|
2 - التقية:
التقية: اسم مصدر لً توقىً وً اتقىً، تقول: توقيت الشئ، واتقيته، وتقيته، تقى
وتقية، أي حذرته.
ويقول العلامة المظفري: إن التقية من الوقاية، فهي جنة تدرأ بها المخاوف والأخطار،
أي أن الغرض من التقية أن يحافظ المرء على عرضه أو نفسه أو ماله، مخافة عدو، فيظهر
غير ما يضمر، فهي إذن مداراة وكتمان، وتظاهر بما ليس هو الحقيقة، فمن كان على دين
أو مذهب ثم لم يستطيع أن يظهر دينه أو مذهبه، فيتظاهر بغيره، فذلك تقية.
هذا ولم ترد عبارة تقية في القرآن الكريم، وإنما جاءت بلفظ تقاة.
ويذهب الشريف الرضي (359 - 406 هـ) (1)، والزمخشري (467 -
538 هـ) (2) أن تقاة قرأت تقية، ومن الواضح أن المراد بها
هنا التظاهر
____________
(1) الشريف الرضي: - هو نقيب العلويين أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن
موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن
الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، ولد عام 359 هـ، و توفي يوم الأحد سادس
المحرم - وقيل صفر - عام 406 هـ، وكان شاعراً مفلقاً حتى قيل إنه أشعر قريش، وقد
ابتدأ ينظم الشعر وله عشر سنين، وله ديوان في أربع مجلدات، وقد أصبح نقيب الطالبيين
في عام 383 هـ، بعد أن تنازل له أبوه عنها، وقال ابن جني النحوي عنه أنه حفظ
القرآن في مدة يسيرة، وصنف كتاباً في مجازات القرآن، فجاء نادراً في بابه، كما صنف
كتاباً في معاني القرآن يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة، وانظر
عن مصادر ترجمته وفيات الأعيان 4 / 414 - 420، شذرات الذهب 3 / 182 - 184، تاريخ
بغداد 2 / 245 - 246، وقام الدكتور إحسان عباس بعمل دراسة عنه نشرت في بيروت 1957
م.
(2) الزمخشري: - هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري،
الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، كان إمام عصره بغير
مدافع، وصاحب التصانيف البديعة، والتي منها: الكشاف في تفسير القرآن العزيز
والمحاجاة بالمسائل النحوية، والمفرد المركب في العربية، والفائق في تفسير الحديث،
وأساس البلاغة في اللغة وربيع الأبرار وفصوص الأخيار ومتشابه أسامي الرواة والنصائح
الكبار والنصائح الصغار وضالة الناشد والرائض في علم الفرائض والمفصل في النحو
والأنموذج في النحو. وغيرها وغيرها.
=>
بموالاة الأعداء، على أساس أن تتقوا منهم تقاة أي تحذروهم، وتتجنبوا
الأذى منهم، ومن هنا يتبين أن الخوف والمحافظة على النفس في مواطن
الخطر هما أساس التقية، وأن القرآن قد أباح للمسلمين - وبخاصة المسلمين
الذين عناهم هنا - الخائفين على دمهم، أن يتخذوا الكافرين أولياء تقاة
أو تقية، على أمل زوال الظروف التي دعتهم إلى هذه الضرورة، والضروريات
تبيح المحظورات، كما هو معروف (1).
ويقول ابن حزم الأندلسي: وقد أباح الله كلمة الكفر عند التقية، وأباح بها الدم في
غير التقية (2)، هذا وقد اعتمدت التقية على ركائز ثلاثة من
الكتاب والسنة والعقل.
1 - التقية في القرآن:
يقول الله تعالى: * (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل
ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)
* (1).
ويقول الله تعالى: * (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) * (4).
____________
<=
وقد ولد الزمخشري يوم الأربعاء 27 رجب عام 467 هـ، وتوفي ليلة عرفة عام 538 هـ.
وانظر ترجمته في (وفيات الأعيان 5 / 168 - 174، طبقات المعتزلة ص 20، لسان الميزان
2 / 160، عبر الذهبي 4 / 106، إنباه الرواة 3 / 265، شذرات الذهب 4 / 118 - 121).
(1) أنظر: الشريف الرضي: حقائق التأويل في متشابه التنزيل ص 74 (النجف 1355 هـ/
1936 م)، الزمخشري: الكشاف 1 / 300 (بولاق 1318 هـ)، كامل الشيبي: التقية - مجلة
كلية الآداب، جامعة الإسكندرية - العدد 16 عام 1963 ص 233 - 234.
(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 111.
(3) سورة آل عمران: آية 28.
(4) سورة النحل: آية 106.
وقد قدم لنا العلامة المفسر القرطبي معظم آراء العلماء في تفسير الآية
الكريمة، وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر في قول أهل التفسير، لأنه
قارب بعض ما ندبوه إليه، قال ابن عباس: أخذه المشركون، وأخذوا أباه
وأمه سمية، وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم، و ربطت سمية بين بعيرين،
ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت وقتل
زوجها ياسر، وهما أول قتيلين (شهيدين) في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم
ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟، قال: مطمئن
بالإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد.
وروى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير عمار بين
أمرين، إلا اختار أرشدهما، وفي هذا دليل على أن التقية التي اختارها عمار كانت أرشد
هنا.
ويقول القرطبي: لما سمح الله عز وجل بالكفر به - وهو أصل الشريعة - عند الإكراه،
ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها، لم
يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم
رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
هذا وقد أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا
إثم عليه، إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم
الكفر، وهذا ما قال به مالك والكوفيون والشافعي - غير محمد بن الحسن
(1) - بدليل قول الله تعالى: * (إلا من أكره) * وقوله تعالى: * (إلا أن
تتقوا منهم تقاة) * (2)، وقوله تعالى: * (إلا المستضعفين من
____________
(1) تفسير القرطبي ص 3796 - 3798.
(2) سورة آل عمران: آية 28، وانظر: تفسير الطبري 6 / 313 - 317، تفسير ابن كثير 1 /
535، تفسير النسفي 1 / 152 - 153، تفسير الزمخشري 1 / 140، تفسير القرطبي ص 1299 -
1300،
=>
الرجال والنساء والولدان) * (1) فعذر الله
المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به - قاله البخاري.
هذا وقد ذهبت طائفة من العلماء - كالحسن البصري والأوزاعي وسحنون - إلى أن الرخصة
إنما جاءت في القول، وأما الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله،
أو الصلاة لغير القبلة.
وقد احتج من قصر الرخصة على القول، بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من
ذي سلطان، إلا كنت متكلماً به فقصر الرخصة على القول، ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة
فيه، لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالاً، وهو يريد: أن الفعل في حكمه.
على أن فريقاً آخر من العلماء قال إن الإكراه في القول والفعل سواء، إذا أسر
الإيمان، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك، وطائفة من أهل العراق،
فلقد روى ابن القاسم عن مالك: أن من أكره على شرب الخمر، وترك الصلاة، أو الإفطار
في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع (2).
ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن العلماء يجمعون على أن من أكره على الكفر، فاختار
القتل، إنما هو أعظم أجراً عند الله، ممن اختار الرخصة، واختلفوا فيمن أكره على غير
القتل من فعل ما لا يحل له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك، واختيار القتل
والضرب، أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة.
وروى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة
له في ظل الكعبة، فقلت: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال لي: قد كان
____________
<=
تفسير المنار 3 / 227 - 233، أحمد أمين: فجر الإسلام ص 274، ضحى الإسلام 3 / 246 -
247.
(1) سورة النساء: آية 97.
(2) تفسير القرطبي ص 3798 - 3799.
من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار
فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه
وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من
صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم
تستعجلون (1).
وعن يونس بن عبيد عن الحسن (البصري): أن عيوناً لمسيلمة (الكذاب)
أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما:
أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال:
نعم، فخلى سبيله، وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال:
وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصم، لا أسمع، فقدمه وضرب عنقه، فجاء
هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت، قال: وما أهلكك، فذكر الحديث،
قال: أما صاحبك فأخذ بالثقة، وأما أنت فأخذت بالرخصة، على ما أنت عليه
الساعة؟ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: أنت على ما أنت عليه (2).
وعن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن
الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال: نعم، ولأن أحلف
سبعين يميناً وأحنث، أحب إلي أن أدل على مسلم.
وكان الوليد بن عبد الملك الأموي (86 هـ/ 705 م - 96 هـ/ 715 م) يأمر
جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار، قال: فجلس رجل منهم في حلقة
رجاء بن حيوه فسمع بعضهم يقول في الوليد، فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء،
اذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير، فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين، فقال
له الوليد: قال: الله الذي لا إله إلا هو، قال: الله الذي لا إله إلا هو، فأمر
____________
(1) تفسير القرطبي ص 3804.
(2) تفسير الزمخشري / 536، تفسير المنار 3 / 231، تفسير القرطبي ص 3805.
الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطاً، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء بك
يسقى المطر، وسبعون سوطاً في ظهري، فيقول رجاء: سبعون سوطاً في
ظهرك، خير لك من أن يقتل رجل مسلم.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ليس الرجل آمناً على نفسه،
إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته، وقال ابن مسعود: ما كان يدرأ عني سوطين، إلا
كنت متكلماً به.
وقال الحسن البصري: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن الله
تعالى ليس يجعل في القتل تقية.
وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه، وهذا قول الإمام مالك، إلا
أنه قال: والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي،
وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت،
إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على
المكره، وإكراه السلطان وغيره عن مالك إكراه.
وقال سحنون (1) (عبد السلام بن سعيد التنوخي قاضي القيروان
160 هـ/ 776 م - 240 هـ/ 854 م): وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد
إكراه، مما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس، وذهب الإمام مالك
(90 أو 97 - 179 هـ) إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب، أنه
يحلف ولا حنث عليه، وهو قول الأئمة: الشافعي (150 هـ/ 767 م -
204 هـ/ 820 م) وابن حنبل (164 هـ/ 780 م - 241 هـ/ 855 م) وأبي ثور
(ت 240 هـ/ 854 م) وأكثر العلماء.
____________
(1) سحنون: وهو والد ابن سحنون (محمد بن سحنون بن عبد السلام بن سعيد التنوخي، الذي ولد
بالقيروان عام 202 هـ/ 817 م، وتعلم فيها على يد والده سحنون وغيره، حتى صار في مكانة
أكبر من مكانة والده، ثم توفي عام 256 هـ/ 870 م).
هذا وقد ثبت أن من المعاريض المندوحة عن الكذب، روى الأعمش عن
إبراهيم النخعي (50 هـ/ 670 م - 96 هـ/ 715 م) أنه قال: لا بأس إذا بلغ الرجل
عنك شئ أن تقول: والله، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شئ، قال
عبد الملك بن حبيب: معناه أن الله يعلم أن الذي قلت، وهو في ظاهره انتفاء
من القول، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه، ولا كذب عليه في كلامه.
وقال النخعي: كان لهم كلام من ألغاز الإيمان يدرأون به عن أنفسهم، لا يرون
ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث، قال عبد الملك: وكانوا يسمون ذلك
المعاريض من الكلام، إذا كان ذلك في غير مكر، ولا خديعة في حق، وقال
الأعمش: كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه، جلس في مسجد
بيته، وقال لجاريته: قولي له: هو والله في المسجد (1).
2 - التقية في السنة:
تظهر التقية - بأجلى معانيها - في قصة الصحابي الجليل عمار بن ياسر
رضوان الله عليه، روى الحافظ ابن كثير في تفسيره قال: روى العوفي عن
ابن عباس أن آية * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * (2)، نزلت في عمار بن
ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مكرهاً،
وجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي وقتادة
وأبو مالك.
وروى ابن جرير بسنده عن أبي عبيد محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ
المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال
النبي صلى الله عليه وسلم: إن عادوا فعد.
____________
(1) تفسير القرطبي ص 3805 - 3807.
(2) سورة النحل: آية 106.
ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم
بخير، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما تركت حتى سببتك،
وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، فقال: إن
عادوا فعد، وفي ذلك أنزل الله * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) *، ولهذا
اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته (1).
هذا وقد خرج عن هذه الآية الكريمة (النحل: 106) رأي مدرسة الإمام
أبي عبد الله جعفر الصادق (80 هـ/ 669 م - 148 هـ/ 765 م) مع الإمام أبي حنيفة
(80 هـ/ 669 م - 150 هـ/ 767 م) والإمام مالك، في فتواهما المشتركة للناس:
ليس على مكره يمين، حينما سئلا عن بيعتهما للخليفة العباسي المنصور
(136 هـ/ 754 م - 158 هـ/ 775 م) وخروجهما عليه بعد البيعة (2).
وأما الإمام أبو حنيفة، فلقد أرسل له الإمام زيد بن علي زين العابدين
(79 هـ/ 698 م - 122 هـ/ 740 م) الفضيل بن الزبير يدعوه إليه، غير أنه لم
يستطع الخروج، وقال للرسول: إبسط عذري إليه، ومع ذلك فقد كان يحث
الناس على نصرة الإمام زيد، كما أمده بمعونة مالية، - بلغت ثلاثين ألف
درهم - يستعين بها على عدوه، ويروى أن أبا حنيفة قال لما بلغه خروج زيد -
ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم بدر، فقيل له: لم تخلف عنه؟
قال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل، فخفت
أن أموت مجهلاً.
وقال الزمخشري في الكشاف: وكان أبو حنيفة يفتي سراً، بوجوب نصرة
____________
(1) تفسير ابن كثير 2 / 911 - 912 (دار الكتب العلمية - بيروت 1406 هـ/ 1986).
(2) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة ص 177.
زيد بن علي، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب، المسمى
بالإمام أو الخليفة.
وروى أن محمد بن جعفر الصادق قال: رحم الله أبا حنيفة، لقد تحققت
مودته لنا في نصرته زيد بن علي (1).
وفي أثناء ثورة الإمام محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم على الخليفة
العباسي المنصور في عام 145 هـ، أفتى الإمام أبو حنيفة بالخروج مع إبراهيم،
وكان المحدث الفقيه شعبة بن الحجاج (82 هـ/ 701 م - 160 هـ/ 776 م) يحث
الناس على اتباعه، ويقول: ما يقعدكم؟ هي بدر الكبرى، كما أمده الإمام
أبو حنيفة بأربعة آلاف درهم، وكتب إليه أنه لم يكن عنده غيرها (2).
وروى أن امرأة أتت أبا حنيفة فقالت: إنك أفتيت ابني بالخروج مع
إبراهيم، فخرج فقتل، فقال لها: ليتني كنت مكان ابنك.
وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يقول: أما بعد، فإني جهزت إليك أربعة
آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك،
فإذا لقيت القوم، وظفرت بهم، فافعل كما فعل أبوك (يعني الإمام علي بن
أبي طالب) في أهل صفين، أقتل مدبرهم، وأجهز على جريحهم، ولا تفعل
كما فعل أبوك في أهل الجمل، فإن القوم لهم فئة، ويقال إن هذا الكتاب وقع
إلى الدوانيقي (يعني أبو جعفر المنصور)، وكان سبب تغيره على أبي حنيفة (3).
وأما الإمام مالك، فلقد أفتى الناس أيضاً بالخروج مع محمد النفس الزكية،
____________
(1) تفسير الكشاف 1 / 64، شذرات الذهب 1 / 159، ابن البزار: مناقب الإمام أبي حنيفة 1 / 55
(حيدر الدكن 1321 هـ)، الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص 146، المحلى: الحدائق الوردية
1 / 144.
(2) ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 130، وانظر: مقاتل الطالبيين ص 361،
364، 365، 367، 369.
(3) ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 130 (دار مكتبة الحياة - بيروت).
وبايعه، ولهذا فقد تغير المنصور عليه، فقيل: إنه خلع أكتافه (1).
وروى ابن الأثير في كامله: وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس
في الخروج مع محمد (النفس الزكية) وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر،
فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد،
ولزم مالك بيته (2).
قال صاحب الجواهر - كما جاء في كتاب فقه الإمام جعفر الصادق
- الاجتماع على ذلك، مضافاً إلى النصوص العامة، مثل رفع عن أمتي
ما استكرهوا عليه، ورواية زرارة عن الإمام أبي جعفر الصادق: ليس طلاق
المكره بطلاق، ولا عتقه بعتق (3).
ولقد اختلف العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي وأصحابه لا يلزمه
شئ، وذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن
عباس، أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئاً، وكذا رأي ابن عمر وعطاء وطاوس
والحسن البصري وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل
وإسحاق وأبي ثور، وأجازت طائفة طلاقه كالشعبي والنخعي وأبي قلابة
والزهري وقتادة، وقال أبو حنيفة طلاق المكره يلزم (4).
وفي تفسير ابن كثير: روى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر
في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم، وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية
بالعمل، إنما التقية باللسان.
____________
(1) نفس المرجع السابق ص 126.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5 / 532.
(3) محمد جواد مغنية: فقه الإمام جعفر الصادق - الجزء السادس ص 6 (دار الجواد - بيروت
1404 هـ/ 1984 م).
(4) تفسير القرطبي ص 3800.
وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة (1).
وروى الإمام مالك في الموطأ عن عائشة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت.
استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: وأنا معه في البيت، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ابن العشيرة، ثم أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فلم
أنشب أن سمعت ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، معه، فلما خرج الرجل قلت: يا
رسول الله، قلت فيه ما قلت، ثم لم تنشب أن ضحكت معه، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره (2).
وروى البخاري في صحيحه (باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد
والريب) قال: حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة سمعت ابن المنذر،
سمع عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها أخبرته، قالت: استأذن رجل
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إئذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، فلما
دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام،
قال: أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس - أو ودعه الناس - إتقاء
فحشه (3).
وفيه من حديث أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم، وإن قلوبنا
لتلعنهم وفي رواية الكشميهني وإن قلوبنا لتقليهم أي تبغضهم، ويقول
صاحب تفسير المنار: وأما المداراة - فيما لا يهدم حقاً، ولا يبني باطلاً - فهي
كياسة مستحبة، يقتضيها أدب المجالسة، ما لم تنته إلى حد النفاق، ويستجز
فيها الدهان والاختلاق، وتكون مؤكدة في خطاب السفهاء، تصوناً من سفههم،
واتقاء لفحشهم (4).
____________
(1) تفسير ابن كثير 1 / 535 (بيروت 1986).
(2) الإمام مالك بن أنس: الموطأ - صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه - محمد فؤاد عبد الباقي
ص 563 - 564 (ط كتاب الشعب 1970).
(3) صحيح البخاري 8 / 20 - 21.
(4) تفسير المنار 3 / 231 - 232 (الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1973).
وفي مسند الإمام علي بن أبي طالب عن أبي مريم عن علي قال:
انطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتينا الكعبة، فقال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: إجلس،
وصعد على منكبي فنفضته، فنزل، وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إصعد على
منكبي، قال: فنهض بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ليخيل إلي أني لو شئت لنلت
أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تماثيل صفر أو نحاس، فجعلت
أزاوله يميناً وشمالاً، ومن بين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه، قال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقذف به، فقذفت به، فتكسر، كما تكسر القوارير، ثم نزلت،
فانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، نستبق حتى توارينا بالبيوت، خشية أن يلقانا أحد
من الناس (1).
ويقول الطبري (2): وما يهمنا هنا في هذا الخبر: أن علياً رحمه الله، أخبر
أنه حين رمى بالصنم من فوق الكعبة فتكسر، نزل فانطلق هو و رسول الله صلى الله عليه وسلم،
يسعيان حتى استترا بالبيوت، خشية أن يعلم بهما أحد، ولا شك أنهما لم يخشيا
أن يعلم ما كان منهما من الفعل بالصنم أحد من المشركين، إلا كراهة أذاهم
على أنفسهما، وأن يلحقهما منهم مكروه، لما كان فعلا بصنمهم.
وكذلك القول على كل خائف على نفسه من فرط أذى من لا طاقة له به،
أن يناله به في نفسه، إذا هو غير هيئة بعض ما وجده معه، أو مع بعض أشيائه
من الأشياء التي لا تصلح إلا لأن يعصى الله به، وهو بهيئته، في أنه في سعة من
ترك تغييره عن هيئته، حتى يأمن ذلك على نفسه، فإذا أمن على نفسه، كان له
تغييره من الهيئة عن هيئته، حتى يأمن من ذلك على نفسه، فإذا أمن على نفسه،
كان له تغييره من الهيئة المكروهة إلى غيرها من الهيئات التي تصلح لغير
معصية الله.
____________
(1) أبو جعفر الطبري: تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار - مسند الإمام علي بن
أبي طالب - قرأه وخرج أحاديثه محمود محمد شاكر - ص 237 (ط جامعة الإمام محمد بن
مسعود الإسلامية بالرياض).
(2) نفس المرجع السابق ص 242 - 243.
وفيه دلالة واضحة على صحة ما نقول من أن الأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، إنما يلزم فرضهما المرء المسلم على قدر طاقته، وعند أمانه على
نفسه، أن ينال منها ما لا قبل لها به، فأما مع الخوف عليها أن تنال بما لا قبل
لها به، فموضوع عنها فرض ذلك، إلا النكير بالقلب.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما تحين لكسر الصنم الذي كان فوق الكعبة،
وقت الخلوة من عبدته، ومن يحضره لتعظيمه، كراهة أن ينالوه بمكروه في
نفسه، لو حاول كسره بمحضر منهم، أو أن يحولوا بينه وبين ما يحاول من
ذلك، ثم لم يقف بعد كسره إياه بموضعه، ولكنه أسرع السعي منه إلى حيث
يأمن على نفسه أذاهم، وأن يعملوا أنه الذي ولى كسره، أو كان الذي سبب
كسره (1).
وهناك حديث لا ضرر ولا ضرار، وحديث رفع عن أمتي تسعة أشياء:
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما
اضطروا إليه، والطيرة، والحسد، والوسوسة في الخلق، وقول الرسول الأعظم
وما اضطروا إليه صريح الدلالة على أن الضرورات تبيح المحظورات (2).
وقال الإمام الغزالي (450 هـ/ 1059 م - 505 هـ/ 1111 م) في موسوعته
إحياء علوم الدين (باب ما رخص فيه من الكذب): أن عصمة دم المسلم
واجبة، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم، قد اختفى من ظالم،
فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب، أو إصلاح ذات البين،
أو استمالة قلب المجني عليه، إلا بكذب، فالكذب مباح، إلا أنه ينبغي أن يحترز
منه ما أمكن، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه، فيخشى أن يتداعى إلى ما لا
____________
(1) مسند الإمام علي بن أبي طالب ص 242 - 243.
(2) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 50.
يستغنى عنه، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة، فيكون الكذب حراماً في
الأصل إلا لضرورة (1).
وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير، في تفسير قوله تعالى: * (إلا أن
تتقوا منهم تقاة) * - بعد أن نقل الأقوال المختلفة في التقية - قال: روى عن
الحسن البصري أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول
أولى - فيما يرى الرازي - لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان (2).
ونعى الإمام الشاطبي (المتوفى 1388 م) في الموافقات على الخوارج
إنكارهم سورة يوسف من القرآن، وقولهم (المتوفى 1388 م) بأن التقية لا تجوز
في قول أو فعل على الإطلاق والعموم (3).
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في الأشباه والنظائر: لا يجوز أكل
الميتة في المخمصة، وإساغة اللقمة (1445 - 1505 م) في الخمر، والتلفظ
بكلمة الكفر، ولو عم الحرام قطراً، بحيث لا يوجد فيه حلال، إلا نادراً، فإنه
يجوز استعمال ما يحتاج إليه (4).
وقال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي (5) (305 هـ/ 917 م
- 370 هـ/ 981 م) - من أئمة الحنفية - في قوله تعالى: * (إلا أن تتقوا منهم
تقاة) *، يعني أن تخافوا تلف النفس، أو بعض الأعضاء، فتتقوهم بإظهار
____________
(1) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 9 / 1588 (دار الشعب - القاهرة 1970).
(2) الشيعة في الميزان ص 50.
(3) الإمام الشاطبي: الموافقات 4 / 180.
(4) السيوطي: الأشباه والنظائر ص 76.
(5) أنظر عن الجصاص (تاريخ بغداد 4 / 314 - 315، معجم المؤلفين لكحالة 2 / 7 - 8، الفهرست
لابن النديم ص 208، المنتظم لابن الجوزي 7 / 105 - 106، الأعلام للزركلي 1 / 165، البداية
والنهاية لابن كثير 11 / 297، تذكرة الحفاظ للذهبي 959، الجواهر للقرشي 1 / 84 - 85،
شذرات الذهب 3 / 71، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول 1 / 102 - 104
- جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية 1403 هـ/ 1983 م).
الموالاة من غير اعتقاد لها، وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ، وعليه الجمهور
من أهل العلم.
وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي عن الحسن بن
أبي الربيع الجرجاني عن عبد الرازق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: * (لا
يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله) *، قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ
كافراً ولياً في دينه، وقوله تعالى: * (إلا أن تتقوا منهم تقاة) *، يقتضي جواز
إظهار الكفر عند التقية، وهو نظير قوله تعالى: * (من كفر بالله من بعد إيمانه
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * (1).
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن ابن المنكدر، سمع عروة بن الزبير
يقول: حدثتني عائشة أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إئذنوا له،
فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول،
قالت عائشة فقلت: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول، قال:
يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ودعه أو تركه الناس، إتقاء
فحشه (2).
وفي السيرة الحلبية: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، قال له حجاج بن
علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وأنا أريد أن آتيهم،
فأنا في حل، إن نلت منك، وقلت شيئاً فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يقول ما
شاء (3).
وهذا الذي قاله صاحب السيرة الحلبية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقله الجصاص
____________
(1) الجصاص: أحكام القرآن 2 / 10 (ط 1347 هـ).
(2) صحيح مسلم 16 / 144 (ط بيروت 1981 م).
(3) أنظر: السيرة الحلبية 2 / 761 - 763، تاريخ الطبري 3 / 17 - 19، ابن الأثير: الكامل في
التاريخ 2 / 223 - 224، سيرة ابن هشام 3 / 259 - 260، السيرة النبوية لابن كثير 2 / 407
- 492.
إلى الجمهور من أهل العلم، وهو الذي جاء في كل كتب السيرة، وهو بعينه ما
تقول الإمامية، إذن القول بالتقية لا يختص بالشيعة دون السنة، أما قصة نعيم بن
مسعود الأشجعي، فأشهر من أن تذكر، وقد فصلتها كتب السيرة كذلك (1).
ويقول الأستاذ مغنية: لا أدري كيف استجاز لنفسه من يدعي الإسلام، أن
ينعت التقية بالنفاق والرياء، وهو يتلو من كتاب الله، وسنة نبيه، ما ذكرنا آنفاً
من الآيات والأحاديث، فضلاً عن أقوال أئمة السنة، وهو غيض من فيض مما
استدل به علماء الشيعة في كتبهم، ثم كيف تنسب الشيعة إلى الرياء، وهم
يؤمنون بأنه الشرك الخفي، ويحكمون ببطلان الصوم والصلاة والحج والزكاة،
إذا شابها أدنى شائبة من رياء (2).
وعلى أية حال، فالتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء
العظيم (3). وعن ابن عباس إلا أن تتقوا منهم تقاة، قال: التقاة التكلم
باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان، وعن عكرمة في قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة،
قال: ما لم يهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله (4).
هذا وقد روى الكليني - أكبر علماء الإمامية، والمتوفى 328 هـ/ 939 م
- أخباراً كثيرة في التقية، فروى عن الإمام أبي عبد الله أنه قال: تسعة أعشار
الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شئ، إلا في النبيذ
والمسح على الخفين.
____________
(1) أنظر: مغازي الواقدي 2 / 480 - 487 (بيروت 1984)، ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 214
- 217، ابن قيم الجوزية: زاد المعاد 3 / 273 - 274، ابن حزم: جوامع السيرة ص 151 - 152
(القاهرة 1982)، عرجون: محمد رسول الله 4 / 181 - 189 (دمشق 1985)، أبو زهرة: خاتم
النبيين 2 / 788 - 790، البوطي: فقه السيرة ص 1 / 22 (بيروت 1978)، الندوي: السيرة النبوية
ص 219 - 220، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 211 - 214 (بيروت 1990)،
الشيعة في الميزان ص 51.
(2) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 51.
(3) تفسير القرطبي ص 1299.
(4) تفسير الطبري 6 / 313 - 317.
وقال في قوله تعالى: * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * (1) قال:
بما صبروا على التقية، وما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، إن كانوا
ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين.
وقد سئل أبو الحسن عن القيام للولاة فقال: قال أبو جعفر الباقر: التقية
من ديني، ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له.
وسئل الإمام أبو جعفر عن رجلين من أهل الكوفة أخذا، فقيل لهما: إبرآ
من أمير المؤمنين علي عليه السلام، فبرئ واحد منهما، وأبى الآخر، فخلي
سبيل الذي برئ، وقتل الآخر، فقال: أما الذي برئ، فرجل فقيه في دينه،
وأما الذي لم يبرأ، فرجل تعجل إلى الجنة.
وأراد جماعة السير إلى العراق، فقالوا لأبي جعفر: أوصنا، فقال
أبو جعفر: ليقو شديدكم ضعيفكم، ولتعد غنيكم على فقيركم، ولا تبثوا سرنا،
ولا تذيعوا أمرنا.
وقال أبو عبد الله: إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق، فمن هتك علينا
أذله الله (2).
3 - التقية من الدليل العقلي
وهو يوجب المحافظة على النفس والنفيس، استناداً إلى قول الله تعالى
* (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (3).
والنبي صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى للإنسانية كلها - إنما قد أخفى الدعوة في
بادئ الأمر، وبدأ يدعو للإسلام سراً، لأنه رأى أولاً ضرورة التقية، حتى زالت
____________
(1) سورة القصص: آية 54.
(2) الكليني: الكافي ص 400 وما بعدها، أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 247 - 248 (القاهرة 1368 هـ / 1949 م).
(3) سورة البقرة: آية 195.
أسبابها، عندما أمره الله * (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا
كفيناك المستهزئين) * (1).
