|
وعن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ألا كلكم راع، وكلكم
مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته،
والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها
وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا
فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (1).
وعن قتادة عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد، دخل على معقل بن
يسار في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث، لولا أني في الموت،
لم أحدثك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم
لا يجتهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة (2).
وعن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد، معقل بن يسار المزني، في
مرضه الذي مات فيه، قال معقل: إني محدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
لو علمت أن لي حياة، ما حدثتك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من
عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه
الجنة (3).
وعن يونس عن الحسن قال: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار،
وهو وجع، فسأله فقال: إني محدثك حديثاً لم أكن حدثتكه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: لا يسترعي الله عبداً رعية، يموت حين يموت، وهو غاش لها، إلا
حرم الله عليه الجنة، قال: ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم، قال: ما حدثتك،
أو لم أكن لأحدثك (4).
____________
(1) صحيح مسلم 12 / 213.
(2) صحيح مسلم 12 / 215.
(3) صحيح مسلم 2 / 165.
(4) صحيح مسلم 2 / 165 - 166.
وعن قتادة عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد، عاد معقل بن يسار في
مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث، لولا أني في الموت، لم أحدثك
به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد
لهم، وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة (1).
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي الأشهب عن الحسن قال: أن
عبيد الله بن زياد، عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل:
أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد
استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة (2).
وعن هشام عن الحسن قال: أتينا معقل بن يسار نعوده، فدخل عبيد الله،
فقال له معقل: أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما من وال يلي
رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة (3).
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن
عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول
عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع
على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها
وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول
عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (4).
وروى أبو داود في سننه بسنده عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع
عليهم، وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم،
____________
(1) صحيح مسلم 2 / 166.
(2) صحيح البخاري 9 / 80.
(3) صحيح البخاري 9 / 80.
(4) صحيح البخاري 9 / 77 (وانظر روايات أخرى 4 / 6، 7 / 34).
والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال
سيده، وهو مسؤول عنه، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (1).
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن
النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا ضيعت الأمانة، انتظر الساعة، قيل: يا رسول الله: وما
إضاعتها، قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة (2).
وروى البخاري في صحيحه (1 / 22): الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة
المسلمين وعامتهم (3).
هذا وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء الظلمة، فقال: سيكون من بعدي
أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس
مني، ولست منه، ولم يرد على الحوض (4).
وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم، قال: أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون
الأمراء، وفي الخبر: خير الأمراء الذين يأتون العلماء، وشر العلماء الذين
يأتون الأمراء.
وفي الخبر أيضاً: العلماء أمناء الرسل على عباد الله، ما لم يخالطوا
السلطان، فإذا فعلوا ذلك، فقد خانوا الرسل، فاحذروهم واعتزلوهم (5).
ومن ثم فإن القلهاتي أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي (المتوفى
سنة 328 هـ)، إنما يعيب على أهل السنة دعوتهم إلى طاعة الإمام، ولو كان
____________
(1) سنن أبي داود 2 / 117 (ط الحلبي - القاهرة 1952).
(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 14.
(3) صحيح البخاري 1 / 22.
(4) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 896 (ط دار الشعب: القاهرة 1969) - والحديث رواه
النسائي والترمذي وصححه والحاكم، من حديث كعب بن عجرة.
(5) الغزالي: المرجع السابق ص 896.
جباراً عنيداً، وقولهم: إنا لا نقدر على إزالة ذلك الإمام الجائر الفاسق الظالم،
إلا بفتنة عظيمة، وحروب تأتي على الأموال والأنفس، واستبقاؤه على ظلمه
وغشمه أولى، لأنا إذا خالفناه أو حاربناه، كنا كمن يبني قصراً، ويهدم
قصراً (1).
ويصف القلهاتي الإمام بأنه رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما
عليهم، ليس له أن يستحل بما والاه الله تعالى من أمر عباده وبلاده حراماً، ولا
يحرم حالاً، بل تزيده الولاية لحق الله تعظيماً (2).
ويستنكر القلهاتي مذهب أهل السنة في طاعة الإمام، مطالباً بضرورة
الخروج على الإمام الجائر، محتجاً بمثل قول الله تعالى: * (ولا تطع منهم آثماً أو
كفوراً) *، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقول
أبي بكر الصديق أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله، فلا طاعة لي
عليكم (3).
غير أن الآثار إنما تشير إلى غير ما ذهب إليه القلهاتي، فقد قال حذيفة
إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على
الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه، وقال أبو ذر لسلمة: يا سلمة، لا
تغش أبواب السلاطين، فإنك لا تصيب من دنياهم شيئاً، إلا أصابوا من دينك،
أفضل منه.
وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك.
____________
(1) القلهاتي: الكشف والبيان - تحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف - الجزء الثاني - عمان 1980
ص 239.
(2) القلهاتي: المرجع السابق ص 402.
(3) القلهاتي: المرجع السابق ص 367، عبد الفتاح أحمد فؤاد: الأصول الإيمانية لدى الفرق
الإسلامية - الإسكندرية 1990 ص 384 - 385.
وقال الأوزاعي (1): ما من شئ أبغض عند الله، من عالم يزور عاملاً،
وقال سمنون: ما أسمج بالعالم يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد، فيسأل عنه،
فيقال: عند الأمير، وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه
على دينكم، حتى جربت ذلك، إذ ما دخلت قط على هذا السلطان، إلا
وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، مع ما أواجههم به من الغلظة
والمخالفة لهواهم.
وقال عبادة بن الصامت: حب القارئ الناسك الأمراء نفاق، وحبه
الأغنياء رياء.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا
دين له، قيل له: لم؟ قال: لأنه يرضيه بسخط الله.
وقال الفضيل: ما ازداد رجل من ذي سلطان قرباً، إلا ازداد من الله بعداً.
وكان سعيد بن المسيب: يتجر في الزيت، ويقول: إن في هذا لغنى عن
هؤلاء السلاطين.
وقال وهيب: هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من
المقامرين.
____________
(1) الأوزاعي: هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، ولد عام 88 هـ(707 م)،
وتوفي في بيروت عام 157 هـ(774 م)، سكن دمشق، وبيروت، وسمع عن عطاء بن أبي رباح
وقتادة والزهري وغيرهم، وكان بعض العلماء يفضلونه على سفيان الثوري، وكما في تذكرة
الحفاظ: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه، كان يصلح للخلافة (أنظر عنه: طبقات ابن سعد
7 / 2 / 185، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 226 - 227، المقدمة لابن أبي حاتم ص 174
- 218، حلية الأولياء 6 / 135 - 149، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 178 - 183، التهذيب
لابن حجر 6 / 338 - 242، البداية والنهاية لابن كثير 10 / 115 - 120، الأعلام للزركلي
4 / 94، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 163، وفيات الأعيان 3 / 127 - 128، صفة الصفوة
4 / 228، عبر الذهبي 1 / 227، شذرات الذهب 1 / 241، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي
- الفقه 3 / 243 - 235).
واستعمل عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ/ 717 - 720 م) رجلاً، فقيل:
كان عاملاً للحجاج فعزله، فقال الرجل: إنما عملت له على شئ يسير، فقال
له عمر: حسبك بصحبته يوماً، أو بعض يوم، شؤماً وشراً (1).
وروى أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (105 - 125 هـ/ 724
- 743 م) قدم حاجاً إلى مكة، فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة،
فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأوتي بً طاوس
اليمانيً، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بإمرة
المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه، وجلس بإزائه، وقال:
كيف أنت يا هشام؟.
فغضب هشام غضباً شديداً، حتى هم بقتله، فقيل له: أنت في حرم الله
وحرم رسوله، ولا يمكن ذلك، فقال له: يا طاوس، ما الذي حملك على ما
صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً، قال: خلعت نعليك
بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني،
وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت: كيف أنت يا هشام.
قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك، فإني أخلعهما بين يدي
رب العزة كل يوم خمس مرات، ولا يعاقبني ولا يغضب عليه، وأما قولك لم
تقبل يدي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يقول:
لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلا امرأة من شهوة، أو ولده من رحمة، وأما
قولك: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت
أن أكذب، وأما قولك: لم تكنني، فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا
داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال تبت يدا أبي لهب، وأما
قولك، جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه، يقول
____________
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 896 - 897 (القاهرة 1969).
إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس، وحوله قوم
قيام.
فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
يقول: إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، يلدغ كل أمير، لا يعدل
في رعيته، ثم قام وهرب (9). (أي طاوس) (2).
وعن سفيان الثوري (3)، رضي الله عنه قال: أدخلت على أبي جعفر
المنصور بمنى، فقال لي: إرفع إلينا حاجتك، فقلت له: إتق الله، فقد ملأت
الأرض ظلماً وجوراً، قال: فطأطأ رأسه، ثم رفعه، فقال: إرفع إلينا حاجتك،
فقلت: إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون
جوعاً فاتق الله، وأوصل إليهم حقوقهم، فطأطأ رأسه ثم رفعه، فقال: إرفع
إلينا حاجتك، فقلت: حج عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، (13 - 23 هـ/ 634
____________
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 903 - 904.
(2) أنظر عن طاوس: (حلية الأولياء 4 / 3 - 23، وفيات الأعيان 2 / 509 - 511، طبقات ابن سعد
7 / 537، تذكرة الحفاظ ص 90، صفة الصفوة 2 / 160، تهذيب التهذيب 5 / 8، عبر الذهبي
1 / 130، العقد الثمين 6 / 59، شذرات 1 / 134 - 133).
(3) سفيان الثوري: هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد مسروق الثوري الكوفي، ولد عام 95 هـ/ 713 م
(وقيل عام 96 أو 97 هـ)، وتوفي عام 161 هـ(778 م)، درس على علماء عصره، ورفض
منصب القضاء تحرجاً وورعاً، مما أغضب الخليفة حتى اضطر إلى أن يظل بقية عمره مستتراً،
ويعد سفيان الثوري أول من رتب الأحاديث ترتيباً موضوعياً في الكوفة، وبصفته من أتباع أهل
الحديث فقد أسس مذهباً فقهياً لم يدم طويلاً، كما قيل إن الثوري كان عالماً بالرياضيات
(أنظر: طبقات ابن سعد 6 / 371 - 374، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 222 - 227،
التقدمة ص 55 - 129، المشاهير لابن حبان ص 169 - 170، تاريخ بغداد للخطيب 9 / 151
- 174، حلية الأولياء 6 / 356 - 393، 7 / 3 - 144، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 203 - 207،
ميزان الاعتدال 1 / 396، التهذيب لابن حجر 4 / 111 - 115، أعيان الشيعة للعاملي 35 / 137
- 149، الأعلام للزركلي 3 / 158، معجم المؤلفين لكحالة 4 / 234 - 235، فؤاد سزكين:
تاريخ التراث العربي 1 / 247 - 249، وفيات الأعيان 2 / 386 - 391، شذرات الذهب 1 / 250
- 251).
- 644 م) فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهماً، وأرى هنا أموالاً
لا تطيق الجمال حملها، وخرج.
فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين - إذا ألزموا - وكانوا يغررون
بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم.
ولما استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه (23 - 35 هـ/ 644 - 656 م)
عبد الله بن عامر، أتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطأ عنه أبو ذر، وكان له
صديقاً، فعاتبه، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل إذا ولي
ولاية، تباعد الله عنه (1).
ودخل مالك بن دينار (2)، على أمير البصرة فقال: أيها الأمير، قرأت في
بعض الكتب إن الله تعالى يقول: ما أحمق من سلطان، وما أجهل ممن عصاني،
ومن أعز ممن اعتز بي، أيها الراعي السوء: دفعت إليك غنماً سماناً صحاحاً،
فأكلت اللحم، ولبست الصوف، وتركتها عظاماً تتقعقع.
فقال له والي البصرة: أتدري ما الذي يجرئك علينا، ويجبننا عنك، قال:
لا، قال: قلة الطمع فينا، وترك الإمساك لما في أيدينا (3).
____________
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 904.
(2) مالك بن دينار: أبو يحيى مالك بن دينار البصري، من موالي بني سامة بن لؤي القرشي، كان
عالماً زاهداً كثير الورع، لا يأكل إلا من كسبه وكان يكتب المصاحف بالأجرة، توفي عام 131 هـ
(أنظر: حلية الأولياء 2 / 257 - 388، وفيات الأعيان 4 / 139 - 140، صفة الصفوة 3 / 197،
تهذيب التهذيب 10 / 14، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1 / 173، حيث جعل وفاته في
عام 127 هـ).
(3) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 904 (القاهرة 1969).
سابعاً: حقوق الإمام وواجباته
لا ريب في أن الإسلام إنما أقام توازناً بين حقوق الإمام وواجباته - كما
رأينا من قبل - فكما حذر من عصيان الإمام، والخروج على الجماعة، فلقد
حذر الإمام وولاته من غش الرعية حتى أنه ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم
لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة.
ويعبر سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في
الجنة (600 - 656 / 656 - 661 م) (23 ق. هـ- 35 هـ) (35 - 40 هـ) عن ذلك،
بقوله: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك،
وجب على المسلمين أن يطيعوه، لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر
بطاعته (1).
ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى هذه الحقوق والواجبات بشئ من
التفصيل:
فأما حقوق الإمام فحقان:
1 - حق الطاعة: وهو حق ثابت بالكتاب والسنة، وقد تحدثنا عنه كثيراً
من قبل، فالله تعالى يقول: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
____________
(1) تفسير القرطبي ص 1829 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).
وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون
بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) * (1).
والنص القرآني الكريم واضح وصريح، فهو يجعل طاعة الله أصلاً، وطاعة
رسوله أصلاً كذلك - بما أنه مرسل منه سبحانه وتعالى - ويجعل طاعة أولي
الأمر منكم، تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله، ومن ثم فهو لا يكرر لفظ الطاعة
عند ذكرهم - كما كررها عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم - ليقرر أن طاعة أولي الأمر،
مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله، بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان
وشرطه.
هذا فضلاً عن أن طاعة أولي الأمر منكم - بعد هذه التقريرات كلها - إنما هي
في حدود المشروع من الله تعالى، والذي لم يرد نص بحرمته، ولا يكون من
المحرم عندما يرد إلى مبادئ شرعية، عند الاختلاف فيه (2).
والسنة النبوية الشريفة إنما تقرر حدود هذه الطاعة - على وجه الجزم
واليقين - ففي الصحيحين بسنده عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما
الطاعة في المعروف (3).
وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم السمع والطاعة على
المرء المسلم، فيما أحب وأكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع
ولا طاعة (4).
____________
(1) سورة النساء: آية 59، وانظر: تفسير الطبري 8 / 495 - 499، تفسير النسفي 1 / 232، تفسير
الظلال 2 / 687 - 692، تفسير ابن كثير 1 / 782 - 785، تفسير القرطبي ص 1828 - 1833،
تفسير المنار 5 / 146 - 158.
(2) سيد قطب: في القرآن 2 / 691 (دار الشروق - ط التاسعة - القاهرة - بيروت
1400 هـ/ 1980 م).
(3) صحيح البخاري 9 / 78 - 79، صحيح مسلم 12 / 226 - 227.
(4) صحيح البخاري 9 / 78، صحيح مسلم 12 / 226.
وأخرج مسلم من حديث أم الحصين ولو استعمل عليكم عبد يقودكم
بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا (1).
وبهذا يجعل الإسلام كل فرد - في أمة الإسلام - أميناً على شريعة الله،
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أميناً على إيمانه هو ودينه، أميناً على نفسه وعقله، أميناً
على مصيره في الدنيا والآخرة، ولا يجعله بهيمة في القطيع، تزجر من هنا، أو
من هنا، فتسمع وتطيع، فالمنهج واضح، وحدود الطاعة واضحة، والشريعة
التي تطاع، والسنة التي تتبع، واحدة، لا تتعدد ولا تتفرق (2).
2 - حق المعاضدة والمناصرة: والحق الثاني للإمام إنما هو المعاضدة
والمناصرة في أمور الدين، وجهاد العدو، قال الله تعالى: * (وتعاونوا على البر
والتقوى) * (3)، ولا أعلى من معاونة الإمام على إقامة الدين ونصرته.
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي قيس بن رياح عن
أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة
فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو
إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب
برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد، فليس مني،
ولست منه (4).
فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما يذم الخارج تحت راية عمية، والداعي إلى العصبية، وهو
مستلزم لنصرة الدين، دون النصرة عليه.
____________
(1) صحيح مسلم 12 / 225.
(2) في ظلال القرآن 2 / 691.
(3) سورة المائدة: آية 2.
(4) صحيح مسلم 12 / 238 - 239.
وأما واجبات الخليفة (الإمام) نحو الرعية فهي - فيما يرى الماوردي (1)
- عشرة أشياء: -
الأول: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة،
فإن نجم مبتدع أو زاع ذو شبهة، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه
بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة
من زلل.
والثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين
حتى تتم النصفة، فلا يعتدي ظالم، ولا يضعف مظلوم.
والثالث: حماية بيضة الإسلام، والذب عن الحريم، ليتصرف الناس في
المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين على أنفسهم وأموالهم.
والرابع: إقامة الحدود، لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ
حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
والخامس: تحصين الثغور بالعدد، ووفور العدد، حتى لا يظفر العدو
بغرة، فينتهك فيها محرماً، أو يسفك دماً لمسلم أو معاهد.
والسادس: جهاد الكفرة المعاندين للإسلام، حتى يسلموا أو يدخلوا في
ذمة المسلمين، قياماً بحق الله تعالى في ظهور دينه على الدين كله.
والسابع: اختيار الأمناء الأكفاء، وتقليد الولايات للثقات النصحاء،
لتضبط الأعمال بالكفاة، وتحفظ الأموال بالأمناء.
والثامن: جباية أموال الفئ والصدقات والخراج، على ما أوجبه الشرع
نصاً أو اجتهاداً، من غير حيف، ولا عسف.
____________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ/ 1982
ص 15 - 16.
والتاسع: تقدير العطايا، وما يستحقه كل واحد في بيت المال، من غير
سرف ولا تقتير، ودفعه إليهم في وقت معلوم، لا تأخير فيه ولا تقديم.
والعاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض
بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض، تشاغلاً بلذة أو عبادة،
فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: * (يا داود إنا جعلناك
خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى، فيضلك عن
سبيل الله) * (1).
فلم يقتصر الله سبحانه وتعالى على التفويض، دون المباشرة، ولا عذره
في الاتباع، حتى وصفه بالضلال، وهذا - وإن كان مستحقاً عليه بحكم الدين،
ومنصب الخلافة - فهو من حقوق السياسة، لكل مسترع.
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع،
وهو مسؤول عن رعية، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم،
والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال
سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (2).
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري قال: أخبرني سالم عن
ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع،
ومسؤول عن رعيته، والإمام راع، ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله،
ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، ومسؤولة عن رعيتها،
____________
(1) سورة ص: آية 26.
(2) صحيح مسلم 12 / 213 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ/ 1983 م).
والخادم في مال سيده راع، ومسؤول عن رعيته، قال: وحسبت أن قال:
والرجل راع في مال أبيه (1).
وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن مرة الجهني قال لمعاوية: سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من إمام يغلق بابه، دون ذوي الحاجات والمسكنة، إلا
أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته، فجعل معاوية رجلاً على
مصالح الناس (2).
وروى البخاري في صحيحه (باب من استرعى رعية فلم ينصح) بسنده عن
الحسن أن عبيد الله بن زياد، عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه. فقال
له معقل: إني محدثك حديثاً، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
يقول: ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم تحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة
الجنة (3).
وعن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستحرصون
على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة (4).
____________
(1) صحيح البخاري 4 / 6، وانظر روايات أخرى للحديث الشريف (صحيح البخاري 7 / 34،
9 / 77).
(2) صحيح الترمذي 6 / 73.
(3) صحيح البخاري 9 / 80 (دار الجيل - بيروت).
(4) صحيح البخاري 9 / 79.
ثامناً: ألقاب الإمام أو الخليفة
يقول ابن خلدون (1) (732 - 808 هـ/ 332 - 1406 م) في مقدمته
المشهورة: إن منصب الخلافة أو الإمامة، إنما هو نيابة عن صاحب الشريعة في
حفظ الدين، وسياسة الدنيا به، ومن ثم فهي تسمى خلافة وإمامة، والقائم
به خليفة وإماماً، فأما تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء
به، ولهذا يقال الإمامة الكبرى.
وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، في أمته، فيقال خليفة،
بإطلاق، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم، اقتباساً من الخلافة التي
للآدميين في قول الله تعالى: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * (2)، وقول الله
تعالى: * (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) * (3).
على أن الجمهور قد منع ذلك، لأن معنى الآية ليس عليه، وقد نهى أبو
بكر الصديق عنه، لما دعي به، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب، وأما الحاضر فلا (4).
____________
(1) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 (دار القلم - بيروت 1981).
(2) سورة البقرة: آية 30.
(3) سورة الأنعام: آية 165.
(4) مقدمة ابن خلدون ص 191.
ويقول الماوردي: ويسمى خليفة لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمته،
فيجوز أن يقال يا خليفة رسول الله، وعلى الإطلاق، فيقال الخليفة.
واختلفوا: هل يجوز أن يقال: يا خليفة الله؟ فجوزه البعض، لقيامه
بحقوقه في خلقه، ولقول الله تعالى: * (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض
ورفع بعضكم فوق بعض درجات) *.
وامتنع الجمهور من جواز ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، وقالوا:
يستخلف من يغيب أو يموت، والله - سبحانه وتعالى - لا يغيب ولا يموت، وقد
قيل لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه: يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله،
ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
ومع ذلك فلقد روى أبو داود في سننه بسنده عن شريك عن سليمان
الأعمش، قال: جمعت مع الحجاج فخطب، فذكر حديث أبي بكر بن عياش،
قال فيها: فاسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان - وساق
الحديث (2).
غير أن كلام الحجاج الثقفي ليس بحجة، حتى أنه - في نفس الصفحة
- إنما يفضل خليفة المرء على رسوله، روى أبو داود في سننه بسنده عن المغيرة
عن الربيع بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب، فقال في خطبته:
رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه، أم خليفته في أهله، فقلت في نفسي: لله
على ألا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك، لأجاهدنك
معهم - زاد إسحاق في حديثه، قال: فقال في الجماجم حتى قتل (3).
