إلى مصابيح الهدى الذين يقودون الناس إلى الهدى.
الذين علموا أن الغنى والفقر بعد العرض على الله يوم القيامة.
والذين صبروا صبر الأحرار.
والذين ينتظرون يوم العدل على الظالم.
إلى هؤلاء أهدي هذا الكتاب طمعا في جرعة ماء من حوض النبي الأكرم
صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة. «فما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن.
وما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل. وكل معدود منقص. وكل متوقع آت.
وكل آت قريب دان»(*).
... أيوب
____________
(*) من أقوال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين. وصلوات الله وسلامه على محمد النبي الأكرم
المبعوث بالشريعة الخاتمة وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
وبعد:
لقد حث كتاب الله تعالى على التدبر في الكون والنظر في تاريخ الأمم
السابقة وفحص حركة هذه الأمم والعوامل التي أدت إلى نهاية أجلها. قال
تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون) (1) فالأجل في هذه الآية الكريمة. أضيف إلى الأمة إلى الوجود
المجموعي للناس. فكما أن هناك أجل محدد ومحتوم لكل فرد. فكذلك هناك
أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد. للأمة بوصفها مجتمعا
ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار
والمبادئ. فهذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالأمة. له أجل. له
موت. له حياة. له حركة. وكما أن الفرد يتحرك فيكون حيا ثم يموت. كذلك
الأمة تكون حية ثم تموت. وكما أن موت الفرد يخضع لأجل ولقانون ولناموس.
كذلك الأمم أيضا لها آجالها المضبوطة (2) من أجل هذا نبه كتاب الله الحاضر لكي
____________
(1) سورة الأعراف، الآية: 34.
(2) المدرسة القرآنية / باقر الصدر: ص 56.
ينظر إلى أطلال الجهد البشري في الماضي. ليتجه نحو المستقبل وهو على علم
بالإنحراف وما يترتب عليه. ويعلم أن نصر الله لقريب ولكن نصر الله له طريق.
وما عليه إلا أن يهتد إلى هذا الطريق. وبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة
البشرية صالحا وعاليا وممتدا تكون الغايات صالحة وممتدة. وعلى امتداد
الصلاح يكون نصر الله، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدودا أو منخفضا
تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضا ولا يترتب على هذا إلا فتن
وعذاب وهلاك.
وعلى امتداد هذا الكتاب قمنا بتسليط الضوء على الفقه الشيطاني الذي
أنجب جميع المثل العليا المنخفضة التي واجهت أنبياء الله ورسله على امتداد
التاريخ الإنساني. وكيف واجه الأنبياء هذا الصد عن سبيل الله وهذا الانحراف.
ومادة هذا البحث طرحت بين يدي القرآن الكريم. وأجوبتها جاءت من القرآن
الكريم. فالقرآن هو الطريق الوحيد للحصول على الخطوط الأساسية التي عليها
جرت حركة هذه الأمم. ولقد اعتمدنا على العديد من التفاسير لكشف أعماق هذه
الخطوط الأساسية وتقديمها للقارئ ليقف بيسر على صفحة الماضي وينطلق
بيسر إلى المستقبل إذا شاء ذلك. وفي البداية نقول أنه مما تبين لنا خلال هذا
البحث أن حركة الشيطان لم تكن فقط في دورات المياه كما قيل لنا. وإنما كانت
حركة مضبوطة منذ طرده الله ولعنه. وهذه الحركة عمودها الفقري ينطلق من رفضه
السجود لآدم. فقوله: (أنا خير منه) أرسى قاعدة التحقير التي رفعها
المستكبرين ضد البشرية على امتداد التاريخ الإنساني. وحركة الاستكبار على
امتداد التاريخ طويت صفحتها ليس من أجل إصابتها بالشيخوخة كما يقول البعض
في أسباب سقوط الدول. وإنما طويت صفحتها في دائرة العذاب. عندما رفض
أصحابها السجود لله كما أراد الله. وخلال هذا البحث قمنا بطرح ما قصه القرآن
عن الأمم السابقة وحتى الرسالة الخاتمة. وعند الحديث عن الرسالة الخاتمة
ألقينا بعض من الضوء على أحداث ما سمي " بالفتنة الكبرى ". تلك الأحداث
التي يتجنب العديد من الباحثين الخوض فيها. في حين أنهم أمروا بالنظر في
الماضي حتى لا ينطلقوا إلى المستقبل وعلى عقولهم بصمات هذه الفتن وهم لا
يعرفون أهي بصمات حق. أم بصمات انحراف. وعلى هذا يقعوا في الفتنة
الأشد من التي اجتنبوها سأل رجل حذيفة: أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض
عليك الخير والشر. لا تدري أيهما تركب (3) ومن الخطأ الشائع أن تاريخ الإسلام
هو نفسه تاريخ المسلمين. ولهذا ظن العديد من الباحثين أن نقد تاريخ المسلمون
هو نقد لتاريخ الإسلام. ونحن نقول: أن تاريخ الإسلام في الرسالة الخاتمة هو
حركة الرسول ودعوته. وهذا التاريخ امتداد طبيعي لتاريخ الدعوة منذ عهد نوح
وآل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام. تاريخ الإسلام هو نفسه تاريخ الفطرة
النقية التي لم تحيد عن الصراط المستقيم. وعلى امتداد هذا التاريخ لا تجد إلا
نصر الله قال تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم
الأشهاد) (4) وتاريخ الإسلام فيه الابتلاء والصبر والنصر. قال تعالى: (أم
حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء
والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله. ألا إن نصر
الله قريب) (5) فتاريخ الإسلام تقام فيه الحجج على الذين كفروا. وتكافح فيه
الفطرة النقية معسكر الانحراف. أما تاريخ المسلمين فهو يتعلق بحركة المسلمين
فما كان منه منطبقا مع آيات الكتاب وحركة الرسول فهو من تاريخ الإسلام. أما ما
خرج منه من دوائر الحقد والحسد والاستكبار فلا علاقة للإسلام به. ويبحث عن
أصوله في فقه الإغواء والتزيين. تماما كبني إسرائيل. فهم عندما ساروا مع
موسى عليه السلام في اتجاه البحر وعبروا معه. كانوا يدونون بذلك تاريخ
الإسلام، وعندما عبدوا العجل وأرجلهم لم تجف بعد من ماء البحر، كانوا
يدونوا تاريخ بني إسرائيل ولا علاقة للإسلام بهذا التاريخ. لذا نجد هارون عليه
السلام يقول لموسى عليه السلام عندما سأله عن هذا الانحراف وعاتبه: (إني
خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) (6) لقد وضعهم في دائرة حركتهم التي
تحمل العنوان الذي اشتهروا به بين الأمم " بني إسرائيل ". ولم يضعهم في دائرة
الإسلام. وكان موسى عليه السلام قد قال لهم وهم تحت المظلة الفرعونية (يا
قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) (7) إن حركة الفطرة ضد
____________
(3) أسد الغابة: 1 / 468.
(4) سورة غافر، الآية: 51.
(5) سورة البقرة، الآية: 214.
(6) سورة طه، الآية: 94.
(7) سورة يونس، الآية: 84.
الانحراف تحت قيادة الرسل. هي بعينها تاريخ الإسلام الذي رفع عنوانا من اليوم
الأول يقول فيه. أن دين الله لا إجبار فيه. أما حركة المال والسلاح والتخويف
والتجويع والأهواء والطواغيت إلى غير ذلك. فهذا مدون في تاريخ الناس وهذا
التاريخ يقبل الأخذ والرد ويخضع للنقد والبحث العلمي الجاد.
وعلى ضوء هذا التعريف بحركة التاريخ ناقشنا العديد من الأحداث.
انطلقنا من القرآن لنصل إلى أعماق الحدث عن طريق القرآن أيضا. ثم نقبنا في
الحدث لنرى أين أهداف الدعوة فيه. وأخيرا إذا كان هناك كلمة أخيرة فإنني
أتوجه بها إلى الذين يختلفون معي في مفهومي لحركة التاريخ الذي يضع الفطرة
في مربع والأفعال التي تأنف منها الفطرة رغم زينتها وزخرفها في مربع آخر. أقول
لهؤلاء إن هذا الكتاب لن يفيدكم في شئ. وإنني أشفق عليكم أن تضيعوا
أوقاتكم هنا. وبالله نستعين (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما
عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ
المبين) (8).
صدق الله العظيم
سعيد أيوب
القاهرة في 1 / 7 / 1991
____________
(8) سورة النور، الآية: 54.
البذور والجذور
نظرات حول الفطرة وفي فقه الشيطان
مقدمة:
سبحان الله الواحد الأحد. الذي لم يسبقه وقت. ولم يتقدمه زمان. ولم
يتعاوره زيادة ولا نقصان. ولم يوصف باين ولا بما ولا بمكان. الذي بطن من
خفيات الأمور. وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير. الذي
سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا نقصان. بل وصفته بأفعاله ودلت عليه
بآياته. فسبحان من لا يحد ولا يوصف ولا يشبهه شئ. يصور ما يشاء وليس
بمصور. جل ثناؤه وتقدست أسمائه وتعالى أن يكون له شبيه. من شبهه بخلقه
فهو مشرك. ومن وصفه بالمكان فهو كافر ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو
كاذب (1).
قبل أن يخلق سبحانه آدم عليه السلام قال لملائكته: (إني جاعل في
الأرض خليفة) (2) فهو سبحانه خلق آدم ليكون في الأرض لا في السماء.
وعندما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء...) (3) لم
____________
(1) من أقوال الإمام علي - توضيح المراد: 498 - 500.
(2) سورة البقرة، الآية: 30.
(3) سورة البقرة، الآية: 30.
ينف سبحانه عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء. وقال سبحانه: (إني
أعلم ما لا تعلمون) (4). فالإنسان قبل أن يخلق قدر الله أن تكون حركته على
الأرض. ولأن هذه الحركة لحكمة ومن وراء هذه الحكمة هدف. أقام الله الحجة
على هذه الحركة. فإذا اقترف الإنسان المعاصي وسفك الدماء: كانت الحجة
شاهد عليه. ولا يوصف بالعدل من نسب إلى الله ذنوب عباده.
1 - حجة الفطرة:
وإذا كانت حركة الإنسان قدر لها أن تكون على الأرض. فإن هذه الحركة
لا ينبغي لها أن تخرج عن دائرة العبادة لله إذا أراد صاحبها النجاة. أما إذا أراد أن
يدلي بدلوه في مربعات الفساد وسفك الدماء. فإنه بحركته هذه يدور في عكس
اتجاه النجاة وعندئذ لا يلومن إلا نفسه. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) (5) قال المفسرون.
المراد بخلقهم للعبادة، خلقهم على وجه صالح لأن يعبدوا الله بجعلهم ذوي
اختيار وعقل واستطاعة، والمعنى: أي ما خلقتهم إلا لأجل العبادة. ولم أرد من
جميعهم إلا إياها. والغرض من خلقهم تعريضهم للثواب. وذلك لا يحصل إلا
بأداء العبادات. ولما كان الإنسان قد خلق من أجل العبادة وعلى طريق هذه
العبادة توجد دوائر للإفساد وسفك الدماء هدفها عرقلة هذه العبادة. فإنه تعالى
وضع أصول هذه العبادة في حصن الفطرة الحصين. ليعبر الإنسان بفطرته
السليمة تلك العقبات ويصل بعبادته إلى حيث ينال الثواب. فالفطرة شعاع يهدي
صاحبه إلى طريق النجاة. والفطرة حجة بذاتها على الإنسان تنطق عليه بالحق يوم
يقف أمام الله تعالى يوم القيامة ويقول له: (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا).
ومخزون الفطرة الحجة بذاته جاء ذكره في أكثر من موضع من كتاب الله. منه قوله
تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني أدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو
تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل
المبطلون " (6) قال صاحب الميزان. أي أذكر للناس. موطنا قبل الدنيا أخذ فيه
____________
(4) سورة البقرة، الآية: 30.
(5) سورة الذاريات، الآيتان: 56 - 57.
(6) سورة الأعراف، الآيتان: 172 - 173.
