((والحمد لله رب العالمين))

((والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين))

((مولانا وسيدنا وآله الطيبين الطاهرين))



((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)).


الصفحة 6

الصفحة 7

تقديم

الإمامة - أو الخلافة - هي النظام الذي جعله الإسلام أساساً للحكم بين الناس، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين - قدر الطاقة - لتجتمع حوله كلمة الأمة، وتتحد به صفوفها، وتقام به أحكام الشريعة، وفي ذلك يقول الإمام البيضاوي: الإمامة: عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة.

ويقول الإمام عبد السلام اللقاني - شارح الجوهرة في التوحيد - الخلافة:

رياسة عامة في أمور الدين والدنيا، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقول الجويني: إمام الحرمين - الإمامة: رياسة تامة، و زعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين.

وحكم الإمامة - أو الخلافة - في الإسلام الوجوب، قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة: - و إنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار، إلا من أنكرهم وأنكروه.

وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا لله، رد سيدنا

الصفحة 8
الإمام علي عليه السلام فقال: كلمة حق، أريد بها باطل، نعم: إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر.

وقال البغدادي في الفرق بين الفرق: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة، لأجل إقامة إمام ينصب لهم القضاة والأمناء، ويضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم. وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.

هذا وقد بلغت أهمية الإمامة عند المسلمين أن كان السلف - كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما - يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة، لدعونا بها للسلطان.

هذا وقد اشترط الفقهاء في الإمام شروطاً، لعل من أهمها: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء.

اشترط الفقهاء العلم، لأن الإمام منفذ أحكام الله، ومتى كان جاهلاً لا يمكنه تنفيذها. وأما العدالة، فلأن منصب الإمامة، كما هو منصب سياسي، فهو منصب ديني، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة، فأولى بشروطها فيه.

وأما الكفاءة، فأن يكون جريئاً على إقامة الحدود، واقتحام الحروب، بصيراً بها، كفيلاً بحمل الناس عليها، عالماً بأحوال الدهاء، قوياً على معاندة السياسة، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين، وجهاد العدو، و إقامة الأحكام. وتدبير المصالح.


الصفحة 9
وأخيراً أن يكون سليم الحواس و الأعضاء، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل، ويلحق بذلك العجز عن التصرف، لصغر، أو شر، أو غيرهما.

وهناك شرط خامس - اختلف فيه - هو النسب القرشي.

على أن هناك من الفرق الإسلامية من وصل بهذه الشروط إلى سبعة، ومن وصل بها إلى أربعة عشر شرطاً - كالزيدية مثلاً -.

ولعل مما تجدر الإشارة إليه هنا، أن الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - ما كانت تمثل أبداً نوعاً من أنواع الحكم المعروفة، فما كانت الخلافة الإسلامية ثيوقراطية (دينية) كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية (حكومة الخاصة)، ولا حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب).

كانت الإمامة أو الخلافة الإسلامية حكومة شورى، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية (أو الروحية)، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين، كما يستطيع - باعتباره حامي الدين - أن يعلن الحرب على الكفار، ويعاقب الخارجين على الدين، ويؤم الناس في الصلاة، ويلقي خطبة الجمعة.

هذا إلى أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى، بل من الذين بايعوه، وقد انقضى نزول الوحي منذ أن اختار الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم إليه، وبقي كتاب الله - القرآن الكريم - بين أيدي المسلمين، هدى لهم جميعاً، وحجة عليهم جميعاً، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه، وهو دستور الحكم، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه، فإن فعل وجبت طاعته، وإلا فلا طاعة له على مسلم، طبقاً للمبدأ الإسلامي المعروف: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ويحدثنا تاريخ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أن الخليفة إنما كان يحكم بالكتاب والسنة ولا يرجع إلى اجتهاد رأيه، إلا إذا أعوزه الدليل منهما،

الصفحة 10
وفي صحيح البخاري: أن الأئمة إنما كانوا - بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم:

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب القضاء: كان أبو بكر الصديق، إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شئ قضى به، وكان عمر يفعل ذلك.

هذا وتجد هذه السنة في وصية عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم، إلى القاضي شريح بن الحارث - وهو من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام - حين ولاه قضاء الكوفة، فقال له: أنظر ما يتبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك فيه السنة، فاجتهد فيه رأيك.

وهكذا، فحكومة مثل هذه، لم تعرف السلطان المطلق، ولم يكن للكهنة وجود فيها، لا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون، ذلك لأن الإسلام لا يعرف الكهانة، ولا الكهان، بل لا يعرف الإسلام ما عرف في الديانات الأخرى باسم رجل الدين، وإنما عرف الفقهاء الذين يفسرون الدين، وليس المشرعين في الدين.

هذا ولم تكن الخلافة الإسلامية كذلك حكومة أرستقراطية، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار - في صدر الإسلام - باختيار الخليفة من الأرستقراطية في شئ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى، وهم إنما استأثروا بالأمر، صوناً للنظام القائم، ودفاعاً عنه، ثم إنهم إنما كانوا طبقة مؤقتة زول بزوال أفرادها، لا يرثها أحد، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى.


الصفحة 11
ولم تكن الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - كذلك، حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب) لأن الشعب لا يملك في ظل الخلافة الإسلامية أن يقرر ما يشاء - إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وانطلاقاً من كل هذا، فإن حكومة الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - إنما هي حكومة شورى بين المسلمين، الناس فيها سواسية كأسنان المشط، ورأسها الأعلى - الخليفة - يعلن: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم.

(2)

وموضوع هذه الدراسة الإمامة وأهل البيت، ومن ثم فلقد وجب علينا - بادئ ذي بدء - أن نحدد: من هم هؤلاء أهل البيت الكرام البررة؟

يتفق المؤرخون والمحدثون - أو يكادون - على أن أهل البيت إنما هم الكرام الخمسة البررة:

1 - سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 - سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

3 - سيدة نساء العالمين جدتنا السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

4 - سيدنا الإمام الحسن بن علي عليه السلام.

5 - سيدنا وجدنا ومولانا الإمام الحسين بن علي عليه السلام.

على أن هناك من يرى غير ذلك، ومن ثم فلعل من الأفضل أن نتعرض لهذه الآراء الأخرى (1):

____________

(1) أنظر: محمد بيومي مهران: السيدة فاطمة الزهراء ص 24 - 37 (دار النهضة العربية - بيروت 1990).

الصفحة 12

الرأي الأول: أهل البيت: أزواج النبي:

روى السيوطي في الدر المنثور أن عكرمة كان يقول عن آية الأحزاب 33 * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. غير أن هناك من يعترض على ذلك لأسباب كثيرة، منها:

أولاً: أن الحافظ ابن كثير يقول في تفسيره: إذا كان المراد أنهن سبب النزول فهذا صحيح، وأما إن أريد أنهن المراد دون غيرهن، فهذا غير صحيح (1).

روى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب عن ابن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن علي رضي الله عنه، فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحته ابنته، وأحب الناس إليه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم، فألقى عليهم ثوباً، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، قالت: فدنوت منهم، فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك، فقال صلى الله عليه وسلم: تنحي، فإنك على خير.

قال: أخرجه الحافظ البزار والترمذي وابن كثير في تفسيره (2).

ثانياً: أن أهل البيت في آية الأحزاب 33 (آية التطهير)، إنما يراد به أهل بيت النبوة، المنحصر في بيت واحد، تسكنه سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وابناهما، الإمام الحسن والإمام الحسين، رضي الله عنهما، وأما بيت الزوجية، فلم يكن بيتاً واحداً، وإنما كان بيوتاً متعددة تسكنها

____________

(1) تفسير ابن كثير 3 / 769 (دار الكتب العلمية - بيروت 1406 هـ‍/ 1986).

(2) تفسير ابن كثير 3 / 772 - 773 (بيروت 1986).

الصفحة 13
زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: * (وقرن في بيوتكن) *، وفي هذه الآية الأخيرة الخطاب موجه لمن في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، جميعاً.

ثالثاً: ما قيل من أن آية الأحزاب 33 وما بعدها، إنما جاءت في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فالرد على ذلك، أن هذا لا ينكر من عادة الفصحاء في كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره، ويعودون إليه.

والقرآن الكريم - وكذا كلام العرب وشعرهم - مملوء بذلك، ذلك لأن الكلام العربي، إنما يدخله الاستطراد والاعتراض، وهو تخلل الجملة الأجنبية بين الكلام المنتظم المناسب، كقول الله تعالى: * (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون * وإني مرسلة إليهم بهدية) * (1). فقوله: * (وكذلك يفعلون) *، جملة معترضة من جهة الله تعالى، بين كلام ملكة سبأ.

وقول الله تعالى: * (فلا أقسم بمواقع النجوم * و إنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم) * (2)، أي فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم، وما بينهما اعتراض.

ومن ثم فلم لا يجوز أن يكون قول الله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * (3). جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم، على هذا النهج؟

وعلى أيه حال، فلا أهمية لمن قال: بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل البيت، فلا توجد فرقة من المسلمين تدين بالولاء لإحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتوجب الاقتداء بها.

____________

(1) سورة النمل: آية 34 - 35.

(2) سورة الواقعة: آية 75 - 77.

(3) سورة الأحزاب: آية 33.

الصفحة 14
رابعاً: أنه حتى الذين يجعلون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل البيت، وأن آية الأحزاب 33 نزلت فيهن، إنما يذهبون - في نفس الوقت - إلى أن الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والإمامين - الحسن والحسين - عليهم السلام، إنما هم أحق بأن يكونوا أهل البيت.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم، روى الإمام أحمد والترمذي وغير هما عن أم سلمة: أن هذه الآية (آية الأحزاب 33) لما نزلت: أدار النبي صلى الله عليه وسلم، كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

ثم يقول الإمام ابن تيمية: وسنته صلى الله عليه وسلم، تفسير كتاب الله وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، فلما قال: هؤلاء أهل بيتي، مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه، علمنا أن أزواجه - وإن كن من أهل بيته، كما دل عليه القرآن -، فإن هؤلاء - أي الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين - أحق بأن يكونوا أهل بيته، لأن صلة النسب، أقوى من صلة الصهر، والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال - لا للاختصاص بأصل الحكم (1).

هذا فضلاً عما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرني أنه يقبض في وجعه، الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه، فضحكت (2).

خامساً: ما أجاب به زيد بن أرقم في الحديث المشهور، حين سئل: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

____________

(1) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري - جدة 1405 هـ‍/ 1985 م ص 20 - 21.

(2) صحيح البخاري 5 / 26 (دار الجيل - بيروت).

الصفحة 15
روى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين (1)، أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين، ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته، قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم، قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟، قال: نعم (2).

وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم، أنه ذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه:

فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده (3).

سادساً: أن قول الله تعالى: * (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم...) *. بالميم، يدل على أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولو كان الخطاب خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، لقال عنكن ويطهركن.

سابعاً: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بطريق الإصالة

____________

(1) قال الإمام النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: ثقلين، فذكر كتاب الله وأهل بيته، قال العلماء، سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما (صحيح مسلم 15 / 180، وانظر روايات أخرى للحديث الشريف 15 / 179 - 181).

(2) صحيح مسلم 15 / 179 - 180) (دار الكتب العلمية بيروت (1401 هـ‍/ 1981 م).

(3) صحيح مسلم 1 / 181.

الصفحة 16
- كبني هاشم - وإنما هو تبع لتحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فالصدقة عليهن حلال، قبل اتصالهن به صلى الله عليه وسلم، فهن فرع من هذا التحريم.

ومن المعروف أن التحريم على المولى فرع التحريم على سيده، ولما كان التحريم على بني هاشم أصلاً، استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، تبعاً، لم يقو ذلك على استتباع مواليهم، لأنه فرع عن فرع. فقد ثبت في الصحيح أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها (1).

ثامناً: ما ذهب إليه صاحب تفسير مجمع البيان من أن ثبوت عصمة المعنيين بالآية 33 من الأحزاب، إنما يدل على أنها مختصة بهؤلاء الخمسة الكرام البررة، النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، لأن من عداهم غير مقطوع بعصمته.

الرأي الثاني: أهل البيت: من حرمت عليهم الصدقة:

يذهب فريق من العلماء إلى أن أهل البيت هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم، وهم: آل علي بن أبي طالب، وآل جعفر بن أبي طالب، ثم آل العباس بن عبد المطلب، يعنون بذلك بني هاشم جميعاً، وأن البيت هو بيت النسب، ومن ثم يكون: أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو أعمامه منهم.

روى القاضي عياض في الشفاء عن الشعبي: أن زيد بن ثابت الأنصاري، صلى على جنازة أمه، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فأخذ بركابه، فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله،

____________

(1) ابن قيم الجوزية، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - تحقيق طه يوسف شاهين - القاهرة 1972 ص 122 - 124.

الصفحة 17
فقال ابن عباس: هكذا نفعل بالعلماء، فقبل زيد يد ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا (1).

هذا فضلاً عن حديث زيد بن أرقم - والذي رواه مسلم في صحيحه - وفيه أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هم أهل بيته وعصبته، الذين حرموا الصدقة (2).

الرأي الثالث: أهل البيت: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين:

يرى هذا الفريق من العلماء أن أهل البيت إنما هم الخمسة الكرام البررة:

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين، عليهم السلام.

وقد قال بهذا الرأي كثير من الصحابة، قاله أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة، وابن أبي سلمة - ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وسعد بن أبي وقاص وغيرهم.

وقال به الكثيرون من أهل التفسير والحديث، قال به الفخر الرازي في التفسير الكبير، والزمخشري في الكشاف، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، والشوكاني في فتح القدير، والطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، والسيوطي في الدر المنثور، وابن حجر العسقلاني في الإصابة، والحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه، والإمام أحمد بن حنبل في المسند.

ولعل هذا الرأي - فيما أرى - أقرب إلى الصواب، بل هو أرجح الآراء وذلك لأسباب كثيرة:

____________

(1) القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - الجزء الثاني - دار الكتب العلمية - بيروت 1399 هـ‍/ 1979 م ص 50.

(2) صحيح مسلم 15 / 180 - 181.

الصفحة 18
1 - روى مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب (وهو لقب أطلقه النبي على الإمام علي، وكان أحب إليه من أي لقب آخر) فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن، أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - خلفه في بعض مغازيه - فقال له علي: خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: أدعو لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) * دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي (1).

ورواه الترمذي في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: لما أنزل الله هذه الآية * (ندع أبناءنا وأبناءكم) *، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي (2).

ورواه الحاكم في المستدرك (3)، والبيهقي في سننه (4).

ويقول صاحب الكشاف: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين، لأنها لما نزلت (آية المباهلة) آل عمران: 61، دعاهم صلى الله عليه وسلم، فاحتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، ومشت فاطمة خلفه، وعلي خلفهما، فعلم أنهم المراد من الآية، وأن أولاد فاطمة وذريتهم

____________

(1) صحيح مسلم 15 / 175 - 176.

(2) صحيح الترمذي 2 / 166.

(3) المستدرك للحاكم 3 150.

(4) سنن البيهقي 7 / 63.

الصفحة 19
يسمون أبناءه، وينسبون إليه نسبة صحيحة، نافعة في الدنيا والآخرة (1).

وأخرج الدار قطني: أن علياً احتج يوم الشورى على أهلها، فقال لهم:

أنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الرحم مني، ومن جعله صلى الله عليه وسلم، نفسه، وأبناؤه أبناءه، ونساؤه نساءه، غيري، قالوا: اللهم لا (2).

وفي السيرة الحلبية: فلما أصبح صلى الله عليه وسلم، أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعلي، رضي الله عنهم، وقال: اللهم هؤلاء أهلي.

وعند ذلك قال لهم (أي لوفد نجران) الأسقف: إني لأرى وجوهاً، لو سألوا الله أن يزيل لهم جبلاً، لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني، فقالوا: لا نباهلك (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * (4).

ورواه الحاكم في المستدرك (5)، والطبراني في الصغير (6)، والزمخشري في الكشاف (7).

____________

(1) تفسير الكشاف للزمخشري 1 / 147 - 148.

(2) أحمد بن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 239 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983).

(3) علي بن برهان الدين الحلبي: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون الشهير بالسيرة الحلبية 3 / 236 (ط الحلبي - القاهرة 1384 هـ‍/ 1964).

(4) صحيح مسلم 15 / 194.

(5) المستدرك للحاكم 3 / 147.

(6) المعجم الصغير للطبراني 22 / 5.

(7) تفسير الكشاف 1 / 148.


الصفحة 20
وروى الإمام أحمد بن حنبل في المسند بسنده عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لفاطمة: ائتني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكيا، قالت: ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، إنك حميد مجيد، قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: إنك على خير (1).

ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (2)، والمتقي الهندي في كنز العمال (3)، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وقال: أخرجه الطبراني (4).

وفي رواية في المسند أيضاً عن أم سلمة قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بيتي يوماً، إذ قالت الخادم: إن علياً وفاطمة بالسدة، قالت: فقال لي: قومي فتنحي لي عن أهل بيتي، قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريباً، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق علياً بإحدى يديه، وفاطمة باليد الأخرى، فقبل فاطمة، وقبل علياً، فأغدق عليهم خميصة سوداء، فقال: اللهم إليك، لا إلى النار، أنا وأهل بيتي، قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله، قال: وأنت (5).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن شداد أبي عمار، قال: دخلت على واثلة بن الأسقع، وعنده قوم فذكروا علياً فشتموه فشتمته معهم، فلما قاموا قال لي: لم شتمت هذا الرجل؟ قلت رأيت القوم شتموه فشتمته معهم، فقال:

ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، فقال: أتيت فاطمة أسألها

____________

(1) مسند الإمام أحمد 6 / 323.

(2) مشكل الآثار 1 / 334.

(3) كنز العمال 7 / 103.

(4) فضائل الخمسة 1 / 233.

(5) مسند الإمام أحمد 6 / 296.

الصفحة 21
عن علي، فقالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست أنتظره، حتى جاء رسول الله صلى عليه وسلم، ومعه علي وحسن وحسين، آخذاً كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدني علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال كساء - ثم تلا هذه الآية: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق (1).

ورواه الإمام الطبري في التفسير (2)، والترمذي في صحيحه (3)، والسيوطي في الدر المنثور (4)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد (5)، والحاكم في المستدرك (6)، وأحمد في المسند (7).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، جلل علياً وفاطمة والحسن والحسين كساء، ثم قال:

اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، قالت أم سلمة: قلت يا رسول الله أنا منهم، قال: إنك إلى خير (8).

ورواه الإمام أحمد في المسند (9).

____________

(1) الإمام أحمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة 2 / 557 - 578 (ط بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م - نشر - مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - كلية الشريعة - جامعة أم القرى بمكة المكرمة).

(2) تفسير الطبري 22 / 5 - 6.

(3) صحيح الترمذي 5 / 351، 663.

(4) تفسير الدر المنثور 5 / 198.

(5) مجمع الزوائد 9 / 166.

(6) المستدرك للحاكم 3 / 147.

(7) مسند الإمام أحمد 4 / 107.

(8) أسد الغابة 4 / 110.

(9) مسند الإمام أحمد 6 / 292.

الصفحة 22
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الرحمة هابطة، قال: ادعوا لي، ادعوا لي، قالت صفية، من يا رسول الله؟ قال: أهل بيتي: علياً وفاطمة والحسن والحسين، فجئ بهم، فألقي عليهم كساء، ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم هؤلاء آلي، فصل على محمد وعلى آل محمد، وأنزل الله عز وجل: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * (1).

وروى المتقي الهندي في كنز العمال عن واثلة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين تحت ثوبه، وقال: اللهم قد جعلت صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، اللهم إن هؤلاء مني، وأنا منهم، فجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم، قال واثلة: وكنت على الباب، فقلت: وعلي يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قال: اللهم وعلى واثلة، قال أخرجه الديلمي (2).