____________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانية ص 15.
(2) سنن أبي داود 2 / 514 (ط الحلبي - القاهرة 1371 هـ/ 1952).
(3) سنن أبي داود 2 / 514.
وعلى أية حال، فلقد حمل الخلفاء - أو الأئمة - الألقاب التالية:
1 - الخليفة:
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، أول الخلفاء الراشدين، قد لقب
بلقب خليفة رسول الله، إذ كان يقوم مقام الرسول في حكم الدولة الإسلامية،
والمحافظة على الدين - وكان عمر - في بدء خلافته - يلقب بلقب خليفة
رسول الله.
روى البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر - المتوفى 279 هـ/ 892 م) أن
بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بباب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: السلام عليك يا
رسول الله ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا
رسول الله.
فلما ولي أبو بكر (11 - 13 هـ/ 632 - 634 م) كان المؤذن يقف بالباب،
ويقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله، ورحمة الله وبركاته، حي على
الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول الله.
. من خلافة عمر بن الخطاب (13 - 23 هـ/ 644 م)، كان المؤذن
يردد هذه الكلمات، مبتدئاً بقوله: السلام عليك يا خليفة رسول الله (1).
والخليفة - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ/ 1263
- 1328 م) - هو من كان خلفاً عن غيره (فعلية بمعنى فاعلة)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
يقول اللهم أنت الصاحب في الفسر، والخليفة في الأهل، وقال صلى الله عليه وسلم من جهز
غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا (2).
وفي القرآن * (سيقول المخلفون من الأعراب) * (3) و * (فرح المخلفون
____________
(1) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 438 - 439 - القاهرة 1964).
(2) ابن تيمية: مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 35 / 43 (الرياض 1386 هـ).
(3) سورة الفتح: آية 11.
بمقعدهم خلاف رسول الله) * (1). هذا وقد ظن بعض الغالطين - كابن العربي - أن
الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون
الإنسان مستخلفاً، وربما فسروا تعليم آدم الأسماء كلها التي جمع معانيها
الإنسان، ويفسرون خلف آدم على صورته بهذا المعنى أيضاً، وقد أخذوا من
الفلاسفة قولهم: الإنسان هو العالم الصغير، وهذا قريب، وضموا إليه:
أن الله هو العالم الكبير، بناء على أصلهم الكفري في وحدة الوجود، وأن الله
هو عين وجود المخلوقات، فالإنسان من بين المظاهر، هو الخليفة الجامع
الأسماء والصفات (2).
ثم يقول ابن تيمية: والله لا يجوز له خليفة، ولهذا لما قالوا لأبي بكر:
يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسبي
ذلك، بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أنت الصاحب
في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا.
وبدهي أن ذلك لأن الله تعالى، حي، شهيد، مهيمن، قيوم، رقيب،
حفيظ، غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا
بإذنه.
والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف، بموت أو غيبة، ويكون لحاجة
المستخلف إلى الاستخلاف، وسمى خليفة، لأنه خلف عن الغزو، وهو قائم
خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها، فإنه حي
قيوم، شهيد، لا يموت ولا يغيب، وهو غني يرزق ولا يرزق، يرزق عباده
وينصر هم ويهديهم ويعافيهم، بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه، والتي
هي مفتقرة إليه، كافتقار المسببات إلى أسبابها، فالله هو الغني الحميد له منا في
____________
(1) سورة التوبة: آية 81.
(2) ابن تيمية: الفتاوي 35 / 42 - 44 (الرياض 1386 هـ).
السماوات وما في الأرض وما بينهما (1)، * (يسأله من في السماوات والأرض كل
يوم هو في شأن) * (2)، * (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) * (3)، ولا
يجوز أن يكون أحد خلف منه، ولا يقوم مقامه، لأنه لا سمي له، ولا كفء
له فمن جعل له خليفة، فهو مشرك به.
وأما الحديث النبوي الشريف السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل
ضعيف وملهوف، وهذا صحيح، فإن الظل مفتقر إلى آو، وهو رفيق له،
مطابق له نوعاً من المطابقة، والآوي إلى الظل المكتنف بالظل صاحب الظل،
فالسلطان عبد الله، مخلوق، مفتقر إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، وفيه من
القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي
بها قوام الخلق، ما يشبه أن يكون لله في الأرض، وهو أقوى الأسباب التي بها
يصلح أمور خلقه وعباده، فإذا صلح ذو السلطان، صلحت أمور الناس، وإذا
فسد فسدت بحسب فساده، ولا تفسد من كل وجه، بل لا بد من مصالح، إذ
هو ظل الله، لكن الظل تازة يكون كاملاً مانعاً من جميع الأذى، وتازة لا يمنع
إلا بعض الأذى، وأما إذا عدم الظل فسد الأمر، كعدم سر الربوبية التي بها قيام
الأمة الإنسانية، والله تعالى أعلم (4).
2 - أمير المؤمنين:
كان هذا اللقب هو اللقب التالي للخليفة، ذلك أن عمر بن الخطاب - منعاً
لتكرار لفظ خليفة بالنسبة إلى من يتولى أمور المسلمين من الخلفاء - أمر أن
يستبدل لفظ خليفة رسول الله بعبارة أو لقب أمير المؤمنين.
روي أن المغيرة بن شعبة قال لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: يا
____________
(1) الفتاوي 35 / 45.
(2) سورة الرحمن: آية 29.
(3) سورة الزخرف: آية 84.
(4) فتاوي ابن تيمية 35 / 45 - 46.
خليفة الله، فقال عمر: ذاك نبي الله داود (1)، قال: يا خليفة رسول الله، قال:
ذاك صاحبكم المفقود (أي أبو بكر)، قال: يا خليفة خليفة رسول الله، قال: ذاك
أمر يطول، قال: يا عمر، قال: لا تبخس مقامي شرفه، أنتم المؤمنون وأنا
أميركم، فقال المغيرة: يا المؤمنين (2).
وروى ابن الأثير في أسد الغاية: بسنده عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب
عن سليمان بن أبي خيثة، عن جدته الشفاء - وكانت من المهاجرات الأول -
وكان عمر، إذا دخل السوق أتاها، قال: سألتها من أول من كتب عمر أمير
المؤمنين؟ قالت: كتب عمر إلى عامله على العراقين: أن ابعث إلي برجلين
جلدين نبيلين، أسألهما عن أمر الناس، قال: فبعث إليه بعدي بن حاتم،
ولبيد بن ربيعة، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فاستقبلا
عمر وبن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما والله
أصبتما اسمه، وهو الأمير، ونحن المؤمنون، فانطلقت حتى دخلت على عمر،
فقلت: يا أمير المؤمنين، فقال: لتخرجن مما قلت، أو لأفعلن، قلت: يا
أمير المؤمنين، بعث عامل العراقيين بعدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة فأناخا
راحلتيهما بفناء المسجد، ثم استقبلاني فقالا: إستأذن لنا على أمير المؤمنين،
فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه، هو الأمير، ونحن المؤمنون.
وكان قبل ذلك يكتب من عمر خليفة، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجرى
الكتاب من عمر أمير المؤمنين، من ذلك اليوم.
وقيل: إن عمر قال: إن أبا بكر كان يقال له: يا خليفة رسول الله، ويقال
لي يا خليفة، خليفة رسول الله، وهذا يطول: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم.
____________
(1) سورة ص آية 26.
(2) أبو عثمان عمر وبن بحر الجاحظ: التاج في أخلاق الملوك - تحقيق أحمد زكي باشا
ص 86 - 88 (القاهرة 1333 هـ/ 1914 م).
وقيل إن المغيرة بن شعبة قال له ذلك - كما أشرنا من قبل - والله أعلم (1).
وأياً ما كان الأمر، فإن الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إنما
كان أول من تلقب بهذا اللقب، الذي كان يتمشى مع عهد الفتوح، لما في ذلك
اللفظ من معنى السلطتين - الحربية والإدارية - (2).
وفي رواية ابن الجوزي (3) عن محمد بن سعد قال: قالوا: لما مات أبو
بكر، وكان يدعى خليفة رسول الله، قيل لعمر: خليفة خليفة رسول الله، فقال
المسلمون: فمن جاء بعدك سمي، خليفة خليفة رسول الله، فيطول هذا،
ولكن اجتمعوا على اسم يدعى به الخليفة، ويدعى به من بعده فدعي أمير
المؤمنين، فهو أول من سمي بذلك.
وعن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ/ 717 - 720 م)
سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة: لم كان أبو بكر يكتب من أبي بكر،
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان عمر يكتب من بعده من عمر بن الخطاب، خليفة
أبي بكر؟ ومن أول من كتب أمير المؤمنين؟
فقال: حدثتني جدتي الشفاء - وكانت من المهاجرات الأول، وكان عمر
إذ دخل السوق دخل عليها - قالت: كتب عمر بن الخطاب إلى عامل العراقين أن
____________
(1) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 170 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).
(2) حسن إبراهيم: المرجع السابق ص 439.
(3) ابن الجوزي: هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن
عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي، وينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق،
اختلف في تاريخ مولده فيما بين عامي 508، 511 هـ(أي حوالي عام 1116 م)، وتوفي ليلة
الجمعة 12 رمضان عام 597 هـببغداد وكان ابن الجوزي علامة عصره، وإمام وقته في الحديث
والوعظ، صنف في فنون عديدة، و له التفسير (زاد المسير في علم التفسير، في أربعة أجزاء)،
وفي التاريخ (المنتظم) وله في الحديث تصانيف كثيرة، فله الموضوعات (أربعة أجزاء)،
وتلقيح فهوم الأثر (على وضع كتاب المعارف لابن قتيبة، وانظر عن ابن الجوزي (وفيات
الأعيان 3 / 140 - 142، عبر الذهبي 4 / 297، شذرات الذهب 4 / 329 - 331، مقدمة كتابه:
تاريخ عمر بن الخطاب لأسامة عبد الكريم).
ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه صاحب
العراقين بلبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة، فأناخا راحلتهما بفناء
المسجد، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا له: يا عمرو، استأذن لنا على أمير
المؤمنين عمر، فوثب عمرو بن العاص فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا
أمير المؤمنين، فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص، لتخرجن
مما قلت، قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم، فقالا لي: إستأذن لنا
على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه وإنه الأمير، ونحن
المؤمنون، فجرى الكتاب من ذلك اليوم.
وقال الضحاك: قال عمر: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم، فهو سمى
نفسه (1).
3 - الإمام:
لفظ إمام أو الإمام مستعار في الأصل من إمامة الصلاة، ومن ثم فإن
الشيعة إنما يستعملون هذا اللقب، لأنهم يعتقدون أن لأفراد البيت العلوي (أبناء
الإمام علي بن أبي طالب من السيدة فاطمة الزهراء، بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)
قوى إلهية مقدسة. هذا وقد ورد لفظ إمام في القرآن بمعنى الزعيم أو الدليل
أو الرئيس، قال الله تعالى: * (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأو حينا إليهم فعل
الخيرات) * (2).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يؤم الناس في الصلاة، باعتباره زعيماً للمسلمين، ولما
مرض مرضه الأخير ندب أبو بكر للصلاة بالناس، الأمر الذي اعتبره السنيون من
____________
(1) الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي: تاريخ عمر بن الخطاب - قدم له وعلق عليه:
أسامة عبد الكريم الرفاعي ص 74 - 75 (مكتبة السلام العالمية - الفلكي - القاهرة
1394 هـ/ 1974 م).
(2) سورة الأنبياء: آية 73.
أهم الأدلة على أحقية أبي بكر بالخلافة بعد النبي (1)، وقد حرص الخلفاء على
إمامة المسلمين في الصلاة، لما تدل عليه من صفة الزعامة، حتى أصبحت من
أهم أعمال الولاة في الأمصار الإسلامية (2).
4 - الملك:
من المعروف أن سيدنا الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم - إنما
كان خامس الراشدين وآخرهم، وقد تحققت به وعليه معجزة جده الرسول
الأعظم، صلى الله عليه وسلم، في قوله الشريف الخلافة بعدي ثلاثون سنة وصدق سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقت معجزته، فكان للإمام الحسن بن علي من هذه الثلاثين
سنة قرابة ستة أشهر، تتمة لها، أو سبعة أشهر، وأحد عشر يوماً - فيما يرى أين
عساكر - ومن ثم فهو، رضوان الله عليه، خامس الراشدين، فلقد أخرج ابن
حبان والإمام أحمد عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: الخلافة بعدي
ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً.
ويقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - عن خلافة الإمام الحسين بن
علي ابن أبي طالب - أن أهل الشام بايعوا معاوية بإيلياء (القدس) (3)، لأنه لم
يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي، رضي الله
____________
(1) من المعروف من أحداث سقيفة بني ساعدة، أن أهم الأسس التي اعتمد عليها أبو بكر - وعمر -
في إسناد الخلافة إلى أبي بكر، أنه من قريش - (وذلك عندما نادى الأنصار بيعة سعد بن
عبادة، ثم منا أمير ومنكم أمير) عندما حدث ذلك كانت القرابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي الفيصل،
قال أبو بكر: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولن تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فقد
يعلم ملأ منكم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأئمة من قريش، فأنتم أحقاء أن لا تنفسوا على
إخوانكم المهاجرين ما ساق الله إليهم، حتى اعتبر النسب القرشي بعد ذلك شرطاً في الإمامة
عند السنة.
(2) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 439 - 440 (القاهرة 1964).
(3) أنظر عن إيليا - وهي القدس، وهي أورشليم، (محمد بيومي مهران: إسرائيل - الجزء الثاني
ص 812 - 866 - الإسكندرية 1978).
عنه، ليمانعوا به أهل الشام، فلم يتم لهم ما أرادوه وحاولوه، وإنما كان خذلاناً
لهم من قبل تدبيرهم، وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون
لعظموا ما أنعم الله به عليهم من متابعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد
المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم.
والدليل على أن سيدنا الحسن بن علي، أحد الخلفاء الراشدين، الحديث
الشريف الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والذي رواه الأئمة: أحمد بن حنبل والترمذي وأبو يعلى وابن حبان، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً.
هذا وقد كملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي، فإنه نزل عن
الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال
ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم، إنما توفي في ربيع الأول سنة
إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوته صلوات الله وسلامه عليه وقد
مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على صنيعه هذا، وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في
الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل الملك بيد
معاوية بن أبي سفيان، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد (1).
وروى المسعودي في مروج الذهب: أنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
الخلافة بعدي ثلاثة سنة، لأن أبا بكر رضي الله عنه، تقلدها سنتين وثلاثة
أشهر وثمانية أيام، وعمر، رضي الله عنه، عشر سنين وستة أشهر، وأربع ليال،
وعثمان رضي الله عنه، إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، وثلاثة عشر يوماً،
وعلي رضي الله عنه، أربع سنين وسبعة أشهر، إلا يوماً، والحسن رضي الله
____________
(1) الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 18 (القاهرة 1351 هـ/ 1933 م).
عنه، ثمانية أشهر، وعشرة أيام، فذلك ثلاثون سنة (1).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه: أخرج الحافظ عبد الله بن الإمام أحمد بن
حنبل بسنده عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم
قال رجل - كان حاضراً في مجلس عبد الله - فقال: قد دخلت في هذه الثلاثين
سنة شهور في خلافة معاوية، فقال من حضر: إن تلك الشهور كانت فيها
البيعة للحسن، بايعه أربعون ألفاً، واثنان وأربعون ألفاً، ولما قتل علي
رضي الله عنه، بايع أهل الكوفة الحسن بن علي، رضي الله عنه، وأطاعوه،
وأحبوه أشد من حبهم لأبيه، وكان قد ولي الخلافة سبعة أشهر، وأحد عشر
يوماً، وكان التقاؤه بمعاوية بمسكن من أرض العراق، فتصالحا في ربيع
الأول، سنة إحدى وأربعين.
ويقول ابن خلكان (أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر
- 608 - 681 هـ/): روى سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخلافة
بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً أو ملوكاً - وكان آخر ولاية الحسن بن علي،
رضي الله عنه تمام ثلاثين سنة، وثلاثة عشر يوماً، من أول خلافة أبي بكر
الصديق، رضي الله عنه (2).
ويقول ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - بعد أن ذكر
الحديث - الآنف الذكر - الذي رواه سفينة - الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير
ملكاً، فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسن بن علي،
رضي الله عنه، الأمر إلى معاوية، وكان معاوية أول الملوك (3).
____________
(1) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر 1 / 715 - (دار الكتاب اللبناني - بيروت
1402 هـ/ 1982 م).
(2) ابن خلكان: وفيات الأعيان 2 / 66 (دار صادر - بيروت 1977 م).
(3) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري ص 29 (دار القبلة
للثقافة الإسلامية - جدة 1405 هـ/ 1984 م).
وهكذا يتفق العلماء على أنه لم يكن في الثلاثين سنة التي حددها
النبي صلى الله عليه وسلم، من بعده للخلافة، إلا الخلفاء الراشدون الأربعة (أبو بكر وعمر
وعثمان وعلي)، وكملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي، المدة التي
مكث فيها خليفة حق، وإمام عدل، تحقيقاً لما أخبر به جده المصطفى صلى الله عليه وسلم،
بقوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ومن ثم فقد كانت خلافة الحسن بن علي بن
أبي طالب، منصوصاً عليها، وإن كانت محدودة الأجل.
ثم يبدأ - بعد الحسن بن علي - الملك العضوض بً معاوية بن
أبي سفيانً (40 - 60 هـ/ 660 - 680 م) فلقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف
عن سعيد بن جمهان قال: لسفينة (مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، إن بني أمية يزعمون
أن الخلافة فيهم، قال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك، ومن أشد الملوك،
وأولهم معاوية.
هذا ويسمى شيخ الإسلام ابن تيمية معاوية بن أبي سفيان بالملك، فيقول
في كتابه منهاج السنة: لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيراً من معاوية، ولا
كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية (1).
هذا وقد أشرنا آنفاً إلى رواية الحافظ ابن كثير، والتي يفرق فيها بين عهد
الإمام الحسن بن علي وعهد معاوية بن أبي سفيان، فسمي عهد الأول خلافة،
وعهد الثاني ملكاً، فقال: وقد مدحه (أي الإمام الحسن) رسول الله صلى الله عليه وسلم، على
صنيعه، وهو ترك الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه
الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل الملك بيد معاوية (2).
____________
(1) ابن تيمية: المنتقى من منهاج الاعتدال ص 231 (مختصر منهاج السنة للحافظ الذهبي - مكتبة
دار البيان - دمشق 1374 هـ).
(2) الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 18.
هذا فضلاً عن أن معاوية بن أبي سفيان نفسه، إنما كان يقول عن نفسه
أنا أول الملوك، هذا فضلاً عن أن الجملة التي ينسبها أنصار معاوية و مريدوه
إلى عبد الله بن عباس، على أنها مديح لمعاوية. لا تعدو وصفه بالملك، وليس
الخليفة، وهي قوله: ما رأيت رجلاً كان أخلق بالملك من معاوية (1).
أضف إلى ذلك كله، أن القاضي أبا بكر بن العربي (468 - 543 هـ)،
والذي كتب كتابه العواصم من القواصم للدفاع عن معاوية وبني أمية، إنما
يتحدث فيه عن مراتب الولاية، على أنها: خلافة ثم ملك، فتكون ولاية الخلافة
للأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي)، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية (2).
وعلى أية حال، فإن المؤرخين إنما يذهبون إلى أن معاوية بن أبي سفيان
إنما قد أحاط نفسه بكل مظاهر الملك، فقد لازم الخلافة الإسلامية في عهده
طابع سياسي، أكثر منه دينياً، وأصبحت كلمة ملك - بمعنى الحاكم المطلق
(أوتوقراطي) - يطلقها المؤرخون عليه، وعلى خلفائه من حكام بني أمية، وهو
نفسه الذي قال: أنا أول الملوك.
وقد استحدث معاوية أموراً لم تعرفها من قبل خلافة الراشدين، فبنى
لنفسه قصراً في دمشق سماه الخضراء، وهو قصر ضخم، أراد به معاوية أن
ينافس قصور الرومان، وكان أبو ذر الغفاري - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - ينكر على
معاوية أموراً كثيرة، قال أبو ذر: لقد حدثت أعمالاً لا أعرفها، والله ما هي في
كتاب، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً
مكذباً، وأثرة بغير تقى.
وأراد معاوية أن يتلطف إلى أبي ذر، ويتقرب إليه، فدعاه إلى قصره
____________
(1) ابن تيمية: المنتقى من منهاج الاعتدال ص 231.
(2) القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: العواصم عن القواصم - حققه محب الدين الخطيب - خرج
أحاديثه محمود مهدي الاستانبولي ص 215 (دار الكتب السفية - القاهرة 1405 هـ).
الخضراء هذا، فقال له أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه الأبهة من مال الله،
فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف (1).
هذا فضلاً عن اتخاذه السرير - أو العرش - وجعل الحراس يمشون
بالحراب بين يديه، كما أوجد الشرطة لحراسته، وكان إذا صلى في المسجد،
جلس في بيت منفرد بجدران عرف باسم المقصورة
وأخيراً، فلقد أراد معاوية أن يجعل من الخلافة الإسلامية مزرعة أموية،
ومن ثم فقد استحدث في الإسلام بدعة ولي العهد، فاستخلف ولده يزيد
على سلطان المسلمين من بعده، فغير بذلك السنة الموروثة تغييراً خطيراً، الأمر
الذي أدى إلى مذبحة كربلاء، التي راح ضحيتها أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وذبحت
ذريته، فضلاً عن الاستباحة الخليعة لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في يوم الحرة،
والاعتداء على حرم الله الآمن بمكة المكرمة (2).
وكان سعيد بن المسيب، رضي الله عنه، يسمى سني يزيد بن معاوية
بالشؤم، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والثانية استبيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهكت حرمة المدينة، والثالثة سفكت
الدماء في حرم الله، وحرقت الكعبة (3).
وهكذا يبدو واضحاً أن خلافة سيدنا الإمام الحسن بن علي بن
أبي طالب، إنما كانت نهاية الخلافة، - كما أخبر جده النبي صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فهو
____________
(1) أنظر: ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 256، عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين
1 / 170 (ط مكتبة غريب - القاهرة 1985).
(2) محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 48 - 50 (دار النهضة العربية - بيروت
1990 م).