ربك (من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) فما من أحد منهم إلا استقل من غيره
وتميز منه. فاجتمعوا هناك جميعا. وهم فرادى. فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم
(وأشهدهم على أنفسهم) فلم يحتجبوا عنه. وعاينوا أنه ربهم كما أن كل شئ
بفطرته يجد ربه من نفسه من غير أن يحتجب عنه. (ألست بربكم) وهو خطاب
حقيقي لهم. لا بيان حال. وتكليم إلهي لهم فإنهم يفهمون مما يشاهدون. أن
الله سبحانه يريد به منهم الاعتراف وإعطاء الموثق. وقوله: (أن تقولوا يوم
القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) الخطاب للمخاطبين بقوله: (ألست بربكم)
القائلين (بلى شهدنا) فهم هناك يعاينون الإشهاد والتكليم من الله. والتكلم
بالاعتراف من أنفسهم. وإن كانوا في نشأة الدنيا على غفلة مما عدا المعرفة
بالاستدلال. ثم إذا كان يوم البعث وانطوى بساط الدنيا. وانمحت هذه الشواغل
والحجب عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم. وذكروا ما جرى بينهم وبين ربهم (7).
والمراد أنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم. وأشهدناهم على أنفسهم.
فاعترفوا بربوبيتنا. فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة. ولو لم نفعل هذا. ولم
نشهد كل فرد منهم على نفسه بعد أخذه. فإن كنا أهملنا الإشهاد من رأس. فلم
يشهد أحد أن الله ربه. ولم يعلم ربه. لأقاموا جميعا الحجة علينا يوم القيامة
بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا. ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة.
وإن كنا لم نهمل أمر الإشهاد من رأس. وأشهدنا بعضهم على أنفسهم دون بعض
بأن أشهدنا الآباء على هذا الأمر الهام العظيم دون ذرياتهم. ثم أشرك الجميع.
كان شرك الآباء شركا على علم بأن الله هو الرب لا رب غيره. فكانت معصية
منهم. وأما الذرية فإنما كان شركهم بمجرد التقليد فيما لا سبيل لهم إلى العلم به
لا إجمالا ولا تفصيلا. ومتابعة عملية محضة لآبائهم. فكان آباؤهم هم
المشركون بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة الأمر. وقد قادوا ذريتهم
الضعاف في سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك. ولا سبيل لهم إلى العلم
بحقيقة الأمر وإدراك ضلال آبائهم وإضلالهم إياهم. فكانت الحجة لهؤلاء الذرية
على الله يوم القيامة. لأن الذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحق هم الآباء.
فهم المستحقين للمؤاخذة. والفعل فعلهم. وأما الذرية فلم يعرفوا حقا حتى
____________
(7) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي ط. مؤسسة الأعلمي بيروت: ص 322 / 8.
يأمروا به فيعصوا بمخالفته. فهم لم يعصوا شيئا ولم يبطلوا حقا. وحينئذ لم تتم
حجة على الذرية. فلم تتم الحجة على جميع بني آدم. وهذا معنى قوله تعالى:
(أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل
المبطلون) (8).
ولكي لا يكون للسلف وللخلف حجة على الله يوم القيامة. أخذ سبحانه
الميثاق من بني آدم جميعا. وهذا الميثاق هو مخزون الفطرة. وحجة بذاته على
الإنسان في كل حركة له على الأرض. وميثاق الفطرة هو العمود الفقري للعبادة
التي خلق الله الإنسان لها. وهو الكشاف الذي يهدي إلى الطريق المستقيم
ويجنب صاحبه الإنزلاق في منجيات الإفساد وسفك الدماء التي لم ينف الله
سبحانه وجودها عندما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء) وإذا كانت الفطرة كشاف يهدي إلى الصراط المستقيم فإن حدود هذا
الصراط وضوابطه يحددها أنبياء الله عليهم السلام. وأنبياء الله على امتداد التاريخ
الإنساني بعثوا بدين الفطرة. أي بالعبادة الحق التي تنسجم مع ميثاق الفطرة
وتتكاتف معه على صراط مستقيم. فالأنبياء جاؤوا إلى نوع إنساني واحد ذات
مقصد واحد. وهذا النوع له رب واحد. وهو الذي فطر السماوات والأرض.
والربربية والألوهية ليست من المناصب التشريفية الوضعية. حتى يختار الإنسان
منها لنفسه ما يشاء وكم يشاء وكيف يشاء بل هي مبدئية تكوينية لتدبير أمره.
والإنسان حقيقة نوعية واحدة. والنظام الجاري في تدبير أمره نظام واحد متصل
مرتبط بعض أجزائه ببعض. ونظام التدبير الواحد لا يقوم به إلا مدبر واحد. لهذا
فلا معنى لأن يختلف الإنسان في أمر الربوبية فيتخذ بعضهم ربا غير ما يتخذه
الآخر. أو يسلك قوم في عبادته غير ما يسلكه الآخرون. فالإنسان نوع واحد
يجب أن يتخذ ربا واحدا. هو رب بحقيقة الربوبية. وهو الله عز اسمه (9) بهذا
جاء رسل الله وعلى هذا قامت دعوتهم عليهم السلام.
2 - بذور الإنحرافات الكبرى:
لم تظهر بذور الإفساد وسفك الدماء الذي ذكرته الملائكة عندما خاطبهم
____________
(8) المصدر السابق: 309 / 8.
(9) الميزان: 322 / 14.
الله بأنه جاعل في الأرض خليفة إلا عندما أمر سبحانه الملائكة بالسجود لآدم.
ففي هذا الوقت خط إبليس خط الانحراف الذي تنمو عليه بذور الافساد التي
وضعها. يقول تعالى: (إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من طين. فإذا
سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم
أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن
تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من
نار وخلقته من طين) (10).
لقد ذكرت الآية أن مبدأ خلق الإنسان الطين. وفي سورة الروم التراب.
وفي سورة الحجر صلصال من حمإ مسنون. وفي سورة الرحمن صلصال
كالفخار. ولا ضير فإنها أحوال مختلفة لمادته الأصلية التي منها خلق وقد أشير في
كل موضع إلى واحدة منها. وأمر الله تعالى الملائكة. إذا سوى الإنسان بتركيب
أعضائه بعضها على بعض وتتميمها صورة إنسان تام. ونفخ الروح فيه أن يقعوا له
ساجدين. وسجد الملائكة لأمر الله. ولم يذكر أحد منهم. أي علاقة بين طين
ونور. فعندما أمروا بالسجود سجدوا. ولم يشذ في هذا المشهد المهيب سوى
إبليس (قال أنا خير منه) لقد علل عدم سجوده بما يدعيه من شرافة ذاته وأنه
لكونه خلقه من نار خير من آدم المخلوق من طين. ويظهر للمتدبر الفطن أن رفض
إبليس للسجود. هو في نفس الوقت رفض للخضوع للإنسان والعمل في سبيل
سعادته. وإعانته على كماله المطلوب. على خلاف ما ظهر من الملائكة. فهو
بإيبائه عن السجدة خرج من جموع الملائكة كما يفيده قوله تعالى: (ما لك ألا
تكون مع الساجدين) وأظهر الخصومة لنوع الإنسان والبراءة منهم ما حيوا وعاشوا
* - بذور الإستعلاء والتحقير:
وإبليس بعد أن لعنه الله وجعله من المطرودين من رحمته. وظف هذا
الحقد وهذه الخصومة فيما بعد وذلك أنه وسوس لصنف من الناس وألقى في
نفوسهم مقولة أنهم أرقى من البشر وتجري من عروقهم دماء الآلهة. ووفقا لهذا
____________
(10) سورة ص، الآيات: 7 - 76.
الاعتقاد ادعى هذا الصنف من البشر الألوهية وفي عهودهم اندرج الإنسان إلى
مستوى أقل من مستوى البهيمة. فإبليس بهذه المقولة ذل الإنسان على أيدي
الإنسان. من منطلق حقده وخصومته لآدم وأبنائه. ولم يقذف الشيطان بفقه (أنا
خير منه) على الجبابرة الذين ادعوا الألوهية على امتداد التاريخ فقط. وإنما
قذف بفقه (أنا خير منه) على الخاص والعام في الساحة الإنسانية لوقف تقدم
دين الفطرة. فما من رسول أو نبي بعثه الله منذ ذرأ الله ذرية آدم إلا رفعت في وجهه
لافتة تحقير الإنسان التي انبثقت من فقه (أنا خير منه) الذي يحمل بين طياته
الخصومة لبني الإنسان. لقد واجه الخاص والعام رسل الله عليهم السلام بقول
واحد على امتداد الرسالات فقالوا: (ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من
شئ) (11)، وقالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدون عما كان يعبد
آباؤنا) (12) وقالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) (13) لقد
قام إبليس بتوظيف خصومته للإنسان. بأن بث ثقافة من شأنها أن تمنع السجود
لله. وإذا كان هو أصل هذه الثقافة يوم أن رفض السجود. فإن هذه الثقافة حملها
في الدنيا الإنسان ضد الإنسان بعد أن دق الشيطان وتدها في الكيان الإنساني.
وهذا الوتد كان له أثرا بالغا في الصد عن سبيل الله. يقول تعالى: (وما منع
الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (14) وتحت
مظلة تحقير الإنسان واجه رسول الله أشد الخصومات من الإنسان الذي استحوذ
عليه الشيطان. لقد وقف تلاميذ الشيطان أمام الهدى الذي يطالبهم بالسجود لله.
وأثاروا قضية الشيطان القديمة ولكن في ثوب يستقيم مع عصورهم. فرفضوا النبي
لأنه بشر خلقه الله من طين. فإذا كان لا بد من نبي فينبغي أن يكون ملكا رسولا.
ملكا من نار أو من نور. فهذا وحده الذي ينبغي أن يسمع لقوله. وتحت مظلة
التحقير هذه ارتكبت أفظع الجرائم. وارتدت الأنانية أكثر من ثوب. وارتفع
الأغيلمة السفهاء فوق الحلماء الأتقياء، وتحت مظلة السفهاء تم تصنيف البشر
إلى خدم وأراذل وأشراف، وعلى امتداد التاريخ الإنساني، ضرب الكون سفهاء
____________
(11) سورة يس، الآية: 24.
(12) سورة إبراهيم، الآية: 10.
(13) سورة المؤمنون، الآية: 24.
(14) سورة الإسراء، الآية 140.
قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم فرعون وغيرهم. وهلك
جميع هؤلاء ولكن فقه التحقير لم يهلك معهم لأنه باقي ما بقي الشيطان.
فالشيطان يطرحه على قوم وعند ذهاب السلف يلقيه الشيطان على الخلف وهكذا
حتى تتسع الحلقات ليكون التحقير مألوفا على امتداد القافلة البشرية. تلك هي
خطة الشيطان في فقه التحقير الذي يرفض الهدى ليفتح أبواب النار (أفتتخذونه
وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) (15).
* بذور المتاجرة بالدين:
بعد أن لعن الله أول فاتح فتح باب معصية الله. وعصاه في أمره. طلب
إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون. فلما أجيب إلى ما سأل. أظهر ما هو كامن في
ذاته. وما أبداه كان في حقيقة الأمر خطته الكاملة تجاه آدم وذريته. والخطة
الشيطانية لم تترك منفذا إلا وراقبته. وإذا كان إبليس قد استثمر قوله: (أنا خير
منه) في وضع فقه التحقير الذي أنتج نوعا من البشر يعمل ضد البشر. فإنه في
مكان آخر عمل من أجل عرقلة طريق العبادة التي من أجلها خلق الله الجن
والإنس. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (16). قال
المفسرون: إن الغرض العبادة. بمعنى كونهم عابدين لله. لا كونه معبودا. فقد
قال. (ليعبدون) ولم يقل: لأعبد أو لأكون معبودا لهم... فالله هو المعبود
الحق. وهو سبحانه قد بين للجن والإنس كيف يعبدوه. فالعبادة هي أن تعبد الله
كما يريد الله. وإبليس أدلى بدلوه في اتجاهين.. الاتجاه الأول أنه وسوس
للإنسان بعيدا عن المعنى المقصود (ليعبدون) ونصب خيمته في مربع،
لأكون معبودا لهم. ووفقا لتصورات هذا المربع تم عبادة الأصنام والطاغوت على
امتداد المسيرة البشرية. والإتجاه الثاني. وسوس للإنسان ليعرقل المسيرة نحو
المعنى المقصود لقوله تعالى: (ليعبدون) فالله تعالى بين لعباده كيفية عبادته
على لسان رسله عليهم السلام. ولما كانت دعوة الرسل على صراط مستقيم.