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد بسنده عن واثلة بن الأسقع قال:

خرجت، وأنا أريد علياً، فقيل لي: هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأممت إليهم، فأجدهم في حظيرة من قصب، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة وحسن وحسين، قد جعلهم تحت ثوب، اللهم اجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم - قال رواه الطبراني (3).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن عطاء عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) *، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين،

____________

(1) المستدرك للحاكم 3 / 147.

(2) كنز العمال 7 / 92.

(3) مجمع الزوائد 9 / 167.

الصفحة 23
فقال: هؤلاء أهلي، قالت: فقلت: يا رسول الله، أفما أنا من أهل البيت؟ قال:

بلى، إن شاء الله عز وجل (1).

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر، إذا خرج لصلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل بيت محمد إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (2).

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيراً (3).

وعن أبي سعيد عن أم سلمة، رضي الله عنها قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم (4).

وروى السيوطي في تفسيره قال: أخراج ابن مردويه عن أم سلمة قالت:

نزلت هذه الآية في بيتي إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل عليهما السلام، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأنا على الباب، قلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (5).

وروى الطبري في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله

____________

(1) أسد الغابة 7 / 222، 343، المستدرك للحاكم 3 / 146.

(2) أسد الغابة 7 / 223، تحفة الأحوذي 9 / 67 - 68.

(3) تفسير ابن كثير 3 / 773 (بيروت 1986 م).

(4) تفسير الدر المنثور 5 / 198 - 199.

(5) تفسير الطبري 22 / 5.


الصفحة 24
صلى الله عليه وسلم: نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (1).

قال: ورواه الهيثمي في مجمعه (1)، والمحب الطبري في الذخائر (2).

وهكذا ثبت بالنص والإجماع: أن أهل البيت إنما هم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسيدة فاطمة الزهراء والإمام علي والحسن والحسين، عليهم السلام، ثبت بالنص - كما رأينا في الأحاديث النبوية الشريفة التي سبق أن ذكرنا بعضاً منها آنفاً - كما ثبت بالإجماع، ذلك لأن الأمة قد اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذ أطلق، إنما ينصرف إلى الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وذريتهما، ولو لم يكن فيه إلا شهرته فيهم، لكفى.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدة نقاط، منها (أولاً): أن هناك من قسم أهل بيت النبي إلى ثلاثة دوائر، الدائرة الخاصة: وهم ذرية فاطمة وعلي إلى يوم القيامة من الحسن والحسين، وهم أهل الكساء والمباهلة، ويسمون كذلك خاصة الخاصة، والدائرة الثانية: هم بنو هاشم والمطلب، ومن ألحق بهم نصاً، وهم الذين تحرم عليهم الزكاة، والدائرة الثالثة: هم الزوجات الطاهرات، أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم.

ومنها (ثانياً) أنه مهما اختلف المسلمون في فرقهم، فإن كلمتهم واحدة في أن شجرة النسب النبوي الشريف إنما تنحصر في أبناء فاطمة الزهراء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعقب إلا من ولدها.

وأما بنو علي - من غير السيدة فاطمة - وبنو عقيل وجعفر والعباس، فإنهم من بني هاشم، جدهم وجد النبي معاً، ولكنهم ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن نسبهم لا ينتهي إليه صلى الله عليه وسلم.

____________

(2) مجمع الزوائد 9 / 167.

(3) ذخائر العقبى ص 24.

الصفحة 25
ومنا (ثالثاً) أن لقب الشريف أو السيد إنما يطلق على من ينتسب - عن طريق أبيه - إلى ذرية الإمام الحسن أو الإمام الحسين، وقد أخطأ البعض حين نسبوا هذا اللقب إلى كل من ينتسب إلى بني هاشم الكرام.

صحيح أن بني هاشم في الذروة من قريش، بنص الحديث الشريف، الذي رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة، والقاضي عياض في الشفاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتاني جبريل عليه السلام، فقال: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أر رجلاً أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم (1).

ولكنه صحيح كذلك أن شرف الحسن والحسين عليهما السلام مستمد من سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فهما بالتالي بضعة من بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى ابن شهرآشوب في مناقبه أن الإمام أبا حنيفة جاء ليسمع من الإمام جعفر الصادق فخرج إليه الإمام جعفر يتوكأ على عصا، فقال أبو حنيفة يا ابن رسول الله، لم تبلغ من السن ما تحتاج معه إلى العصا، قال: هو كذلك، ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت التبرك بها، فوثب أبو حنيفة وقال: أقبلها يا ابن رسول الله.

فحسر أبو عبد الله جعفر الصادق عن ذراعيه وقال له: والله، لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من شعره، فلم لا تقبله، وتقبل العصا.

وهذا يعني أن ذرية الحسن والحسين، إنما هم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشرف ولد آدم قاطبة - وليس أشرف بني هاشم فحسب - كما جاء في الأحاديث

____________

(1) القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 166، أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ص 25 - 26، الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 628 - 629، البيهقي: دلائل النبوة 1 / 137، السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 38.

الصفحة 26
النبوية الشريفة، فلقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار (1).

وبعد:

فالله أسأل أن يجنبنا الزلل، وأن يشملنا برحمته وغفرانه، وأن يعفو عنا - إن أخطأنا - أن يجعل في هذه الدراسة في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين بأجزائها التي امتدت حتى أصبح هذا الجزء إنما يمثل فيها الجزء العاشر.

أسأل الله تعالى أن يجعل فيها بعض النفع، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وما توفيقي إلا بالله توكلت وإليه أنيب.

وصلى الله على سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المكرمين.

والحمد لله حمداً يليق بجلاله، ويقربنا إلى مرضاته سبحانه، فيقبلنا - بمنه وكرمه - في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عباداً لله قانتين، ولسيدنا رسول الله تابعين، وبهديه وخلقه مقتدين، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، رب العالمين.

بولكلي - رمل الإسكندرية في

الثامن من رجب عام 1413 هـ‍

الأول من يناير عام 1993 م.


دكتور محمد بيومي مهران       
الأستاذ بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية

____________

(1) صحيح مسلم 15 / 36، صحيح الترمذي 4 / 292، القسطلاني: المواهب اللدنية 1 / 13، القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 166، البيهقي: دلائل النبوة 1 / 108 - 109، ابن كثير: السيرة النبوية 1 / 191.

الصفحة 27

الباب الأول

أولاً: الإمامة

الإمامة لغة: التقدم، تقول: أم القوم: تقدمهم، ومنه: أممت القوم، فأنا أؤمهم أما وإمامة، إذا كنت إمامهم، ومنه قول الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام، * (إني جاعلك للناس إماماً) * (1)، إني مصيرك تؤم من بعدك، من أهل الإيمان بي وبرسلي، تتقدمهم أنت، ويتبعون هديك، ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك، ووحيي إليك (2).

والإمام: القدوة، وهو ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره، هادياً كان أو ضالاً (3).

وإمام: من أم ومعناها في الأصل: الرئيس، وخاصة الدليل الذي يقود القافلة، وهي ترادف الهادي، ومنها كل شخص أو شئ يتخذ دليلاً أو قدوة، مثال ذلك إمام الغلام في الكتاب (المكتب)، وهو ما يتعلم منه كل يوم (4).

وترد في القرآن الكريم بمعنى المثل والدليل والقدوة والمشابه (5)، ومنذ ظهور الإسلام تطلق هذه الكلمة على الرجل الذي يصلي بالناس، وكان الإمام - أول الأمر - هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو من ينيبه عنه في غيبته، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حل محله في الإمامة أحد الخلفاء، أو عمالهم، وأصبحت الإمامة في الصلاة إحدى

____________

(1) سورة البقرة: آية 124.

(2) تفسير الطبري 3 / 18 (ط دار المعارف).

(3) علي أحمد السالوس: عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية - القاهرة 1987 ص 8.

(4) دائرة المعارف الإسلامية 4 / 391 (كتاب الشعب - القاهرة 1970)، لسان العرب 14 / 291، القاموس المحيط 4 / 77 - 78 (القاهرة 1952).

(5) أنظر: سورة البقرة: آية 124، سورة الحجر: آية 79، سورة الفرقان: آية 74، سورة يس: آية 12.

الصفحة 28
المهام الأساسية للحاكم، وإسناد السلطة إلى عمال الأقاليم يظهر في صورة واضحة للجميع، عندما يؤم نائب الخليفة الناس في الصلاة.

هذا ويخلع فقهاء المسلمين لقب الإمام على رأس الجماعة الإسلامية، وهو زعيم الأمة في الدين والدنيا، ويسمى عادة الخليفة لأنه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، ويتزعم الإمام المسلمين في أمور الدين، وبيده أزمة الجماعة التي يرأسها، ويطلق على هذا المنصب الإمامة الكبرى تمييزاً له عن الإمامة الصغرى، وهي وظيفة من يؤم الناس في الصلاة (1).

فالإمامة أو الخلافة إذن: هي النظام الذي جعله الإسلام أساساً للحكم بين الناس، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين - قدر الطاقة - لتجتمع حوله كلمة الأمة، وتتحد به صفوفها، وتقام به أحكام الشريعة، وفي ذلك يقول البيضاوي (عبد الله بن عمر، ت 685 / 1286 م): الإمامة: عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة.

ويقول عبد الرحمن بن خلدون (732 - 808 هـ‍/ 1332 - 1406 م) في مقدمته: الخلافة حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها (2).

ويقول الشيخ عبد السلام اللقاني (971 - 1078 هـ‍/ 1564 - 1668 م) - شارح الجوهرة في التوحيد، والتي ألفها أبوه - الخلافة: رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).

ويقول الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدين،

____________

(1) دائرة المعارف الإسلامية 4 / 391.

(2) مقدمة ابن خلدون ص 191 (ط دار القلم - بيروت 1981).

(3) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989).

الصفحة 29
وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم (1).

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 - 478 هـ‍/ 1028 - 1085 م) - من أبرز أئمة الأشعرية - الإمامة: رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة من مهمات الدين والدنيا، مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين (2).

____________

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1982 ص 5.

(2) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغيائي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـ‍ص 22.

الصفحة 30

ثانياً: حكم الإمامة

وحكم الإمامة أو الخلافة (1) في الإسلام الوجوب، قال الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة في نهج البلاغة: وإنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه.

وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا بالله، رد عليها سيدها الإمام علي عليه السلام، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر (2).

____________

(1) الخلافة: لغة مصدر خلف، يقال: خلفه خلافة، كان خليفته وبقي بعده، والجمع خلائف وخلفاء (القاموس المحيط 3 / 142 - القاهرة 1952)، وفي تفسير النسفي: الخليفة من يخلف غيره - على وزن فعيلة بمعنى فاعلة، وزيدت للمبالغة، وفي تفسير قوله تعالى: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * المعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريته، ولم يقل خلائف أو خلفاء، لأنه أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم، أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك، أو خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي، قال تعالى: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) * (تفسير النفسي 1 / 40).

(2) شرح نهج البلاغة 2 / 307.

الصفحة 31
وقال الإمام أحمد بن سليمان في كتاب حقائق المعرفة: إعلم أنه لما كانت النبوة لا تحصل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى قد ختم به الرسل، وكان الناس محتاجين إلى من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ينفذ الأحكام، ويحل الحلال، ويحرم الحرام، ويكفل الضعفاء والأيتام، وينصف المظلوم، ويدعو إلى عز الإسلام، ونيل المكارم، ويدفع كل خائن وغاشم، ويدعو إلى الجهاد في سبيل رب العالمين، ويعز المؤمنين، ويذل الفاسقين، فإن العقل يحكم بوجوب قيام إمام من المؤمنين لصلاح الإسلام والمسلمين.

ويحكم العقل إنه لم يقم، فإن الإسلام يضعف، وأن الكفر يقوى، وأن الفساد يلحق جميع الناس، فوجب قيام الإمام، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا مات الإمام أو قتل، يجب قيام إمام بعده، ويحكم العقل بأن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن لا يكون في الأمة من هو أجمع منه للمحامد.

ويجب على كل المسلمين في كل عصر، إعانة من يصلح لها، من أجل حفظ بيضة الإسلام، ودفع التظالم، وإنصاف المظلومين، وإقامة الحدود، ولا يختص بذلك وقت، دون وقت (1).

ويقول إمام الحرمين الجويني: وأما نصب الإمام عند الإمكان فواجب، وقد ذهب عبد الرحمن بن كيسان (2) إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافاً (أي مختلفين)، يلتطمون ائتلافاً واختلافاً، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات

____________

(1) أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 42 - 43 (الإسكندرية 1981).

عبد الرحمن بن كيسان - الأصم المعتزلي - غير حاتم الأصم الصوفي، وقد ذكره السيد (علي بن محمد 740 - 816 هـ‍/ 1339 - 1413 م) في شرح المواقف بلقب أبي بكر، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى (ت 1039 هـ‍/ 1930 م) بين اسمه ولقبه فقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (محمد عمارة: المرجع السابق ص 238، وانظر كتاب: المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ص 32 - ط حيدر آباد 1316 هـ‍)، وكان عبد الرحمن بن كيسان - الملقب بالأصم - يعرف أيضاً بتلميذ العلاف (تاريخ بغداد 2 / 192، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1 / 448).

الصفحة 32
رأيهم رابط، وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الإنسلال عن ربقة الإجماع، والحيد عن سنن الاتباع.

وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة. أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا البدار إلى نصب الإمام حقا، فتركوا لسبب التشاغل به، تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة. ولا يرتاب من معه مسكة من عقل، أن الذب عن الحوزة، والنضال دون حفظ البيضة محتوم شرعاً، ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع، ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء، وتفرق الأهواء، لانتشر النظام، وهلك العظام، وتوثبت الطغام والعوام، وتحزبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراة الناس، وفضت المجامع، واتسع الخرق على الراقع، وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات (أي أهل الشراسة والقسوة)، وتبددت الجماعات، ولا حاجة إلى الإطناب بعد حصول البيان، وما يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن (1).

ويقول الأستاذ محمد جواد مغنية: اختلف المسلمون في وجوب نصب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم وجوبه، وافترقوا في ذلك إلى فرق.

قالت الشيعة: يجب على الله تعالى أن ينصب إماماً للناس، وقالت السنة:

لا يجب ذلك على الله، ولكن يجب على الناس، وقالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام مطلقاً، لا على الله، ولا على الناس.

وقال القوشجي (ت 879 هـ‍) - من علماء السنة - في كتاب شرع التجريد: استدل أهل السنة على قولهم بإجماع الصحابة - وهو العمدة - حتى

____________

(1) الجويني: الغياثي ص 22 - 24.

الصفحة 33
جعلوا ذلك أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكذا عقيب موت كل إمام، روي أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، خطب أبو بكر فقال: يا أيها الناس، من كان يعبد محمداً، فإن محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد رب محمد، فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر من يقوم به، فانظروا، وهاتوا آراءكم، رحمكم الله، فبادروا من كل جانب، وقالوا: صدقت، لكننا ننظر في هذا الأمر، ولم يقل أحد أنه لا حاجة إلى إمام (1).

وقال البغدادي: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة، لأجل إقامة إمام، ينصب لهم القضاة والأمناء، ويضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم (2).

والوجوب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:

فأما الكتاب، فلقد قال الله تعالى: * (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) * (3) وقال تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) * (4) وقال تعالى: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق) * (5).

ويقول القرطبي في تفسيره لآية البقرة (30) * (وإذ قال ربك للملائكة إني

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 333 - 334.

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي - الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص 349 (دار المعرفة - بيروت).

(3) سورة البقرة: آية 30، وانظر: تفسير الطبري 1 / 439 - 480، تفسير ابن كثير 1 / 106 - 111، تفسير النسفي 1 / 40، تفسير المنار 1 / 210 - 218، تفسير القرطبي ص 223 - 234.

(4) سورة النور: آية 55.

(5) سورة ص: آية 26.

الصفحة 34
جاعل في الأرض خليفة) *: إن هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين، بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيها بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفئ والصدقات على أهلها، و أقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزاهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك.

ودليلنا على إقامة إمام، قول الله تعالى: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * وقوله تعالى: * (يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة) *، وقوله تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) *، أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي (1).

ويقول ابن كثير: وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية (آية البقرة: 30) على وجوب نصب الإمام (الخليفة)، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها، إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب (2).

2 - وأما السنة: فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن محمد عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع - حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية - فقال: إطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم،

____________

(1) تفسير القرطبي 1 / 226.

(2) تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم - بيروت 1986) 1 / 110.

الصفحة 35
يقول: من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه، ويتقي، فإن أمر بتقوى الله عز وجل، وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره، كان عليه منه (2).

وروى الشوكاني (محمد بن علي بن محمد - ت 1255 هـ‍) في نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض، إلا أمروا عليهم أحدهم قال: رواه أحمد.

وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم - قال: رواه أبو داود، وله من حديث أبي هريرة مثله.

هذا وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد، قد أخرج نحوهما البزار بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب بلفظ إذا كنتم ثلاثة من سفر، فأمروا أحدكم، ذاك أمير، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج البزار أيضاً بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً، بلفظ إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم - وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني من حديث ابن مسعود، بإسناد صحيح، وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض (3).

____________

(1) صحيح مسلم بشرح النووي - دار الكتب العلمية - بيروت 1983) 12 / 240.

(2) صحيح مسلم 12 / 230.

(3) محمد بن علي بن محمد الشوكاني: نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار 8 / 255 - 256 (دار الكتب العلمية - بيروت - نسخة قوبلت على طبعة المطبعة الأميرية القاهرة 1297 هـ‍).

الصفحة 36
هذا وقد سكت أبو داود والمنذري عن حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وكلاهما رجالهما رجال الصحيح، إلا علي بن بحر، وهو ثقة، ولفظ حديث أبي هريرة إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم، وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعداً، أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف، الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الخلاف، وتجتمع الكلمة.

وبديهي أنه إذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم، أولى وأحرى، ومن ثم ففي هذا دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام.

هذا وقد ذهب الأكثر إلى أن الإمامة واجبة، لكنهم اختلفوا: هل الوجوب عقلاً أم شرعاً؟ فعند العترة، وأكثر المعتزلة والأشعرية، تجب شرعاً، وعند الإمامية تجب عقلاً فقط، وعند الجاحظ، والبلخي، والحسن البصري، تجب عقلاً وشرعاً، وعند ضرار، والأصم، وهشام القوطي والنجدات لا تجب (1).

ويقول الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة في رده على الخوارج - كما أشرنا من قبل - أنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، أو يستراح في فاجر.

وقال: أما لإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي، إلى أن تنقطع مدته، وتدركه منيته (2).

____________

(1) نيل الأوطار 8 / 256.

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 307 (دار الفكر - بيروت - الطبعة الثالثة - 1973).

الصفحة 37
ويقول القرطبي: إن الإمام إنما نصب لدفع العدو، وحماية البيضة، وسد الخلل، واستخراج الحقوق وإقامة الحدود، وجباية الأموال لبيت المال، وقسمتها على أهلها (1).

ويقول ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس (2)، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرج ثلاثة من سفر، فليؤمروا أحدهم - رواه أبو داود عن نافع عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري - (3).

وروى أبو داود أيضاً عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم، قال نافع: فقلنا لأبي سلمة: فأنت أميرنا (4).

ومن ثم فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه - من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم - وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة.

ومن ثم فقد روى أن السلطان ظل الله في الأرض (5)، كما قيل: ستون

____________

(1) تفسير القرطبي ص 232.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 160 (مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - 1379 هـ‍/ 1960).

(3) سنن أبي داود 2 / 34 (ط الحلبي - القاهرة 1952).

(4) سنن أبي داود 2 / 34.

(5) يجب أن يكون واضحاً أن هذا لا يعني أبداً، أن الخلافة الإسلامية إنما كانت تمثل حكومة ثيوقراطية (دينية)، كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية (حكومة الخاصة) ولا حكومة ديمقراطية

=>


الصفحة 38
سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان (1).

