق بين الظهور في صيغة الأمر، والظهور في الجملة الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب، في أن كلا من الظهورين إطلاقي، حيث إن تفهيم المولى عبده طلب الفعل ـ سواء كان بإنشائه بالصيغة أو بغيره ـ مع عدم ثبوت الترخيص منه في تركه، مصحح لمؤاخذته على المخالفة، كما تقدم في بيان دلالة الصيغة على الطلب الوجوبي.

ويؤيد ذلك استعمال الجملة الخبرية في موردي الوجوب والاستحباب، وعدم الفرق في المستعمل فيه بينهما، كما في قوله (عليه السلام) فيمن وجد في إنائه فأرة وتوضأ منه مرارا وصلى: «يعيد وضوئه وصلاته»(202)، فإن الاعادة بالإضافة إلى الوضوء استحبابي، وبالإضافة إلى الصلاة وجوبي، وكذا نظائره.

 

 

إن إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصلياً[1].

_________________________________________________________

التعبدي والتوصلي:

[1] لا يخفى أن قصد التقرب بأي معنى فرض لا يكون قيداً للوجوب، بأن يكون الوجوب بالإضافة إليه مطلقا أو مشروطاً، بل القصد المفروض على تقدير كونه قيداً فهو قيد للواجب، يعني مأخوذاً فيه ،فالمبحوث عنه في المقام إطلاق المادة وعدم إطلاقها بالإضافة إليه، لا إطلاق الهيئة، وحينئذ يبحث في أن إطلاق المادة هل يدل على كون الواجب توصلياً أو أن إطلاقها لا يكشف عن ذلك.

نعم قد يطلق التعبدي والتوصلي على الواجب بمعنى آخر على ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) وهو أن التكليف التعبدي ما لا يسقط عن المكلف بفعل غيره، أو بفرد غير اختياري صادر بلا قصد والتفات، أو بفرد محرم لا يعمه الترخيص في التطبيق، والتكليف التوصلي يسقط عن المكلف به بفعل غيره أو بالفرد غير الاختياري أو بالفرد المحرم والتوصلي بهذا المعنى ربما يكون تعبدياً بالمعنى الأول، نظير سقوط التكليف بقضاء ما على الميت من الصلاة والصوم عن الولد الاكبر بفعل الآخرين، ومقتضى إطلاق الهيئة ثبوت التكليف وعدم سقوطه بفعل الغير أو الاتيان بالفرد غير الاختياري أو المحرم، كما يأتي.

 

 

إن التقرب المعتبر في التعبدي[1].

_________________________________________________________

أنحاء قيود المتعلق:

[1] القيود المأخوذة في صحة العمل بحيث لا يسقط التكليف إلا مع الاتيان بالمتعلق معها على نحوين:

الأول: ما لا يمكن تحقيق ذلك القيد في الخارج ولحاظه تفصيلاً إلا بعد الأمر بالعمل وتعلق الطلب بالفعل.

الثاني: ما يمكن تحقيقه خارجاً ولحاظه تفصيلاً قبل الأمر بالعمل، كما في الطهارة من الحدث المأخوذة في الصلاة، فإن التوضئ ولحاظه التفصيلي قبل الأمر بالصلاة المشروطة به أمر ممكن، وهذا النحو من القيد يمكن للآمر أخذه في متعلق الوجوب ثبوتاً وإثباتاً، ومع عدم أخذه في متعلق التكليف في خطابه وعدم وروده في خطاب آخر أيضاً يؤخذ بإطلاق متعلق التكليف في الخطاب مع تمامية مقدمات الاطلاق، فيثبت عدم اعتباره في متعلق التكليف ثبوتاً أيضاً.

أما القسم الأول من القيود، فلا يمكن للآمر أخذها في متعلق التكليف بالعمل لا ثبوتاً ولا إثباتاً، فإن أخذها في متعلق التكليف يكون بلحاظها حين لحاظ المتعلق عند اعتبار الوجوب، والمفروض عدم إمكان لحاظها إلا بعد الأمر، وعلى ذلك فلا يكون عدم أخذها في المتعلق في خطاب التكليف كاشفاً ودليلاً على صحة العمل بدونه، وكذلك عدم ذكرها في الخطاب المتكفل لبيان متعلق ذلك الوجوب من حيث أجزائه وقيوده المتعلق بها التكليف لا يكون كاشفا.