فإن إبليس نصب له خيمة على هذا الصراط مهمتها الصد عن سبيل الله وعرقلة
____________
(15) سورة الكهف، الآية: 50.
(16) سورة الذاريات، الآية: 56.
الطريق أمام العبادة الحقة. وتلاميذ إبليس على هذا الصراط هم المنافقون على
امتداد التاريخ الإنساني. فالمنافق يسير على الصراط المستقيم بفقه الشعار وليس
بفقه الشعور. وفقه الشعار لا يغني عنه من الله شيئا ولا يحق له أي فوز في موطئ
قدم فوق الصراط المستقيم عند العرض على الله يوم القيامة. وعرقلة الطريق على
الصراط المستقيم وفقا للخطة الشيطانية جاء في قول الله تعالى: (قال فبما
أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم
وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (17) قال المفسرون: أي
لأجلسن لأجلهم على صراطك المستقيم وسبيلك السوي الذي يوصلهم إليك
وينتهي بهم إلى سعادتهم. لما أن الجميع سائرون إليك سالكون لا محالة مستقيم
صراطك. فالقعود على الصراط المستقيم كناية عن التزامه والترصد لعابريه
ليخرجهم منه. وقوله: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم...) الآية.
بيان لما يصنعه بهم. وقد كمن لهم قاعدا على الصراط المستقيم. وهو أنه يأتيهم
من كل جانب من جوانبهم الأربعة... والمراد بما بين أيديهم: ما يستقبلهم من
الحوادث أيام حياتهم. مما يتعلق به الآمال والأماني من الأمور التي تهواه النفوس
وتستلذه الطباع. ومما يكرهه الإنسان ويخاف نزوله به. كالفقر يخاف منه لو أنفق
المال في سبيل الله. أو ذم الناس ولومهم لو ورد سبيلا من سبل الخير والثواب.
والمراد بخلفهم: ناحية الأولاد والأعقاب. فللإنسان فيمن يخلفه بعده من
الأولاد. أمال وأماني ومخاوف ومكاره. فإنه يخيل إليه. أنه يبقى ببقائهم.
فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم. ويعد لهم ما استطاع من قوة فيهلك
نفسه في سبيل حياتهم والمراد باليمين: وهو الجانب القوي الميمون من الإنسان
ناحية سعادتهم وهو الدين. وإتيانه من جانب اليمين أن يزين لهم المبالغة في
بعض الأمور الدينية، والتكلف بما لم يأمرهم به الله. وهو الذي يسميه الله تعالى
بإتباع خطوات الشيطان. والمراد بالشمال: خلاف اليمين. وإتيانه منه أن يزين
لهم الفحشاء والمنكر ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع
الأهواء (18).
____________
(17) سورة الأعراف، الآيتان: 16 - 17.
(18) الميزان: 31 / 8.
فكل جهة من هذه الجهات لها في خيام النفاق أساتذة وعباقرة. مهمتهم
تمييع القضايا وترقيع الحقائق يرقع الباطل. أو تزيين الباطل بلافتات الحق.
ليصلوا بالجميع إلى محطة لا يكون فيها الدين إلا اسما ولا يكون كتابه إلا رسما.
ووفقا لهذا لا يتحقق المقصود من قوله تعالى: (ليعبدون) وفقه الشعار الذي
يعمل به أولياء الشيطان. أول من عمل به الشيطان نفسه. ثم ألقاه على عقولهم
الصدئة في خيمة النفاق. ليعملوا به ضد البشرية ولكن بأسلوب آخر. واستعمال
كالشيطان لفقه الشعار. جاء في قوله تعالى: (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما
ما وري عنهما من سوآتهما. وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا
ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) (19) قال
المفسرون: المقاسمة. المبالغة في القسم أي حلف لهما وأغلظ في حلفه أنه
لهما لمن الناصحين. وروي عن أبي عبد الله قال لما خرج آدم من الجنة نزل
عليه جبرائيل. فقال: يا آدم أليس خلقك الله بيده. ونفخ فيك من روحه.
وأسجد لك ملائكته. وزوجك حواء أمته. وأسكنك الجنة وأباحها لك. ونهاك
مشافهة أن تأكل من هذه الشجرة. فأكلت منها وعصيت الله؟ فقال آدم: يا
جبرائيل إن إبليس حلف لي بالله أنه لي ناصح. فما ظننت أن أحدا من خلق الله
يحلف بالله كذبا (20) وقال في المجمع: أن الله تعالى خلق آدم حجة في أرضه.
ولم يخلقه للجنة. وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض. وعصمته
يجب أن تكون في الأرض لتتم مقادير أمر الله عز وجل. فلما أهبط إلى الأرض
وجعل حجة وخليفة عصم بقوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم
وآل عمران على العالمين) (21).
والشيطان استعمل فقه الرمز في البداية. ولكن الله عصم آدم في النهاية.
ثم قام الشيطان بتوسيع هذا الفقه داخل خيمة الانحراف ليتزود منه كل من لم
يدخل الإيمان قلبه. لتزل أقدامهم إلى مهابط المغضوب عليهم أو الضالين.
ومن الذين عملوا بفقه الشعار على الصراط المستقيم ولم تغني عنهم أعمالهم
____________
(19) سورة الأعراف، الآيتان: 20 - 21.
(20) الميزان: 61 / 8.
(21) سورة آل عمران، الآية: 33.
شيئا. زوجتا أنبياء الله نوح ولوط عليهما السلام. لقد تزودت كل منهما بزاد من
خيمة النفاق. فكان الزاد عليهما وبال وحسرة. ومن نفس الخيمة تزود تجار
الأديان في بني إسرائيل الذين حرفوا الكلم عن مواضعه. ولحق بهم إخوانهم في
عصر البعثة الخاتمة. الذين فضحهم القرآن في أكثر من موضع. وإذا كان تلاميذ
الشيطان قد وضعوا العراقيل أمام العبادة الحقة. إلا أن هذه العبادة ظلت راسخة
في نفوس المؤمنين بها. وفي كل عصر تنهار الأصنام وتسقط الطواغيت. في
الوقت الذي تسير فيه طلائع النهار رافعة لأعلام الفطرة التي فيها خلاص
الإنسان.
* بذور المتاجرة بالشهوات
بعد أن دق الشيطان وتده في نفوس الجبابرة وأوهمهم بأن في عروقهم
تجري دماء الآلهة. انطلقوا ليملأوا الأرض ظلما وقاست البشرية من الفراعنة
والقياصرة والأكاسرة. وما من عصر من العصور إلا وعليه بصمة من بصمات هؤلاء
رغم رحيلهم. وذلك لأن إبليس يوظف الإنحراف في كل عصر بعد أن يضع عليه
ملابس جديدة. وما حدث مع الجبابرة وفقا لأطروحة (أنا خير منه) يحدث مع
جبابرة اللسان في عالم النفاق. فشذوذ النفاق لا يموت. ويوظف وفقا للتطور
البشري. والانحراف وبشذوذ لا يموتان لأن الشيطان جعل لهما ركوبة تستقيم مع
كل عصر. وهذه الركوبة صالحة للخاص والعام. للأمير وللخفير. للشريف
وللحقير. والركوبة التي اعتمدها الشيطان تخضع لفقه التزيين والإغواء. فهذا
الفقه وحده يحافظ على الشذوذ وينقله من عصر إلى عصر تحت حماية فقه
الاحتناك.
وفقه التزيين والإغواء جاء في قوله: (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في
الأرض ولأغوينهم أجمعين) (22) وفقه الاحتناك جاء في قوله: (قال أرأيتك
هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا " (23)
والفقه الأول يسير في حراسة الفقه الثاني. وفي تزيين الشيطان وإغوائه الناس قال
المفسرون: قوله: (لأزينن لهم في الأرض) أي لأزينن لهم الباطل. أو
____________
(22) سورة الحجر، الآية: 39.
(23) سورة الإسراء، الآية: 62.
لأزينن لهم المعاصي. والمراد بالتزين لهم في الأرض. غرورهم في هذه الحياة
الدنيا وهو السبب القريب للإغواء (24) فالركوبة مزخرفة وتعبير من الماضي إلى
الحاضر إلى المستقبل وهي تحمل زخارف كل عصر. وفي كل عصر يجري
الذين اعتقدوا بأن في عروقهم تجري دماء الآلهة وغيرهم وراء الشهوات التي
تستقيم مع كل منهم. وكل فرد فيهم يتحرك نحو شهوته بمقدار الغرس الذي غرسه
الشيطان بداخله (وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ولأمنينهم
لآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) (25) قال المفسرون:
لأضلنهم بالاشتغال بعبادة غير الله باقتراف المعاصي ولأغرنهم بالاشتغال بالآمال
والأماني التي تصرفهم عن الاشتغال بواجب شأنهم وما يهمهم من أمرهم.
ولآمرنهم بشق آذان الأنعام وتحريم ما أحل الله. ولآمرنهم بتغيير خلق الله وينطبق
على مثل الإخصاء وأنواع المثلة واللواط والسحاق. ولير من البعيد أن يكون
المراد بتغيير خلق الله، الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف (26) فهذه
الأشياء غرس الشيطان. وكل من اتخذ الشيطان له وليا ينطلق بغرسه ليصيب به ما
يشتهيه في عالم الزينة والإغواء.
وتسير قافلة الزخرف والشهوات محملة بانحرافاتها وشهواتها بضجيج أو بلا
ضجيج في مجتمعات هيمن عليها فقه الاحتناك. والاحتناك: الاقتطاع من
الأصل. يقال: احتنك فلان من مال أو علم إذا استقصاه فأخذه كله. واحتنك
الجراد الزرع إذا أكله كله. وحنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا
يقودها به. والمعنى الأخير هو الأصل في الباب. والاحتناك: الإلجام. وقال
المفسرون: قوله (لاحتنكن ذريته إلا قليلا) أي لألجمن ذريته إلا قليلا.
فأتسلط عليهم تسلط راكب الدابة الملجم لها عليها. يطيعونني فيما آمرهم.
ويتوجهون إلى حيث أشير لهم من غير أي عصيان وجماح.. إنه فقه تلجيم
العقول وتكميم الأفواه وتعصيب العيون فقه لا يخدم إلا الغوغاء وتجار الشهوات
لنشر الانحراف والشذوذ تحت لافتة براقة تنادي بالديمقراطية وحرية الإنسان فيما
____________
(24) الميزان 164 / 12.
(25) سورة النساء، الآيتان: 118 - 119.
(26) الميزان: 84 / 85.
يختار من مزابل الشيطان. إنه فقه يحمي الهجوم بالانحراف لتدمير الجنس
البشري بأيدي الجنس البشري.
3 - الفقه الشيطاني في مهب الريح:
لقد استثنى الشيطان عباد الله المخلصين من عموم الاغراء والمخلصون
- بفتح اللام - هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعدما أخلصوا لله، فليس لغيره
سبحانه فيهم شركة. ولا في قلوبهم محل فلا يشتغلون بغيره تعالى. والمتدبر
فيما عزم الشيطان عليه لتدمير البشر. يجد أن أسلحته وإن كانت تبدو فتاكة إلا أنها
أسلحة محاصرة ولا تصيب إلا من دخل في مرماها أو حام حولها. وإذا كان الله قد
أعطى إبليس سلاح. فإنه تعالى أعطى للمؤمن السلاح الأقوى. وعلى سبيل
المثال. فإن الله تعالى أيد إبليس على الإنسان بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم.