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 253 (دار بيروت - بيروت 1400 هـ/ 1980 م).
خامس الراشدين، حيث ينتهي بعهده عهد الخلافة، ويبدأ عصر الملوك،
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك
ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض (1).
وفي رواية الحافظ أبي نعيم عن الليث عن عبد الله بن سابط عن
أبي ثعلبة الخشني عن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهما قالا: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم
كائن ملكاً عضوضاً ثم كائن عتواً وجبرية، وفساداً في الأمة، يستحلون الحرير
والخمور، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل (2).
وفي رواية أبي داود بسنده عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك - أو ملكه - من
يشاء (3).
وفي رواية الطحاوي خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء
أو الملك (4).
وفي سنن أبي داود: قال سعيد، قال لي سفينة: أمسك عليك: أبا بكر
سنتين، وعمر عشراً، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي كذا، قال سعيد: قلت
لسفينة: إن هؤلاء (أي بني أمية) يزعمون أن علياً عليه السلام، لم يكن بخليفة،
قال: كذبت أستاه بني الزرقاء، يعني مروان (5).
____________
(1) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ص 29 (جدة 1984).
(2) الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: دلائل النبوة ص 481 (دار الباز - مكة المكرمة
1977 م).
(3) سنن أبي داود 2 / 515 (ط الحلبي - القاهرة 1371 هـ/ 1952 م).
(4) شرح العقيدة الطحاوية (بيروت 1392 هـ) ص 545.
(5) سنن أبي داود 2 / 515.
وفي رواية الطبراني عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بسنده: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة،
ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً، وجبرية، وفساداً في الأرض، يستحلون
الحرير والفروج والخمور، ويرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله
عز وجل.
وفي الخصائص الكبرى: وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي
والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلافة النبوة
- وفي لفظ: الخلافة في أمتي - ثلاثون عاماً، ثم يكون ملكاً.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، عن
النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم
كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً وجبرية، وفساداً في الأمة، يستحلون الفروج
والخمور والحرير، وينصرون على ذلك ويرزقون أبداً، حتى يلقوا الله.
وأخرج البيهقي عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلافة
نبوة ثلاثون عاماً، ثم يؤتي الله الملك من يشاء، فقال معاوية: قد رضينا
بالملك.
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة
بالمدينة، والملك بالشام (1).
وهكذا تشير الأحاديث النبوية الشريفة إلى أن الخلافة إنما تنتهي بخلافة
____________
(1) الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي: الخصائص الكبرى 2 / 115
- 116 (دار الكتب العلمية - بيروت).
الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأن الملك إنما يبدأ بمعاوية بن
أبي سفيان (مؤسس الدولة الأموية 41 - 132 هـ/ 661 - 750 م)، ومن ثم
فمعاوية أول ملوك الإسلام، وكان معاوية نفسه دائماً يقول أنا أول الملوك.
وروى الحافظ ابن كثير عن حنبل بن إسحاق قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا
ابن أبي عتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال: قال معاوية: أنا أول الملوك،
وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب
قال: كان معاوية يقول: أنا أول الملوك، وآخر خليفة.
هذا وكان الصحابي الجليل - سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه يسلم
على معاوية بن أبي سفيان بالملك وبالخلافة أو إمارة المؤمنين، روى
ابن الأثير في الكامل أنه: لما استقر الأمر لمعاوية، دخل عليه سعد بن
أبي وقاص، فقال: السلام عليك أيها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان
عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين؟ فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟
والله ما أحب أني وليتها بما وليتها (1) به.
وروى اليعقوبي فقال: ودخل سعد بن مالك (سعد بن أبي وقاص)
فقال: السلام عليك أيها الملك، فغضب معاوية فقال: ألا قلت: السلام عليك
يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كنا أمرناك، إنما أنت منتنر (2).
وليس هناك إلى سبيل من ريب في أن الملك أقل درجة من الخلافة،
يقول الإمام ابن تيمية في فتاويه: وأن خبره صلى الله عليه وسلم، بانقضاء خلافة النبوة فيه الذم
للملك، والعيب له، لا سيما، ومن حديث أبي بكرة أنه استاء للرؤيا، وقال:
خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء (3).
____________
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 409 (بيروت 385 هـ/ 1965 م).
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 (بيروت 1400 هـ/ 1980 م).
(3) فتاوى ابن تيمية 35 / 21 - 22 (الرياض 1386 هـ).
وفي رواية أبي داود، عن سعيد بن جمهان: خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم
يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء (1).
ويقول الحافظ ابن كثير: والسنة (أي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن يقال لمعاوية
ملك، ولا يقال له خليفة كحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم
تكون ملكاً عضوضاً (2)، وفي رواية خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله
الملك من يشاء، أو ملكه من يشاء (3).
هذا وقد أطلق الإمام ابن تيمية في كثير من أجزاء فتاويه لقب الملك
على معاوية، يقول في الجزء الرابع: واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك
هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً
ورحمة، كما جاء في الحديث يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة
ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض، وأما من
قبله فكانوا خلفاء نبوة، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: تكون خلافة النبوة ثلاثين
سنة، ثم تصير ملكاً (3).
ويقول في الجزء الخامس والثلاثين: وفي عام الجماعة، لاجتماع الناس
على معاوية، وهو أول الملوك (4). ومن عجب أن يقول الشيخ الخضري
(محمد بن عفيف الباجوري الخضري 1289 - 1345 هـ/ 1872 - 1927 م) أن
التاريخ يسمي معاوية الخليفة المتغلب، وهذا - فيما يرى الشيخ التباني - كذب
على التاريخ، فإنه لم يسمه خليفة، فضلاً عن كونه متغلباً، فقد اتفق أهل السنة
والجماعة على أن معاوية في مدة الإمام علي وولده الإمام الحسن، لم يكن
خليفة، وإنما كان من الملوك، وإنما اختلفوا في تسميته بعد تنازل الحسن له،
____________
(1) سنن أبي داود 2 / 514 - 515 (القاهرة 1371 هـ/ 1952 م).
(2) الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 146.
(3) سنن أبي داود 2 / 514 - 515.
(4) فتاوى ابن تيمية 4 / 478، 35 / 19.
واجتماع المسلمين عليه، فقيل صار خليفة، وقيل: لا، لقوله صلى الله عليه وسلم: الخلافة
بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً، وقد اتفقوا على أنها تمت بمدة
الحسن.
أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان
وممن ذكر هذا الاتفاق والاختلاف الكمال بن الهمام في مسايرته (1).
ومن البدهي أن ما ينطبق على معاوية - من أنه ملك، وليس خليفة، اتباعاً
للسنة النبوية الشريفة - إنما ينطبق على خلفائه من حكام بني أمية، فهم جميعاً
ملوك، وليسوا خلفاء، والأمر كذلك بالنسبة لبني العباس، فضلاً عن العثمانيين،
والذين انتهت خلافتهم (؟) بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، حيث قام
كمال أتاتورك (1298 - 1351 هـ/ 1880 - 1938 م) بإلغاء الخلافة العثمانية
في 22 رجب عام 1342 هـ(3 مارس 1924 م) (2).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك تصوراً آخر لتطور الخلافة،
يجعلها في ثلاثة أطوار، قدمه لنا العلامة الباقوري (3) - طيب الله ثراه - وهي:
1 - الطور الأول: طور الخلافة الراشدة:
وهو طور اجتهاد في نصرة الحق بكل ما ينطوي عليه الاجتهاد من خطأ أو صواب، ومن سداد في الرأي،
أو سوء في التأويل، ومن تلمظ إلى لذاذات السلطان، أو إيثار لمقتضيات
الإيمان.
2 - الطور الثاني: - طور الملك العضوض:
فقد انتقل أهل الإسلام من الشورى التي أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ولزمها الخلفاء الراشدون، إلى صورة أخرى
____________
(1) محمد العربي التباني: تحذير العبقري من محاضرات الخضري - بيروت 1984 ص 230
- 232.
(2) أنظر عن نهاية الخلافة العثمانية (عمر عبد العزيز عمر: تاريخ المشرق العربي - دار النهضة
العربية - بيروت 1984 ص 293 - 296).
(3) أحمد حسن الباقوري: مع القرآن - القاهرة 1970 ص 14 - 46.
من نظام الحكم، كان العرب يعرفونها بالقيصرية أو الكسروية، وسماها
الرسول صلى الله عليه وسلم الملك العضوض - كما رأينا آنفاً في أحاديث نبوية شريفة -.
والعضوض: بناء لغوي يعطي معنى المبالغة في العض، ويوصف به
المذكر والمؤنث، وهو مستعار من عض الناب، فكان هذا النوع من الحكم
يعض الرعية عضاً، ومن ذلك يقول العرب: زمن عضوض، يعنون أنه كلب
مسعور.
والخصيصة البارزة للملك العضوض، أنه مغري بطمس كل حقيقة
مأثورة، تخالف هواه، لكي لا ينبعث عنها ما ينبه غافلاً، أو يرشد حائراً، أو
يذكر ناسياً، أو يشد عزمة واهية، إلى وصل حاضر واهن بماض قوي مجيد.
ومن أعجب شئ في طمس الحقائق أن يستمر ملوك بني أمية على
عداوتهم لأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - حتى
بعد أن لحق بالرفيق الأعلى - راضياً مرضياً عنه - فيتجاهلون في هذا الموطن،
كرائم الأخلاق العربية، وفضائل الآداب الإسلامية، ليأمروا عمالهم وعفاتهم
- غير محتشمين الموت - أن يلعنوا الإمام علي (والعياذ بالله) على المنابر في
بيوت الله، بين أسماع المسلمين وأبصارهم.
ولم تزل هذه الخسيسة - خسيسة لعن الإمام علي على المنابر في بيوت الله
- تطارد كل يوم جمعة، شرف العروبة، وأدب الإسلام، حتى قضى عليها
الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فأمر، رضي الله عنه، أن تستبدل بهذه
البدعة الخسيسة المنكرة، الآية الشريفة من كتاب الله، * (إن الله يأمر بالعدل
والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم
لعلكم تذكرون) * (1).
____________
(1) سورة النحل: آية 90.
ومن أعدل الشهود على خساسة هذا الطور من الخلافة، مراسيل الحسن
البصري (21 - 110 هـ/ 642 - 728 م)، وهو التابعي الورع، رضيع أم سلمة،
أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان من شيعة الإمام علي وأهل مودته، وكان
يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث المرسل: هو ما سقط من سلسلته
الصحابي، كقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا أو فعل كذا، أو فعل
بحضرته كذا، وقد كانت تلك طريقة الحسن البصري، فيما يرويه من حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يذكر الصحابي الذي يروي عنه، ويقول: إنهم
ليعلمون عمن أروي الحديث.
وقد سأل أحد طلاب الحديث الحسن ذات يوم فقال: يا أبا سعيد، إنك
تحدثنا وتقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبذا لو أسندت الحديث إلى من حدثك
من أصحاب النبي، فقال الحسن: إنا والله ما كذبنا، وما كذبنا، ولقد غزونا
غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا وقد سأل يونس بن عبيد - من أهل العلم - الحسن البصري، فقال: يا
أبا سعيد، إنك تقول: قال رسول الله، وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي، لقد
سألتني في شئ، ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني
في زمان كما ترى - يعني زمن الحجاج - كل شئ سمعتني أقوله، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في هذا الزمان لا أستطيع
أن أذكر علياً (1).
هذا وقد وثق أهل العلم بالحسن البصري، فقال ابن المديني: مرسلات
الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منه، وقال
يحيى بن سعيد القطان: ما قاله الحسن في حديثه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا
وجدنا له أصلاً، إلا حديثاً أو حديثين، وقال محمد بن سعيد: كل ما أسند من
____________
(1) أنظر: شرح نهج البلاغة 4 / 95 - 96.
حديث الحسن، أو روي عمن سمع منه، فهو حسن وحجة (1).
وقال الأعمش: ما زال الحسن البصري (2) يعي الحكمة، حتى نطق بها،
وكان إذا ذكر عند الإمام أبي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين، قال: ذاك
الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء (3).
3 - الطور الثالث: طور العصبية الجامحة:
وهي ضربان: عصبية عروق تستند إلى الأنساب، وعصبية مذاهب تستند إلى الأفكار.
____________
(1) الباقوري: مع القرآن ص 16 - 18.
(2) الحسن البصري: هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد، وهو ابن مولى من ميسان
أحضر إلى المدينة وقت الفتح، وقد ولد الحسن بالمدينة 21 هـ(642 م) ونشأ في وادي القرى ثم
انتقل إلى البصرة، وقد عرف سبعين من رجال غزوة بدر، وروى عن عدد منهم، وأكثر مروياته
عن أنس بن مالك، وكان يعلن رفضه لبيعة يزيد بن معاوية، وهو القائل أربع خصال كن في
معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة كانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها
أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا
خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد
للفراش، وللعاهر الحجر، وقتله حجراً، ويلا له من حجر، مرتين.
هذا ويعد أهل السنة الحسن البصري منهم، ويراه المعتزلة معتزلياً، فمؤسسا الاعتزال
- واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد - تلميذاه، كما أنه مال إلى القول بحرية الإرادة، وكان ورعه
ذا أثر في الاتجاه الصوفي في علم الكلام، وانظر عن مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد 7 / 156
- 178، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1 / 2 / 40 - 42، الفهرست لابن النديم ص 37 - 38،
183، حلية الأولياء 2 / 131 - 161، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 68 - 69، تهذيب التهذيب
لابن حجر 2 / 263 - 270، المعتزلة لابن المرتضى ص 18 - 24، وفيات الأعيان 2 / 69 - 73،
شذرات الذهب 1 / 136 - 138، الأعلام للزركلي 2 / 242، تذكرة الحفاظ ص 71 - 72، ميزان
الاعتدال 1 / 254)، كما قدمت عنه عدة دراسات، أهمها، 1 - عبد الرحمن الجوزي: فضائل
الحسن البصري - القاهرة 1350 هـ، 2 - عبد الغني المقدسي: أخبار الحسن البصري،
3 - إحسان عباس: الحسن البصري - القاهرة 1952 م.
أما آثاره: فأهم ما ينسب إليه: 1 - تفسير القرآن، 2 - القراء. 3 - رسالة في القدر.
4 - فضائل مكة. 5 - فرائض. 6 - رسالة في التكاليف. 7 - شروط الإمامة. 8 - وصية النبي
لأبي هريرة. 9 - الاستغفارات المنقذة من النار. 10 - الأسماء الإدريسية. 11 - الأخبار
المتفرقة.
(3) حلية الأولياء 2 / 147.
1 - فأما عصبية العروق:
فإنها فطرة في النفس الإنسانية، ومن أجل هذا لم يقاومها الإسلام، مقاومة تقضي عليها، وإنما كان شأنه معها، كشأنه مع سائر
الأمور الفطرية، يقوم فيها ما أعوج، وينهنه منها ما غلا، وشاهد ذلك أن
النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتسنم الشرف من بيته وقبيلته وقومه، وذلك حيث يقول:
إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من
قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (1).
فالاعتزاز بالعصبية فطرة لم يقاومها الإسلام، وإنما قاوم الظلم الناجم
عنها، حتى تستقيم الحياة على ما ينفع الناس.
غير أن العرب - بما فيهم من فضائل فطرية، ظاهرتها فضائل الدين - لم
يستطيعوا الاحتفاظ طويلاً بهضم نفوسهم، وقهر شهواتهم، فنزعوا إلى الاستعلاء
بالعروق، والاستطالة بالأنساب، فلما مهد الإسلام لهم سبل النعمة، ومكن لهم
من السلطان، استغلظت بينهم الفتن، وضرب بعضهم رقاب بعض، حتى خيم
عليهم الفناء، وكانت السنة المألوفة في صدر الإسلام، أن تكون كتائب الجيش
من القبائل العربية، وأن يكون أمراؤها من ساداتها.
ثم كان الملك العضوض يتربص الدوائر بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، الطاهرين
المطهرين، ضرباً بالسيوف، وقعصاً بالرماح، وصلباً على الأعواد، يحدث ذلك
كله - ويا للعجب - بين أسماع الأمة وأبصارها.
ولم تكن عصبيات العروق قد ماتت في أنفس المسلمين، من غير العرب،
فبدأت تستيقظ عاقدة آملة، وأعتى الشرور، شر يزحف مدفوعاً بالحقد مزوداً
بالأمل، وأي أمل آمل من آل البيت، يتخذهم الطامعون في السلطان، مسعر
فتنة، كما اتخذ بنو أمية وتباعهم - أول عهد دولتهم بالحياة - قميص عثمان لسان
فتنة، لا يجاريه في فصاحته وبيانه لسان.
____________
(1) صحيح مسلم 15 / 36، القسطلاني: المواهب اللدنية 1 / 13.
وقامت دولة بني العباس (132 - 156 هـ/ 750 - 1258 م)، وقد شارك
في إقامتها أبناء فارس، وكان الظن ببني العباس أن يكونوا أقرب إلى الخلافة
منهم إلى الملك العضوض، وخاصة فيما يتصل بآل البيت، وخابت الظنون خيبة
ملأت من اليأس النفوس، وأو قرت الصدور حقداً آنفاً، إلى حقد قديم، فمضى
الملك العضوض في دولة بني العباس على الطريق نفسها، التي استنها الملك
العضوض في دولة بني أمية، وراح الخلفاء في هذه الدولة يركبون متون الظنون
إلى كل عظيمة، تتصل بالرعية التي أصابها الحرمان في كل مقدس، وفي ذروة
ذلك كله، الأمن والطمأنينة، ووحدة الكلمة.
ومهما يكن هذا السلوك مصيباً أو مخطئاً، ومثوباً أو خاطئاً - على ما
يختلف في ذلك المؤرخون - فليس هاهنا موضع الحكم عليه، ولا القضاء فيه،
وكل ما نريد أن نقول هو: أن الحقد يذكر بالحقد، والشر يغري بالشر
والمطامع عدوي.
ولما رأى المسلمون - من غير العرب - أن بني العباس كانوا يصدرون فيما
يأخذون، أو يدعون، مع أبناء عمومتهم، عن عصبية قبلية، أو عن أهواء ذاتة
راح زعماؤهم يفكرون في الحصول على السلطان، ولو أفضى ذلك إلى تقويض
دولة بني العباس.
ولم يكن من اليسير أن تدعو أية عصبية غير عربية إلى نفسها، دعوة
صريحة، فاتخذوا من آل البيت وسيلة إلى غايات بعيدة المدى، كثيفة الحجاب،
والتف من حول هذه الدعوات كثيرون، بعضهم يدفعه إلى ذلك حب آل البيت،
ورغبة في الانتصاف لهم، وبعضهم يدفعه حقد دفين، وغيظ كظيم، فهاجت
الفتن هياجاً شديداً، واستوعبت كثيراً من أهل السياسة، وأهل العلم، فضلاً عن
الأدباء والشعراء.
وفي نفس الوقت كانت الدولة العباسية تخبط خبط عشواء، فحيناً تصادف
حقاً، وأحياناً تواقع باطلاً، حتى انتكث فتلها، وأجهز عليها عملها، وقامت
الدويلات تتحداها في أكثر من موضع، ولم يزل الأمر على ذلك، حتى استقرت
الخلافة في تركيا في آل عثمان، وكانت هذه آخر مراحلها، وفيها لفظت آخر
أنفاسها (1)، في الثاني والعشرين من رجب سنة 1342 هـ، الموافق الثالث من
شهر مارس سنة 1924 م، عندما أعلن مصطفى كمال أتاتورك (1298 -
1351 هـ/ 1880 - 1938 م) إلغاء نظام الخلافة نهائياً، والتي استمرت أكثر من
أربعة قرون، وخلا العالم الإسلامي - وللمرة الأولى في تاريخه - ممن يحمل
لقب الخليفة، أو حتى سلطان المسلمين.
2 - وأما العصبية المذهبية:
فلقد انقسم المسلمون إلى مذاهب ثلاثة:
أهل السنة والشيعة والخوارج.
فأما مذهب أهل السنة: فخصيصته تظهر في أمرين، أولهما: ترتيب
الخلفاء الراشدين من الفضل حسب ترتيبهم في الولاية، فهم في الذكر والفضل
معاً على هذا الترتيب: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
وثاني الأمرين: أن ما وقع من السلف الصالح من قتال، إنما كان الدافع
إليه الاجتهاد، وبذل الوسع في طلب الحق.
2 - وأما مذهب الشيعة:
فهو مذهب الذين يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وسلم،
ويوالونهم من أتباع أمير المؤمنين سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله
عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وابنيه - الإمام الحسن والإمام الحسين، عليهم
السلام -.
والصورة المجملة لمذهب الشيعة - كما سنرى - أن الإمامة ليست من
المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، بل هي ركن الدين، وقاعدة
الإسلام، وفي رأيهم أنه لا يجوز أن يغفل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الركن، ولا أن
____________
(1) الباقوري: مع القرآن ص 20 - 23.
يفوضه إلى الأمة، والإمام علي، هو الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون خليفة
للمسلمين.
3 - وأما الخوارج:
فإن أصح الناس نظراً، وأقواهم بياناً، لا يبلغ من
صفتهم، ما بلغ الحديث المأثور: حدثاء الأسنان، تحقرون صلاتكم بصلاتهم،
وصيامكم بصيامهم، يقرأون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين،
كما يمرق السهم من الرمية (1).
وقد كانوا من التنطع في القول والفعل والتفكير بالمنزلة التي يرثي لها
الشامت، فلقد خرجوا على الإمام علي بعد واقعة التحكيم - وكانوا من قبل
أصحابه وأنصاره في الجمل وصفين - واتخذوا لأنفسهم شعاراً، تستأسر له
عواطف المسلمين، فذلك قولهم لا حكم إلا لله (2).
ويرد سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله
وجهه في الجنة - على شعارهم هذا بقوله. كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا
حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة، وإنه لا بد للناس من أمير، بر أو
فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل،
ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من
القوي، حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر (3).
وشر ما في هؤلاء الخوارج من شر، أنهم كانوا يتأولون القرآن تأولاً
يفسدون به نظام الأمة، ويشوهون به وجه الإسلام.
ومن أعجب زيغهم عن الحق، أنهم لا يتعرضون للمشركين بضر، لأن
____________
(1) أنظر روايات مختلفة للحديث الشريف (النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب، رضي الله عنه ص 95 - 105 - بيروت 1983 م، سيرة ابن هشام 4 / 370.)