ثم إن قصد التقرب والامتثال بمعنى داعوية الأمر للمكلف إلى الاتيان بمتعلقه من القسم الأول، حيث إن داعوية الأمر إنما تكون بعد تحقق الأمر، كما أن لحاظ داعوية شخص ذلك الأمر إلى الاتيان بمتعلقه يكون بعد الأمر به، وقوله (قدس سره):«لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر» إشارة إلى القسم الأول من القيود، وإلى كون قصد الامتثال منها، فيكون قصد الامتثال مما يعتبر في صحة العمل عقلاً فيما إذا كان الغرض والملاك مما لا يحصل بمجرد الاتيان بذات متعلق الأمر خارجاً، حيث إن العقل مستقل بلزوم الاتيان بالعمل بنحو يحصل غرض المولى من الأمر.

 

 

وتوهم إمكان تعلق الأمر[1].

_________________________________________________________

[1] وقد يقال إن قصد الامتثال يمكن أخذه في متعلق الأمر، حيث يمكن للشارع أن يأمر ثبوتاً بالصلاة الخاصة مثلاً، وهي الصلاة التي أريد بها امتثال الأمر، وبعد الأمر بالصلاة الخاصة يمكن للمكلف الاتيان بها كذلك، لأن القدرة المعتبرة في التكليف هي القدرة على متعلقه في ظرف الامتثال، لا القدرة حال الأمر، فإن الموجب لخروج التكليف عن اللغوية هو الأول دون الثاني، وتوقف لحاظ قصد شخص الأمر وتصوره تفصيلاً على تحقق الأمر، لا يوجب عدم إمكان لحاظه بنحو الكلي أو بالعنوان المشير إلى الشخص الموجود بالأمر فيما بعد، فلا محذور في أخذ قصد الامتثال في متعلق الأمر لا للمولى ولا للعبد في ظرف الامتثال.

ودفع (قدس سره) هذا التوهم: بأن تصور الصلاة الخاصة في مقام الأمر وإن كان ممكناً، إلا أنـه مع تعلق الأمر بتلك الصلاة لا يتمكن المكلف من الصلاة بداعوية الأمر بها حتى في ظرف الامتثال، حيث إن قصد الامتثال عبارة عن الاتيان بالعمل بداعوية الأمر بذلك العمل، والمفروض أن الأمر لم يتعلق بنفس الصلاة (أي بذات العمل) ليمكن للمكلف الاتيان به بداعويته إلى الاتيان، بل تعلق بالصلاة الخاصة، ومن الظاهر أن الأمر لا يكاد يدعو إلا إلى متعلقه لا إلى غيره، وداعوية الأمر المفروض إلى نفس الصلاة من داعوية الأمر إلى غير متعلقه.

 

إن قلت: نعم، ولكن نفس الصلاة أيضاً صارت مأموراً بها بالأمر بها مقيدة[1].

_________________________________________________________

[1] وحاصل الاشكال أن تعلق الأمر بالصلاة المقيدة بقصد امتثال الأمر لا يوجب عدم تمكن المكلف من الاتيان بها بداعوية الأمر بها، فإن ذات المقيد ـ يعني نفس الصلاة ـ تكون متعلقة للأمر المتعلق بالصلاة المقيدة.

وأجاب (قدس سره) عن ذلك بأن الأمر المتعلق بالمقيد لا يكون أمراً بذات المقيد، حيث إن انحلال المقيد إلى الذات والتقييد عقلي، فإن المقيد بما هو مقيد له وجود واحد تعلق به وجوب نفسي واحد.