وأيد الإنسان عليه بالملائكة الباقين ببقاء الدنيا. وأيد إبليس بالتمكين بتزيين
الباطل. وأيد الإنسان بأن هداه إلى الحق. وزين الإيمان في قلبه وفطره على
التوحيد. وعرفه الفجور والتقوى. وجعل له نورا يمشي به في الناس إن آمن بربه
إلى غير ذلك من الأيادي. وبعث إليه الرسل والأنبياء بهداية التشريع الذي يحمي
الله تعالى به عبده الصالح المجتنب عما يسخطه ويكرهه عن مضار الدنيا ويجنبه
عن مضلات الفتن. ويلطف به ألطافا ظاهرة أو خفية حتى يخرج من الدنيا سالما
دينه راضيا عنه ربه.
وخطوات الشيطان كلها تصب في آخر الزمان في سلة المسيح الدجال
بمعنى أن كل انحراف منذ ذرأ الله ذرية آدم وإن بدأ في أول الطريق ضئيلا إلا أن
الشيطان يتعهده على امتداد الطريق بإلقائه على المسيرة البشرية وفقا لتطورها.
ليكون في النهاية له صفة القانون. وتحت حماية الجماهير لهذا القانون يأتي
المسيح الدجال رمزا لقاعدة لا تعرف إلا الانحراف والشذوذ. وكما في روايات
عديدة أن المسيح الدجال هو سر إبليس وحامل رايته آخر الزمان. وإذا كان
الدجال ثمرة لطريق الانحراف. فإن المهدي المنتظر الذي أخبر عنه النبي صلى
الله عليه وآله وسلم هو عنوان الفطرة النقية وتحت رايته سينتظم الذين ساروا على
الصراط المستقيم ولم تعرقل خيمة الانحراف والنفاق خطواتهم. وبين الحق
والباطل ستدور معارك آخر الزمان. ومعسكر الشيطان مهزوم مهزوم. ولقد هزم
في كل عصر. هزم يوم أن قتل ابن آدم الأول أخيه بحجر وسيهزم بعد أن قتل ابن
آدم أخيه بقنبلة ذرية. إن هزيمة الباطل في كل عصر هي عنوان للحق الأصيل في
الوجود ودعوة للسائرين في طريق الانحراف كي يصححوا مسارهم. ويعلموا أن
الباطل طارئ لا أصالة فيه. وأنه مطارد من الله. ولا بقاء لشئ يطارده الله.
ونحن على امتداد هذا الكتاب سنسرد الأحداث كما وقعت ليتبين القارئ بنفسه
موطن الانحراف وموطن الدعوة الحق. ثم مصير كل منهما. وسيجد أن
الانحراف ضربه الله بالكون كله. ضربه يوما بالطوفان. ويوما بالريح العقيم.
ويوما بالصيحة ويوما آخر بالحجارة. وعلى امتداد هذه الأيام وهذه الأهوال نجا
الله الذين آمنوا من ضربات الكون وأحياهم حياة طيبة. إن القارئ على امتداد
صفحات هذا الكتاب سيكتشف أماكن جراح ما زالت تنفجر منها الدماء.
وسيحيط بجوانب هذه الجرائم التي دخلت بمعسكرات الانحراف إلى عقاب لم
يأخذ صورة الطوفان أو الريح أو الصيحة. وإنما أخذ صور أخرى حيث ضنك
المعيشة وزخارف الفتن التي لا تحقق لمن تلبس بها أي أمن.
والفقه الشيطاني هزمه الله في كل عصر من العصور. وكانت هزيمته عنوانا
لانتصار الحق. ودعوة للسائرين في الظلام كي يخرجوا من خيام ضربت عليها
الهزيمة في الحياة الدنيا ولها في الآخرة عذاب أليم. إلى رحاب الكون الذي
يتنفس بمخزون الفطرة ويدور في اتجاه واحد نحو غاية واحدة. إن فقه الشيطان
الذي قتل هابيل في أول الزمان بحجر، حمل شذوذه وانحرافه في سفك الدماء،
ووقف في الحاضر وبيده قنبلة ذرية ليقتل بها مليون هابيل. هذا الفقه المدجج
بالسلاح والعتاد مكتوب عليه الفناء لأنه باطل والباطل طارئ لا أصالة فيه.
والباطل يطارده الله. ولا بقاء لشئ يطارده الله. ونحن على امتداد هذا الكتاب
سنقص قصة الفطرة في مواجهة الباطل. وسنرى جراح ما زالت تتفجر منها
الدماء. وسنحيط بجوانب هذه الجرائم لنعلم من المسؤول عن كل هذا.
انحرافات قوم نوح عليه السلام
(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون)
سورة الشعراء، الآية: 111
* الأوائل والطوفان
أعلام تحقير الإنسان
مقدمة:
روي أن بين آدم وبين نوح عليهما السلام عشرة قرون، واختلفوا هل المراد
بالقرن مائة سنة، أم المراد بالقرن الجيل من الناس، كما في قوله تعالى: (ثم
أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) (1) وبالجملة أن نوحا عليه السلام بعثه الله تعالى
عندما شرع الناس في الضلالة والكفر وعبدوا الأصنام والطواغيت. وفي عصر
نوح الذي بعث فيه نوح كان قومه قد ابتعدوا عن دين التوحيد وعن سنة العدل
الاجتماعي. فاستعلى القوي على الضعيف، وصار الأقوياء بالأموال والأولاد
يستبيحون حقوق من دونهم الذين لا يحملون إلا ألقاب المهانة، ولا قيمة لهم في
المجتمع. كانت دائرة الأقوياء تضم السادة والأشراف وباقي الطبقة المترفة،
وكانت دائرة الضعفاء تضم الأراذل والأخساء ومن لا حظ له من مال أو مكانة.
وأصحاب هذه الدائرة، كان الملأ الأقوياء ينظرون إليهم على أنهم جنس آدمي
منخفض لا بد أن يعمل لينتفع المثل الأعلى الآدمي المرتفع - والذين تمثله دائرة
الأقوياء - من عمله وكده.
وعلى امتداد طريق الانحراف قامت ثقافة المترفين بغرس الخرافات في
____________
(1) سورة آل عمران، الآية: 33.
عقول القوم، وكانت المقدمة إلى هذا أن المترفين وضعوا قاعدة تقول. بأن أي
أمر لو كان حقا نافعا، فإن قيمة هذا الحق وهذا النفع تتحدد في أتباع طبقة الأقوياء
له. فإن أعرضت عنه هذه الطبقة، أو اتبعه غيرهم من الضعفاء، فإن الحق مهما
كان حجمه يكون لا خير فيه، ووفقا لهذه المقدمة غرس المترفين الأصنام في كل
مكان، ودثروها بالخرافات التي تخدم مصالحهم وتحافظ على مسيرة
الانحراف. وقد ذكر القرآن من هذه الأصنام: ودا وسواعا ويغوث ويعوق
ونسرا. وكان كل صنم له كهان وطقوس ويعبده طائفة من الناس. وأمام جميع
الطوائف يتقدم الأشراف والأقوياء. ويلتقي الجميع على طريق الانحراف
متخذين أهواءهم وشذوذ آبائهم عن الفطرة هدفا لهم.
نوح عليه السلام.
نوح هو أول أولي العزم من الرسل، وهو أول من قام لتعديل الطبقات ورفع
التناقض من المجتمع الإنساني. وهو أول من طرح حجج التوحيد أمام الكفار.
وذكر الله تعالى في كتابه أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة
إلا خمسين عاما. وروي أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة، وأنه عاش بعد
الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة
وثمانين سنة (2) وروي غير ذلك. واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث! فقيل كان ابن
خمسين سنة، وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين عاما (3).
ونوح عليه السلام اصطفاه الله تعالى على العالمين (4)، وسفاه سبحانه في
كتابه عبدا شكورا (5)، وعبدا صالحا (6)، كما عده الله سبحانه من عباده
المحسنين (7)، ومن عباده المؤمنين (8)، والسور التي تعرضت لقصة نوح عليه
____________
(2) البداية والنهاية: 120 / 1.
(3) المصدر السابق: 101 / 1.
(4) سورة الصافات، الآية: 81.
(5) سورة الإسراء، الآية: 3.
(6) سورة التحريم، الآية: 10.
(7) سورة الأنعام، الآية: 84.
(8) سورة النمل، الآية: 15.
السلام من القرآن الكريم، هي ثمانية وعشرون سورة في ثلاثة وأربعين موضعا.
وذكرت قصة نوح عليه السلام مفصلة في سبع سور منها: الأعراف ويونس وهود
والمؤمنون والشعراء والقمر ونوح.
الانذار والصد
* أولا: الإنذار:
كان خروج القوم عن سنة العدل الاجتماعي التي أودعها الله في أعماق
الفطرة. يعني أن الشيطان يقود قافلة كفارهم، فالشيطان هو صاحب فقه
الانتقاص والتحقير، وكفار قوم نوح قطعوا شوطا بعيدا داخل هذا الفقه! فقاموا
بتصنيف عباد الله وفقا لما عندهم من أموال وأولاد وجاه أو مكانة. ثم عكفوا على
أصنامهم يحيط بهم كهنة مهمتهم الحفاظ على عبادة الأصنام والصد عن سبيل
الله. يحافظون على الأصنام تحت لافتة سنة آبائهم القومية. ويصدون عن سبيل
الله بطرح عادات وتقاليد وثقافات لا تدع لفكر الفطرة سبيل داخل المجتمع. وأمر
مثل هذا ينطلق من ماض معتم، ويدمر حاضر هيمن عليه خدام الأهواء وتلاميذ
الشيطان. ويندفع نحو المستقبل من أجل توثيق طريق الفطرة. يكون خطرا على
المسيرة البشرية. ويكون أكثر خطورة إذا كان القائمون عليه قوما من أقوام صدر
المسيرة البشرية، لأنهم رأس القافلة، والداء عندما يضرب رأس المسيرة
البشرية، فإن الانحراف سيتسع شيئا فشيئا حتى لا يصبح هناك أملا في كل مولود
جديد إلا من رحم الله.
وقوم نوح كانوا رأس القافلة البشرية. رأسا أصابها الداء، فبعث الله تعالى
إليهم نوحا عليه السلام بالرحمة التي تشفيهم من الداء، لكنهم أبوا إلا أن يزدادوا
كفرا، وعندئذ قطعت الرأس وفقا لعذاب الاستئصال.. لقد أغرقهم الله فدفنوا
ومعهم انحرافهم في أعماق الطين ليكونوا عبرة للقافلة كلها. لقد دفن انحراف
قوم نوح معهم، ولكن أصول الانحراف ما زالت في أيدي الشيطان، فإذا ما لوح
الشيطان بها لأي جيل في أي زمان ومكان، كان في الطوفان الذي اجتاح الرأس
آية..
لقد بعث الله تعالى نوحا إلى قومه. بعد أن ساروا في اتجاه العذاب الأليم
ورفضوا منطق الفطرة الذي يهدي إلى صراط مستقيم قال تعالى: (إنا أرسلنا
نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم
نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * ينفر لكم ذنوبكم ويؤخركم إلى
أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) قال المفسرون: في
الآية دلالة على أن قومه كانوا عرضة للعذاب بشركهم ومعاصيهم. وذلك أن
الانذار تخويف، والتخويف إنما يكون من خطر محتمل لا دافع له (9) والله تعالى
أمر نوحا عليه السلام أن ينذر قومه بأس الله قبل حلوله بهم فإن تابوا وأنابوا رفع
عنهم (10). فقام عليه السلام بتبليغ رسالته إجمالا بقوله: (إني لكم نذير
مبين) وتفصيلا بقوله: (أن اعبدوا الله واتقوه) الآية. وفي قوله: (أن
اعبدوا الله) دعوتهم إلى توحيده تعالى في عبادته. فإن القوم كانوا يعبدون
الأصنام. وفي قوله (واتقوه) دعوتهم إلى اجتناب معاصيه من كبائر الإثم
وصغائره. وفعل الأعمال الصالحة التي في تركها معصية (11). وفي قوله:
(وأطيعون) دعوة لهم إلى طاعته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه. وأخبرهم أنهم
إذا فعلوا ما يأمرهم به وصدقوا ما أرسل به إليهم غفر الله لهم ذنوبهم. ومد في
أعمارهم ودرأ عنهم العذاب الذي إن لم يجتنبوا ما نهاهم عنه أوقعه الله بهم.