ويقول ابن حزم الأندلسي (384 - 456 هـ‍/ 994 - 1064 م) - من أئمة الظاهرية - اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، التي أتى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاشا النجدات من الخوارج (أصحاب نجدة بن عامر الحروري - أحد بني حنيفة) (2)، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمام، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم،

____________

<=

(حكومة الشعب)، وإنما كانت حكومة شورى، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية أو الروحية، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين، ويستطيع باعتباره حامي الدين أن يعلن الحرب على الكفار، ويعاقب الخارجين على الدين، ويؤم الناس في الصلاة، ويلقي خطبة الجمعة، كما أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى، بل من الذين بايعوه، وقد انقضى نزول الوحي، منذ اختار الله رسوله إليه، وبقي كتاب الله بين المسلمين هدى لهم جميعاً وحجة عليهم جميعاً، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه، وهو دستور الحكم، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه، فإن فعل وجبت طاعته، وإلا فلا طاعة له على مسلم.

وهكذا فحكومة الإسلام لم تعرف السلطان المطلق، ولم يكن للكهنة وجود فيها، ولا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون، وهي لم تكن حكومة أستقراطية، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار باختيار الخليفة من الأستقراطية في شئ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى، وهم إنما استأثروا بالأمر، صوناً للنظام القائم، ودفاعاً عنه: ثم إنهم كانوا طبقة مؤقتة تزول بزوال أفرادها، لا يرثها أحد، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى، كما أنها لم تكن حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب) لأن الشعب لا يملك أن يقرر ما يشاء، إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله، وسنة رسوله، ومن ثم فهي حكومة شورى بين المسلمين، الناس فيها سواسية كأسنان المشط، ورأسها الأعلى يعلن أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم (حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 429 د محمد حسين هيكل الصديق أبو بكر ص 335، 337).

(1) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 160 - 161.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق (أنظر عن النجدات ص 87 - 90).

الصفحة 39
وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي، القائم باليمامة (1).

ويقول ابن خلدون: أن نصب الإمام واجب، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند وفاته، بادروا إلى بيعة أبي بكر، رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً، دالاً على وجوب نصب الإمام.

وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل، وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه، قالوا: وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر، واستحالة حياتهم، ووجودهم منفردين، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض، فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم، مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية، وهذا المعنى هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوءات في البشر، وقد نبهنا على فساده، وأن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بسطوة الملك، وقهر أهل الشوكة، أو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس، وغيرهم ممن ليس له كتاب، أو لم تبلغه الدعوة.

أو نقول يكفي في دفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه، بحكم العقل، فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هنا، ونصب الإمام هنا غير صحيح، بل كما يكون بنصب الإمام، يكون بوجود الرؤساء وأهل الشوكة، أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم، فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة، فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع، وهو الإجماع الذي قدمناه.

____________

(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 106.

الصفحة 40
وقد شذ بعض الناس، فقال بعدم وجود هذا النصب رأساً، لا بالعقل ولا بالشرع، ومنهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم، والواجب عند هؤلاء، إنما هو إمضاء لحكم الشرع، فإذا تواطأت الأمة على العدل، وتنفيذ أحكام الله تعالى، لم يحتج إلى إمام، ولا يجب نصبه، وهؤلاء محجوجون بالإجماع (1).

هذا ويقول القلقشندي (756 - 821 هـ‍): اختلف العلماء في أصل وجوب الإمامة (2)، فذهب قوم إلى أن وجوبها ثابت بالعقل، لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم عند التنازع، ولو لا ذلك لكانوا فوضى مهملين، وقد قال الأفوه الأودي - وهو شاعر جاهلي -:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا (3)

وذهب آخرون إلى أنها إنما وجبت بالشرع، ولا أثر للعقل في ذلك، لأن الإمام إنما يقوم بأمور شرعية، كان يجوز في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجباً لها.

____________

(1) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 (دار القلم - بيروت 1981).

(2) القلقشندي: هو القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي، ولد في عام 756 هـ‍(1353 م) في قرية قلقشندة مركز قليوب بمحافظة القليوبية، واشتغل بالفقه وغيره، ومهر في الأدب، وبرع في العربية نظماً ونثراً وكتب في الإنشاء، وناب في الحكم، وعاش مفضالاً وقوراً، وكان متواضعاً، ذا مروءة، إلى أن توفي يوم السبت عاشر جمادى الآخرة سنة 821 هـ‍(1418 م)، وأما أشهر مؤلفاته فهي صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وقد أورد فيه ما يحتاجه الكاتب من الفنون والعلوم، فهو دائرة معارف تنتظم كل ما كان يعرفه معاصروه، وله قيمته الكبيرة فيما يتصل بتاريخ مصر والشام وجغرافيتهما، كما ألف القلقشندي أيضاً نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب ثم كتابه الذي نرجع إليه الآن في موضوع الخلافة وعنوانه مآثر الإنافة في معالم الخلافة، وقام بتحقيقه عبد الستار أحمد فراج، ونشرته وزارة الإرشاد الكويتية في ثلاثة أجزاء - عام 1964، وأما أصل القلقشندي فهو عربي من قبيلة فزارة من ذبيان من غطفان، وانظر عنه (عبد اللطيف حمزة: القلقشندي (رقم 12 من أعلام العرب)، شذرات الذهب 7 / 149، مقدمة كتبه).

(3) ديوان الأفوه: الطرائف الأدبية ص 12.

الصفحة 41
وقد احتج لذلك بأنه لا بد للأمة من إمام يقيم الدين، وينصر السنة، وينصف المظلومين من الظالمين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها، يقول الماوردي: وهي فرض كفاية، كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها على كافة الناس، لأن فرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان، أحدهما: أهل الاختيار، حتى يختاروا للناس إماماً، والثاني: أهل الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة جرح ولا مأثم (1).

وقال النووي في روضته فإن لم يكن من يصلح، إلا واحد، تعينت عليه، ولزمه طلبها، إن لم يبتدوه (2).

ومن هنا تنكشف الضرورة الملحة في نصب الإمام بما ذكر من حكم العقل، ومن ثم فقد بادر الأصحاب إلى نصب الخليفة، فقالت الأنصار: منا الخليفة، واحتج المهاجرون عليهم بالقرابة، كما بادر قسم آخر من الأنصار، وقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، وقال بنو هاشم - ويؤيدهم جمع كبير من المسلمين -: ليس لها إلا أبو حسن، الإمام علي، صاحب الوصية، وكل هذه الأقوال، إنما تكشف جميعاً عن الباعث العقلي لهم على نصب الخليفة.

هذا فضلاً عن اختلافهم كان ممن يختار الخليفة: من بني هاشم؟ أم من الأنصار؟ أم من المهاجرين؟ ولم يناقش أحد منهم ضرورة نصب الإمام، وذلك لوجود الحاجة الماسة إلى ذلك، فضلاً عن أنها ضرورة يدرك العقل مدى الحاجة الشديدة إليها.

على أن هناك من يرى أن الإمامة - أو الخلافة - ليست واجبة، وإلا ما

____________

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية ص 5 - 6.

(2) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الجزء الأول - الكويت 1964 ص 29 - 31.

الصفحة 42
تركت لاختيار الناس، يقول الشيخ الأصم - ومن تابعه على رأيه - إن نصب الإمام غير واجب في الدين، وإن كان سائغاً، فمتى استطاعت الأمة أن تقيم حجها وجهادها، وأن تتناصف فيما بينها، وأن تبذل الحق من أنفسها، وأن تقسم الغنائم والفئ والزكوات على أهلها، وأن تقيم الحدود يمكن من وجبت عليه الحدود، فإن ذلك يجزئهم، ولا يجب عليهم نصب إمام يتولى ذلك منهم (1).

وقد اعتمد بعض من رأوا أن الخلافة ليست واجبة، على أنه ليس في القرآن، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يشير إلى نظام معين في اختيار الخليفة، مما يشير إلى أن للأمة مطلق الحرية في اختيار الخليفة، ومن النظام الذي يتبع في اختياره، ما دام ذلك في إطار الدين، وفي حدود كتاب الله، وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم يذهب الدكتور صبحي الصالح إلى أن كل من ظن المسلمون به خيراً، لا ضير أن يتولى أمرهم، ويوجه حياتهم الدنيوية، وإن كان سرعان ما يعقب على كلامه بهذا الاستثناء، فيقول: غير أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نستنطق فلسفة الأحداث فيه، لا حظنا أن الطريقة التي انتخب بها بعض الخلفاء، كان دون ما قصد، سبباً من أسباب استمرار الخلاف لأسباب شخصية، وأخرى قبلية، لا تزال فيها نعرة جاهلية (2).

ولعل أشهر الدراسات التي ظهرت في العصر الحديث - والتي تعارض وجوب نصب الإمام - إنما هي كتاب الإسلام وأصول الحكم - بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام (3) - عام 1925 م، وقد أصدره الشيخ علي

____________

(1) أحمد حسن الباقوري: مع القرآن - القاهرة 1970 ص 4.

(2) صبحي الصالح: النظم الإسلامية: نشأتها وتطورها ص 85.

(3) ربما لم يثر كتاب في العصر الحديث ضجة كالتي أحدثها كتاب الإسلام وأصول الحكم ذلك

=>


الصفحة 43
عبد الرازق - القاضي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية -.

وكانت الفكرة الجوهرية في الكتاب - بل الخطيرة - هي دعوى الشيخ علي عبد الرازق أن الإسلام دين، لا دولة، ورسالة روحية، لا علاقة لها بالحكومة والسياسة الدنيوية، وعمارة الكون، وتنظيم المجتمعات، وأن نبي الإسلام - محمداً - صلى الله عليه وسلم، لم يؤسس دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يسس مجتمعاً، ولم يدع إلى شئ من ذلك، بل كان رسولاً فقط، ما عليه إلا البلاغ.

ولما كان الأمر كذلك، فليس للإسلام رأي - يجب علينا أن نلتمسه من مصادر الدين وأصوله - في نوع الحكومة، فلا رأي للإسلام في هذا الموضوع، وعلى المسلمين - كأمة أو أمم - أن يلتمسوا لسياستهم الحكومة الصالحة، بمعايير العقل والمصلحة والتجريب، دون أن يقيموا وزناً لدعوة القائلين

____________

<=

أن تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (1298 - 1351 هـ‍/ 1880 - 1938 م) ألغت الخلافة في 22 رجب عام 1342 هـ‍(3 مارس 1924 م)، وبالتالي أصبح العالم الإسلامي - ولأول مرة في تاريخه - يخلو ممن يحمل لقب الخليفة أو حتى سلطان المسلمين، ومن ثم فقد تحركت قوى إسلامية لاحتلال المنصب، ومنها ملك مصر أحمد فؤاد (1284 - 1355 هـ‍/ 1869 - 1936 م) بغية أن يصبح الخليفة، وقامت لجان في المدن والقرى المصرية تدعو لذلك.

وفي هذا الوقت صدر هذا الكتاب، والذي لم يكن بحثاً أكاديمياً من أبحاث السياسة أو علم الكلام، وإنما كان بالدرجة الأولى جهداً سياسياً في معركة سياسية ضارية، وتحدياً لملك، ومناوئة لقطاعات عريضة وخطيرة في العالم الإسلامي كما أفسد على الاستعمار البريطاني فرصة الإفادة من لعبة الخلافة هذه.

وهكذا تحركت قوى كبرى - الملك والأزهر والاستعمار البريطاني - لمحاربة الشيخ على عبد الرازق، وفي نفس الوقت وقف معه حزب الوفد بزعامة سعد زغلول باشا (1273 - 1346 هـ‍/ 1857 - 1927 م)، والكتاب الأحرار - وعلى رأسهم عباس محمود العقاد (1306 - 1384 هـ‍/ 1889 - 1964 م) ومحمد حسين هيكل باشا (1305 - 1375 هـ‍ (1888 - 1956 م) وأحمد حافظ عوض بك (1294 - 1370 هـ‍/ 1877 - 1950 م)، وانتهت الأمور بصدور حكم هيئة كبار العلماء بالأزهر في 22 محرم 1344 هـ‍/ (12 / أغسطس 1925 م) بإخراج الشيخ عبد الرازق من زمرة العلماء، كما فصل من وظيفته، فضلاً عن عزل وزير الحقانية ورئيس حزب الأحرار عبد العزيز فهمي باشا (1287 - 1370 هـ‍/ 1870 - 1951 م) والكتاب صدر في عام 1925 م، ثم صدرت له طبعة في بيروت عام 1966 م، وفي نوفمبر 1971 م نشرت مجلة الطليعة المصرية نصه الكامل.

الصفحة 44
بحكومة إسلامية، ومن يتصورون أن هذه الحكومة الإسلامية، هي نظام الخلافة بالذات ويقول: علي عبد الرازق (1).

إن الناس لا يصلحون فوضى لا سراة لهم، ويمكن أن يقال: إن المسلمين - إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم - كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم، وترعى شؤونهم، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع - مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية - ومعاذ الله أن يجعل عز هذا الدين وذله، منوطين بنوع من الحكومة، ولا بصنف من الأمراء، ولا يريد الله جل شأنه لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة، ولا تحت رحمة الخلفاء (1).

ثم يذهب صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم إلى أنه لم ينعقد بين المسلمين - صحابة أو غيرهم - إجماع على وجوب نصب الإمام، بالمعنى الذي اصطلح الفقهاء على تسميته بالخليفة، وأنه في ذلك إنما يقف في صف جماعة

____________

(1) ولد علي عبد الرازق (1305 - 1386 هـ‍/ 1887 - 1966 م) في أبو جرج بمحافظة المنيا، من أسرة ذات مكانة في الغنى والعلم والنفوذ، كما كان بيت الأسرة في القاهرة ندوة لصفوة المفكرين كالشيخ محمد عبده (1266 - 1324 هـ‍/ 1849 - 1905 م) وأحمد لطفي السيد باشا (1289 - 1383 هـ‍/ 1872 - 1963 م) وغيرهم. و كان قد التحق بالأزهر، بعد حفظه للقرآن الكريم - وعندما أنشئت الجامعة المصرية عام 1908 م، التحق بها وجمع بين الدراسة في الجامعة والأزهر، وفي عام 1912 م حصل على العالمية من الأزهر، ثم سافر إلى إنجلترا على نفقته للدراسة، ولكنه عاد إلى مصر عام 1915 م بسبب الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1915 عين قاضياً شرعياً، واستمر في القضاء حتى أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم ففصل من عمله، حيث كان قاضياً بمحكمة المنصورة، تنفيذاً لقرار هيئة كبار العلماء، الصادر في 22 محرم عام 1344 هـ‍(12 أغسطس 1925) وعندما أصبح أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا (1302 - 1366 هـ‍/ 1885 - 1946 م) شيخاً للأزهر عام 1945 م، أعاد الأزهر للشيخ علي عبد الرازق اعتباره، فدخل ثانية في زمرة العلماء وفي 28 دسمبر 1948 م أصبح وزيراً للأوقاف، كما شغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعين عضواً بمجمع اللغة العربية، ثم توفي في 7 جمادى الثاني 1386 هـ‍- (23 سبتمبر 1966 م) (أنظر: محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989 م).

الصفحة 45
غير قليلة من أهل القبلة، ومن سلف هذه الأمة وعلمائها الصالحين، الذين لا يمكن الطعن في دينهم، ولا في علمهم.

ثم يقول بعد ذلك: وليس صحيحاً أننا ننكر إجماع الصحابة على أنه لا بد لأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا، بل إنه لا بد لأمة منظمة - مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها - من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، وأن الناس لا يصلحون فوضى، لا سراة لهم ولعل أبا بكر رضي الله عنه إنما كان يشير إلى ذلك الرأي - حين قال في خطبته لا بد لهذا الدين ممن يقوم به، ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المنحى أحياناً (1).

هذا ويمكن حينئذ أن يقال بحق: إن المسلمين، إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم، كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم وترعى شؤونهم، إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة - أو الخلافة - ذلك المعنى الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحاً ما يقولون: من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، أما إذا أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفونه، فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة (2).

ثم ينكر الشيخ علي عبد الرازق وجود أدلة على الخلافة في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف فيقول: إنه لعجب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شئ من أمر هذا الدين * (ما فرطنا في الكتاب من

____________

(1) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989 ص 25، علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1925 م ص 34 - 35، 38.

(2) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم ص 33.

الصفحة 46
شئ) *، ثم لا تجد فيه ذكراً لتلك الإمامة العامة أو الخلافة، إن في ذلك لمجالا للمقال (2).

وفي الواقع، فإن اتجاه المؤلف غير صحيح، وقد قدمنا من قبل الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة التي اعتمد عليها العلماء في وجوب نصب الإمام (3).

هذا إلى أنه حقيقة: أن في القرآن بيان كل شئ من أمور الدين وأحكام الواقع، ولكن ليس معنى هذا التبيان أنه يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل، حتى إذا رجعنا إليه في قضية، ولم نجد لها حكماً مفصلاً، خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنة، أو انعقد عليه إجماع أهل العلم، أو شهدت به القواعد المسلمة.

وإنما معنى تبيان لكل شئ: أنه أتى بكليات عامة، وهي معظم ما نزل به، وفصل بعض أحكام، وأحال كثيراً من آياته على بيان السنة النبوية، ثم إن الكتاب والسنة أرشدا إلى أصول أخرى، كالإجماع والقياس وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات كثيرة، كقاعدة المصالح المرسلة، وقاعدة سد الذرائع، قال أبو إسحاق الشاطبي في كتابة الموافقات: تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي، لا جزئي.

وإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات ومكمل كل واحد منها، وهذا كله ظاهر أيضاً، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو السنة

____________

(1) سورة الأنعام: آية 38.

(2) علي عبد الرازق المرجع السابق ص 35، محمد عمارة: المرجع السابق ص 99.

(3) أنظر: (سورة البقرة: آية 30، سورة النور: آية 55 سورة ص: آية 26)، وانظر (صحيح مسلم 12 / 230، 12 / 240، نيل الأوطار للشوكاني 8 / 255 - 256، سنن أبي داود 2 / 34.

الصفحة 47
والإجماع والقياس، وجميع ذلك، إنما نشأ عن القرآن (1).

وأما قول المؤلف أننا لا نجد في الأحاديث - بعد كل ذلك - ما ينهض دليلاً لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين (2).

فالواقع أن العلماء ما قالوا إن الخلافة من قبيل العقائد، وأنما هي فرع من فروع الشريعة - كسائر أحكامها العملية، قال سعد الدين التفتازاني (712 - 789 هـ‍/ 1312 - 1389 م) في شرح المقاصد: إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة، من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، ولا يخفى أن ذلك من الأحكام العملية - دون الاعتقادية - وقد ذكر في كتبنا الفقهية: أنه لا بد للأمة من إمام، يحيي الدين، ويقيم السنة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها.

ثم قال: ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة، اعتقادات فاسدة واختلافات باردة... ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين... ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام (3).

وقال السيد في شرح خطبة المواقف: إن الإمامة - وإن كانت من فروع الدين - فقد ألحقت بأصوله، دفعاً لخرافات أهل البدع والأهواء، وصوناً للأئمة المهديين عن مطاعنهم، لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم - وهكذا

____________

(1) محمد عمارة: المرجع السابق ص 241 - 242، أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات 3 / 194 - 195 (المطبعة التونسية).

(2) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم ص 18.

(3) سعد الدين التفتازاني: شرح المقاصد 1 / 199 (طبع الآستانة)، محمد عمارة، المرجع السابق ص 244.


الصفحة 48
يبدو واضحاً أن الخلافة ليست من نوع العقائد، وإنما حشروها في علم الكلام، للعذر الذي أبداه شارح المقاصد وشارح المواقف (1).

ومن ثم فقد استقر الرأي في علم الكلام الإسلامي، على أن مباحث الخلافة - الإمامة - الدولة، إنما هي من الفروع، وليست من عقائد الدين، ولا من أصوله، ومن ثم فإن الخلاف والاختلاف فيها أليق به أوصاف الخطأ والصواب، والضرر والنفع - وليس الكفر والإيمان أو الإلحاد (2) - إلخ إلخ.