وعلى أية حال، فالصدع بالرأي، بعد الإسرار به، لم يكن شجاعة بعد
جبن، بل كان قوة في كلتا الحالتين، استترت الأولى بالتقية، وكشفت الثانية عن
نفسها بخلع التقية.
ويرى الشيعة عامة أن أبا طالب - عم النبي ومربيه، وشاهد نبوته معه منذ
طفولته - إنما كان مستتراً وراء التقية، وكان مؤمناً بابن أخيه محمد نبياً ورسولاً،
وقد تظاهر بغير ذلك، بالصمت حيناً، وبالتجاهل حيناً، ليتسنى له الدفاع عن
محمد وعلي، عليهما السلام (2).
هذا وقد أكد التقية قبل الإمام الصادق جده الإمام علي زين العابدين،
حين قال:
إني لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتننا
وقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (3)
ولقد جرى على ذلك بعض الصوفية، فقالوا بالعلم الباطن، الذي لا يفهم
من اللغة ولا من المنطق، وإنما عن طريق الإلهام والمكاشفة.
هذا ويذهب كاشف الغطاء إلى أن الشريعة الإسلامية المقدسة، إنما قد
أجازت للمسلم في مواطن الخوف أن يتدرع بستار التقية، إخفاء للحق، وصوناً
له، ريثما تنتصر دولة الحق، هذا وتجب التقية، إن كان تركها يستوجب تلف
____________
(1) سورة الحجر: آية 94 - 95.
(2) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق رائد السنة والشيعة ص 178.
(3) المجلسي: بحار الأنوار ص 86 - 87.
النفس، دون فائدة، وللمرء أن يضحي بنفسه أو يحافظ عليها، ولكن يحرم
العمل بالتقية، إن كان ذلك ترويجاً للباطل (1).
ويذهب الشيخ المفيد (333 هـ/ 944 م - 414 هـ/ 1022 م) إلى أن التقية
جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقد تجوز في حال دون حال،
للخوف على المال، ولضروب من الاستصلاح (2).
هذا فضلاً عن أنها واجبة في الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت
فيها، الضرب من اللطف والاستصلاح، وليس يجوز من الأفعال في قتل
المؤمنين، ولا فيما يعلم أو يغلب أنه فساد في الدين (3)
وهكذا كانت التقية واحدة من أهم عقائد الشيعة الإمامية، فرضتها الظروف
السياسية، وما صاحبها من اضطهاد الشيعة، فاتقوا السلطان حفظاً للأرواح وقد
أصبحت التقية صفة خاصة للشيعة الإمامية، وقد دانوا بها، امتثالاً لأمر الأئمة،
فقد روي عن الإمام الصادق أنه قال: من لا تقية له، لا دين له (4).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التقية إنما بدأت مع أحد
الضعفاء، وكما أشرنا من قبل، مع سيدنا عمار بن ياسر (5)، رضي الله عنه،
____________
(1) العاملي: أعيان الشيعة 11 / 154 - 160.
(2) محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات
ص 96 (ط تبريز 1371).
(3) نفس المرجع السابق ص 97.
(4) الطبرسي: مشكاة الأنوار في غرر الأخبار - النجف - 1951 ص 39 وما بعدها.
(5) ليس صحيحاً ما ذهب إليه الدكتور الشيبي من أن عمار بن ياسر، رضي الله عنه، كان عبداً
سابقاً، كما أنه ليس صحيحاً أن قصة تعذيبه كانت بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة
المنورة، قال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر: إن ياسراً والد عمار عرني قحطاني
مذحجي من عنس، إلا أن ابنه عمار كان مولى لبني مخزوم، لأن أمه سمية كانت أمة لبعض بني
مخزوم، وعن مجاهد: إن أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب
وصهيب وعمار وأمه سمية، وعذبت أسرة ياسر في الله عذاباً شديداً، وفي عمار نزلت: * (من
كفر بالله من بعد إيمانه * إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) *، ومن المعروف أن الآية مكية
=>
هكذا قرر الإسلام، وقرر نبي الإسلام مبدأ التقية، بوصفها وسيلة لحماية
النفس، من خطر يودي بها من غير طائل، حتى قال ابن حزم: وقد أباح الله
عز وجل كلمة الكفر عند التقية، وأباح بها الدم في غير التقية (1).
ولعل من الجدير بالإشارة إلى أن تخيير الإسلام للكفار المقهورين بين
الإسلام أو السيف أو الجزية، تدخل في باب إقرار التقية، فليس خافياً على
الإسلام وشارعه أن الدخول في الدين الجديد على هذه الصورة تحت حد
السيف، أو ما لا يمكن توفيره من مال، يعني دفع كلا الضررين، بتحمل أهون
الثلاث، وهو الدخول في دين القاهرين، فلا يمكن أحداً أن يتصور أن معتنق
الإسلام - وعلى هذه الصورة - جاد في إسلامه، اللهم إلا إذا رأى فيه الروح مما
كان يعاني، شأن المسلمين الأولين، وذلك أمر يدخل في باب الحدس
والتخمين.
ومن ثم لم يبق إذن، إلا أن يكون الإسلام مؤمناً بمبادئه ومثله، واثقاً من
تأثيرها في الناس، إذا أتيح لهم أن يزنوا الأمور، ويجربوا الحياة الجديدة - ولو
بالإكراه أولاً - فهو من هذه الناحية أنما يغري بالتقية، ويقدمها إلى الجاهلين به،
ثقة منه في كسبهم، متى آمنوا، واطمأنوا، فتفادي القتل والجزية، والدخول في
الإسلام بالفتح، إنما هو مبدأ إسلامي حمله الإسلام إلى المغلوبين، لإغرائهم
باعتناقه، فهذه تقية لا جدال فيها، كما يبدو.
____________
<=
والسورة مكية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمر بعمار وأمه وأبيه، وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء
مكة، فيقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.
وهاجر عمار إلى المدينة، وشهد بدراً واحد والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو
أول من بنى مسجداً في الإسلام.
وظهر يوم اليمامة، واستعمله عمر بن الخطاب أميراً على الكوفة، وكان من محبي الإمام
علي بن أبي طالب وآل البيت، وحضر معه الجمل وصفين، واستشهد في صفين عام 37 هـ
(657 م) وكان عمره 94 أو 93 أو 91 سنة (أنظر: أسد الغابة 4 / 139 - 135، أنساب الأشراف
1 / 156 - 175).
(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 111.
ثم إن الإسلام لم يكتف بإتاحة الولاء تقية للمغلوبين على أمرهم من
أرستقراطي المدينة - وكانوا يعرفون صراحة بالمنافقين - وكان الإسلام يتألف
قلوبهم بالمال، وجعلهم إحدى الطوائف الثماني التي لها نصيب من أموال
الصدقات - كما تشير إلى ذلك الآية 60 من سورة التوبة - وقد ظل المنافقون
يقبضون أموال الصدقات هذه إلى أن ألغى عمر بن الخطاب نصيبهم، حين قوي
الإسلام، وأحس بأن في ذلك تقليلاً من هيبته، وتلك إمارة على إتاحة الإسلام
تقية حتى للأرستقراطيين السابقين (1)
ولو أخذنا غنائم غزوة حنين كمثال لما كان يعطيه الإسلام للمؤلفة
قلوبهم، لرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي المؤلفة قلوبهم أول الناس، فيعطي أبو
سفيان بن حرب مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة، فيطلب مثلها لولده يزيد،
وحين يعطيه رسول الله ما أراد، يطلب مثلها أيضاً لولده الثاني معاوية بن أبي
سفيان، فيعطيه الرسول كذلك مائة من الإبل، وأربعين أوقية فضة، ثم يعطي
رجالاً من بني عبد الدار وبني زهرة وبني مخزوم.
وأعطى الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف كل
منهم مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك
شعراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقطعوا لسانه عني، فأعطوه مائة من الإبل، وقد
أعطي كل ذلك من الخمس، كما أعطي غيره كثير (2).
____________
(1) كامل الشيبي: التقية: أصولها وتطورها ص 236 - 238 مجلة كلية الآداب - جامعة الإسكندرية
- العدد السادس عشر عام 1962 م).
(2) أنظر: الواقدي: كتاب المغازي - تحقيق مارسدن جونسن - الجزء الثالث ص 943 - 949
(بيروت 1404 هـ/ 1984 م)، ابن هشام: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم 4 / 366، محمد بيومي مهران: السيرة
النبوية الشريفة 2 / 427 - 433 (بيروت 1990 م).
عرجون: محمد رسول الله 4 / 390 - 400، ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 667 - 683. السيرة
الحلبية 3 / 61 - 75، 83 - 98، ابن شهبة: السيرة النبوية 2 / 379 - 394، ابن الأثير الكامل في
التاريخ 2 / 261 - 273، تاريخ الطبري 3 / 70 - 94.
ومن عجب أن هؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء الذين تزاحموا على
الغنائم واستأثروا بالكثير منها، لم يغنوا عن الإسلام شيئاً في مآزقه الأولى، بل
كانوا هم العقبات الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول
المؤمنين الراغبين في ثواب الآخرة، المؤثرين ما عند الله، ولكنهم اليوم - بعدما
أعلنوا إسلامهم - يبغون من النبي أن يفتح لهم خزائن الدنيا، فحلف لهم أنه ما
يستبقي منها شيئاً لشخصه، ولو امتلك مل ء هذه الأودية مالاً، لوزعه عليهم.
ومن عجب أيضاً - بل هو أكثر عجباً - أن الذين فروا عند الفزع، هم
الذين كثروا عند الطمع، وأعجب العجب أن أبا سفيان بن حرب، كان أول من
تقدم يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعطيه من الفئ، وهو نفسه الذي كان يصيح
فرحاً، عندما كانت الهزيمة - في أول المعركة - تطل بوجهها القبيح على جيش
المسلمين، والأزلام التي كان يستقسم بها في الجاهلية، ما تزال في كنانته،
يصيح لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وعندما تكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من
الإبل، وبأربعين أوقية من فضة، لم يشبع ذلك نهمه، وإنما طلب لابنه يزيد
مثلها، وحين أجيب إلى سؤله طلب مثلها لابنه الآخر معاوية، وهكذا أخذ أبو
سفيان وولداه يومئذ ثلاثمائة من الإبل، ومائة وعشرين أوقية من الفضة.
وهكذا فإن هناك أقواماً كثيرين، يقادون - كما يقول الأستاذ الغزالي - إلى
الحق، من بطونهم، لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة
برسيم، تظل تمد إليها فمها، حتى تدخل حظيرتها آمنة، فكذلك هذه الأصناف
من البشر، تحتاج إلى فنون من الإغراء، حتى تستأنس بالإيمان، وتهش له.
روى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة
شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثرت به حاشية الرداء من
شدة جذبته قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له
بعطاء.
فهذا الأعرابي لا يعجبه المنطق السليم، ولا الطبع الرقيق، قدر ما يعجبه
عطاء بملء جيوبه، ويسكن مطامعه، ومن هنا قال صفوان بن أمية: ما زال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي، حتى ما
خلق الله شيئاً أحب إلي منه (1).
وهذا العطاء كله - كما يقول ابن قيم الجوزية (691 - 751 هـ/ 1292
- 1350 م) نفل النبي صلى الله عليه وسلم، به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على
الإسلام، وذلك بهدف تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه.
وهكذا أرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين لا يعرفون قدر نعمة الإسلام،
بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطى العاقل
اللبيب ما يناسبه (2).
وفي السيرة الحلبية: كانت المؤلفة ثلاثة أصناف، صنف يتألفهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليسلموا، كصفوان بن أمية، وصنف ليثبت إسلامهم، كأبي سفيان بن
حرب، وصنف لدفع شرهم، كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، والأقرع بن
حابس (3).
4 - التقية عند الخوارج:
لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الخوارج (4) ; إنما كانوا أول من
____________
(1) أنظر محمد الغزالي: فقه السيرة - القاهرة 1976 ص 425 - 427 - (رواه مسلم 7 / 75،
والترمذي 2 / 42، وأحمد 3 / 401 عن سعيد بن المسيب).
(2) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد من هدى خير العباد 3 / 484 - 486 (بيروت 1405 هـ/ 1985 م).
(3) السيرة الحلبية 3 / 85.
(4) أنظر عن الخوارج (ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 5 / 29 - 33 (ط محمد علي
صبيح - القاهرة 1384 هـ/ 1964 م)، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 72 - 113، الشهرستاني:
الملل والنحل 1 / 114 - 138 - القاهرة 1387 هـ/ 1968 م، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة
2 / 265 - 283).
دان بالتقية، وتوسل بها (1)، والذي دعا الخوارج إلى التقية، الكره والحقد
المتبادل بينهم وبين جماعة المسلمين، حتى كان اصطياد الخارجي يعني القضاء
عليه، وقد قاتلهم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب حتى كاد أن يبيدهم، ولكنهم
كانوا لا ينفذون حتى يملأوا الشعاب والجبال من جديد، ومن هنا تعلقوا بالتقية
حفاظاً على حياتهم، وخلاصاً من الفناء. ويذهب الشهرستاني (479 - 548 هـ)
إلى أن التقية إنما قد تسببت في انقسام الخوارج (2)، وذلك أن نافع بن
الأزرق (3) كان يكفر القاعدين عن الحرب، وكان يقول: التقية لا تحل،
____________
(1) اجنتس جولدتسيهر: العقيده والشريعة في الإسلام ص 180 (ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين
- القاهرة 1946).
(2) يقول أبو الحسن الأشعري في كتاب: (مقالات الإسلاميين 1 / 88): وكان سبب الاختلاف الذي
أحدثه نافع أن امرأة عربية من اليمن كانت ترى رأي الخوارج تزوجت رجلاً من الموالي برأيها،
فقال لها أهلها: فضحتينا، فأنكرت ذلك، فلما جاء زوجها، قالت: إن أهل بيتي وبني عمي قد
بلغهم أمري، وأنا خائفة أن أكره على تزويج بعضهم، فاختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن
تهاجر إلى عسكر نافع حتى تكون مع المسلمين في حوزهم ودارهم، وإما أن تخبأني حيث
شئت، وإما أن تخلي سبيلي، فخلى سبيلها، ثم إن أهلها استكرهوها فزوجوها ابن عم لها، لم
يكن على رأيها، فكتب بمن بحضرتها إلى نافع بن الأزرق يسألونه عن ذلك، فقال رجل
منهم: إنها لم يسعها ما صنعت، ولا وسع زوجها ما صنع من قبل هجرتها، لأنه كان ينبغي
لهما أن يلحقا بنا، لأننا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة، ولا يسع أحداً من المسلمين التخلف
عنا، كما لم يسع التخلف عنهم، فتابعه على قوله نافع بن الأزرق وأهل عسكره، إلا نفراً
يسيراً، وزعمت الأزارقة أن من أقام في دار الكفر، فهو كافر لا يسعه إلا الخروج.
وقال المبرد في الكامل (3 / 131) جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: إن أطفال
المشركين في النار، وإن من خلفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت
وأدللت بنفسك، قال: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني. (قال نوح: رب لا تذر على
الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً). فهذا أمر
الكافرين، وأمر أطفالهم، فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى قتلهم، وقال: الدار دار كفر،
إلا من أظهر إيمانه، ولا يحل أكل ذبائحهم ولا تناكحهم، ولا توارثهم، ومن جاء منهم جار،
فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب، لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم،
والتقية لا تحل، فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج بقول الله تعالى:
* (إلا أن تتقوا منهم تقاة) * (الشهرستاني 1 / 119).
(3) هو أبو راشد نافع بن الأزرق بن قيس بن نهار، أحد بني حنيفة، كان أول خروجه بالبصرة في
عهد عبد الله بن الزبير، وفي عام 65 هـاشتدت شوكته حتى قتل في جمادى الآخرة (خطط
=>
والقعود عن القتال كفر، ومن ثم فقد انصرف زعماء الخوارج وأتباعهم إلى
نجدة الحروري الذي قتل على أيام عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ/ 685
- 705 م)، وكان نجدة يرى أن التقية جائزة، واحتج بقول الله تعالى * (إلا أن
تتقوا منهم تقاة) * (1)، وبقول الله تعالى: * (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم
إيمانه) * (2).
وقال: القعود جائز، والجهاد - إذا أمكنه - أفضل، قال الله تعالى
* (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) * (3).
وقال نافع: هذا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حين كانوا مقهورين، وأما في
غيرهم - مع الإمكان - فالقعود كفر، لقول الله تعالى: * (وقعد الذين كذبوا الله
ورسوله) * (4).
ومع ذلك، فلقد رسخت التقية في بيئة الخوارج، إلى حد أن صار
النقاش - بعد نافع - يدور حول كونها: هل تطبق التقية في العمل أو في القول
أو في كليهما، فرأينا الضحاك - وهو رئيس فرقة من الخوارج، وقد قتل
عام 128 هـ(746 م) - يرى أنها تجوز في القول، دون العمل، وكان أسلافهم
النجدات يرونها: جائزة في القول والعمل، وإن كان في قتل النفس (5).
هذا فضلاً عن أن الخوارج إنما هم الذين ابتدعوا مصطلح دار التقية
ودار العلانية، وأن دار مخالفيهم إنما هي دار كفر، وكانوا يعنون بدار
التقية: المواطن التي يغلب عليها غيرهم من المسلمين، فبينوا لنا مدى
____________
<=
المقريزي 2 / 354، الكامل لابن الأثير 4 / 81، الكامل للمبرد 2 / 171، 180، شرح نهج
البلاغة 1 / 380).
(1) سورة آل عمران: آية 38.
(2) سورة غافر: آية 28.
(3) سورة النساء: آية 95.
(4) سورة التوبة: آية 90، وانظر: الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 125.
(5) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 239.
اضطرارهم إلى التعلق بهذا الدرع، الذي حمى كثيراً من المسلمين قبلهم
وبعدهم، بل لقد كان من لصوق التقية بالخوارج، أنهم - مع اعتبارهم أن غيرهم
من المسلمين كفاراً - جوزوا تزويج المسلمات - أي الخارجيات - من كفار
قومهم - أي المسلمين ذوي المذاهب الأخرى - في دار التقية. ولعل هذا إنما
يعني أنهم - وهم غلاة المخلصين لمبادئهم - إنما قد سمحوا بالزنا، الذي يعنيه
تزويج الكافر بالمسلمة - بقدر ما يتعلق الأمر بعقيدتهم - ليس في سبيل المحافظة
على حياتهم، وإنما لأن الظروف تقتضي التقية والكتمان، هذا فضلاً عن أن
للصدقات عندهم تنظيم خاص، يختلف في حال التقية عنه في حال العلانية.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعتنقه كل الخوارج، ولكنه الرأي المشهور من
كثير من فرقهم، وقد التزم به النجدات والإبراهيمية والضحاكية والإباضية
والصوفية، وغيرهم (1).
5 - التقية عند الشيعة:
لقد بدأت محنة الشيعة الحقيقية منذ استشهاد سيدنا الإمام علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة وما تلاه من تنازل سيدنا الإمام
الحسن بن علي، رضي الله عنه، لمعاوية بن أبي سفيان في عام 41 هـ(661 م)،
والذي سموه عام الجماعة، وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر،
وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً، والخلافة غضباً
قيصرياً، بعد أن استولى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى
جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين (2).
وعلى أية حال، فلقد كان من شروط الصلح الذي عقد بين الإمام الحسن
____________
(1) تاريخ الطبري 6 / 642، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 84، كامل الشيبي المرجع السابق
ص 439 - 240.
(2) تقي الدين المقريزي: كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم - رسالة الجاحظ في
بني أمية - تحقيق الدكتور حسين مؤنس - دار المعارف - القاهرة 1988 ص 124.
ومعاوية: الأمان العالم، وعدم التعرض بأي سوء لأنصار الإمام علي بن أبي طالب
على الخصوص، وأنصار آل البيت بوجه عام.
غير أن معاوية بن أبي سفيان إنما جعل من أهدافه الرئيسية، القضاء على
هذه الطبقة المؤمنة بحق آل البيت، وقد لاقى أنصار أهل البيت من الأذى
والاضطهاد ما تنوء بحمله الجبال، وكان أشدهم بلاء، وأعظمهم محنة أهل
الكوفة، فلقد استعمل معاوية على الكوفة، بعد هلاك المغيرة، زياد بن أبيه
- بعد أن نسبه إلى أبي سفيان - وكان بهم عليماً، وإنه - ويا للعجب - فقد كان
قبل استلحاقه بأبي سفيان، واحداً منهم، فأشاع فيهم القتل، وشردهم، وأن
معاوية كتب إلى عماله: انظروا إلى من قامت على البينة، أنه يحب علياً وأهل
بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه.
وروى ابن أبي الحديد (586 - 656 هـ/ 1190 - 1257 م) أن معاوية
كتب إلى عماله: أن برئت الذمة ممن يروي شيئاً في فضائل علي وأهل بيته،
وأن لا يجيزوا للشيعة شهادة، وأن يمحوا كل شيعي من ديوان العطاء، وينكلوا
به، ويهدموا داره (1)، وامتثل العمال لأمر سيدهم، فقتلوا الشيعة وشردوهم،
وقطعوا الأيدي، وسملوا الأعين، وصلبوهم في جذوع النخل.
وزاد الضغط - بعد معاوية (41 - 60 هـ/ 661 - 680 م) أضعافاً، خاصة
في عهد عبيد الله بن زياد قاتل الإمام حسين وأهل بيته في مذبحة كربلاء،
وفي عهد الحجاج الثقفي، هادم الكعبة المشرفة، قتلت الشيعة كل قتلة، وأخذوا
بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال عنه زنديق - أو حتى كافر - أحب إليه،
من أن يقال له شيعي.
وفي ذلك يقول الإمام محمد الباقر - رضوان الله عليه - وقتلت شيعتنا
بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا، أو
____________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 11 / 44 - 45 (بيروت 1967).
الانقطاع إلينا، سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره (1)، وهكذا أصبحت مودة
أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - والتي أمر الله بها في كتابه الكريم، حيث يقول * (قل لا
أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) * (2) - أصبحت هذه المودة - على أيام
بني أمية - كفراً وإلحاداً، ومروقاً عن الدين.
وهكذا ما أن استقرت الأمور لمعاوية، وخلا الميدان إلا منه، حتى أخذ
ينتقم شر انتقام من أنصار الإمام علي وآل البيت الطاهرين، ففريق روع في
ظلمات السجون، وبقي فيها يلاقي الأمرين، حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى - كما
حدث مع محمد بن أبي حذيفة - وفريق شرد في الأرض، حتى مات منفياً عن
وطنه وأهله - كما حدث مع صعصعة بن صوحان - وفريق قتل صبراً في
الإسلام - من أمثال عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي -.
وتصور محنة حجر بن عدي (3) وأصحابه محنة، امتحن بها زياد بن
أبيه، الإسلام والمسلمين، وشاركه معاوية في هذا الامتحان، فتركت في نفوس
المعاصرين لها أقبح الأثر وأشنعه، وكانت صدمة عنيفة لمن بقي من خيار الناس
في تلك الأيام.
وكان الناس يقولون: أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي، وقتل
حجر، ودعوة زياد، وكان الإمام الحسن البصري يقول: أربع خصال كن في
معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة، لكانت موبقة، انتزاؤه على هذه الأمة
بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذو
____________
(1) محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 119 - 120 (بيروت 1990).
(2) سورة الشورى: آية 23.
(3) أنظر عن محنة حجر بن عدي وأصحابه (محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 119
- 129، تاريخ الطبري 5 / 253 - 285، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 472 - 488، أسد
الغابة 1 / 461 - 462، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 314 - 315، ابن
عبد البر: الإستيعاب 1 / 356 - 359، العقاد: معاوية بن أبي سفيان في الميزان ص 108
- 110، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 54 - 60).
الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير،
وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقتله
حجراً، ويلاً له من حجر، مرتين (1).
وكانت السيدة عائشة، رضي الله عنها، تقول: لولا أنا لم نغير شيئاً، إلا
آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه، لغيرنا قتل حجر، أما والله، إنه كان ما
علمت لمسلماً حاجاً معتمراً (2).
وروى ابن عبد البر في الإستيعاب عن مسروق بن الأجدع قال: سمعت
عائشة أم المؤمنين تقول: أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة، ما
اجترأ على أن يأخذ حجراً وأصحابه من بينهم، حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن
آكلة الأكباد علم أن قد ذهب الناس، أما والله، إن كانوا لجمجمة العرب، عزاً
ومنعة وفقهاً (3).
وأما الصحابي الجليل عمرو بن الحمق، وكان أسلم قبل الفتح، وكان
مقرباً من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دعا له أن يمتعه بشبابه، فبلغ الثمانين من العمر، ولم
تبيض له شعرة واحدة، ودعا له أمير المؤمنين علي بقوله اللهم نور قلبه
بالتقوى، واهده إلى صراطك المستقيم (4).
وكان عمرو بن الحمق من شيعة الإمام علي، وشهد معه مشاهده كلها
(الجمل - صفين - النهروان) (5)، وروى عنه، رضي الله عنه، أنه قال للإمام
علي: والله يا أمير المؤمنين، إني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني
____________
(1) تاريخ الطبري 5 / 279، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 141، ابن الأثير: الكامل في التاريخ
3 / 487.
(2) تاريخ الطبري 5 / 279، الكامل لابن الأثير 3 / 287.
(3) ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 358 (مصور عن الطبعة الأولى 1328 هـ).
(4) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 80 (دار الجواد - بيروت 1981 م).
(5) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 217 - 218 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).
وبينك، ولا إرادة مال تؤتينه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكنني
أحببتك بخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصيه، وأبو الذرية التي
بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسبق الناس إلى الإسلام، وأعظم المهاجرين
سهماً في الجهاد، فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي،
حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك، وأهين عدوك، ما رأيت أني قد
أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك.
فقال علي عليه السلام: اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك
المستقيم، ليت أن في جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذا والله يا
أمير المؤمنين، صح جندك، وقل فيهم من يغشك (1). وكان عمرو بن الحمق
قد خاف زياداً، فهرب من العراق إلى الموصل، واختفى في غاب بالقرب منها،
فأرسل معاوية إلى عامله بالموصل - وهو ابن أخته عبد الرحمن بن أم الحكم -
فوجده ميتاً في غار كان قد اختبأ به، وقد نهشته حية فمات.
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده إلى أبي زكريا قال: أنبأنا
إسماعيل بن إسحاق، حدثني علي بن المديني، حدثنا سفيان قال: سمعت عمار
الذهبي - إن شاء الله - قال: أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق
إلى معاوية، قال سفيان: أرسل معاوية ليؤتى به، فلدغ، وكأنهم خافوا أن
يتهمهم، فأتوا برأسه (2).
وروى محمد بن علي الصواف عن الحسين بن سفيان عن أبيه عن
شمير بن سدير الأزدي قال: قال علي عليه السلام لعمرو بن الحمق الخزاعي:
أين نزلت يا عمرو؟ قال: في قومي، قال: لا تنزل فيهم، قال: فأنزل في بني
كنانة جيراننا؟ قال: لا، قال: فأنزل في ثقيف؟ قال: فما تصنع بالمعرة
____________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 3 / 181 - 182، وانظر: نصر بن مزاحم المنقري: وقعة
صفين - تحقيق عبد السلام هارون ص 103 - 104 (ط الخانجي 1401 هـ/ 1981 م).
(2) أسد الغابة 4 / 217 - 218.
والمجرة؟ قال: وما هما؟ قال: عنقان من نار، يخرجان من ظهر الكوفة، يأتي
أحدهما على تميم وبكر بن وائل، فقلما يفلت منه أحد، ويأتي العنق الآخر،
فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة، فقل من يصيب منهم، إنما يدخل الدار
فيحرق البيت والبيتين، قال: فأين أنزل؟ قال: إنزل في بني عمرو بن عامر، من
الأزد.
قال: فقال قوم حضروا هذا الكلام ما نراه إلا كاهناً يتحدث بحديث
الكهنة، فقال: يا عمر، إنك لمقتول بعدي وإن رأسك لمنقول، وهو أول رأس
ينقل في الإسلام، والويل لقاتلك، أما إنك لا تنزل بقوم، إلا سلموك برمتهم،
إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الأزد، فإنهم لن يسلموك ولن
يخذلوك، قال: فوالله ما مضت إلا أيام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة
معاوية في بعض أحياء العرب، خائفاً مذعوراً، حتى نزل في قومه من بني
خزاعة فأسلموه، فقتل وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أول
رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد (1).
وروى أيضاً بسنده عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن
إسحاق بن أبي فروة عن يوسف بن سليمان عن جدته قالت: كانت تحت
عمرو بن الحمق آمنة بنت الشريد فحبسها معاوية في سجن دمشق زماناً، حتى
وجه إليها رأس عمرو بن الحمق، فألقي في حجرها، فارتاعت لذلك، ثم وضعته
في حجرها، ووضعت كفها على جبينه، ثم لثمت فاه، ثم قالت: غيبتموه عني
طويلاً، ثم أهديتموه إلي قتيلاً، فأهلاً بها من هدية، غير قالية ولا مقيلة.
وقيل: بل كان عمرو مريضاً لم يطق الحركة، وكان معه رفاعة بن شداد،
فأمره بالنجاة لئلا يؤخذ معه، فأخذ رأس عمرو، وحمل إلى معاوية بالشام (2).
____________
(1) شرح نهج البلاغة 2 / 289 - 290.
(2) أسد الغابة 4 / 218.
واستمر القتل والتشريد للشيعة، وكانت التقية جنة تقي من الموت،
وسبيلاً إلى الحياة، بعد أن صار مبدأ الدولة لا صلاة إلا بلعن أبي تراب (أي
لا صلاة إلا بلعن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، والعياذ بالله)، ولم تكن
التقية من أهل الكوفة شيعية، وإنما كانت عرفاً إنسانياً، أقره الإسلام في القرآن،
وجعل أولياء الإمام علي وأنصاره، يمدون في أعمارهم بالبراءة من الإمام
علي (1)، وكان ميدان البطولة، مغلقاً في ظل ذلك الطغيان، الذي أعقب تنازل
سيدنا الإمام الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، سنة 41 هـ/ 661 م،
وخلو الجو للخصوم يفعلون فيه ما يشاؤون (2).