لكن قد يقال: إن عدم تعلق الأمر بنفس الصلاة مثلاً إنما يصح فيما إذا أخذ قصد الامتثال في متعلق الأمر بنحو القيد والاشتراط، وأما إذا أخذ في متعلق التكليف جزءاً بأن يكون متعلق الأمر الكل المركب من ذات العمل وقصد امتثال أمره، كانت نفس الصلاة متعلقاً للأمر الضمني لا محالة، إذ ليس الكل إلا نفس الاجزاء، فيمكن للمكلف الاتيان بنفس الصلاة بداعوية الأمر المتعلق بها ضمناً.

وأجاب (قدس سره) عن ذلك بوجهين:

الوجه الأول: إن الفعل وإن كان بالارادة والقصد اختيارياً، إلا أن نفس الارادة والقصد غير اختياري لعدم كونه بإرادة أخرى وإلا تسلسل، فالقصد بما أنـه غير اختياري لا يتعلق به التكليف، وعليه فلا يكون قصد الامتثال جزءاً من متعلق الأمر.

الوجه الثاني: أن داعوية الأمر الضمني إلى الاتيان بالجزء إنما هي في ضمن داعوية الأمر بالكل إلى الاتيان بالكل، وفيما نحن فيه لابد للخصم من افتراض داعوية الأمر الضمني بالصلاة داعوية مستقلة، إذ لا يحصل المركب من قصد الامتثال وغيره، بقصد امتثال الأمر بذلك المركب، فإن لازمه أن يتعلق الأمر بقصد الامتثال نفسه، ومن الواضح أن الأمر يحدث منه الداعوية لا أنـه يتعلق بداعوية نفسه.

 

 

إن قلت: نعم، هذا كله إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد[1].

_________________________________________________________

[1] وتقريره أن لزوم المحذور من أخذ قصد الامتثال في متعلق التكليف إنما هو فيما إذا كان التكليف واحداً وقد أخذ في متعلقه قصد الامتثال جزءاً، وأما إذا كان في البين تكليفان مولويان، أحدهما يتعلق بنفس الصلاة، وثانيهما بالاتيان بها بقصد امتثال الأول، فلا يلزم محذور أصلاً، غاية الأمر تفترق الواجبات التعبدية عن التوصلية، بأن التكليف المولوي في التوصليات واحد يتعلق بنفس العمل، وفي التعبديات يثبت في كل منها تكليفان يتعلق أحدهما بذات العمل، والآخر بالاتيان به بداعوية الأمر الأول ،فلا يدعو شيء من التكليفين إلا إلى الاتيان بمتعلقة، لا إلى قصد امتثال نفسه، كما كان عليه الحال مع فرض وحدة التكليف.

وأجاب (قدس سره) عن ذلك: بأن من المقطوع به عدم الفرق بين التعبدي والتوصلي بثبوت تكليفين مولويين في الأول وتكليف مولوي واحد في الثاني، هذا أولاً.

وثانياً: إذا فرض كون الأمر الأول المتعلق بنفس العمل مولوياً، كما هو الفرض، فإن كان يسقط بمجرد الاتيان بذات العمل ولو لم يقصد به الامتثال الذي يقتضيه الأمر الثاني، فلا يبقى مجال لموافقة الأمر الثاني، لانتفاء موضوعه فلم يصل المولى إلى غرضه بجعل تكليفين، وإن لم يسقط التكليف الأول بالاتيان بنفس المتعلق، فلابد من أن يكون عدم سقوطه لعدم حصول غرضه من أمره، ولو سقط التكليف بلا حصول غرضه لم يكن الغرض موجباً لحدوثه، ومع عدم سقوطه لعدم حصول غرضه، لا حاجة إلى التكليف الثاني، لاستقلال العقل بلزوم الاتيان بالمتعلق على نحو يحصل غرض المولى والآمر، فلا يكون في التكليف المولوي الثاني ملاك.

والحاصل: إن تعلق أمر بفعل وتعلق أمر آخر باستناد ذلك الفعل إلى داعوية الأمر الأول ـ فيما إذا كانا من قبيل الأمرين النفسيين ـ يوجب أحد المحذورين: إما سقوط الأمرين معاً بالاتيان بذات الفعل، لسقوط أحدهما بهذا الاتيان، والثاني لارتفاع موضوعه، وإما أن لا يكون للأمر الثاني ملاك المولوية، كما إذا لم يسقط الأمر الأول بالاتيان بذات الفعل.

