|

الإسلامي لا بد له من معارف ينطلق بها إلى عالم الفتنة. وإن معارفه سيستند فيها
على كتاب الله بتأويل آياته بحيث ينتسخ دين الله وذلك في قوله تعالى: (فأما
الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " (377) قال
المفسرون الزيغ هو الميل عن الاستقامة. والآية تكشف حال الناس بالنسبة إلى
تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه. وأن منهم من هو زائغ القلب يتبع المتشابه إبتغاء
الفتنة والتأويل. ومنهم من هو راسخ العلم مستقر التلب يأخذ المحكم ويؤمن
بالمتشابه. والمراد بابتغاء الفتنة في الآية طلب إضلال الناس ومعنى الآية:
يريدون بإتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله. وأمر آخر هو أعظم من
ذلك. وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن. ومآخذ أحكام الحلال والحرام
حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينسخ بذلك دين الله من أصله " (378) لما
كان معسكر النفاق سيفرز الذين يتاجرون بالمتشابه. وفيهم قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: " أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان " (379)
فإن كتاب الله عزل هذا الصنف عن معارفه وهو قوله تعالى:! إنه لقرآن كريم *
في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون " (380) فمس الكتاب لا يقف عند
الطهارة من الخبث أو الحدث عند مسك الكتاب باليد. بل ينطلق نحو تعريف
أوسع. فإذا كانت الأيدي التي تمسه يجب أن تكون طاهرة فكذلك يجب أن تكون
العقول التي تمسه طاهرة. ولأن عقول المنافقين ليس عليها مسحة من طهارة.
فإن الله قضى أن لا يصيبهم علم نافع. ليتخبطوا في عالم المتشابه الذي يقودهم
إلى الهلاك ومن ورائهم الذين مضغوا علومهم. وفي قوله تعالى: (لا يمسه إلا
المطهرون " قال المفسرون: مسه هو العلم به. والمطهرون هم الذين طهر الله
نفوسهم من أرجاس المعاصي وقاذورات الذنوب أو مما هو أعظم من ذلك وأدق
وهو تطهير قلوبهم من التعلق بغير الله. وهذا المعنى من التطهير هو المناسب
____________
(377) سورة آل عمران، الآية: 7.
(378) الميزان: 23 / 3.
(379) رواه ابن عدي (كشف الخفاء: 16 / 1).
(380) سورة الواقعة، الآيات: 77 - 79.
للمس الذي هو العلم دون الطهارة من الخبث أو الحدث) (381).
إن داخل البيت الإسلامي فريقان: فريق دسه معسكر الانحراف والأهواء
وفريق أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكتاب الله يقرأه هذا وذاك. ومس
الكتاب عند فريق يقود إلى تأويل الكتاب بحيث لا يكون الإسلام إلا اسما ولا
يكون القرآن إلا رسما. بينما يكون عند فريقا آخر مرشدا للبشرية ليس بها نحو
أهداف الله. ولأن الرسالة الخاتمة لها أهداف. فإن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قرن كتاب الله بالعترة الطاهرة وأعلن أنهما لن يفترقا حتى يردا علي
الحوض. أما فريق اللاهدف واللاغاية فلقد أخبر النبي بأنهم عند الحوض سيقال
لهم سحقا سحقا كما بينا من قبل. ولأن تأويل القرآن ووضعه في غير مواضعه
وكذا إدعاء إنسان ما أنه أحق بالتأويل من الذين نص عليهم رسول الله بعد أمرا خطيرا
تترتب عليه أمور خطيرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أكثر ما
أتخوف على أمتي بعدي رجل يتأول القرآن. فيضعه على غير مواضعه. ورجل
يرى أنه أحق بهذا الأمر من غيره " (382) لقد حاصر كتاب الله دوائر الرجس
والنجس. وحذر من الاقتراب من هذه الدوائر. وأمر كتاب الله بالجماعة. ولا
جماعة إلا بإمام مشهود له بالعلم من رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم. " لا يقوم بدين الله. إلا من حاطه من جميع جوانبه " (383) وكما أن
هناك جماعة يقودها إمامها إلى الجنة ففي البيت الإسلامي أيضا جماعات يقودها
أئمتها إلى النار فعن حذيفة قال: سألت رسول الله (ص): هل بعد ذلك الخير
من شعر؟ فقال: " نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها " قلت:
صفهم لنا؟ قال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا " قلت: فما تأمرني إن
أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " قلت: فإن لم يكن لهم
إمام ولا جماعة؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها. ولو أن تعض بأصل شجرة
حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " (384) في هذا الحديث كشف الستار عن
____________
(381) الميزان: 137 / 19.