(2) أنظر عن الخوارج (ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 4 / 132 - 278).
(3) شرح نهج البلاغة 2 / 307.
الكفر في مذهبهم عاصم لدماء الكفار، تأويلاً لقول الله تعالى: * (وإن أحد من
المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) * (1)، وفي
نفس الوقت يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وقد أسرفوا في هذا
إسرافاً جعل المسلم، إذا وقع في أيديهم، يزعم أنه مشرك، لينجو من
بطشهم (2).
ومن أعجب زيغهم عن الحق أيضاً، أنهم كانوا يستحلون قتل أطفال
المسلمين، يتأولون في ذلك قول الله تعالى - حكاية عن نوح عليه السلام -
* (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك
ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) * (3)، فكانوا يستندون في قتل أبناء المسلمين إلى
هذه الآية الكريمة، يتأولونها على أن هؤلاء الأطفال صائرون إلى الكفر والفجور،
إذا بلغوا مبلغ الرجال، وبهذا يسوغ قتلهم.
وليس يعرف الناس منطقاً، أدخل في باب الخبل، وأنأى عن مقاصد
الشريعة، وأشد حرباً لكتاب الله، من هذا المنطق الخبيث (4).
____________
(1) سورة التوبة: آية 6.
(2) أنظر أمثلة الكامل للمبرد 30 / 212، شرح نهج البلاغة 2 / 280 - 283.
(3) سورة نوح: آية 26 - 27.
(4) الباقوري: مع القرآن ص 43 - 44.
تاسعاً: إمامة المفضول
يقول ابن حزم: إن الخوارج والشيعة - ما عدا الزيدية - وقوم من
المعتزلة، يذهبون إلى أنه لا تجوز إمامة أحد، إذا وجد من هو أفضل منه، قال
أبو الحسن الأشعري: يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه في شروط
الإمامة ولا تنعقد الإمامة لأحد، مع وجود من هو أفضل منه فيها - وإن أجاز بعض الأشاعرة عقد الإمامة للمفضول (1) -.
ويرى ابن حزم: أن عدم جواز عقد الإمامة للمفضول ليس صحيحاً، إذ لو
كان صحيحاً، لما صحت إمامة أبداً، إذ لا يتيقن الفضل في أحد بعد الصحابة،
مع توازي الناس في الفضل وتقاربهم، ثم يضرب ابن حزم مثلاً بقبيلة قريش
في زمانه (أي في الفترة 384 - 456 هـ/ 994 - 1064 م)، فإنها قد كثرت،
وطبقت الأرض من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى المشرق
إلى أقصى المغرب، فلا سبيل أن يعرف الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم،
بوجه من الوجوه (2).
وأما أهل السنة والزيدية والمرجئة، وقوم من المعتزلة، فقد ذهبوا إلى
إمامة المفضول، الذي في الناس أفضل منه، إذا كان المفضول قائماً بالكتاب
والسنة، يقول ابن حزم: وهذا هو الصواب، إلا إذا كان الفضل في جميع
الوجوه متيقناً، من الفضل البين والعلم - كما كان في أبي بكر (3).
وعلى أية حال، فهناك من يرى أنه لا يجوز إمامة المفضول بحال،
ويفسق المفضول، إذا سبق الأفضل بالدعوة (4).
على أن الزيدية (5) - رغم اعتقادهم بأفضلية الإمام علي بن أبي طالب على
____________
(1) البغدادي: أصول الدين - بيروت 1981 ص 293.
(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 110 (دار الباز - مكة المكرمة 1957).
(3) ابن حزم: الأصول والفروع 2 / 292 (تحقيق محمد عاطف العراقي - القاهرة 1978).
(4) أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 49.
(5) الزيدية: هم أتباع الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين، وبعد استشهاد زيد انقسم
=>
جميع الصحابة - إنما اعتقدوا في صحة خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما،
وأن طاعتهما واجبة، وإذا كان علي أفضل بمناقبه في الإسلام ومواقفه في
الحروب، فإن مصلحة المسلمين كانت في تولي الشيخين، يقول الشهرستاني:
كان علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة
فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة
الفتنة، تطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان
قريباً، وسيف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، من دماء المشركين من قريش
لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر، كما هي، فما كانت
القلوب تميل إليه كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، فكانت المصلحة
أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين، والتؤدة، و التقدم في السن،
والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا ترى أنه (أي أبو بكر) لما
____________
<=
تلاميذه إلى فرق، فجعلهم القاضي عبد الجبار ست فرق: هي الجارودية والسليمانية البترية
واليمانية والصباحية والعقبية (المغني في أبواب التوحيد والعدل 20 / 184 - 185 - القاهرة
1965) وذكر الرازي لهم ثلاث فرق هي: الجارودية والسليمانية والصالحية (اعتقادات فرق
المسلمين والمشركين ص 52 - 53)، وأما الأشعري فالرأي عنده أنهم ست فرق هم: الجارودية
والبترية والعقبية، ثم النعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة (والتي يرى أنها تتبرأ من أبي بكر
وعمر، ولا تنكر رجعة الأموات)، وأخيراً اليعقوبية (مقالات الإسلاميين 1 / 140 - 145)، وأما
النوبختي، فيقسمهم إلى الضعفاء والأقوياء (فرق الشيعة ص 57 - 58 - دار الأضواء - بيروت
1984 م)، على أن المسعودي إنما يذكر لهم ثماني فرق (مروج الذهب 3 / 220)، ويذكر
المقريزي خمس فرق هي: الجارودية والجريدية والبترية واليعقوبية والصباحية (خطط المقريزي
2 / 352 - 354).
ولا يذكر ابن تيمية (منهاج السنة 1 / 265) والبغدادي (الفرق بين الفرق ص 22 - 23)
والاسفراييني (التبصير في الدين ص 16 - 27) والشهرستاني (الملل والنحل 1 / 154 - 162) غير
ثلاث فرق هي: الجارودية والسليمانية والبترية، وانفرد ابن النديم يذكر فرقة القاسمية (الفهرست
ص 274)، وأما الملطي أقدم مؤرخي الفرق (ت 377 هـ/ 987 م)، فقد اعتبر الزيدية من جملة
الروافض بحجة طعنهم في عثمان، وإن كانوا يتولون أبا بكر وعمر، ثم قسمهم إلى أربع فرق
(التنبيه والرد ص 38 - 39، 156)، وانظر الزيدية وفرقها (الدكتور أحمد شوقي إبراهيم: الحياة
السياسية والفكرية للزيدية في المشرق الإسلامي - رسالة دكتوراه من قسم التاريخ - كلية الآداب
- جامعة المنيا - 1411 هـ/ 1991 م).
أراد في مرضه الذي مات فيه، تقليد الأمر عمر بن الخطاب، زعق الناس
وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر بن
الخطاب لشدته وصلابته، وغلظه في الدين، وفظاعته على الأعداء، حتى
سكنهم أبو بكر لو سألني ربي لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم.
وعلى أية حال، فإن إمامة المفضول عند الزيدية، ليست قاعدة عامة تطبق
في كل الأحوال، وإلا لسقط مبرر الخروج، وإنما قال به الإمام زيد لتبرير
شرعية خلافة أبي بكر، ولإسقاط دعوى الطاعنين فيه، ومن المعروف أن أهل
الكوفة والبصرة اشترطوا أن يتبرأ الإمام زيد من أبي بكر وعمر، حتى ينصروه،
فأبى زيد، وقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، وإني
لا أقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذن بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا
أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به، ودفعونا عنه، ولم يبلغ
ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة.
قالوا: فلم تقاتلوا هؤلاء إذن؟ قال: إن هؤلاء القوم (أي الأمويين) ليسوا
كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس، وظلموا أنفسهم وإني أدعو إلى كتاب الله،
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإحياء السنن، وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي،
وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه، ونفضوا بيعته وتركوه،
فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية.
وهكذا فإن الإمام زيد إنما قال بإمامة المفضول، لتبرير شرعية خلافة أبي
بكر، فضلاً عن إسقاط دعوى الطاعنين فيه، ومن ثم فإن أئمة الزيدية - بعد
الإمام زيد - إنما يقولون بوجوب إمامة الأفضل (1).
____________
(1) ابن كثير: البداية والنهاية 9 / 371، وانظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5 / 242 - 234، تاريخ
الطبري 7 / 180 - 181، تاريخ ابن خلدون 3 / 99، 4 / 346، المقريزي: الخطط 2 / 439، ابن
العماد الحنبلي: 1 / 158 - 159، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 137، ابن تيمية: منهاج
السنة 1 / 171، 2 / 105، الذهبي: سير الأعلام النبلاء 5 / 390، المقدسي: البدء والتاريخ
6 / 50، الصفدي: الوافي بالوفيات، ابن عساكر: تاريخ دمشق 6 / 21، 26، ابن العبري:
=>
وقالت الزيدية إن الإمام علي بن أبي طالب إنما كان مصيباً في كل
حروبه، ضد طلحة والزبير وغيرهما، وأن من قاتل الإمام علي أو حاربه كان
على خطأ ووجب على الناس محاربتهم مع علي (1).
ويقول الجارودية من الزيدية: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله
عنه، بالوصف، دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم
يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم،
فكفروا بذلك، وقد خالف أبو الجارود (زياد بن أبي زياد) - زعيم
الجارودية (2) - إمامة زيد بن علي في هذه المقالة، فإنه لم يعتقد هذا الاعتقاد (3).
____________
<=
مختصر تاريخ الدول ص 200 البغدادي: الفرق بين الفرق ص 34 - 36، الصبيان: إسعاف
الراغبين ص 22، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 162 - 163.
(1) القمي: كتاب المقالات والفرق ص 11 (هذا مع ملاحظة أن فرق الزيدية قد اختلفت في الصحابة
- بعد الإمام زيد - فالجارودية يطعنون في أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، ويفسقونهما بل قال
بعضهم بكفرهما، والعياذ بالله، (الرازي: اعتقادات فرق المسلمين ص 52 - 53، الكتبي:
فوات الوفيات 2 / 37، القاضي عبد الجبار المغني 20 - 185) وبعضهم كان يتبرأ من عثمان
رضي الله عنه ويكفره (الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 144 - 145، القاضي عبد الجبار:
المغني 20 / 184 - 185، الأصفهاني: مقاتل الطالبين ص 468) وبعضهم رضي بخلافة أبي
بكر وعمر، رضي الله عنهما، ولكنهم تهجموا على عثمان وكفروه، كما كفروا عائشة وطلحة
والزبير (النوبختي: فرق الشيعة ص 9، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 145، الشهرستاني:
الملل والنحل 1 / 164 - 165، القاضي عبد الجبار: المغني 20 / 184، الإسفراييني: التعبير في
الدين ص 17، الصفدي: الوافي بالوفيات 15 / 360، الجرجاني: التعريفات ص 107،
المقريزي: الخطط 2 / 352، المقدسي: البدء والتأريخ 5 / 133).
(2) القمي: كتاب المقالات والفرق - تحقيق محمد جوار مشكور - طهران 1963 ص 11.
(3) الجارودية: نسبة إلى مؤسسة زياد بن أبي زياد المنذر العبدي (المتوفى فيما بين عامي.
150، 160 هـ767، 776 م)، ويكنى أبا النجم، ويقال له النهدي والقفي والكوفي، كان من أتباع
الإمام محمد الباقر وولده الإمام جعفر الصادق، رضي الله عنهما، ثم تركهما ولحق بالزيدية، ولقبه
الإمام الباقر سر خوبا وهو شيطان كان يسكن البحر، وقال عنه الإمام الصادق: إنه أعمى القلب
والبصيرة، ويصفه النسائي بأنه متروك وليس بثقة، والجارودية من أهم فرق الزيدية، وإن كانوا
هم أنفسهم مختلفين فيما بينهم، وينسبون إلى أئمة أهل البيت العلم اللدني، فطرة وضرورة قبل
التعليم، وأن العلم ينبت في صدورهم كما ينبت الزرع المطر، وأن الحلال حلال آل محمد،
والحرام حرامهم، والأحكام أحكامهم، وأن صغيرهم وكبيرهم في الظلم سواء، وأنهم يقولون
برجعة الإمام المنتظر (وانظر عن الجارودية. الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 157 - 158،
=>
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الاتجاهات المختلفة في تفضيل
سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة -
على غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
روى ابن عبد البر (368 - 463 هـ) في كتابه الإستيعاب في معرفة
الأصحاب عن سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود،
وخباب، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم
- من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أول من
أسلم، وفضله هؤلاء الصحابة على غيره (1).
وقد سبق الإمام ابن حنبل، ابن عبد البر (2) إلى ذلك.
____________
<=
البغدادي: الفرق بين الفرق ص 30 - 32، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 141 / 150،
النوبختي فرق الشيعة ص 55 - 57، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 3 / 386، القمي:
المقالات والفرق ص 70 - 72.
(1) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 157 - 158، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 30، النوبختي:
فرق الشيعة ص 21، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 141، المقدسي: البدء والتأريخ
5 / 133، الإسفراييني: التبصير في الدين ص 16، ابن تيمية: منهاج السنة 1 / 265، الجرجاني:
التعريفات ص 64، ابن المرتضى القلائد ص 47.
(2) ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، إمام
عصره في الحديث والأثر، وما يتعلق بهما روى على كبار شيوخ عصره، وله مصنفات كثيرة
أهمها: 1 - الاستذكار لمذهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار،
وقد شرح فيه الموطأ على وجهه، ونسق أبوابه. 2 - الإستيعاب: وفيه ترجمة للصحابة.
3 - جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله. 4 - الدر في اختصار المغازي
والسيرة 5 - كتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم. 6 - كتاب في قبائل العرب
وأنسابهم، وغير ذلك من تواليفه.
وكان الحافظ ابن عبد البر، مع تقدمه في علم الأثر، وتبصره بالفقه ومعاني الحديث، له
بسطة في علم النسب، كما صنف بهجة المجالس وآنس المجالس في ثلاثة أسفار. هذا وقد
توفي ابن عبد البر يوم الجمعة، آخر يوم من شهر ربيع الآخرة، سنة ثلاث وستين وأربعمائة،
بمدينة شاطبة بشرق الأندلس، وهي نفس السنة التي توفي فيها الحافظ الخطيب أبو بكر أحمد بن
علي بن ثابت البغدادي، وكان حافظ الشرق، وابن عبد البر حافظ الغرب، وهما إمامان في علم
الحديث، وأما ولادة ابن عبد البر فكانت يوم الجمعة، والإمام، لخمس بقين من شهر ربيع
الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة (وفيات الأعيان 7 / 66 - 72، شذرات الذهب 3 / 314 - 316،
عبر الذهبي 3 / 255، ترتيب المدارك 4 / 808).
روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (164 - 241 هـ) في
كتاب فضائل الصحابة بسنده عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن علقمة
عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة،
علي بن أبي طالب.
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود قال: قرأت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبعين سورة، وختمت القرآن على خير الناس، علي بن أبي
طالب عليه السلام، (رواه الطبراني في الأوسط).
وعن عقبة بن سعد العوفي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله - وقد سقط
حاجباه على عينيه فسألناه عن علي، قال - فرفع حاجبيه بيده - فقال: ذاك من
خير البشر - أخرجه أحمد في المناقب.
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال:
سمعته يقول: ليس في آية القرآن * (يا أيها الذين آمنوا) *، إلا وعلي على
رأسها وأميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن، وما ذكر
علياً إلا بخير (1).
قال: وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة، والذخائر (2).
وعن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما مررت
بسماء، إلا وأهلها يشتاقون إلى علي بن أبي طالب، وما في الجنة نبي، إلا
وهو يشتاق إلى علي بن أبي طالب.
قال: أخرجه الملا في سيرته.
وفي شرح نهج البلاغة: والقول بتفضيل الإمام علي - رضي الله عنه،
____________
(1) الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 646، 2 / 654.
(2) الرياض النضرة: 2 / 292.
وكرم الله وجهه في الجنة - على جميع الصحابة قول قديم، قال به كثير من
الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: عمار، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان،
وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبو أيوب الأنصاري،
وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت،
وأبو الطفيل، عامر بن واثلة، والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافة،
وبنو المطلب كافة.
وكان الزبير من القائلين به في أول الأمر، ثم رجع، وكان من بني أمية
قوم يقولون بذلك، منهم خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن
عبد العزيز (1).
روى ابن الكلبي فقال: بينا عمر بن عبد العزيز جالساً في مجلسه، دخل
حاجبه، ومعه امرأة أدماء طويلة، حسنة الجسم والقامة، ورجلان متعلقان بها،
ومعهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر، فدفعوا إليه الكتاب، ففضه
فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، من
ميمون بن مهران، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فإنه ورد علينا أمر
ضاقت به الصدور، وعجزت عنه الأوساع (جمع وسع، وهو الطاقة)، وهربنا
بأنفسنا عنه، ووكلناه إلى عالمه، لقول الله عز وجل * (ولو ردوه إلى الرسول
وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (2).
____________
(1) الرياض النضرة 2 / 274، ذخائر القربى ص 89.
المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة 2 / 292 (طنطا 1372 هـ/ 1953 م)، وانظر
في الباب أحاديث أخرى (فضائل الصحابة 2 / 616، 2 / 663، 2 / 711 - 712،
المسند 1 / 157، صحيح الترمذي 5 / 29، كنز العمال 6 / 216، 7 / 102، المستدرك للحاكم
3 / 138، تهذيب الخصائص ص 29 - 31، تحفة الأشراف 7 / 353، الرياض النضرة
2 / 279 - 280.
(2) سورة النساء: آية 83.
وهذه المرأة والرجلان، أحدهما زوجها، والآخر أبوها، وإن أباها - يا
أمير المؤمنين - زعم أن زوجها حلف بطلاقها، أن علي بن أبي طالب
عليه السلام، خير هذه الأمة، وأولاها برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يزعم أن ابنته طلقت
منه، وأنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهراً، وهو يعلم أنها حرام عليه
كأمه.
وإن الزوج يقول: كذبت، وأثمت، لقد بر قسمي، وصدقت مقالتي،
وإنها امرأتي - على رغم أنفك، وغيظ قلبك - فاجتمعوا إلي يختصمون في
ذلك، فسألت الرجل عن يمينه، فقال: نعم، قد كان ذلك، وقد حلفت
بطلاقها: أن علياً خير هذه الأمة، وأولاها برسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفه من عرفه،
وأنكره من أنكره، فليغضب من غضب، وليرض من رضى.
وتسامع الناس بذلك، فاجتمعوا له، وإن كانت الألسن مجتمعة، فالقلوب
شتى، وقد علمت - يا أمير المؤمنين - اختلاف الناس في أهوائهم، وتسرعهم إلى
ما فيه الفتنة، فأحجمنا عن الحكم، لتحكم بما أراك الله، وإنهما تعلقا بها،
وأقسم أبوها أن لا يدعها معه، وأقسم زوجها أن لا يفارقها، ولو ضربت عنقها،
إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته، والامتناع منه فرفعناهم إليك
يا أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقك وأرشدك.
قال: فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية، وأفخاذ قريش، ثم
قال لأبي المرأة: ما تقول أيها الشيخ؟
قال: يا أمير المؤمنين، هذا الرجل زوجته ابنتي، وجهزتها إليه بأحسن ما
يجهز به مثلها، حتى إدا أملت خيره، ورجوت صلاحه، حلف بطلاقها كاذباً ثم
أراد الإقامة معها.
فقال له عمر: يا شيخ، لعله لم يطلق امرأته، فكيف حلف؟ قال الشيخ:
سبحان الله، الذي حلف عليه لأبين حنثاً، وأوضح كذباً، من أن يختلج في
صدري منه شك، مع سني وعلمي، لأنه زعم أن علياً خير هذه الأمة، وإلا
فامرأته طالق.
فقال الزوج: ما تقول؟ أهكذا حلفت؟ قال: نعم، فقيل: إنه لما قال
نعم، كاد المجلس يرتج بأهله، وبنو أمية ينظرون إليه شزراً، إلا أنهم لم ينطقوا
بشئ، كل ينظر إلى وجه عمر.
فأكب عمر ملياً ينكت الأرض بيده، والقوم صامتون، ينظرون ما يقوله،
ثم رفع رأسه فقال:
إذا ولي الحكومة بين قوم * أصاب الحق والتمس السدادا
وما خير الإمام إذا تعدى * خلاف الحق واجتنب الرشادا
ثم قال للقوم: ما تقولون في يمين هذا الرجل؟ فسكتوا، فقال:
سبحان الله، قولوا، فقال قائل من بني أمية: هذا حكم في فرج، ولسنا نجترئ
على القول فيه، وأنت عالم بالقول، مؤتمن لهم وعليهم، قل ما عندك، فإن
القول ما لم يكن يحق بالملأ، ويبطل حقاً، جائز علي في مجلسي، قال: لا
أقول شيئاً.
فالتفت إلى رجل من بني هاشم، من ولد عقيل بن أبي طالب، فقال له:
ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي؟ فاغتنمها فقال: يا أمير المؤمنين،
إن جعلت قولي حكماً، أو حكمي جائزاً، قلت، وإن لم يكن ذلك فالسكوت
أوسع لي، وأبقي للمودة، قال: قل وقولك حكم. وحكمك ماض.
فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا: ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين، إذ جعلت
الحكم إلى غيرنا، ونحن من لحمتك، أولي رحمتك، فقال: أسكتوا، أعجزاً
ولؤماً، عرضت عليكم ذلك آنفاً، فما انتدبتم له، قالوا: لأنك، لم تعطنا ما
أعطيت العقيلي، ولا حكمتنا كما حكمته.
فقال عمر: إن كان أصاب وأخطأتم، وحزم وعجزتم، وأبصر وعميتم،
فما ذنب عمر، لا أبا لكم، أتدرون ما مثلكم، قالوا: لا ندري، قال: ولكن
العقيلي يدري، ثم قال: ما تقول يا رجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كما قال
الأول: -
دعيتم إلى أمر فلما عجزتم * تناوله من لا يداخله عجز
فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم * نداماً، وهل يغني من القدر الحذر
فقال عمر: أحسنت وأوصبت، فقل ما سألتك عنه، قال: يا أمير
المؤمنين، بر قسمه، ولم تطلق امرأته، قال: وأني علمت ذلك.