وهكذا كانت الشيعة منذ بداية الحكم الأموي في اضطهاد وأذى، وأئمة
آل البيت يحصى عليهم كل شئ، ومن دعا إلى الحق منهم اعتورته السيوف،
وما كان يسوغ أن يسكتوا عن مظالم الأمويين، لولا التقية، وقد دفعهم إلى
التقية ذلك الأذى الذي يتعرضون له، وما كان يترتب على الخروج من فتن
تظهر فيها مفاسد، ثم يشتد بعدها الطغيان.
ولذلك كانت الشيعة أكثر المسلمين أخذاً بمبدأ التقية، وقالوا: إن الترخيص
بها، بل الحث عليها، جاء على ألسنة أئمتهم، رضوان الله عليهم أجمعين، وقد
____________
(1) قال الإمام علي: فأما السب فسبوني، فإنه لي زكاة، ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرأوا مني،
وقد تساءل كثيرون: لماذا أجاز السب، ومنع التبرؤ، فقالت المعتزلة: لا فرق بينهما في أنهما
حرام وفسق وكبيرة، وأن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه، كما يجوز له
إظهار كلمة الكفر عند الخوف، ويجوز أن لا يفعلهما حتى وإن قتل، كما يجوز له أن يقتل ولا
يقول كلمة الكفر، وذلك إعزازاً للدين، وأما استفحاش الإمام علي للبراءة، فلأنها لم ترد في
القرآن إلا عن المشركين، كما في سورة التوبة، وأما الإمامية فتروي عن الإمام علي أنه قال: إذا
عرضتم على البراءة منا، فمدوا الأعناق، إنه لا تجوز البراءة من الإمام علي، وإن كان الحالف
صادقاً، وعليه الكفارة. ويقول الإمامية: إن حكم البراءة من الله ورسوله والإمام علي ومن أحد
الأئمة عليهم السلام، حكم واحد. وبقول الإمامية: إن الإكراه على السب يبيح إظهاره، ولا
يجوز الاستسلام للقتل معه، وأما الإكراه على البراءة، فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل، ويجوز
أن يظهر التبرؤ، والأولى أن يستسلم للقتل (شرح نهج البلاغة 4 / 113 - 114).
(2) كامل الشيبي: التقية - مجلة كلية الآداب جامعة الإسكندرية - العدد 16 عام 1962 ص 240.
نسبوا للإمام علي عليه السلام، أنه أجازها، بل أمر بها، فقد روى الطبرسي أنه
قال: وآمرك أن تستعمل التقية في دينك... وتصون بذلك من عرف من
أوليائنا، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين،
وصلاح إخوانك المؤمنين، وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك
شاحط بدمك ودماء إخوانك (1).
غير أن الشيعة سرعان ما نهضوا بعد استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل
بيته (عام 61 هـ/ 680 م) فيما عرف باسم حركة التوابين عام 65 هـبقيادة
الصحابي الجليل سليمان بن صرد، وكانوا يرددون الآية الكريمة * (فتوبوا إلى
بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلك خير لكم) * (2)، ولسان حالهم يقول: أقلنا ربنا
تفريطنا فقد تبنا، ولقد أبدوا من ضروب الشجاعة، التي كانت التقية حصرتها
في أنفسهم، ما صار مدعاة لإعجاب أعدائهم بهم، فسمحوا لهم - من بعد
هزيمتهم - أن يرتحلوا ويلحقوا بأمصارهم (3).
وأما سعيد بن جبير رضي الله عنه، فقد قتله الحجاج الثقفي، (40 -
95 هـ/ 660 - 714 م) بسبب حبه لآل البيت (4)، ولعل من الجدير بالإشارة هنا
أن حركة التوابين إنما يبررها قول الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن
الحسين (57 هـ/ 676 م - 114 هـ/ 732 م) جعلت التقية ليحقن بها الدم، وإذا
____________
(1) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 241 - 242.
(2) سورة البقرة: آية 52.
(3) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 241، وانظر عن حركة التوابين (تاريخ الطبري 5 / 551
- 563، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 175 - 189، المسعودي: مروج المذهب 2 / 83
- 86، ابن الأثير: أسد الغابة 2 / 449 - 450، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة
2 / 75 - 76، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 63 - 65، ابن كثير: البداية
والنهاية 8 / 271 - 276، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص 191 - 193).
(4) أنظر (ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 579 - 580، حلية الأولياء 4 / 290 - 295، ابن كثير:
البداية والنهاية 9 / 109 - 110، محمد بيومي مهران: الإمام علي زين العابدين ص 128
- 131).
بلغ الدم فليس تقية (1)، وقوله التقية ديني ودين آبائي (2)، وهذا قول صحيح،
ما في ذلك من ريب، وذلك لأن التقية إنما هي دين القرآن، ومن ثم فهي دين
النبي صلى الله عليه وسلم، جد الإمام الباقر (3).
هذا وقد رويت عبارات كثيرة عن سيدنا الإمام جعفر الصادق
(80 هـ/ 699 م - 148 هـ/ 765 م)، تدعو إلى التقية، وتحث عليها، فإنه يروي
أنه قال التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، وإن المذيع لأمرنا
كالجاحد به، وروى عنه أنه قال لجماعة من أصحابه كان يحدثهم: لا تذيعوا
أمرنا، ولا تحدثوا به أحداً، إلا أهله، فإن المذيع علينا سرنا، أشد مئونة من
عدونا، انصرفوا رحمكم الله، ولا تذيعوا سرنا، وروى عنه أنه قال: نفس
المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمانه سرنا جهاد في سبيل الله.
وهكذا - كما يقول العلامة الشيخ محمد أحمد أبو زهرة (1898
- 1974 م) عن الإمام جعفر الصادق في التقية وهي تحتاج إلى تفسير، فأما
معنى ديني ودين آبائي أي مبدؤنا ومبدأ آبائنا، وقد اتخذناه على أنه دين
لكي نمتنع عن الجهد بما نراه في حكام الزمان، حتى لا تكون فتنة وفساد كبير،
إذ النفوس ليست مهيأة للنصرة، ولعل هذا إنما يفيد أن التقية التي دعا إليها
الإمام الصادق إنما قد دفع إليها أمران.
أحدهما: دفع الأذى، ومنع المخاطر، التي يتعرض لها المؤمن من غير
قوة دافعة مانعة، فيكون الأذى حيث لا جدوى، وبذلك تتلاقى التقية مع
الجهاد، فالجهاد مع أعداء الإسلام، وحيث يكون واجباً لنصرة الإسلام، وحيث
يكون الاستعداد قد تم، والأهبة قد أخذت، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة،
عندما صار للإسلام شوكة وقوة.
____________
(1) أصول الكافي ص 206.
(2) أصول الكافي ص 205.
(3) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 243.
والتقية حيث يكون اليقين بأن الانتفاض لا يجدي، وخصوصاً عندما يكون
المؤمن بين المخذلين، لأن الخروج عندئذ ضرره أكبر من نفعه، لا يرفع حقاً،
ولا يخفض باطلاً، إذ يلقى من خرج إلى التهلكة وتكون الفتنة والفساد، ويكون
الظلم والشر المستطير، إذا يقوى الظالم ويستمكن، وبهذا التقرير يكون للجهاد
موضع، وللتقية مثله، وكلاهما يكون لحماية الحق، الجهاد لحمايته بإعلانه،
وضرب الباطل، والتقية لحمايته بتمكين أهل الحق من الحياة، رجاء الإعلان في
ميقاته المعلوم.
والثاني: وكان الأمر الثاني الذي دفع إلى التقية، هو ما رآه من استعلاء
الباطل، إذا أعلن الحق، وقد ظهر ذلك في مقتل مولانا الإمام الحسين عليه
السلام، وفي مقتل الأئمة: زيد بن علي ومحمد النفس الزكية وإبراهيم أخيه.
وعلى أية حال، فليس هناك من ريب في أنه كان للتقية في عصر الإمام
الصادق، وما جاء بعده، وهي كانت مصلحة للشيعة، وفيها مصلحة للإسلام،
لأنها كانت مانعة من الفتن المستمرة، وإن موضوعها كان إعلان التشيع، فكانت
التقية أن لا يعلن المتشيع تشيعه، ولا يظهر من أعماله ما يدل على موالاته لآل
الإمام علي، موالاة ولاية، لا موالاة محبة، فالمحبة كانت واضحة من بعض
الشعراء، ومن بعض العلماء، ولكنها في مظهرها محبة تقدير، لا محبة ولاية،
كما ظهر من محبة الفرزدق (641 - 733 م؟) لآل البيت، وكثير عزة،
(ت 723 م) وكما ظهر من محبة الإمام أبي حنيفة للأئمة الكرام: زيد والباقر
والصادق، فتلك كانت محبة ظاهرة، وإن لم تكن تشيعاً (1).
6 - التقية عند أهل السنة:
في الواقع أن التقية لم تكن مقصورة على الشيعة، وإنما استعملها كذلك
أهل السنة، فمن المعروف أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، لما ثار ضد
____________
(1) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 243 - 244.
الحجاج الثقفي في الكوفة عام 84 هـ/ 803 م، ثم قتل، لجأ أنصاره - ولم يكونوا
شيعة، كما أن عبد الرحمن وأباه وجده لم يكونوا شيعة، بل كانوا من أعداء
الإمام علي بن أبي طالب - لجأوا إلى التقية، حين سامهم الحجاج الخسف،
ومن الغريب أن هذا الحجاج الثقافي لم يبغ سوى إذلال الرجال، والازدراء
بأعدائه (1).
وإنه - كما يقول الدكتور الشيبي - لمزاج غريب حقاً، حمل الحجاج
الناس على الكفر شرطاً لإطلاق سراحهم وإهدار دمهم مع الإيمان، وتلك
- على كل حال - صورة مما آلت إليه حال العالم الإسلام في أواخر القرن الأول
الهجري (2).
ولعل من أوضح الأدلة على رسوخ التقية في نفوس المسلمين عموماً في
هذا الوقت أن الشعبي (3) (19 - 103 هـ/ 640 - 721 م) - والذي يمثل في
____________
(1) روى ابن الأثير: أن الحجاج بعد أن فرغ من أمر ابن الزبير، سار إلى المدينة، وكان
عبد الملك بن مروان قد استعمله على مكة والمدينة، فلما قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين،
فأساء إلى أهلها واستخف بهم، وقال: أنتم قتله أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من
الصحابة بالرصاص، استخفافاً بهم، كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله الأنصاري،
وأنس بن مالك وسهل بن سعد بن أبي وقاص، ثم عاد إلى مكة فقال: الحمد لله الذي أخرجني
من أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين، وأحسدهم له على نعمة الله، والله لولا ما
كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم، لجعلتها مثل جوف الحمار، أعواداً يعودون بها، ورمية قد
بليت (الكامل في التاريخ 4 / 358 - 359) هذا وقد اتخذ الحجاج سجوناً لا تقي من حر ولا برد،
وكان يعذب المساجين بأقصى ألوان العذاب وأشده، فكان يشد على يد السجين القصب الفارسي
المشقوق ويجر عليه، حتى يسيل دمه، وقد مات في سجن الحجاج قرابة خمسين ألف رجل،
وثلاثين ألف امرأة، منهن ست عشرة ألفاً مجردات من الثياب، وكان يحبس النساء والرجال في
مكان واحد (الدميري: حياة الحيوان 1 / 170) وأحصى في سجنه قرابة ثلاثة وثلاثين ألف
سجين، لم يحبسوا في دين ولا تبعة (ياقوت: معجم البلدان 5 / 349، المسعودي: مروج الذهب
3 / 165)، وكان يمر على أهل السجون فيقول لهم: إخسأوا فيها، ولا تكلمون (ابن حجر
العسقلاني: تهذيب التهذيب 2 / 212).
(2) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 241.
(3) الشعبي: هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار (قيل من أقيال اليمن) الشعبي، ولد
بالكوفة 19 هـ/ 640 م، وقد اتصل بعبد الملك بن مروان، وكان سفيراً له إلى ملك الروم، وعينه
=>
الصحاح مكاناً مرموقاً - قد كان يتقي على صورة، ربما كان فيها ازدراء
بالإنسانية والخلق النبيل، وبينما كان الإمام الحسن البصري (21 هـ/ 642 م -
110 هـ/ 728 م) لا يعطي في نفسه الدنية في مجلس الحجاج بن يوسف الثقفي
(660 - 714 م) ولا يداهن ولا ينافق، وإنما كان يتجه في أوقات الحرج إلى
السكوت، وجدنا الشعبي يلومه على صراحته في مجلس الحجاج وتصريحه
بظلمه (1). روى الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين عن ابن عائشة: أن
الحجاج دعا بفقهاء البصرة، وفقهاء الكوفة، فدخلنا عليه، ودخل الحسن
البصري رحمه الله، آخر من دخل، فقال الحجاج: مرحباً بأبي سعيد، إلي إلي،
ثم دعا له بكرسي، فوضع إلى جنب سريره، فقعد عليه، فجعل الحجاج يذاكرنا
ويسألنا، إذ ذكر علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فنال منه، ونلنا منه،
مقاربة له، وفرقاً من شره، والحسن ساكت، عاض على إبهامه، فقال له: يا أبا
سعيد ما لي أراك ساكتاً، قال: ما عسيت أن أقول، قال: أخبرني بربك في
أبي تراب (أي الإمام علي عليه السلام)، قال سمعت الله جل ذكره يقول:
* (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على
عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع
إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) * (2)، فقلي من هدى الله من أهل
____________
<=
عمر بن عبد العزيز قاضياً، وكان محدثاً وعالماً بالفقه والمغازي، عارفاً بالشعر، رواية له روى
أن ابن عمر بن الخطاب مر به وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم وإنه أعلم بها مني
وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري
بالبصرة، ومكحول بالشام وانظر عن مصادر ترجمته (شذرات الذهب 1 / 126 - 128، وفيات
الأعيان 3 / 12 - 16، طبقات ابن سعد 6 / 246 - 256، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233، حلية
الأولياء 4 / 310 - 338، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 79 - 88 التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69،
تقريب التهذيب لابن حجر 1 / 387، الأعلام للزركلي 4 / 18 - 19، معجم المؤلفين لكحالة
5 / 54، المعارف لابن قتيبة ص 229، سمط اللآلي للبكري ص 751، تهذيب تاريخ دمشق
لابن عساكر 7 / 138، عبر الذهبي 1 / 127، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 2 / 68 - 69
- الرياض 1983.
(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 241 - 242.
(2) سورة البقرة: آية 143.
الإيمان، فأقول: ابن عم النبي عليه السلام، وختنه على ابنته، وأحب الناس
إليه، وصاحب سوابق مباركات، سبقت له من الله تعالى، لن تستطيع أنت ولا
أحد من الناس أن يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها، وأقول: إن كانت لعلي
هناة فالله حسبه، والله ما أجد فيه قولاً أعدل من هذا.
قال عامر الشعبي: فأخذت بيد الحسن، فقلت يا أبا سعيد، أغضبت
الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، يقول الناس عامر الشعبي
عالم أهل الكوفة، أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تكلمه بهواه، وتقاربه في
رأيه، ويحك يا عامر، هلا اتقيت، إن سئلت فصدقت، أو سكت فسلمت. قال
عامر: يا أبا سعيد، قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، قال الحسن: فذاك أعظم في
الحجة عليك، وأشد في التبعة.
قال: وبعث الحجاج إلى الحسن، فلما دخل عليه قال: أنت الذي تقول:
قاتلهم الله، قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم، قال: نعم، قال: ما حملك
على هذا؟ قال: ما أخذ الله على العلماء من المواثيق ليبيننه للناس ولا يكتمونه،
قال: يا حسن، امسك عليك لسانك، وإياك أن يبلغني عنك ما أكره، فأفرق بين
رأسك وجسدك (1).
وروى الغزالي (450 هـ/ 1058 م - 505 هـ/ 1111 م) (2) أن عمر بن هبيرة
____________
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 7 / 1255 - 1256 (دار الشعب - القاهرة 1970).
(2) الغزالي: هو الإمام زين الدين حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد،
الطوسي بلداً، الشافعي مذهباً، ولد عام 450 أو 451 هـ(1058 / 1059 م) وتوفي في 14
جمادى الآخرة عام 505 هـ(18 ديسمبر عام 1111 م)، وقد تتلمذ الغزالي على إمام الحرمين
عبد الملك الجويني (419 - 478 هـ)، وحضر مجلس الوزير نظام الملك، وزير السلطان
السلجوقي، وظل عنده حتى أسند إليه منصب التدريس في المدرسة النظامية عام
484 هـ/ 1091 م، ثم اعتزل منصبه بعد أربع سنين، وساح في البلاد عشر سنوات يؤلف ويناظر
ويرد على الفلاسفة، وفي هذه الفترة ألف كتابه إحياء علوم الدين، ثم عاد إلى طوس حيث
صنف أشهر كتبه: الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه، وله في أصول الفقه
المستصفى والمنحول والمنتحل في علم الجدل، وله تهافت الفلاسفة ومحك النظر
=>
دعا بفقهاء أهل البصرة والكوفة والمدينة والشام وقرائها، فجعل يسألهم وجعل
يكلم عامر الشعبي، فجعل لا يسأله عن شئ، إلا وجد عنده منه علماً، ثم
أقبل على الحسن البصري فسأله، ثم قال: هما هذان، هذا رجل أهل الكوفة،
يعني الشعبي، وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن.
فأمر الحاجب، فأخرج الناس، وخلا بالشعبي والحسن، فأقبل على
الشعبي فقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله
عليها، ورجل مأمور على الطاعة، ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم، فأنا أحب
حفظهم، وتعهد ما يصلحهم، مع النصيحة لهم، وقد يبلغني عن أهل العصابة
من أهل الديار الأمر، أجد عليهم فيه، فاقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في
بيت المال، وفي نيتي أن أرده عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على
هذا النحو، فيكتب إلى أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره، ولا إنفاذ كتابه، وإنما
أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة، وفي أشباهه من الأمور،
والنية فيها على ما ذكرت؟. قال الشعبي: فقلت: أصلح الله الأمير، إنما
السلطان والد يخطئ ويصيب، قال: فسر بقولي وأعجب به، ورأيت البشر في
وجهه، وقال: فلله الحمد.
ثم أقبل على الحسن البصري، فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قال: قد
سمعت قول الأمير، يقول: إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها،
ورجل مأمور على الطاعة، ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم والنصيحة لهم،
____________
<=
ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على غير أهله والمقصد الأقصى في شرح
أسماء الله الحسنى، ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القولين وغيرها. وأهم
مصادر ترجمته (وفيات الأعيان 4 / 216 - 219، شذرات الذهب 4 / 10 - 13، طبقات السبكي
4 / 101، تبيين كذب المفتري ص 291 - 306، المنتظم 9 / 168، طبقات الحسيبي ص 69).
وهناك الكثير من الدراسات الحديثة عن الإمام الغزالي، منها: دراسات الدكتور سليمان دنيا:
الحقيقة في نظر الغزالي (دار المعارف - مصر)، كارادفو: الغزالي - ترجمة عادل زعيتر (القاهرة
1959) وكتاب مهرجان الغزالي في دمشق (1961)، مؤلفات الغزالي لعبد الرحمن بدوي
(القاهرة 1961)، طه عبد الباقي سرور: الغزالي (سلسلة إقرأ - العدد 31 - يونية 1945).
والتعهد لما يصلحهم، وحق الرعية لازمة، وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة،
وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة.
ويقول: إني ربما قبضت من عطائهم، إرادة صلاحهم واستصلاحهم، وأن
يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو، فيكتب
إلي أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره، ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من
حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،
فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقاً
لكتاب الله فخذ به، وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه. يا ابن هبيرة:
إتق الله، فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك،
ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك،
وتقدم على ربك، وتنزل على عملك.
يا ابن هبيرة: إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وإن
أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه، الذي لا
يرد عن القوم المجرمين.
فقال ابن هبيرة: إرجع عن ظلمك أيها الشيخ، وأعرض عن ذكر
أمير المؤمنين، فإن أمير المؤمنين صاحب العلم، وصاحب الحكم، وصاحب
الفضل، وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة، لعلمه به، وما يعلمه
من فضله ونيته.
فقال الحسن: يا ابن هبيرة، الحساب من ورائك، سوط بسوط، وغضب
بغضب، والله بالمرصاد، يا ابن هبيرة: إنك إن تلق من ينصح لك في دينك،
ويحملك على أمر آخرتك، خير من أن تلقى رجلاً يغرك ويمنيك - فقام
ابن هبيرة، وقد تبسر وجهه، وتغير لونه.
قال الشعبي: فقلت يا أبا سعيد، أغضبت الأمير، وأو غرت صدره،
وحرمتنا معروفه وصلته، فقال إليك عني يا عامر.
قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف، وكانت له المنزلة، واستخف
بنا، وجفينا، فكان أهلاً لما أدي إليه، وكنا أهلاً أن يفعل بنا ذلك، فما رأيت
مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء، إلا مثل الفرس العربي بين المقارف، وما
شهدنا مشهداً، إلا برز علينا، وقال لله عز وجل، وقلنا مقاربة له. قال عامر
الشعبي: وأنا أعاهد الله، أن لا أشهد سلطاناً بعد هذا المجلس، فأحابيه (1).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشعبي والحسن البصري لم
يكونا من الشيعة، وربما كانا من أعدائهم - على الأقل في ظواهر الأمور - وهذه
تقية واضحة، في وقت كانت الشيعة تتقبل الموت، دون البراءة من الإمام علي،
أو الاعتراف بالكفر، وقتل كميل بن زياد النخعي في عام 82 هـ/ 701 م - كما
قتل قنبر وغيرهما - من الشواهد على ذلك.
وانتهت الأمور بسقوط الدولة الأموية (41 هـ/ 661 م - 132 هـ/ 750 م)
وقيام الدولة العباسية (132 هـ/ 750 م - 656 هـ/ 1258 م) وسرعان ما بدأت
الشيعة من جديد تحس بالضغط يزيد، وبالقتل يستمر، وبالدولة الجديدة تقوى
ويشتد ساعدها، فكان العود إلى التقية أمراً تتطلبه الظروف. وكان ذلك أيام
بدأت الحركة العقلية تستغرق العالم الإسلامي في منتصف القرن الثاني الهجري،
وجعلت الطوائف والفرق والنحل تتبين وتستقل، وتكون لها مبادئها، وتسندها
بالحجج العقيلة والمنطقية، وهكذا وجد الشيعة أنفسهم مضطرين إلى التقية،
فضلاً عن تأسيسها على أساس من المنطق والكلام، فبدأت الأحاديث تروى،
والأخبار تترى، فرووا عن الإمام الصادق، عليه السلام، أقوالاً في التقية
وتحبيذها، كما رووا عن الإمام محمد الباقر أنه قال: جعلت التقية ليحقن بها
____________
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 7 / 1256 - 1258 (دار الشعب - القاهرة 1970).
الدم، وإذا بلغ الدم فليس تقية وأنه قال: التقية ديني ودين آبائي، وهذا
صحيح - كما أشرنا من قبل - لأن التقية دين القرآن، والقرآن دين النبي صلى الله عليه وسلم
- جد الإمام الباقر، عليه السلام -.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن الإمام علي بن أبي طالب
- رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما استجاب للتحكيم - بعد خذلان
أصحابه له في صفين - محافظة على نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن ينقطع (1).
3 - الرجعة:
ترى الشيعة الإمامية أن الله يرد قسماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم
التي كانوا عليها، فيعز فريقاً، ويذل فريقاً، ويديل المحقين من المبطلين،
والمظلومين منهم من الظالمين (2).
وأما زمان الرجعة فهو عند قيام المهدي من آل محمد، ويقسم الشيخ
المفيد الراجعين إلى الدنيا إلى فريقين، أحدهما: من علت درجته في الإيمان،
وكثرت أعماله الصالحات، فيعزه الله، ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه.
وثانيهما: قد بلغ الغاية في الفساد، واقتراف السيئات، فيستنصر الله تعالى لمن
تعدى عليه قبل الممات. ثم يصير الفريقان بعد ذلك إلى الموت والنشور (3).
على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يقول الآلوسي في تفسيره: و تأول جماعة
من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي،
دون رجوع الأشخاص، وإحياء الأموات (4).
وعلى أية حال، فالرجعة - كما يقول المظفر - ليست من الأصول التي
____________
(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 242 - 243.
(2) المفيد: أوائل المقالات ص 50.
(3) نفس المرجع السابق ص 50.
(4) تفسير الآلوسي 6 / 315.
يجب الاعتقاد، والنظر إليها، وإنما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة
عن آل البيت، الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وهي من الأمور الغيبية التي
أخبروا عنها، ولا يمتنع وقوعها (1).
ومن ثم فقد اختلف الشيعة في معنى الرجعة، بل إن فريقاً منهم أنكرها،
ونفاها نفياً باتاً، و نقل هذا الاختلاف الطبرسي في مجمع البيان في تفسير آية
النمل (رقم 83) قال تعالى: * (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً من يكذب بآياتنا
فهم يوزعون) *.
قال الطبرسي: استدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من
الإمامية، ووجه الدلالة - بزعم هؤلاء - أن اليوم الذي يحشر الله فيه فوجاً من كل
أمة، لا يمكن أن يكون اليوم الآخر بحال، لأن هذا اليوم يحشر فيه جميع
الناس، لا فوج من كل أمة، لقول الله تعالى * (وحشرنا هم فلم نغادر منهم
أحداً) * (2)، فتعين أن يكون الحشر في هذه الدنيا - وليس في الآخرة -.
وأما الذين أنكروا الرجعة من علماء الإمامية فقد قالوا: إن الحشر في
الآية يراد به الحشر في اليوم الآخر، لا في هذه الحياة، والمراد بالفوج رؤساء
الكفار والجاحدين، فإنهم يحشرون ويجمعون لإقامة الحجة عليهم.
ويقول الأستاذ مغنية: وهكذا يفيد كلام الشيخ الطبرسي أن علماء الإمامية
لم يتفقوا بكلمة واحدة على القول بالرجعة (3)، وقد أشار الشيخ أبو زهرة إلى
ذلك فقال: ويظهر أن فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمراً متفقاً عليه عند
إخواننا الاثني عشرية، بل فيهم فريق لم يعتقده (4)، ويقول السيد محسن الأمين:
____________
(1) المظفر: عقائد الإمامية ص 84.
(2) سورة الكهف: آية 48.
(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 54 - 55.
(4) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 240.
الرجعة أمر نقلي، إن صح النقل به، لزم اعتقاده، وإلا فلا (1)، ولو كانت
الرجعة من أصول الدين أو المذهب عند الإمامية، لوجب الاعتقاد بها، ولما
وقع بينهم الاختلاف فيها (2).
4 - المهدي:
كلمة المهدي اسم مفعول من هدى، يقال هداه الله الطريق أي عرفه
ودله عليه، وبينه له، فهو مهدي، ولم ترد في القرآن كلمة المهدي، وإنما
ورد المهتدي في قول الله تعالى: * (من يهدي الله فهو المهتد) * (3) كما ورد
الهادي في قول الله تعالى: * (ولكل قوم هاد) * (4)، وقد جاء في كتب التفسير
أن المنذر هو سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الهادي هو علي بن
أبي طالب، فلقد روى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس،
رضي الله عنهما قال: لما نزلت * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * وقال: وضع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره، وقال: أنا المنذر، ولكل قوم هاد، وأومأ بيده
إلى منكب علي، فقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي.
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي، ولكل
قوم هاد، قال: الهادي رجل من بني هاشم، قال الجنيد: هو علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى
الروايات، وعن أبي جعفر محمد الباقر بن علي، نحو ذلك (5).
هذا وقد ورد في شعر حسان بن ثابت - شاعر الرسول الله صلى الله عليه وسلم - وصف
النبي بالمهتدي:
____________
(1) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة ص 473. (ط 1951 م).
(2) محمد جواد مغنية: المرجع السابق ص 55.
(3) سورة الإسراء: آية 97.
(4) سورة الرعد: آية 7.
(5) تفسير ابن كثير 2 / 776، تفسير الطبري 16 / 357.
بأبي وأمي من شهدت وفاته * في يوم الاثنين النبي المهتدي
ووصفه بالهادي:
بالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل النبي رسول الرحمة الهادي
ووصفه بالمهدي:
ما بال عيني لا تنام كأنما * كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً * يا خير من وطء الحصى لا تبعد (1)
هذا وقد وردت في بعض الأحاديث الشريفة كلمة المهدي وصفاً للإمام
علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - روى ابن الأثير في أسد الغابة
بسنده عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال: قيل: يا رسول الله من
يؤمر بعدك، قال.... وإن تؤمروا علياً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً
مهدياً، يأخذ بكم الصراع المستقيم (2).
وفي رواية إن تولوا علياً تجدوه هادياً مهدياً، يسلك بكم الطريق
المستقيم (3).
وفي رواية عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تستخلفوا علياً - وما أراكم فاعلين، تجدوه هادياً
مهدياً، يحملكم على المحجة البيضاء (4) ولما استشهد مولانا الإمام الحسين بن
علي، وصفه الصحابي الجليل، قائد التوابين بأنه مهدي ابن مهدي.
والكلمة في كل هذا بمعناها اللغوي الديني: رجل هداه الله فاهتدى، ثم
____________
(1) أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 235 - 236 (القاهرة 1368 هـ/ 1949 م).
(2) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 112 (دار الشعب - القاهرة 1970)، مسند الإمام أحمد 1 / 108
- 109.
(3) الحافظ أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1 / 64 (دار الفكر - بيروت).
(4) حلية الأولياء 1 / 64.
نراها تأخذ معنى جديداً، وهو إمام منتظر، يأتي فيملأ الأرض عدلاً، كما
ملئت جوراً.