وحثهم أن يبادروا بالطاعة قبل حلول النقمة. فإنه إذا أمر الله تعالى بكون ذلك. لا
يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شئ، العزيز الذي دانت لعزته:
جميع المخلوقات (12).
لقد كان الإنذار من أجل أن تقف القافلة البشرية. لتعيد التفكير بمنطق
الفطرة، وتعود إلى رشدها بعبادة ربها ولكن جبهة الكفر والعصيان، وقفوا من
الإنذار الموقف الذي يأتيهم، بالعذاب. لقد وجد القوم أن دعوة نوح إليهم لعبادة
الله وحده، وأمره إياهم أن يتقوا الله ويطيعوه.. رأوا في هذا خروجا عن نصوص
الآباء وسنتهم القومية، ولهذا رموا نوحا عليه السلام بأكثر من تهمة. وكما أنذرهم
نوح من قبل أن يأتيهم العذاب الأليم. راح عليه السلام ينذرهم وهم على طريق
____________
(9) الميزان: 26 / 1.
(10) تفسير ابن كثير: 424 / 4.
(11) الميزان: 26 / 1.
(12) تفسير ابن كثير: 424 / 4.
الانحراف ويخبرهم أنه يخاف عليهم عذاب يوم أليم. فهو أنذرهم قبل أن يأتيهم
العذاب الأليم. وعندما عصوا وعاندوا، أنذرهم بأن العذاب الأليم ينحصر في
يوم أليم. وهو يخاف عليهم من هذا اليوم الذي وصفه الله بأنه أليم. فإذا كان هذا
هو حال اليوم. فكيف يكون حال الذين يعيشون فيه يقول تعالى: (ولقد أرسلنا
نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم
أليم) (13) قال المفسرون: دعاهم إلى توحيد الله بتخويفهم من العذاب. وإنما
كان يخوفهم لأنهم كانوا يعبدون الأوثان خوفا من سخطهم. فقابلهم نوح عليه
السلام بأن الله سبحانه هو الذي خلقهم. ودبر شؤون حياتهم. وأمور معاشهم
بخلق السماوات والأرض. وإشراق الشمس والقمر وإنزال الأمطار وإثبات
الأرض وإنشاء الجنات وشق الأنهار. وإذا كان كذلك. كان الله سبحانه هو ربهم
لا رب سواه، فليخافوا عذابه، وليعبدوه وحده. وبعد أن دعاهم عليه السلام إلى
توحيد الله، خوفهم من عذاب يوم وصف بأنه أليم (14). والمراد بعذاب يوم أليم.
عذاب الاستئصال. ونسبة الإيلام إلى اليوم دون العذاب من قبيل وصف الظرف
بصفة المظروف. ونزول العذاب على الكفار والمستكبرين. مسألة حقيقية
يقينية، فإن من النواميس الكلية الجارية في الكون لزوم خضوع الضعيف
للقوي. والمتأثر المقهور للمؤثر القاهر. فما قولك في الله الواحد القهار الذي
إليه مصير الأمور. وقد أبدع الله سبحانه أجزاء الكون. وربط بعضها ببعض. ثم
أجرى الحوادث على نظام الأسباب. وعلى ذلك يجري كل شئ في نظام وجوده
فلو انحرف أي جزء عن خطه المحدد له.. أدى ذلك إلى اختلال نظام
الأسباب. وكان ذلك منازعة منه لها. وعند ذلك تنتهض سائر الأسباب الكونية
من أجزاء الوجود لتعديل أمره وإرجاعه إلى خط يلائمها. وهي بذلك في مقام من
يدفع الشر عن نفسه. فإن استقام هذا الجزء المنحرف على خطه المخطوط له
فهو، وإلا حطمته حاطمات الأسباب ونازلات النوائب والبلايا. وهذا أيضا من
النواميس الكلية. والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون له في حياته خط خطه له
الصنع والإيجاد، فإن سلكه هداه إلى سعادته. ووافق بذلك سائر أجزاء الكون،
____________
(13) سورة هود، الآية: 26.
(14) سورة الأعراف الآية: 59.
وفتحت له أبواب السماء ببركاتها. وسمحت له الأرض بكنوز خيراتها. وهذا هو
الإسلام الذي هو الدين عند الله تعالى. المدعو إليه بدعوة نوح ومن بعده من
الأنبياء والرسل عليهم السلام. فإذا تخطاه الإنسان وانحرف عنه. فقد نازع
أسباب الكون وأجزاء الوجود في نظامها الجاري. وزاحمها في شؤون حياتها،
وعلى هذا فليتوقع مر البلاء ولينتظر العذاب والعناء. فإن استقام في أمره.
وخضع لإرادة الله. وهي ما تحطمه من الأسباب العامة. فمن المرجو أن تتجدد
له النعمة بعد النقمة. وإلا فهو الهلاك والفناء. وإن الله لغني عن العالمين (15).
إن الذي يدور عكس دوران الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، يعرض
نفسه لضربات جميع أجزاء الكون، فقوم نوح خرجوا عن خط ميثاق الفطرة الذي
يشهد. لله بالربوبية، وأقبل على عبادة الأوثان والطواغيت، وتحت سقفها قام
بتدوين سنة الظلم الاجتماعي، ولقد خوفهم نوح عليه السلام من - عذاب يوم
أليم، لأنهم بأعمالهم هذه ينازعون أسباب الكون وأجزاء الوجود في نظامها
الجاري. وهم بذلك يعرضون أنفسهم للقحط والجدب وللطوفان وقام عليه
السلام بردهم إلى الطريق الصحيح الذي عليه تأتيهم البركات والسعادة
الحقيقية، وقال: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم
مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم
لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا) (16) قال المفسرون: محصل
المعنى. لا ترجون لله وقارا في ربوبيته. والحال أنه أنشأكم طورا بعد طور
يستعقب طورا آخر. فأنشأ الواحد منكم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا
ثم طفلا ثم شابا ثم شيخا، وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد، في الذكورة والأنوثة
والألوان والهيئات والقوة والضعف إلى غير ذلك -: وهل هذا إلا التدبير؟ فهو مدبر
أمركم. هو ربكم (17). الذي يجب عليكم أن تعبدوه وحده. وقد عد عليه
السلام النعم الدنيوية، ووعد قومه توافر النعم وتواترها عليهم إن استغفروا
ربهم. فلمغفرة الذنوب أثر بالغ في رفع المصائب والنقمات العامة. وانفتاح
أبواب النعم من السماء والأرض أي أن هناك ارتباطا خاصا بين صلاح المجتمع
____________
(15) الميزان 200 / 10.
(16) سورة نوح، الآيات: 10 - 14.
(17) ا لميزان 22 / 20.
الإنساني وفساده وبين الأوضاع العامة الكونية المربوطة بالحياة الإنسانية وطيب
عيشه ونكده كما يدل عليه قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت
أيدي الناس) (18) وقوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (19)
وقوله: (ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء
والأرض) (20).
لقد أرشدهم نوح عليه السلام إلى الطريق المستقيم، فماذا كان رد القوم
عليه بعد أن تلقوا منه الانذار والتخويف؟
* ثانيا: الصد عن سبيل الله:
1 - رفض بشرية الرسول:
لقد دعاهم نوح عليه السلام ليلا ونهارا، والذي دعا إليه هو عبادة الله وتقواه
وطاعة رسوله، دعاهم من غير فتور ولا توان، لكن القوم تثبتوا بخط الانحراف،
وأجابوا دعوة نوح بالفرار والتمرد والتأبي، كان يدعوهم ليغفر لهم الله وفي هذا
دليل على أنه كان ناصحا لهم في دعوته ولم يرد لهم إلا ما فيه خير دنياهم
وعقباهم، لكنهم صدوا المرشد إلى الصراط المستقيم. بوضع أصابعهم في
آذانهم حتى لا يستمعوا إلى دعوته. وغطوا بثيابهم رؤوسهم ووجوههم لئلا يروه.
وألحوا على الامتناع من الاستماع واستكبروا عن قبول دعوته استكبارا عجيبا.
ولم يواجه نوح عليه السلام استكبارهم هذا بالصمت بل توجه بدعوته إليهم سرا
وعلانية. سالكا في دعوته كل مذهب يمكن. وسائرا في كل مسير مرجو. ولقد
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم حجج نوح عليه السلام التي واجه بها قومه،
عندما خرج كفارهم للصد عن سبيل الله، فبعد أن أخبر نوح قومه أنه لهم نذير
مبين، وأمرهم بعبادة الله وحده، وخوفهم من عذاب يوم أليم. وخرج إليه
أشراف القوم الذين يعتبرون أنفسهم ميزانا لكل ما يدور على أرضهم. وصدوا عن
سبيل الله. وفقا لبنود قانونهم الذي خرجوا به عن سنة العدل الاجتماعي وبمقتضاه
____________
(18) سورة الروم، الآية 61.
(19) سورة الشورى، الآية: 30.
(20) سورة الأعراف، الآية: 94.
قاموا بانتقاص وتحقير كل من هو دونهم، يقول تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا
من قومه ما نراك إلا بشر مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما
نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) (21).
لم يتجاوز الرد عيونهم (ما نراك) و (ما نرى) لقد كان لكفار قوم نوح
السبق في تدوين فقه النظر الأعمى ما نراك وما نرى، وهذا الفقه الذي وضعت
بذرته الأولى على أرضية قوم نوح. أثمر فيما بعد وقامت على ثماره قاعدة عريضة
عمودها الفقري (ما أريكم إلا ما أرى) وهذه القاعدة تعهدها فرعون وألقى بها
إلى المستقبل لتأخذ الأشكال والوجوه التي تلائم كل عصر من العصور، لقد بدأ
كفار قوم نوح بمصادرة النبوة في قولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا) وهذه
المصادرة تبتغي في المقام الأول قطع شعاع الهدى عن الناس ليظلوا تحت شعاع
الاغواء والتزيين الذي يشرف عليه الشيطان الرجيم. ورفض قوم نوح إطاعة النبي
البشر هو من جنس رفض الشيطان السجود لآدم، لأن الله تعالى هو الذي أمر
بالطاعة للرسول وهو الذي أمر بالسجود لآدم، فرفض الطاعة هو من حقيبة رفض
السجود وصاحب حقيبة رفض السجود يطرح الرفض على أوليائه وفقا للزمان
والمكان بمعنى أنه ينتقص ويحقر بما يتلاءم مع كل عصر. فقوم نوح قالوا
لرسولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا) ومن تحت أقدامهم أخذ كفار البشر هذه
المقولة وألقوا بها أمام كل رسول من عند الله، يقول تعالى: (ألم يأتكم نبأ
الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * ذلك بأنه كانت تأتيهم
رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني
حميد) (22).
لقد طرح الشيطان على عقول أتباعه شبكة الحركة ضد أسباب الكون
وجزئياته. كي تعيش البشرية في الضنك وتحت العذاب وهو ما فعل ذلك إلا أنه
كاره للبشر وعدوله. ولكن الأغبياء على امتداد المسيرة البشرية لم يتدبروا ذلك،
لأنهم وضعوا على عقولهم وعلى عيونهم شباك من زخرف الحياة. صنعت داخل
مصانع الاغواء والتزيين الشيطانية. ورفض قوم نوح الرسول البشر، يقابله أن
____________
(21) سورة هود، الآية: 27.
(22) سورة التغابن، الآيتان 5 - 6.
يكون الرسول إليهم ملك من الملائكة. وهذا ضد سنة الخلق لأن الملائكة إذا
نزلت فإنما تنزل على ملائكة يقول تعالى: (قل لو كان في الأرض ملائكة
يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) (23) ولأن الشيطان يعلم أن
معيشة الملائكة بين الناس لا تستقيم مع حركة الكون. دق ضرورة وجودهم في
عقول أتباعه حتى بقطع الطريق على دعوة الرسل عليهم السلام، فوقف أتباعه
على امتداد التاريخ يقولون بأنهم يسيطرون على المجتمع، ولهم الكلمة العليا
فيه، والذين يدعون أنهم رسلا من الله لا يملكون الصلاحيات التي تؤهلهم لذلك
له لأنهم أولا يماثلونهم في البشرية ولأنهم ثانيا لا يملكون ما يمتلكوه هم. وثالثا
أنهم لا يستطيعون قهرهم على عبادة الله. وعلى هذا فإذا كان لا بد من رسول.