يقول ابن جميع في عقيدة التوحيد: إن الإمامة مستخرجة من الرأي، وليست مستخرجة من الكتاب أو السنة (3)، ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: إن الكلام في الإمامة، ليس من أصول الاعتقاد (4)، ويقول الإمام أبو حامد الغزالي (450 - 505 هـ‍/ 1058 - 1111 م): إن نظرية الإمام ليست من المهمات، وليست من فن المعقولات فيها، بل من الفقهيات (5). ويقول الإمام ابن تيمية (661 - 728 هـ‍/ 1263 - 1328 م): إن الإمامة ليست من الأركان الخمسة، ولا من أركان الإيمان الستة، ولا هي من أركان الإحسان (6)، وفوق ذلك، وتبعاً له، يقول الغزالي: والعلم أن الخطأ في أصل الإمامة تعيينها وشروطها وما يتعلق بها، لا يوجب شئ منه الكفر (7).

ويقول شيخ الأزهر محمد الخضر حسين (1293 - 1377 هـ‍/ 1876 -

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 244.

(2) نفس المرجع السابق ص 204.

(3) أبو حفص عمر بن جميع: عقيدة التوحيد - القاهرة 1353 هـ‍- ص 506.

(4) الجويني: الإرشاد - القاهرة 1950 ص 410.

(5) الإمام الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ص 134 (ط صبيح - القاهرة).

(6) ابن تيمية: منهاج السنة 1 / 70 - 72 (القاهرة 1962).

(7) الغزالي: فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص 15 (القاهرة 1907).

الصفحة 49
1958 م) في كتابه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم: إن الخلافة ليست من نوع العقائد، والبحث فيها يرجع إلى النظر في حكم عملي، لا في عقيدة من عقائد الدين، ومن ثم فيكتفي من مسندها بالأدلة المفيدة ظناً راجحاً (1).

بقيت الإشارة إلى أن كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) إنما كان سبباً في صدور عدة دراسات جادة وهامة، حول القضية التي عالجها - علاقة الدين بالدولة - وكان من أهمها:

1 - كتاب الشيخ محمد رشيد رضا (1282 - 1354 هـ‍ / 1865 - 1935 م) الخلافة أو الإمامة العظمى، حول إلغاء الخلافة العثمانية - وقد صدر هذا الكتاب قبيل صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم 1925 م.

2 - كتاب شيخ الأزهر الشيخ محمد الخضر حسين (1292 - 1377 هـ‍/ 1875 - 1958 م)، رداً على كتاب الشيخ علي عبد الرزاق، وعنوانه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم وقد صدر عام 1344 هـ‍/ 1926 م.

3 - كتاب الشيخ محمد بخيت المطيعي (1271 - 1354 هـ‍/ 1854 - 1935 م) - مفتي الديار المصرية، وعنوانه حقيقة الإسلام وأصول الحكم، وقد صدر عام 1344 هـ‍/ 1926 م، رداً على كتاب الشيخ علي عبد الرازق. هذا فضلاً عن مجموعة من المقالات العلمية الجادة شارك أصحابها في هذه المعركة الفكرية مؤيدين أو معارضين - للشيخ علي عبد الرازق.

____________

(1) محمد الخضر حسين: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1926 ص 33، وانظر ص 74 - 75.

الصفحة 50

ثالثاً: اختيار الإمام

اختلفت المذاهب الإسلامية فيمن يشغل منصب الخلافة، فذهب فريق من العلماء إلى أن الأمة إنما تختار من تشاء، متى رأوا فيه القدرة على حراسة الدين، وسياسة الدنيا، لا فرق بين قريشي وغيره، وهذا كان رأي غالبية الأنصار، حين رأوا في اجتماع السقيفة أن يبايعوا سعد بن عبادة، قبل بيعة أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، وقد أخذ بهذا الرأي - فيما بعد - المعتزلة، وأكثر الخوارج، وجماعة من الزيدية.

وقد احتج هذا الفريق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير، فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني (1).

وروى مسلم أيضاً في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف (2).

ومن ثم فقد أجاز الخوارج أن يكون الإمام من غير قريش (3)، وأن من

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 223 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983).

(2) صحيح مسلم 12 / 225.

(3) قال السيوطي: وأخرج عبد الرحمن بن أبزى عن عمر بن الخطاب أنه قال: هذا الأمر (أي الخلافة) في أهل بدر، ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد، ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا،

=>


الصفحة 51
يستحقها هو من قام بالكتاب والسنة - سواء أكان عربياً أم أعجمياً - وبالغ ضرار بن عمرو فقال: إن تولية غير القرشي أولى، لأنه يكون أقل عشيرة، فإذا عصى أمكن خلعه (2)، قال الشهرستاني:

وبدعتهم (أي الخوارج) في الإمامة: إذا جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل، واجتناب الجور، كان إماماً، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة، وعدل عن الحق، وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولاً بالقياس، كما جوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلاً، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً (2).

وقال ضرار بن عمرو (4): إذا اجتمع حبشي وقرشي، كلاهما قائم بالكتاب والسنة، فالواجب أن يقدم الحبشي، لأنه أسهل لخلعه، إذا حاد عن الطريقة (4).

ويقول البغدادي: وقالوا: من شرط الإمامة النسب إلى قريش - وهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان - على خلاف قول من زعم من الضرارية أن الإمامة تصلح في جميع أصناف العرب، وفي الموالي والعجم، وخلاف قول الخوارج بإمامة زعمائهم الذين كانوا من ربيعة وغيرهم - كنافع بن الأزرق الحنفي، ونجدة بن عامر الحنفي، وعبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير البجلي، وشبيب بن يزيد

____________

<=

وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح شئ (تاريخ الخلفاء ص 144).

(1) ذهب النظام والخوارج و نشوان الحميري وبعض الحشوية، أنها تصح في جميع الناس مطلقاً فرق في ذلك بين عربي وعجمي وزنجي (المذهب الزيدي ص 43).

(2) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 116 (ط الحلبي - القاهرة 1387 هـ‍/ 1968).

(3) ضرار بن عمرو: من رجال منتصف القرآن الثاني الهجري، اختلف في نسبة إلى المعتزلة، فابن الرواندي يثبت أنه من المعتزلة، والخياط ينفي ذلك وأنه كان تلميذاً لواصل بن عطاء، ثم انصرف عنه وأسس الضرارية، وأنه كان حياً حوالي عام 180 هـ‍.

(4) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 108 (ط محمد علي صبيح - القاهرة 1384 هـ‍/ 1964 م).

الصفحة 52
الشيباني وأمثالهم - عناداً منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش (1).

ورواية الأئمة من قريش (2) هذه، إنما جاءت - كما يقول ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل - عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجئ التواتر، رواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية، وروى جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت، معناها (3).

ويقول ابن حزم: ومما يدل على صحة ذلك، إذعان الأنصار، رضي الله عنهم يوم السقيفة، وهم أهل الدار والمنعة والعدة والعدد والسابقة في الإسلام، ومن المحال أن يتركوا اجتهادهم لاجتهاد غيرهم، لولا قيام الحجة عليهم، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن الحق لغيرهم في ذلك (4).

ومن ثم فقد ذهب فريق ثان إلى أن الخلفاء من قريش خاصة، وهذا رأي غالبية المهاجرين، وقد احتجوا بحديث الأئمة من قريش.

وروى البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام - باب الأمراء من قريش) بسنده عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد، إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين (5).

وتابعه نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد: سمعت أبي يقول، قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي منهم اثنان (6).

____________

(1) ابن حزم الأندلسي: الفصل الملل والأهواء والنحل 4 / 87 - 88.

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي: الفرق بين الفرق ص 349 (دار المعرفة - بيروت).

(3) أخرجه الطيالسي عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام الحديث: الأئمة من قريش، ما حكموا، فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا، - وأخرجه الإمام أحمد.

(4) ابن حزم: الملل والأهواء والنحل 4 / 108.

(5) صحيح البخاري 9 / 77 - 78.

(6) صحيح البخاري 9 / 78.

الصفحة 53
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عدة أحاديث، منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (1).

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه قال: قال عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان (2).

ويقول الإمام النووي (3) في الشرح: قوله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم، وفي رواية: الناس تبع لقريش في الخير والشر، وفي رواية: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان، وفي رواية البخاري: ما بقي منهم اثنان، هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم.

وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، وكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم، بالأحاديث الصحيحة.

وقال القاضي: اشتراط كونه (أي الخليفة) قرشياً هو مذهب العلماء كافة، قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، على الأنصار يوم السقيفة، فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار. وقال: ولا اعتداد بقول النظام، ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع: أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 200.

(2) صحيح مسلم 12 / 201.

(3) الإمام النووي: صحيح مسلم بشرح النووي - 12 / 199 - 201 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).

الصفحة 54
عمرو في قوله: إن غير القرشي من النبط وغيرهم، يقدم على القرشي، لهوان خلعه، إن عرض منه أمر، وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين، والله أعلم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش من الخير والشر، فمعناه في الإسلام والجاهلية، كما هو مصرح به في الرواية الأولى، لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم الله، وأهل حج بيت الله، وكانت العرب تنتظر إسلامهم، فلما أسلموا وفتحت مكة، تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة، والناس تبع لهم، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا، ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم، فمن زمنه صلى الله عليه وسلم، إلى الآن (زمن المؤلف)، الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما بقي اثنان، كما قاله صلى الله عليه وسلم.

وقال القاضي عياض: استدل أصحاب الشافعي بهذا الحديث على فضيلة الإمام الشافعي، قال: ولا دلالة فيه لهم لأن المراد، تقديم قريش في الخلافة فقط. قال النووي: هو حجة في مزية قريش، والشافعي قرشي (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي، حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم بكلام خفي علي قال: فقلت لأبي ما قال:

قال: كلهم من قريش (2).

وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم،

____________

(1) الإمام النووي: صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 199 - 201 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).

(2) صحيح مسلم 12 / 201.

الصفحة 55
يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً، ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، بكلمة خفيت علي، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كلهم من قريش (1).

وعن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً، إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال: فقال: كلهم من قريش (2).

والحديث صحيح - وقد رواه الشيخان، كما رواه - كما أشرنا من قبل - الترمذي (3) وأبو نعيم (4) والحاكم (5) وأحمد (6) والهيتمي (7) والهيثمي (8) والسيوطي (9)، والمتقي الهندي (6).

وروى أو داود الطيالسي بسنده عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الأئمة من قريش، ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا (10).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده روايات كثيرة، صحيحة الإسناد تؤدي هذا، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر، ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم، كما يلحى هذا القضيب - القضيب في يده، ثم لحا قضيبه، فإذا هو أبيض يصلد (11).

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 202.

(2) صحيح مسلم 12 / 202، وانظر روايات أخرى 12 / 202 - 204.

(3) صحيح الترمذي 2 / 35.

(4) أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ط 48 - 482 (ط الباز - مكة المكرمة 1977 م).

(5) المستدرك للحاكم 4 / 501.

(6) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 389، 406، 5 / 86، 92، 99، 106، 108.

(7) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة.

(8) الهيثمي: مجمع الزوائد 5 / 190 - 191.

(9) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 9 - 11.

(10) كنز العمال 3 / 205، 6 / 160، 201

(11) مسند الإمام أحمد - الجزء السادس (رقم 4380)، الجزء السابع (رقم 4832)، الجزء الثالث عشر (رقم 7034، 7547).

الصفحة 56
هذا ومن المعروف أن المهاجرين قد احتجوا على الأنصار، بأن الإمامة في قريش، لأنهم أولياء النبي وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، وكما قال لهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم، ونبيها من غيركم، وأن العرب لا تولي هذا الأمر، إلا من كانت النبوة فيهم، لا ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة، ولقد أخذ بهذا الرأي فيما بعد عامة أهل السنة.

هذا وقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (كتاب العلم) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم، من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده في النار، على أن حديث الأئمة من قريش متواتر، - كأحاديث المسح على الخفين ورفع اليدين في الصلاة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، ومن بنى لله مسجداً وغيرها - ثم أفرد حديث الأئمة من قريش بجزء جمع فيه طرقه عن نحو أربعين صحابياً، وقال في كتاب الأحكام من الفتح الباري (الجزء 13) ما نصه: وإلى اشتراط كون الإمام قرشياً، ذهب جمهور أهل العلم. ثم قال: وقال عياض: اشترط كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك من بعدهم في جميع الأمطار، ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة (1)، لما فيه من مخالفة المسلمين (2).

____________

(1) كان القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403 هـ‍) ممن نفى اشتراط النسب القرشي، لما أدرك عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال، واستبداد ملوك العجم من الخلفاء، فأسقط شرط القرشية، وإن كان موافقاً لرأي الخوارج، لما رأى حال الخلفاء لعهده، وبقي الجمهور على القول باشتراطها، وصحة الإمامة للقرشي، ولو كان عاجزاً عن القيام بأمور المسلمين، ورد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوم بها على أمره، لأنه إذ ذهبت الشوكة بذهاب العصبية، فقد ذهبت الكفاية، وإذا وقع الإخلال بشرط الكفاية، تطرق ذلك أيضاً إلى العلم والدين، وسقط اعتبار شروط هذا المنصب، وهو خلاف الاجتماع (مقدمة ابن خلدون ص 194 - 195).

(2) محمد العربي التباني: تحذير العبقري من محاضرات الخضري 1 / 186 - 187 (دار الكتب العلمية - بيروت 1404 هـ‍/ 1984).

الصفحة 57
وليس صحيحاً ما ذهب إليه ابن خلدون (1) من أن الحكمة من اشتراط النسب القرشي، إنما هو ما كان لهم من العصبية، وإنما الصحيح - فيما يرى التباني - هو مقام النبوة - لا العصبية والتقدم - وهي واضحة لكل من رزق فهماً مستقيماً في كلام الصديق - وكذا الفاروق - الذي قيل يوم السقيفة، احتجاجاً على الأنصار (2).

يروي البلاذري في أنساب الأشراف: قال أبو بكر للأنصار: ولن تعرف العرب الأمر، إلا لهذا الحي من قريش، وقال صلى الله عليه وسلم، هذا الشأن بعدي في قريش (3)، وفي رواية الطبري: وإن العرب لا تعرف هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط العرب داراً ونسباً (4).

وقال عمر بن الخطاب: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن تؤمركم، ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها، من كانت النبوة فيهم، ولنا بذلك الحجة الظاهرة، من ينازعنا سلطان محمد، ونحن أولياؤه وعشيرته (5).

على أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان رأيهم أن الخلافة يجب أن تكون في بيت النبوة، والقدم فيهم، سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة، وأبناؤه من السيدة فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، وبنت النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقالت الشيعة الإثنا عشرية: أن الإمامة خاصة بالإمام علي وولديه - الحسن والحسين - ثم لأولاد الحسين فقط (6)، واستدلوا على ذلك بما رواه

____________

(1) مقدمة ابن خلدون ص 195 - 197.

(2) محمد العربي التباني: المرجع السابق ص 195.

(3) البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 584 (تحقيق محمد حميد الله دار المعارف - القاهرة 1959).

(4) تاريخ الطبري 3 / 205 - 206 (تحقيق محمد أبو الفضل - دار المعارف - القاهرة 1979).

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 329 - 330 (بيروت 11385 هـ‍/ 1965 م).

(6) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 37.

الصفحة 58
مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعي أبي، فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال، قال: كلهم من قريش (1).

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة، مع غلامي نافع، أن أخبرني بشئ سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليك اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش (2).

ومن ثم فإن فكرة الاثني عشر، فكرة إسلامية عامة - للسنة وللشيعة سواء بسواء - لا تختص بفريق دون الآخر، هذا ويذهب العلامة الحلي إلى أن المراد باك 12 أميراً هؤلاء، إنما هم أئمة الشيعة الاثني عشر، حيث ثبت بالتواتر: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لسبطه الإمام الحسين: ابني هذا إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم (3).

وروى المحب الطبري في ذخائر العقبى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوماً واحداً، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كاسمي، فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين (4).

وأما حصر الإمامة في الإمام علي وولده، فلقد أشرنا من قبل أن السنة حصرت الإمامة في قريش، دون غيرهم، وقالت الشيعة: أنه ما دام الأمر كذلك، فبيت النبي صلى الله عليه وسلم، هو أفضل بيوت قريش قاطبة، ولولاه لم يكن لها هذا

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 203.

(2) صحيح مسلم 12 / 203.

(3) الحلي: شرح التجريد ص 250 (طبعة العرفان).

(4) المحب الطبري: ذخائر العقبى ص 136 (ط 1356 هـ‍).

الصفحة 59
الشأن، بل لولا محمد وآله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لم يكن للعرب تاريخ أو ذكر (1).

روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل): حدثنا محمد بن مهران الرازي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم، جميعاً عن الوليد قال ابن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد، أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم (2).

وأما حصر الأئمة في 12، فقد كانت تلك رواية الشيخين (البخاري ومسلم) (3).

ويذهب السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي - إلى أن المقصود بالخلفاء أو الأمراء الاثني عشر، إنما هم الأئمة الاثني عشر (من الإمام علي وحتى الإمام المهدي الحجة) (4) والسبب في ذلك أن الأحاديث الشريفة - الآنفة الذكر - لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة - أو حتى الخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، إليهم - لكونهم أقل عدداً، أو خلافة من سواهم من بني أمية أو بني العباس، لكونهم أكثر عدداً، فضلاً عن أكثرهم من أهل الفسق والفجور، كما أنها لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية والفطحية وغيرهم - لكون أئمتهم أقل.

ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية - إنما يراد بهؤلاء

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 37 - 38.

(2) صحيح مسلم 15 / 36.

(3) صحيح البخاري 9 / 101، صحيح مسلم 12 / 202 - 203.

(4) الأئمة الاثني عشر هم: الإمام علي بن أبي طالب - الإمام الحسن بن علي - الإمام الحسين بن علي - الإمام علي زيد العابدين - الإمام محمد الباقر - الإمام جعفر الصادق - الإمام موسى الكاظم - الإمام علي الرضا - الإمام محمد الجواد - الإمام علي الهادي - الإمام الحسن العسكري - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري.

الصفحة 60
الاثني عشر أميراً أو خليفة، عترة النبي صلى الله عليه وسلم، أو لهم سيدنا الإمام علي، وآخرهم المهدي الحجة بن الحسن العسكري، عليهم السلام (1).

هذا ويلخص ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2) آراء الفرق المختلفة في كون الأئمة من قريش بقوله: اختلف الناس في اشتراط النسب القرشي في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا (أي المعتزلة): إن النسب ليس شرطاً فيها أصلاً، وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه، وهو قول الخوارج.

وقال أكثر أصحابنا (المعتزلة) وأكثر الناس: أن النسب القرشي شرط في الإمامة، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة، ومن العرب في قريش خاصة، وقال أكثر أصحابنا: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، إن القرشية شرط، إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح، فليست القرشية شرطاً فيها.

وقال بعض أصحابنا (المعتزلة): معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبداً ممن يصلح للإمامة، فأوحوا بهذا الخبر: أن هناك من يصلح للإمامة من قريش في كل عصر وزمان.

وقال معظم الزيدية: إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين، لا تصلح في غير البطنين (أبناء الحسن والحسين)، ولا تصلح إلا بشرط أن يقوم بها، ويدعو بها، ويدعو إليها، فاضل، زاهد، عالم، شجاع، سائس، هذا ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين، من ولد علي عليه السلام، وهو من أقوالهم الشاذة.

وأما الرواندية فقد خصصوها للعباس بن عبد المطلب، رحمه الله، من بين

____________

(1) السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 / 25 - 26 (مؤسسة الأعلى - بيروت 1393 هـ‍/ 1973 م).

(2) نهج البلاغة 9 / 77 - 88 (دار الفكر بيروت 1967).