وأما عن المهدي المنتظر من آل البيت، فلقد شاءت إرادة الله سبحانه
وتعالى، أنه كما كانت نجاة العالم من ظلمات الجاهلية على يد سيد أهل البيت
سيدنا ومولانا وجدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان وجود أهل البيت في الأمة أماناً لهم من
الخسف والنسف، فإن صلاح العالم في آخر الزمان إنما سيكون - بإذن الله
تعالى - على يد المهدي الذي يصطفيه الله - سبحانه وتعالى - من أهل بيت
النبي الطاهرين المطهرين، والذي تواترت الأحاديث واستفاضت عن خروجه
في آخر الزمان، ليملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، قال صلى الله عليه وسلم، المهدي منا،
يختم الدين، كما فتح بنا. ورواه ابن حجر الهيثمي (1) في صواعقه.
وقال صاحب كتاب عون المعبود - شرح سنن أبي داود، عند أول
كتاب المهدي: واعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر
العصور: أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل، من أهل البيت، يؤيد
الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية،
ويسمى بالمهدي.
____________
(1) ابن حجر الهيثمي: هو أحمد بن علي بن حجر الهيثمي السعدي الأنصاري، فقيه
صوفي، وباحث مصري، ولد عام 909 هـ/ 1504 م في محلة أبي الهيثم - وإليها نسب -
بمحافظة الغربية، درس في المسجد الأحمدي بطنطا، ثم انتقل عام 924 هـللدراسة في الأزهر
بالقاهرة، حيث درس على كبار علماء عصره، ثم أذن له بالإفتاء والتدريس وعمره دون
العشرين، وفي عام 940 هـانتقل إلى مكة، وكان فيها إماماً للحرمين يدرس ويفتي ويؤلف،
وتوفي عام 974 هـ/ 1567 م، ودفن بالمصلاة بتربة الطبريين بمكة المكرمة، وأهم مصنفاته:
الصواعق المحرقة، ومبلغ الأرب، والجوهر المنظم، وتحفة المحتاج لشرح المنهاج في فقه
الشافعية، والخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان، والفتاوى الهيثمية (في أربع
مجلدات)، وشرح مشكاة المصابيح للتبريزي، والإمداد في شرح الإرشاد للمقري، والزواجر عن
اقتراف الكبائر، والمنح المكية - شرح لهمزية البوصيري، (أنظر: دائرة المعارف الإسلامية
1 / 133، خلاصة الأثر 2 / 166، آداب اللغة 3 / 334، مقدمة الصواعق المحرقة ص 7 - 8).
ويكون خروج الدجال وما بعده - من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح -
على أثره، وأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل من بعده، فيقتل
الدجال، أو ينزل معه، فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.
وهذا وقد خرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة - منهم أبو داود
(202 هـ/ 817 م - 275 هـ/ 888 م) وابن ماجة (209 هـ/ 824 م -
273 هـ/ 886 م) وأبو يعلى الموصلي (210 هـ/ 825 م - 307 هـ/ 1919 م)
والترمذي (210 هـ/ 825 م - 279 هـ/ 892 م) والطبراني (260 هـ/ 873 م
- 360 هـ/ 971 م) والحاكم (321 هـ/ 933 م - 404 هـ/ 1014 م).
وقد أسندوها إلى جماعة من الصحابة - من أمثال الإمام علي،
وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وعلي الهلالي،
وعبد الله بن الحارث بن جزء، رضي الله عنهم أجمعين.
وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف.
وقد بالغ ابن خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم
يصب، بل أخطأ.
وقال صاحب تحفة الأحوذي - بشرح جامع الترمذي (باب ما جاء في
المهدي) - بعد أن نقل ما ذكرناه آنفاً من عون المعبود - إن الأحاديث الواردة في
المهدي كثيرة جداً، ولكنها أكثرها ضعاف.
ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود، الذي رواه الترمذي في هذا
الباب، لا ينحط عن درجة الحسن، وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف،
فحديث ابن مسعود هذا - مع شواهده وتوابعه - صالح للاحتجاج بلا مرية، وقد
جاء فيه: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذهب الدنيا حتى
يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي - ثم قال الترمذي: وفي
الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة - وقال: هذا حديث حسن
صحيح -.
وقال القاضي الشوكاني (1) وفي الفتح الرباني: الذي أمكن الوقوف عليه
من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثاً، وثمانية وعشرون
أثراً، ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر،
كما لا يخفى على من له فضل إطلاع (2).
وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو
لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلاً مني، أو
من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً
وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
وقال صلى الله عليه وسلم - في حديث سفيان - لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك
العرب رجل من أهل بيتي، ويواطئ اسمه إسمي.
وروى أبو داود بسنده عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة (3).
ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: هو حق - يعني المهدي - وهو من
بني فاطمة، وبطريق آخر قال: هو من ولد فاطمة (4).
____________
(1) القاضي الشوكاني: هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، ولد في 28 ذي القعدة
عام 1172 هـفي بلدة هجرة شوكان، وتوفي في 27 جمادى الآخرة سنة 1250 هـ، درس الفقه
على علماء عصره في صنعاء، كما أخذ عنه كثيرون، وكان تفقهه على مذهب الإمام زيد، وبرع
فيه وألف وأفتى، حتى صار قدوة فيه، وخلع ربقة التقليد، وتحلى بمنصب الاجتهاد (أنظر:
مقدمة كتابه نيل الأوطار - الجزء الأول - ص - دار الكتب العلمية - بيروت).
(2) أنظر: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - قسم الحديث - المجلد الثالث ص 234
- 235 (الرياض 1398 هـ/ 1978 م).
(3) سنن أبي داود 2 / 422، وانظر: الجامع الصغير للسيوطي 2 / 187.
(4) المستدرك للحاكم 4 / 557.
ورواه الذهبي في ميزان الاعتدال، وقال: المهدي من ولد فاطمة (1).
وذكره السيوطي في تفسير سورة محمد من كتابه الدار المنثور في التفسير
بالمأثور، وقال: أخرجه أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم
سلمة (2).
وفي كنز العمال (3) عن علي عليه السلام قال: المهدي رجل منا، من ولد
فاطمة، قال: أخرجه نعيم. وفي رواية: إبشري يا فاطمة، فإن المهدي منك،
قال: أخرجه ابن عساكر عن الإمام الحسين عليه السلام (4).
وروى أبو داود بسنده عن أبي الطفيل عن علي رضي الله تعالى عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو لم يبق من الدهر، إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي،
يملؤها عدلاً، كما ملئت جوراً (5).
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي
سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلفائكم خليفة يحثو المال حثياً، لا يعده
عدداً - وفي رواية ابن حجر: يحثي المال (6).
وفي رواية عن أبي نضرة عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان خليفة، يقسم المال ولا يعده (7).
____________
(1) ميزان الاعتدال 2 / 24.
(2) فضائل الخمسة 3 / 331.
(3) كنز العمال 7 / 261.
(4) كنز العمال 6 / 218، وانظر أيضاً كنز العمال 7 / 259.
(5) سنن أبي داود 2 / 422.
(6) صحيح مسلم 18 / 39.
(7) صحيح مسلم 18 / 39.
وروى أبو داود بسنده عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي مني، أجلي الجبهة، أقنى الأنف، يملأ
الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين (1).
وفي رواية الحاكم في المستدرك المهدي من أهل البيت، أشم الأنف،
أقنى أجلى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، يعيش هكذا
- وبسط يساره، وإصبعين من يمينه، المسبحة والإبهام وعقد ثلاثة - قال: هذا
حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (2).
وفي رواية الإمام أحمد في المسند بسنده عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى
أقنى، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت قبله ظلماً، يكون سبع سنين (3).
وفي تحفة الأحوذي عن أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث،
فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن من أمتي المهدي، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً
- زيد هو الشاك - قال: قلنا؟ وما ذاك؟ قال: سنين، فيجئ إليه الرجل،
فيقول: يا مهدي أعطني، فيحثي له في ثوبه، ما استطاع أن يحمله (4).
وروى الحاكم في المستدرك (5) على الصحيحين بسنده عن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً
وجوراً أو عدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي، من يملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت
ظلماً وعدواناً - قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
____________
(1) سنن أبي داود 2 / 422، وانظر: الجامع الصغير للسيوطي 2 / 187.
(2) المستدرك للحاكم 4 / 557.
(3) مسند الإمام أحمد 3 / 17، وانظر: عون المعبود بشرح سنن أبي داود 11 / 375.
(4) تحفة الأحوذي 6 / 487 (باب ما جاء في المهدي).
(5) المستدرك 4 / 557.
وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي الصديق عن أبي سعيد
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتملأن الأرض ظلماً وعدواناً،
ثم ليخرجن من أهل بيتي أو قال من عترتي - من يملؤها قسطاً وعدلاً، كما
ملئت ظلماً وعدواناً (1).
وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي (2).
ورواه الإمام أحمد في المسند بعدة روايات (3) - كما رواه الخطيب
البغدادي في تاريخه (4).
وفي كنز العمال: يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي، وخلقه
خلقي، فيملأها عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً - قال: أخرجه الطبراني
عن ابن مسعود (5).
وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم
يبق من الدنيا إلا يوم، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه
كإسمي، فقال: سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا،
وضرب بيده على الحسين عليه السلام (6).
وفي المنتقى: عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج في آخر الزمان
____________
(1) حلية الأولياء 3 / 101 - 102.
(2) صحيح الترمذي 2 / 36.
(3) مسند الإمام أحمد 1 / 376، 377، 430، 448.
(4) تاريخ بغداد 4 / 388.
(5) كنز العمال 7 / 188.
(6) ذخائر العقبى ص 136.
رجل من ولدي، اسمه كإسمي، كنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت
جوراً، فذلك هو المهدي (1).
وفي المنتقى عن علي أنه نظر إلى الحسن فقال: سيخرج من صلبه رجل
يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض
قسطاً (2).
غير أن هناك روايات أخرى تجعل المهدي من ولد مولانا الإمام الحسين،
فلقد روي عن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر عن أبيه عن جده
الإمام علي بن الحسين عليه السلام: أنه سئل عن المهدي، فقال: هو من
ولدي (3).
ويقول ابن تيمية (1661 - 728 هـ/ 1263 - 1328 م): وقول أمير
المؤمنين (الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة) في أنه
حسني لا حسيني صريح، ذلك لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض
بإسماعيل وإسحاق عليهما السلام، وإن لم يكونا نبيين، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
يعوذهما بقوله أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل
عين لامة، ويقول: إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، وكان
إسماعيل هو الأكبر والأحلم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب على المنبر -
____________
(1) الذهبي: المنتقي ص 533، ثم يقول: الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة،
رواها أحمد وأبو داود والترمذي، منها حديث ابن مسعود مرفوعاً لو لم يبق من الدنيا، إلا يوم
لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي،
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً.
وأخرجه أبو داود الترمذي من حديث أم سلمة، وفيه المهدي من عترتي، من ولد فاطمة،
ورواه أبو داود عن طريق أبي سعيد، وفيه يملك الأرض سبع سنين، وأما حديث لا مهدي
إلا عيسى بن مريم فضعيف، فلا يعارض هذه الأحاديث (المنتقى ص 533 - 534).
(2) المنتقى ص 34، وانظر: سنن أبي داود 4 / 423 - 424.
(3) الداعي إدريس بن عماد: تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب - تحقيق محمد اليعلاوي - بيروت
1985 ص 42.
وإن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (1).
فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق، فهكذا كان غالب السادة
الأئمة من ذرية الحسين، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض
ومغاربها، كان من ذرية إسماعيل، فكذلك الخليفة الراشد المهدي - الذي هو
آخر الخلفاء - يكون من ذرية الحسن (2).
وهكذا نرى أن المهدي ليس من اختراع الشيعة الإمامية أو الكيسانية
- كما يزعم الزاعمون - وإنما هو من أقوال المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وأن علماء السلف
من أهل السنة، قد تنبأوا به.
روي عن عبد الله بن عباس (ت 68 هـ687 م - أو 69 هـ688 م - أو
70 هـ/ 689) أنه قال: لو لم يبق إلا يوم وليلة من الدنيا، لخرج فيها
المهدي (3).
وعن محمد بن سيرين (33 - 110 هـ/ 653 - 729 م) (4)، أنه قال:
المهدي يعدل نبياً.
وعن مجاهد (21 - 104 هـ/ 642 - 722 م) (5)، بإسناده يرفعه، وذكر
____________
(1) صحيح البخاري 4 / 249، 5 / 32.
(2) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري - جدة 1984 ص 47.
(3) الداعي إدريس بن عماد: المرجع السابق ص 45.
(4) أنظر عن ابن سيرين (الطبقات الكبرى 7 / 193 - 206، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3 / 280
- 281، حلية الأولياء 2 / 263 - 282، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 69 - 70 تاريخ بغداد
5 / 331 - 338، تذكرة الحفاظ ص 77 - 78، تهذيب التهذيب لابن حجر 9 / 214 - 217، مرآة
الجنان لليافعي 1 / 232 - 234، شذرات الذهب 1 / 138، الأعلام للزركلي 7 / 25، الفهرست
لابن النديم ص 316).
(5) أنظر عن مجاهد (الطبقات الكبرى 5 / 466 - 467، حلية الأولياء 3 / 279 - 310، الإرشاد
لياقوت 6 / 242 - 243، ميزان الاعتدال للذهبي 3 / 9، تذكرة الحافظ ص 92 - 93، التهذيب
=>
أخبار بمكان يكون، ثم قال: يبعث قائم آل محمد في عصابة، لهم أدق في أعين
الناس من الكحل، يفتح الله عليه مشارق الأرض ومغاربها، ألا وهم المؤمنون
حقاً ألا وإن خير الجهاد في آخر الزمان (1).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أنه لم ترو أحاديث عن المهدي
في صحيحي البخاري ومسلم، ولكن أخرجها أئمة آخرون في الحديث
- كالترمذي وأبي داود والحاكم وابن ماجة - وهي أحاديث مسندة إلى الإمام
علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد
الخدري وأم سلمة.
ومن ثم فإن عدم إخراج البخاري - أو مسلم - لأحاديث المهدي، جعل
أهل السنة يختلفون في الاعتقاد بالمهدية، فلا يشير إليه الإيجي في مواقفه
ولا التفتازاني فيما ذكره من علامات الساعة (2). وقد جرح ابن خلدون رواة
أحاديث المهدي في مقدمته (3)، ومع ذلك فإنه يقول: إن جماعة من الأئمة
خرجوا أحاديث المهدي - ومنهم الترمذي وأبو داود والبزاز وابن ماجة والحاكم
والطبراني وأبو يعلى الموصلي - وأسندوها إلى جماعة من الصحابة - مثل علي
وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد
الخدري وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن
الحارث بن جزء - بأسانيد قد يعرض لها المنكر.
ثم يحاول ابن خلدون تضعيف الأحاديث التي وردت في المهدي، ثم
____________
<=
لابن حجر، 10 / 42 - 744 الأعلام للزركلي 6 / 161، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 45،
المعارف لابن قتيبة ص 227، الفهرست لابن النديم ص 33، الرجال للقيسراني ص 510).
(1) الداعي إدريس بن عماد: المرجع السابق ص 46.
(2) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969
ص 403 - 404.
(3) مقدمة ابن خلدون ص 311 - 330 (دار القلم - بيروت 1981).
يقول: وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفيناه قدر طاقتنا،
والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك: أنه لا تتم دعوة في الدين والملك، إلا بوجود
شوكة عصبية، تظهره وتدافع عنه من يدفعه، حتى يتم أمر الله فيه. وقد قررنا
ذلك بالبراهين القطعية، وعصبية الفاطميين - بل وقريش أجمع - قد تلاشت من
جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا
ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبين، من بني الحسن وبني
الحسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد، وغالبون عليها، وهم
عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون الآفاق من
الكثرة، فإن صح ظهور هذا المهدي، فلا وجه لظهور دعوته، إلا بأن يكون
منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في إتباعه، حتى تتم له شوكة وعصبية وافية،
بإظهار كلمته وحمل الناس عليها.
وأما على غير هذا الوجه، مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر
في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة، إلا مجرد نسبة في أهل البيت، فلا
يتم ذلك، ولا يمكن، لما أسلفناه من البراهين الصحيحة (1).
وفي العصر الحديث نرى الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام،
والنشاشيبي في الإسلام الصحيح، يعدون أحاديث المهدي من الأساطير، كما
عده سعد محمد حسن أثراً من آثار الشيعة، التي تسربت إلى أهل السنة،
وعملت العقلية السنية فيها بالصقل والتهذيب.
غير أن موقف هؤلاء الباحثين، إنما هو قائم على الزمن من ناحية، حيث
مر أربعة عشر قرناً على ظهور الإسلام، وعلى التفكير الوضعي الحديث، الذي
ينكر الحكم الثيوقراطي (الديني) من أساسه، من ناحية أخرى، غير أن هذا لا
ينفي أنها كانت، وربما لا تزال، عقيدة في قلوب الكثيرين، وأنه في عهود الظلم
____________
(1) مقدمة ابن خلدون ص 311 - 312، 327 - 328.
والاضطراب السياسي والاجتماعي والديني والأخلاقي يتعلق الناس بفكرة
مخلص مصلح ينتظرون خروجه وظهوره.
وقد شاع هذا الاعتقاد في انتظار المهدي عند بعض أهل السنة، وإن لم
يتقرر كأصل من أصول العقيدة، كما هو الحال لدى الشيعة، بعد أن تحدث فيه
بعض علمائهم كالنكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار أصحاب الزمان
والسيوطي في كتابه العرف الوردي في أخبار المهدي، وابن حجر العسقلاني
في كتاب القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ويوسف بن يحيى
الدمشقي في عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر، الأمر الذي يشير بوضوح
إلى أن عقيدة المهدي قد شغلت جزءاً كبيراً وهاماً من تفكير أهل السنة
- جمهورهم وعلمائهم - فضلاً عما أسهم به الصوفية في نشر عقيدة المهدي
هذه، ومن المعروف أن للصوفية أثراً بالغاً في جمهور المسلمين.
ولقد شارك في الاعتقاد بالمهدية فريق من أهل السنة، كان أحرى بحكم
عدائه التقليدي للشيعة أن يستنكر عقيدة المهدي، استنكاره لسائر عقائد الشيعة
- وأعني به الإمام ابن تيمية زعيم المذهب السلفي - ولكن ابن تيمية إنما يعتقد
بصحة الحديث الذي رواه ابن عمر (1).
يقول ابن تيمية: فأما المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رواه أهل
العلم العالمون بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، الحافظون لها، الباحثون عنها، وعن رواتها،
مثل أبي داود والترمذي وغيرهما، ورواه الإمام أحمد في مسنده.
فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم يبق من الدنيا إلا
يوم، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه
إسمي، واسم أبيه اسم أبي، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً
وجوراً.
____________
(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 404 - 405.
وروى في هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها، وعن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أنه قال: المهدي من ولد ابني هذا، وأشار إلى الحسن (1).
على أن الزيدية من الشيعة إنما ترى أن المهدية لا تنفصل في مفهومها عن
الإمامة ذاتها، فكل فاطمي شجاع، عالم زاهد، يخرج بالسيف، يدعو إلى
الحق، فهو إمام ومهدي في آن واحد، دون اعتقاد في المهدية بالمفهوم الذي
يفيد انتظار محرر أو مخلص مبعوث من الله، وكل أئمة الزيدية، كزيد وولده
يحيى ومحمد النفس الزكية مهديون (2).
5 - البداء:
اتفق المسلمون بكلمة واحدة على جواز النسخ ووقوعه في الشريعة
الإسلامية، ومعناه في اصطلاح المفسرين وأهل التشريع، أن الله يشرع حكماً
كالوجوب أو التحريم، ويبلغه نبيه، وبعد أن يعمل النبي وأمته بموجبه،
يرفع الله هذا الحكم وينسخه، ويجعل في مكانه حكماً آخر، لانتهاء الأسباب
الموجبة للحكم الأول وبقاء استمراره، وهذا النوع من النسخ ليس بعزيز، فإنه
موجود في الشرائع السماوية والوضعية ولقد استدل المسلمون على جوازه
ووقوعه بأدلة، منها أن الصلاة كانت في بدء الإسلام لجهة بيت المقدس، ثم
نسخت وتحولت إلى جهة البيت الحرام (3)، قال تعالى: * (قد نرى تقلب وجهك في
السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا
وجوهكم شطره) * (4).
واتفق المسلمون كذلك على عدم جواز النسخ في الطبيعيات، لأنه يستلزم
____________
(1) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ص 46.
(2) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 405.
(3) الشيعة في الميزان ص 52.
(4) سورة البقرة: آية 144.
الجهل وتجدد العلم لله، وحدوثه بعد نفيه عنه - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً -
ويسمى هذا البداء الباطل، وقد نسبه البعض إلى الإمامية جهلاً أو تجاهلاً،
رغم إنكارهم له، روى الشيخ الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة
عن الإمام جعفر الصادق، رضوان الله عليه، أنه قال: من زعم أن الله عز وجل،
يبدو له في شئ لم يعلمه أمس، فابرأوا منه (1).
وقال السيد محسن العاملي في كتابه نقض الوشيعة: أجمع علماء الإمامية
في كل عصر وزمان، على أن البداء بهذا المعنى باطل، ومحال على الله
تعالى، لأنه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى، وهو منزه عن ذلك، تنزيهه عن
جميع القبائح، وعلمه محيط بجميع الأشياء، إحاطة تامة، جزئياتها وكلياتها، لا
يمكن أن يخفى عليه شئ، ثم يظهر له (2).
على أن المسلمين جميعاً - بعد أن نفوا البداء بهذا المعنى - أجازوا بداء
لا يستدعي الجهل، وحدوث العلم لذات الله، وهو أن يزيد الله في الأرزاق
والأعمار، أو ينقص منها، بسبب أعمال العبد، قال الشيخ المفيد في أوائل
المقالات (باب القول في البداء والمشيئة): البداء عند الإمامية هو الزيادة في
الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال (3).
وقد اعتمد المفيد في هذا على قول الله تعالى: * (وقال ربكم أدعوني
أستجب لكم) *، وروى الترمذي في سننه (باب لا يرد القضاء إلا الدعاء) أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر، إلا البر (5).
وانطلاقاً من كل هذا، فلقد اتفق المسلمون - شيعة وسنة - على أن أية
____________
(1) الشيعة في الميزان ص 53.
(2) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة ص 515 (ط 1951).
(3) الشيعة في الميزان ص 53.
(4) سورة غافر: آية 60.
(5) أنظر: السيد الخوئي: البيان في تفسير القرآن ص 277.
صفة تستدعي الجهل، وتجدد العلم، فهي منفية عن الله سبحانه وتعالى، بحكم
العقل والشرع، سواء عبرنا عنها بالبداء أو بلفظ آخره، ومن ثم فليس صحيحاً
أن الشيعة قد أجازوا البداء على الله، دون السنة، لأن المفروض أن البدء
المستلزم للجهل باطل عند الفريقين، والبداء بمعنى الزيادة أو النقصان في
الأرزاق والآجال، جائز عند الفريقين.
هذا إلى أن الشيعة الإمامية إنما تتشدد كثيراً عن الفرق الأخرى في صفات
الباري سبحانه، وبالغوا كثيراً في تنزيهه عن كل ما فيه شائبة الجهل والظلم
والتجسيم والعبث وما إليه، فلم يجيزوا على الله ما أجازه الأشاعرة وغيرهم،
الذين قالوا: إن الخير والشر من الله، وأنه سبحانه يكلف الإنسان بما لا يطاق،
وأنه - تعالى علواً كبيراً - يأمر بما يكره وينهى عما يحب، كما أن الإمامية نفوا
عن الله تعالى التجسيم (1)، الذي قال به الحنابلة.
6 - الجفر:
الجفر: في الأصل ولد الشاة، إذا عظم واستكرش، ثم أطلق على إهاب
الشاة، وقد قالوا: إن الجفر صار يطلق على نوع من العلم، لا يكون بالتقي
والدراسة، ولكن يكون من عند الله تعالى، بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، أو نحو
ذلك (2).
وقال بعض كتاب الشيعة الإمامية المحدثين: وعلم الجفر، هو علم
الحروف التي تعرب به الحوادث إلى انقراض العالم، وجاء عن الإمام جعفر
الصادق: أن عندهم الجفر، وفسره بأنه: وعاء من أدم فيه علم النبيين، وعلم
____________
(1) أنظر: ابن تيمية: العقيدة الواسطية ص 136 (ط 1957 مع الرسائل التسع)، الجزء الثامن كتاب
المواقف للإيجي، وشرحه للجرجاني، الجزء الثاني من كتاب الفروق للقرافي، المذاهب
الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة.
(2) أبو زهرة: الإمام الصادق ص 33.
العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، وجاء عنهم الشئ الكثير عن الجفر، وإنا
- وإن لم نعرف هذا العلم والتصرف - نعرف من هاتيك الأحاديث التي ذكرت
عن الجفر، أنه من مصادرهم، وأن هذا العلم شريف، منحهم الله تعالى إياه (1).
هذا وقد اختلف القائلون بوجود الجفر في تفسير معناه، فمن قائل: بأنه
نوع من علم الحروف تستخرج به معرفة ما يقع من الحوادث في المستقبل.
على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب أصحابه إلى أن الجفر: كتاب من
جلد، فيه بيان الحلال والحرام، وأصول ما يحتاج إليه الناس من الأحكام التي
فيها صلاح دينهم ودنياهم، وعلى هذا، فلا يمت الجفر إلى الغيب بصلة (2).
هذا ويذهب الشريف الجرجاني - من علماء الأحناف - إلى أن الجفر
والجامعة كتابان لعلي، رضي الله عنه، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف
الحوادث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما،
ويحكمون بهما (3).
وفي نفس الوقت، يقول السيد محسن الأمين - وهو من علماء الإمامية -
في كتابه نقض الوشيعة: ليس الجفر علماً من العلوم - وإن توهم ذلك
كثيرون - ولا هو مبني على جداول الحروف، ولا ورد به خبر، ولا رواية.
ثم يقول: غير أن الناس إنما توسعوا في تفسيره، وقالوا فيه أقاويل
لا تستند إلى مستند، شأنهم في أمثال ذلك (4).
ويقول نفس المؤلف في كتاب آخر له - أعيان الشيعة - الظاهر من الأخبار
____________
(1) السيد حسين المظفري: الإمام الصادق 1 / 109.
(2) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 56.
(3) الجرجاني: كتاب المواقف وشرحه 6 / 22.
(4) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة ص 259.
أن الجفر كتاب فيه العلوم النبوية، من حلال وحرام، وما يحتاج إليه الناس في
أحكام دينهم، وصلاح دنياهم (1).
وهكذا إنما يبدو غريباً أن ينفي عالم الشيعة، الجفر بمعنى علم الغيب عن
أهل البيت، ويثبته علم من أعلام الأحناف، ويقول: وعندهم علم ما يحدث
إلى انقراض العالم (2).
ومن ثم فليس صحيحاً، ما ذهب إليه البعض - ومنهم العلامة أبو زهرة -
من أن الجفر من اختصاص الشيعة الإمامية، بل وينسبون إليهم الزعم بأن أهل
البيت يستخرجون منه علم الغيب، ذلك لأن هناك من الفرق الإسلامية - من غير
الإمامية - من يدعون ذلك، ثم ينسبونه إلى الإمامية للتشنيع عليهم (3).
والجفر - كما يقول الأستاذ أحمد مغنية - وحقيقته، على كثرة الأخبار التي
وردت به، والأحاديث التي حدثت عنه، لا يزال أمره غامضاً، وأن العلماء
الأقدمين لم يقفوا فيه على حقيقة يطمئنون إليها (4).
وعلى أية حال، فمسألة الجفر - كما يقول الأستاذ محمد جواد مغنية في
كتابه الشيعة في الميزان - ليست من أصول الدين، ولا المذهب، عند
الإمامية، وإنما هي أمر نقلي، تماماً كمسألة الرجعة، يؤمن بها من تثبت عنده،
ويرفضها إذا لم تثبت، وهو في الحالين مسلم سني - إن كان سنياً - ومسلم
شيعي - إن كان شيعياً -.
والخلاصة أن الإمامية يدينون بأن الإمامة تكون بالنص - وليس
بالانتخاب - وأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، إنما قد نص صراحة على علي بن أبي
____________
(1) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة 1 / 246 (بيروت 1960 م).
(2) الشيعة في الميزان ص 57.
(3) الشيعة في الميزان ص 57.
(4) أحمد مغنية: الإمام جعفر الصادق ص 208. محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 36.
طالب، وإنهم يوجبون العصمة للإمام، وينفون عنه علم الغيب، ويقولون بالتقية
عند خوف الضرر، وينفون - متفقين - صفة البداء عن الله، المستلزمة للجهل،
وحدوث العلم، ويختلفون في الرجعة (1).
7 - مصحف فاطمة:
ينسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن عند سيدة نساء العالمين - السيدة
فاطمة الزهراء عليها السلام - مصحفاً فيه زيادات عن هذا القرآن الكريم الذي
بين أيدي المسلمين.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة - بادئ ذي بدء - إلى أن القرآن الكريم،
كتاب الله الذي * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم
حميد) * (2)، نزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، منجماً في ثلاث وعشرين سنة،
حسب الحوادث، ومقتضى الحال (3).
وكانت الآيات والسور تدون ساعة نزولها، إذ كان المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذا ما
أنزلت عليه آية أو آيات قال: ضعوها في مكان كذا... من سورة كذا، فقد
____________
(1) الشيعة في الميزان ص 57.
(2) سورة فصلت: آية 42.
(3) نزل القرآن منجماً فيما بين عامي 13 قبل الهجرة، عام 11 هجرية (610 - 632 م) لأسباب منها
(أولاً) تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، أمام أذى الكافرين، ومنها (ثانياً) التلطف بالنبي صلى الله عليه وسلم، عند نزول
الوحي، ومنها (ثالثاً) التدرج في تشريع الأحكام السماوية ومنها (رابعاً) تسهيل حفظ القرآن
وفهمه على المسلمين، ومنها (خامساً) مسايرة الحوادث والوقائع والتنبيه عليها في حينها، ومنها
(سادساً) الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه تنزيل الحكيم الحميد (أنظر: محمد عبد الله دراز:
مدخل إلى القرآن الكريم ص 33، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن ص 36 - 41، محمد
علي الصابوني: التبيان في علوم القرآن ص 40 - 49)، ومنها (سابعاً) أن العرب كانوا أمة أمية،
والكتابة ليست فيهم رائجة، بل يندر فيهم من يعرفها، وأندر منه من يتقنها، فما كان في
استطاعتهم أن يكتبوا القرآن كله، إذا نزل جملة واحدة، إذ يكون بسوره وآياته عسيراً عليهم أن
يكتبوه، وإن كتبوه لا يعدموا الخطأ والتحريم و التصحيف (محمد أبو زهرة: القرآن
ص 23 - 24).