فيجب أن يكون ملكا من الملائكة يفوقهم في كل شئ وتكون له اليد العليا
عليهم.. وبالجملة طالبوا بمن يقهرهم على عبادة الله. وهذا الطلب في حد ذاته
ضد سنة الله في خلقه. إذ لا إجبار في دين الله منذ خلق الله آدم عليه السلام،
حتى يرث الله الأرض.. إن دين الله لا إجبار فيه لأن الله غني عن العالمين.
لقد قالوا لنوح عليه السلام:! ما نراك إلا بشر مثلنا، أي أنك مثلنا في
البشرية. ولو كنت رسولا إلينا لم تكن كذلك ولم يقف الكفار عند هذا الحد، بل
وجهوا إلى نوح عليه السلام سيل من الجرائم من بينها التآمر عليهم كما اتهموه
عليه السلام بأن به جنة يقول تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا
إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في
آبائنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين) (24) قال
المفسرون: السباق يدل على أن الملأ كانوا يخاطبون عامة الناس لصرف
وجوههم عنه وإغرائهم عليه وتحريضهم على إيذائه وإسكاته. وقولهم: (ما
هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) محصله.. أنه بشر مثلكم فلو كان
صادقا فيما يدعيه من الوحي والاتصال بالغيب.. كان نظير ما يدعيه متحققا
فيكم، إذ لا تنقصون منه في شئ من البشرية ولوازمها. وبما أنه يدعي ما ليس
فيكم فهو كاذب، وكيف يمكن أن يكون هناك كمالا في وسع البشر أن يناله. ثم
____________
(23) سورة الإسراء، الآية 95.
(24) سورة المؤمنون، الآيتان: 24 - 25.
لا يناله إلا واحد منهم فقط ثم يدعيه من غير شاهد يشهد عليه؟ وعلى هذا فلم يبق
إلا أنه يريد بهذه الدعوة أن يتفضل عليكم، ويترأس فيكم، ويؤيد هذا أنه
يدعوكم إلى اتباعه وطاعته. وقولهم: (ولو شاء الله لأنزل ملائكة) محصله:
أن الله سبحانه لو شاء أن يدعونا بدعوة غيبية.. لاختار لذلك الملائكة الذين هم
مقربون عنده والروابط بيننا وبينه فأرسلهم إلينا.. لا بشر ممن لا نسبة بينه وبينه.
وقولهم: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) محصله: أنه لو كانت دعوته
حقة، لاتفق لها نظير فيما سلف من تاريخ الإنسانية، وآباؤنا كانوا أفضل منا
وأعقل، ولم ينقل عنهم ما يناظر هذه الدعوة، وعلى هذا فليست هذه الدعوة إلا
بدعة وأحدوثة كاذبة وقولهم: (إن هو إلا رجل به جنة) الجنة إما مصدر، أي
به جنون، أو مفرد الجن، أي حل به من الجن من يتكلم على لسانه لأنه يدعي ما
لا يقبله العقل السليم. ويقول ما لا يقوله إلا مصاب في عقله فتربصوا وانتظروا به
إلى حين ما. لعله يفيق من حالة جنونه أو يموت فنستريح منه (25) وكما رموه بالجنة
رموه أيضا بالضلالة ليصرفوا عنه وجوه الناس ويغرونهم عليه ويمدون في ضلالهم
قال تعالى: (قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين * قال يا قوم ليس بي
ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم
من الله ما لا تعلمون * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم
ولتتقوا ولعلكم ترحمون) (26).
قال المفسرون: الملأ هم أشراف القوم وخواصهم. سموا به لأنهم
يملأون القلوب هيبة والعيون جمالا وزينة. ولقد رموا نوحا عليه السلام بالضلال
المبين. لأنهم لم يكونوا ليتوقعوا أن معترضا يعترض عليهم بالدعوة إلى رفض
آلهتهم. وتوجيه العبادة إلى الله سبحانه بالرسالة والإنذار. فعندما فعل نوح ذلك
واقتحم عالمهم بدعوته تعجبوا من ذلك وأكدوا لعامتهم ضلالته. ولقد رد عليهم
بقوله: (قال يا قوم ليس بي ضلالة) أجابهم بنفي الضلال عن نفسه. وأنه
رسول من الله سبحانه. وذكره بوصفه " رب العالمين " ليجمع له سبحانه الربوبية
كلها. قبال تقسيمهم إياها بين آلهتهم بتخصيص كل منها بشئ من شؤونها
____________
(25) الميزان: 29 / 15.
(26) سورة الأعراف، الآيات: 60 - 63.
وأبوابها كربوبية البحر وربوبية البر وربوبية الأرض وغير ذلك. ثم أخبرهم عليه
السلام بأوصاف نفسه. فبين أنه يبلغهم رسالات ربه. وهذا شأن الرسالة
ومقتضاها القريب الضروري. ثم ذكر أنه ينصح لهم ليقربهم من طاعة ربهم.
ويبعدهم عن الاستكبار والاستنكاف عن عبوديته. وأنه يعلم من الله ما لا
يعلمون. كوقائع يوم القيامة من الثواب والعقاب وغير ذلك. وما يستتبع الطاعة
والمعصية من رضاه تعالى. وسخطه ووجوه نعمه ونقمه (27) ثم قال لهم:
(أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) لقد أنكر تعجبهم من
دعواه الرسالة، ودعوته إياهم إلى الدين الحق، وقال. لا تعجبوا من هذا، فإن
هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم. رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم
لينذركم. ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به (28).
ورغم هذا البيان كان الشيطان قد استحوذ على عقول كفار القوم، فلقد
ظلوا يروجون لثقافة رفض البشر الرسول، تلك الثقافة التي وضع الشيطان أصولها
يوم رفض السجود لآدم. وقام القوم بإضفاء الزينة على ثقافتهم التي وجهوها من
أجل الصد عن سبيل الله. فأضافوا أوراق الانتقاص والتحقير إليها متهمين نوحا
عليه السلام بالضلالة وأن به جنة، ولقد التقط طابور الشذوذ على امتداد التاريخ
الإنساني هذه المقولات وأضافوا إليها. وإذا كان قوم نوح في أول الطريق قد
رفضوا البشر الرسول لأنه لا نسب بينه وبين الملائكة. فإن طابور الانحراف في
ختام المسيرة البشرية قد اخترع آلهة وادعى أنه بينها وبين الله نسبا. وعلى هذا
الادعاء قامت دول ورفعت رايات كان الشيطان لها دليلا.
إن الشذوذ في أول الطريق يبدو ضئيلا، ثم يتسع شيئا فشيئا. وإذا كان
شذوذ قوم نوح قد دفن في طين الطوفان. فإن الشيطان ظل يراقب تجربة
الشذوذ، ويلقي بآخر مرحلة من التجربة التي اندثر أصحابها على قارعة الطريق
الذي يسير عليه المستكبرين الجدد ليلتقطوها. وهكذا. والله غالب على أمره.
____________
(27) الميزان: 175 / 8.
(28) تفسير ابن كثير: 223 / 2.
2 - تحقير أتباع الرسول:
وفقا لفقه (ما نراك وما نرى) الذي وضع قواعده كفار قوم نوح في بداية
المسيرة البشرية، وبعد أن قالوا لنوح عليه السلام: (ما نراك إلا بشر مثلنا)
انتقلوا إلى أتباعه الذين آمنوا برسالته وقالوا: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم
أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) (29): قال
المفسرون: الرذل أي الخسيس الحقير من كل شئ (30) لقد قالوا له ما نراك
اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا
الرؤساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك، لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر بل
بمجرد ما دعوتهم أجابوك، ولهذا قالوا. (بادي الرأي) (31) لقد نظروا إلى أتباع
نوح عليه السلام. بمنظار الطبقة المملوءة الجيوب المنتفخة الأفخاخ والبطون.
ثم قالوا بعد أن فرغوا من تحقير أتباع نوح: (وما نرى لكم علينا من فضل بل
نظنكم كاذبين) أي أن دعوتكم لنا ونحن عندنا ما نتمتع به من مزايا الحياة الدنيا
كالمال والبنين والقوة. إنما تستقيم لو كان لكم شئ من الفضل تفضلون به علينا
من زينة الحياة الدنيا أو علم من الغيب، حتى يوجب ذلك خضوعا منا لكم.
ونحن لا نرى شيئا من ذلك عندكم، ودعوتكم هذه مع حالكم هذا، تجعلنا نظن
بأنكم كاذبون فيما تقولوه لنا، وأنكم في الحقيقة لا تريدون إلا نيل ما بأيدينا من
أموال وثروات. والاستعلاء علينا بالحكم والرئاسة (32).
وهكذا اتهموا نوحا عليه السلام بالتآمر عليهم عندما قالوا: (ما هذا إلا
بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) (33) واتهموه هو وأتباعه بنفس التهمة عندما
قالوا: (وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) (34) إن الشذوذ
والإنحراف في قانونهم نظام، قاعدة وغيره استثناء، ومن يقترب من القاعدة بماء
نظيف فهو خارج عن القانون، لقد اتهموا الدعوة بأنها دعوة الجياع الذين يريدون
____________
(29) سورة هود، الآية 27.
(30) الميزان: 202 / 10.
(31) تفسير ابن كثير: 442 / 2.
(32) الميزان: 204 / 10.
(33) سورة المؤمنون، الآية: 24.
(34) سورة هود، الآية: 27.
الاستيلاء على الطعام وزخرف الحياة. ولوحوا إلى نوح عليه السلام بأن يطرد
هؤلاء من حوله. نظرا لخطورتهم على المدى البعيد كما يعتقدون يقول تعالى:
(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن
حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير
مبين) (35). قال المفسرون: لقد ذكروا له أن متبعيه من العبيد والفقراء والسفلة
وأرباب الحرف الدنيئة. فنفى عليه السلام علمه بأعمالهم قبل إيمانهم به (36)
وقال وأي شئ يلزمني من أتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شئ كانوا عليه،
لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم
إياي وأكل سرائرهم إلى الله عز وجل (37). وقوله: (وما أنا بطارد المؤمنين)
كأنهم سألوا منه أن يبعدهم فقال: لا شأن لي إلا الإنذار والدعوة. فلست أطرد
من أقبل علي وآمن بي (38) فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني سواء كان
شريفا أو وضيعا. جليلا أو حقيرا (39) وفي مجمل رده عليه السلام كما جاء في
سورة هود قال: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما
تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون) (40) قال
المفسرون: لقد أطلق المترفين على أتباعه لفظ الأراذل. فغير عليه السلام اللفظ
إلى الذين آمنوا تعظيما لإيمانهم وارتباطهم بربهم. ورفض أن يطردهم من
عنده. وعلل ذلك. بأن الذين آمنوا. لهم يوما يرجعون فيه إلى الله. فيحاسبهم
على أعمالهم. فالملأ ينظر إلى أتباعه. على أنهم أراذل ولا يملكون مالا أو
جاها، وهذه نظرة قاصرة، فالحياة الدنيا عرض زائل وسراب باطل. ولا تخلو
من خصال خمس: لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر. وهذه الخصال يتعلق بها أو
ببعضها هوى الإنسان، وهي أمور زائلة لا تبقى للإنسان. ولكن تكون النظرة
ثاقبة. يجب النظر إلى عمل الإنسان. وهذا العمل سيظهر جليا يوم القيامة.
____________
(35) سورة الشعراء، الآيات: 111 - 115.
(36) الميزان: 296 / 15.
(37) ابن كثير: 340 / 2.
(38) الميز ن: 296 / 15.
(39) ابن كثير: 34 / 3.
(40) سورة هود، الآيتان: 29 - 30.
والذين آمنوا سيعرضون على الله فيحاسبهم، ولا يملك أحد أن يحاسبهم
سواه... ثم قال لهم: (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون)
أي من يمنعه من عذاب الله إن طردهم من عنده، أفلا يتذكرون أن هذا العمل إذا
تم يكون ظلما؟ والله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم وينتقم منه، والعقل جازم
بأن الله سبحانه لا يساوي بين الظالم والمظلوم، ولا يدع الظالم يظلم دون أن
يجازيه على ظلمه بما يسوءه ويشفي به غليل صدر المظلوم والله عزيز ذو
انتقام (41).