(382) رواه الطبراني في الأوسط (كنز العمال: 200 / 11).
(383) رواه أبو نعيم (كنز العمال 84 / 3).
(384) مسلم: 20 / 6.
أجهزة الصد والفتنة الذين يدعون إلى النار مستخدمين في ذلك رموز الإسلام.
وأمر عليه الصلاة والسلام بالالتزام بالجماعة والإمام ولا إمام إلا بكتاب الله. ولم
ينكر على حذيفة قوله: " فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام " بل قدم الدواء لهذا
الداء لعلمه أن هذا واقع لا محالة. فأمر باعتزال الفرق كلها. وأمر بالعض على
أصل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء حتى يأتي الموت فيجده على
ذلك. لقد قامت الحجة على الماضي والحاضر والمستقبل. ولا إجبار في دين
الله في جميع الأحوال.
4 - يوم الخميس والرحيل:
على امتداد الرسالة كان صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث إلى القافلة
البشرية. كما تحدث الأنبياء من قبل. فنادى بالعدل مبينا أن الإنسانية لم توجد
ليأكل القوي فيها الضعيف. وإنما ليعيش هذا وذاك بإحساس أن كل منهما في
حاجة إلى الآخر وأن فوق الجميع قوة الله القادر على كل شئ. وبهذه القوة
يرزقون وبها يموتون ويبعثون يوم القيامة. وأنذر الجبابرة مبينا أن فناء الباطل
بالحق. وأن الذي يخرج عن معيار التوازن قويا كان أو ضعيفا فإنه يطارد في الكون
أمام الأمواج كقوم نوح أو أمام الرياح كقوم عاد أو تحت الصيحة كثمود أو تحت
الظلة كأصحاب الأيكة إلى غير ذلك من عذاب الله الغير مردود. وعندما أتم الله
رسالته أتى الإنسانية. بآخر أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما سدت
جميع المنافذ التي يدخل منها الشيطان وأتباعه ليكون في هذا حجة على من يفتح
نافذة للشيطان. تحت جلده أو داخل أسرته أو في مجتمعه الذي يعيش فيه. جاء
وقت رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولقد روي أن دموعه كانت تجري
كثيرا في آخر أيامه صلى الله عليه وآله وسلم. وذلك لأنه كان يعلم من ربه
الأحداث التي ستعصف بالأمة وتنتهي بالظالمين إلى عقاب الله المؤجل. كان
يعلم أمورا روي أنه لم يرى بعدها ضاحكا حتى مات. ولهذا كان عليه الصلاة
والسلام حريصا رغم إتمام الحجة أن يحذر مما سيقع ليكون كل تحذير يضاف
حجة فوق الحجة... لتعلم الإنسانية بعد ذلك أن الطريق يعج بالفتن وهذه الفتن
لم تأت من نفسها. فيحذر كل عضو فيها أن يكون من صناعها وحتى لا يصيبه
العذاب. والله لا يظلم الناس والعذاب الذي يراه الناس ما هو إلا نتيجة طبيعية
لأعمالهم. لقد كان النبي في أيامه الأخيرة يدفع العذاب بغرس التوحيد في
النفوس والدعوة إلى الإعتصام بكتاب الله وسنته التي يبلغها عنه من لا يكذب
عليه. والروايات عن أيامه الأخيرة صلى الله عليه وآله وسلم عديدة. منها روايات
تتحدث عن بعث أسامة. حيث وضع النبي كل كبار الصحابة عدا عليا تحت قيادة
أسامة بن زيد. وأمرهم بالخروج ولكن بعض الصحابة استصغروا أسامة في قيادة
هذه الحملة العسكرية وطعنوا فيه. فقال لهم النبي: " إن تطعنوا في إمارته فقد
طعنتم في إمارة أبيه من قبل " (385) قال في فتح الباري (386). كان الطاعن فيه من
ينتسب إلى النفاق، وبعد أن قال رسول الله ذلك رفض ما ذهبوا إليه وطالبهم
بالخروج. ومات النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تخرج حملة أسامة. ولم
تخرج هذه الحملة إلا في عهد أبي بكر. وروايات الطعن في أسامة واستصغاره
رغم تعيين الرسول له. رايات كثيرة ترى في كتب التراجم والسير والحديث.