ورد أن جبريل عليه السلام، كان ينزل بالآية أو الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول
له: يا محمد، إن الله يأمرك أن تضعها على رأس كذا من سورة كذا.
ومن ثم فقد اتفق العلماء على أن جمع القرآن توقيفي، بمعنى أن ترتيبه
بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف، إنما هو بأمر ووحي
من الله تعالى (1).
وهكذا تمر الأيام برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على هذا العهد، يأتيه الوحي نجماً
بعد نجم، وكتابه يسجلونه آية بعد آية (2)، حتى إذا ما كمل التنزيل، وانتقل
الرسول الأعظم، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق
الأعلى، كان القرآن كله مسجلاً في صحف، وإن كانت مفرقة، لم يكونوا قد
جمعوها بين الدفتين، ولم يلزموا القراء توالي سورها (3) - كما كان محفوظاً في
صدور الحفاظ من الصحابة - رضوان الله عليهم - هؤلاء الصفوة من أمة محمد
النبي المختار، الذين كانوا يتسابقون في تلاوة القرآن ومدارسته، ويبذلون
قصارى جهدهم لاستظهاره وحفظه، ويعلمونه أولادهم وزوجاتهم في البيوت،
حتى كان الذي يمر ببيوت الأنصار في غسق الدجى، لا يسمع فيها إلا صوت
____________
(1) أنظر: السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 48، 63، الزركشي: البرهان في علوم القرآن
ص 234، 237، 241، السجستاني: كتاب المصاحف ص 31، مقدمتان في علوم القرآن
ص 26 - 32، 40 - 41، 58، تفسير القرطبي 1 / 60، محمد أبو زهرة: القرآن ص 27، 47
- 49، محمد علي الصابوني: المرجع السابق ص 59.
(2) لعل أشهر كتاب الوحي - وعددهم 29 - الخلفاء الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) وأبي بن
كعب وزيد بن ثابت والزبير بن العوام والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل وعبد الله بن رواحة (فتح
الباري 9 / 18).
وكانوا يضعون ما يكتبونه في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكتبون لأنفسهم صوراً أخرى يحفظونها
لديهم (الإتقان 1 / 58، البرهان 1 / 238، من روائع القرآن ص 49 - 51).
(3) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 59، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 235،
مقدمتان في علوم القرآن ص 32، مقدمة كتاب المصاحف لآرثر جفري ص 5.
القرآن يتلى، وحتى كان المصطفى صلى الله عليه وسلم، يمر على بعض دور الصحابة، فيقف
عند بعضها يستمع القرآن في ظلام الليل.
هذا وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين
بالقرآن، حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالليل بالقرآن، وإن
كنت لم أر منازلهم بالنهار (1).
ومن هنا كان حفاظ القرآن الكريم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحصون، وتلك
- وأيم الله - عناية من الرحمن، خاصة بهذا القرآن العظيم، حين يسره للحفظ،
* (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) * (2) فكتب له الخلود، وحماه من
التحريف والتبديل، وصانه من تطرق الضياع إلى شئ منه، عن طريق حفظه في
السطور، وحفظه في الصدور (3).
وكان ذلك كله مصداقاً لقول الله تعالى: * (وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * (4)، وقول الله تعالى
* (نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * (5)، وقول الله تعالى: * (إن علينا جمعه
وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) * (6).
ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أن القرآن الكريم، إنما كان مكتوباً كله
عند الصحابة، قد لا يكون الأمر كذلك عندهم جميعاً، أو عند واحد منهم
____________
(1) رواه الشيخان.
(2) سورة القمر: آية 32.
(3) محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ص 12 - 14. وانظر: حسن ضياء عتر: شغف الرسول
وأصحابه بحفظ القرآن، أساس تواتره - مجلة كلية الشريعة - جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية - العدد السادس - عام 1402 هـ/ 1403 هـص 190 - 231).
(4) سورة فصلت: آية 41 - 42.
(5) سورة الحجر: آية 9.
(6) سورة القيامة: آية 17 - 19، وانظر: تفسير الطبري 1 / 95 - 97.
بعينه، ولكنه كان كذلك عند الجميع، وأن ما ينقص الواحد منهم يكمله الآخر،
ومن ثم فقد تضافروا جميعاً على نقله مكتوباً، وإن تقاصر بعضهم عن كتابته
كمل الآخر، وكان الكمال النقلي جماعياً، وليس أحادياً.
والأمر الذي لا ريب فيه أن القرآن الكريم إنما كان كله مسجلاً في صحف
قبل أن ينتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى (1)، ومن ثم فإن ما قام به الصديق
أبو كبر رضي الله عنه (11 - 13 هـ/ 632 - 634 م)، إنما كان جمع القرآن كله
في مصحف، جمعت مما كان محفوظاً في صدور الرجال، وبما كان يكتب بين
يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفظ هذا المصحف الشريف عند الصديق، ثم عند
الفاروق عمر (13 - 23 هـ/ 634 - 644 م) من بعده، ثم عند أم المؤمنين
حفصة، رضي الله عنهم أجمعين (2).
وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه (24 -
35 هـ/ 644 - 656 م) جمع القرآن الكريم في مصحف في العام الرابع والعشرين
- أو أوائل العام الخامس والعشرين من الهجرة - ثم كتب منه سبعة مصاحف (3)،
وبعث بواحد منها إلى كل من مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة،
وحبس بالمدينة واحداً (4).
____________
(1) قدم المؤلف أكثر من ستة عشر دليلاً على جمع القرآن كاملاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (أنظر: محمد
بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الأول - في بلاد العرب - الرياض
1980 ص 21 - 26).
(2) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 59 - 60، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 233
- 234، 239، كتاب المصاحف ص 5 - 10، 20، محمد أبو زهرة: القرآن ص 30 - 31،
ابن كثير: فضائل القرآن ص 14 - 16، تفسير الطبري 1 / 59 - 62، تفسير القرطبي 1 / 49
- 50، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 112، مقدمتان في علوم القرآن ص 17 - 21.
(3) اختلف العلماء في عدد المصاحف، فمن قائل: إنها أربعة، بعت بها الخليفة إلى الكوفة والبصرة
والشام، وترك واحداً بالمدينة، ومن قائل إنها خمسة، ومن قائل إنها سبعة (الإتقان 1 / 62،
البرهان 2 / 240).
(4) أنظر: كتاب المصاحف ص 34، وانظر: محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 26 - 32.
هذا ويذهب العلماء إلى أن الفرق بين جمع أبي بكر، وجمع عثمان، أن
الأول إنما كان جمعاً للقرآن وكتابته في مصحف واحد، مرتب الآيات على ما
وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، خشية أن يذهب من القرآن شئ، بسبب موت كثير من
الحفاظ في موقعة اليمامة.
وأما جمع عثمان فكان عبارة عن نسخ عدة نسخ من المصحف الذي جمع
في عهد أبي بكر، لترسل إلى البلاد الإسلامية وأن السبب في ذلك إنما هو
اختلاف بعض القراء في قراءة آيات من القرآن الكريم، وهكذا فإن الخليفة
سرعان ما أرسل في طلب المصحف الذي عند حفصة، وأمر زيد بن ثابت،
وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن هشام، أن ينسخوها
في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية
القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم، ففعلوا ذلك حتى
كتبت المصاحف (1).
ويروى أن هناك خلافاً قد حدث على كتابة كلمة التابوت التي جاءت في
قول الله تعالى: * (إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم) *، أيكتبونه
بالتاء أو بالهاء، فقال زيد: إنما هوً التابوهً، وقال القرشيون الثلاثة: إنما هو
التابوت، فتراجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل
بلغتهم (2).
____________
(1) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 60 - 63 (القاهرة 1278 هـ)، الزركشي: البرهان في علوم
القرآن 1 / 230 (القاهرة 1957)، فتاوى ابن تيمية 15 / 251 - 252، 13 / 396، قارن 13 / 409
- 410 (الرياض 1382 هـ)، صحيح البخاري 6 / 225 - 227، محمد أبو زهرة: القرآن ص 44
- 46، تفسير القرطبي 1 / 52 - 62، ابن كثير: فضائل القرآن ص 18 - 19، مقدمتان في علوم
القرآن ص 51 - 52، محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم 1 / 33 - 34.
(2) تفسير القرطبي 1 / 54، البرهان 1 / 376، الإتقان 1 / 98، فضائل القرآن ص 20، دراز: مدخل
إلى القرآن الكريم ص 38 - 39، تفسير ابن كثير 1 / 445 - 446، تفسير الكشاف 1 / 293
- 294، تفسير الطبري 5 / 315 - 328.
والخلاصة من كل ما تقدم: أن القرآن الكريم كان كله مسجلاً في صحف
- وإن كانت مفرقة - وفي صدور الصحابة، قبل أن ينتقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد جمع في مصحف واحد على أيام أبي بكر
الصديق، وأن هذا المصحف قد أودع عنده، ثم عند الفاروق عمر، ثم عند
أم المؤمنين حفصة (1).
وفي عهد عثمان رضي الله عنه، نسخت منه عدة نسخ، أرسلت إلى الآفاق
الإسلامية، بمشورة من حضر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الإمام علي بن
أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - قد ارتضى هذا العمل،
وحمد أثره (2).
ومعنى كل هذا ببساطة: أن المصحف الذي كتب على أيام أبي بكر، هو
نفس المصحف الذي كتب على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفس المصحف الذي
كتب على أيام عثمان.
ومن ثم فإن كل قراءة قرآنية يجب أن تكون متفقة مع نصه، وأن الشك فيه
كفر، وأن الزيادة عليه أبداً لا تجوز، وأنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة
- إن شاء الله تعالى (3) -.
ومن ثم فلا يتوقف أحد في تكفير من ينكر كلمة واحدة من القرآن، وأن
____________
(1) كتاب المصاحف ص 5، مقدمتان في علوم القرآن ص 23، البرهان 1 / 59.
(2) هناك رواية تنسب فضل السبق في جمع القرآن الكريم إلى الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله
عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إذ يروي أشعث عن ابن سيرين: أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أقسم على أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل أبو بكر
إليه بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله، إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا
لجمعة، فبايعه، ثم رجع (أنظر: الإتقان 1 / 59، كتاب المصاحف ص 10، عبد الصبور شاهين:
تاريخ القرآن ص 104 - 105، حلية الأولياء 1 / 67، شرح نهج البلاغة 6 / 40، 6 / 46 - 52،
الشيخان ص 32 - 38).
(3) محمد أبو زهرة: القرآن ص 43، تفسير القرطبي 1 / 80 - 86، فتاوى ابن تيمية 13 / 420
- 421.
جحود البعض، كجحود الكل، لأنه طعن صريح، فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم،
بضرورة الدين، واتفاق المسلمين (1).
وأما مصحف فاطمة: فهو تفسير لبعض الأحكام، وليس مصحفاً من
مصاحف القرآن، أملاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الإمام علي، قال الإمام جعفر
الصادق: عندنا مصحف فاطمة، أما والله ما فيه حرف من القرآن، ولكنه إملاء
عن رسول الله، وخط علي، قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: إن
نفي الإمام الصادق أن يكون فيه شئ من القرآن، لكون تسميته بمصحف
فاطمة، يوهم أنه أحد نسخ المصحف الشريف، فنفي هذا الاتهام.
وفي كتاب الكافي أن الخليفة العباسي المنصور كتب يسأل فقهاء أهل
المدينة عن مسألة في الزكاة، فما أجابه أحد غير الإمام جعفر الصادق، ولما
سئل من أين أخذ هذا؟ قال: من كتاب فاطمة.
وهكذا يبدو واضحاً أن مصحف فاطمة إنما هو كتاب مستقل، وليس
بقرآن، فنسبة التحريف إلى الإمامية، على أساس قولهم بمصحف فاطمة، جهل
وافتراء (2).
____________
(1) قالت قلة نادرة شاذة في العصور البائدة: إن في القرآن نقصاً، وقد أنكر عليهم يومذاك
المحققون، وشيوخ الإسلام من السنة والشيعة، وجزموا بكلمة قاطعة: أن ما بين الدفتين هو
القرآن المنزل، دون زيادة أو نقصان، واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين،
وعقيدة لجميع المسلمين، إذ لا قائل بالنقص أبداً من السنة أو الشيعة (صحيح البخاري 8 / 209
- 210، 9 / 86، صحيح مسلم 11 / 191 - 192، الإتقان 1 / 60، 2 / 25 (ط حجازي)،
أبو زهرة: الإمام الصادق ص 36، الإمام زيد ص 245، محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان
ص 57 - 62).
(2) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة 1 / 248، محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 61.
الباب الثاني
التشيع: بدايته وأصوله
(1) التشيع: أسبابه وبدايته
الشيعة لغة: هم الصحب والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين
من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه، رضي الله عنهم (1).
والشيعة: كلمة مفردة جمعها أشياع وشيع، وفي القاموس المحيط:
وشيعة الرجل (بالكسر): أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد
والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى
علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً (2).
والشيعة: كلمة قرآنية، قال تعالى: * (وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه
بقلب سليم) * (3)، وقال تعالى: * (ودخل المدينة على حين غفلة فوجد فيها
رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه) * (4) وقال تعالى: * (إن الذين فرقوا
دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ) * (5).
والتشيع للإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه، ورضي الله عنه -
____________
(1) مقدمة ابن خلدون ص 196 (بيروت 1981).
(2) القاموس المحيط 3 / 49 (القاهرة 1952).
(3) سورة الصافات: آية 83 - 84.
(4) سورة القصص: آية 15.
(5) سورة الأنعام: آية 159.
مكانة للفوز تقررت بالسنة، روى السيوطي عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند
النبي فأقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم
الفائزون يوم القيامة.
وعن ابن عباس قال: لما نزلت * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) *،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين (1).
وروى الهيثمي بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: أنت وشيعتك تردون
على الحوض رواة مرويين، مبيضة وجوهكم، وإن أعداءك يردون على الحوض
ظلماء مقمحين (2)، وفي رواية المناوي: يا علي أنت وشيعتك تردون على
الحوض وروداً (3).
وروى الحافظ أبو نعيم بسنده عن الشعبي عن علي قال، قال لي
النبي صلى الله عليه وسلم: إنك وشيعتك في الجنة (4).
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عمرو بن موسى عن زيد بن
علي بن حسين عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال: شكوت إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسد الناس إياي فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من
يدخل الجنة، أنا وأنت والحسن والحسين، و أزواجنا عن أيماننا وعن شمائلنا،
وذرارينا خلف أزواجنا، وشيعتنا من ورائنا (5).
____________
(1) أنظر: عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص 32 (القاهرة 1977).
(2) مجمع الزوائد 9 / 131 (ط مكتبة القدسي - القاهرة 1352 هـ).
(3) المناوي: كنوز الحقائق (ط إسلامبول 1285 هـ).
(4) أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 4 / 329 (ط دار الفكر - بيروت).
(5) الإمام أحمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة 2 / 624 (رقم 1068) - (تحقيق وصي الله بن
محمد بن عباس - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة - 1983) -، وانظر: كنز العمال للمتقي
الهندي 2 / 218 (حيدر أباد الدكن 1312 هـ)، ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 246
(بيروت 1983)، المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة 2 / 277 - 278 (طنطا
1953)، محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 2 / 308 - 309 (بيروت 1990)،
=>
هذا ويخصص المسلمون الشيعة بأنهم هم التابعون والمقتدون
والمتميزون بأتباعهم واقتدائهم الكامل بالإمام علي والأئمة من بنيه، رضوان الله
عليهم أجمعين.
وربما كان تعريف ابن حزم للشيعة جامعاً مانعاً فهو يقول: من وافق
الشيعة في أن علياً أفضل الخلق، بعد رسول الله، وأحقهم بالإمامة، وولده من
بعده، فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون، فإن
خالفهم فيما ذكرنا، فليس شيعياً (1).
فالشيعة إذن هم الذين شايعوا علياً، رضي الله عنه، على الخصوص،
وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية - إما جلياً وإما خفياً - واعتقدوا أن الإمامة لا
تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده،
وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام
بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل عليهم
السلام، إغفاله وإهماله، ولا تفويضه للعامة وإرساله.
ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء
والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً
وعقداً، إلا في حالة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك (2).
ومن ثم فهم يفترقون عن غيرهم في القول: أن الإمام يتعين بالنص من
النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لنبي إغفال النص على خليفته، وتفويض الأمر إلى اختيار
____________
<=
ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول - القاهرة 1379 هـ.
(1) عبد الحليم الجندي: المرجع السابق ص 32، هذا ويقول ابن حزم: اختلف المسلمون فيمن هو
أفضل الناس بعد الأنبياء، عليهم السلام فذهب بعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة
وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، وقد روينا هذا القول
نصاً عن بعض الصحابة، رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين و الفقهاء (الفصل في الملل
والأهواء والنحل 4 / 128).
(2) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 146 - 147 (القاهرة 1968).
الأمة، وأن يكون الإمام معصوماً عن الكبائر والصغائر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد نص
بالخلافة على علي بن أبي طالب، دون سواه، وأنه أفضل الأصحاب على
الإطلاق (1).
ثم إن الشيعة يختلفون في مساق الخلافة بعد الإمام علي - رضي الله عنه،
وكرم الله وجهه في الجنة - فالإمامية تسوفها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحداً
بعد واحد، والزيدية تسوقها في ولد فاطمة، لكن بالاختيار من الشيوخ، وشرط
الإمام عندهم أن يكون عالماً زاهداً، جواداً شجاعاً.
والإمامية تسوق الإمامة من الإمام علي بالوصية إلى ولده الحسن
(3 - 50 هـ) ثم إلى أخيه الحسين (4 - 61 هـ) ثم إلى ولده علي زين العابدين
(38 - 95 هـ) ثم إلى ولده محمد الباقر (57 - 114 هـ) ثم إلى ولده جعفر
الصادق (83 - 148 هـ) ثم إلى ولده موسى الكاظم (128 - 183 هـ) ثم إلى
ولده علي الرضا (148 - 203 هـ) ثم إلى ولده محمد الجواد (195 - 220 هـ)،
ثم إلى ولده علي الهادي (212 - 254 هـ) ثم إلى ولده الحسن العسكري
(232 - 260 هـ) ثم إلى ولده الإمام الغائب، وهو المهدي المنتظر (2).
على أن النظام (3) من المعتزلة إنما يقول: لا إمامة إلا بالنص والتعيين
ظاهراً مكشوفاً، وقد نص النبي عليه الصلاة والسلام، على علي، رضي الله عنه
____________
(1) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 12 - 13. (بيروت 1981).
(2) الباقوري: مع القرآن ص 40 - 41 (القاهرة 1970).
(3) النظام: هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار، المعروف بالنظام، وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف
شيخ المعتزلة (ت 226 أو 235، أو 237 هـ) ومنه أخذ النظام الاعتزال، وهو شيخ الجاحظ،
وكان من صغره يتوقد ذكاء، وهو الذي قرر مذهب الفلاسفة في القدر، فتبعه خلق، وقد توفي
فيما بين عامي 321، 323 هـ(أنظر طبقات المعتزلة ص 49 - 52، النجوم الزاهرة 2 / 234،
العبر 1 / 315، 456، اعتقادات فرق المسلمين ص 41، أو 220، 230 (835، 845 م)، وله
عدة مؤلفات، أشهرها كتاب التوحيد، وكتاب النكت، وكتاب العالم، التنبيه ص 43 - 44، فؤاد
سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول 4 / 68 - 69.
في مواضع، وأظهره إظهاراً لم يشتبه على الجماعة، إلا أن عمر كتم ذلك، وهو
الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة (1).
وعلى أية حال، فإن مصطلح شيعة (2)، قد ورد في الأحاديث النبوية
الشريفة - كما رأينا من قبل - ولكنه لم يرد في المصادر التاريخية، ربما قبل
موقعة الجمل (36 هـ/ 656 م)، حيث قيل شيعته من همدان (3)، ثم ترد بعد
ذلك في صحيفة التحكيم (37 هـ)، وترد كلمة الشيعة هنا بمعنى
الأنصار (4).
هذا ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن الشيعة إنما هي أقدم المذاهب
الإسلامية، وقد ظهروا بمذهبهم في آخر عصر عثمان، ونما وترعرع في خلافة
علي، إذ كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه، وقوة دينه وعلمه (5)، على
أن وجهاً ثانياً للنظر إنما يذهب إلى أن مذهب التشيع قد ظهر يوم وقعة الجمل،
بينما تأخر به البعض إلى ظهور الخوارج، وأما الدكتور طه حسين، فالرأي عنده
أن فرقة الشيعة قد أصبحت حزباً سياسياً منظماً لعلي وبنيه في عهد الحسن بن
علي (6).
____________
(1) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 57.
(2) أنظر عن الشيعة (الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 5 - 75، الاسفراييني، التبصر في الدين
ص 16 - 26، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 146 - 198، علي مصطفى الغرابي: تاريخ
الفرق الإسلامية ص 285 - 296 (القاهرة 1959)، مقدمة ابن خلدون ص 196 - 202،
البغدادي: الفرق بين الفرق ص 21 - 72 (دار المعرفة - بيروت)، فتاوي ابن تيمية 1 / 55، 756
121، 373، 14 / 361، 15 / 431، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 5 / 20 - 29
(القاهرة 1964)، القلهاتي: الكشف والبيان 2 / 437 - 456 (عمان 1980)، الشيخ المفيد:
أوائل المقالات في المذاهب والمختارات (تبريز 1371 هـ)، محمد جواد مغنية: الشيعة في
الميزان (دار التعاون - بيروت)، الكيني: الأصول من الكافي (طهران 1381 هـ).
(3) المسعودي: مروج الذهب 2 / 377.
(4) نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين ص 504 (القاهرة 1981).
(5) محمد أبو زهرة: المذاهب الإسلامية ص 51.
(6) طه حسين: علي وبنوه ص 189 - 190 (القاهرة 1982).
وهكذا لم يتفق الباحثون على نقطة بدء تاريخية بشأن نشأة التشيع، بمثل
ما اتفقوا بالنسبة لسائر الفرق كالخوارج والمعتزلة والأشاعرة مثلاً، ويتفاوت
اختلاف الباحثين في بدء التأريخ للشيعة حتى يمتد اختلافهم إلى فترة تصل إلى
نصف القرن أو تزيد، فيما بين انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى، واستشهاد
سبطه العظيم مولانا الإمام الحسن (11 - 61 هـ)، فنتلمس سير الأحداث وصلتها
بالتشيع إبان تلك الفترة (1)، ومن ثم فقد وجدت عندنا عدة اتجاهات:
أولاً: منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم:
تذهب المصادر الإمامية إلى أن الشيعة إنما ظهرت على أيام سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول سعد القمي (ت 301 هـ): فأول الفرق الشيعة، وهي
فرقة علي بن أبي طالب، المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده،
معرفون بانقطاعهم إليه، والقول بإمامته، وكان على رأسهم المقداد بن الأسود،
وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وهم أول من سموا باسم
التشيع من هذه الأمة (2). هذا ويفسر الرازي في الزينة كلمة الشيعة بقوله: إن اللفظة اختصت
بجماعة ألفوا على حياة الرسول، وعرفوا به، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر
والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر (3)، ويسميهم الشيخ المفيد الأركان
الأربعة (4)، وفيهم يقول صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم،
قيل يا رسول الله سمهم لنا، قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثاً، وأبو ذر
والمقداد وسلمان (5).
____________
(1) أحمد صبحي: الزيدية ص 6 - 7 (الإسكندري 1980).
(2) سعد القمي: المقالات والفرق ص 15 (طهران 1963)، النوبختي: فرق الشيعة ص 15.
(3) الرازي: الزينة - الورقة 205، نبيلة عبد المنعم داود نشأة الشيعة الإمامية ص 65 (بغداد
1968).
(4) الشيخ المفيد: الإختصاص ص 3 (طهران 1379 هـ).
(5) صحيح الترمذي 2 / 299. وانظر: صحيح ابن ماجة ص 14، حلية الأولياء 1 / 190، مجمع
=>
وروى أبو نعيم في حليته (1) بسنده عن أبي بريدة عن أبيه، رضي الله
تعالى عنهم، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل علي الروح الأمين فحدثني أن الله
تعالى يحب أربعة من أصحابي، فقال له من حضر: من هم يا رسول الله؟
فقال: علي وسلمان وأبو ذر والمقداد، وعن أنس بن مالك، رضي الله تعالى
عنه، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ; اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقداد
وعمار وسلمان (2).
وفي نور الأبصار: أخرج الترمذي والحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الجنة
لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان (3).
هذا وترد في بعض التفاسير الإمامية كلمة شيعة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم،
فيذكر فرات في تفسيره في سورة الفاتحة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: * (صراط
الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) *، هم شيعة علي الذين
أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب، لم تغضب عليهم، ولم يضلوا (4)،
كما أورد الشيخ الصدوق عدة أحاديث يذكر فيها أن الشيعة كانت على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه بشرهم بالجنة (5).
وروى الإمام الطبري في تفسيره بسنده عن أبي الجارود عن محمد بن
____________
<=
الزوائد للهيثمي 9 / 155، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 10 / 286، ابن عبد البر:
الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 280، 2 / 557، نور الأبصار للشبلنجي ص 78 د ابن حجر
الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 188.
(1) حلية الأولياء 1 / 190.
(2) حلية الأولياء 1 / 190.
(3) سيد الشبلنجي: نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ص 80 (مكتبة الجمهورية العربية
- القاهرة)، ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 193.
(4) فرات بن إبراهيم الكوفي: تفسير فرات ص 2 (النجف).
(5) الشيخ الصدوق: فضائل الشيعة ص 143 - 146 (طبع ضمن كتاب علي والشيعة لنجم الدين
العسكري)، نبيلة عبد المنعم داوود: المرجع السابق ص 65، الفيروزآبادي: فضائل الخمسة
من الصحاح الستة 1 / 277 - 278، 2 / 93 - 95 (بيروت 1973).
علي في قوله تعالى: * (أولئك هم خير البرية) * (1)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت يا
علي وشيعتك (2).
وروى السيوطي في الدر المنثور في ذلك تفسير قوله تعالى: * (إن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * (3)، قال: وأخرج ابن عساكر عن
جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل علي عليه السلام، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعة لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، فكان أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أقبل علي عليه السلام، قالوا: جاء خير البرية.
وقال: وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت * (إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) *، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت
وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.
وقال وأخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ألم تسمع قول الله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية؟
أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب، تدعون
غير محجلين (4).
ويقول ابن حجر الهيثمي في صواعقه: الآية الحادية عشرة، قوله تعالى:
* (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) *، أخرج الحافظ
جمال الذين الذرندي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن هذه الآية لما نزلت
قال صلى الله عليه وسلم، لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين
____________
(1) سورة البينة: آية 7.
(2) تفسير الطبري 30 / 171 (ط بولاق 1323 هـ).
(3) سورة البينة: آية 7.
(4) فضائل الخمسة 1 / 277 - 278، 2 / 93 - 95.
مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين، قال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك
ولعنك، وخير السابقين إلى ظل العرش يوم القيامة طوبى لهم، قيل: ومن هم
يا رسول الله؟ قال: شيعتك يا علي ومحبوك (1).
وفي نور الأبصار عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال، لعلي: أنت
وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً
مقمحين (2).
وانطلاقاً من كل هذا، فإن التشيع للإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله
وجهه في الجنة - إنما بدأ منذ أيام سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكان صلى الله عليه وسلم، من أول المنوهين بفكرة التشيع والمغذين إياها بأوامره المطاعة (3)،
كقوله لعلي: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، وفي صحيح مسلم
بسنده عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر قال، قال علي: والذي فلق الحبة
وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني
إلا منافق (4).
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مسار الحميري عن أمه عن أم
سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لعلي: لا يحبك إلا مؤمن، ولا
يبغضك إلا منافق (5)، وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن أبي إسحاق
عن عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول الله
____________
(1) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة 246 - 247 (بيروت 1983).
(2) نور الأبصار ص 78.
(3) محمد حسين الزين: الشيعة في التاريخ ص 25 (صيدا 1938).
(4) صحيح مسلم 2 / 64 (بيروت 1981)، أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 650 (ط جامعة
أم القرى - 1983).
(5) فضائل الصحابة 2 / 648.
فيكم، قلت: معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها، قالت: سمعت
رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: من سب علياً فقد سبني (1).
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد بسنده عن أم سلمة قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا
على الحوض (قال رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورواه أيضاً ابن حجر
في صواعقه) (2). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تبين فضل الإمام
علي، وتحبب الناس فيه، وتبغض إليهم كراهيته - الأمر الذي سنفصله في
الحديث عن أدلة إمام الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة -.
هذا وترى الشيعة أن الرسول، صلى الله عليه وسلم عندما حج حجة الوداع، دعا الناس
إلى مؤازرة علي، وقال: من كنت مولاة فعلي مولاه، اللهم وال من والاه،
وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله، وحديث الغدير هذا رواه
جمهرة من المؤرخين والمحدثين بعدة روايات مختلفة، وبأسانيد مختلفة (3)،
ذكرناها في أدلة إمام الإمام علي، وتفسر المصادر الإمامية حديث من كنت
مولاه بأن كلمة مولى تعني أن يكون أولى بهم من أنفسهم، لا أمره لهم معه،
ولما كانت معنى الموالاة الطاعة و المتابعة، فإن كل من حضر الغدير شيعة
لعلي، وهكذا تستدل الإمامية على أن التشيع لعلي إنما بدأ منذ أيام
النبي صلى الله عليه وسلم (4).