الصفحة 61
بطون قريش كلها، وهذا القول ظهر في أيام الخليفة العباسي المنصور (136 - 158 هـ‍/ 754 - 775 م) ثم المهدي (158 - 169 هـ‍/ 775 - 785 م).

وأما الشيعة الإمامية، فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، في أشخاص مخصوصين، لا تصلح عندهم لغيرهم.

على أن الكيسانية إنما قصروها على محمد بن الحنفية ابن الإمام علي بن أبي طالب، من السيدة خولة بنت جعفر من بني حنيفة، ثم في ولده، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره (1).

هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة (2) بشأن الاثني عشر خليفة أو أميراً، وقال: وفي آخره، كلهم من بني هاشم (3).

وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية (4) بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.

وعن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الحسين على فخذه، وهو يقبل عينه، ويقبل فاه، ويقول: أنت سيد بن سيد، وأنت إمام، وابن إمام، وأنت حجة وابن حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم (5).

____________

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 86 (بيروت 1967).

(2) أنظر: صحيح مسلم 12 / 202 - 204.

(3) سليمان الحنفي القندوزي: ينابيع المودة ص 107.

(4) أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - الجز الثالث ص 86 (دار الفكر - بيروت).

(5) الشيخ مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة 1977 م.

الصفحة 62

رابعاً: شروط الإمام

اشترطت السنة في الإمام شروطاً أربعة: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء فأما العلم، فلأنه منفذ أحكام الله، ومتى كان جاهلاً، لا يمكنه تنفيذها.

وأما العدالة، فلأن منصب الإمام منصب ديني، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة، فأولى بشروطها فيه.

وأما الكفاءة، فأن يكون جريئاً على إقامة الحدود، واقتحام الحروب، بصيراً بها، كفيلاً بحمل الناس عليها، عالماً بأحوال الدهاء، قوياً على معاندة السياسة، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين، وجهاد العدو، وإقامة الأحكام، وتدبير المصالح.

وأخيراً أن يكون سليم الحواس والأعضاء، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل، ويلحق بذلك العجز عن التصرف، لصغر أو شر أو غيرهما.

وهناك شرط خامس، اختلف فيه - وهو النسب القرشي (1) - وقد ناقشناه من قبل.

على أن الماوردي إنما يرى أنها سبعة، فيقول: وأما أهل الإمامة، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة، أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثاني:

العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.

____________

(1) أنظر: مقدمة ابن خلدون ص 190 - 196 (دار القلم - بيروت 1981).

الصفحة 63
والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح.

والسادس: النسب: وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه، ولا اعتبار ب‍ً ضرارً حين شذ، فجوزها في جميع الناس، لأن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة، لما بايعوا سعد بن عبادة عليها، بقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، فأقلعوا عن التفرد بها، ورجعوا عن المشاركة فيها، حين قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، تسليماً لروايته، وتصديقاً لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، قدموا قريشاً، ولا تقدموها (1).

وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا أيها الناس:

قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها، ولا تعلموها، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم، يا أيها الناس، أوصيكم بحب ذي أقربها، أخي وابن عمي، علي بن أبي طالب فإنه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله عز وجل (2).

____________

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 (دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍1982).

(2) الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة الجزء الثاني - حققه وخرج أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - ص 622 - 623 (نشر مركز البحث العلمي وإحياء والتراث الإسلامي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1403 هـ‍/ 1983 م). والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، ذكره ابن حجر في المطالب العالية (4 / 139) وأخرجه الإمام الشافعي في مسنده ص 278) عن الزهري، وعبد الرازق في مصنفه (11 / 55)، وأخرجه البيهقي في مناقب

=>


الصفحة 64
ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة: إلى أن أصحابه الشافعية إنما يرون في شروط عقد الإمامة، أربعة عشر شرطاً في الإمام: أولها:

الذكورة لحديث أبي بكرة، الذي رواه البخاري في صحيحه عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (1).

وزاد الترمذي والنسائي: فلما قدمت عائشة البصرة، ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمني الله تعالى به (2).

يقول القلقشندي: والمعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال، والمشاورة معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلك، ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها، حتى لا تملك النكاح، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها.

والثاني: البلوغ فلا تنعقد إمامة الصبي، لأنه مولى عليه، والنظر في أموره إلى غيره، فكيف يجوز أن يكون ناظراً في أمور الأمة؟ على أنه ربما أخل بالأمور، قصداً لعلمه بعدم التكليف.

والثالث: العقل: فلا تنعقد إمامة ذاهب العقل بجنون أو غيره، لأن العقل آية التدبير، فإذا فات العقل فات التدبير، وقد قسم الماوردي زوال العقل إلى ما لا يرجى زواله، وما يرجى زواله، فأما ما لا يرجى زواله - كالجنون والخبل - فيمنع من عقد الإمامة - سواء أكان مطبقاً لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة وسواء

____________

<=

الشافعي (1 / 20 - 21) وفي مجمع الزوائد (10 / 25)، وأشار إليه البخاري في المقاصد الحسنة (ص 304)، وأبو نعيم في الحلية (9 / 64)، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2 / 431).

(1) صحيح البخاري 6 / 10.

(2) صحيح الترمذي 9 / 119، سنن النسائي 8 / 227.

الصفحة 65
كان زمن الجنون أكثر من زمن الإفاقة، أو زمن الإفاقة أكثر من زمن الجنون -.

وأما ما يرجى زواله - كالأعضاء فلا يمنع من انعقاد الإمامة، لأنه مرض قليل اللبث، سريع الزوال.

والرابع: البصر، فلا تنعقد إمامة الأعمى، لأنه منع ولاية القضاء، وجواز الشهادة، فمنعه صحة الإمامة أولى.

والخامس: السمع، فلا تنعقد إمامة الأصم، الذي لا يسمع البتة، واختلف في ثقل السمع.

والسادس: سلامة الأعضاء من نقص يمنع استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، فلا تنعقد من ذهبت يداه أو رجلاه، لعجزه عما يلحقه من حقوق الأمة.

والسابع: النطق، فلا تنعقد إمامة الأخرس، واختلف في تمتمة اللسان فقيل يمنع، وقيل لا يمنع.

والثامن: الحرية، فلا تنعقد إمامة من فيه رق كالقن الكامل العبودية، والمبعض، من فيه جزء حر، وجزء رقيق، والمكاتب، المفروض عليه مال، إن أداه أعتق، والمدبر من شرط عتقه بعد موت سيده، والمعلق عتقه بصفة، لأن الرقيق محجوز للسيد، فأموره تصدر عن رأي غيره، فكيف يصلح لولاية الأمة؟

والتاسع: الإسلام: فلا تنعقد أبداً إمامة الكافر، لأنه لا يراعي مصلحة الإسلام والمسلمين.

والعاشر: العدالة: فلا تنعقد إمامة الفاسق.

الحادي عشر: الشجاعة والنجدة، فلا تنعقد إمامة الجبان.

الثاني عشر: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك.


الصفحة 66
الثالث عشر: صحة الرأي والتدين، فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي، لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه، ولا يتبين له طريق المصلحة، إلا إذا كان ذا رأي صحيح، وتدبير سائغ.

الرابع عشر: النسب: فلا تنعقد الإمامة بدونه، والمراد أن يكون من قريش، لحديث الأئمة من قريش، وقال الماوردي بالإجماع عليه، وقال الرافعي - من أئمة الشافعي - فإن لم يوجد قرشي مستجمع للشروط فكناني، فإن لم يوجد كناني، فرجل من ولد إسماعيل عليه السلام، فإن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشروط، ففي تهذيب البغوي: أنه يولى رجل من العجم، وفي التتمة للمتولي أنه يولي جرهمي، ولا يشترط أن يكون الإمام هاشمياً، لأن أبا بكر وعمر وعثمان، لم يكونوا من بني هاشم (1).

ويقول البغدادي: وقالوا: (أي أهل السنة والجماعة): ومن شروط الإمام: العلم، والعدالة والسياسة، وأوجبوا في العلم ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وأوجبوا من عدالته أن يكون ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته، وذلك بأن يكون عدلاً في دينه، مصلحاً لما له وحاله، غير مرتكب لكبيرة، ولا مصر على صغيرة، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه، وليس من شرطه العصمة من الذنوب كلها، خلاف قول الإمامية: أن الإمام يكون معصوماً من الذنوب كلها (2).

وأما الزيدية، فشروط الإمامة عندهم أربعة عشر شرطاً. الأول: البلوغ والعقل إجماعاً، فلا وصية لصبي ولا لمجنون، إذ لا ولاية لهما على نفسيهما، فالأولى ألا يكون على غيرهما.

____________

(1) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الكويت 1964 ص 31 - 39.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 349 - 350 (دار المعرفة - بيروت).

الصفحة 67
والثاني: الذكورة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، - فيما يروي البخاري عن أبي بكرة - قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (1)، وذلك لأن المرأة لا تتولى بعض أمور نفسها، فكيف تتولى أمور غيرها، ولأنها ممنوعة من مخالطة الرجال.

الثالث: الحرية، إذ العبد مملوك الرقبة والتصرف.

الرابع: المنصب، إذ لا تصح الإمامة، في منصب مخصوص، أي أن يكون الإمام على صفة مخصوصة، وبإذن من الشارع، واختيار منه، وإلا لوقع الفساد.

قالت العترة وشيعتهم: الوصي والحسنان (أي الإمام علي والحسن والحسين) وذريتهما، ويجب على جميع المكلفين العلم بذلك، والعمل به، أي موالاتهم ونصرتهم.

الخامس: الاجتهاد لقوله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق * أحق أن يتبع * أمن لا يهدي إلا أن يهدى * فما لكم كيف تحكمون) * (2)، والذي يهدي إلى الحق، لا يكون إلا مجتهداً، ولا يخلو الزمان من مجتهد، متمكن من استنباط الأحكام، يشترط فيه أن يجمع علوماً خمسة: علم العربية، وآيات الأحكام، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسائل الإجماع، وعلم أصول الفقه، أما علم أصول الدين فمن تمام الدين.

السادس: الورع، وحجتنا قوله تعالى: * (لا ينال عهدي الظالمين) * (3)، فلا

____________

(1) صحيح البخاري 6 / 10.

(2) سورة يونس: آية 35.

(3) سورة البقرة: آية 124.

الصفحة 68
تصح إمامة الفاسق، وإنما يشترط في الإمام إتيان الواجبات، واجتناب المحرمات، ولا يشترط الإمام يحيى بن حمزة: بلوغ أعلى درجات الورع، وإنما مقدار ما يحصل به اجتناب الكبائر.

السابع: اجتناب الحرف الدنيئة، لأنها تخل بالعدالة، على أن هناك من يرى في العدالة أمراً خلقياً، لا صلة له بالحرفة، ما دامت حلالاً.

الثامن: الأفضلية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ولى رجلاً، وهو يعلم أن غيره أفضل منه، فقد خان الله في أرضه.

وهذا قول الزيدية وبعض المعتزلة والإمامية، وقد ذهب بعض المعتزلة والزيدية أن الإمامة يستحقها الأفضل، إلا أنه قد يحدث أمر، يكون نصب المفضول فيه أصلح، فيجب نصبه في الحال - على أن رأينا أن إمامة المفضول غير جائزة.

التاسع: الشجاعة، أي أن يكون من رباطة الجأش، ما يتمكن معها من تدبير الحروب عند فشل الجموع، لئلا تتحطم جيوش المسلمين.

العاشر: التدبير، فتكون آراؤه صالحة، وأنظاره ثاقبة، وسياسته حسنة، ولا يشترط أن لا يخطئ في ذلك، بل يكون أغلب أحواله السلامة.

الحادي عشر: القدرة على القيام بمهام الإمامة وأمور المسلمين، وهذا يقتضي أن لا يكون عاجزاً، ضعيفاً، ضيقاً قلبه.

الثاني عشر: السخاء، يوضع الحقوق في مواضيعها، فلا يمنع أهل الحقوق حقوقهم، وعليه التحري في ذلك، لأن منع المستحق حيف وميل عن الحق، تسقط به العدالة.

الثالث عشر: السلامة من المنفرات كالجذام والبرص، وغير ذلك مما ينفر، ليتمكن من مخالطة المسلمين.


الصفحة 69
الرابع عشر: سلامة الحواس والأطراف، فلا يكون أعمى، ولا أصم، ولا أشل، ولا أعرج، ولا على صفة تعجزه عن أمر تدبير أمور المسلمين، إلا الأمر اليسير، الذي لا يمنع القيام بأمور الأمانة (1).

وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (2) (419 - 478 هـ‍/ 1028 - 1085 م)، فيقول: فمنها النسب، فالشرط أن الإمام قرشي، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو، وليس ممن يعتبر خلافه ووفاته، وقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأئمة من قريش وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض، المقطوع بثبوته، من حيث أن الأمة تقبلته بالقبول.

ثم يقول الجويني: وهذا مسلك لا أؤثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر، والذي يوضح الحق في ذلك، أننا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدور، واليقين المبتوت، بصدر هذا من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة.

والوجه في إثبات ما نحاوله في ذلك: أن الماضين ما زالوا بايحين باختصاص هذا المنصب بقريش، ولم يتشوق قط أحد من غير قريش إلى الإمامة على تمادي الآماد، وتطاول الأزمان، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكناً لطلبه ذوو النجدة والبأس (3).

____________

(1) أحمد صبحي: المذهب الزيدي - الإسكندرية 1981 ص 43 - 45.

(2) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة - قطر - 1400 هـ‍ص 76 - 82.

(3) كان شرط النسب القرشي مرعياً كل الرعاية في سائر أحوال الدولة الإسلامية، والخلافة لم يتطلبها غير القرشيين قط، ومع كل ما انتاب الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف، واستبداد الأمراء فيهم، حتى جردوهم من كل قوة دنيوية، وأنشأوا الدول دونهم، ولقبوا أنفسهم بالسلاطين، رغم ذلك كله، لم يخطر ببال أحد منهم أن يدعي الخلافة أو أن ينصب نفسه خليفة.

=>


الصفحة 70
على أن الإمام الجويني إنما يتردد كثيراً في إثبات شرط النسب القرشي، فيقول: ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب، ثم يعود فيقول:

ولكن خصص الله هذا المنصب العلي، والمرقب السني بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهكذا يقف إمام الحرمين - كما يقول الدكتور عبد العظيم الديب محقق الكتاب - تجاه اشتراط النسب في الإمام، فلا يرى له مستنداً من النقل، ولا من العقل، بل إنه قد أعلن تردده صراحة في كتابه الإرشاد حيث قال: ومن شرائط الإمام عند أصحابنا (يعني الشافعية) أن يكون الإمام قرشياً، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، وقال: قدموا قريشاً ولا تقدموها وهذا ما يختلف فيه الناس، وللاحتمال فيه عندي مجال، والله أعلم بالصواب.

فهو يحكي هذا الشرط، والاستدلال عليه عن أصحابنا - أي عن الشافعية - ثم يقول صراحة: وللاحتمال فيه عندي مجال، ونحن إذ نسجل لإمام الحرمين عدم ارتياحه لهذا الشرط، نذكر أن من القائلين به، شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ‍/ 1263 - 1328 م) (1).

____________

<=

وهكذا نرى دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم قد استقلوا في دولهم، بل منهم من غلب على الخلفاء، ولكنهم لم يتطاولوا إلى أكثر من لقب السلطان، بل كانوا يتزلفون إلى الخلفاء ليثبتوهم في الحكم، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في مصر، فقد استولى على الحكم بعد آخر خليفة فاطمي، وعندما أراد أن يستقل بمصر، دعا على المنابر للخليفة العباسي، ولم يسم نفسه خليفة، وإنما لقب بالسلطان.

وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش السلطان سليم الفاتح العثماني عام 922 هـ‍ (1517 م) بعد أن تنازل له الخليفة محمد المتوكل على الله الثالث عن الخلافة، وبذلك جعل سليم الأول (1467 - 1521 م)، سلطان تركيا (1512 - 21521 م) نفسه خليفة للمسلمين، وورث خلفاؤه من آل عثمان هذا اللقب.

هذا ويحتج الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان (922 - 21342 هـ‍/ 1517 - 1924 م) أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق (حق السيف - حق الانتخاب - حق الوصاية - حماية الحرمين - الاحتفاظ بالأمانات - وهي المخلفات النبوية الشريفة، المحفوظة في الأستانة (أنظر:

جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي 1 / 121 - 122 - مكتبة الحياة - بيروت).

(1) الجويني: الغياثي ص 82.

الصفحة 71
وعلى أية حال، فإن من الشروط اللازمة المعتبرة - عند الجويني - في الإمام، الذكورة والحرية ونحيزة العقل والبلوغ، ولا حاجة إلى الإطناب في نصب الدلالات على إثبات هذه الصفات.

وأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة: فالعلم والورع.

فأما العلم: فالشرط أن يكون الإمام مجتهداً، بالغاً مبلغ المجتهدين، مستجمعاً صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف، والدليل عليه أن أمور معظم أصول الدين تتعلق بالأئمة، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر، فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع، فقد يتعلق به من جهة انتدابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلاً بعلم الشريعة لاحتاج لمراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال.

وأما التقوى والورع، فلا بد منهما، إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولى أمور المسلمين كافة، والأب الفاسق - مع حدبه وإشفاقه على ولده - لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق، لا يتقي الله، ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه، فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام (1).

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر (2).

وروى الإمام مسلم في صحيحه في حديث زهير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 82 - 88.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 25 (مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1379 هـ‍/ 1960 م).

الصفحة 72
يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه (2).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عياض بن حماد، رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة ثلاثة، سلطان مقسط، ورجل رحيم، رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق (3).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء، ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، قال: إني أخاف، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله، ما صنعت يمينه (4).

وأما الصفة الثالثة اللازمة للإمام، فهي توقد الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب وهذه الصفة ينتجها نحيزة العقل، ويهذبها التدرب في طريق التجارب.

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 211.

(2) صحيح مسلم 7 / 120 - 122 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983).

(3) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 25.

(4) صحيح البخاري 8 / 203.

الصفحة 73
وهناك النجدة والكفاية، ذلك لأن الغرض الأعظم من الإمامة، إنما هو جمع شتات الرأي، واستتباع رجل... فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فإذا لم يكن الناس مجمعين على رأي واحد، لم ينتظم تدبير، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير....

وإذا تبين الغرض من نصب الإمام، لاح أن المقصود لا يحصل، إلا بذي كفاية ودراية، وهداية إلى الأمور، واستقلال بالمهمات، وجر الجيوش، على ترك الرقة والإشفاق، ثم لا يكفي أن يسمى كافياً، فرب مستقل بأمر قريب، لا يستقل بأمر فوقه، فلتعتبر مقاصد الإمامة، وليشترط استقلال الإمام بها، فهذا معنى النجدة والكفاية (1).

وسئل الإمام أحمد بن حنبل (164 - 240 هـ‍/ 780 - 805 م) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر - وروي: بأقوام لا خلاق لهم، فإذا لم يكن فاجراً، كان أولى بإمارة الحرب، ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: إن خالداً سيف سله الله على المشركين، مع أنه كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم (2).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا:

____________

(1) الجويني: الغياثي ص 88 - 91.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 18 - 19.

الصفحة 74
أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين (1).

ولعل سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أدرك أن فعل خالد هذا، لم يكن من الإسلام، ولعله رأى أنه بقية من بقايا الجاهلية، ومن ثم فقد أسرع إلى رأب الصدع، ومداواة القلوب بالديات، روى ابن إسحاق بسنده عن الإمام محمد الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، فقال: يا علي، أخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي، حتى جاءهم، ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال، إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي، رضوان الله عليه، حين فرغ منهم، هل بقي لكم بقية من دم أو مال، لم يود لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل القبلة قائماً، شاهراً يديه، حتى إنه ليرى مما تحت منكبيه، يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات (2).

____________

(1) صحيح البخاري 9 / 91 - 92.