ومن روايات الأيام الأخيرة ما رواه الإمام أحمد عن جابر أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم. دعا عند موته بصحيفة ليكتب كتابا لا يضلون بعده. فخالف عليها
عمر بن الخطاب حتى رفضها (387) وجاء في صحيح، البخاري عن ابن عباس
قال: لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن
الخطاب قال: هلم أكتب إليكم كتابا لن تضلوا بعده. قال عمر إن النبي صلى الله
عليه وسلم غلبه الوجع. وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل
البيت. واختصموا فمنهم من يقول. قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم كتابا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قاله عمر. فلما أكثروا اللغط
والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قوموا عني " (388) وروى الإمام
____________
(385) رواه البخاري في كتاب الأحكام.
(386) فتح البخاري: 180 / 13.
(387) رواه أحمد وقال رواه أحمد وفيه ابن بهيقة وفيه خلاف. وقال صاحب الفتح الرباني.
قلت: أي لأنه عن من في هذا الحديث وقالوا إذا عن ابن بهيقة فحديثه ضعيف وإذا قال
حدثنا فحديثه صحيح أو حسن (الفتح الرباني: 136 / 21).
(388) صحيح البخاري: 271 / 4.
مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟
ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إئتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب
لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
هجر (389) وعند البخاري: (فقال إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده
أبدأ. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر " (390) وزاد البخاري
وأحمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما
تدعوني إليه) (391).
وفي لسان العرب: يهجر هجرا. إذا كثر الكلام فيما لا ينبغي. وهجر
يهجر هجرا. بالفتح. إذا خلط في كلامه وإذا هذى (392) وقال ابن الأثير في
النهاية: الهجر بالضم هو الخنا والقبيح من القول (393). وأقر ابن الأثير كما في
لسان العرب وفي النهاية بأن القائل هو عمر بن الخطاب. معتذرا بأن أقل ما يقبل
في هذا المقام أن يكون قد قال: (أهجر) على سبيل الاستفهام.
ومما رواه الطبراني في هذا الحدث عن عمر بن الخطاب قال: لما مرض
النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتابا لا تضلوا
بعده أبدا. فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟
فقلت: إنكن صواحبات يوسف. إذا مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
عصرتن أعينكن. وإذا صح ركبتن عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(دعوهن فإنهن خير منكم) (394) وخلاصة أحاديث الصحيفة. إن ردود النبي
صلى الله عليه وآله وسلم على من حوله. لم تكن تحمل جانب من جوانب
الرضا. فعندما قالوا حسبنا كتاب الله. وأكثروا اللغط والاختلاف قال. " قوموا
____________
(389) صحيح مسلم 76 / 5.
(390) البخاري: 202 / 2.
(391) البخاري: 202 / 2، أحمد (الفتح: 234 / 21).
(392) لسان العرب: 5618 / 55.
(393) النهاية: 240 / 4.
(394) الطبراني في الأوسط (كنز العمال: 644 / 5).