____________
(1) فضائل الصحابة 2 / 594.
(2) مجمع الزوائد 9 / 134، الصواعق المحرقة ص 191.
(3) أخرج حديث الغدير، الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم، وأخرجه الإمام أحمد عن علي
وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن أرقم وعمر وذي مر، وأخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة،
وأخرجه الطبراني عن ابن عمر ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة، وجرير وسعد بن أبي
وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس، وأخرجه البراز عن ابن عباس وعمارة وبريدة (أنظر
السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169)، وانظر الروايات المختلفة لهذا الحديث الشريف في هذه
الدراسة ص، فضائل الخمسة 1 / 349 - 384.
(4) محمد حسين الزين: الشيعة في التاريخ ص 26، نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق.
ص 65 - 66.
هذا وقد ظهر التشيع في أشعار الصحابة، ومن ذلك ما جاء في كتاب
الغدير من أن حسان بن ثابت قال للنبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن أعلن قوله من كنت
مولاه فعلي مولاه، إئذن لي يا رسول الله، أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قل على بركة الله، فقال حسان: يا معشر مشيخة قريش، اتبعها
قولي بشهادة من رسول الله في الولاية:
يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا
وقد جاء جبريل عن أمر ربه * بأنك معصوم فلا تك وانيا
وبلغهم ما أنزل الله ربهم * إليك ولا تخش هناك الأعاديا
فقام به إذ ذاك رافع كفه * بكف على معلن الصوت عاليا
فقال فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك تعاليا
إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا
فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى علياً معاديا
فيا رب انصر ناصريه لنصرهم * إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا (1)
وقال خزيمة بن ثابت، ذو الشهادتين، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن
وجدناه أولى الناس بالناس إنه * أطب قريش بالكتاب والسنن
وإن قريشاً لا تشق غباره * إذا ما جرى يوماً على الضمر البدن
وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن
وأول من صلى من الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذو المنن
وصاحب كبش القوم في كل وقعة * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن
____________
(1) الشيخ الأميني: كتاب الغدير 1 / 11، 2 / 39 وانظر: محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان
ص 20.
فذاك الذي تثني الخناصر باسمه * أمامهم حتى أغيب في الكفن (1)
وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب:
وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه
وصي رسول الله حقاً وجاره * وأول من صلى ولان جانبه
وقال الصحابي جرير بن عبد الله البجلي:
فصلى الإله على أحمد * رسول المليك تمام النعم
وصلى على الطهر من بعده * خليفتنا القائم المدعم
علياً عنيت وصي النبي * يجالد عنه غواث الأمم
وقال عبد الرحمن بن حنبل:
لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا
عفيفاً عن الفحشاء أبيض ماجداً * صدوقاً وللجبار قدماً مصدقا
أبا حسن فارضوا وتبايعوا * فليس كمن فيه لذي العيب منطقا
علي وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي العرش واتقى (2)
ويقول الأستاذ جواد مغنية: والحقيقة أن تاريخ التشيع إنما يقترن بتاريخ
نص النبي صلى الله عليه وسلم على الإمام علي بالخلافة، وقد كان جماعة من الصحابة يرون أن
علياً أفضل أصحاب الرسول على الإطلاق، ذكر ذلك ابن أبي الحديد
المعتزلي، وعد منهم عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبا ذر، وسلمان
الفارسي، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة بن اليمان وبريدة،
وأبا أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبا الهيثم بن
التيهان، وأبا الطفيل والبراء بن عازب وعبادة بن الصامت، وجميع بني هاشم (3).
____________
(1) أنظر: العيون والمحاسن 2 / 67، الشيعة في الميزان ص 20 - 21.
(2) الشيخ الأميني: كتاب الغدير 1 / 11، 2 / 39، محمد مغنية: الشيعة في الميزان ص 20، 21.
(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 / 219 - 220 (دار الفكر - بيروت 1979)، محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 17.
وفي الإستيعاب: وروى عن سلمان وأبي ذر والمقداد وحباب وجابر
وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم، أن علي بن أبي طالب أول من أسلم،
وفضله هؤلاء على غيره (1).
وقال محمد كرد علي في خطط الشام: عرف جماعة من كبار الصحابة
بموالاة علي في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل سلمان الفارسي، القائل: بايعنا
رسول الله على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب، والموالاة له،
ومثل أبي سعيد الخدري القائل: أمر الناس بخمس، فعلموا بأربع، وتركوا
واحدة، ولما سئل عن الأربع قال: الصلاة والزكاة والصوم والحج، قيل فما
الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإنها لمفروضة
معهن؟ قال نعم هي مفروضة معهن، ومثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر،
وحذيفة بن اليمان وذي الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد،
وقيس بن سعد. وأما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن التشيع من بدعة
عبد الله بن سبأ، فهو وهم، وقلة معرفة بحقيقة مذهبهم، ومن علم منزلة هذا
الرجل عند الشيعة، وبراءتهم منه، ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في
الطعن فيه بلا خلاف، يفهم علم مبلغ هذا القول من الصواب، ومحمد كرد
علي، كما يقول الأستاذ مغنية، ليس من الشيعة، ولا من أنصارهم، غير أنه رأى
أن من الأمانة إبداء هذه الحقيقة (2).
على أن السيد محسن الأمين إنما يرى أن الشيعة في هذا الدور، إنما كان
يطلق عليهم اسم الشيعة، واسم العلويين، ثم اختفى اسم العلويين في عهد
العباسيين، وفي كتاب الزينة لأبي حاتم السجستاني أن لفظ الشيعة على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان لقب أربعة من الصحابة هم: سلمان الفارسي وأبو ذر
____________
(1) ابن عبد البر: الإستيعاب 3 / 27.
(2) محمد جواد مغنية: المرجع السابق ص 17 - 18، محمد كرد علي: خطط الشام 5 / 251
- 256، محمد حسين المظفر: تاريخ الشيعة ص 9.
والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر (1)، ولنتعرف على هؤلاء الأربعة الكرام في
إيجاز شديد:
1 - عمار بن ياسر:
هو أبو اليقظان عمار بن ياسر، مولى أو حليف بني مخزوم، كان هو
وأبوه وأمه سمية وأخوه من السابقين إلى الإسلام، وقد احتملوا الصدمة الأولى،
وعذبوا عذاباً أليماً بأيدي السفهاء من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على
آل ياسر بالأبطح، وهم يعذبون في رمضاء مكة، فيقول صبراً آل ياسر،
موعدكم الجنة.
هذا وكان عمار محاطاً بهالة من الأحاديث النبوية الشريفة التي ترفع من
شأنه، وتعوضه عن العذاب الذي لقيه في سبيل الله، وتجعله من عظماء
المسلمين، روى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مجاهد قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، وذاك
دأب الأشقياء الفجار (2).
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عكرمة، أن ابن عباس قال له
ولعلي بن عبد الله: إئتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه، فأتيناه، وهو وأخوه في حائط
لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة
لبنة، وكان عمار (3) ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح عن رأسه
____________
(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 102.
(2) فضائل الصحابة 2 / 858، كنز العمال 11 / 724.
(3) هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن
حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب المذحجي ثم العنسي،
وكان أبوه ياسر قدم مكة هو وأخوان له هما الحارث ومالك في طلب أخ لهما رابع، فرجع
الحارث ومالك إلى اليمن، وبقي ياسر، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وتزوج أمته
سمية، فولدت له عماراً فأعتقه أبو حذيفة، وصار عمار مولى لبني مخزوم، فهو عرني قحطاني
مذحجي من عنس (ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 129 - 130)، وأما أهم مصادر ترجمة عمار فهي
(الإصابة 2 / 512 - 513، الإستيعاب 2 / 476 - 481، أسد الغابة 4 / 129 - 135، طبقات
=>
الغبار، وقال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى
النار (1).
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من
هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار، حين جعل يحفر الخندق، وجعل
يسمح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية، تقتله فئة باغية (2)، وعن سعيد بن
أبي الحسن عن أمه عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار: تقتلك الفئة
الباغية (3).
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن علي قال: كنت جالساً عند
النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عمار فاستأذن فقال: إئذنوا له، مرحباً بالطيب المطيب
(ورواه أحمد في المسند 1 / 99 - 100، والترمذي 5 / 668، والحاكم في
المستدرك 3 / 388) (4)، وعن الأعمش عن أبي عمار الهمداني عن عمرو بن
شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من يعادي عماراً يعاده الله، ومن يبغضه
يبغضه الله، ومن يسبه يسبه الله، قال سلمة هذا أو نحوه (4).
وروى الإمام أحمد في فضائل بسنده عن الحسن قال: قال عمرو بن
العاص ما كنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات وهو يحب رجلاً فيدخله النار، فقيل
له قد كان يستعملك، فقال: الله أعلم، أحبي، أم تألفني، ولكنه كان يحب
رجلاً، فقالوا من هو؟ قال: عمار بن ياسر، قيل له: ذاك قتيلكم يوم صفين،
قال: قد والله قتلناه (5).
____________
<=
ابن سعد 3 / 176 - 189، حلية الأولياء 1 / 139 - 143، فضائل الصحابة للإمام ابن حنبل
2 / 857 - 861، نهج البلاغة 10 / 102 - 107، 9 / 11، مغازي الواقدي 3 / 881 - 882.
وانظر ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 858، وانظر: كنز العمال 11 / 724.
(1) صحيح البخاري 4 / 25 (ط دار الحديث - القاهرة).
(2) صحيح مسلم 18 / 39 - 40 (دار الكتب العلمية - بيروت 1981).
(3) صحيح مسلم 18 / 41.
(4) فضائل الصحابة 2 / 858 (ورواه أبو نعيم في الحلية 7 / 135، والطيالسي 2 / 152، والذهبي في
سير النبلاء 3 / 174).
(5) فضائل الصحابة 2 / 858 - 859 (ورواه النسائي في سننه 8 / 111، والحاكم في المستدرك
=>
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن
عطاء بن يسار عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خير عمار بين أمرين،
إلا اختار أرشدهما (1)، وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا
اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق (2).
وعن عمار الذهبي عن سالم بن أبي الجعد، قال: جاء رجل إلى
عبد الله بن مسعود فقال: إن الله قد أمننا أن يظلمنا، ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت
إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله، قلت أرأيت إن جاء قوم
كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف
الناس كان ابن سمية مع الحق، وروى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص حديثاً
في ذكر عمار، وأنه مع فرقة الحق (3).
وروى ابن الأثير بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يا
عمار، تقتلك الفئة الباغية (4).
وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن عمرو بن ميمون قال: أحرق
المشركون عمار بن ياسر بالنار، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمر به ويمر على
رأسه فيقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار، كما كنت على إبراهيم،
تقتلك الفئة الباغية (5).
____________
<=
3 / 392، وابن ماجة 1 / 52، وأبو نعيم في الحلية 1 / 139).
(1) فضائل الصحابة 2 / 860، (وفي مسند الإمام أحمد 4 / 90، والطيالسي 2 / 152، والحاكم في
المستدرك 3 / 389 - 390).
(2) فضائل الصحابة 2 / 861 (وأخرجه ابن سعد في طبقاته 3 / 188، والذهبي في سير النبلاء
3 / 175، وأحمد في المسند 4 / 199، وأحمد بن منيع في مسنده (المطالب العالية 4 / 106).
(3) أسد الغابة 4 / 133 (وفي تحفة الأحوذي 10 / 299 (رقم 3886) وابن ماجة 1 / 52 (رقم 148).
(4) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 133 (دار الشعب - القاهرة 1970)، تحفة الأحوذي 10 / 300
- 301، وقال الترمذي: وفي الباب عن أم سلمة وعبد الله بن عمرو، وأبي اليسر وحذيفة بن
اليمان.
(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى 33 / 177 (دار التحرير - القاهرة 1969).
وروى ابن سعد في طبقات بسنده عن هنى مولى عمر بن الخطاب قال:
كنت أول شئ مع معاوية، فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل
عماراً أبداً، إن قتلناه فنحن كما يقولون، فلما كان يوم صفين ذهبت أنظر في
القتلى، فإذا عمار بن ياسر مقتول، فقال هنى: فجئت إلى عمرو بن العاص،
وهو على سريره، فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء، قلت أنظر أكلمك، فقام
إلي فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتلك الفئة
الباغية، قلت هوذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصر عيني به مقتول،
قال: فانطلق فأرنيه، فذهبت به فأوقفته عليه، فساعة رآه انتقع لونه، ثم أعرض
في شق، وقال: إنما قتله الذي خرج به (1).
وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن أم سلمة قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية، قال عوف (راوي الحديث): ولا
أحسبه إلا قال: وقاتله في النار (2).
وقال الإمام علي حين قتل عمار: إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل
ابن ياسر، وتدخل به عليه المصيبة الموجهة لغير رشيد، رحم الله عماراً يوم
أسلم، ورحم الله عماراً يوم قتل، ورحم الله عماراً يوم يبعث حياً، لقد رأيت
عماراً، وما يذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعة إلا كان عمار رابعاً، ولا
خمسة إلا كان خامساً، وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشك
أن عماراً قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئاً لعمار بالجنة،
ولقد قيل إن عماراً مع الحق، والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار،
وقاتل عمار في النار (3).
____________
(1) طبقات ابن سعد 3 / 181.
(2) طبقات ابن سعد 3 / 180.
(3) طبقات ابن سعد 3 / 187.
وعن جابر عن ابن الزبير قال: أتى حذيفة بن اليمان رهط من جهينة
فقالوا: يا أبا عبد الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجار من أن تصطلي أمته فأجير من
ذلك، واستجار من أن يذوق بعضها بأس بعض، فمنع من ذلك، قال حذيفة:
إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط، إلا اختار
أرشدها - يعني عماراً - فالزموا سمته (1).
وكان عمار محباً لآل البيت، ومن الذين أكرمهم الله بمعرفة الحق، فوقف
إلى جانب إمام الهدى، علي المرتضى، - كرم الله وجهه في الجنة - أقرب الناس
إلى مثل الإسلام الصحيحة، فشهد معه الجمل وصفين، حيث استشهد فيها (2).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الرأي الذي ينادي به الأستاذ الدكتور
علي الوردي، على أن عمار ياسر، إنما شوه أعداؤه صورته، فصوروه في
صورة شخص سئ دعوه عبد الله بن سبأ، وها هي الأدلة - كما أوردها
الدكتور الشيبي -.
لعل من غرائب التاريخ أن نرى أن كثيراً من الأمور التي تنسب إلى ابن
سبأ موجودة في سيرة عمار بن ياسر، على وجه من الوجوه:
1 - كان ابن سبأ يعرف بابن السوداء، وكان عمار يكنى بابن السوداء أيضاً.
2 - كان من أب يماني، وهذا يعني أنه كان من أبناء سبأ، فكل يماني يصح أن
يقال عنه: إنه ابن سبأ، فأهل اليمن كلهم ينتسبون إلى سبأ بن يشجب بن
قحطان، وفي القرآن الكريم قال الهدهد لسليمان عليه السلام إنه جاء من
____________
(1) نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين - تحقيق عبد السلام محمد هارون - القاهرة 1981 (ط
ثالثة) ص 343.
(2) محمد بيومي مهران: في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - الجزء السادس - الإمام علي بن
أبي طالب - الجزء الثاني - بيروت 1990 ص 46 - 49 (دار النهضة العربية بيروت)، نصر بن
مزاحم المنقري: المرجع السابق ص 340 - 344، تاريخ الطبري 5 / 38 - 42، ابن الأثير:
الكامل في التاريخ 3 / 308 - 311، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 291 - 297.
سبأ، ويقصد اليمين (سورة سبأ: 15، النمل: 22).
3 - كان عمار شديد الحب للإمام علي بن أبي طالب، يدعو له ويحرض الناس
على بيعته بكل سبيل.
4 - ذهب عمار، على أيام عثمان، إلى مصر، وحرض الناس حتى ضج الوالي،
وهم أن يبطش به. وقد نسب إلى ابن سبأ أنه استقر بمصر، واتخذ من
الفسطاط مركزاً لدعوته، وشرع يراسل أنصاره من هناك.
5 - نسب إلى ابن سبأ قوله: إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وأن صاحبها
الشرعي هو علي بن أبي طالب، وهذا رأي عمار، فقد سمع يصيح في
المسجد - إثر بيعة عثمان - يا معشر قريش، أما إذا أحرفتم هذا الأمر عن
بيت نبيكم هاهنا مرة، وهاهنا مرة، فما أنا بآمن عليكم من أن ينزعه الله،
فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.
6 - يعزى إلى ابن سبأ أنه عرقل مساعي الصلح بين علي وعائشة إبان معركة
البصرة، فلولاه لتم الصلح بينهما، فيما يقول الرواة، ومن يدرس تفاصيل
معركة البصرة (الجمل) يرى عماراً يقوم بدور فعال فيها، فهو الذي ذهب
- مع الإمام الحسن ومالك الأشتر - إلى الكوفة، يحرض الناس على
الانتماء إلى جيش الإمام علي، وكان وقوف عمار بجانب الإمام علي إنما
كان سبباً من أسباب ندم الزبير وخروجه من المعركة.
7 - قالوا عن ابن سبأ، أنه الذي حرك أبا ذر في دعوته الاشتراكية، ولو
درسنا صلة عمار بأبي ذر، لوجدناها جداً وثيقة، فكلاهما من مدرسة
الإمام علي بن أبي طالب، وكان هؤلاء الثلاثة كثيراً ما يجتمعون معاً،
ويتشاورون ويتعاونون معاً.
ونستخلص من هذا أن ابن سبأ إنما هو عمار بن ياسر، فلقد كانت
قريش تعتبر عماراً رأس الثورة على عثمان، ولكنها لم ترد - في أول الأمر - أن
تصرح باسمه، فرمزت عنه بابن السوداء أو ابن سبأ، وتناقل الرواة هذا الأمر
غافلين، وهم لا يعرفون ماذا كان يجري وراء الستار (1).
ويقول الدكتور الشيبي: إن هذه الأدلة مقنعة ومنطقية، ولكنها في حاجة
إلى نصوص تسند تسمية عمار بن ياسر بابن السوداء، وابن سبأ، فأما كون
عمار بن ياسر ابن السوداء فقد ورد في نص رواه علي بن إبراهيم القمي،
صاحب التفسير الشيعي القديم في قوله تعالى: * (يمنون عليك أن أسلموا) * (2)،
قال: نزلت في عثكن بن معاوية يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار يحفر
الخندق، وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثكن كمه على أنفه ومر، فقال
عمار:
لا يستوي من يبتني المساجدا * يظل فيها راكعاً وساجدا
ومن يمر بالغبار حايدا * يعرض عنه جاحداً معاندا
فالتفت إليه عثكن فقال: يا ابن السوداء، إياي تعني، ثم أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: لم ندخل معك لسب أعراضنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل عز وجل * (يمنون عليك أن أسلموا) * (1).
وفي تاريخ اليعقوبي (2 / 171): أقام ابن مسعود مغاضباً العثمان حتى
توفي، وصلى عليه عمار بن ياسر، وكان عثمان غائباً فستر أمره، فلما انصرف
رأى عثمان القبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود، قال:
فكيف دفن قبل أن أعلم، فقالوا: ولى أمره عمار بن ياسر، وذكر أنه أوصى ألا
يخبر به، ولم يلبث إلا يسيراً حتى مات المقداد فصلى عليه عمار، وكان أوصى
____________
(1) علي الوردي: وعاظ السلاطين - بغداد 1954 ص 274 - 278، كامل مصطفى الشيبي: الصلة
بين التصوف والتشيع 1 / 36 - 38 (بغداد 1964)، علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في
الإسلام - الجزء الثاني - نشأة التشيع وتطوره - الإسكندرية 1966 ص 27 - 31.
(2) سورة الحجرات: آية 17.
(3) سورة الحجرات: آية 17.
إليه، ولم يؤذن عثمان به، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال: ويلي على
ابن السوداء أما لقد كنت به عليماً.
وأما كونه ابن سبأ، فقد ورد نسب عمار - كما أشرنا من قبل (1) - وفي
طبقات ابن سعد - أنه هو: عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس بن
الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس،
وهو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن
سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وبنو مالك بن أدد من مذحج (2). وورد
كذلك في طرائق الحقائق، نقلاً عن الكامل في نسب عنس بن مذحج جد
عمار، كما ورد في تاريخ ابن خلدون، برواية الحاج معصوم، كما ورد نسب
عنس في فتوح البلدان على أنه زيد بن مالك بن أدد بن غريب بن زيد بن
كهلان بن سبأ، وعنس أخو مراد (3).
وأما كونه عبد الله، فكل المسلمين كذلك، وهو لقب عام لهم جميعاً،
وكانت كل الكتب التي تصدر عن الخلفاء والأمراء والتي ترد، إليهم إنما تبدأ
بعبارة من عبد الله فلان أو إلى عبد الله فلان (4)، ومن ثم فالتسمية لعمار
بهذا الاسم، كتسميته بابن سبأ، قصد بها التلميح، فكأن قائلهم يقول: فلان أو
الرجل المتفق عليه (5).
____________
(1) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 129 - 130.
(2) طبقات ابن سعد 3 / 176.
(3) طريق الحقائق 2 / 11، البلاذري: فتوح البلدان ص 113 (القاهرة 1932).
(4) أنظر أمثلة في (الإمامة والسياسة ص 12، تاريخ الطبري 9 / 210، العقد الفريد 5 / 261).
(5) يقول الدكتور الشيبي أن من طرائف ما يذكر أن التقية الشيعية اضطرت أحمد بن طاووس
الحلي (ت 6733 هـ/ 1235 - 1236 م) إلى تصنيف كتاب لم يشأ أن يقرنه باسمه، فنسبه إلى
عبد الله بن إسماعيل، وقد علق الشهيد الثاني زين الدين العاملي (المقتول
966 هـ/ 1558 / 1559 م) على ذلك بأنه فعل ذلك لأن كل العالم عباد الله، ولأنه من ولد
إسماعيل الذبيح عليه السلام، وتلك إعادة لقصة تسمية عمار باسم عبد الله بن سبأ، على صورة
شيعية (أنظر: الشيبي: المرجع السابق ص 39، روضات الجنات ص 19).
هذا ويضيف الأستاذ الدكتور الشيبي إلى ذلك دليلاً جديداً، ذلك أن
الإمام الطبري في تطرقه لحرب الجمل قد عرض لأنصار علي فيها، فكان إذا
عدهم وذكر اسم عمار في جملتهم، أغفل ذكر ابن السوداء، وإذا ذكر ابن
السوداء تحاشى اسم عمار، مما يرجح أن الرجلين إنما هما شخص واحد.
وهكذا نخرج من هذا الاستطراد بأن عمار بن ياسر، إنما كان ثائراً على
عثمان، وأنه استطاع أن يحقق ما صبا إليه من إعادة الإسلام إلى قالبه الأصيل،
وإرجاع الأمر إلى علي، بحسب وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عمار يؤمن بها،
وجلية الأمر في معارضة عمار لعثمان أنه كان يرى بأن الإسلام قد جاء لإزالة
الفروق بين الطبقات، وبمعنى آخر لنشر العدالة الاجتماعية، فضلاً عن الإصلاح
الروحي والعقلي.
وقد طبق أبو بكر وعمر خطة الرسول صلى الله عليه وسلم، فرأينا عماراً ساكتاً عن
معارضتهما - مع علي وأبي ذر وغيرهما من المتمسكين بجوهر الإسلام - وقد
أتاحت هذه العدالة والمساواة للعبيد السابقين والمستضعفين أن يرتفعوا
- بإخلاصهم وإيمانهم - إلى المراكز العليا في الإسلام، فكان سلمان أميراً على
المدائن، وعمار أمير الحرب في الكوفة، وكان غيرهما في مثل مركزهما.
هذا وقد استعمل عمر بن الخطاب عماراً على الكوفة، وكتب إلى أهلها:
أما بعد، فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله بن مسعود وزيراً ومعلماً،
وهما من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
ولما عزله عمر قال له: أساءك العزل، قال: والله لقد سائتني الولاية،
وساءني العزل (1).
ويروي ابن سعد وغيره: قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن
____________
(1) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 134.
قلت ذلك، لقد سائني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني (1).
ولما أفضت الخلافة إلى سيدنا عثمان رضوان الله عليه تنفس الملأ الملكي
القديم الصعداء، وحاولوا أن يعيدوا الأمور إلى نصابها القديم، فكانت الثورة
التي راح ضحيتها ذو النورين، ولم يفد من الملحة كلها إلا معاوية بن أبي
سفيان - وهو طليق ابن طليق، ومن المؤلفة قلوبهم هو وأبوه كذلك، والذي
كان على رأس الأحزاب ضد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم -.
وكانت مهمة عمار - ومن نحا نحوه - أن يحرسوا النظام الجديد، بإشاعة
الزهد بين المسلمين، بحيث يصبح طابعاً للدين الجديد، ويقطع الطريق على
الأغنياء والأرستقراطيين أن يهدموا الإسلام بمالهم وجاههم، ومن ثم فقد رأينا
عماراً يحتفل بالإمام علي، لأنه كان زاهداً، ويجعل الزهد زينة الأبرار، كما كان
المال زينة الملأ الملكي الذي حاربه الإسلام، وقد روى عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: يا علي، إن الله تعالى قد زينك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله
تعالى منها، هي زينة الأبرار عند الله عز وجل، الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ
من الدنيا شيئاً، ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً، ووهب لك حب المساكين، فجعلك
ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً (2)، وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل
في المسند فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب
فيك (3)، ومن ثم ما دام زعيم عمار وقدوته (أي الإمام علي بن أبي طالب،
رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة): زاهداً، فأحرى بعمار أن يكون
كذلك، فضلاً عن أنه من أهل الصفة (4)، هذا فضلاً عن أنه إنما كان السابقة
الشيعية للتقية.
____________
(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى 3 / 183، وانظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 31 - 32، تاريخ
الطبري 4 / 163 - 164.
(2) حلية الأولياء 1 / 71.
(3) نهج البلاغة 9 / 167.
(4) خطط الكوفة ص 36، كامل الشيبي: المرجع السابق 1 / 40.
ثم إن لعمار موقفاً محدداً بالنسبة لخلافة عثمان، رضي الله عنه، فقد كان
من أنصار الإمام علي، فعندما جمع عبد الرحمن بن عوف الناس في المسجد
النبوي الشريف في اليوم الثالث، قال عبد الرحمن: أيها الناس، أشيروا علي في
هذين الرجلين (عثمان وعلي)، فقال عمار بن ياسر: إن أردت ألا يختلف
الناس، فبايع علياً عليه السلام، فقال المقداد: صدق عمار، وإن بايعت علياً
سمعنا وأطعنا، فقال عبد الله بن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع
عثمان، وقال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: صدق، إن بايعت عثمان سمعنا
وأطعنا، فشتم عمار ابن أبي السرح (وهو أخو عثمان لأمه) ; وقال: متى كنت
تنصح الإسلام. فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، وقام عمار فقال: أيها الناس،
إن الله أكرمكم بنبيه صلى الله عليه وسلم، وأعزكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل
بيت نبيكم.
فلما اختار عبد الرحمن عثمان قال عمار: يا عبد الرحمن: أما والله لقد
تركته، وإنه من الذين يقضون بالحق، وبه يعدلون (1).
2 - أبو ذر الغفاري:
يقول أبو نعيم في حليته: هو العابد الزهيد، القانت الوحيد، رابع
الإسلام، ورافض الأزلام قبل نزول الشرع والأحكام، تعبد قبل الدعوة بالشهور
الأعلام، وأول من حيا الرسول بتحية الإسلام، لم يكن تأخذه في الحق لائمة
اللوام، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام، أول من تكلم في علم البقاء، وثبت
على المشقة والعناء، وحفظ العهود والوصايا، وصبر على المحن والرزايا،
واعتزل مخالطة البرايا إلى أن حل بساحة المنايا، أبو ذر الغفاري، رضي الله
عنه، خدم الرسول، وتعلم الأصول، ونبذ الفضول (2).
____________
(1) نهج البلاغة 1 / 193 - 194، وانظر: تاريخ الطبري 4 / 232 - 233، ابن الأثير: الكامل في
التاريخ 3 / 70 - 71 (حيث ينسبان العبارة الأخيرة للمقداد، وليس لعمار).
(2) حلية الأولياء 1 / 156 - 157.
هذا وقد اختلف في اسم أبي ذر، فقيل: جندب بن جنادة - وهو أكثر
وأصح ما قيل - وقيل: برير بن عبد الله، وبرير بن جنادة، وبريرة بن عشرقة،
وقيل: جندب بن عبد الله، وقيل جندب بن سكن والمشهور: جندب بن
جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار، وقيل: جندب بن
جنادة بن سفيان بن عبيد الله بن حرام، بن غفار بن قليل بن ضمرة بن بكر بن عبد
مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، وأما أمه: فهي رملة بنت الوقيعة من
بني غفار أيضاً (1).
وكان أبو ذر (2) من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام، يقال أسلم
بعد أربعة، وكان خامساً، وطبقاً لرواية الإمام مسلم في صحيحه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
قال له: إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده
لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد (الكعبة) فنادى بأعلى
صوته، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى
أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار،
وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها،
وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقده (3).
ولنقرأ قصة إسلامه - كما رواها البخاري في صحيحه بسنده عن أبي
حمزة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما - قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم،
____________
(1) أسد الغابة 6 / 99، وانظر طبقات ابن سعد 4 / 61.
(2) أنظر عن ترجمة أبي ذر الغفاري: ابن سعد: الطبقات الكبرى 4 / 161 - 175، أبو نعيم
الأصفهاني: حلية الأولياء 1 / 156 - 170، ابن الأثير: أسد الغابة 6 / 99 - 101، ابن حجر
العسقلاني: الإصابة في معرفة الصحابة 4 / 62 - 64. ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة
الأصحاب 4 / 61 - 65، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 252 - 262، الإمام ابن حنبل:
كتاب الزهد ص 145 - 150، السمهودي وفاء الوفا 3 / 1091، دائرة المعارف الإسلامية 1 / 477،
المسعودي 4 / 268 - 274، ابن حجر: تهذيب التهذيب 12 / 790 النووي: تهذيب الأسماء
ص 714.