قال: أنشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال
لفاطمة عليها السلام - وهو عندها في بيتها عائد لها - يا بنية ما علتك؟ قالت:
الوعك يا أبتاه - وكان علي غائباً في بعض حوائج النبي صلى الله عليه وسلم - فقال لها:
أتشتهين شيئاً؟ قالت: نعم أشتهي عنباً - وأنا أعلم أنه عزيز، وليس وقت عنب -
فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله قادر على أن يجيئنا به، ثم قال: اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي
عندك منزلة.
فطرق علي الباب، ودخل ومعه مكتل، وقد ألقى عليه طرف ردائه، فقال
له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا علي؟ قال: عنب التمسته لفاطمة، فقال: الله أكبر،
الله أكبر، اللهم كما سررتني بأن خصصت علياً بدعوتي، فاجعل فيه شفاء بنيتي،
ثم قال: كلي على اسم الله يا بنية فأكلت، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى
استقلت وبرأت.
فقال عمر: صدقت وبررت، أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل، خذ بيد
امرأتك، فإن عرض لك أبوها، فأهشم أنفه، ثم قال: يا بني عبد مناف، والله ما
نجهل ما يعلم غيرنا، ولا بنا عمي في ديننا، ولكنا كما قال الأول: -
تصيدت الدنيا رجالاً بفخها * فلم يدركوا خيراً بل استقبحوا الشرا
وأعماهم حب الغنى وأصمهم * فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا
قيل: فكأنما ألقم بني أمية حجراً ومضى الرجل بامرأته.
وكتب عمر إلى ميمون بن مهران: -
سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني قد
فهمت كتابك، وورد الرجلان والمرأة، وقد صدق الله يمين الزوج، وأبر قسمه،
وأثبته على نكاحه، فاستيقن ذلك، واعمل عليه، والسلام عليك ورحمة الله
وبركاته.
فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين، فخلق كثير، مثل
أويس القرني، وزيد بن صوحان، وصعصعة أخيه، وجندب الخير، وعبد
السلماني، وغيرهم ممن لا يحصي كثرة.
هذا ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر، إلا من قال بتفضيل
الإمام علي، ولم تكن مقالة الإمامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة
السلف، هم المسلمون الشيعة، وجمع ما ورد من الآثار والأخبار في فضل
الشيعة، وأنهم موعودون بالجنة، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم، ولذلك
قالت المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم: نحن الشيعة حقاً (1).
ويقول ابن أبي الحديد (586 - 656 هـ)، واختلفوا في التفضيل، فقال
قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عبيد وأبي إسحاق إبراهيم بن سيار
النظام وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وأبي معن ثمامة بن أشرس
وأبي محمد هشام بن عمرو الفوطي، وأبي يعقوب يوسف بن عبد الله
الشحام وجماعة غيرهم: أن أبا بكر أفضل من علي عليه السلام، وهؤلاء
يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل مثل ترتيبهم في الخلافة.
وقال البغداديون قاطبة - قدماؤهم ومتأخروهم - كأبي سهل بشر بن
المعتمر، وأبي موسى بن صبيح، وأبي عبد الله جعفر بن مبشر،
وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم عبد الله بن
____________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 20 / 221 - 222 (دار الفكر - بيروت 1387 هـ/ 1967).
محمود البلخي وتلامذته: إن علياً عليه السلام، أفضل من أبي بكر.
وإلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهاب
الجبائي أخيراً، وكان من قبل من المتوقفين، كان يميل إلى التفضيل، ولا
يصرح به وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته، وقال في كثير من
تصانيفه: إن صح خبر الطائر، فعلي أفضل (1).
ثم إن قاضي القضاة ذكر في شرح المقالات لأبي القاسم البلخي: أن
أبا علي ما مات، حتى قال بتفضيل علي عليه السلام، وقال: إنه نقل ذلك عنه
سماعاً، ولم يوجد في شئ من مصنفاته، وأنه يوم مات استدعى ابنه أبا هاشم
إليه - وكان قد ضعف عن رفع الصوت - فألقى إليه أشياء، من جملتها القول:
بتفضيل علي عليه السلام.
هذا وقد ذهب إلى تفضيل الإمام علي - من البصريين أيضاً - أبو عبد الله
الحسين بن علي البصري رضي الله عنه وكان متحققاً في تفضيله، حتى أنه صنف
فيه كتاباً مفرداً، وكذا قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد، وقد كان
متوقفاً، ثم قطع على تفضيل الإمام علي بكامل المنزلة، وهناك أيضاً أبو محمد
الحسن بن متوية صاحب التذكرة، وقد نص في كتاب الكفاية على تفضيله
للإمام علي، عليه السلام، على أبي بكر، رضي الله عنه، واحتج لذلك، وأطال
الاحتجاج.
ويقول ابن أبي الحديد: وأما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا
البغداديون من تفضيله عليه السلام، وبينا في كتبنا الكلامية معنى الأفضل،
____________
(1) حديث الطائر رواه الترمذي في صحيحه 2 / 299، وابن الأثير في أسد الغابة 4 / 110 - 111،
والهيثمي في مجمعه 9 / 126، والحاكم في المستدرك 3 / 130، والإمام أحمد في فضائل
الصحابة 2 / 560 - 562، والبخاري في الكبير 1 / 202، 1 / 1 / 385، والذهبي في تذكرة
الحفاظ 4 / 1042، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 211، وابن كثير في البداية والنهاية
7 / 351.
وهل المراد الأكثر ثواباً، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة، وبينا أن
الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، هو الأفضل وعلى التفسيرين معاً (1).
ويقول ابن الحديد: وأما الذي استقر عليه رأي المعتزلة - بعد اختلاف
كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره - أن علياً عليه السلام أفضل الجماعة،
وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها، وأنه لم يكن هناك نص يقطع العذر، وإنما
كانت إشارة وإيماء، لا يتضمن شئ منها صريح النص، وأن علياً عليه السلام،
نازع ثم بايع، وجمح ثم استجاب، ولو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة،
ولا بلزومها، ولو جرد السيف - كما جرده في آخر الأمر - لقلنا بفسق كل من
خالفه على الإطلاق، - كائناً من كان - ولكنه رضي بالبيعة أخيراً، ودخل في
الطاعة.
وبالجملة، أصحابنا (المعتزلة) يقولون: إن الأمر كان له، وكان هو
المستحق والمتعين، فأن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء ولاه غيره، فلما رأيناه قد
وافق على ولاية غيره، اتبعناه ورضينا بما رضي (2) به.
وأما الشيعة فيؤمنون بالنص على الإمام علي، وقد وضعت الشيعة الإمامية
العديد من الكتب في النص على الإمام علي عليه السلام، وجمعوا فيها الآيات
والأحاديث من طرق الشيعة والسنة، سواء بسواء، ومن أشهر هذه الكتب:
الشافي للمرتضى، ونهج الحق للعلامة الحلي، والجزء الثاني من دلائل
الصدق للمظفر، ونقض الوشيعة، والجزء الأول من أعيان الشيعة للسيد
الأمين، والمراجعات لشرف الدين، والغدير للأميني (3).
وسوف نناقش هذه الأدلة - من القرآن والسنة - في مكانها من هذه
المدرسة (الإمام علي والإمامة) وهو الجزء الثاني من هذا الكتاب.
____________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 20 / 222 - 226.
(2) شرح نهج البلاغة 10 / 226 - 227، أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 51.
(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 429 - 439.
وعلى أية حال - وعوداً على رأي الزيدية في إمامة المفضول - فإن الإمام
زيد، إنما يرى أن الإمامة يجب أن تكون مقصورة على الفاطميين - أبناء الإمام
علي بن أبي طالب من سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء - ولا تجوز
أبداً إمامة غيرهم (1). وإن ذهب رأي شاذ قال بعضهم الزيدية، يجيز الإمامة في
غير الفاطميين، من ولد علي عليه السلام (2).
وهكذا فقد جوز معظم الزيدية أن كل فاطمي زاهد عالم شجاع سائس
عادل سخي، خرج بالإمامة إنما يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد
الحسن أو الحسين (3)، وقد سار على هذا المذهب أكثر علماء الحديث والفقهاء
منهم سفيان الثوري وسفيان بن عيينة (4).
ويرجع الإمام يحيى بن الحسين أن السبب في اشتراط الإمام زيد أن
يكون الإمام فاطمياً، أنه يرى أن أبناء سيدة نساء العالمين - فاطمة الزهراء - إنما
____________
(1) يحيى بن الحسين: رسائل العدل والتوحيد 2 / 76، ابن النديم: الفهرست ص 253،
القلقشندي: صبح الأعشى 13 / 228، المقريزي: الخطط 2 / 352، تارخ ابن خلدون 1 / 165،
4 / 3، المقدمة ص 197، 200، شرح نهج البلاغة 9 / 87، الشهرستاني: الملل والنحل
1 / 159 - 160.
(2) شرح نهج البلاغة 9 / 87.
(3) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 160، المقريزي: الخطط 2 / 352.
(4) سفيان بن عيينة: أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، من الكوفة ثم انتقل
إلى مكة، كان إماماً عالماً، ثبتاً حجة زاهداً ورعاً، مجمعاً على صحة حديثه وروايته، روى عن
أعيان العلماء كالزهري، وعمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، والأعمش
وغيرهم، وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج وابن إسحاق وابن جريح والزبير بن بكار
وعمه مصعب، وعبد الرازق بن همام الصنعاني، ويحيى بن أكثم القاضي وخلق كثير. وقد ولد
سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة 107 هـ، وتوفي يوم السبت آخر جمادى الآخرة وقيل أول
رجب عام 198 هـ، ودفن بالحجون بمكة (أنظر: وفيات الأعيان 2 / 391 - 393، تاريخ بغداد
9 / 174، حلية الأولياء 7 / 270 - 318، صفوة الصفوة 2 / 130، تهذيب التهذيب 4 / 117،
ميزان الاعتدال 2 / 170، العقد الثمين 4 / 591، طبقات ابن سعد 5 / 497، شذرات الذهب
(1 / 354 - 355).
سيقيمون أكثر من غيرهم عمود الدين، وسنن الإسلام (2).
على أن الشيعة الإمامية إنما تحصر الإمامة في أولاد مولانا الإمام
الحسين، دون غيرهم من العلويين (2)، كما أن الشيعة الإمامية لا ترى إمامة
المفضول، الأمر الذي سنشير إليه بالتفصيل، فيما بعد.
وذهبت الحجرية - أتباع سليمان بن حجر الزيدي - إلى أن الإمامة شورى،
وأنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة، وأجاز إمامة المفضول، وأثبت إمامة
أبي بكر وعمر، وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما، لأن علياً كان
أولى بالإمامة منهما، إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفراً، ولا فسقاً (3).
هذا وقد اختلف أهل السنة في إمامة المفضول، فأباها شيخنا أبو الحسن
الأشعري (260 - 324 هـ/ 874 - 935 م)، وأجازها القلانسي (4).
وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 -
478 هـ/ 1028 - 1085 م) - فالرأي عنده: أن الذي يقع التعرض له من الفضل،
والقول في الفاضل والمفضول، ليس هو على أعلى القدر والمرتبة وارتفاع
الدرجة، والتقرب إلى الله تعالى في عمله، فرب ولي من أولياء الله، هو قطب
الأرض، وعماد العالم، ولو أقسم على الله لأبره، وفي العصر من هو أصلح منه
للقيام بأمور المسلمين، فالمعنى بالفضل استجماع الخلال التي يشترط اجتماعها
في المتصدي للإمامة.
____________
(1) يحيى بن الحسين: رسائل العدل والتوحيد.
(2) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 22 - 23، تاريخ ابن خلدون 1 / 161، شرح نهج البلاغة
9 / 87، الشهرستاني: الملل والنحل 2 / 4 / ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل
4 / 77.
(3) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 32 - 33.
(4) نفس المرجع السابق ص 352.
ومن ثم فقد صار طوائف من أئمتنا إلى تجويز عقد الإمامة للمفضول، مع
التمكن من العقد للأفضل الأصلح، واعتلوا بأن المفضول، إذا كان مستجمعاً
للشرائط المرعية، فاختصاص الفاضل بالمزايا، اتصاف بما لا تفتقر الإمامة
إليه، فإذا عقدت الإمامة لمن ليس عارياً عن الخلال المعتبرة، استقلت
بالصفات التي لا غنى عنها، ولا مندوحة، وليس للفضائل نهاية وغاية.
هذا وقد ذهب معظم المنتمين إلى الأصول من جلة الأئمة، إلى أن
الإمامة لا تنعقد للمفضول، مع إمكان العقد للفاضل، ثم تحزب هؤلاء حزبين،
وتصدعوا صدعين، فذهب فريق إلى أن المسألة من المظنونات التي لا تتطرق
إليها أساليب العقول، ولا قواطع الشرع المنقول.
ثم يرى أنه لا خلاف، إذا عسر عقد الإمامة للفاضل، واقتضت مصلحة
المسلمين تقديم المفضول، وذلك لصغو الناس، وميل أولي النجدة والبأس
إليه، ولو فرض تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن، وثارت المحن، ولم نجد عدداً،
وتفرقت الأجناد بدداً، فإذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة تقتضي تقديم
المفضول قدم لا محالة، إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة، فإذا كان
في تقديم الفاضل اختباطها وفسادها، وفي تقدم المفضول ارتباطها وسدادها
تعين إيثار ما فيه من صلاح الخليفة، باتفاق أهل الحقيقة، ولا خلاف أنه لو قدم
فاضل، واتسقت له الطاعة، ونشأ في الزمن من هو أفضل منه، فلا يتبع عقد
الإمامة للأول بالقطع والرفع.
ثم يعود الجويني - في نهاية الفصل - فيكرر قوله: بأن الأفضل هو
الأصلح، فلو فرضنا مستجمعاً للشراط، بالغاً في الورع الغاية القصوى، وقدمنا
آخر أكفأ منه، وأهدى إلى طرق السياسة والرياسة، وإن لم يكن في الورع مثله،
فالأكفأ أولى بالتقدم.
ولو كان أحدهما أفقه، والثاني أعرف بتجنيد الجنود، وعقد الألوية
والبنود، وجر العساكر والمقانب (جمع مقنب، هي الجماعة من الخيل دون
المائة تجتمع للغارة)، وترتيب المراتب والمناصب، فلينظر ذو الرأي إلى حكم
الوقت، فإذا كانت أكناف خطة الإسلام إلى الاستقامة، والممالك منتفضة عن
ذوي العرامة، ولكن إذا ثارت بدع وأهواء، واضطربت مذاهب ومطالب وآراء،
والحاجة إلى من يسوس الأمور الدينية أمس، فالأعلم أولى.
وإن تصورت على الضد، مما ذكرنا، ومست الحاجة إلى شهامة وصرامة،
وبطاش، يحمل الناس على الطاعة ولا يحاش، فالأشهم أولى بأن يقدم (9).
ويذهب ابن أبي الحديد (586 - 656 هـ) إلى أن أحق الناس بالإمامة
أقواهم عليها، وأعملهم بحكم الله فيها، وهذا لا ينافي في مذهب أصحابنا
البغداديين من المعتزلة في صحة إمامة المفضول، لأنه ما قال: إن إمامة غير
الأقوى فاسدة، ولكنه قال: إن الأقوى أحق، وأصحابنا لا ينكرون أنه - أي
الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أحق ممن تقدمه بالإمامة، مع قولهم
بصحة إمامة المتقدمين، لأنه لا منافاة بين كونه أحق، وبين صحة إمامة
غيره (2).
ثم إن رأي ابن أبي الحديد هذا، إنما هو ترديد لقول سيدنا الإمام علي بن
أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - أيها الناس: إن أحق
الناس بهذا الأمر، أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب
استعتب، فإن أبى قوتل (3).
____________
(1) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في الثبات الظلم - تحقيق
عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـص 164 - 1271.
(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 328 (بيروت 386 م / 1967 م).
(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 328، الإمام محمد عبده: نهج البلاغة - تحقيق محمد
أحمد عاشور، ومحمد إبراهيم البنا - كتاب الشعب ص 199.
عاشراً: الإمامة عند الشيعة الإمامية
يقول سيدنا الإمام علي بن موسى الرضا (148 - 203 هـ/ 765 - 818 م):
إن الإمام زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين، إن
الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، وبالإمام توفير الفئ والصدقات،
وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله،
ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه
بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، وهو الأمين الرفيق، والوالد
الرقيق، والأخ الشفيق، ومفزع العباد، أمين الله في أرضه، وحجته على عباده،
وخليفته في بلاده، الداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، عز المسلمين، وغيظ
المنافقين، وبوار الكافرين (1).
وفي رواية الكليني (أبو جعفر بن محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني
- المتوفى 328 هـ(939 م)، قال الإمام الرضا: إن الإمام زمام الدين، ونظام
المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين إن الإمامة أس الإسلام النامي،
وفرعه السامي، بالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتوفير الفئ
والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل
حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى
____________
(1) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 38 - 39 (دار
الزهراء - بيروت 1407 هـ/ 1987 م) الكليني: كتاب أصول الكافي ص 96 - 97 (فارس
1281 هـ)، عطية مصطفى مشرفة: نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين (358 - 567 هـ/ 968
- 2271 م) ص 77 دار الفكر العربي - القاهرة 1367 هـ/ 1948 م).
سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة،
المجللة بنورها العالم، وهي في الأفق، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
الإمام البدر المنير، والسراج الظاهر، والنور الساطع، والنجم
الهادي... الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوص
بالعلم، المرسوم بالحلم... معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعبادة،
مخصوص بدعوى الرسول، ونسل المطهرة البتول... فهو معصوم مؤيد، موفق
مسدد، قد أمن من الخطأ والزلل والعثار، يخصه الله بذلك، ليكون حجته على
عباده، وشاهده على خلقه (1).
ويقول الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (80 - 83 هـ/ 699 - 703 م
- 148 هـ/ 765 م): إن الله - عز وجل - أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام
عادل، إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإن نقصوا شيئاً أتمهم، وهو حجة الله على
عباده (2).
والإمامة - عند الشيعة الإمامية - رياسة عامة في أمور الدين والدنيا،
لشخص من الأشخاص، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3)، ومن ثم فإن الناس متى كان
لهم رئيس، منبسط اليد، قاهر عادل، يردع المعاندين، ويقمع المتغلبين،
وينتصف للمظلومين من الظالمين، اتسقت الأمور، وسكنت الفتن، وردت
المعائش، وكان الناس - مع وجوده - إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد،
ومتى خلوا من رئيس - صفته ما ذكرناه - تكدرت معائشهم وتغلب القوي على
الضعيف، وانهمكوا في المعاصي، ووقع الهرج والمرج، وكانوا إلى الفساد
أقرب، ومن الصلاح أبعد، وهذا أمر لازم لكمال العقل (4).
____________
(1) الكليني: كتاب أصول الكافي ص 84 - 86.
(2) أنظر: الجزائري: المبسوط في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 9 (ط الحيدرية
- النجف 1954 م)، البرسي: مشارق أنوار اليقين ص 162 (دار الفكر - بيروت 1384 هـ).
(3) الطوسي: تلخيص الشافي 1 / 201 (النجف 1965 م).
(4) المفيد: النكت الاعتقادية ص 39 (بغداد 1343 هـ).
وترى الشيعة الإمامية أن النبوة لطف (1)، ولما كانت الإمامة لطفاً (2)،
فلذلك كل ما دل على وجوب النبوة، فهو دال على وجوب الإمامة، خلافة عن
النبوة، قائمة مقامها، إلا من تلقى الوحي الإلهي بلا واسطة (3).
وترى الشيعة الإمامية عهد من إلى الأئمة، وتستدل
على ذلك بقول مولانا الإمام جعفر الصادق، رضي الله عنه،: أترون أن الوصي
منا، يوصي إلى من يريد؟ لا، ولكنه عهد من الله ورسوله لرجل فرجل، حتى
ينتهي الأمر صاحبه (4).
هذا وترى كذلك أن الإمامة بالنص من الله ورسوله، وأن الأئمة منصوص
عليهم (5).
على أن الجويني إنما يعارض ذلك، فيقول: ذهبت الإمامية إلى أن
النبي صلى الله عليه وسلم، إنما قد نص على علي رضي الله عنه في الإمامة، وتولي الزعامة،
ثم تحزبوا أحزاباً.
فذهبت طوائف منهم إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على خلافة الإمام علي علي
رؤوس الأشهاد، نصاً قاطعاً، لا يتطرق إليه مسالك الاجتهاد، ولا يتعرض له
سبيل الاحتمالات، وتقابل الجائزات، وشفي من محاولة البيان كل غليل،
واستأصل مسلك كل تأويل.
وليس ذلك النص مما نقلته الأثبات، والرواة الثقات، من الأخبار التي
تلهج بها الآحاد، وينقلها الأفراد، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه (6) فعلي
____________
(1) المفيد: النكت الاعتقادية ص 47، المرتضى: الشافي ص 2، الطوسي: فصول العقائد ص 36.
(2) السبوري: النافع يوم الحشر ص 62 (قمم 1367 هـ).
(3) الكليني: الكافي 1 / 227.
(4) نبيلة عبد المنعم داود: نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968 ص 311 - 312.
(5) الجويني: الغياثي ص 27 - 30.
(6) أنظر عن حديث الموالاة هذا (الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 598 - 599، صحيح
=>
مولاه، وقوله صلى الله عليه وسلم، لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى (1)، إلى غيرها.
وذهب فريق من الزيدية إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نص على معين في
الخلافة، ولكنه صلى الله عليه وسلم، ذكر بالمرامز والملامح والمعاريض والصرايح، الصفات
التي تقتضي الإمامة استجماعها، فكانت متوافية في الإمام علي، دون من عداه
وسواه، فضلت الأمة، إذ وضعت الإمامة فيمن لم يتصف بتلك الصفات، ولم
يتسم بتلك السمات.
وعلى أية حال، فسرعان ما تشوفت طائفة من أهل السنة إلى ادعاء النص
على أبي بكر، رضي الله عنه، وذهبت طائفة أخرى - عرفوا بالعباسية - إلى
الزعم بأن النبي عليه السلام، إنما نص على عمه العباس وخصصه بالإمامة من
دون الناس (2).