عني) إن الرسول لا يقف على أرضية من اللغط والاختلاف. الرسول جاء ليتكلم
وليستمع الناس. والرسول عندما يتكلم لا ينطق عن الهوى لهذا فرض الله تعالى
على الناس طاعة النبي في جميع الأحوال -. وعندما قالوا: هجر. أو. أهجر.
قال: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) وأيضا ما قاله عن النسوة عندما
قالوا: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟ قال: دعوهن فإنهن خير منكم. فجميع
هذه الردود لا تحمل معنى من معاني الرضا على سير الأحداث ويؤيد هذا بكاء ابن
عباس. يوم الخميس وما يوم الخميس؟ وذهب أكثر من باحث إلى أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم لم يصر على كتابة الصحيفة التي لا يضلوا بعدها أبدا. لأن
قولهم: " هجر) أو " أهجر " يمكن أن يكون مقدمة يشكك بها البعض فيما
سيكتبه الرسول. بمعنى أن الرسول كتب ما كتب وهو في حالة لا تسمح له
بذلك. والتشكيك مكتوب ربما يتعدى هذا المكتوب إلى مكتوب آخر تحت هذه
الحجة. وقال آخرون: عندما أكثروا اللغط والاختلاف. علم أن الاختلاف واقع
من بعده لا محالة كما أخبره ربه. ولذا اكتفى بما أقامه عليهم قبل ذلك من
الحجج ورحل النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني صلى الله
عليه وآله وسلم. رحل النبي الخاتم للمسيرة الشريفة التي تقدمها نوح وتوسطها
إبراهيم عليهما السلام. ونشهد أنه قد أدى الأمانة. ونصح الأمة. وجاهد في
سبيل الله حق جهاده. ونسأل الله أن يحشرنا تحت لوائه. وأن يسقينا من حوضه
جرعة ماء لا نظمأ بعدها أبدا. والمؤمنين أجمعين. إنه سميع مجيب.
حفائر القريش
(وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)
سورة الفرقان، الآية 30
حفائر قريش
(الطريق إلى سنن الأولين)
أولا: البدايات والنهايات:
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من الفتن. لأن كل فتنة تصب في
نهاية المطاف في سلة المسيح الدجال الذي ينتظره اليهود على امتداد طريق
الطمس والقهقري. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ". وما
صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال " (1) ولأن فتنة
الدجال يجتمع فيها كل ثقافات معسكر الكفر والانحراف منذ عهد نوح عليه
السلام. فإن جميع الأنبياء حذروا أممهم من الاقتراب من شذوذ الذين مضوا.
لأن هذا الشذوذ يحمل بصمات الدجال إليهم. وأن يتمسكوا بما معهم لأن في
اختلافهم شذوذ يحمل بصمات الدجال وينطلق محتضنا لشذوذ الماضي إلى
المستقبل حيث الدجال. قال النبي: (وأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا حذر أمته
الدجال) (2) ولقد حذر النبي أمته أعظم تحذير. فقال: (لأنا لفتنة بعضكم
أخوف عندي من الدجال. ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها " (3). فالذي
ينجو من الدجال هو فقط الذي تفادى رياح الانحراف والشذوذ والأهواء التي
____________
(1) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. (الزوائد: 7 / 335)
(2) رواه ابن ماجة: حديث 4077.
(3) رواه أحمد والبزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح: (335 / 1).
تحمل ثقافات أصنام الماضي والحاضر والمستقبل. فهذه الثقافة ستكون
أرضية للدجال ولن ينجو منها إلآ من عرفها.