أقول: يمكن إفتراض أمر واحد يكون لمتعلقه جزئان، أحدهما ذات الفعل، والآخر استناد ذلك الفعل إلى داعوية أمره الضمني بأن يكون أحد الضمنيين متعلقا بذات الفعل، والضمني الآخر متعلقا بداعوية الضمني الأول إلى متعلقه، ولا يلزم من ذلك محذور، لأن داعوية الأمر الضمني بذات الفعل، بداعوية الضمني الآخر الذي دعى إلى متعلقه، وهو استناد الفعل إلى الأمر الضمني به.

وما تقدم في كلامه من أن داعوية الأمر الضمني إلى متعلقه إنما هي في ضمن داعوية الأمر بالمركب إلى المركب ولا تكون داعويته مستقلة، فإنما يصح لو كان كل من جزئي المركب تعبدياً، أو لم يحصل الجزء الآخر بمجرد امتثال الأمر الضمني، وبما أن المفروض في المقام أن الضمني الآخر قد تعلق باستناد الفعل إلى داعوية الضمني الأول، فبقصد امتثال الأمر الضمني الأول يحصل كلا جزئي المركب.

والحاصل: أنه لم يتعلق شيء من الأمرين الضمنيين بداعوية نفسه إلى متعلقه ليقال إن الأمر لا يتعلق بداعوية نفسه لأنه من قبيل كون الشيء علة لعلية نفسه، بل تعلق أحدهما بذات العمل والثاني بداعوية الأول إلى متعلقه.

ومما ذكرنا ظهر أنـه لا موجب للالتزام بثبوت أمرين مستقلين في التعبديات يتعلق أحدهما بذات العمل والثاني بداعوية الأمر الأول إلى متعلقه ليقال إن من المقطوع به عدم الفرق بين التوصليات والتعبديات بثبوت الأمر المولوي الواحد في الأول وثبوت أمرين مولويين في الثاني.

لا يقال: لا يمكن التبعيض في الأمر الواحد المتعلق بالمركب في الجعل إذ لو كان استناد الفعل إلى الأمر الضمني المتعلق بذاته، متعلقا للأمر الضمني الآخر، لزم فرض حصول الأمر الضمني بذات العمل قبل حصول الأمر الضمني المتعلق بقصد التقرب، مع أن التبعيض في حصول الأمرين الضمنيين غير ممكن.

فإنه يقال: الملحوظ في متعلق الأمر الضمني الثاني، طبيعي الأمر الضمني المتعلق بذات العمل، لا الضمني الموجود وذلك الطبيعي يحصل بالأمر الواحد بالمركب.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) في استحالة أخذ قصد التقرب في متعلق الأمر وجهاً آخر وهو أنـه لابد في تقييد المتعلق بقصد الأمر من أخذ الأمر بالفعل مفروض الوجود كما هو مقتضى كل قيد غير اختياري مأخوذ في الواجب، فإنه يؤخذ في الواجب مفروض الوجود، ولذا لا يكون الأمر بالواجب المفروض إلا على هذا التقدير، وبما أن الأمر بالفعل الذي يتمكن المكلف من الاتيان به بقصد امتثال أمره، خارج عن اختيار المكلف فلا بد في الأمر بالفعل، من فرض وجود ذلك الأمر بعينه، وهذا معنى اتحاد الحكم والموضوع في مرحلة الجعل، بل لا يمكن فعلية ذلك الأمر أيضاً، إلا بوجه دائر لأن فعلية الحكم بفعلية موضوعة، وحيث أن الحكم مأخوذ في ناحية الموضوع ومفروض وجوده، تكون فعلية الحكم موقوفة على فعلية نفسه، كما هو مقتضى كون الموضوع هو نفس حكمه(203).