____________
<=
الترمذي 2 / 298، صحيح ابن ماجة ص 12، المستدرك للحاكم 2 / 129، 3 / 109 - 110،
116، 533، 371، كنز العمال 1 / 48، 6 / 83، 397، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50
- 54 (أحاديث أرقام: 60، 66، 67، 68، 69، 70، 71، 72، 73، 74) مسند الإمام
أحمد 4 / 372، 4 / 281، الرياض النضرة 2 / 226، أسد الغابة 1 / 374، 3 / 139، 171،
4 / 108، 6 / 252، مجمع الزوائد 9 / 104، 105، 106، 107، 108، 119، 116، مشكل
الآثار 2 / 307، مسند الطيالسي 1 / 23، فيض القدير 6 / 217. وقال ابن حجر: وهذا حديث
كثير الطرق جداً، استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وسنعود لهذا الحديث بالتفصيل في مكانه
من هذه الدراسة.
(1) أنظر عن حديث المنزلة هذا (صحيح البخاري 5 / 24، 6 / 3، صحيح مسلم 15 / 173 - 176،
تهذيب الخصائص للنسائي ص 19 - 20، 28، 29، 39، 40، 41، 42، 43، 44، 45،
46، 47، (أحاديث أرقام 8، 9، 31، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 47، 48، 49، 50،
51، 52، 53، 54، 55، 56، 57، 58، 112) الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة الجزء
الثاني: (أحاديث أرقام 954، 956، 1006، 1041، 1045، 1079، 1091، 1093،
1131، 1143، 1153، 1168)، كنز العمال 3 / 154، 5 / 40، 6 / 154، 188، 395،
405، الطبقات الكبرى 3 / 14، 15، حلية الأولياء 4 / 345، 7 / 195 - 196، مجمع الزوائد
9 / 109 - 110، تحفة الأحوذي 10 / 228، الإستيعاب 3 / 34، الإصابة 2 / 509، صحيح
الترمذي 10 / 235، المستدرك للحاكم 2 / 337، السيرة الحلبية 3 / 104، زاد المعاد 3 / 530،
شرح نهج البلاغة 13 / 210 - 211.
(2) الجويني: الغياث ص 29 - 30.
وأياً ما كان الأمر، فالرأي عند الشيعة الإمامية إنما انحصرت
في أبناء مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنها ثابتة في الأعقاب
وأعقاب الأعقاب، وأنها لا تعود في عم أو أخ، ولا في غيرها من القربات بعد
الحسنين (1).
وقد وردت روايات كثيرة عن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، وغيره
من أئمة البيت، تدل على انحصار الإمامة في ذرية الحسين، قال المفضل: قلت
للصادق عليه السلام، أخبرني عن قول الله تعالى: * (وجعلها كلمة باقية في
عقبه) * (2)، قال: يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين إلى يوم
القيامة، فقلت له: يا ابن رسول الله، فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين،
دون ولد الحسن، وهما جميعاً، ولدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبطاه، وسيدا شباب
أهل الجنة؟.
فقال: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين، فجعل الله في صلب
هارون، دون صلب موسى، ولم يكن لأحد أن يقول: لم فعل الله ذلك؟ فإن
الإمامة خلافة الله عز وجل، ليس لأحد أن يقول لم جعلهما الله في صلب
الحسين، دون صلب الحسن، لأن الله هو الحكيم في أفعاله، لا يسأل عن
فعله، وهم يسألون.
وهذه الرواية، كما تدل على أن بني الحسن لا حق لهم في الإمامة، تدل
على أن الإمامة من أفعال الله يجعلها لمن يشاء، وليست بالمبايعة والانتخاب
والمشاورة (3).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية إنما تذهب إلى أن
____________
(1) الكليني: الكافي 1 / 285.
(2) سورة الزخرف: آية 28.
(3) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 32 - 33.
الإمام يجب أن يكون معصوماً لأنه لو جاز عليه الخطأ لافتقر إلى إمام آخر
يسدده، كما أنه لو جاز عليه فعل الخطيئة، فإن وجب الإنكار عليه سقط محله
من القلوب (1). هذا فضلاً عن أن الإمام حافظ للشرع، فلو لم يكن معصوماً، لم تؤمن منه الزيادة والنقصان (2).
ويقول الطوسي: ومما يدل على أن الإمام يجب أن يكون معصوماً، ما
ثبت من كونه مقتدى به، ألا ترى أنه إنما سمي إماماً لذلك، لأن الإمام هو
المقتدى به (3).
ويقول ابن المطهر بوجوب عصمة الإمام، لأن الأئمة كالأنبياء في
وجوب عصمتهم (4) عن جميع القبائح والفواحش، من الصغر إلى الموت، عمداً
وسهواً، لأنهم حفظة الشرع، والقوامون به، حالهم في ذلك كحال النبي.
ويقول المفيد (5): العصمة من الله لحججه، هي التوفيق واللطف
____________
(1) المفيد: النكت الاعتقادية ص 48.
(2) نفس المرجع السابق ص 49.
(3) الطوسي: تلخيص الشافي 1 / 210 (النجف 1965).
(4) قال القاضي عبد الجبار في كتاب المغني: إن العصمة والأفضلية على الناس أجمعين من
صفات النبي، فلو أعطيت للإمام لكان نبياً، وقال الشريف للمرتضى في كتاب الشافي: لم
يكن النبي نبياً، لأنه أفضل ومعصوم، وكفى، بل لأنه يؤدي عن الله بلا واسطة، أو بواسطة
الروح الأمين، والإمام - وإن كان معصوماً - وأفضل، فإنه يؤدي عن النبي، لا عن الله، فالفرق
موجود وظاهر (محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 121).
(5) المفيد: هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري العربي الحارثي،
المفيد بن المعلم، ولد في بغداد عام 333 هـ/ 944 م (أو 338 هـ/ 950 م)، وتوفي عام
414 هـ/ 1022 م، وله مصنفات كثيرة (ذكر فؤاد سزكين منها 24 مصنفاً) وانظر عن ترجمته
(الرجال للنجاشي ص 311 - 316، الفهرست للطوسي ص 157 - 158، الفهرست لابن النديم
ص 197، المنتظم لابن الجوزي 8 / 11 - 12، تاريخ بغداد 3 / 231، شذرات الذهب 3 / 199
- 200، أعيان الشيعة للعاملي 46 / 20 - 26، الذريعة 1 / 302، 590، 2 / 237، 258، 315،
الأعلام للزركلي 7 / 245، معجم المؤلفين لكحالة 11 / 306 - 307، النجوم الزهرة 4 / 258،
لسان الميزان لابن حجر 5 / 368).
والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى (1)، كما أن
العصمة فضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمة... وليست العصمة
مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له
إليه، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى، أنه إذا فعله بعبد من عبيده، لم يؤثر
معه معصية له (2).
هذا وقد انحصرت العصمة من الصفوة الأخيار، قال الله تعالى: * (والذين
سبقت لهم منا الحسنى) * (3)، وقوله تعالى: * (وإنهم عندنا لمن المصطفين
الأخيار) * (4)، فالأنبياء - والأئمة من بعدهم - معصومون في حال نبوتهم،
وإمامتهم، من الكبائر كلها والصغائر (5).
ويشرح ابن المطهر عصمة الإمام بأنها ما يمتنع المكلف معه من
المعصية، متمكناً منها ولا يمتنع عنها مع عدمها، ثم يقدم عدة أدلة على
العصمة (6)، منها: أن الإمامة عهد من الله، ومن ثم فكل إمام ينصبه الله، ومنها
قول الله تعالى: * (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) * (7)، وكل من أمر الله
بطاعته فهو معصوم، لاستحالة إيجاب طاعة غير المعصوم (8)، كما أن في
قول الله تعالى: * (إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير
____________
(1) المفيد: شرح عقائد الصدوق ص 60.
(2) نفس المرجع السابق ص 61.
(3) سورة الأنبياء: آية 101.
(4) سورة ص: آية 47.
(5) المفيد: شرح عقائد الصدوق ص 61.
(6) تذهب الزيدية إلى عدم عصمة الإمام، ولعل السبب أنهم لا يجعلون الإمامة عن طريق الوصية من
النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن طريق الوراثة، ومن ثم فالإمام عند الزيدية، ليس ذلك الرجل المعصوم الذي
بيده أسرار العلم الخفي ينقلها من إمام إلى إمام (الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 121، 136،
الصاحب بن عباد: الزيدية ص 159، 185، نصرة المذهب الزيدية ص 129).
(7) سورة النساء: آية 59.
(8) ابن المطهر: الألفين في إقامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب النجف 1953 ص 60.
المغضوب عليهم ولا الضالين) * (1)، فغير المعصوم ضال فلا يسأل اتباع طريقه
قطعاً (2).
ومنها قول الله تعالى: * (إني جاعلك للناس إماماً * قال من ذريتي قال
لا ينال عهدي الظالمين) * (3)، فإنه يدل على أن الإمامة تكون بالوصاية، وبجعل
إلهي، وليس بالمبايعة والانتخاب (4) هذا وقد روي عن الإمام الباقر،
الاستشهاد بالآية على المنع من إمامة الظالم، الذي ليس معصوماً (5).
هذا وتعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام يجب أن يكون أفضل رعيته في
جميع صفات الكمال من العلم (6) والكرامة والشجاعة والفقه والرأفة والرحمة
وحسن الخلق والسياسة، ولا بد من تمييزه بالكمالات النفسية والكرامات
الروحانية، بحيث لا يشاركه في ذلك أحد من الرعية (7).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن متكلمي الشيعة، إنما يقيسون
الإمام على النبوة في كل استدلال لهم، ومن ثم فلكي يدللوا على وجوب إمامة
الأفضل، استندوا إلى فكرة يسلم بها معهم سائر فرق المسلمين وهي: وجوب
____________
(1) سورة الفاتحة: آية 6 - 7.
(2) ابن المطهر: الألفين ص 60.
(3) سورة البقرة: آية 124.
(4) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة ص 35.
(5) البحار 7 / 319، عقيدة الشيعة ص 36.
(6) روي عن الإمام الصادق أنه قال لرهط من المعتزلة: إن أبي حدثني - وكان خير أهل الأرض،
وأعملهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ضرب الناس بسيفه، ودعاهم
إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضال متكلف، ويقول أبو زهرة: أن هذه
الرواية التي رواها الإمام جعفر الصادق عن أبيه العظيم، تدل على أنه هو وأبوه يريان أن الخليفة
المختار، يجب أن يكون أعلم المعروفين الظاهرين، والعلم هنا، العلم بالإسلام، بالقرآن
والسنة، ونظام الحكم وحسن السياسة، وتكون عنده القدرة لإدارة دفة الدولة الإسلامية كعمر بن
الخطاب وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب (محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 213).
(7) الجزائري: المبسوط ص 26، وانظر عن علوم الأئمة (الكليني: الكافي 1 / 312، 313، 314،
221، 223، وانظر البرسي: مشارق أنوار اليقين ص 165.
نبوة الأفضل، يقول المظفري: يجب أن يكون الإمام أفضل الناس، وإلا فكيف
تجب طاعته واتباعه، وكيف يكون له القدرة، وكيف تحصل به السعادة، ولو
جاز ذلك، لجاز أن يبعث الله رسولاً، وفي الناس من هو أليق وأجدر وأقدر
على أداء الرسالة (1).
ويستند الشيعة في إمامة الأفضل إلى قول الله تعالى: * (أفمن يهدي إلى
الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى) * (2).
وليس النص والعقل وحدهما اللذان يقضيان بوجوب إمامة الأفضل، بل
إن الذوق يستنكر أن تكون للمفضول رياسة على الأفضل، ويعرض الإمام
الرازي لهذا الرأي، فيقول: أليس يقبح أن يكون لمن لا يعرف في الفقه، إلا
مبادئه، وأعداداً من مسائل الفقه، رياسة فيه على الإمام أبي حنيفة
(80 هـ/ 150 - 699 - 767 م) مثلاً، فإذا كان الإمام إماماً لرعيته في أحكام
الدين، وعلومه ومبادئه، وجب أن يكون أفضل منهم، وأكثرهم علماً وعبادة (3).
هذا ويعتبر الشيعة الإمام حجة فيما يؤديه كالرسول، وفي تجويز كونه
مساوياً في الفضل بعض رعيته، أو أنقض فضلاً منهم، ما ينفر عن القبول أو
الخضوع لرياسته.
ويرى الرازي أن دخول الفاضل تحت رياسة المفضول، مما يسهل على
من هو أنقض فضلاً من الأمير، الدخول تحت طاعته، كما اختار النبي صلى الله عليه وسلم،
عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فجعله في جيش أسامة، لما أنف بعض
مشيخة قريش أن يكون في جيشه (4)، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل،
وكسر ما فيه من نخوة.
____________
(1) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدي الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 م
ص 157، المظفري: الشيعة والإمام ص 34.
(2) سورة يونس: آية 35.
(3) الرازي: نهاية العقول في دراية الأصول 2 / 240 (مخطوط).
(4) ذهبت بعض المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في جيش أسامة بن زيد بن حارثة أبا بكر
=>
وهذا نقد لا يثبت للنقد، لأن الرازي قد اعترف في المثال الذي أورده،
أن بعض مشيخة قريش قد أنفوا رياسة أسامة، اعتقاداً منهم بأفضليتهم، أو
بوجود من هو أفضل منه، مع أنهم بذلك قد عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هم
راجعوا أبا بكر في أمر سياسة أسامة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا ما يدل على أن رياسة المفضول يمجها الذوق والعرف العام،
هذا فضلاً عن أن ما ذكره الرازي لتبرير إمامة المفضول متهافت كذلك، لأنه إذا
كان تواضع الأفضل يسهل انقياد الرعية للأمير المفضول، فإنه من ناحية أخرى،
يشجع المفضول الذي تقل درجته في الفضل - إلى حد الفسق - أن يغلب على
أمر المسلمين بالقوة، مستنداً إلى تواضع الأفضل، أو سكوته على الحق، وهذا
ما تم بالفعل في أمر الخلافة منذ تولاها الأمويون.
والواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهاءهم، لم يسلموا بجواز إمامة
المفضول، مستندين إلى أصل من أصول الدين، ولكنهم جوزوا ذلك، إما تبريراً
لسلطان الخلفاء، ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم، وإما على سبيل معارضة
آراء خصومهم من الشيعة، ليس إلا.
ولعل هذا إنما يبدو واضحاً - كل الوضوح - إذا رجعنا إلى رأي
ابن حزم وموقفه العجيب من الإصرار على جواز إمامة المفضول، زاعماً أن
معرفة الأفضل لا يمكن الوصول إليها، إلا بالظن، والظن لا يغني من الحق
شيئاً، ثم إن قريشاً قد كثرت وطبقت الأرض من أقصى الشرق إلى أقصى
____________
<=
وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وذهبت أخرى إلى أنه جعل أبا بكر
وعمر فقط، واقتصرت ثالثة على عمر بن الخطاب، وذهبت رابعة إلى أنه جعل في هذا الجيش
أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وسعد بن أبي وقاص (السيرة الحلبية 3 / 227)، مغازي الواقدي
3 / 1118، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 334، تاريخ الطبري 3 / 226، محمد أبو زهرة:
خاتم النبيين 2 / 1215، الندوي: السيرة النبوية ص 347).
الغرب، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم بوجه من
الوجوه، وبدهي أن هذا إنما يستند إلى أن الإمامة باختيار.
وأما تبريز سلطة الخلفاء، فيتضح من قول ابن حزم: يكفي بطلان هذا
القول (إمامة الأفضل) إجماع الأمة كلها على بطلانه، فإن جميع الصحابة ممن
أدرك ذلك العصر، أجمعوا على صحة إمامة الحسن أو معاوية، فلو كان ما قاله
القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403 هـ) حقاً - في وجوب الأفضل - لكانت
إمامة الحسن ومعاوية باطلة (1).
وهكذا ينكر ابن حزم أن معاوية قد استولى على أمر هذه الأمة قهراً،
وبالسيف، وصدق الإمام الحسن البصري، حيث يقول - فيما يروي الإمام
الطبري وابن الأثير وغيرهم - أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه
منهن، إلا واحدة، لكانت موبقة، إنتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها
أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة، وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه
بعده سكيراً خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقتله حجراً، ويلاً له من
حجر - مرتين (2).
ودخل سعد بن أبي وقاص على معاوية، فقال: السلام عليك أيها
الملك، فغضب معاوية فقال: ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك
إن كنا أمرناك، إنما أنت منتز (3).
وأما سيدنا الإمام الحسن - خامس الراشدين - فما جاء هنا، إنما هو رأي
ابن حزم الأندلسي، وأما من بايعوه، فقد كانوا يعتقدون أنه أفضل الناس - بعد
____________
(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 158 - 159.
(2) تاريخ الطبري 5 / 279 (دار المعارف - القاهرة 1979)، ابن الأثير، الكامل في التاريخ 3 / 487.
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 217.
أبيه الإمام علي - وهو صحيح ما في ذلك من ريب.
وعلى أية حال، فإن أهل السنة والشيعة لا يحتدون في الجدل طويلاً حول
إمامة الأفضل بسبب قوة منطق الشيعة في دعواهم، فضلاً عن أن موقف أهل
السنة نفسه، لا يبدو واضحاً، هذا إلى أن جواز إمامة المفضول، أمر لا يبرره
منطق أو دين، وإن وجد له تبرير من مقتضيات الواقع، أو حوادث التاريخ،
وليست هذه هي التي تملي على الفقهاء والمشرعين أصول الأحكام.
على أن الجدل إنما يشتد ويحتد بين أهل السنة والشيعة حول المفاضلة
بين الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، وهو أمر ذو صلة وثيقة بوجوب
إمامة الأفضل.
وتذهب الشيعة - بكل فرقها - إلى أن الإمام علي بن أبي طالب، إنما هو
أفضل الصحابة أجمعين، وأنه يزيد فضلاً على أبي بكر، ومعارضة أهل السنة
لدعوى الشيعة في أفضلية الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في
الجنة - إنما تنطوي على تسليم منهم بوجوب إمامة الأفضل، ومن هنا استقر
رأي الأشاعرة على أن ترتيب الخلفاء في الفضل، إنما هو ترتيبهم في
الخلافة (أبو بكر - عمر - عثمان - علي)، وقد نادى بهذا الرأي - الإمام
أبو الحسن الأشعري (260 هـ/ 874 م - 324 هـ/ 1935) والإمام أبو حامد
الغزالي (450 - 505 هـ)، ولم يكن هذا الرأي منهما عن اجتهاد مبعثه الحيدة
التامة في المفاضلة، بقدر ما هو اعتبار أن ما جرى، فيما يتعلق بالخلافة
الراشدة، لا بد أن يكون قد تم في اعتبارهم، وفقاً لوجوب إمامة الأفضل.
ثم يخلص الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي إلى أن القاعدة العامة
عند أهل السنة، إنما هي وجوب إمامة الأفضل، وأن جواز إمامة المفضول،
ليس إلا استثناء تقتضيه الضرورة القصوى، وأن إمامة الخلفاء الراشدين قد جرت
وفقاً لهذه القاعدة، وأن تبريرهم الاستثناء، وتجويزهم إمامة المفضول، لم يكن
إلا للدفاع عن الأمر الواقع، منذ أن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان (1).
هذا وترى الشيعة أن الإمام يجب أن يكون عالماً بما آل إليه الحكم فيه،
والذي يدل: أن الإمام إمام في سائر أمور الدين، ومتولي الحكم في جميعه
- جليله ودقيقه، ظاهره وغامضه - كما يجب أن يكون عالماً بجميع أحكام
السياسة والشريعة (2).
هذا فضلاً عن أن يكون الإمام أشجع من في رعيته، ويدل على ذلك: أنه
ثبت أنه رئيس عليهم، فيما يتعلق بجهاد الأعداء، وحرب أهل البغي، وذلك
متعلق بالشجاعة، فيجب أن يكون أقواهم حالاً.
هذا إلى جانب أن يكون أعقل قومه، وأن لا يكون قبيح الصورة، ينفر
الناس منه، هذا إلى جانب أن يكون منصوصاً عليه (3).
ولما كانت هذه الشروط جميعها لا بد من توافرها في الإمام، وأنها غير
متوفرة، إلا في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك كانت الإمامة لهم، وفيهم دون
غيرهم (4).
ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن الخلافة أو الإمامة الفاطمية (358
- 567 هـ/ 968 هـ- 1171 م) إنما هي خلافة دينية وراثية تقوم على أسس
المذهب الشيعي الإسماعيلي، وتستند إلى أساسين: - الأول: هو العلم اللدني
أو الإلهي، الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن طريق الإمام علي عليه السلام، ثم
أولاده من بعده، ثم إلى الفاطميين.
____________
(1) أحمد صبحي، المرجع السابق ص 160 - 161.
(2) الطوسي: تلخيص الشافي ص 245 (النجف 1965).
(3) نفس المرجع السابق ص 274.
(4) نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق ص 316.
فالإمام الشيعي إذن، ليس شخصاً عادياً، وإنما هو فوق الناس، فهو
المشرع، وهو المنفذ لا يسأل عما يفعل، لأنه معصوم من الخطأ، بسبب ما
ورثه من علوم لدنية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك نوعان من العلوم: علم الظاهر،
وعلم الباطن، أي ظاهر القرآن وباطنه، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم، الإمام علي بن
أبي طالب هذين النوعين من العلوم، فأطلعه على خفايا الكون، والسر المكنون
من هذه العلوم، وكل إمام ورث هذه العلوم لمن جاء بعده، ولهذا كان الإمام
معلماً أكبر.
والثاني: الوصية أو النص على ولاية العهد، والخلافة الفاطمية - شأنها
شأن أية خلافة شيعية - إنما ترى أن الإمام علي يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم
عن طريق الكفاية، فضلاً عن النص عليه بالاسم.
ومن ثم فإن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة،
وإنما هي ركن الدين والإسلام، ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم، أن يتركها للأمة، بل كان
عليه تعيين إمام لهم معصوماً من الخطأ، وأن الإمام علي بن أبي طالب، هو
الإمام الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، بعده، ويستشهدون على ذلك بحديث الغدير
والموالاة والمنزلة وغيرها من الأحاديث.
ومن هنا نشأت فكرة الوصية، ولقب الإمام علي بالوصي، بينما لقب
من جاء بعده من الأئمة بلقب الإمام، ومرتبة الوصاية أعلى من مرتبة الإمامة،
وأقل من مرتبة النبوة، ثم انتشرت الوصية بين الشيعة، فقالوا: إن الإمامة تنتقل
من الآباء إلى الأبناء، وليس من الأخ إلى الأخ - بعد أن انتقلت من الحسن إلى
الحسين - فالأب ينص على ابنه في حياته، وليس بالضرورة أن يكون الابن
الأكبر، فالإمام يستطيع أن ينص على أي ابن له، فهذا أمر يخصه وحده، لأنه
يتلقى علمه من الله عز وجل (1).