(2) سيرة ابن هشام 4 / 326، مغازي الواقدي 3 / 875 - 884 (تحقيق مارسدن جونس - عالم الكتب - بيروت 1404 هـ‍/ 1984).

ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد 3 / 415 - 416 (تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط - ط مؤسسة الرسالة - بيروت 1405 هـ‍/ 1985 م)، ابن سعد: الطبقات الكبرى 2 / 110 (دار التحرير - القاهرة 1968)، محمد أبو زهرة: خاتم النبيين 2 / 1018 - 1021 (دار الفكر العربي.

الصفحة 75
ويختم الجويني حديثه في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام، بأنه الرجل، الحر، القرشي، المجتهد، الورع، ذو النجدة والكفاية.

ثم يقول: ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين، فيقال: الورع الاستقلال والنسب، ويدخل تحت الاستقلال الكفاية، والعلم، والورع، والحرية، والذكورة تدخل أيضاً، فإن المرأة مأمورة بإن تلزم جدرها، ومعظم أحكام الإمام تستدعي الظهور والبروز، فلا تستقل المرأة إذن (1).

____________

(1) الجويني: المرجع السابق ص 90 - 91.

الصفحة 76

خامساً: عقد الإمامة

جاء في موسوعة فقه عثمان بن عفان: تنعقد الإمامة عند عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بأحد أمرين: المبايعة أو الغلبة.

1 - المبايعة: وبالمبايعة عقدت الإمارة للخليفتين أبي بكر وعمر، صحيح أن أبا بكر قد رشح عمر بن الخطاب للخلافة، ولكن عمر لم يعتبر نفسه خليفة، وحتى تلقى البيعة من المسلمين، وكانت البيعة لعثمان بن عفان، على نحو آخر، فقد جعل عمر بن الخطاب الإمارة بعده إلى واحد من ستة، يختار من بينهم بالشورى، وهم: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء بالتعيين، وقال: لا أتحمل أمركم حياً وميتاً، وإن يرد الله بكم خيراً، يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم.

ولما اجتمع هؤلاء الستة تنازل الزبير عن الإمارة لصالح علي بن أبي طالب، وتنازل سعد عن الإمارة إلى عبد الرحمن بن عوف، وتنازل طلحة لصالح عثمان بن عفان، فقال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان، أيكما يبرأ من هذا الأمر، فنفوض الأمر إليه، فسكتا، ولم يتنازل واحد منها للآخر، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد، فأولي أولاكما بالحق، فقالا: نعم، ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل،

الصفحة 77
وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، فقال كل منهما: نعم.

ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس فيهما، ويحصي الآراء، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فظهر له تفضيل الناس ولاية عثمان بن عفان، فاستدعاهما إلى المسجد، وأعلن البيعة لعثمان بن عفان، على ملأ من الناس، وبذلك صار عثمان بن عفان أميراً للمؤمنين بعد عمر بن الخطاب (1).

2 - الغلبة: عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يرى أنه إذا خرج رجل على الأمير، واستتب له الأمر، وصار معه الناس، أصبح أميراً شرعياً، لا تجوز مخالفته، فعن عبد الله بن رباح قال: دخلت أنا وأبو قتادة على عثمان وهو محصور، فاستأذناه في الحج، فأذن لنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين، قد حضر من أمر هؤلاء ما قد ترى، فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالجماعة، قلنا: فإنا نخاف أن تكون الجماعة مع هؤلاء الذين يخالفونك، قال: إلزموا، الجماعة حيث كانت، قال: فخرجنا من عنده، فلقيت الحسن بن علي داخلاً عليه، فرجعنا معه لنسمع ما يقول، قال: أنا هذا يا أمير المؤمنين، فأمرني بأمرك، قال: إجلس يا ابن أخي حتى يأتي الله بأمره، فإنه لا حاجة لي في الدنيا، أو قال: في القتال، وهذا واضح في أن من صارت الغلبة إليه، واجتمع عليه أمر الناس صار إماماً شرعياً (2).

ويقول الباقلاني: إنما يصير الإمام إماماً بعقد من يعقد له الإمامة من

____________

(1) محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عثمان بن عفان - نشر جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1404 هـ‍/ 1983 ص 72 - 73، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 145 ثم قارن: (محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب ص 163 - 173 من الجزء الأول - بيروت 1990).

(2) موسوعة فقه عثمان بن عفان ص 74، مصنف عبد الرازق 11 / 447.

الصفحة 78
أفاضل المسلمين، الذين هم من أهل الحل والعقد، والمؤتمنين على هذا الشأن، وذلك عن طريق اختيار من تتوفر فيه شروط الإمامة.

ولعل السبب في ذلك أن اجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار المسلمين بصقع واحد، وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع، وأن الله تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع، الذي لا يصح فعله ولا تركه، هذا فضلاً عن أن سلف الأمة لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، حضور جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين، ولا في المدينة أيضاً، وأن عمر بن الخطاب رد الأمر إلى ستة أنفار فقط، وإن كان في غيرهم من يصلح للعقد، وأن أبا بكر عقد لعمر، فتمت إمامته.

هذا ويذهب الباقلاني إلى عدم اشتراط عدد معين لحضور عقد الإمام، فإن حضر نفر من المسلمين تمت البيعة، وقال قوم: إن أقل ما يجب أن يحضر أربعة نفر، ولكن الباقلاني يرى أن هذا ليس بواجب، ولا يملك الرجل من أهل الحل والعقد، عقد الإمامة لنفسه.

وإذا عقد جماعة من أهل الحل والعقد لعدة أئمة في بلدان مختلفة متفرقة، وكانوا كلهم يصلحون للإمامة، فإذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود، وتؤملت، ويقر من بدئ بالعقد له، ويقال للباقين: إنزلوا عن الأمر، فإن فعلوا، وإلا قوتلوا على ذلك، وكانوا عصاة في المقام عليها، وإذا لم يعرف الأسبق، وادعى كل واحد منهم أن العقد سبق له، أبطلت سائر العقود، واستؤنف العقد لواحد منهم، أو من غيرهم، وإن أبوا ذلك، قاتلهم الناس عليه، فإن تمكنوا، وإلا فهم في غلبة وفتنة، وعذر من ترك إمامة الإمام، وإن تمكن من العقد لغيرهم، فعل ذلك، وكان الإمام المعقود له حرباً لسائر هؤلاء، حتى يذعنوا، ويرجعوا إلى الطاعة والسداد (1).

____________

(1) القاضي أبو بكر الباقلاني: تمهيد الأوائل، وتلخيص الدلائل - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر - بيروت 1987 ص 467 - 470.

الصفحة 79
وأما عقد الإمامة - عند ابن حزم - فبوجوه: أولها، وأفضلها وأصحها: أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره، إماماً بعد موته - سواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته - إذ لا نص، ولا إجماع، على المنع من أحد الوجوه - كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر -.

والثاني: إن مات الإمام، ولم يعهد إلى أحد، أن يبادر رجل مستحق للإمامة، فيدعو لنفسه، ولا منازع له، ففرض أتباعه، والانقياد لبيعته، والتزام إمامته وطاعته، كما فعل علي، إذ قتل عثمان.

والثالث: يعهد الإمام عند وفاته اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة، أو إلى أكثر من واحد، كما فعل عمر رضي الله عنه، وقد انعقد الإجماع بالنسبة للطريقة الأخيرة، على عدم جواز أن يؤخر اختيار الخليفة أكثر من ثلاث ليال، منذ اللحظة التي مات فيها الخليفة، استدلالاً بما أشار به عمر على المسلمين في هذا النطاق (1).

ويعقب الدكتور أحمد صبحي في كتابه الزيدية على ذلك، بأن كلام ابن حزم، إنما ينطوي على مجموعة أخطاء تاريخية وتشريعية.

فأما الأخطاء التاريخية: فاعتباره تولية أبي بكر نصاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما لم تقل به فرقة من المسلمين - عدا البكرية للرد على الشيعة - هذا إلى جانب إشارته إلى أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما قد نصب نفسه خليفة، والحقائق التاريخية تقول: إن الناس قد انثالوا عليه من كل جانب يبايعونه، بعد مقتل عثمان، ودون إكراه من أحد، وقد كان أولى بابن حزم أن يعد هذه أصح طرق البيعة (2).

____________

(1) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل - الجزء الخامس - (ط محمد علي صبيح - القاهرة 1964) ص 9 - 10.

(2) أحمد محمود صبحي: الزيدية - منشأة المعارف - الإسكندرية 1980 ص 26 - 27.

الصفحة 80
هذا فضلاً عن أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد روي عنه أنه قال:

إن بيعة أبي بكر، كانت فلتة، وقى الله شرها (1)، بل إن هناك رواية تنسب الجملة نفسها إلى أبي بكر، وليس إلى عمر، رضي الله عنها (2)، ولعل أجمل تفسير لكلمة الفاروق عمر، رضوان الله عليه، ما ذهب إليه الدكتور طه حسين (1889 - 1973 م) من أن بيعة أبي بكر لم تتم في أول أمرها عن ملأ من جماعة المسلمين، وعن تشاور، وإحالة للرأي وإنما تمت فجأة (3)، حين اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وهمت أن تؤمر سعداً، وحين حاورهم أبو بكر وصاحباه، فهناك رشح أبو بكر للأنصار عمر، أو أبا عبيدة، وكره هذان أن يتقدما عليه، فأسرعا إلى بيعته، وتبعهم الأنصار، ثم تتام الناس على البيعة بعد ذلك، ولو لم يجتمع الأنصار، ويهموا بتأمير سعد، لجرى أمر البيعة غير هذا المجرى، ثم انتظر الناس بها، حتى يفرغوا من دفن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا اجتمع أهل الرأي من المهاجرين والأنصار، فتذاكروا أمرهم وأمر المسلمين، واختاروا من بينهم خليفة لرسول الله. ومن أجل ذلك كانت بيعة أبي بكر فلتة - فيما روي عن عمر - وقد وقى الله شرها، لأن المسلمين لم ينكروا هذه البيعة، ولم يجادل فيها مجادل منهم، ولا تردد فيها متردد (4)، وإنما أقبلوا فبايعوا أبا بكر راضية

____________

(1) صحيح البخاري 8 / 208 - 210، البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 583 - 584 (تحقيق محمد حميد الله - القاهرة 1959)، تاريخ اليعقوبي 2 / 158 (دار بيروت - بيروت 1400 هـ‍/ 1980 م)، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 67 (تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - القاهرة 1383 هـ‍/ 1964 م)، تاريخ الطبري 3 / 205 (دار المعارف 1979)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 327 (دار صادر، دار بيروت - بيروت 1385 هـ‍/ 1965 م)، المرتضى: الشافي في الإمامة 1 / 241 - 244 (طهران 1301 هـ‍)، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 26 - 40 (دار الفكر - بيروت 1399 هـ‍/ 1979 م)، طه حسين: الشيخان - القاهرة 1992 / 1993 م ص 38.

(2) شرح نهج البلاغة 2 / 50.

(3) يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2 / 26): وقد أكثر الناس في حديث الفلتة، وذكرها شيوخنا المتكلمون، فقال شيخنا أبو علي، رحمه الله تعالى، الفلتة: ليست الزلة والخطيئة، بل هي البغتة، وما وقع فجأة من غير رؤية ولا مشاورة.

(4) هذا غير صحيح طبقاً لما أوردته المصادر التاريخية، بل والحديثية (أنظر) محمد بيومي مهران:

(الإمام علي بن أبي طالب 1 / 145 - 163 بيروت 1990 م).

الصفحة 81
نفوسهم، مطمئنة إليه قلوبهم وضمائرهم، ثم نصحوا له بعد ذلك، ما عاش فيهم، فلما مرض مرضه الذي توفي فيه، أوصى لعمر بالخلافة على النحو الذي رواه المؤرخون (1).

هذا من الناحية التاريخية، وأما من الناحية التشريعية، فمن الأخطاء، منها: هل يمكن أن يقام حكم شرعي، واجب الطاعة، على مجرد عدم المنع، كما أشار في حديثه عن عهد الخليفة إلى من يليه، وإذا كانت الشرعية لا تمنعه، فهل هذا يجعله أصح وأفضل الطرق الشرعية.

ثم، وهل مجرد تحديد عمر المدة التي ينبغي أن لا يتأخر عنها تولي الخليفة - وهي ثلاثة أيام - هل يصح أن يوصف ذلك بأن الإجماع قد انعقد عليه.

وفي الواقع أن مصادر التشريع أربعة معروفة، ولما لم يكن منها عمل الصحابي، فقد سماه ابن حزم إجماعاً.

وعلى أية حال: فخلاصة القول - فيما يرى الدكتور أحمد صبحي - أنه لا مجال لاستنباط أحكام شرعية من تولي الخلفاء الراشدين، إلا على هذا النحو من التكلف والافتعال، هذا وينبغي التمييز بين جانبين: الجانب الإنساني الفردي، وقد كان في العصور الأولى للإسلام شخصيات، تعد دونما ريب، مثلاً أعلى في السياسة والحكم، فضلاً عن الدين والخلق - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -.

وأما الجانب التشريعي التقنيني الذي يقوم أحكاماً عامة تصلح على مدى الزمن، وهذا ما كان غائباً تماماً. وقد لزم عن هذا الفراغ نتيجتان: الأولى:

____________

(1) طه حسين: الشيخان ص 39 - 40.

الصفحة 82
سهولة تحول الخلافة إلى الملك العضوض القائم على الغلبة ليس غير، والثانية: غياب تشريع يلتزم به الواقع والتطبيق (1).

هذا ويذهب ابن أبي الحديد (2) إلى أن الإمامة لا يشترط في صحة انعقادها أن يحضر الناس كافة، لأنه لو كان ذلك مشترطاً لأدى إلى أن لا تنعقد إمامة أبداً، لتعذر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض، ولكنها تنعقد بعقد

____________

(1) أحمد صبحي: الزيدية ص 26 - 27.

(2) ابن أبي الحديد: هو عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني، أحد جهابذة العلماء، وأثبات المؤرخين، كان فقيهاً أصولياً، وله في ذلك مصنفات معروفة مشهورة، وكان متكلماً جدلياً نظاراً، اصطنع مذهب الاعتزال، وعليه جادل وناظر، وكان أديباً ناقداً، خبيراً بمحاسن الكلام ومساوئه، وكتاب الفلك الدائر على المثل السائر دليل على رسوخ قدمه في نقد الشعر، وفنون البيان، كما كان متقناً لعلوم اللسان، عارفاً بأخبار العرب، جامعاً لخطبها ومنافراتها.

ولد في المدائن في غرة ذي الحجة عام 586 هـ‍، ونشأ بها، وتلقى على شيوخها، ودرس المذاهب الكلامية فيها، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها، وكان الغالب على أهل المدائن التشيع، فتشيع مثلهم، وحينما انقضت أيام صباه، خف إلى بغداد - حاضرة الخلافة - واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب، ثم جنح إلى الاعتزال، وأصبح - كما يقول صاحب نسمة البحر - معتزلياً جاحظياً في أكثر شرحه لنهج البلاغة، بعد أن كان شيعياً، وفي بغداد نال الحظوة عند الخلفاء العباسيين - وكانوا يضطهدون آل بيت الإمام علي - فأخذ ابن أبي الحديد جوائز بني العباس، ونال عندهم سني المراتب، ورفيع المناصب، فكان كاتباً في دار التشريفات، ثم في الديوان، ثم ناظر البيمارستان، وأخيراً فوض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد، وفي كل ذلك كان مرموق الجانب، عزيز المحل، كريم المنزلة، إلى أن مات في عام 656 هـ‍على رأي، 655 هـ‍ على رأي آخر، وذكر ابن الفوطي أنه أدرك سقوط بغداد عام 656 هـ‍، وأهم مصنفاته:

1 - الاعتبار على كتاب الذريعة في أصول الشريعة.

2 - انتقاد المستصفى للغزالي.

3 - الحواشي على كتاب المفصل في النحو.

4 - شرح المحصل للإمام فخر الدين الرازي.

5 - شرح مشكلات الغرر لأبي الحسن البصري في أصول الكلام.

6 - ديوان شعره.

7 - شرح الياقوت لابن نوبخت في الكلام.

8 - الفلك الدائر على المثل السائر - ألفه برسم الخليفة المستنصر.

9 - نقض المحصول في علم الأصول للإمام فخر الدين الرازي.

10 - شرح نهج البلاغة، وغيرهما. (شرح نهج البلاغة (1 / 13 - 22).

الصفحة 83
العلماء وأهل الحل والعقد الحاضرين، ثم لا يجوز بعد عقدها لحاضريها، أن يرجعوا من غير سبب يقتضي رجوعهم، ولا يجوز لمن غاب عنها، أن يختار غير من عقد له، بل يكون محجوجاً بعقد الحاضرين، مكلفاً طاعة الإمام المعقود له، وعلى هذا جرت الحال في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وانعقد إجماع المسلمين عليه (1).

وفي الواقع إن هذا الاتجاه لا يعدو أن يكون تفسيراً لقول سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث يقول: وبعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس، ما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار (2).

وأما عقد الإمامة - عند الماوردي - طبقاً لاختيار الخلفاء الراشدين، فهناك طريقان: أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد - كما وقع بالنسبة لأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والثاني: بعهد الإمام من قبل - كما وقع بالنسبة لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه -.

وأما الأولى: وهي اختيار أهل الحل والعقد، فلقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة. فذهب رأي إلى أنها لا تنعقد، إلا بجمهور أهل الحل والعقد في كل بلد، ليكون الرضا به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مدفوع ببيعة أبي بكر بالخلافة، باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب أصحابه إلى أنها تنعقد باجتماع خمسة، أو يعقدها أحدهما برضاء الأربعة، استدلالاً بأمرين: أحدهما: أن بيعة أبي بكر، انعقدت بخمسة، اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها - وهم

____________

(1) شرح نهج البلاغة 9 / 329.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 / 38، وانظر: الإمام محمد عبده: نهج البلاغة ص 199 (دار الشعب - القاهرة 1970 م).

الصفحة 84
عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة، وأما الأمر الثاني: فإن عمر بن الخطاب، جعل الشورى في ستة، ليعقد لأحدهم، برضاء الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

وهناك وجه ثالث للنظر، يذهب أصحابه إلى أن الإمامة إنما تنعقد بثلاثة، يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حكماً وشاهدين - كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين.

على أن هناك وجهاً رابعاً للنظر، يذهب أصحابه إلى أنها تنعقد بواحد، لأن العباس بن عبد المطلب قال لعلي، رضي الله عنهما: أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايع ابن أخيه، فلا يختلف عليك اثنان ولأنه حكم، وحكم الواحد نافذ (1).

غير أن هناك من اعترض على هذه الآراء، لأسباب منها (أولاً): أن بيعة أبي بكر لم تنعقد بخمسة، اجتمعوا عليها، وإنما انعقدت في اجتماع سقيفة بني ساعدة، وفيها جمع من الأنصار، وعدد من المهاجرين، انتهى إلى بيعة أبي بكر بالخلافة.

ومنها (ثانياً) أن حصر عمر بن الخطاب الشورى في ستة، لا يعني أن العدد مقصود بذاته، وإنما كان لأن هؤلاء الستة، هم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ولو لا قرابة سعيد بن زيد من عمر بن الخطاب - ابن عمه، وزوج أخته فاطمة - لأدخله فيهم، ولكانوا سبعة، ولكنه أخرجه من أهل الشورى تورعاً من أن يختاره لقرابته له، ولو كان ما تبقى من العشرة المبشرين بالجنة، أقل من ستة، لحصر الاختيار فيهم، فالعبرة إذن ليست بالعدد هنا، وإنما بالخيرية والفضل.

____________

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 - 7 (دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍/ 1982 م).


الصفحة 85
ومنها (ثالثاً) أن القول بانعقاد الإمامة بثلاثة، قياساً على عقد النكاح، إنما هو قياس مع الفارق، وأما القول بانعقاد الإمام بواحد، طبقاً لقول العباس، رضي الله عليه، للإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة أمدد يدك أبايعك... الخ، فالرد عليه: أن الإمام علي عليه السلام، لم يقبل ذلك العرض.