وقال (قدس سره) إن التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة فيعتبر في الاطلاق إمكان التقييد، وإذا لم يمكن تقييد متعلق الأمر بقصد التقرب (بمعنى العمل بداعوية الأمر به) لما تقدم من المحذور ـ يعني اتحاد الحكم والموضوع ـ فلا يكون لمتعلق الأمر إطلاق ليثبت به كونه توصلياً، ويتبع مقام الاثبات مقام الثبوت(204).

وقد ظهر أن المحذور في أخذ قصد التقرب في متعلق الأمر غير ناش من ناحية عدم تمكن المكلف من الاتيان به بداعوية الأمر به كما ذكر صاحب الكفاية (قدس سره)، بل الامتناع من ناحية عدم إمكان الأمر بالنحو المذكور، فيكون جعل الحكم وفعليته دورياً.

وذكر أيضاً أن العمل بقصد التقرب (أي الاتيان بمتعلق الأمر بداعويته) من الانقسامات اللاحقة لمتعلق الأمر، بعد الأمر به، كما أن كون المكلف عالماً أو جاهلاً بالحكم من الانقسامات اللاحقة لموضوع الحكم بعد جعله، ولو كان الغرض المفروض في البين في متعلق الأمر على نحو يعم العالم بالحكم والجاهل به، فعلى الآمر أن ينشأ خطاباً آخر يكون مفاده تعميم الحكم في حقهما، كما أنـه لو كان غرضه في خصوص العالم به فاللازم أن يكون مفاد الخطاب الآخر نفي البأس عن الجاهل في ترك العمل بالخطاب الأول، كما دل على ذلك ما ورد في التمام في موضع القصر، أو الجهر في موضع الاخفات وبالعكس، وورد في غير ذلك ما يقتضي اشتراك العالمين والجاهلين في أحكام الشرع، كالادلة الدالة على وجوب تعلم الاحكام، وعدم كون الجهل بها عذراً، وكذلك فيما يكون الغرض مختصاً بصورة الاتيان بمتعلق الأمر بقصد التقرب، فإنه لابد من خطاب آخر يتضمن الأمر بذلك الفعل مع قصد التقرب (أي الاتيان بمتعلق الأمر الأول بداعويته) بخلاف ما لو كان توصلياً، فإنه لا يحتاج إلى الخطاب الآخر، بل يكون عدم ورود الخطاب الثاني مع إحراز أن المولى في مقام إظهار تمام ما له الدخل في غرضه، من الاطلاق المقامي المقتضي للتوصلية.

والحاصل، تمتاز التعبديات عن التوصليات بثبوت أمرين في التعبدي، وأمر واحد في التوصلي، ومافي الكفاية من ثبوت أمر واحد ـ بلا فرق بين التعبدي والتوصلي، بدعوى أن العقل يستقل بلزوم رعاية قصد التقرب مع إحراز دخله أو احتمال دخله في حصول الغرض ـ غير صحيح، فإن شأن العقل الادراك لا الالزام والحكم في مقابل حكومة الشرع، فإلزام المكلف بقصد التقرب لا يكون إلا من قبل الشارع، ولكن كلا الأمرين في التعبدي لا يكونان من الأمرين النفيسين، كوجوب صلاة الظهر ونذر الاتيان بها جماعة، أوفي المسجد، بأن يكون لكل منهما ملاك ملزم وإن لم يكن لامتثال وجوب الوفاء بالنذر مجال بعد الاتيان بالصلاة فرادى أو في غير المسجد بل كلا الأمرين في المقام ناشئان عن ملاك ملزم واحد، قائم بالفعل القربي ويحتال الآمر وبجعل الأمرين وسيلة إلى بعث المكلف إلى ما فيه غرضه، فيكونان مساويين في الثبوت والسقوط، ونظير ذلك، الأمر باغتسال الجنب ليلاً والأمر بالصوم بناء على أن وجوب الصوم مقيد بطلوع الفجر فإن الأمرين في حكم أمر واحد، ولهما ملاك واحد، وإنما جعلا وسيلة لبعث المكلف إلى ما فيه الغرض، يعني الصوم المقيد بالطهارة(205).