(3) صحيح مسلم 16 / 34 (ط بيروت 1981).
قال لأخيه: إركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي
يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه، ثم
رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر،
فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة.
فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى
أدركه بعض الليل، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد
منهما صاحبه عن شئ، حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل
ذلك اليوم، ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أمسى فعاد إلى مضجعه، فمر به علي
فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما
صاحبه عن شئ، حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي مثل ذلك فأقام معه ثم
قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك، قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدنني
فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصحبت
فاتبعني، فإني رأيت شيئاً أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت
فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعلي، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم،
ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، قال:
والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى
بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قام القوم
فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون
أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد
لمثلها فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه (1).
وكان أبو ذر رضوان الله عليه زاهداً، حتى قال فيه سيدنا ومولانا وجدنا
____________
(1) صحيح البخاري 5 / 59 - 60 (دار الجيل - بيروت).
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم، وقال الإمام علي:
وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أو كي عليه فلم يخرج منه شيئاً (1).
وعن ابن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك (2)، جعل لا يزال
يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، إن يكن
فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل:
يا رسول الله، تخلف أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقوله، فتلوم (تمهل)
أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماشياً، ونظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي
على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا
رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر، يمشي
وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده (3). هذا وقد توفي أبو ذر بالربذة -
على مبعدة حوالي 5 كيلاً من المدينة - سنة إحدى وثلاثين للهجرة، أو اثنين
وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام (4).
وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر قال:
إن أبا ذر حضره الموت، وهو بالربذة، فبكت امرأته فقال: وما يبكيك؟ فقالت:
أبكي أنه لا يد لي بتغييبك، وليس عندي ثوب يسعك كفناً، فقال: لا تبكي،
____________
(1) أسد الغابة 6 / 101.
(2) أنظر عن غزوة تبوك: الواقدي: كتاب المغازي 3 / 989 - 1076 - تحقيق مارسدن جونس
(بيروت 1984)، سيرة ابن هشام 4 / 379 - 396 (تحقيق أحمد حجازي السقا)، ابن قيم
الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد - تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط 3 / 526 - 538
(بيروت 1985)، ابن كثير: السيرة النبوية 4 / 3 - 52 (القاهرة 1966)، السيرة الحلبية
3 / 99 - 133 (القاهرة 1964)، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 457 - 486
(بيروت 1990).
(3) أسد الغابة 6 / 101.
(4) أسد الغابة 6 / 101.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم، وأنا عنده في نفر يقول: ليموتن رجل منكم
بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين، قال: فكل من كان معي في
ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، فلم يبق منهم غيري، وقد أصبحت
بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول لك، فإني والله ما
كذبت ولا كذبت، قالت: وأنى ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق،
فبينا هي كذلك. إذا هي بالقوم تجد بهم راحلتهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم
حتى وقفوا عليها، قالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفونه وتؤجرون
فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا
سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا أنتم النفر، الذين قال فيكم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما قال، أبشروا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أمر أين من
المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا، فيريان النار أبداً، ثم
قال: قد أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن ثوباً من ثيابي يسعني، لم أكفن إلا
فيه، أنشدكم الله ألا يكفني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً، فكل القوم
كان نال من ذلك شيئاً، إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبك،
ثوبان في عيبتي، من غزل أمي، وأحد ثوبي هذين اللذين علي، قال: أنت
صاحبي فلفني (1).
وروى ابن الأثير في الكامل، قال أبو ذر لابنته: استشرقي يا بنية هل ترين
أحداً؟ قالت: لا، فما جاءت ساعتي بعد، ثم أمرها فذبحت شاة ثم
طبختها، ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنوني، فإنه سيشهدني قوم صالحون،
فقولي لهم: يقسم عليكم أبو ذر أن لا تركبوا حتى تأكلوا، فلما نضجت قدرها
قال لها: أنظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم هؤلاء ركب، قال: استقبلي بي
____________
(1) طبقات ابن سعد 4 / 171 - 172، وانظر روايات أخرى (4 / 173)، ابن الأثير: الكامل في
ال $ تاريخ 3 / 133.
الكعبة، ففعلت، فقال: بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مات. فخرجت
ابنيه فتلقتهم وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر، قالوا: وأين هو؟ فأشارت
إليه، قالوا: نعم ونعمة عين، لقد أكرمنا الله بذلك، وكان فيهم ابن مسعود
فبكى، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، يموت وحده، ويبعث وحده، فغسلوه
وكفنوه، وصلوا عليه ودفنوه، وقالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرأ عليكم السلام،
وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا، ففعلوا، وحملوا أهله معهم حتى
أقدموهم مكة، ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله، وقال: يرحم الله
أبا ذر، ويغفر له نزوله الربذة (1).
وفي رواية اليعقوبي: أنه لما بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال: رحم الله
أبا ذر، قال عمار: نعم، رحم الله أبا ذر من كل أنفسنا، فغلظ ذلك على
عثمان، وبلغ عثمان عن عمار كلام، فأراد أن يسيره أيضاً، فاجتمعت بنو
مخزوم إلى علي بن أبي طالب، وسألوه إعانتهم، فقال علي: لا ندع عثمان
ورأيه، فجلس عمار في بيته، وبلغ عثمان ما تكلمت به بنو مخزوم فأمسك
عنه (2).
ويذهب ابن الأثير إلى أن أبا ذر قد مات سنة إحدى وثلاثين، بينما يذهب
الإمام الطبري وابن كثير إلى أنه مات سنة اثنين وثلاثين، وفي نفس السنة مات
العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله
عنهم أجمعين (3).
وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت
____________
(1) نفس المرجع السابق 3 / 133 - 134، وانظر: تاريخ الطبري 4 / 308 - 309، ابن كثير: البداية
والنهاية 7 / 180.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 173 (بيروت 1980).
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 134، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 176 - 180، تاريخ
الطبري 4 / 308.
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من
أبي ذر (1).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت
الغبراء على ذي لهجة من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن
مريم، فلينظر إلى أبي ذر.
وعن مالك بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيكم يلقاني على الحال التي
أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت، ثم قال: ما أظلت
الخضراء، ولا أقلت الغبراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن
ينظر إلى زهد عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر (2).
وعن الإمام علي قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير
أبي ذر، ولا نفسي، ثم ضرب بيده إلى صدره (3)، وعن أبي الأسود: قال
ابن جريح ورجل، عن زاذان قالا: سئل علي عن أبي ذر فقال: وعي علماً عجز
فيه، وكان شحيحاً حريصاً، شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم، وكان يكثر
السؤال فيعطى ويمنع، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ، فلم يدروا ما
يريد بقوله: وعى علماً عجز فيه، أعجز عن كشف ما عنده من العلم؟ أم عن
طلب ما طلب من العلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم (4).
ولعل من الأهمية بمكان أن أبا ذر إنما كان ينكر على معاوية بن
أبي سفيان - عامل عثمان في الشام - وصحبه ما يفعلون، قال أبو ذر: لقد
حدثت أعمال لا أعرفها، والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله إني
لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى.
____________
(1) طبقات ابن سعد 4 / 167.
(2) طبقات ابن سعد 4 / 167 - 168.
(3) طبقات ابن سعد 4 / 170.
(4) طبقات ابن سعد 4 / 170 - 171.
وأراد معاوية أن يتلطف ويتقرب إليه، فدعاه إلى قصره، وهو قصر
ضخم، بناه معاوية في دمشق، لينافس به قصور أباطرة الرومان، وأسماه
الخضراء، فقال له أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه الأبهة من مال الله فهي
الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف (1).
فسكت معاوية على مضض، غير أن أبا ذر سرعان ما سأل: يا معاوية ما
يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ وكان معاوية، وسائر عمال عثمان
من بني أمية، يرون أنهم يتصرفون في المال بموجب حق إلهي، بما أن المال
مال الله، وهم خلفاؤه على هذا المال.
فلما سمع معاوية سؤال أبي ذر قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ألا إن كل
شئ لله، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال أبو ذر:
كأنك تريد أن تحجب هذا المال دون المسلمين، فلا تقل هذا، فقال معاوية: لا
أقول إنه ليس لله، ولكني سأقول مال المسلمين (2).
وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه، أكثر
من قوت يومه وليلته، أو شئ ينفقه في سبيل الله، أو يعده لكريم، ويأخذ
بظاهر القرآن * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله *
فبشرهم بعذاب أليم) * (3).
فكان يقوم بالشام ويقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشر الذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوي من نار تكوى بها
____________
(1) عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين 1 / 170 (ط مكتبة غريب - القاهرة 1985)، نهج
البلاغة 8 / 256.
(2) تاريخ الطبري 4 / 283، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 114، عبد الرحمن الشرقاوي: علي
إمام المتقين 1 / 170.
(3) سورة التوبة: آية 34.
جباهم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه
على الأغنياء، وشكا الناس ما يلقون منهم.
فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها فلما صلى معاوية
الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال: إذهب إلى أبي ذر فقل له: أنقذ
جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك، ففعل
ذلك، فقال له أبو ذر: يا بني قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار،
ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها، فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله،
كتب إلى عثمان: إن أبا ذر قد ضيق علي، وقد كان كذا وكذا، للذي يقول
للفقراء، فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، ولم يبق إلا
أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر إلي، وابعث معه دليلاً، وكفكف الناس
ونفسك ما استطعت، وبعث إليه بأبي ذر (1).
هذا ويختلف الباحثون في الأسباب التي دفعت أبا ذر إلى الإقامة في
الربذة، ففي رواية ابن سعد، عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا
بأبي ذر، قال فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا
ومعاوية في هذه الآية * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في
سبيل الله) *، وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، قال فقلت: نزلت فينا
وفيهم، قال: فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب يشكوني إلى عثمان، قال:
فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمت المدينة وكثر الناس علي، كأنهم لم
يروني قبل ذلك، قال: فذكر ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت
قريباً، فذاك أنزلني هذا المنزل، ولو أمر على حبشي، لسمعت ولأطعت (2).
غير أن رواية ابن الأثير في الكامل إنما تذهب إلى أن أبا ذر لما قدم
____________
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 114 - 115.
(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى 4 / 166 (دار التحرير - القاهرة 1969).
المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال: بشر أهل المدينة بغازة شعواء،
وحرب مذكاء، ودخل على عثمان فقال له: ما لأهل الشام يشكون ذرب
لسانك؟ فأخبره، فقال: يا أبا ذر، على أن أقضي ما علي، وأن أدعو الرعية إلى
الاجتهاد والاقتصاد، وما علي أن أجبرهم على الزهد، فقال أبو ذر: لا ترضوا
من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف، ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا
القربات.
فقال كعب الأحبار - وكان حاضراً - من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه،
فضربه أبو ذر فشجه، وقال له: يا ابن اليهودية، ما أنت وما ههنا؟ فاستوهب
عثمان كعباً شجته، فوهبه.
فقال أبو ذر لعثمان: تأذن لي في الخروج من المدينة، فإن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرني بالخروج منها، إذا بلغ البناء سلعاً، فأذن له، فنزل الربذة
وبنى مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه
كل يوم عطاء، وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً (1).
وروى الطبري في تاريخه عن محمد بن سيرين (2) قال: خرج أبو ذر إلى
____________
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 115، تاريخ الطبري 4 / 283 - 284، ابن كثير: البداية
والنهاية 7 / 170.
(2) هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري الأنصاري، كان أبوه يعمل القدور النحاسية، وهو من
جرجرايا أحضر عبداً من عين التمرة، وقد ولد ابن سيرين في عام 33 هـ(653 م)، وتوفي في
عام 110 هـ(729 م)، وعاش في البصرة، وكان تابعياً مشهوراً، روى عن عدد من الصحابة، كما
كان فقيهاً، وزاهداً من الزهاد الأوائل، وهو حجة في تفسير الأحلام، وإن كنا لا ندري إن كان
ألف في ذلك رسائل م لا، وإن جعله الجاحظ وابن قتيبة الحجة في هذا الميدان، وأما أشهر
مراجع ترجمته فهي (طبقات ابن سعد 7 / 193 - 206، محمد بن حبيب: المحبر ص 379
- 480، ابن قتيبة: المعارف، ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3 / 280 - 281. أبو نعيم: حلية
الأولياء 2 / 263 - 282، الشيرازي: طبقاتها الفقهاء ص 69 - 70، الخطيب البغدادي: تاريخ
بغداد 5 / 331 - 338، الذهبي: تذكرة الحفاظ ص 77 - 78، الصفدي: الوافي بالوفيات
3 / 146، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 9 / 214 - 217، اليافعي: مرآة الجنات 1 / 232
=>
الربذة من قبل نفسه، لما رأى عثمان لا ينزع له، وأخرج معاوية أهله من بعده،
فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل، فقال: أنظروا إلى هذا الذي يزهد
في الدنيا ما عنده، فقالت امرأته: أما والله ما فيه دينار ولا درهم، ولكنها فلوس
إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا.
ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصلاة، وعليها رجل يلي الصدقة، فقال:
تقدم يا أبا ذر، فقال: لا، تقدم أنت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: إسمع
وأطع، وإن كان عليك عبد مجدع، فأنت عبد، ولست بأجدع، وكان من رقيق
الصدقة، وكان أسود يقال له مجاشع (1).
على أن رواية اليعقوبي إنما تذهب إلى أن معاوية كتب إلى عثمان: إنك
قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه: أن أحمله على قتب بغير
وطاء، فقدم به إلى المدينة، وقد ذهب لحم فخذيه، فلما دخل إليه، وعنده
جماعة قال: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كمل بنو أمية
ثلاثين رجلاً، اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباده خولاً، ودين الله دغلاً، فقال: نعم،
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، فقال لهم: أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك؟
فبعث إلى علي بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن: أسمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما حكماه أبو ذر وقص عليه الخبر، فقال علي: نعم، قال:
وكيف تشهد؟ قال: لقومه صلى الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، ذا لهجة
أصدق من أبي ذر.
فلم يقم بالمدينة حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها، قال:
أتخرجني من حرم رسول الله؟ قال: نعم، وأنفك راغم، قال: فإلى مكة؟ قال:
لا، قال: فإلى البصرة؟ قال: لا، قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا، ولكن إلى
____________
<=
- 234، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1 / 138، الزركلي: الأعلام 7 / 25، كحالة: معجم
المؤلفين 10 / 59، ابن خلكان: وفيات الأعيان 4 / 181 - 183، فؤاد سزكين: تاريخ التراث
العربي 4 / 97 - 99.
(1) تاريخ الطبراني 4 / 284 - 283، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 115 - 116.
الربذة، التي خرجت منها حتى تموت بها، يا مروان أخرجه، ولا تدع أحداً
يكلمه حتى يخرج، فأخرجه على جمل، ومعه امرأته وابنته، فخرج وعلي
والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، ينظرون. فلما رأى أبو ذر
علياً، قام إليه فقبل يده، ثم بكى وقال: إني إذا رأيتك، ورأيت ولدك، ذكرت
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أصبر حتى أبكي، فذهب علي يكلمه، فقال له مروان:
إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد، فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة
مروان، وقال: تنح، نحاك الله إلى النار، ثم شيعه، وانصرف مروان إلى عثمان،
فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة، وتلاحيا كلاماً، فلم يزل أبو ذر في
الربذة حتى توفي (1).
ويروي أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بسنده عن
عكرمة عن ابن عباس قال: لما خرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في
الناس: ألا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به،
فخرج به، وتحاشاه الناس، إلا علي بن أبي طالب، عليه السلام، وعقيلاً أخاه،
وحسناً وحسيناً، عليهم السلام، وعماراً، فإنهم خرجوا معه يشيعونه، فجعل
الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر، فقال له مروان: إيها يا حسن، ألا تعلم أن
أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك،
فحمل علي عليه السلام، على مروان، فضرب بالسوط بين أذني راحلته، وقال:
تنح نحاك الله إلى النار.
فرجع مروان مغضباً إلى عثمان، فأخبره الخبر، فتلظى على علي عليه
السلام، ووقف أبو ذر فودعه القوم، ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت
أبي طالب.
قال ذكوان: فحفظت كلام القوم - وكان حافظاً - فقال علي عليه السلام:
____________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 172 - 173.
يا أبا ذر، إنك غضبت لله، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك،
فامتحنوك بالقلى، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد
رتقاً، ثم اتقى الله، لجعل له منها مخرجاً، يا أبا ذر، لا يؤذنك إلا الحق، ولا
يوحشنك إلا الباطل، ثم قال لأصحابه: ودعوا عمكم، وقال لعقيل: ودع
أخاك.
فتكلم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذر، وأنت تعلم أنا نحبك،
وأنت تحبنا، فاتق الله، فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن
استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.
ثم تكلم الحسن فقال: يا عماه، لولا أنه لا يبغي للمودع أن يسكت،
وللمشيع أن ينصرف، لقصر الكلام، وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما
ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها،
واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وسلم، وهو عنك راض.
ثم تكلم الحسين عليه السلام، فقال: يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير
ما قد ترى، والله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم
دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر
والنصر، واستعذبه من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن
الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً.
ثم تكلم عمار، رحمه الله، مغضباً، فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا
آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم
لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك، إلا الرضا بالدنيا، والجزع من
الموت، مالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غاب، فوهبوا لهم
دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران
المبين.
فبكى أبو ذر - رحمه الله، وكان شيخاً كبيراً - وقال: رحمكم الله يا أهل
بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لي بالمدينة سكن، ولا
شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام،
وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين، فأفسد الناس عليهما، فسيرني إلى
بلد ليس لي به ناصر ولا دافع، إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحباً، وما أخشى
مع الله وحشة.
ورجع القوم إلى المدينة، فجاء علي عليه السلام إلى عثمان، فقال: ما
حملك على رد رسولي، وتصغير أمري، فقال علي عليه السلام: أما رسولك
فأراد أن يرد وجهي فرددته، وأما أمرك فما أصغره.
فقال: أما بلغك نهي عن كلام أبي ذر، قال: أو كلما أمرت بأمر معصية
أطعناك فيه، قال عثمان: أقد مروان من نفسك، قال: مم ذا؟ قال: من شتمه
وجذب راحلته، قال: أما راحلته فراحتي بها، وأما شتمه إياي، فوالله لا
يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها، لا أكذب عليك، فغضب عثمان، وقال: لم لا
يشتمك، كأنك خير منه، قال علي: أي والله ومنك، ثم قام فخرج.
فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار وإلى بني أمية، يشكو علياً
عليه السلام، فقال القوم: أنت الوالي، وإصلاحه أجمل، قال: وددت ذاك،
فأتوا علياً عليه السلام فقالوا: لو اعتذرت إلى مروان وأتيته، فقال: كلا، وأما
مروان فلا آتيه، ولا أعتذر منه، ولكن إن أحب عثمان أتيته.
فرجعوا إلى عثمان فأخبروه، فأرسل عثمان إليه، فأتاه ومعه بنو هاشم،
فتكلم علي عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما ما وجدت علي فيه
من كلام أبي ذر ووداعه، فوالله ما أردت مساءتك، ولا الخلاف عليك، ولكن
أردت به قضاء حقه، وأما مروان فإنه اعترض، يريد ردي عن قضاء حق الله
عز وجل، فرددته رد مثلي مثله، وأما ما كان مني إليك، فإنك أغضبتني،
فأخرج الغضب مني ما لم أرده. فتكلم عثمان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان، فقد عفا الله
عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق، فادن يدك، فأخذ يده فضمها إلى
صدره. فلما نهض قالت قريش وبنو أمية: أأنت رجل ; جبهك علي، وضرب
راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وذبيان وعبس في لطمة فرس،
والأوس والخزرج في نسعة، أفتحمل لعلي عليه السلام ما أتاه إليك. فقال
مروان: والله لو أردت ذلك ما قدرت عليه.
ويقول ابن أبي الحديد: واعلم أن الذي عليه أكثر أهل السير وعلماء
الأخبار والنقل، أن عثمان نفى أبا ذر، أولاً إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة
لما شكا منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة، لما عمل بالمدينة نظر ما
كان يعمل بالشام.
وأصل هذه الحكاية، أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت
الأموال، واختص زيد بن ثابت بشئ منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي
الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله
تعالى: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله * فبشرهم
بعذاب أليم) *، فرفع ذلك إلى عثمان مراراً، وهو ساكت.
ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه: أن انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر:
أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله تعالى، فوالله لأن
أرضي الله بسخط عثمان، أحب إلي من أن أسخط الله برضى عثمان، فأغضب
ذلك عثمان وأحفظه، فتصابر وتماسك، إلى أن قال عثمان يوماً، والناس
حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضاً، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب
الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين، أتعلمنا ديننا؟ فقال
عثمان: قد كثر أذاك لي، وتولعك بأصحابي، إلحق بالشام، فأخرجه إليها (1).
ثم كان من أبي ذر مع معاوية، ما ذكرناه آنفاً (2).
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن أبا ذر كان يقعد في مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتمع إليه الناس، فيحدث بما فيه الطعن على عثمان، وأنه
وقف بباب المسجد، فقال:
أيها الناس، من عرفني فقط عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري،
أنا جندب بن جنادة الربذي، إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، محمد الصفوة من نوح،
فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد، إنه
شرف شريفهم، واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة
المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو
كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونية أضاء زيتها، وبورك زبدها، ومحمد وارث
علم آدم، وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب، وصي محمد، ووارث
علمه.
أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، أما لو قدمتهم من قدم الله، وأخرتم من
أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق
رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي لله، ولا طاش سهم من
فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، إلا وجدتم علم ذلك عنده من
كتاب الله وسنة نبيه، فأما إذا فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (3).
____________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 252 - 256 (بيروت 1966).
(2) أنظر التفصيلات (شرح نهج البلاغة 8 / 256 - 262).
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 171 (بيروت 1980). وانظر تفصيلات أخرى (المسعودي: مروج الذهب
ومعادن الجوهر - المجلد الأول - بيروت 1982 ص 630 - 632).
3 - سلمان الفارسي:
سلمان - كما يصفه أبو نعيم في الحلية - سابق الفرس، ورائق العرس،
الكادح الذي لا يبرح، والزاخر الذي لا ينزح، الحكيم، والعابد العليم،
أبو عبد الله سلمان ابن الإسلام، رافع الألوية والأعلام، أحد الرفقاء والنجباء،
ومن إليه تشتاق الجنة من الغرباء، ثبت على القلة والشدائد، لما نال من الصلة
والزوائد (1).
هذا وقد اختلف الباحثون في اسم سلمان الأصلي، وفي موطنه، وفي
عمره، وفي كل شئ يتصل به، حتى أن بعض المستشرقين - دونما روية، قد
أنكروا تاريخيته (2)، وإن تروى آخرون فذهبوا إلى أن اسمه إنما يدخل في الإطار
التاريخي للمشاجرات بين الصحابة (3)، وعلى أية حال، فالرجل إنما كان من
أبناء الدهاقين، كما كان سائحاً نصرانياً، بعد أن ترك المزدكية (4).
وروى ابن سعد في طبقاته - على لسان سلمان نفسه قال -: كنت رجلاً
من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان أرضه، وكنت من
أحب عباد الله إليه (5)، وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي عثمان عن سلمان
الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب (6)، في أثناء بحثه عن النبي
المنتظر، الذي أخبره الرهبان أنه سيظهر في أرض تيماء الأمر الذي جاء مفصلاً
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 185.
(2) ماسينيون وهنري كوربان: شخصيات قلقة في الإسلام - ترجمة عبد الرحمن بدوي - القاهرة 1946 ص 8.
(3) نفس المرجع السابق ص 10.
(4) أنظر عن المزدكية (محمد بيومي مهران: تاريخ العرب القديم ص 610، تاريخ الطبري 2 / 92 - 93، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 1 / 512 - 515، جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 3 / 333، وكذا:
t. noldeke, aufsatze zur persisichen geschichte, leipzig , 1887, p. 109
(5) طبقات ابن سعد 4 / 53.
(6) صحيح البخاري 5 / 90.
في طبقات ابن سعد، وفي أسد الغابة، وفي الحلية وغيرها (1)، حتى أن البعض
اعتبره سلفاً للزهاد السائحين، من أمثال إبراهيم بن أدهم (2).
وكان سلمان - فيما يرى البعض - يدعى روزبه بن خشنود أو مابه (3)،
وفي أسد الغابة هو: سلمان الفارسي أبو عبد الله، ويعرف بسلمان الخير، مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، أصله من
فارس، من رامهرمز، وقيل إنه من جي، وهي مدينة أصفهان (أصبهان
القديمة، وتعرف الآن باسم شهرستان)، وكان اسمه قبل الإسلام مابه بن
بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك، من ولد ابن الملك،
وكان ببلاد فارس مجوسياً سادن النار (4).
هذا وقد تنقل سليمان بحثاً عن الدين الصحيح من بلده جي إلى الشام
إلى الموصل إلى عمورية، وهناك علم أن نبياً قد أظل زمانه يبعث بدين إبراهيم
الحنيفية، مهاجره بأرض ذات نخل، وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه
خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فركب مع قوم من العرب، من
كلب، باعوه إلى رجل من يهود خيبر، ثم اشتراه منه رجل من يهود بني قريظة،
فقدم به المدينة، وهناك رأى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (5).
تروي المصادر - على لسان سليمان (6) أنه قال - جمعت ما عندي، ثم
خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بقباء، فدخلت عليه ومعه نفر من
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 190 - 195، طبقات ابن سعد 4 / 54 - 57، أسد الغابة 2 / 417 - 419.
(2) كامل الشيبي: المرجع السابق 1 / 20.
(3) نفس المرجع السابق ص 20.
(4) أسد الغابة 2 / 417.
(5) أسد الغابة 4 / 417 - 418.
(6) أهم مصادر ترجمة سلمان الفارسي هي (طبقات ابن سعد 4 / 53، 67، البخاري 5 / 90،
ابن حنبل: كتاب الزهد ص 150 - 1533، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في معرفة الصحابة
2 / 62 - 63، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 56 - 61، أسد الغابة 2 / 417
=>
أصحابه، فقلت: إنه بلغني أنك ليس بيدك شئ، وأن معك أصحاباً لك، وأنكم
أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي شئ وضعته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم
رأيتكم أحق الناس به، ثم وضعته له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا، وأمسك هو،
قال: قلت في نفسي، هذه والله واحدة، ثم رجعت، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى
المدينة، وجمعت شيئاً ثم جئته، فسلمت عليه وقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل
الصدقة، وقد كان عندي شئ أحب أن أكرمك به من هدية أهديتها كرامة لك
ليست بصدقة، فأكل وأكل أصحابه، قال: قلت في نفسي هذه أخرى، قال: ثم
رجعت فمكثت ما شاء الله، ثم أتيته فوجدته في بقيع الغرقد قد تبع جنازة،
وحوله أصحابه، وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة، مرتدياً بالأخرى، قال: فسلمت
عليه، ثم عدلت لأنظر في ظهره، فعرف أني أريد ذلك واستثبته، قال فأمسك
بردائه، فألقاه عن ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة، كما وصف لي صاحبي،
قال: فأكببت عليه أقبل الخاتم من ظهره وأبكي، قال فقال: تحول عنك،
فتحولت، فجلست بين يدي، فحدثته حديثي - كما حدثتك يا ابن عباس،
فأعجبه ذلك، فأحب أن يسمعه أصحابه، ثم أسلمت وشغلني الرق، وما كنت
فيه حتى فاتني بدر وأحد.
ثم كاتب سلمان على أن يطلق سراحه، في مقابل أن يغرس له ثلاثمائة
نخلة، وأربعين أوقية من ورق، فلما أوفى له بها أعتقه، وشهد الخندق وبقية
مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حراً مسلماً حراً مسلماً حتى قبضه الله تعالى، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بينه وبين أبي الدرداء (1).
ولعل هذا كله، إنما يشير إلى أن سلمان، رضوان الله عليه، إنما قد اتجه
إلى الإسلام بكليته، وأنه كان يبحث عن الحقيقة، فوجدها في رسول الله، وفي
____________
<=
- 421، حلية الأولياء 1 / 185 - 208، أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ص 219 - 222.
(1) أنظر: طبقات ابن سعد 4 / 53 - 59، أسد الغابة 2 / 417 - 419.
الإسلام، واعتنق الدين الجديد، وخدمه من بدء دخوله فيه بإشارته بحفر
الخندق، ورجل في مثل سلمان في جهده الذي بذله - عقلياً وروحياً وجسدياً
ومادياً - بتركه وطنه، وبتجواله الطويل من فارس والشام والموصل ونصيبين
وعمورية، وبلاد العرب، فضلاً عن تركه الراحة والرفاهية عند أسرته في
أصفهان، رجل مثل هذا، لا بد أن يكون مسلماً مخلص الإيمان، لا تزعزعه
الأنواء، ولا تؤثر في عقيدته الدينية مؤثرات مادية (1).
وكان سلمان أحد ثلاثة تشتاق إليهم الجنة، روى ابن الأثير بسنده عن
الحسن بن صالح، عن أبي ربيعة الإيادي عن الحسن (البصري) عن أنس بن
مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار
وسلمان (2).
وفي حلية الأولياء بسنده عن أبي بريدة عن أبيه، رضي الله تعالى عنهم،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل علي الروح الأمين فحدثني أن الله تعالى يحب
أربعة من أصحابي، فقال له من حضر، من هم يا رسول الله؟ فقال: علي
وسلمان وأبو ذر والمقداد، وعن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقداد وعمار
وسلمان (3).
وفي الإستيعاب من حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه سبحانه يحبهم، علي وأبو ذر والمقداد
وسلمان (4).
وفي الحلية عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال
____________
(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 21.
(2) أسد الغابة 2 / 420.
(3) حلية الأولياء 1 / 190.
(4) ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 59.