____________
(1) أحمد مختار العبادي: دراسات في تاريخ المغرب - الإسكندرية 1968 ص 53 - 54،
=>
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القرآن الكريم، إنما قد أجمل
الخطوط العامة لأصول الحكم الإسلامي، الذي هو أهل لحفظ وحدة المسلمين
ودوام هدايتهم إلى الصراط المستقيم، وتجنيدهم أبداً في معركة التقدم والرقي،
وصونهم من الزيغ والضلال.
ثم جاءت السنة النبوية، ففصلت ما أجمله القرآن، وتلك قاعدة عامة في
تشريع الأحكام الإسلامية: القرآن يقرر أصل الحكم ويجمله، والسنة تفصله
وتنفذه، والتفصيل في هذا الأمر، إنما هو تعيين الكف ء لمنصب الإمامة بعد
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون مرجع المسلمين وقدوتهم، في صراط الإسلام
المستقيم.
ومن هنا يتبين أن منصب الإمامة لا يتعين إلا بأمر إلهي، فالإمام - بصفته
مرجع المسلمين، ومنعقد طاعتهم وقدوتهم في أمر الدين والدنيا - يجب أن
يكون حامل علم النبي صلى الله عليه وسلم، علم الوحي والأوامر الإلهية، فمنصبه في توجيه
المسلمين ورعايتهم خطير.
وقد عرفنا أين آلت الإمامة، وكيف أصبحت؟ لما فوض المسلمون أمر
اختيار الإمام إلى أنفسهم، حتى تقمصها الخلعاء والفساق والفجار والجهلة
والسفاكون، وأصبحت الخلافة وراثة كسروية قيصرية (1).
روى البخاري في صحيحه (باب هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء)،
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد
قال: أخبرني جدي قال: كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم
بالمدينة، ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلكة
____________
<=
وانظر عن الخلافة الفاطمية (عطية مشرفة: نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين - القاهرة
1948 ص 68 - 82).
(1) السيد هاشم محسن الأمين: مقدمة كتاب: الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8.
أمتي على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو
هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدي
إلى بني مروان، حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلماناً أحداثاً، قال لنا: عسى
هؤلاء أن يكونوا منهم، قلنا: أنت أعلم (1).
وبمرور الأيام أصبح تعيين الخليفة في يد خدم البلاط ومماليكه وإمائه
وجواريه، بيدهم الحل والربط، يعبثون بمصائر الإسلام والمسلمين، رهناً
بشهواتهم، والخليفة لعبة مبتذلة في أيديهم، يختارونه اليوم ويخلعونه غداً،
ويبايعونه الساعة، ويسلمونه أو يقتلونه بعد ساعة.
هذا ومن حمل كتاب الله، وعلم نبيه من آل البيت، خائف يترقب، أو
محبوس يتعذب، أو شريد غريب عن أهله ودياره، وأعداء الإسلام يقتطعون
أرضه قطعة قطعة، ويقتلون أهله جماعة جماعة.
فاكتمال الدين إذن، إنما كان في التبليغ، تبليغ الرسالة كاملة، فيها تبيان
كل شئ يحتاج المسلمون إلى تبيانه وفيها معالم الصراط المستقيم إلى الفوز
العظيم، أعني اكتمال الدين ظل نظرياً، لم يتشخض في واقع المسلمين.
وأما تفصيل السنة النبوية، لما أجمله القرآن في موضوع الإمامة، فقد
حصل في حادثين عظيمين من حوادث السيرة النبوية الشريفة، الأول: يوم غدير
خم، والثاني: أيام المرض الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فيه، وفي كلا الحادثين كان
التشديد باتباع أهل البيت وموالاتهم (2).
ففي حديث الغدير يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه، فعلي مولاه،
اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله (3).
____________
(1) صحيح البخاري 9 / 60
(2) الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 - 10.
(3) أنظر عن روايات مختلفة للحديث الشريف (ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 598 - 599،
=>
ثم هناك حديث الثقلين، روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن
أرقم قال: قام فينا خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى
عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك
أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما، كتاب الله، فيه
الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب
فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي،
أذكركم الله في أهل بيتي (1).
رواه الإمام أحمد في المسند (2)، والبيهقي في السنن (3)، والدرامي في
سننه (4)، والمتقي في كنز العمال (5)، والطحاوي في مشكل الآثار (6).
وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن سعيد والأعمش عن حبيب بن ثابت
عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به،
لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى
الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف
تخلفوني فيها (7).
____________
<=
السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169، المستدرك للحاكم 2 / 129، 3 / 110، 116، 371، 533،
كنز العمال 1 / 48، 6 / 83، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54 مسند الإمام أحمد 1 / 84،
88، 118، 2307119، 4 / 368، 370، 372، 5 / 347، الرياض النضرة 2 / 226) (وسنشير
إلى هذا الحديث الشريف بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة).
(1) صحيح مسلم 15 / 179 - 180 (بيروت 1981).
(2) مسند الإمام أحمد 4 / 366.
(3) سنن البيهقي 2 / 148، 7 / 30.
(4) سنن الدرامي 2 / 431.
(5) كنز العمال 1 / 45، 7 / 103.
(6) مشكل الآثار 4 / 368.
(7) صحيح الترمذي 2 / 308، وانظروا روايات أخرى للحديث الشريف (صحيح الترمذي 2 / 308،
5 / 163، كنز العمال 1 / 48، 6 / 390، ابن حنبل: فضائل الصحابة 1 / 171، 172 - 2 / 602،
=>
ويقول المحدث الفقيه ابن حجر الهيثمي (909 - 974 هـ) أن لحديث
الثقلين هذا طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، وله طرق كثيرة،
وفي بعض تلك الطرق أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ذلك (الحديث) في حجة
الوداع في عرفة، وفي أخرى أنه قاله في المدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة
بأصحابه، وفي أخرى أنه قاله في غدير خم، وفي أرى أنه قاله بعد انصرافه
من الطائف ولا تنافي، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في كل تلك المواطن
وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز، والعترة الطيبة الطاهرة (1).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أساس الخلاف في الإمامة بين
الشيعة الإمامية وأهل السنة أمران.
أحدهما: - أن الإمام عند الإمامية ينال الخلافة بالوراثة أو بالوصاية
النبوية، على حد تعبيرهم، أما غيرهم فيرون أن الإمامة تكون بالبيعة والحكم
بالفعل، وجمهور المسلمين لا يعتبرون حكم الملوك كعبد الملك وأولاده،
والسفاح والمنصور وأولادهم وذريته، خلافة نبوية، بل يعتبرونها خلافة ملك،
والخلافة النبوية لم تتحقق إلا في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم،
ويأخذون في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكاً
عضوضاً أي يعض عليه بالنواجذ (2).
ولست أدري لم بدأ العلامة أبو زهرة (محمد أحمد أبو زهرة 29
مارس 1898 م - 12 أبريل 1974 م) الملك الغضوض ب عبد الملك بن مروان
(65 - 86 هـ/ 685 - 705 م) وأولاده من بني أمية، ثم أبو العباس السفاح
(132 - 136 هـ/ 750 - 754 م) وأبو جعفر المنصور (136 - 158 هـ/ 754 -
____________
<=
المسند 3 / 14، 17، 26، 59، 4 / 371، معجم الطبراني الكبير 3 / 63، 3 / 200، مجمع
الزوائد 5 / 181 - 182، 9 / 7163 164، 165، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 51،
المستدرك للحاكم 3 / 109، 148، أسد الغابة 2 / 13).
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 7 / 7 - 8 (دار الفكر - بيروت 1386 هـ/ 1966 م).
(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 7 / 12، وانظر آراء أخرى في نفس الكتاب 7 / 7 - 21.
77 م) وأولاده، من بني العباس، مع أن بداية الملك العضوض إنما كانت على
يد معاوية بن أبي سفيان (40 - 60 هـ/ 660 - 680 م) - طبقاً لنص الحديث
الشريف، فضلاً عن أحداث التاريخ، هذا إلى أن معاوية نفسه - كما أشرنا من
قبل - إنما كان يقول: أنا أول الملوك، وأن سعد بن أبي وقاص، رضي الله
عنه، إنما كان يحييه بالملك، وليس بإمرة المؤمنين، هذا إلى أن شيخ الإسلام
ابن تيمية، إنما أطلق عليه لقب الملك، وتابعه في ذلك ابن كثير، بل إن ابن
كثير يقول والسنة أن يقال لمعاوية ملك، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة
الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى عدة أمور، اتصلت بالإمامة عند
الشيعة، وهي العصمة والتقية والرجعة والمهدي والبداء والجفر ومصحف
فاطمة.
- العصمة:
لعل من الجدير بالإشارة - بادئ ذي بدء - أن الناس قد اختلفوا في
معصوم من هو؟
فقال قوم: المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي، وهؤلاء هم
الأقلون أهل النظر، واختلفوا في عدم التمكن كيف هو؟
فقال قوم منهم: المعصوم هو المختص في نفسه أو بدنه أو فيهما،
الخاصية تقتضي امتناع إقدامه على المعاصي.
وقال قوم منهم: بل المعصوم مساو في الخواص النفسية والبدنية لغير
المعصوم، وإنما العصمة هي القدرة على الطاعة، أو عدم القدرة على المعصية،
هذا قول الأشعري نفسه، وإن كان كثير من أصحابه قد خالفوه فيه.
وقال الأكثرون من أهل النظر: بل المعصوم مختار، متمكن من المعصية
طاعة.
وهناك تفسيران للعصمة:
أحدهما: أنها أمور يفعلها الله تعالى بالمكلف، فتقضي ألا يفعل المعصية
اقتضاء غير بالغ إلى حد الإيجاب، وفسروا هذه الأمور، فقالوا: إنها أربعة
أشياء، أولها: أن يكون لنفس الإنسان ملكة مانعة من الفجور، داعية إلى العفة،
وثانيها: العلم بمثالب المعصية، ومناقب الطاعة. وثالثها: تأكيد ذلك العلم
بالوحي والبيان من الله تعالى. ورابعها: أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسيان
والسهو، لم يترك مهلاً بل يعاقب وينبه، ويضيق عليه العذر.
قالوا: فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة، كان الشخص معصوماً عن
المعاصي لا محالة، لأن العفة إذا انضاف إليها العلم، بما في الطاعة من
سعادة، وما في المعصية من شقاوة، ثم أكد ذلك تتابع الوحي إليه وترادفه،
وتظاهر البيان عنده، وتمم ذلك خوفاً من العقاب على القدر القليل، حصل من
اجتماع هذه الأمور حقيقة العصمة.
وثانيهما: - العصمة لطف يمتنع المكلف عند فعله من القبيح اختياراً، وقد
يكون ذلك اللطف خارجاً عن الأمور الأربعة المعدودة، مثل أن يعلم الله تعالى
أنه إن أنشأ سحاباً، أو أهب ريحاً، أو حرك جسماً، فإن زيداً يمتنع عن قبيح
مخصوص اختياراً، فإنه تعالى يجب عليه فعل ذلك، ويكون هذا اللطف عصمة
لزيد، وإن كان الإطلاق المشتهر في العصمة، إنما هو لمجموع ألطاف يمتنع
المكلف بها عن القبيح مدة زمان تكليفه (1).
وترى الشيعة الإمامية أن الأنبياء لا تجوز عليهم الكبائر ولا الصغائر، لا
عمداً ولا خطأ، ولا سهواً، ولا على سبيل التأويل والتشبيه، وكذلك قولهم في
الأئمة (2).
____________
(1) شرح نهج البلاغة 7 / 7 - 8.
(2) شرح نهج البلاغة 7 / 12، وانظر آراء أخرى 7 / 7 - 21.
وهكذا رأت الشيعة الإمامية أن العصمة واجبة للإمام، قال ابن بابويه
القمي في رسالته للصدوق (ص 108 - 109): اعتقدنا في الأخبار الصحيحة
عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعاني، غير مختلفة، لأنها مأخوذة من
طريق الوحي عن الله سبحانه وتعالى (1).
وقال المجلسي: أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من
الذنوب الصغيرة والكبيرة، وعمداً وخطأ ونسياناً - قبل النبوة والإمامة وبعدهما،
بل من وقت ولادتهم، إلى أن يلقوا الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا
الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء، من الله
تعالى، لأن السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان
الأحكام (2).
وقال الطوسي: لا يجوز عليهم - أي على الأئمة - السهو والنسيان فيما
يؤدونه عن الله تعالى، أما غير ذلك، فإنه يجوز أن ينسوه أو يسهون عنه، مما
لم يؤد ذلك إلى الإخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك، وهم
ينامون ويمرضون، ويغشى عليهم، والنوم سهو، وينسون كثيراً من متصرفاتهم
أيضاً، وما يجري لهم فيما مضى من الزمان (1).
ومن المعروف أن سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قد
أوصى أمته بأهل بيته، وساواهم بالقرآن - كما في حديث الثقلين الذي أشرنا إليه
آنفاً - وذلك لأن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، سلالة الحسن والحسين، أبناء الزهراء
والإمام علي، إنما هم بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد الأنبياء، الذي اصطفاه الله من
أطهر المناقب، وأعرق الأصول، وتعهدهم نوره في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام
الطاهرة، من لدن آدم، حتى حملته أمه، ما تشعبت شعبتان إلا وكان
____________
(1) بحار الأنوار 25 / 350 - 351.
(2) التبيان 4 / 165 - 166.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، في خيرهما شعبة، ولا افترقت فرقتان، إلا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم،
في أكرمهما فرقة، ومن ثم كان أهل بيت النبوة، سلالة النبي صلى الله عليه وسلم، أهل الحسب
والنسب، والطهر والشرف، لا يلوثهم رجس، ولا ينالهم دنس، فلقد
طهرهم الله - فضلاً منه وكرماً - ثم دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي لا ينطق
عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب
عنهم الرجس، وطهرهم وتطهيراً.
ويقول العارف بالله محيي الدين بن عربي (560 - 638 هـ) في كتابه
الفتوحات الملكية: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبداً محضاً، قد طهره الله
تعالى، وأهل بيته، تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس قال الله تعالى: * (إنما يريد الله
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * (1)، فلا يضاف إليه إلا
مطهر، ولا بد، فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فما يضيفون لأنفسهم،
إلا من له حكم الطهارة والتقديس، وأهل البيت هم المطهرون، بل هم عين
الطهارة، فهذه الآية إنما تدل على أن الله تعالى قد شرك أهل البيت، مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قول الله تعالى: * (ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) * (2).
وهكذا طهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، مما هو ذنب بالنسبة إلينا، لو وقع
منه صلى الله عليه وسلم، لكان ذنباً في الصورة - لا في المعنى - لأن الذنب لا يلحق به على ذلك،
من الله تعالى، ولا منا شرعاً، فلو كان حكمه حكم الذنب لصحبه ما يصحب
الذنب من المذمة، ولم يكن يصدق قول الله تعالى: * (ليذهب عنكم الرجس
أهل البيت ويطهركم تطهيراً) *.
ومن ثم فقد دخل الأشراف أولاد سيدة نساء العالمين - السيدة فاطمة
الزهراء عليها السلام - كلهم إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران،
فهم المطهرون باختصاص من الله تعالى، وعناية بهم، لشرف محمد صلى الله عليه وسلم،
____________
(1) سورة الأحزاب: آية 33.
(2) سورة الفتح: آية 2.
وعناية الله سبحان وتعالى به، وبالتالي فينبغي لكل مسلم مؤمن بالله، وبما
أنزله، أن يصدق الله تعالى في قوله: * (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيراً) *، فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت - رضوان الله عليهم - أن الله
تعالى قد عفا عنهم، ولا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة، ولا ما يشنأ أعراض من
قد شهد الله تعالى بتطهيرهم، وإذهاب الرجس عنهم، ليس ذلك بعمل عملوه،
ولا بخير قدموه، بل هو سابق عناية واختصاص إلهي، ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء والله ذو الفضل العظيم (1).
على أن هذا الشرف لأهل بيت النبوة، لا يظهر إلا في الدار الآخرة، فإنهم
يحشرون مغفوراً لهم، وأما في الدنيا فمن أتى منهم حداً، أقيم عليه،
لقوله صلى الله عليه وسلم: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها وقد أعاذها الله من
ذلك، وطهرها تطهيراً (2).
وقصة الحديث الشريف - كما رواه ابن سعد في طبقاته، وابن الأثير في
أسد الغابة، وابن عبد البر في الإستيعاب، وابن حجر العسقلاني في الإصابة -
واللفظ لابن الأثير: روى عمار الدهني عن شقيق قال: سرقت فاطمة بنت
أبي الأسد، فأشفقت قريش أن يقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموا أسامة بن زيد،
فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كل شئ، ولا ترك حد من حدود الله عز وجل،
ولو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها، فقطعها (3).
ويذكر المقريزي (766 - 845 هـ) في كتابه معرفة ما يجب لآل البيت
النبوي من الحق على من عداهم ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث
معاوية بن هشام عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فاطمة
____________
(1) سورة الحديد: آية 21.
(2) ابن عربي: الفتوحات المكية 1 / 196 - 198.
(3) أنظر: أسد الغابة 7 / 218، الإستيعاب 4 / 386 الإصابة في تمييز الصحابة 4 / 380.
أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار (1)، وما رواه الحافظ محب الدين
الطبري في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، وأخرجه الملا في سيرته
من حديث حصين بن عمران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت ربي أن لا يدخل
النار أحداً من أهل بيتي، فأعطاني ذلك.
وفي رواية - في مجمع الزوائد - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لفاطمة رضي الله عنها: إن الله غير معذبك ولا ولدك - قال أخرجه الطبراني
عن ابن عباس (2).
وفي كنز العمال: إن فاطمة حصنت فرجها، وإن الله أدخلها بإحصان
فرجها وذريتها الجنة.
قال: أخرجه الطبري عن ابن مسعود (3).
وروى الخطيب البغدادي (392 - 463 هـ) بسنده عن ابن عباس قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابنتي فاطمة حوراء آدمية، لم تحض ولم تطمث، وإنما سماها
فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار (4).
وذكره ابن حجر الهيثمي (909 هـ/ 1504 - 974 هـ/ 1567 م) في
صواعقه، وقال: أخرجه النسائي (5).
ويقول المقريزي - نقلاً عن العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي،
المعروف بابن عباس الطوفي (657 - 716 هـ) (6) - في الإرشادات الإلهية في
المباحث الأصولية - أن الشيعة قد احتجت بقول الله تعالى: * (إنما يريد الله
____________
(1) المستدرك للحاكم 3 / 152، حلية الأولياء 4 / 188، ميزان الاعتدال 9 / 202.
(2) مجمع الزوائد 9 / 202، كنز العمال 6 / 219.
(3) كنز العمال 6 / 219.
(4) تاريخ بغداد 12 / 331.
(5) الصواعق المحرقة ص 96.
(6) أنظر: ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة من أعيان المائة الثامنة 2 / 249 - 252.
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) *، على أن أهل البيت
معصومون، ثم على أن إجماعهم حجة.
وأما أنهم معصومون، فلأنهم طهروا، وأذهب الله عنهم الرجس والرجس اسم جامع
لكل شر ونقص، والخطأ وعدم العصمة بالجملة شر ونقص، فيكون ذلك
مندرجاً تحت عموم الرجس الذاهب عنهم، فتكون الإصابة في القول والفعل
والاعتقاد، والعصمة بالجملة ثابتة لهم.
هذا فضلاً عن أن الله طهرهم، وأكد تطهيرهم بالمصدر، حيث قال:
* (ويطهركم تطهيراً) *، أي ويطهركم من الرجس وغيره تطهيراً، إذ هي تقتضي
عموم تطهيرهم من كل ما ينبغي التطهير منه عرفاً، أو عقلاً أو شرعاً، والخطأ
وعدم العصمة داخل تحت ذلك، فيكونون مطهرين منه، ويلزم من ذلك عموم
إصابتهم وعصمتهم (1).
ثم أكد دليل عصمتهم من الكتاب والسنة في الإمام علي وحده، وفي فاطمة
عليها السلام وحدها، وفي جميعهم.
أما دليل العصمة في الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله
وجهه في الجنة - فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أرسله إلى اليمن قاضياً، ثم قال:
يا رسول الله، كيف تبعثني قاضياً، ولا علم لي بالقضاء؟ قال: اذهب، فإن الله
سيهدي قلبك، ويسدد لسانك، ثم ضرب صدره وقال: اللهم اهد قلبه، وسدد لسانه (2).
وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2 / 699 - 700) بسنده عن
سماك عن حنش عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن، قال: فقلت:
____________
(1) المقريزي: فضل آل البيت - معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم - القاهرة
1973 ص 35 - 36.
(2) مسند الإمام أحمد 1 / 111، 149.
يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء، قال:
فوضع يده على صدري، وقال: اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي، إذا
جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما، حتى تسمع من الآخر، ما سمعت من
الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء، قال: فما اختلف على قضاء
بعد، أو ما أشكل على قضاء بعد. وفي رواية أخرى - في فضائل الصحابة أيضاً
(2 / 580 - 581) عن الأعمش عن عمر وبن مرة عن أبي البختري عن علي
قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأنا شاب، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى
قوم أقضي بينهم، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: أدن، فدنوت، فضرب يده على
صدري، فقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، قال: فما شككت في قضاء بين
اثنين.
قالوا: قد دعا له بهداية القلب، وسداد اللسان، وأخبره بأن سيكونا له،
ودعاؤه مستجاب، وخبره حق وصدق، ونحن لا نعني بالعصمة إلا هداية القلب
للحق، ونطق اللسان بالصدق، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا، أو ما
يلازمه فليذكره (1).
وأما دليل العصمة في السيدة فاطمة عليها السلام، فقوله صلى الله عليه وسلم: فاطمة
بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها (2)، والنبي صلى الله عليه وسلم، معصوم، ومن
ثم فبضعته - أي جزؤه - والقطعة منه، يجب أن تكون معصومة.