أقول: يستفاد من كلامه أمور ثلاثة:

الأول: أن أخذ قصد التقرب ـ بمعنى الاتيان بالمتعلق بداعوية الأمر ـ في متعلق ذلك الأمر، يوجب اتحاد الموضوع والحكم في مقام الجعل وكون فعليته دورياً.

الثاني: أن التقابل بين الاطلاق والتقييد في مقام الثبوت كالاطلاق والتقييد في مقام الاثبات، تقابل العدم والملكة، ولا يتحقق إطلاق فيما لم يمكن تقييده، ولذا لا يكون في ناحية الموضوع للحكم، أو المتعلق للأمر، إطلاق بالإضافة إلى الانقسامات المترتبة على جعل الحكم وثبوت الأمر.

الثالث: أنه لابد في موارد الانقسامات اللاحقة من متمم الجعل، وفي مورد الأمرالتعبدي لابد من ثبوت أمر آخر بإتيان العمل بداعوية الأمر الأول، وفي مورد التوصلي لا حاجة إلى ذلك، للإطلاق المقامي ـ أي عدم الأمر بالفعل بقصد التقرب ـ على ما تقدم.

لا يقال: الوجدان حاكم بأن الشارع لو أخبر بعد الأمر بفعل، أن الغرض الملحوظ عندي لا يحصل بغير قصد التقرب، يكفي هذا الاخبار في تعبدية الأمر الأول، فلا يحتاج إلى الحكم المولوي الثاني.

فإنه يقال: الاخبار بعدم حصول الغرض، بداعي البعث إلى الاتيان بالفعل بقصد التقرب، بنفسه يعتبر أمراً آخر.

أما الأمر الأول ففيه: أن الوجه فيأخذ قيود الواجب غير الاختيارية مفروضة الوجود في مقام الجعل هو عدم إمكان التكليف في فرض عدم تلك القيود، حيث يكون التكليف مع فرض عدمها من قبيل التكليف بغير المقدور، ويختص ذلك بما كان في البين صورتان صورة وجود القيد وصورة عدمه، وحيث إن التكليف في إحدى الصورتين من قبيل التكليف بما لا يطاق، فاللازم تقييد موضوع التكليف بصورة أخرى، وهي صورة حصول القيد، وأما إذا كان القيد غير الاختياري يحصل بنفس اعتبار التكليف، كما هو الفرض في المقام، حيث إن قصد التقرب يكون بالأمر وهذا الأمر غير الاختياري يحصل بنفس اعتبار التكليف فلا موجب لفرض وجوده.

ثم إن فرض وجود القيد لا ينحصر بما إذا كان القيد أمراً غير اختياري، بل يمكن فرض وجود أمر اختياري أيضاً إذا كان الملاك الملزم في متعلق التكليف متوقفاً على اتفاق وجوده، فيعتبر في التكليف مفروض الوجود، كما يأتي توضيحه في بحث الواجب المعلق والمشروط، هذا في التكاليف الوجوبية.

وأما التكاليف التحريمية التي يكون الملاك فيها مفسدة الفعل، فلا موجب لأخذ قيود الموضوع بتمامها مفروضة الوجود بحيث لا تكون الحرمة فعلية قبل حصول القيد، كما في تحريم شرب الخمر والميتة وغيرهما، فإن مثل هذه التكاليف مما يتمكن المكلف من إيجاد الموضوع لها، كصنع الخمر أو جعل الحيوان ميتة ونحوهما، فيكون التحريم فعلياً، حيث يمكن للمكلف ترك شرب الخمر ولو بترك صنع الخمر، ويمكن له ترك أكل الميتة ولو بعدم جعل الحيوان ميتة ونحو ذلك.