لكن القوم لا يفقهون قولا، فدستور التحقير الذي وضع الشيطان أصوله
جرى في عروقهم مجرى الدم، فهم قادة عالم اللعب واللهو والزينة وهم أساتذة
في التفاخر، فإذا جاءهم منهج من غيرهم واتبعه عمالهم كان في ذلك شقاؤهم.
لهذا وقفوا منذ البداية في موقف الصد عن سبيل الله، وتبني الأشراف ثقافة تشربها
العامة والغوغاء بسهولة، ثقافة تقول لهم: لا تضيعوا وقتكم أمام دعوة لا طائل من
ورائها! ثقافة تحرك لسانها بكلمات عذبة تضمر خدعا معسولة خدع معسولة تلفها
أحابيل ماكرة. أحابيل ماكرة ما إن تسمعها آذان الغوغاء حتى تحتضنهما قلوبهم
وتدافع عنها سواعدهم، وكفى بالسواعد أن تدافع عن نظام الملأ! ذلك النظام
الذي يهدده أراذل إخساء على رأسهم بشر يدعي أنه يوحى إليه. ويطالب القوم
باتباعه وطاعته، وهو - أي الرسول - وهم - أي الأراذل - لا يملكون لعبا ولا لهوا
ولا زينة. والخلاصة أن فقه التحقير والانتقاص الذي وضعه الشيطان ورعاه كفار
قوم نوح في بداية الطريق. كان بجميع المقاييس كارثة على المسيرة البشرية فيما
بعد لأنه كان عمود عتيق على طريق الانحراف والصد عن سبيل الله.
* ثالثا: دفع الصد والتحقير:
لقد تقدم نوح عليه السلام برسالته التي بعثه الله تعالى بها إلى قومه، وكانت
الرسالة في مجملها إنذار: أن لا يعبدوا إلا الله لأنه يخاف عليهم عذاب يوم
أليم، وعندما تقدم عليه السلام برسالته إلى قومه صدوه بردود ثلاثة:
الأول: قولهم: (ما نراك إلا بشر مثلنا).
____________
(41) الميزان: 208 / 10.
والثاني: قولهم: (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي).
والثالث: قولهم: (وما نرى لكم علينا من فضل) وانتهى القوم إلى
حكم قالوا فيه: (بل نظنكم كاذبين) وهو حكم يحتوي في مضمونه أن الدعوة
ما سلكت هذا الطريق إلا لهدف واحد. هو السيطرة على المال والثروات
والحكم! فماذا كان رد نوح عليه السلام على هذه الصدود الثلاث؟ وعلى هذا
الحكم الذي ترتب على هذه الصدود؟ لقد كان رد نوح عليه السلام ردا شافيا
كافيا، وجاء ذلك في قول الله تعالى:
(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ري وآتاني رحمة من عنده فعميت
عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا
على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون *
ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن
الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم
الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين) (42).
قال المفسرون: لما كانت حجتهم مبنية على الحس ونفي ما وراءه، وقد
استنتجوا من حجتهم عدم الدليل على وجوب طاعته واتباعه. أجابهم عليه
السلام: بإثبات ما حاولوا نفيه من رسالته وما يتبعه، ونفي ما حاولوا إثباته.
باتهامه واتهام أتباعه بالكذب، غير أنه عليه السلام استعطفهم بقوله: " يا قوم "
مرة بعد مرة ليجلبهم إليه. فيقع نصحه موقع القبول منهم. وقد أبدعت الآيات
الكريمة في تقرير حجته عليه السلام في جوابهم فقطعت حجتهم فصلا فصلا.
فقوله: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة...) جواب على قولهم: (ما نراك
إلا بشر مثلنا) وقوله: (يا قوم لا أسألكم عليه مالا...) جواب عما اتهموه به
من الكذب ولازمه أن تكون دعوته طريقا إلى جلب أموالهم لأنه يريد أن يتفضل
عليهم. وقوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا...) جواب عن قولهم: (وما
نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا...) وقوله: (ولا أقول لكم عندي خزائن
الله) جواب عن قولهم: (ولا نرى لكم علينا من فضل).
____________
(42) سورة هود، الآيات: 28 - 31.
1 - إثبات الرسالة:
لقد رفضوا الرسول البشر وقالوا: (ولو شاء الله لأنزل ملائكة) (43)
فكانت حجته عليه السلام: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني
رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (44) قال
المفسرون: كان سندهم في نفي الرسالة أنه بشر، لا أثر ظاهر معه يدل، على
الرسالة والاتصال بالغيب. فكان عليه أن يظهر ما يفيد صدقه في دعوى الرسالة.
وهي الآية المعجزة الدالة على صدق الرسول. في دعوى الرسالة. لأن الرسالة
نوع من الاتصال بالغيب خارق للعادة الجارية. لا طريق إلى العلم بتحققه، إلا
بوقوع أمر غيبي آخر خارق للعادة، يوقن به كون الرسول صادقا في دعواه
الرسالة، ولذلك أشار عليه السلام بقوله: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من
ربي) إلى أن معه بينة من الله وآية معجزة تدل على صدقه في دعواه. وقوله:
(وآتاني رحمة من عنده) يشير به إلى ما آتاه الله تعالى من الكتاب والعلم، وقد
تكرر في القرآن الكريم تسمية الكتاب وكذا تسمية العلم بالله وآياته رحمة (45).
أما قوله: (فعميت عليكم) المراد منه: أن ما عندي من العلم والمعرفة أخفاها
عليكم جهلكم وكراهتكم للحق. بعد ما ذكرتكم به وبثثته فيكم. وقوله:
(أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) المراد إلزامهم الرحمة وهم لها كارهون.
والمعنى - والله أعلم - أخبروني إن كانت عندي آية معجزة تصدق رسالتي
مع كوني بشر مثلكم، وكانت عندي ما تحتاج إليه الرسالة. من كتاب وعلم
يهديكم إلى الحق، لكن لم يلبث دون أن أخفاه عليكم عنادكم واستكباركم..
أيجب علينا عندئذ أن نجبركم عليها؟ أي عندي جميع ما يحتاج إليه رسول من الله
في رسالته، وقد أوقفتكم عليه. لكنكم لا تؤمنون به. طغيانا واستكبارا. وليس
علي أن أجبركم عليها. إذ لا إجبار في دين الله سبحانه...
____________
(43) سورة المؤمنون، الآية: 24.
(44) سورة هود، الآية: 28.
(45) قال تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) سورة هود، الآية: 17، وقال
تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة) سورة النحل، الآية:
89، وقال تعالى: (فوجد عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا) سورة الكهف،
الآية: 65.
ففي بيانه تعريض لهم أنه قد تمت عليهم الحجة. وبانت لهم الحقيقة.
فلم يؤمنوا. لكنهم مع ذلك يريدون أمرا يؤمنون لأجله، وليس إلا الإجبار والإلزام
على كراهية، فهم في قولهم: لا نراك إلا بشرا مثلنا.. لا يريدون إلا الإجبار،
ولا إجبار في دين الله، والآية من جملة الآيات النافية للإكراه في الدين، وتدل
على أن ذلك من الأحكام الدينية المشرعة في أقدم الشرائع، وهي شريعة نوح
عليه السلام، وهذا الحكم باق على اعتباره حتى اليوم من غير نسخ (46). وقد
ظهر مما تقدم أن الآية (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة...) جواب عن
قولهم: (لا نراك إلا بشرا مثلنا...) ويظهر بذلك فساد قول البعض إنه
جواب عن قولهم: (بل نظنكم كاذبين) أو قول آخرين إنه جواب: (ما نراك
اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) أو غير ذلك (47).
لقد أقام نوح عليه السلام الحجة عليهم من أول يوم في بعثته. ولكن الذين
كفروا لم يكن عندهم استعداد للوقوف في مجرى الرحمة الإلهية، والوقوف في
مهب النفحات الربانية، لهذا لم ينفعهم ما يشاهدونه من آيات الله. وما يسمعون
من مواعظ نوح. وما تلقنه لهم فطرتهم من الحجة والبينة. لقد نظروا بعيون العناد
وفكروا بعقول الاستكبار، ثم طالبوا نوحا أن يثبت لهم أنه مبعوث إليهم. وكيف
السبيل إلى ذلك وهم نزلوا بأسماعهم وبأبصارهم وبطونهم المنزلة التي في
الأنعام. واستعملوها فيما تستعملها فيه الأنعام وهو التمتع من لذائذ البطن
والفرج. ومنزلة الأنعام التي نزلوا إليها أرفع منهم وأقوم، لأن الأنعام مهتدية
بحسب تركيبها وخلقها. غير ضالة لأنها تسير على الطريق الذي خلقت لأجله.
أما هؤلاء فقد قطعوا شوطا طويلا في عالم الضلال والغفلة وألقوا بإنسانيتهم في
أسفل سافلين. وكل هذا من أجل حفنة من زخرف الحياة. لونها لهم الشيطان
وغواهم بها.
2 - الدفاع عن الإنسان:
لقد اتهموا نوحا عليه السلام بأنه يريد بدعوته أن يتفضل عليهم ويترأس
فيهم وينال هو وأتباعه ما بأيديهم من أموال وثروات، فكان جوابه على هذا:
____________
(46) الميزان: 207 / 10.
(47) الميزان: 207 / 10.
(ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) (48) قال المفسرون: أي
أنه إذ لم يسألهم شيئا من أموالهم، لم يكن لهم أن يتهموه بذلك (49) إنهم أبقوا
بقضية الأموال وسط الساحة في حين أنه لا توجد له فيها ورقة، ثم اتهموه مع
أتباعه أن دعوته لها أهداف أخرى وأشاروا بطرد أتباعه والكف عن دعوته، وعندما
رفض هددوه بالرجم قال: (وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا
لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) (50). وعندما ربط القوم بين الأموال
والاتباع جاء رده عليه السلام أولا بنفي الأجر ثم بالدفاع عن الأتباع ثم إخبارهم
بعد ذلك بأنه لا يملك الخزائن، فهو أولا لم يطمع فيما عندهم من مال، ولا
يسألهم على نصحه لهم أجرا، وعلى هذا فالضعفاء الذين يؤمنون به لا يطمعون
في مال عنده أخذه من القوم ولا يطمعون في كنوز يخفيها لأنه ليس عنده من هذه
الكنوز شيئا... (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد
الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني
من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب
ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما
في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين) (51).
قال المفسرون: بعد دفاعه عن الذين آمنوا وإظهار أنهم ما آمنوا إلا ابتغاء
وجه الله، وأن حسابهم على الله، قام بالرد على قولهم: (ولا نرى لكم علينا
من فضل، فقال: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله...) الآية. قال
المفسرون: يرد عليهم قولهم بأني لست أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعون مني
أن أدعيه. وبما أني أدعي الرسالة فإنكم تزعمون أن على الرسول أن يمتلك
خزائن الرحمة الإلهية. فيغني الفقير ويشفي العليل ويحيي الموتى. ويتصرف
في السماء والأرض وسائر أجزاء الكون بما شاء وكيف شاء. وأن يملك علم
الغيب فيحصل على كل خير محجوب عن العيون.. وأن يرتفع عن درجة البشرية
____________
(48) سورة هود، الآية: 29.
(49) الميزان: 307 / 10.
(50) سورة الشعراء، الآيات: 114 - 116.
(51) سورة هود، الآيات: 29 - 31.
إلى مقام الملائكة فيكون ملكا منزها من ألواث الطبيعة ومبرئ من حوائج البشرية
ونقائصها فلا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا يقع في تعب اكتساب الرزق. فهذه
هي جهات الفضل التي تزعمون أن الرسول يجب أن يؤتاها ويمتلكها، وقد
أخطأتم، فلبس للرسول إلا الرسالة. وإني لست أدعي شيئا من ذلك، فلا أقول
لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك، وبالجملة لست
أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعونه حتى تكذبوني بفقده، وإنما أقول فقط: إني
على بينة من ربي تصدق رسالتي، وآتاني رحمة من عنده (52).