ومن ثم فأهم ما يجب في اختيار الخليفة: الالتزام بالشورى، والانقياد لرأي الجماعة (1).

ويقول البغدادي: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد، وقالوا: تنعقد الإمامة بمن يعقدها لمن يصلح للإمامة، إذا كان العاقد من أهل الاجتهاد والعدالة.

وقالوا: لا تصح الإمامة إلا لواحد في جميع أرض الإسلام، إلا أن يكون بين الصقعين حاجز من بحر، أو عدو لا يطاق، ولم يقدر أهل كل واحد من الصقعين على نصرة أهل الصقع الآخر، فحينئذ يجوز لأهل الصقع عقد الإمامة لواحد يصلح لها منهم (2).

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني في الغياثي (3): إن الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة، فلقد صحت بيعة أبي بكر، فقضى وحكم، وأبرم وأمضى، وجهز الجيوش، وعقد الألوية، وجر العساكر إلى مانعي الزكاة، وجبى الأموال، وفرق منها، ولم ينتظر في تنفيذ

____________

(1) محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 1 / 151 - 152 (دار النهضة العربية بيروت 1990).

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي: الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ص 349 - 350 (دار المعرفة - بيروت).

(3) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة 1400 هـ‍ص 67.

الصفحة 86
الأمور، انتشار الأخبار في أقطار خطة الإسلام، وتقرير البيعة من الذين لم يكونوا في بلد الهجرة، وكذلك جرى الأمر في إمامة الخلفاء الأربعة.

وعلى أية حال، فلقد انقسم العلماء فيمن تنعقد بهم الإمامة، فذهب بعض العلماء إلى أن الإمامة إنما تنعقد ببيعة اثنين من أهل الحل والعقد، واشترط طوائف عدد أكمل البينات في الشرع، وهو أربعة، على أن هناك بعض من لا يعد من أحزاب الأصوليين، إنما يذهب إلى اشتراط أربعين، وهو عدد الجمعة، عند الإمام الشافعي، رضي الله عنه.

وهذه المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة، فأما من ذكر اثنين، إنما تخيل أن هذا العدد، أقل الجمع، فلا بد من اجتماع جمع على البيعة.

ومن شرط أربعة قال: إن الإمامة من أعلى الأمور، وأرفع الخطوب، فيعتبر فيها عدد أعلى البيانات، ومن ادعى الأربعين، استمسك بقريب مما قدمناه، واعتبر من يقتدي بإمام المسلمين بمن يقتدي بإمام الجمعة.

وهذه المسالك من أضعف طرق الأشباه، وهي أدون فنون المقاييس في الشرع، ولست أرى أن أحكم بها في مواقع الظنون، ومظان الترجيح والتلويح، فما الظن بمنصب الإمامة؟ ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع، لم يعدم وجوهاً بعيدة عن التحصيل في التشبيه (1).

وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر الباقلاني (2) عن أبو الحسن

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 67 - 69.

(2) الباقلاني: هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلاني، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري، مؤيداً اعتقاده، ناصراً طريقته، سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام، توفي لسبع بقين من ذي القعدة عام 403 هـ‍، وأشهر مؤلفاته إعجاز القرآن وانظر عن ترجمته (وفيات الأعيان 4 / 269 - 270، تاريخ بغداد 5 / 379، شذرات الذهب 3 / 168، العبر للذهبي 3 / 86، الوافي 3 / 177، المنتظم 7 / 265).

الصفحة 87
الأشعري (1)، وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل الحل والعقد (2).

ووجه هذا المذهب أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة، ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص، والعقود في الشرع مولاها (أو يتولاها) عاقد واحد، وإذا تعدى المتعدي الواحد، فليس عدد أولى من عدد، ولا وجه للتحكيم في إثبات عدد مخصوص، فإذا لم يقم دليل على عدد، لم يثبت العدد، وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطاً، فانتفى الإجماع، وبطل العدد بانعدام الدليل عليه، فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد الواحد.

وظاهر قول القاضي أبو بكر الباقلاني يشير إلى أن ذلك مقطوع به، وهذا - وإن كان أظهر المذاهب في ذلك - فلسنا نراه بالغاً مبلغ القطع.

ثم يقول إمام الحرمين الجويني: والذي أراه أن أبا بكر لما بايعه عمر، لو ثار ثائرون، وأبدوا صفحة الخلاف، ولم يرضوا تلك البيعة، لما كنت أجد متعلقاً في أن الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد، وكذلك لو فرضت بيعة اثنين، أو أربعة فصاعداً، وقدرت ثوران مخالفين، لما وجدت متمسكاً به اكتراثاً واحتفالاً، في قاعدة الإمامة، ولكن لما بايع عمر تتابعت الأيدي، واصطفقت الأكف، واتسعت الطاعة، وانقادت الجماعة.

____________

(1) أبو الحسن الأشعري: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم، ينتهي نسبه الصحابي أبي موسى الأشعري، ولد في عام 260 هـ‍أو 270، وتوفي 324 هـ‍، وقيل 330 هـ‍وقيل 333 هـ‍في بغداد، وكان في أول أمره معتزلياً، ثم رجع عنهم، وأصبح عدواً لهم، وانظر عن ترجمته (وفيات الأعيان 3 / 284 - 286، تاريخ بغداد 11 / 346، طبقات الشافعية الكبرى 2 / 446، شذرات الذهب 3 / 285، ميزان الاعتدال 3 / 155، طبقات السبكي 3 / 303، طبقات المفسرين ص 25).

(2) لكن هذا يعارض ما ذهب إليه الفاروق عمر في قوله: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها، فلا بيعة إلا عن مشورة، وأيما رجل بايع رجلاً، عن غير مشورة، فلا يؤمر واحد منهما، لغرة أن يقتلا (ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 12 / 147، الفائق 2 / 297).

الصفحة 88
والوجه عندي في ذلك، أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع، تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف، لما غلب على الظن أن يصطدم أتباع الإمام، فإذا تأكدت البيعة، وتأطدت بالشوكة والعدة والعدد، واعتضدت، وتأيدت بالمنة، واستظهرت بأسباب الاستيلاء، والاستعلاء، فإذا تثبت الإمامة وتستقر، وتتأكد الولاية وتستمر، ولما بايع عمر مالت النفوس إلى المطالبة والموافقة، ولم يبد أحد شراساً وشماساً، وتظاهروا على بذل الطاعة على حسب الاستطاعة (1).

ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة إلى أن الإمامة إنما تنعقد بثلاث طرق، تترتب على كل طريق جملة من الأحكام، كالتالي:

1 - الطريق الأول: البيعة:

وهو أن يجتمع أهل الحل والعقد، ويعقدون الإمامة لمن يستجمع شرائطها، ويتأتى ذلك في موضعين:

الأول: أن يموت الخليفة الذي كان منتصباً، عن غير عهد إلى أحد بعده.

والثاني: أن يخلع الخليفة نفسه من الخلافة، أو يخلعه أهل الحل والعقد، لموجب اقتضى خلعه نفسه، أو خلع أهل الحل والعقد له.

هذا ويشترط لصحة عقد البيعة شروطاً خمسة:

الأول: أن يجتمع في المأخوذ له البيعة كل شروط الإمامة - الآنفة الذكر - فلا تنعقد مع فوات واحد منها، إلا مع الشكوة والقهر، فلو جمع شروط الإمامة اثنان فأكثر، قال الماوردي (2): فلو تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم لها

____________

(1) الجويني: الغياثي ص 69 - 71.

(2) الماوردي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، الفقيه الشافعي، كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصميري بالبصرة، ثم عن الشيخ أبي حامد الاسفرايني ببغداد، وكان حافظاً للمذهب وله في كتاب

=>


الصفحة 89
اختياراً أسنهما - وإن لم تكن زيادة السن، مع كمال البلوغ شرطاً - فإن بويع أصغرهما جاز، ولو كان أحدهما أعلم، والآخر أشجع، روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور، وظهور البغاة، كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى، لسكون الدهماء، وظهور أهل البدع، كان الأعلم أحق، فإن وقف الاختيار على واحد من اثنين، فتنازعاها، فقد قال بعض الفقهاء يكون قدحاً لمنعهما منها، ويعدل إلى غيرهما، والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن التنازع فيها لا يكون قدحاً مانعاً، وليس طلب الإمامة مكروهاً، فقد تنازع فيها أهل الشورى، فما رد عنها طالب، ولا منع منها راغب (1).

والثاني: أن يكون المتولي لعقد البيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس، وفيمن تنعقد به البيعة منهم سبعة مذاهب:

أولها: أنها لا تنعقد إلا بأهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضى عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً وهذا مدفوع ببيعة أبي بكر، رضي الله عنه، باختيار من حضرها، من غير انتظار قدوم غائب عنها.

____________

<=

الحاوي الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب، وقد فوض إليه القضاء في بلاد كثيرة، وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ بغداد.

وأهم تصانيف الماوردي: الحاوي وتفسير القرآن الكريم والنكت والعيون وأدب الدين والدنيا والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك والإقناع في المذهب وغير ذلك، كما صنف كثيراً في أصول الفقه والأدب، فقد كان إماماً في الفقه والأصول والتفسير، بصيراً بالعربية، وانظر عنه (ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 3 / 285 - 287، وفيات الأعيان 3 / 282 - 284، تاريخ بغداد 11 / 346، المنتظم 6 / 332، طبقات السبكي 2 / 245، خطط المقريزي 2 / 359، البداية والنهاية لابن كثير 11 / 187، غير الذهبي 2 / 202، الجواهر المضيئة 1 / 353).

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍/ 1982 ص 7.

الصفحة 90
وثانيها: أن أقل من تنعقد بهم أربعون - لا دونهم - لأن عقد الإمامة فوق عقد الجمعة، ولا تنعقد بأقل من أربعين.

وثالثها: أقل من تنعقد به خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضى الأربعة، لأن بيعة أبي بكر، رضي الله عنه، انعقدت بخمسة - وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة - ثم تابعهم الناس على ذلك، وقد جعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شورى في ستة نفر، تنعقد لأحدهم برضى الخمسة.

ورابعها: تنعقد بأربعة، لأن الشهادة في الزنا تقوم بأربعة، فكذلك الإمامة.

وخامسها: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين الآخرين، ليكونوا حكماً وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين.

وسادسها: تنعقد باثنين، لأن رتبة الخلافة لا تنقص عن رتبة الحكومات، والحاكم لا يلزم أحد الخصمين حق صاحبه إلا بشهادة عدلين، فكذلك لا يلزم الناس الانقياد لقول الإمام إلا بعدلين.

وسابعها: تنعقد بواحد، لما روي أن العباس رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس:

عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايع ابن أخيه، فلا يختلف فيه اثنان، وقد قيل: إن بيعة الصديق، رضي الله عنه، انعقدت ببيعة عمر وحده، ولأنه حكم، وحكم الواحد نافذ.

ثم يضيف القلقشندي ثامناً، ويرى أنه الأصح عند أصحابه الشافعية، رضي الله عنهم، وهو: أن الإمامة تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع، من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس، المتصفين بصفات الشهود، حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى، لأن الأمر، إذا لم يكن

الصفحة 91
صادراً عن رأي من له تقدم في الوضع، وقول مقبول، لم تؤمن إثارة فتنة، ولا التفات إلى أهل البلاد النائية، بل إذا بلغهم خبر البيعة، وجب عليهم الموافقة والمتابعة.

والثالث: أن يجيب المبايع إلى البيعة، حتى لو امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها، قال النووي في الروضة: إلا أن يكون من لا يصلح للإمامة، إلا واحد، فيجبر بلا خلاف.

والرابع: الإشهاد على المبايعة، فيما إذا كان العاقد واحداً، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعاً، فإنه لا يشترط الإشهاد.

والخامس: أن يتحد المعقود له، بأن لا تعقد البيعة لأكثر من واحد (1)، واحتج له بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما (2).

وروى أيضاً بسنده عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه (3).

وروى أيضاً بسنده عن زياد بن علاقة قال: سمعت عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف، كائناً من كان (4).

وهكذا فلو عقدت البيعة لاثنين معاً، لم تنعقد لواحد منهما، فلو كانا في

____________

(1) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 / 39 - 46 (الكويت 1964).

(2) صحيح مسلم 12 / 242 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).

(3) صحيح مسلم 12 / 242.

(4) صحيح مسلم 12 / 241.

الصفحة 92
إقليمين متباعدين، ففيه وجهان عند الشافعية، أصحهما ما عليه الجمهور بطلان بيعتهما، وثانيهما: ما ذهب إليه أبو إسحاق الإسفراييني، واختاره إمام الحرمين، صحة بيعتهما جميعاً، لأنه قد تدعو الحاجة إلى ذلك - كما كانت الخلافة الأموية في الأندلس، والفاطمية في مصر والمغرب، مع قيام الخلافة العباسية في العراق -.

هذا وقد اختلف العلماء فيما إذا انفرد واحد بشروط الإمامة، هل تثبت إمامته بمجرد تفرده بها من غير عقد بيعة؟ ذهب فريق من العلماء إلى انعقاد إمامته - وإن لم يعقدها له أهل الحل والعقد - لأن المقصود من الاختيار، إنما هو تمييز من يستحق الولاية، وقد تميز هذا بصفته، وهذا ما نقله الماوردي عن بعض علماء أهل العراق.

على أن هناك من يرى أنها لا تنعقد، إلا بعقد أهل الحل والعقد، لأن الإمامة عقد، فلا يصح إلا بعاقد، كما لو انفرد واحد باستجماع شرائط القضاء، فإنه لا يصير قاضياً حتى يولي، وهو ما عليه جمهور الفقهاء، وعليه اقتصر الرافعي والنووي، المعتمد على ترجيحهما (1).

2 - الطريق الثاني: العهد:

كان الطريق الثاني من الطرق التي تنعقد بها الإمامة هو العهد، وهو أن يعهد الخليفة المستقر إلى غيره، ممن استجمع شرائط الخلافة بالخلافة بعده، فإذا مات العاهد انتقلت الخلافة بعد موته إلى المعهود إليه، ولا يحتاج مع ذلك إلى تجديد بيعة من أهل الحل والعقد، ولذلك حالتان:

الأولى: أن يعهد الخليفة بالخلافة من بعده إلى واحد فقط، فيجب الاقتصار عليه، والأصل في ذلك ما روي من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه

____________

(1) القلقشندي: المرجع السابق ص 46 - 48.

الصفحة 93
في مرضه الذي مات فيه، دعا عثمان بن عفان - وهو يومئذ كاتبه - فقال له:

أكتب، قال: ما كتب؟ قال: أكتب، هذا ما عهد أبو بكر، خليفة رسول الله، آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، أني أستخلف عليكم، ثم رهقته عينه فنام، فكتب: عمر بن الخطاب، ثم استيقظ أبو بكر فقال: هل كتبت شيئاً؟

قال: نعم، كتبت عمر بن الخطاب، فقال: أما إنك لو كتبت نفسك، لكنت لها أهلاً، ولكن اكتب: استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل، فذلك ظني به، وإن بدل أو غير، فلا علم لي بالغيب، والخير أردت بكم، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

ثم دخل عليه عمر فعرفه ذلك، فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر، رضي الله عنه، وقال: هاتوا سيفي، فقبل، ثم خرج عمر من عنده فدخل عليه طلحة، فبكى ولامه على تولية عمر، فانتهره أبو بكر، وقال: والله إن عمر خير لكم، وأنتم شر له، أتيتني وقد وكفت عينك تريد أن تصدني عن ديني، وتردني عن رأيي قم لا أقام الله رجلك (1).

هذا وقد اشترط العلماء لصحة الإمامة بالعهد شرطين: أحدهما أن يكون المعهود إليه مستجمعاً لشرائط الإمامة في وقت العهد، حتى لو كان المعهود إليه صغيراً، أو فاسقاً عند العهد، بالغاً عدلاً عند موت العاهد، لم يصر بذلك العهد إماماً، بل لا بد من مبايعة أهل الحل والعقد له بالخلافة.

وأما الشرط الثاني فهو أن يقبل المعهود إليه العهد، فلو امتنع المعهود إليه من القبول بويع غيره، وكأنه لا عهد.

____________

(1) أنظر عن استخلاف أبي بكر عمر بن الخطاب (تاريخ الطبري 3 / 428 - 430، الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 425 - 426، تاريخ اليعقوبي 2 / 136 - 137، تاريخ ابن خلدون 2 / 903 - 904 (دار الكتاب اللبناني - بيروت 1983)، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 20، ابن عبد ربه:

العقد الفريد 5 / 20 - 21 (بيروت 1983) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 211 - 212 (القاهرة 1964)، محمد حسين هيكل: الفاروق عمر 1 / 88 - 90 (القاهرة 1963).

الصفحة 94
هذا وقد اختلف في وقت قبول العهد، فقيل: بعد موت العاهد - كما يقبل الوصي الوصية بعد موت الموصي - والأصح أن وقته ما بين عهد الخليفة وموته، لتنتقل الإمامة عن العاهد إلى المعهود إليه مستقرة بالقبول.

هذا وقد اختلف العلماء في مدى جواز انفراد الخليفة بالعهد لولده أو والده، فذهب فريق إلى أنه ليس له الانفراد بذلك لواحد منها، بل لا بد من موافقة أهل الحل والعقد على صلاحية المعهود إليه للخلافة، لأن ذلك منه بمثابة التزكية ليجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة مجرى الحكم، وهو لا يجوز أن يحكم لوالد أو ولد.

على أن فريقاً آخر، إنما أجاز ذلك، لأنه أمير الأمة، نافذ الأمر لهم وعليهم، فغلب حكم المنصب على حكم النسب، ولم يجعل للتهمة عليه في ذلك طريقاً.

وهناك فريق ثالث، أجاز له الانفراد بذلك للوالد - دون الولد - لأن الطبع إلى الولد أميل منه إلى الوالد، ولذلك كان ما يقتنيه في الأغلب مذخوراً لولده، دون الوالد.

وأما إذا كان المعهود إليه أخاً، أو ابن أخ، أو عماً أو ابن عم، أو أجنبياً، فيجوز العهد بالخلافة إليه، من غير استشارة أحد من أهل الحل والعقد (1).

والحالة الثانية: أن يتعدد المعهود إليهم، بأن يكونوا اثنين فأكثر، وهي على ضربين:

الأول: أن يجعلها الخليفة شورى بينهم، لم يقدم فيها أحداً منهم على الآخر، فيختار أهل الحل والعقد واحداً، أو يخرج الجميع أنفسهم من العهد ويبقى واحد منهم.

____________

(1) القلقشندي: المرجع السابق ص 48 - 55.

الصفحة 95
والأصل في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عمر بن ميمون الطويل، وفيه: قالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن، وقال:

يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شئ، كهيئة التعزية له...

ثم يقول: فلما انتهوا من دفنه (أي عمر) اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: إجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله على أن لا ألو عن أفضلكم، قالا:

نعم، فإخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فالله عليك، لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن، ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: إرفع يدك يا عثمان فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه (1).

والثاني: أن يعهد إلى اثنين فأكثر، ويرتب الخلافة فيهم بأن يقول:

الخليفة بعدي فلان، فإن مات فالخليفة بعده فلان، وهكذا، والأصل في ذلك رواية البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن سعيد عن نافع عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد الله بن رواحة (2).

____________

(1) صحيح البخاري 5 / 19 - 22 (دار الجيل - بيروت).

(2) صحيح البخاري 5 / 181 - 182.

الصفحة 96
قال الماوردي: وإذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة، جاز مثله في الخلافة (2).

3 - الطريق الثالث: القهر والاستيلاء:

من الطريق التي تنعقد بها الإمامة: القهر والاستيلاء، فإذا مات الخليفة، فتصدى للإمامة من جمع شرائطها، من غير عهد إليه من الخليفة المتقدم، ولا بيعة من أهل الحل والعقد، انعقدت إمامته، لينتظم شمل الأمة، وتتفق كلمتهم.