وأما الأمر الثاني: يعني كون التقابل بين الاطلاق والتقييد بحسب مقام الثبوت، تقابل العدم والملكة، وإذا لم يمكن التقييد في متعلق الحكم أو موضوعه يكون الاطلاق أيضاً ممتنعاً، فلا يمكن المساعدة عليه، فإنه إذا لم يمكن أخذ قيد في الموضوع أو المتعلق يكون إطلاقه الذاتي (أي عدم أخذ ذلك القيد في الموضوع أو المتعلق) ضرورياً، ولذا التزم (قدس سره) بأن متعلق الأمر الأول في الواجبات التعبدية هو ذات الفعل، ويتعلق الأمر الثاني بالاتيان به بداعوية الأمر المتعلق بنفس الفعل، وإذا لم يكن ذلك المتعلق مطلقاً، فكيف يقصد الاتيان بالعمل بداعوية الأمر المتعلق بنفس ذلك العمل؟

ومن هنا ظهر أنـه لو لم يمكن تقييد موضوع الحكم بالعالم به، يكون الاطلاق الذاتي في موضوع ذلك الحكم ضرورياً، وبالجملة الاطلاق الذاتي في متعلق الأمر مما لابد من الالتزام به، غاية الأمر لا يستفاد منه أن الغرض الملزم لجعل التكليف قائم بذات المتعلق، أو قائم بالفعل بقصد التقرب، وإذا لم يرد بعد الأمر الأول أمر ثان بالاتيان بمتعلق الأمر الأول بداعويته، يكون الطلب الأول متصفاً بالتوصلية، نظير ما ذكرنا من أن إطلاق صيغة الأمر (أي طلب فعل) وعدم ورود الترخيص في الترك يوجب اتصاف الطلب بالوجوب، وكما أن إطلاق الصيغة هناك ـ بمعنى عدم ورود الترخيص في الفعل ـ يكون مقتضياً لكون الطلب وجوبياً، كذلك إطلاق الأمر بمعنى عدم ورود أمر ثان بالاتيان بالعمل بداعوية الأمر الأول يقتضي كونه توصيلاً، وكما أن الاطلاق الأول لفظي، كذلك الاطلاق فيما نحن فيه، غاية الأمر أن الاطلاق ليس في ناحية المتعلق، بل في ناحية نفس الأمر والطلب.

وأما ما ذكره ثالثاً: من جعل الأمرين في مورد كون الوجوب تعبدياً، فقد تقدم إمكان قصد التقرب في متعلق الأمر الأول، ومعه لا تصل النوبة إلى الاحتيال بأمرين.

لا يقال: ما الفرق بين ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من عدم إمكان أخذ التقرب في متعلق الأمر الأول وأن دخله في حصول الغرض يكون موجباً لحكم العقل برعايته في امتثال الأمر المتعلق بذات العمل، وبين ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن شأن العقل الادراك لا التشريع والالزام وفي موارد دخله في الغرض، على الشارع أن يأمر ثانياً بالاتيان بمتعلق الأمر الأول بداعويته، مع أن إخبار الشارع بعدم حصول غرضه بالاتيان بذات العمل كاف في لزوم قصد التقرب بلا حاجة إلى الأمر المولوي الثاني؟

فإنه يقال: نفس الاخبار بعدم حصول غرضه، بداعي البعث إلى قصد التقرب أمر ثان بالاتيان به بداعوية الأمر الأول، ويظهر الفرق بين المسلكين في الرجوع إلى الاصل العملي، فإنه على ما سلكه المصنف (قدس سره) يكون المورد من موارد الاشتغال، للشك في سقوط التكليف بخلاف ما سلكه المحقق النائيني (قدس سره)، فإن مقتضى البراءة الشرعية عن الوجوب الثاني هو الاكتفاء بذات العمل ،نظير البراءة الشرعية في موارد دوران أمر الواجب بين الاقل والاكثر، وكما أنه مع جريان البراءة عن تعلق الوجوب بالاكثر تكون أصالة البراءة واردة على قاعدة الاشتغال، من جهة العلم بأصل التكليف والشك في سقوطه مع الاقتصار على الاقل، كذلك جريان البراءة في ناحية الوجوب الثاني تكون واردة على قاعدة الاشتغال من جهة احتمال بقاء الأمر الأول، وعدم سقوطه بالاتيان بذات العمل، فتدبر جيدا.