وبعد أن حطم عليه السلام الوثنية في أساطيرهم، بدأ في تحطيم ميزانهم
الذي أقاموه. بدلا من سنة العدل الاجتماعي، وبه قاموا بتصنيف خلق الله
فقال: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في
أنفسهم...) قال المفسرون: هذا الفصل إشارة إلى ما كان يعتقده الملأ
الذين كفروا من قومه. وبنوا عليه سنة الأشرافية وطريقة السيادة. وهو أن أفراد
الإنسان تنقسم إلى قسمين. الأقوياء والضعفاء، أما الأقوياء فهم أولو الطول
المعتضدون بالمال والعدة. وأما الضعفاء فهم الباقون. الأقوياء هم السادة في
المجتمع الإنساني، ولهم النعمة والكرامة، ولأجلهم انعقد المجتمع، وغيرهم
من الضعفاء... مخلوقون لأجلهم، وبالجملة كان معتقدهم أن الضعيف في
المجتمع... إنسان منحط أو حيوان في صورة إنسان. وهو داخل المجتمع
يشارك في الحياة ليستفيد الشريف من عمله وينتفع من كده، والضعيف في
المجتمع محروم من الكرامة، مطرود عن حظيرة الشرافة.. فهذا هو الذي كانوا
يرونه، وكان هو المعتمد عليه في مجتمعهم وقد رد نوح عليه السلام ذلك. وبين
خطأهم في معتقدهم بقوله: (الله أعلم بما في أنفسهم) أي أن أعينكم إنما
تزدريهم وتستحقرهم، وتستهين أمرهم. لما تحس ظاهر ضعفهم وهوانهم،
وليس هذا الأساس في إحراز الخير ونيل الكرامة، بل الأساس في ذلك أمر النفس
وتحليها بحلي الفضيلة، ولا طريق لي ولا لكم إلى العلم ببواطن النفوس وخبايا
القلوب، فلله وحده ذلك، وليس لي ولا لكم أن نحكم بحرمانهم من الخير
____________
(52) الميزان: 209 / 10.
والسعادة (53).
لقد حطم عليه السلام بحججه أصنام التحقير والانتقاص. وبين لهم أنه لا
يدعي شيئا مما يتوقعونه من رسالته، فليس للرسول إلا الرسالة وقد قدم لهم ما
يثبت صدقه في أنه رسول من الله رب العالمين. لكنهم نظروا إلى البينة والرحمة
بعيون الاستكبار فعميت عليهم. ثم أخبرهم أن الضعفاء الذين لهم هوان عندهم
لم يؤمنوا طمعا في مال عنده. لأنه لا يملك هذا المال بدليل أنه لم يسألهم
أموالهم ولم يدع أنه يملك خزائن الرحمة وعلم الغيب، وبين لهم أن الله تعالى هو
العليم بما في الصدور. وأن ملاك الكرامة الدينية والرحمة الإلهية زكاء النفس
وسلامة القلب، فمن الجائز أن يعلم الله من نفوس هؤلاء الضعفاء خيرا فيؤتيهم
خيرا، ولا ينبغي أن يقال لن يؤت الله هؤلاء خيرا، لأن القول بهذا ظلم يدخل
صاحبه في زمرة الظالمين. لقد قال نوح عليه السلام هذا وهو يدعوهم إلى
التوحيد، كان يخاصمهم ويحاجهم بفنون الخصام والحجاج حتى قطع جميع
معاذيرهم وأنار الحق لهم على امتداد مئات من السنين. ولكن كفار قومه أصروا
على التكذيب وعبادة الأوثان وتحقير الإنسان.
* رابعا: الاضطهاد والتحدي:
أمام حجج نوح عليه السلام، رفع طابور الكفر لافتة تتهم نوحا بالجنون.
يقول تعالى: (فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر) (54) قال المفسرون: في
التعبير عن نوح عليه السلام بقوله تعالى: (عبدنا) تجليل لمقامه وتعظيم لأمره
وإشارة إلى أن تكذيبهم له يرجع إليه تعالى، لأنه عبد لا يملك شيئا، وما له فهو
لله، ولم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه إلى الجنون، فقالوا: هو
مجنون، وازدجره الجن، فلا يتكلم إلا عن زجر وليس كلامه من الوحي
السماوي في شئ، وقيل المعنى: ازدجره القوم عن الدعوة والتبليغ بأنواع
الايذاء والتخويف (55). وأمام سياسة الإرهاب هذه واجه نوح عليه السلام قومه
____________
(53) الميزان: 214 / 10.
(54) سورة القمر، الآية: 9.
(55) الميزان: 68 / 19.
بما يقصم ظهورهم وقرع باستكبارهم في التراب يقول تعالى: (... قال لقومه
يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا
أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون * فإن
توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من
المسلمين) (56).
قال المفسرون: لقد واجه قومه وهو واحد... تحداهم بأن يفعلوا به ما
بدا لهم إن قدروا على ذلك، وأتم الحجة على مكذبيه في ذلك: (إذ قال لقومه
يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي) ونهضتي لأمر الدعوة إلى التوحيد أو منزلتي من
الرسالة (وتذكيري بآيات الله) وهو داعيكم لا محالة إلى قتلي، وإيقاع ما
تقدرون عليه من الشر بي، لإراحة أنفسكم مني (فعلى الله توكلت) قبال ما
يهددني من تحرج صدوركم وضيق نفوسكم علي بإرجاع أمري إليه، وجعله وكيلا
يتصرف في شؤوني ومن غير أن أشتغل بالتدبير (فاجمعوا أمركم وشركاءكم)
الذين تزعمون أنهم ينصرونكم في الشدائد، واعزموا علي بما بدا لكم، وهذا
أمر تعجيزي (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) إن لم تكونوا اجتهدتم في التوسل
إلى كل سبب في دفعي (ثم اقضوا إلي) بدفعي وقتلي (ولا تنظرون) ولا
تمهلوني.
وفي الآية تحديه عليه السلام على قومه بأن يفعلوا به ما بدا لهم، وإظهار أن
ربه قدير على دفعهم عنه. وإن أجمعوا عليه وانتصروا بشركائهم وآلهتهم.
وقوله (فإن توليتم فما سألتكم عليه من أجر) أي فإن توليتم وأعرضتم عن
استجابة دعوتي، فلا ضير لي في ذلك فإني لا أتضرر في إعراضكم شيئا، لأني
إنما كنت أتضرر بإعراضكم عني لو كنت سألتكم أجرا على ذلك يفوت
بالإعراض، وما سألتكم عليه من أجر، إن أجري إلا على الله (57) وبدأ القوم
يتذوقون العجز.. لم يستطيعوا القضاء على فرد واحد يقول لهم هيا اقضوا علي
ولن تستطيعوا. لأني توكلت على الله ربي وربكم الذي أدعوكم إليه، وعلى
____________
(56) سورة يونس، الآيتان: 71 - 72.
(57) الميزان: 102 / 10.
الرغم من وجودهم في دائرة العجز، لم يؤمنوا وكذبوا نوحا عليه السلام.
1 - استعجال العذاب:
رغم عجز القوم وعدم تحقيقهم أي تقدم للقضاء على نوح عليه السلام،
إلا أن استكبارهم أغراهم للقيام بمهمة أليمة تدفع بهم إلى يوم أليم. وهذه
المهمة هي اتفاق الأشراف والكبراء على طلب العذاب من نوح: (قالوا يا نوح
قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فآتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) (58) لقد جاءهم
بالبينة ليثبت صدقه، ولكنهم أعرضوا عنها، وجاءهم بالتحدي ليثبت صدقه، فلم
يقدروا عليه وكذبوه، وها هم يطالبوه بأن يأتيهم بالعذاب ليثبت صدقه، يقولون
هذا وعندما سيأتيهم العذاب لن يستطيعوا حتى التنفس، يقول المفسرون: لقد
قالوا هذا بعد أن عجزوا عن دحض حجته، وأخفوا هذا العجز في ثياب
الجبابرة، ومعنى قولهم والله أعلم: يا نوح قد جادلتنا. فأكثرت جدالنا، حتى
سئمنا ومللنا، وما نحن لك بمؤمنين، فآتنا بما تعدنا من العذاب، أي ما أنذرتنا
به في أول دعوتك من عذاب يوم أليم.
فكان رد نوح عليه السلام على طلبهم للعذاب: (قال إنما يأتيكم به الله إن
شاء وما أنتم بمعجزين): أي أن الإتيان بالعذاب ليس إليه، فما هو إلا رسول،
إنما الإتيان به إلى الله سبحانه، لأنه تعالى هو الذي يملك أمرهم، ولقد وعدهم
بالعذاب بأمره تعالى، لأن إليه مرجعهم كله، ولا يرجع إلى نوح من أمر التدبير
شيئا، فالله سبحانه إن يشأ يأتيهم بالعذاب، وإن لم يشأ فلا (59).
2 - الدعاء المستجاب:
إن المجتمع الذي يصادر الحقائق ويستعبد العباد ويطلب العذاب، لا
يمكن أن يقود قافلة إلى الهدى. لقد أعرضوا عن العبادة الحق، وقد دعاهم نوح
عليه السلام إليها ليلا ونهارا من غير فتور ولا توان، فقابلوه بجعل أصابعهم في
آذانهم وغطوا رؤوسهم ووجوههم بثيابهم لئلا يروا نوحا، واستكبروا عن قبول
الدعوة استكبارا عجيبا، كما دعاهم عليه السلام سرا وعلانية، وطالبهم
____________
(58) سورة هود، الآية: 32.
(59) الميزان: 215 / 10.
بالاستغفار، لكنهم عصوه. وعلى امتداد الدعوة رموا نوحا عليه السلام بالضلال
وبالجنون وهددوه بالرجم. فلم يخرجه ذلك عن حلمه، ولم يرد عليهم إلا بما
تمليه أخلاق النبوة، ونوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.
وعلى امتداد هذه المدة كان يدعوهم إلى الله، وفي النهاية لم يركب معه في
السفينة كما في رواية صحيحة سوى ثمانون رجلا معهم أهلوهم. وفي هذا إشارة
إلى أنه عليه السلام قاسى من قومه الكثير، فالذين كان يدعوهم وهم شباب كانوا
يقودون حركة الضد عن سبيل الله وهم شيوخ. وذلك لأن ثقافة التوثين كان يسهر
عليها الأقوياء وهذه الثقافة حاصرت بقوتها وزينتها وزخرفها الأهواء المتعددة،
فهرول كل صاحب هوى إلى هواه، مصادرا كل نداء للفطرة، وكل دعوة تدعوه
للنظر والتدبر في الكون.
ونوح عليه السلام دعا على قومه ولكنه لم يدع عليهم إلا بعد أن تبين أنهم
ركبوا طريق الكفر الذي لا عودة فيه، فعندما تبين هذا (قال رب إن قومي
كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) (60) قال
المفسرون: هذا استفتاح منه عليه السلام. وقدم له قوله: (رب إن قومي
كذبون) أي تحقق منهم التكذيب المطلق. الذي لا مطمع في تصديقهم بعده.
وقوله: (فافتح بيني وبينهم فتحا) كأنه وأتباعه والكفار من قومه قد اختلطوا في
مكان واحد، فسأل ربه أن يفتح بينهم بإيجاد فسحة بينه وبين قومه، يبتعد بذلك
أحد القبيلين عن الآخر وذلك كناية عن نزول العذاب، ولا يهلك إلا الفاسق
الفاجر الكفار، وعندما طلب عليه السلام من ربه أن ينصره ويفرق بينه وبين القوم
الظالمين؟ أوحى إليه ربه: (وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد
آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) (61) وعندما أوحى الله تعالى بهذا إلى نوح.
دعا عليه السلام على قومه الدعاء القاصم. قال المفسرون: يستفاد من قوله
تعالى: (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن...) أن عذاب الاستئصال لا
يضرب الكفار ما كان الإيمان مرجوا منهم، فإذا ثبتت فيهم ملكة الكفر ورجس
الشرك، حق عليهم كلمة العذاب، كما يستفاد أن دعاء نوح عليه السلام:
____________
(60) سورة الشعراء، الآيتان 17 - 18.
(61) سورة هود، الآية: 36.