رسول الله صلى الله عليه وسلم: السباق أربع، أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان
سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة (1).
وروى الإمام أحمد بسنده عن سفيان عن يونس عن الحسن قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم،
وبلال سابق الحبش (2).
وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم، وذوي القرب من
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الإستيعاب عن عائشة، رضي الله عنها قالت: كان
لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
وسئل علي عن سلمان فقال: علم العلم الأول والعلم الآخر، وهو بحر
لا ينزف، وهو منا أهل البيت (4)، وروى ابن الجوزي وابن سعد، أن علياً قال
فيه: ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ
الكتاب الأول والكتاب الآخر (5)، وفي الإستيعاب عن الأعمش عن عمرو بن
مرة عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن سلمان فقال: علم
العلم الأول والآخر، بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت (6).
ولا ريب في أن الإمام علي إنما يتحدث هنا عن سيدنا ومولانا وجدنا
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 185.
(2) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 909 (بيروت 1983)، وأخرجه الحاكم 3 / 402،
وأبو نعيم في الحلية 1 / 185، والذهبي في سير النبلاء 3 / 146، والهيثمي في مجمع الزوائد
9 / 305، وقال رواه الطبراني، وله شاهد عن أبي أمامة مرفوعاً، أخرجه ابن أبي حاتم في
العلل 2 / 353.
(3) الإستيعاب 2 / 59.
(4) أسد الغابة 2 / 420.
(5) طبقات ابن سعد 4 / 61، صفة الصفوة 1 / 220.
(6) الإستيعاب 2 / 59.
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن كثير بن عبد الله
المزني عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خط الخندق من أجم الشيخين،
طرف بني حارثة، عام ذكرت الأحزاب، خطة من المذاد، فقطع لكل عشرة
أربعين ذراعاً، فاحتج المهاجرون والأنصار من سلمان الفارسي - وكان رجلاً
قوياً - فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: لا بل سلمان منا، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلمان منا أهل البيت (1).
وروى ابن عبد البر بسنده عن ثابت عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو:
أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت
سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش
وسيدهم، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت
أغضبتهم، لقد أغضبت ربك، جل وعلا، فأتاهم أبو بكر فقال: يا أخوتاه،
أغضبتكم، قالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك (2).
وفي طبقات ابن سعد بسنده عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة
آلاف، وكان على ثلاثين ألفاً من الناس، يخطب في عباءة، يفترش نصفها،
ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سفيف يده (3).
وفي أسد الغابة: كان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه فرقه، وأكل
من كسب يده، وكان يسف الخوص (4) (ينسجه)، وقال حذيفة لسلمان: ألا
نبني لك بيتاً، قال: لم؟ لتجعلني مالكاً، وتجعل لي داراً، مثل بيتك الذي
بالمدائن، قال: لا، ولكن نبني لك بيتاً من قصب، ونسقفه بالبردي، إذا قمت
____________
(1) طبقات ابن سعد 4 / 59، أسد الغابة 2 / 421.
(2) الإستيعاب 2 / 60.
(3) طبقات ابن سعد 4 / 62.
(4) أسد الغابة 2 / 420.
كد أن يصيب رأسك وإذا نمت كاد أن يصيب طرفيك، قال: فكأنك كنت في
نفسي (1).
وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان
في السوق، فمر علينا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقد اشترى وسقاً
من طعام، فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت، وتفرغت للعبادة، وأيس منها
الوسواس (2).
وعن ثابت قال: كان سلمان أميراً على المدائن، فجاء رجل من أهل
الشام، من بني تيم الله، معه حمل تبن، وعلى سلمانً أندروردً وعباءة، فقال
لسلمان: تعال احمل، وهو لا يعرف سلمان، فحمل سلمان، فرآه الناس فعرفوه
فقالوا: هذا الأمير، قال: لم أعرفك، فقال له سلمان لا حتى أبلغ منزلك (3).
وعن سماك قال: سمعت النعمان بن حميد يقول: دخلت مع خالي على
سلمان بالمدائن، وهو يعمل الخوص، فسمعته يقول: أشتري خوصاً بدرهم
فأعمله، فأبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهماً فيه، وأنفق درهماً على عيالي،
وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب (الخليفة وقت ذاك) نهاني عن ذلك
ما انتهيت (4).
وعن عبد الله بن بريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشئ، اشترى به
لحماً، ثم دعا المحدثين فأكلوه معه (5)، وفي الحلية عن عبد الله بن بريدة: أن
____________
(1) أسد الغابة 2 / 420، حلية الأولياء 1 / 202.
(2) حلية الأولياء 1 / 207.
(3) طبقات ابن سعد 4 / 63.
(4) طبقات ابن سعد 4 / 64، حلية الأولياء 1 / 197 - 198.
(5) طبقات ابن سعد 4 / 64.
سلمان كان يعمل بيديه، فإذا أصاب شيئاً، اشترى به لحماً أو سمكاً، ثم يدعو
المجذمين فيأكلون معه (1).
وعن الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه قالوا: دخل سعد بن
أبي وقاص على سلمان يعوده، قال: فبكى سلمان فقال له سعد: ما يبكيك يا
أبا عبد الله؟ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنك راض، وتلقى أصحابك، وترد على
الحوض، قال سلمان: والله ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا،
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهد إلينا عهداً فقال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا، مثل
زاد الراكب، وحولي هذه الأساود، قال: وإنما حوله جفنه أو مطهرة أو إجانة،
قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله، إعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك، فقال: يا سعد،
أذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا
قسمت (2).
وعن الأجلح عن عامر الشعبي قال: أصاب سلمان صرة مسك يوم فتحت
جلولاء، فاستودعها امرأته فلما حضرته الوفاة قال: هاتي هذه المسكة،
فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتيني زوار الآن، قال
ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قبض (3).
وعن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام قال: إن
سلمان قال له: أي أخي، أينا مات قبل صاحبه، فليتراء له، قال عبد الله بن
سلام: أو يكون ذلك؟ قال نعم، إن نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض
حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجن، فمات سلمان، فقال عبد الله بن سلام:
فبينما أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي، فأغفيت إغفاءة، إذ جاء
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 200.
(2) حلية الأولياء 1 / 195 - 197، طبقات ابن سعد 4 / 65، ابن حنبل: كتاب الزهد ص 152.
(3) طبقات ابن سعد 4 / 66، حلية الأولياء 1 / 208.
سلمان فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقلت: السلام عليك ورحمة الله أبا
عبد الله، كيف وجدت منزلك، قال: خيراً، وعليك بالتوكل فنعم الشئ
التوكل، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل، وعليك بالتوكل فنعم الشئ
التوكل (1).
هذا وقد روى عن سلمان، ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر، وأبو سعيد،
وكعب بن عجرة، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل بن المسط وغيرهم.
وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن صدقة عن أبي عبد الرحمن السلمي
عن سلمان: أنه تزوج امرأة من كندة، فبنى بها في بيتها، فلما كان ليلة البناء
مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته، فلما بلغ البيت قال: ارجعوا آجركم الله،
ولم يدخلهم عليها، كما فعل السفهاء، فلما نظر إلى البيت، والبيت منجد،
قال: أمحموم بيتكم، أم تحولت الكعبة في كندة؟ قالوا: ما بيتنا بمحموم، وما
تحولت الكعبة في كندة، فلم يدخل البيت حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر
الباب. فلما دخل رأى متاعاً كثيراً، فقال لمن هذا المتاع؟ قالوا: متاعك ومتاع
امرأتك، قال: ما بهذا أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، أوصاني خليلي أن لا يكون متاعي
من الدنيا، إلا كزاد الراكب، ورأى خدماً فقال لمن هذا الخدم؟ فقالوا: خدمك
وخدم امرأتك، فقال: ما بهذا أوصاني خليلي، أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، أن لا
أمسك إلا ما أنكح، أو أنكح، فإن فعلت فبغين، كان على مثلي أوزارهن، من
غير أن ينقص من أوزارهن شيئاً.
ثم قال للنسوة اللائي عند امرأته: هل أنتن مخرجات عني؟ مخليات بيني
وبين امرأتي؟ قلن: نعم، فخرجن فذهب إلى الباب حتى أجافه، وأرخى الستر،
ثم جاء حتى جلس عند امرأته فمسح بناصيتها، ودعا بالبركة، فقال لها: هل
أنت مطيعتي في شئ آمرك به؟ قالت: جلست مجلس من يطاع، قال: فإن
____________
(1) طبقات ابن سعد 4 / 66 - 67، حلية الأولياء 1 / 205.
خليلي صلى الله عليه وسلم، أوصاني إذا اجتمعت إلي أهلي أن أجتمع على طاعة الله عز وجل،
فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما، ثم خرجا فقضى منهما ما يقضي
الرجل من امرأته.
فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض
عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم قال: إنما
جعل الله تعالى الستور والخدور والأبواب لتواري ما فيها، حسب امرئ منكم
أن يسأل عما ظهر له، فإما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتحدث عن ذلك، كالحمارين يتسافدان في
الطريق (1).
وعن عطاء عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه قال: قدم سليمان من غيبة
له، فتلقاه عمر، فقال: أرضاك الله تعالى عبداً، قال: فزوجني، قال: فسكت
عنه، فقال: أترضاني لله عبداً، ولا ترضاني لنفسك؟ فلما أصبح أتاه قوم عمر،
فقال: حاجة؟ قالوا: نعم، قال: وما هي؟ إذا تقضي، قالوا: تضرب عن هذا
الأمر - يعنون خطبته إلى عمر - فقال: أما والله ما حملني على هذا إمرته، ولا
سلطان، ولكن قلت رجل صالح عسى الله أن يخرج مني ومنه نسمة صالحة.
قال: فتزوج من كندة، فلما جاء يدخل على أهله، إذا البيت منجد، وإذا
فيه نسوة، فقال: أتحولت الكعبة في كندة، أم هي حمى؟ أمرني خليلي أبو
القاسم صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج أن لا يتخذ من المتاع إلا أثاثاً كأثاث المسافر، ولا يتخذ
من النساء إلا ما ينكح، أو ينكح، قال: فقمن النسوة فخرجن فهتكن ما في
البيت، ودخل على أهله، يا هذه أتطيعيني أم تعصيني؟ فقالت: بل أطيع،
فمرني بما شئت، فقد نزلت منزل المطاع، فقال: إن خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم:
أمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يقوم فيصلي، ويأمرها فتصلي خلفه، ويدعو،
ويأمرها أن تؤمن، ففعل وفعلت.
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 186.
قال: فلم أصبح جلس في مجلس كندة، فقال له رجل: يا أبا عبد الله
كيف أصبحت؟ كيف رأيت أهلك؟ فسكت عنه، فعاد، فسكت عنه، ثم قال: ما
بال أحدكم يسأل عن الشئ، قد وارته الأبواب والحيطان، إنما يكفي أحدكم
أن يسأل عن الشئ، أجيب أو سكت عنه (1).
وعن عطاء بن السائب عن أبي البختري: أن جيشاً من جيوش المسلمين،
كان أميرهم سلمان الفارسي، فحاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا
عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ فقال: دعوني أدعوهم، كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدعوهم، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، أترون العرب تطيعني؟ فإن
أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم
تركناكم عليه، وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون - قال ورطن إليهم
بالفارسية وأنتم غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء، فقالوا: ما نحن
بالذي نؤمن، وما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم، قالوا: يا أبا
عبد الله، ألا ننهد إليهم، قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال:
إنهدوا إليهم، فنهدوا إليهم، قال: ففتحوا ذلك الحصن (2).
وعن أبي ليلى الكندي قال: أقبل سلمان في ثلاثة عشر راكباً - أو اثني
عشر راكباً - من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما حضرت الصلاة قالوا: تقدم يا أبا
عبد الله، قال: إنا لا نؤمكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله تعالى هدانا بكم، قال:
فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات، فلما سلم، قال سلمان: ما لنا
وللمربعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة، ونحن إلى الرخصة أحوج - قال
عبد الرازق: يعني في السفر (3).
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 186 - 187.
(2) حلية الأولياء 1 / 189.
(3) حلية الأولياء 1 / 189.
وعن أبي البختري قال: صحب سلمان، رضي الله تعالى عنه، رجل من
بني عبس، قال: فشرب من دجلة شربة، فقال له سلمان: عد فاشرب، قال: قد
رويت، قال: أترى شربتك هذه نقصت منها؟ قال: وما ينقص منها شربة
شربتها، قال: كذلك العلم لا ينقص، فخذ من العلم ما ينفعك (1).
وعن حفص بن عمر السعدي عن عمه: قال سلمان لحذيفة: يا أخا بني
عبس، إن العلم كثير، والعمر قصير، فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر
دينك، ودع ما سواه، فلا تعانه (2).
هذا وقد توفي سلمان عام 35 هـ، في آخر خلافة عثمان، وقيل أول
سنة 36 هـ، وقيل توفي في خلافة عمر، والأول أكثر، وقال العباس بن يزيد:
قال أهل العلم: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا
يشكون فيه، ويقول ابن الأثير في الكامل في حوادث عام 36 هـ: وفيها مات
سلمان الفارسي في قول بعضهم، وقيل وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح
عليه السلام، وقال أبو نعيم: كان سلمان من المعمرين، يقال إنه أدرك عيسى بن
مريم، وقرأ الكتابين، والصحيح - فيما أرى - ما ذهب إليه ابن حجر العسقلاني
من أنه ما زاد على الثمانين (3).
هذا وكان لسلمان مكانة خاصة عند الصحابة، وعند الإمام علي بالذات،
وقد أشرنا من قبل إلى قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت، وقد
استقرت هذه العبارة من الإمام علي في أذن واعية، حتى قال عنه: ذلك امرؤ
منا وإلينا أهل البيت، ثم عامله إلى آخر العمر، كواحد عزيز عليه من أهل
البيت، وظل يوده حتى آخر عمره.
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 188.
(2) حلية الأولياء 1 / 189.
(3) ابن الأثير: أسد الغابة 2 / 412، الكامل 3 / 287، ابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة
2 / 62.
وهناك ما يشير إلى الصلة القوية بينه وبين الإمام علي، حتى نراه يقود بغلة
النبي الشهباء التي كانت تركبها السيدة فاطمة الزهراء في ليلة زفافها إلى الإمام
علي بن أبي طالب (1).
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز عن حباب بن يزيد عن جرير بن
المغيرة: أن سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً، عليه السلام، بعد
النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بويع أبو بكر، قال سلمان: أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن.
وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا
السن منكم، وأخطأتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم، ما اختلف عليكم
اثنان، ولأكلتموها رغداً (2).
4 - المقداد بن عمرو:
يقول الحافظ أبو نعيم هو المقداد بن عمر بن ثعلبة (3)، مولى الأسود بن
عبد يغوث، السابق إلى الإسلام والفارس يوم الحرب والإقدام، ظهرت له
الدلائل والإعلام، حين عزم على استقاء الرسول والإطعام، أعرض عن
العمالات، وآثر الجهاد والعبادات، معتصماً بالله تعالى من الفتن والبليات (4).
وهو - فيما يروي ابن سعد في طبقاته - المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن
مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن دهير بن لؤي بن
____________
(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 21، وانظر: ابن بابويه القمي: من لا يحضره الفقيه - الجزء
الثالث - إيران 1908.
(2) شرح نهج البلاغة 2 / 49.
(3) أهم مصادر ترجمة المقداد بن عمرو (أسد الغابة 5 / 251 - 254، طبقات ابن سعد
3 / 114 - 116، حلية الأولياء 1 / 172 - 176، الإصابة 3 / 454 - 455، الإستيعاب
3 / 472 - 476.
(4) حلية الأولياء 1 / 1722.
ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبي أهون بن فائش بن دريم بن القين بن أهود بن
بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ويكنى أبا معبد، وكان حالف الأسود بن
عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه، فكان يقال له المقداد بن الأسود (1).
وقيل: المقداد الكندي، ولأنه أصاب فيهم دماً في بهراء، فهرب منهم إلى كندة
فحالفهم، ثم أصاب فيهم دماً، فهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد
يغوث (2).
وقال أحمد بن صالح المصري (3): هو حضرمي، وحالف أبوه كندة فنسب
إليها، وحالف هو الأسود بن عبد يغوث، فنسب إليه، والصحيح بهراوي، كنيته
أبو معبد، وقيل: أبو الأسود، فلما نزل القرآن * (أدعوهم لآبائهم) * قيل:
المقداد بن عمرو.
وهو قديم في الإسلام من السابقين، قال ابن مسعود: أول من أظهر
إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار - وأمه سمية - وصهيب وبلال
والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله تعالى بعمه (أبي طالب) وأما أبو بكر
فمنعه الله تعالى بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع
الحديد ثم صهروهم في الشمس.
هذا وقد هاجر المقداد إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، فلم يقدر على
____________
(1) طبقات ابن سعد 3 / 114.
(2) أسد الغابة 5 / 251 - 252.
(3) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري المصري الحافظ، سمع من ابن عيينة وابن وهب
وخلق، قال عنه محمد بن نمير: إذا جاوزت الفرات، فليس أحد مثل أحمد بن صالح، وقال ابن
وارة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح، بمصر، وابن نمير في الكوفة، والنفيلي
بحران، هؤلاء أركان الدين، توفي عام 248 هـ(الذهبي العبر 1 / 450، أسد الغابة 5 / 252،
وانظر عن عبيدة بن الحارث (الواقدي: المغازي 1 / 10 - 11، سيرة ابن هشام 2 / 390 - 393،
ابن الأثير: الكامل 2 / 111، تاريخ الطبري 2 / 404)، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية
2 / 52.
الهجرة إلى المدينة، لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم،
عبيدة بن الحارث في سرية، فلقوا جمعاً من المشركين عليهم عكرمة بن أبي
جهل، وكان المقداد وعتبة بن غزوان قد خرجا مع المشركين ليتوصلا إلى
المسلمين، فتواقفت الطائفتان، ولم يكن قتال، فانحاز المقداد وعتبة إلى
المسلمين.
هذا وقد شهد المقداد غزوة بدر، وكان له فيها مقام مشهود، فهو القائل
- حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم، الناس -:
يا رسول الله، إمض لما أمرت به فنحن معك، والله لا نقول لك، كما
قالت بنو إسرائيل لموسى: * (إذهب أنت وربك فقاتلا * إنا ها هنا قاعدون) *،
ولكن: إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبياً،
لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه، فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيراً، ودعا له.
وفي رواية: لا نقول لك، كما قال قوم موسى لموسى: إذهب أنت وربك
فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين
يديك، ومن خلفك، فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع.
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن
مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه، أحب
إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول
كما قال قوم موسى، إذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن
شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، أشرق وجهه وسره، يعني
قوله (1).
____________
(1) صحيح البخاري 5 / 93، مسند الإمام أحمد 1 / 390، 428، المستدرك للحاكم 3 / 349، زاد
=>
وعن علي قال، ما كان فينا فارس يوم بدر، غير مقداد بن عمرو، وعن
القاسم بن عبد الرحمن قال: أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن
الأسود، وعن المقداد قال: كان معي فرس يوم بدر يقال له سبحة (1)، وفي
رواية: لم يكن فيهم غير فارسيين: المقداد بن عمرو، ولا خلاف فيه، والثاني:
قيل كان الزبير بن العوام (2). وكان للمقداد مناقب كثيرة، روى ابن أبي بريدة
عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل أمرني بحب أربعة، وأخبرني
أنه يحبهم، قيل يا رسول الله، سمهم لنا، قال: علي منهم - يقول ذلك ثلاثاً -
وأبو ذر والمقداد وسلمان (3).
وعن الإمام علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن نبي إلا أعطي سبعة نجباء
وزراء ورفقاء، وأنا أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعلي
والحسن والحسين وابن مسعود وسلمان وعمار و حذيفة وأبو ذر
والمقداد وبلال (4).
وفي الإستيعاب عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لم يكن نبي إلا
أعطي سبعة نجباء ووزراء ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبو
بكر وعمر وعلي والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة
وأبو ذر والمقداد وبلال (5).
____________
<=
المعاد 3 / 173 - 174، البداية والنهاية 2 / 395، فتح الباري 7 / 224، مغازي الواقدي 1 / 48،
ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 102، أسد الغابة 5 / 252، طبقات ابن سعد 3 / 114 - 115،
سيرة ابن هشام 2 / 407، السيرة الحلبية 2 / 385، تاريخ الطبري 2 / 234، الإستيعاب
3 / 474 - 475، مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 68.
(1) طبقات ابن سعد 3 / 114.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 118.
(3) حلية الأولياء 1 / 172.
(4) أسد الغابة 5 / 253، صحيح الترمذي 10 / 291.
(5) الإستيعاب 3 / 473.
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن المسيب بن نجية عن علي بن
أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أعطي كل نبي سبعة رفقاء، وأعطيت أنا أربعة
عشر، قيل لعلي من هم؟ قال: أنا وابناي الحسن والحسين وحمزة وجعفر
وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير،
رضي الله عنهم (1).
وفي طبقات ابن سعد: أن المقداد بن عمرو خطب إلى رجل من قريش
فأبى أن يزوجه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لكني أزوجك ضباعة ابنة الزبير بن
عبد المطلب (2) (بنت عم النبي).
وروى ابن حجر في الإصابة عن ثابت البناني قال: كان المقداد
وعبد الرحمن بن عوف جالسين، فقال له: ما لك لا تتزوج، قال: زوجني
ابنتك، فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، فشكا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أن
أزوجك، فزوجه بنت عمه، ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (3).
وعن المقداد بن الأسود، رضي الله تعالى عنه قال: استعملني
رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عمل، فلما رجعت قال: كيف وجدت الإمارة، قلت: يا
رسول الله، ما ظننت إلا أن الناس كلهم خول لي، والله لا ألي على عمل ما
دمت حياً، وعن ثابت عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه قال: بعث
النبي صلى الله عليه وسلم، المقداد بن الأسود، رضي الله تعالى عنه، على سرية فلما قدم قال
____________
(1) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 636 - 637 (بيروت 1983). وقد جاء الحديث أيضاً
في فضائل الصحابة بأرقام 109، 274، 275، 276، 277 ص 136، 137، 227، 228،
من الجزء الأول (بيروت 1983 - نشر جامعة أم القرى - بمكة المكرمة)، وانظر: المسند
1 / 88، 148، 149، والترمذي 5 / 662، والطبراني في الكبير 6 / 264 - 265، وحلية الأولياء
1 / 128.
(2) طبقات ابن سعد 3 / 115.
(3) ابن حجر العسقلاني: الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 454 - 455.
له: كيف وجدت الإمارة؟ قال: كنت أحمل وأوضع حتى رأيت بأن لي على
القوم فضلاً: قال: والذي بعثك بالحق لا أتأمر على اثنين أبداً (1).
وعن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد قال: كان
المقداد بن الأسود، في سرية فحصرهم العدو، فعزم الأمير أن لا يجشر أحد
دابته، فجشر رجل دابته لم تبلغه العزيمة فضربه، فرجع الرجل وهو يقول: ما
رأيت كما لقيت اليوم قط، فمر المقداد فقال: ما شأنك؟ فذكر له قصته، فتقلد
السيف وانطلق معه حتى انتهى إلى الأمير فقال: أقده من نفسك فأقاده، فعفا
الرجل، فرجع المقداد وهو يقول: لأموتن والإسلام عزيز (2).
وكان المقداد من أنصار الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه،
وكرم الله تعالى وجهه في الجنة - وكان موقفه يوم الشورى واضحاً، فعندما جمع
عبد الرحمن بن عوف الناس في المسجد النبوي الشريف، فقال: أشيروا علي،
فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف الناس، فبايع علياً، فقال المقداد بن
الأسود: صدق عمار، إن بايعت علياً، قلنا: سمعنا وأطعنا.
وعندما اختار عبد الرحمن عثمان قال المقداد: يا عبد الرحمن: أما والله
لقد تركته، وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال: يا مقداد، والله لقد
اجتهدت للمسلمين، قال: إن كنت أردت الله، فأثابك الله ثواب المحسنين.
فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني
لأعجب من قريش، أنهم تركوا رجلاً ما أقول، ولا أعلم: أن رجلاً أقضى
بالعدل، ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعواناً عليه، فقال عبد الرحمن: يا
مقداد، إتق الله، فأنا خائف عليك الفتنة.
____________
(1) حلية الأولياء 1 / 174 - 175.
(2) حلية الأولياء 1 / 176.
فقال رجل للمقداد: رحمك الله، من أهل هذا البيت؟ ومن هذا الرجل؟
قال: أهل البيت، بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.
فقال علي بن أبي طالب: أن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر بيتها
فتقول: إني ولي عليكم بنو هاشم، لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم
تداولتموها بينكم (1).
وفي تاريخ اليعقوبي: وروى بعضهم فقال: دخلت مسجد رسول الله،
فرأيت رجلاً جاثياً على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها، وهو
يقول: واعجباً لقريش، ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيهم، وفيهم أول
المؤمنين، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلم الناس، وأفقههم في دين الله،
وأعظمهم غناء في الإسلام، وأبصرها بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم،
ولقد زووها عن الهادي المهتدي، الطاهر النقي، وما أرادوا إصلاحاً للأمة، ولا
صواباً في المذهب، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعداً وسحقاً للقوم
الظالمين، فدنوت منه فقلت: من أنت يرحمك الله، ومن هذا الرجل.
فقال: أنا المقداد بن عمرو، وهذا الرجل علي بن أبي طالب، قال:
فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه؟ فقال: يا ابن أخي، إن هذا الأمر لا
يجري فيه الرجل، ولا الرجلان، ثم خرجت فلقيت أبا ذر، فذكرت له ذلك،
فقال: صدق أخي المقداد، ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فذكرت ذلك له،
فقال: لقد أخبرنا فلم نال (2).
وفي رواية المسعودي (3): كان عمار، حين بويع عثمان، بلغه قول
____________
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 70 - 72 (بيروت 1965)، تاريخ الطبري 4 / 232 - 233.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 163 (بيروت 1980).
(3) أنظر عن أهم مصادر ترجمة المسعودي (ياقوت الحموي) إرشاد الأريب 13 / 90 - 94، فوات
الوفيات للكتبي 2 / 45، تذكرة الحفاظ 3 / 70، دول الإسلام للذهبي 1 / 156، لسان الميزان
لابن حجر 4 / 224 - 225، النوبختي: أعيان الشيعة 41 / 198 - 213، الأعلام للزركلي
=>
أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان، عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان،
ودخل داره ومعه بنو أمية، فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ (وقد كان
عمي) قالوا: لا، قال: يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به
أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرن إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان،
وسائه ما قال.
ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار، وغير ذلك من الكلام، فقام
عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن بيت
نبيكم ههنا مرة، وههنا مرة، فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم، فيضعه في
غيركم، كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.
وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم،
فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال المقداد:
إني والله لأحبهم، لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا
عبد الرحمن: أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا
البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعده من أيديهم، أما
وأيم الله يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم، مع
النبي، عليه الصلاة والسلام يوم بدر (1).
____________
<=
5 / 87، معجم المؤلفين لكحالة 7 / 80 - 81، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 2 / 177
- 184، الرجال للنجاشي ص 178 - 179، عبد السلام العشري: أبو الحسن المسعودي - القاهرة
1957).
والمسعودي - رغم عدم معرفتنا لتاريخ ميلاده - فهو قد ولد في بغداد من أسرة تنتسب إلى
الصحابي عبد الله بن مسعود، وأقام في إصطخر أثناء رحلته في إيران (305 هـ/ 917 م)، ثم
ذهب إلى الهند وزار ملتان والمنصورة ثم سيلان، ثم عمان وزنجبار، ومضت به حياته القلقة إلى
بحر قزوين ثم فلسطين ثم مدن ثغور الشام كإنطاكية، ثم استقر في مصر، حيث مات في
الفسطاط عام (345 هـ/ 956 م) أو 346 هـ، وكان الرجل مهتماً بالتاريخ والجغرافيا وعلوم الدين
والأخلاق والسياسة وعلوم اللغة، ولكن معظم جهده كان في التاريخ والجغرافيا.
(1) المسعودي: مروج الذهب 1 / 633 (بيروت 1982).
وروى أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب أخبار السقيفة عن
محمد بن قيس الأسدي عن المعروف بن سويد قال: كنت بالمدينة أيام بويع
عثمان، فرأيت رجلاً في المسجد جالساً، وهو يصفق إحدى يديه على الأخرى
- والناس حوله - ويقول: واعجباً من قريش، واستئثارهم بهذا الأمر، على أهل
هذا البيت، معدن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد، والله إن فيهم لرجلاً ما
رأيت - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - أولى منه بالحق، ولا أقضى بالعدل، ولا آمر
بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر، فسألت عنه، فقيل: هذا المقداد، فتقدمت
إليه وقلت: أصلحك الله من الرجل الذي تذكر؟ فقال: ابن عم نبيك
رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب.
قال: فلبثت ما شاء الله، ثم إني لقيت أبا ذر، رحمه الله، فحدثته ما قال
المقداد، فقال: صدق، قلت: فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم، قال:
أبي ذلك قومهم، قلت: فما يمنعكم أن تعينوهم، قال: مه لا تقل هذا، إياكم
والفرقة والاختلاف، قال: فسكت عنه، ثم كان من الأمر ما كان (1).
هذا وقد توفي المقداد بالمدينة في خلافة عثمان، بأرض له بالجرف،
وحمل إلى المدينة، وكان عمره سبعين سنة يقول ابن سعد: مات المقداد
بالجرف، على ثلاثة أميال من المدينة، فحمل على رقاب الرجال حتى دفن
بالمدينة بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان، وذلك سنة ثلاث وثلاثين، وكان
يوم موته ابن سبعين سنة أو نحوها، وعن شعبة عن الحكم: أن عثمان بن عفان
جعل يثني على المقداد بعد ما مات، فقال الزبير:
لا ألفينك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي (2)
____________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 21 - 22 (بيروت 1967).
(2) أسد الغابة 5 / 254، طبقات ابن سعد 3 / 115 - 116.
|