وهناك قصة أبي لبابة الذي ربط نفسه في عمود من عمد المسجد النبوي
الشريف، بسبب ما فاه به ليهود بني قريظة، عندما سألوه: أينزلون على حكم
محمد، قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، إن لم تفعلوا، وقد أقسم
أن لا يطلقه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الإمام السهيلي بسنده عن الإمام علي زين
____________
(1) المقريزي: المرجع السابق ص 36 - 38.
(2) الحديث الشريف له صيغ مختلفة (أنظر: صحيح البخاري 5 / 28، 5 / 36، 7 / 47، صحيح
مسلم 16 / 2 - 4.
العابدين بن مولانا الإمام الحسين، أن فاطمة الزهراء، عليها السلام، أرادت
حله، حين نزلت توبته، فقال: أقسمت أن لا يحلني، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فاطمة بضعة مني، فحلته، فصلى الله عليه وعلى فاطمة،
فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر، وأن من صلى عليها فقد صلى على
أبيها صلى الله عليه وسلم. وبدهي أنها معصومة مثله.
وأما دليل العصمة في آل البيت جميعاً - علي وفاطمة والحسن والحسين
عليهم السلام - فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي بسنده عن أبي سعيد
والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زين بن أرقم، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا أبداً، أحدهما أعظم من الآخر،
كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا
حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (1).
وفي رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في
حجته يوم عرفة - وهو على ناقته القصواء يخطب - فسمعته يقول: يا أيها
الناس، إني تارك فيكم، ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي (2).
ورواه المتقي في كنز العمال وقال: أخرجه ابن أبي شيبة والخطيب في
المتفق والمفترق عن جابر (3).
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود، ما بين السماء
والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (4).
____________
(1) صحيح الترمذي 2 / 308.
(2) صحيح الترمذي 2 / 308.
(3) كنز العمال 1 / 48، فضائل الخمسة 2 / 45.
(4) ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 603.
وفي رواية عن أبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا، كتاب الله، وأهل
بيتي (1).
وأخرجه أحمد في المسند من طريق، عطية عن أبي سعيد، وأخرجه
الترمذي (2) عن طريق الأعمش عن عطية أبي سعيد، ثم قرنه بقوله:
والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم وعن طريق زيد بن الحسن
القرشي الكوفي الأنماطي عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام محمد الباقر عن
جابر بن عبد الله مرفوعاً (3).
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم،
يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ
وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول
ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور،
فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال:
وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في
أهل بيتي (4).
وفي رواية: فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله، إن المرأة
تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى بيت أبيها وقومها،
أهل بيته، أصله وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده (5).
____________
(1) ابن حنبل: فضائل الصحابة 1 / 171 - 172.
(2) مسند الإمام أحمد 3 / 14، 17، 26، 59، صحيح الترمذي 5 / 663.
(3) فضائل الصحابة 1 / 172.
(4) صحيح مسلم 15 / 179 - 180.
(5) صحيح مسلم 15 / 181.
وأخرجه أحمد في المسند والدرامي والحاكم عن زيد بن أرقم (1)،
وأخرجه أحمد، وابن أبي عاصم في السنة عن زيد بن ثابت، وقال الهيثمي في
رواية أحمد: وإسناده حسن (2)، وأخرجه الطبراني في الكبير عن حذيفة بن
أسيد (3).
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد تركت فيكم خليفتين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما يردان على الحوض (4).
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن
حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن
تمسكتم به لن تضلوا، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من
السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض،
فانظروا كيف تخلفوني فيهما (5).
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عطية عن أبي سعيد قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل
ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا
على الحوض (6).
وفي رواية أيضاً عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي
____________
(1) مسند أحمد 4 / 367 - 371، سنن الدرامي 2 / 431، مجمع الزوائد 9 / 163.
(2) مسند الإمام أحمد 5 / 181، مجمع الزوائد 9 / 163.
(3) معجم الطبراني الكبير 3 / 200، مجمع الزوائد 9 / 165.
(4) فضائل الصحابة 2 / 786.
(5) أسد الغابة 2 / 13.
(6) فضائل الصحابة 2 / 779، مسند الإمام أحمد 3 / 14 معجم الطبراني الكبير 3 / 62.
أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يرد على الحوض،
فانظروا بما تخلفوني فيهما (1).
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فأقمن،
فقال: كأني قد دعيت فأجيب، إني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من
الآخر، كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن
يفترقا حتى يردا على الحوض.
ثم قال: إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي
عليه السلام، فقال: من كنت مولاه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من
عاداه (2).
وروى النسائي في الخصائص بسنده عن زيد بن أرقم قال: لما دفع النبي
صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثم قال: كأني
دعيت فأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله،
وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا
على الحوض.
ثم قال: إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن، ثم إنه أخذ بيد علي،
رضي الله عنه، فقال: من كنت وليه، فهذا وليه اللهم وال من والاه، وعاد من
عاداه، فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ما كان في الدرجات أحد، إلا رآه
بعينه، وسمعه بأذنيه (3). وذكره المتقي الهني في كنز العمال (4).
____________
(1) فضائل الصحابة 2 / 779، مسند الإمام أحمد 3 / 17، معجم الطبراني الكبير 3 / 63.
(2) المستدرك للحاكم 3 / 109.
(3) النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ص 50 - 51 (بيروت
1983).
(4) كنز العمال 1 / 48، 6 / 390.
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي
الطفيل عن ابن واثلة، أنه سمع زيد بن أرقم يقول: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة
والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات،
ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية فصلى، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر
ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم قال: أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين،
لن تضلوا إن اتبعتموها، وهما كتاب الله، وأهل بيتي عترتي، ثم قال: أتعلمون
أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من كنت مولاه، فعلي مولاه (1).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن وجه الدلالة على العصمة في
الأحاديث الآنفة الذكر (حديث الثقلين - بطرق وصيغ مختلفة) إنما هو أن سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قد لازم بين أهل بيته عليهم السلام، وبين القرآن المعصوم،
ومن لازم المعصوم فهو معصوم. قالوا: وإذا أثبت عصمة أهل البيت، وجب أن
يكون إجماعهم حجة لامتناع الخطأ والرجس عليهم، بشهادة المعصوم، وإلا
لزم وقوع الخطأ فيه، وأنه محال.
واعترض الجمهور بأن قالوا: لا نسلم أن أهل البيت في الآية الكريمة
(الأحزاب 33)، بل هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما ما أكدتم به عصمتهم من السنة، فأخبار آحاد، لا تقولون بها، مع أن
دلالتها ضعيفة. وأجاب الشيعة: إن أهل البيت في الآية إنما هم: علي وفاطمة
والحسن والحسين، وهو أمر ثابت بالنص والإجماع، وقد قال به كثيرون، قال
به أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين عائشة،
وأم المؤمنين أم سلمة، وابن أبي سلمة - ربيب النبي صلى الله عليه وسلم - وسعد وغيرهم من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
____________
(1) المستدرك للحاكم 3 / 109.
وقال به الكثيرون من أهل التفسير والحديث، قال به الفخر الرازي في
التفسير الكبير، وقاله الزمخشري في الكشاف، والقرطبي في الجامع لأحكام
القرآن، والشوكاني في فتح القدير، والطبري في جامع البيان عن تأويل آي
القرآن، والسيوطي في الدر المنثور، وابن حجر العسقلاني في الإصابة،
والحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه، والإمام أحمد بن حنبل في
المسند، والواحدي في أسباب النزول.
وأما خبر الآحاد، فقال الشيعة عنه: إننا أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي
لازمة لكم، فنحن أوردناها إلزاماً، لا استدلالاً.
على أن الرأي عند الطوفي، أن آية التطهير (الأحزاب 33) ليست نصاً ولا
قاطعاً في عصمة آل البيت، وإنما قصاراها أنها ظاهرة في ذلك بطريق الاستدلال
الذي حكيناه عنهم (1).
ولعل مما تجدر الإشارة إليه، دخول أبناء فاطمة البتول، عليها السلام،
في حكم آية التطهير من الغفران، فهم المطهرون اختصاصاً من الله تعالى،
وعنايةً بهم، لشرف محمد صلى الله عليه وسلم، وعناية الله به.
ويذهب بعض العارفين إلى أن حكم هذه النسبة لأهل البيت تكون في
الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، قال الله تعالى: * (جنات عدن
يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) * (2). قال سعيد بن جبير (3):
____________
(1) المقريزي: فضائل أهل البيت (معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق
على من عداهم - دار
الاعتصام القاهرة 1393 هـ/ 1973 م ص 39 - 42.
(2) سورة الرعد: آية 23.
(3) سعيد بن جبير: هو أبو عبد الله سعيد بن جبير، الأسدي الكوفي، ولد عام 45 هـ/ 665 م، وتتلمذ
على عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو، وكان سعيد من أكثر التابعين علماً ومكانة، ومن أوائل
مفسري القرآن الكريم، أمر به الحجاج الثقفي فقتل عام 95 هـ/ 714 م، بسبب حبه لآل البيت،
ومعارضته سياسة الحجاج وبني أمية.
=>
يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أبي، أين أمي، أين زوجي؟ فيقال له: لم
يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، فيقال لهم: ادخلوا
الجنة (1).
وقال ابن عباس (2): إن الله تعالى جعل من ثواب المطيع، سروره بما يراه
في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها، كرامةً
للمطيع العامل، ولا فائدة للتبشير والوعد، إلا بهذا، إذ كل مصلح في عمله،
قد وعد دخول الجنة.
ومن البديهي، أنه إذا جاز أن يكرم الله تعالى عباده المؤمنين بالذين عملوا
بطاعته، ونهوا أنفسهم عن مخالفته، بأن يدخل معهم الجنة من أهاليهم وذوي
قرباهم، من كان مؤمناً قد قصر في عبادة ربه، وخالف بعض ما نهى عنه،
____________
<=
وأهم مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد 6 / 256 - 267 ط بيروت، المعارف لابن قتيبة
ص 227 - 228، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1، 9 - 10، حلية الأولياء
4 / 272 - 309، أخبار أصفهان لأبي نعيم 1 / 324 - 325، طبقات الفقهاء للشيرازي
ص 61 - 62، التهذيب لابن حجر 4 / 11 - 14، الأعلام للزركلي 3 / 154، وفيات الأعيان
2 / 371 - 374، شذرات الذهب 1 / 108 - 110).
(1) المقريزي: المرجع السابق ص 59 - 60.
(2) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولد في العام الثالث قبل
الهجرة، وتوفي عام 68 هـ(687 م) أو 769 هـ(688 م) أو 70 هـ(689 م)، وصحب جيوش
الإسلام إلى مصر وشمال إفريقيا وجرجان وطبرستان والقسطنطينية، وكان والياً على البصرة في
خلافة الإمام علي عام 49 هـ، اعتزل السياسة بعد موت الإمام علي، وعاش في الطائف على
عطائه. ويعد ابن عباس أول مفسري القرآن (وله تفسير مطبوع في جزأين، نشرته جامعة أم القرى
بمكة المكرمة) وقد وصف بأنه ترجمان القرآن وحبر الأمة، وكان عمر بن الخطاب يقدمه
على كبار الصحابة، وقال عنه الأعمش: إذا رأيته قلت أجمل الناس، فإذا تكلم قلت أفصح
الناس، فإذا حدث قلت أعلم الناس. وأما أهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان 3 / 62 - 64،
شذرات الذهب 1 / 75 - 76، طبقات ابن سعد 2 / 119 - 125، المحبر لابن حبيب ص 89 حلية
الأولياء 1 / 314 - 329، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 18 - 19، تذكرة الحفاظ للذهبي
ص 40 - 42، الإصابة لابن حجر 2 / 330 - 334 تهذيب التهذيب لابن حجر 5 / 276 - 279،
الأعلام للزركلي 4 / 288، الإستيعاب 2 / 350 - 357).
بطريق التبعية لهم، لأنهم قد استحقوا تلك المنازل بما أسلفوا من الطاعات في
الدنيا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد المرسلين، وإمام المتقين، أولى بهذه الكرامة، أن
يدخل الله تعالى عصاة ذريته الجنة، تبعاً له، ويرضى عنهم برضاه عنه صلى الله عليه وسلم (1).
روى الإمام الطبري في تفسيره، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته، وإن كانوا دونه
في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ * (والذين آمنوا واتبعتهم (2) ذريتهم بإيمان
ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) * (3). قال: ما أنقصنا الآباء
بما أعطيناه للبنين.
وروى الإمام النسفي في قوله تعالى: * (وألحقنا بهم ذريتهم) * أي نلحق
الأولاد - بإيمانهم وأعمالهم - درجات الآباء وقيل: إن الذرية، وإن لم يبلغوا
مبلغاً يكون منهم الإيمان استدلالاً، وإنما تلقوا منهم تقليداً، فهم يلحقون
بالآباء، وما ينقص ثواب عمل الآباء شيئاً (4).
وقال الإمام القرطبي في التفسير في قول الله تعالى: * (والذين آمنوا
واتبعتهم ذريتهم) *، روى عن ابن عباس أربع روايات: الأولى: إن الله ليرفع
ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، - وإن كانوا دونه في العمل - لتقر به
عينه، وتلا هذه الآية، وروى مرفوعاً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في
الجنة، وإن كان لم يبلغها بعمله، لتقر بهم عينه، ثم قال: * (والذين آمنوا
واتبعتهم ذريتهم بإيمان) * - الآية.
____________
(1) المقريزي: المرجع السابق ص 60 - 67.
(2) قرأ العمامة واتبعتهم بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وإسكان التاء، وقرأ أبو عمرو
وأتبعناهم بقطع الألف وإسكان التاء والعين ونون، اعتباراً بقوله وألحقنا بهم ليكون الكلام
على نسق واحد (تفسير القرطبي ص 6236).
(3) سورة الطور: آية 21.
(4) تفسير النسفي 4 / 191.
قال أبو جعفر: فصار الحديث مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا يجب أن
يكون، لابن عباس لا يقول هذا، إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه إخبار عن الله
عز وجل بما يفعله، وبمعنى أنه أنزله جل شأنه.
وقال الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور، بسعادتهم في أنفسهم،
وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وبإجماع أولادهم ونسلهم
بهم.
وعن ابن عباس أنه قال: إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم
يبلغوا الإيمان.
وعن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل
أحدهم عن أبويه، وعن زوجته وولده، فيقال لهم: إنهم لم يدركوا ما أدركت،
فيقول: يا رب، إني عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به.
وروى عن السيدة خديجة رضوان الله عليها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن
المؤمنين وأولادهم في الجنة، والمشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ * (والذين
آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان) * - الآية (1).
ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى عن فضله وكرمه
وامتنانه، ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان،
يلحقون بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء
عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع ناقص العمل
بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا
قال * (ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) *، قال الثوري عن
عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: إن الله ليرفع ذرية
____________
(1) تفسير القرطبي ص 6236 - 6239 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).
المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ * (والذين
آمنوا و اتبعتهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) * (1).
وأما فضل الله تعالى على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فلقد روى الإمام أحمد
في مسنده بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله
ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول:
باستغفار ولدك لك (2).
والحديث إسناده صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه (3)، ولكن له شاهد
في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا ما مات ابن آدم
انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح
يدعو له (4).
ويخلص المقريزي من ذلك كله: بأن الله تعالى، إذا أكرم المؤمن لإيمانه،
فجعل ذريته الذين لم يستحقوا درجته معه في الجنة لتقصيرهم، فالمصطفى
صلى الله عليه وسلم، أكرم على ربه تعالى من أن يهين ذريته بإدخالهم النار في الآخرة، وهو جل
وعز القائل * (إنك من تدخل النار فقد أخزيته) * (5). بل إن من كمال شرفه صلى الله عليه وسلم،
ورفيع قدره، وعظيم منزلته عند الله تعالى، أن يقر الله عينه بالعفو عن جرائم
ذريته، والتجاوز عن معاصيهم، ومغفرة ذنوبهم، وأن يدخلهم الجنة من غير
عذاب (6).
____________
(1) تفسير ابن كثير 4 / 373 - 375 (دار الكتب العلمية - بيروت 1406 هـ/ 1986 م).
(2) مسند الإمام أحمد 2 / 509.
(3) صحيح ابن ماجة 2 / 1207.
(4) صحيح مسلم 5 / 73.
(5) سورة آل عمران: آية 192.
(6) المقريزي: المرجع السابق ص 60.
هذا فضلاً عن أن المقريزي إنما يستخلص من قول الله تعالى: * (وأما
الجدار فكان لغلامين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبو هما
صالحاً) * (1)، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، رضي الله عنهما، في قوله و كان أبوهما صالحاً قال: حفظاً لصلاح
أبيهما، وما ذكر عنهما صلاحاً - قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (2)،
وكان السابع من آبائهما.
ويقول المقريزي: فإذا صح أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ غلامين،
لصلاح أبيهما، فيكون قد حفظ الأعقاب برعاية الأسلاف، وإن طالت
الأحقاب (3).
ومن ذلك في الأثر من أن حمام الحرم من حمامتين عششتا على فم الغار
الذي اختفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك حرم حمام الحرم، وإذا كان ذلك
كذلك، فمحمد صلى الله عليه وسلم أحرى وأولى وأحق، وأجدر أن يحفظ الله تعالى ذريته، فإنه
إمام الصلحاء، وما أصلح الله فساد خلقه إلا به، ومن جملة حفظ الله تعالى
لأولاد فاطمة عليها السلام، أن لا يدخلهم النار يوم القيامة (4).
وأخرج أبو داود الطيالسي بسنده عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه
قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع،
والذي نفسي بيده، إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني فرطكم (أي
متقدم عليكم) على الحوض، أيها الناس، ألا وسيجئ قوم يوم القيامة، فيقول
القائل منهم: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفت،
____________
(1) سورة الكهف: آية 82.
(2) المستدرك للحاكم 2 / 369.
(3) المقريزي: المرجع السابق ص 61.
(4) نفس المرجع السابق ص 62.
ولكنكم ارتددتم بعدي، ورجعتم القهقرى (1) - ورواه شريك فذكره، فقيل له:
يا أبا عبد الله، علام حملتم هذا الحديث؟ قال: على أهل الردة (2).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن إمام الحرمين الجويني، إنما
يذهب إلى عدم عصمة الأئمة - بل الأنبياء - فيقول: إن علياً وابنيه الحسن
والحسين وأولادهم - صلوات الله عليهم - ما كانوا يدعون لأنفسهم العصمة
والتنقي من الذنوب، بل كانوا يعترفون بها سراً وعلناً، ويتضرعون إلى الله،
مستغفرين خاضعين خانعين، فإن صدقوا فهو المبتغى، وإن تكن الأخرى،
فالكذب خطيئة من الخطايا، يجب الاستغفار والتوبة منها.
ثم يقول: فمن أبدى مراءً في اعترافهم بالذنوب، فقد جاحد ضرورات
العقول، ومن اعترف بذلك، واعتقد عصمتهم، فقد نسبهم إلى الخلف عمداً،
والكذب قصداً، وهذا إثبات ذنب في مساق ادعاء التبري من الذنوب.
فإن قالوا: كان الأنبياء يستغفرون أيضاً - مع وجود العصمة لهم - قلنا:
مذهبنا الذي ندين به، أنه لا تجب عصمة الأنبياء عن صغائر الذنوب، وآي
القرآن في أقاصيص النبيين مشحونة بالتنصيص على هنات كانت منهم، استوعبوا
أعمارهم في الاستغفار منها (3).
ثم يدلل الجويني على عدم عصمة الأئمة بوجوه، منها (أولاً) أن الإمام لا
يتأتى منه تعاطي مهمات المسلمين في المشارق والمغارب، ولا يجد بداً من
____________
(1) منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود 2 / 64. هذا وقد رواه بمثله الإمام أحمد في
مسنده 3 / 18.
(2) المقريزي: المرجع السابق ص 63.
وانظر: محمد بيومي مهران: السيدة فاطمة الزهراء ص 72 - 77 (بيروت 1990).
(3) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق
عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـص 91 - 94 (طبع على نفقة الشؤون الدينية بدولة قطر).
استخلاف الولاة، ونصب القضاة، وجباة الأخرجة والصدقات، وغيرها من
أموال الله، والذي يتولى الإمام من أمر المسلمين بنفسه الأقل، ثم لا تجب
عصمة ولاة الأمر، حيث كانوا في أطراف خطة الإسلام، وفيه بطلان ما ذكروه،
فما تغني عصمته، ولا يشترط عصمة مستخلفيه (1).
ومنها (ثانياً) أن من ينادون بعصمة الأئمة يقولون: التقية ديننا، ودين
آبائنا، ويوجبون على الأئمة أن يبوحوا بالكذب، ويبدون خلاف ما يعتقدون،
وإذا كانوا كذلك، فليت شعري: كيف يعتمدون في أقوالهم، مع تجويز أنهم
يظهرون خلاف ما يضمرون، وغايتهم في اشتراط العصمة اتباع الأئمة، فيما
يأتون ويذرون، فإذا أسقطت الثقة بأقوالهم، كيف تجب العصمة في أفعالهم؟
ولئن جاز الكذب في القول تقية، فليجز الزلل في العمل لمثل ذلك.
ومنها (ثالثاً) أن الأنبياء تجب عصمتهم لدلالات المعجزات على صدق
لهجتهم، ولو لم يتميز مدعي النبوة بآية باهرة، وحجة قاهرة عن المخرقين
الكذابين، لما استقر عقد في نبوة، فمستند النبوات المعجزات إذاً.
وأما الأئمة، فلقد وضح من دين النبي إمامتهم، مع ما يتعرضون له من
إمكان الهفوات، فإذا أثبتنا صحة الاختيار، ويستحيل معه علم المختارين في
مطرد العادات بأحوال المنصوبين للزعامة، فاستناد الإمامة إلى النبوة، ومستند
النبوة المعجزة، فلما تعلق مستند التبليغ بالنبي، لم يكن لتميزه ممن عداه بد
من آية، والأئمة يبينون أو يفتون أو يتبعون فروعاً في شرائع الرسل، فإذا دل
دليل على انتصابهم - مع التعرض للزلل - ولم يكن في العقول ما يأبى ذلك
ويحيله، تلقيناه بالقبول، ونزلناه منزلة الشهود والمفتين وسائر ولاة المسلمين، وحماة الدين (2).
(1) نفس المرجع السابق ص 94 - 95.
(2) نفس المرجع السابق ص 95 - 97. |