وأما إن لم يكن جامعاً لشرائط الخلافة، بأن كان فاسقاً أو جاهلاً، فالرأي - عند الشافعية - انعقاد إمامته، لأنها إن لم تنعقد، فكذلك أحكامه لا تنعقد، وفي هذا ما فيه من الإضرار بالناس، من حيث أن من يلي بعده يحتاج إلى أن يقيم الحدود ثانية، كما يستوفي الزكاة، ويأخذ الجزية ثانية.

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب أصحابه إلى أن إمامته لا تنعقد، لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة، إلا باستكمال الشروط، فكذا بالقهر (2).

____________

(1) الماوردي: المرجع السابق ص 40.

(2) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 / 58 - 59 (الكويت 1964).

الصفحة 97

سادساً: طاعة الإمام

لا ريب في أن طاعة الإمام واجبة، قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) *، فأمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، وهم ولاة الأمور، على ما ذهب إليه كثير من المفسرين (1).

ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أهم الاتجاهات التي فسرت أولي الأمر بالحكام ولاة الأمور، جاء في تفسير المنار: وأما أولو الأمر، فقد اختلف فيهم، فقال بعضهم: هم الأمراء، واشترطوا فيهم ألا يأمروا بمحرم - كما في تفسير الجلال وغيره - والآية مطلقة، أي وإنما أخذوا هذا القيد من نصوص أخرى، كحديث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحديث إنما الطاعة في المعروف.

على أن هناك من يرى أن أولي الأمر، إنما هم العلماء، لكن العلماء يختلفون، فمن يطاع في المسائل الخلافية، ومن يعصى؟ وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة.

وقال الشيعة: إنهم الأئمة المعصومون ويذهب صاحب تفسير المنار إلى أن معنى أولي الأمر هم الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس، أو

____________

(1) تفسير الطبري (8 / 495 - 499، تفسير ابن كثير 1 / 872 - 785، تفسير النسفي 1 / 232، تفسير القرطبي ص 1828 - 1833.

الصفحة 98
مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضاً، فكيف يؤمر بطاعتهم بدون قيد ولا شرط.

وقال الإمام محمد عبده (1266 - 1323 هـ‍/ 1849 - 1905 م) أن المراد بأولي هم جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء، والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجة والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر - أو حكم - وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا أمناء، وأن لا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر، واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة، وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه، ووقوف عليه، وأما العبادات، وما كان من قبيل الاعتقاد الديني، فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد، بل هو مما يؤخذ عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقط، ليس لأحد رأي فيه، إلا ما يكون في فهمه.

فأهل الحل والعقد إذن، إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة، ليس فيه نص عن الشارع - مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه - فطاعتهم واجبة، ويصح أن يقال: هم معصومون في هذا الإجماع، ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط، مع اعتبار الوصف والإتباع المفهوم من الآية.

وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة رضي الله عنهم، وغيره من المصالح التي أخذ بها برأي أولي الأمر من الصحابة، ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.

ويقول الإمام محمد عبده: إن النيسابوري سبقه إلى اعتبار أهل الحل والعقد هم أولو الأمر، فيقول: وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب، تعين أن يكون المعصوم كل الأمة، أي أهل الحل والعقد، وأصحاب الاعتبار والآراء، فالمراد بقوله وأولي الأمر، ما اجتمعت الأمة عليه.


الصفحة 99
وقول النيسابوري: أهل الحل والعقد، وأصحاب الاعتبار، هو بمعنى قول الأستاذ الإمام، الذي أدخل فيه أمراء الجند ورؤساء المصالح، وهذا هو المعقول، لأنه مجموع هؤلاء هم الذين تثق بهم الأمة، وتحفظ مصالحها، وباتفاقهم يؤمن عليها من التفريق والشقاق، ولهذا أمر الله بطاعتهم، لا لأنهم معصومون من الخطأ، فيما يقررونه.

ويلخص الرازي الآراء المأثورة عن علماء التفسير في أولي الأمر - وهي أربعة:

1 - الخلفاء الراشدون.

2 - أمراء السرايا، وهم قواد العسكر. خاصة عند عدم خروج الإمام على رأس العسكر.

3 - علماء الدين الذين يفتون ويعلمون الناس دينهم.

4 - الأئمة المعصومون (أئمة أهل البيت).

ويذهب الرازي إلى أن حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى - مما ذكر آنفاً - ويدل عليه وجوه:

الأول: أن الأمراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر، أما أهل الإجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى.

والثاني: أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء، لا بأهل الإجماع.

والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد

الصفحة 100
عصا الله، ومن عصى أميري فقد عصاني (1). وأياً ما كان الأمر، فالذي لا ريب فيه: أن الإمام - أو الخليفة - إنما هو أعظم ولاة الأمور، لعموم ولايته، فهو أحق بالطاعة، وأجدر بالانقياد لأوامره ونواهيه - ما لم يخالف أمر الشرع - سواء أكان عادلاً، أو جائراً.

روى البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام) قول الله تعالى:

* (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني (2).

وروى البخاري أيضاً بسنده عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة (3).

وروى البخاري أيضاً بسنده عن الجعد عن أبي رجاء عن ابن عباس يرويه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً، فيموت، إلا مات ميتة جاهلية (4).

وروى البخاري أيضاً بسنده عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وأمر عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن تطيعوني؟ قالوا:

____________

(1) تفسير المنار 5 / 146 - 158 (الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1973).

(2) صحيح البخاري 9 / 77.

(3) صحيح البخاري 9 / 78.

(4) صحيح البخاري 9 / 78.

الصفحة 101
بلى، قال: عزمت عليكم، لما جمعتم حطباً، وأوقدتم ناراً، ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم، فراراً من النار، أفندخلها، فبينما هم كذلك، إذ خمدت وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو دخلوها، ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني (2).

وفي رواية: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك (4).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي أوصاني: أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف (5).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن يحيى بن حصين قال: سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: ولو

____________

(1) صحيح البخاري 9 / 78 - 79.

(2) صحيح مسلم 12 / 223.

(3) صحيح مسلم 12 / 223.

(4) صحيح مسلم 12 / 224.

(5) صحيح مسلم 12 / 225.

الصفحة 102
أستعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا (1).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وأكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة (2).

وروى البيهقي في سننه بسنده عن مروان بن الحكم قال: سمعت عثمان وعلياً بين مكة والمدينة وعثمان ينهي عن المتعة، وأن يجمع بينهما - أي بين الحج والعمرة - فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً، فقال: لبيك اللهم عمرة وحجة معاً، فقال عثمان: تراني أنهى الناس عنهما، وتفعل أنت؟ فقال علي: لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول أحد من الناس (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث جيشاً، وأمر عليهم رجلاً، فأوقد ناراً، وقال: أدخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون:

إنا قد فررنا منها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها، لو دخلتموها، لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين قولاً حسناً، وقال:

لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف (4).

وروى مسلم أيضاً بسنده عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وإلى أثرة علينا، وعلى أن

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 225.

(2) صحيح مسلم 12 / 226.

(3) سنن البيهقي 5 / 22، محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عثمان بن عفان - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة ص 80 (مكة 404 أ / 1983 م).

(4) صحيح مسلم 12 / 226 - 227. وانظر: تفسير القرطبي ص 1830.

الصفحة 103
لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق، أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم (1).

وفي تفسير القرطبي: قال سهل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير، ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين فسد دنياهم وأخراهم (2).

وهكذا فإن من عصى الإمام فقد عصى الرسول، ومن عصى الرسول فقد عصى الله تعالى، ومن حارب الإمام، فقد حارب الله والرسول، وأجدر بمن حارب الله والرسول، أن يبوء بإثم عظيم، قال الله تعالى: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً * أن يقتلوا أو يصلبوا * أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (3).

وروى أبو داود والنسائي في سننهما بسنده عن أنس بن مالك أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في آثارهم، فجئ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة، قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا، ونزلت * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - الآية) * (4).

____________

(1) صحيح مسلم 12 / 227 - 228.

(2) تفسير القرطبي ص 1830 - 1831.

(3) سورة المائدة: آية 33. وانظر: تفسير القرطبي ص 2144 - 2155، تفسير المنار 6 / 291 - 304، تفسير ابن كثير 2 / 74 - 83، تفسير الطبري 10 / 243 - 289، تفسير النسفي 1 / 282 - 283.

(4) سنن أبي داود 4 / 130 - 131 (حديث رقم 4364، رقم 4369)، تحفة الأحوذي 1 / 242، سنن النسائي 7 / 93، تفسير ابن كثير 7 / 93،

الصفحة 104
والآية الشريفة جعلت المحاربين أربعة أنواع: محارب قتل فجزاؤه القتل، ومحارب قتل وسرق فجزاؤه الصلب، ومحارب سرق فجزاؤه القطع ومحارب أخاف السبيل، فجزاؤه النفي.

وقال بعض الفقهاء: لا توزيع في هذه العقوبات، وللإمام أن يحكم بأية واحدة، حسبما يراه من المصلحة، وإن كانت لهم فئة يرجعون إليها، كانوا بغاة، ولهم أحكام خاصة.

ثم ذكر سبحانه وتعالى في الآية التالية مباشرة: أنه من تاب من قبل القدرة عليه، فقد عفا الله عنه، ومن ثم فيلزم الإمام أن يدعوهم إلى طاعته، قبل أن يبدأهم بالقتال، وقد فعل ذلك سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة، مع من خرجوا عليه من الحروريين (خوارج)، بل ومن خرجوا قبلهم، من أهل الجمل وصفين (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك من العلماء من لم يفرق بين طاعة الأمير، في غير معصية الله، وبين استذلال الأمير للناس وقهرهم، وربما كان الأفظع والأدهى من ذلك ما نقرأه من تبرير لتسلط هؤلاء على الأمة، حتى انبرى بعضهم لتبرير مواقف بعض الحكام الظلمة، بل لا يجيز الخروج على الفاسق، كما فعل حجة الإسلام الإمام الغزالي (450 - 505 هـ‍/ 1058 - 1111 م)، وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك (ت 406 هـ‍) - المتكلم الأصولي -.

هذا وقد جوز ابن فورك بعثة من كان كافراً، وقال الغزالي في المنحول

____________

(1) تفسير ابن كثير 2 / 81 - 82، محمد بيومي طهران: الإمام علي بن أبي طالب 1 / 148 - 149، (دار النهضة العربية - بيروت 1990 م).

الصفحة 105
في الأصول: والمختار ما ذكره القاضي، وهو أنه لا يجب عقلا عصمتهم (أي الأنبياء)، إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا بنظره، وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة، فإن مدلول صدق اللهجة، بما يخبر عن الله تعالى، لا عمداً ولا سهواً، ومعنى التنفير باطل، فإنا نجوز أن ينبئ الله تعالى كافراً، ويؤيده بالمعجزة.

وقال بعض الحشوية: إن نبينا صلى الله عليه وسلم، كان كذلك، لقوله تعالى: * (ووجدك ضالاً فهدى) * (1).

وكان من نتائج ذلك أن تقرأ في كتبنا نحن المسلمين: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وبطنك، وأخذ مالك، وأن الخلافة تنعقد بالقهر

____________

(1) ذهب قوم من المرجئة، وابن الطيب الباقلاني من الأشعرية، ومن اتبعه، إلى أن الرسل غير معصومين، إلا من الكذب في التبليغ، فإنه لا يجوز عليهم، وذهبت طائفة إلى أن الرسل لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلاً، وجوزوا عليهم الصغائر.

وذهب جمهور أهل الإسلام - من أهل السنة والمعتزلة والشيعة والخوارج - إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلاً معصية عن عمد، لا صغيرة ولا كبيرة، ويقول ابن حزم: إنه يقع من الأنبياء السهو بغير قصد، ويقع منهم أيضاً قصد الشئ، يريدون به وجه الله، والتقريب منه، فيوافق خلاف مراد الله، إلا أنه سبحانه وتعالى، لا يقرهم على شئ من هذين الوجهين أصلاً، بل ينبههم إلى ذلك ويظهر ذلك لعباده ويبين لهم.

ويقول في المواقف وشرحه: أجمع أهل الملل والشرائع على عصمة الأنبياء من تعمد الكذب، فيما دل المعجز على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وأما سائر الذنوب فهي إما كفر أو غيره، فأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه، وأما غير الكفر، فإما كبائر أو صغائر، وكل منهما إما عمداً، وإما سهواً، أو على سبيل الخطأ في التأويل، فجوزه الجمهور - إلا الجبائي -، وأما سهواً، فهو جائز اتفاقاً، واستثنى أكثر المعتزلة الصغائر الخسيسة، وهي ما يحكم على صاحبها بالخسة ودناءة الهمة، فإنها لا تجوز أصلاً - لا عمداً ولا سهواً - هذا كله بعد الوحي.

وأما قبل الوحي، فقال الجمهور: لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة، وقال أكثر المعتزلة: تمتنع عليهم الكبيرة، لأن صدورها يوجب النفرة، وهي تمنع من إتباعه، فتفوت مصلحة البعثة (أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 229 - القاهرة 1368 هـ‍/ 1949، ابن حزم: المرجع السابق 4 / 2 وما بعدها، شرح المواقف باختصار 3 / 204 وما بعدها).

الصفحة 106
والاستيلاء، ولو كان الأمير فاسقاً، أو جاهلاً، أو أعجمياً، ولا يحد الإمام حد الشرب، ولا ينعزل بالفسق والفجور (1).

وروى الفقيه الأندلسي أحمد بن محمد بن عبد ربه (246 - 228 هـ‍/ 860 - 940 م): أمر بعض الخلفاء رجلاً بأمر، فقال: أنا أطوع لك من الرداء، وأذل لك من الحذاء.

وقال آخر: أنا أطوع لك من يدك، وأذل لك من نعلك، وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات.

وقال الخليفة العباسي المنصور (136 - 158 هـ‍/ 754 - 775 م) لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم (الخراساني)؟ قال: * (لو كان فيهما آلها إلا الله لفسدتا) * (2)، قال: حسبك أبا أمية (3).

وروى الإمام الطبري والحافظ ابن كثير وابن الأثير: وفد عمرو بن العاص إلى معاوية - ومعه أهل مصر - فقال لهم عمرو: انظروا، إذا دخلتم على ابن هند، فلا تسلموا عليه بالخلافة، فإنه أعظم لكم في عينه، وصغروه ما استطعتم، فلما قدموا عليه، قال معاوية لحجابه: إني كأني أعرف ابن النابغة، وقد صغر أمري عند القوم، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة (إزعاج)، تقدرون عليها، فلا يبلغني رجل منهم، إلا وقد همته نفسه بالتلف، فكان أول من دخل عليه رجل من مصر، يقال له ابن الخياط فدخل، وقد تعتع، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فتتابع القوم على ذلك، فلما خرجوا

____________

(1) الشيخ مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة 1397 / 1977 ص 34 - 35، محمد مهدي الأصفى: الإمامة في التشريع الإسلامي ص 121 - 122.

(2) سورة الأنبياء: آية 22.

(3) أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد - تحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة - الجزء الثاني - دار الكتب العلمية - بيروت 1983 ص 9.

الصفحة 107
قال لهم عمرو: لعنكم الله، نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة، فسلمتم عليه بالنبوة (1).

وروى ابن الأثير عن جويرة بن أسماء قال: قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس أسود، فقال: السلام عليك يا أمين الله، قال: وعليك السلام، فلما خرج، قال معاوية: قدم الشيخ لأوليه، والله لا أوليه (2).

وروى الفقيه ابن عبد ربه الأندلسي في عقده الفريد: قال العتبي: دخل رجل على عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ‍/ 685 - 705 م)، فقبل يده، وقال:

يدك يا أمير المؤمنين أحق يد بالتقبيل، لعلوها في المكارم، وطهرها من المآثم، وإنك تقل التثريب، وتصفح عن الذنوب، فمن أراد بك سوءاً جعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك (3).

وغالى بعض الولاة في مدح الخلفاء إلى درجة الكفر والفسوق، فالحجاج الثقفي (40 - 95 هـ‍/ 660 - 714 م) - أحد جبابرة أمراء الدولة الأموية - كان يفضل الخليفة عبد الملك بن مروان، على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنه خاطب الله تعالى أمام الناس قائلاً: أرسولك أفضل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أم خليفتك - يعني عبد الملك - (4).

وروى الحافظ ابن كثير بسنده عن المغيرة عن بزيغ بن خالد الضبي قال:

سمعت الحجاج يخطب فقال: رسول أحدكم في حاجته، أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله على أن لا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 330 - 331، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 11، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 152.

(2) الكامل في التاريخ 4 / 12.

(3) ابن عبد ربه: العقد الفريد 2 / 7.

(4) المقريزي: النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ص 27، رسائل الجاحظ ص 297.

الصفحة 108
قوماً يجاهدونك، لأجاهدنك معهم، زاد إسحاق: فقاتل في الجماجم حتى قتل.

وقال ابن كثير: فإن صح هذا عنه، فظاهره كفر، إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية، أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم (1).

بل إن الحجاج الثقفي، إنما بلغ به الفسوق والعصيان أن يسخر من المسلمين الذين يتشرفون بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: تباً لهم، إنما يطوفون بأعواد ورمة، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلمون أن خليفة المرء، خير من رسوله (2).

وهناك خالد بن عبد الله القسري - والي مكة المكرمة على أيام الوليد بن عبد الملك (86 - 96 هـ‍/ 705 - 715 م) - وكان رجل سوء، كثيراً ما يقع في سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة فلقد روى ابن الأثير في كامله، وابن الأثير في كامله، وابن فهد في إتحافه، في أحداث عام 89 هـ‍، ولي خالد بن عبد الله القسري مكة (عام 89 هـ‍) فخطب أهلها، فقال: أيها الناس، أيهما أعظم، خليفة الرجل على أهله، أو رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة، إلا إن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحاً أجاجاً واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً - يعني بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئراً حفرها الوليد بثنية طوى، في ثنية الحجون، وكان ماؤها عذباً، وكان ينقل ماءها، ويضعه في حوض إلى جنب زمزم، ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر، وذهب ماؤها، فلا يدري أين هو اليوم (3).

____________

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 9 / 146 - 147، سنن أبي داود 2 / 514 (القاهرة 1952).

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 15 / 242 (بيروت 1967 م).

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 536 (دار صادر - بيروت 1965 م)، وانظر: ابن فهد

=>


الصفحة 109
وروى المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد) (207 - 210 هـ‍/ 285 - 286 هـ‍) في كتابه الكامل: أن خالد بن عبد الله القسري، لما كان أمير العراق في خلافة هشام بن عبد الملك (105 - 125 هـ‍/ 724 - 743 م) كان يلعن علياً، عليه السلام، على المنبر - تقرباً لنبي أمية - فيقول: اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام، صهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ابنته، وأبا الحسن والحسين، ثم يقبل على الناس، فيقول: هل كنيت؟ (1).

ومن أجل هذا كله، ولأسباب أخرى كثيرة، جعل الإسلام الولاية أمانة، روى مسلم في صحيحه بسنده عن بكر بن عمرو عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن أبي حجيزة الأكبر عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟

قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها (2).

وروى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي:

اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم، فارفق به (3).

وعن معقل بن يسار المزني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة (4).

____________

<=

الهاشمي: غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ص 204 - 205 (جامعة أم القرى 1986)، تاريخ الطبري 8 / 67 - 68، الذهبي: ميزان الاعتدال 1 / 633، سير أعلام النبلاء 5 / 429، ابن العماد الحنبلي: العبر في أخبار من غبر 1 / 162، ابن كثير: البداية والنهاية 10 / 20، ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق 5 / 82.

(1) المبرد: الكامل ص 114 (طبع أوروبا)، شرح نهج البلاغة 4 / 57.

(2) صحيح مسلم 12 / 209 - 210.

(3) صحيح مسلم 12 / 212 - 213.

(4) صحيح مسلم 12 / 214.