ولقد حدد النبي ثلاث محطات في كل واحدة منها فتنة وطالب الأمة أن
تحذرها فقال: (ثلاث من نجا منها فقد نجا. من نجا عند موتي. ومن نجا عند
قتل خليفة يقتل مظلوما وهو مصطبر يعطي الحق من نفسه ومن نجا من فتنة
الدجال " (4). لقد أشار إلى أحداث تكون عند موته. وهذه الأحداث ستعصف
بالعقول وبالقلوب. وأشار إلى أحداث تأتي عند قتل خليفة من صفاته إعطاء الحق
وهذه الأحداث هي الوسط بين موته صلى الله عليه وسلم وبين ظهور الدجال. أي
أحداث تحمل رياح الفرقة والاختلاف وانقسام الأمة إلى أحزاب كل حزب يلعن
الآخر. وما تلبث هذه الثقافة حتى تتعانق مع ثقافات الظلام الغابر لتمثل ثقافة
عالمية واحدة يسهر عليها علماء الطمس والقهقري وتحميها القوى الدولية
المتعددة ويعتبر الخارج عليها خارج عن القانون. ثم يأتي الدجال على إثر
ذلك.
لقد حذر النبي من كل فتنة. حذر زوجاته وأصحابه وكان يقول: " هل
ترون ما أرى إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) (5) قال النووي.
أي أنها كثيرة وتعم الناس. لا تختص بها طائفة. وهذا إشارة إلى الحروب
الجارية بينهم كوقعة الجمل وصفين والحرة ومقتل عثمان والحسين وغير ذلك (6)
وعن ابن عمر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة فقال:
" رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان " (7) وحذر النبي جميع الأجيال
المؤمنة التي تأتي في المستقبل والتي تجد نفسها في دوائر الفتن الماضية.
حذرهم أن تصيبهم الرياح التي أصابت الذين ظلموا. لأن رياح الفتن لا تصيب
الذين ظلموا خاصة. بل تخترق الماضي ومنه إلى الحاضر ثم إلى المستقبل.
____________
(4) رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ربيعة بن لقيط وقد وثقه ورواه الخطيب
في المتفق واللفظ له (كنز العمال: 180 / 11) (الزوائد: 334 / 7).
(5) رواه مسلم 168 / 8.
(6) رواه مسلم: 168 / 8.
(7) مسلم: 181 / 8.
ويستقبلها كل من وقع هواه على ثقافتها. قال النبي: (تعرض. الفتن على القلوب
كالحصير. عودا عودا. فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها
نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين. على أبيض مثل الصفا فلا تضره
فتنة ما دامت السماوات والأرض. والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف
معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه " (8) وللنبي إرشادات عظيمة لكل
مؤمن ضعيف يعيش في زمان هذه الفتن. منها أن يعتزل في حاله. وأن يصلي
وراء هذا وذاك في حالة كي ينجو بإيمانه في عالم يقول فيه النبي صلى الله عليه
وسلم: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم
رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " (9) وإرشادات النبي لم تدعو
الفرص الإيمان بالقوة لأن القاعدة أن دين الله لا إجبار فيه. فالمجتمع الذي يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر يحييه الله حياة طيبة. أما الذي يأمر بالمنكر وينهى
عن المعروف فله في الكون ضربة لا تخطئة. وما الله بغافل عما يعمل
الظالمون.
1 - أول الوهن:
تواتر في كتب السير والتواريخ والصحاح والمسانيد أن الأنصار بعد وفاة
النبي رأى معظمهم أن لا تكون البيعة إلا لعلي بن أبي طالب. ولكن نقل إليهم أن
المهاجرين أرادوا الأمر. وعندئذ أخرج الأنصار سعد بن عبادة وهو مريض
وقالوا: تولى هذا الأمر بعد النبي سعد بن عبادة فإن أبت مهاجرة قريش وقالوا:
نحن المهاجرون الأولون. فإنا نقول: منا أمير ومنكم أمير. وعندئذ خرج من
سقيفة بني ساعدة التي كان الأنصار يجتمعون فيها صوت يقول: " هذا أول
الوهن " وعندما علم عمر بن الخطاب انطلق إلى أبي بكر فقال له أبو بكر. ابسط
يدك لأبايعك. فقال له عمر: أنت أفضل مني. فقال له أبو بكر: أنت أقوى
مني. فقال عمر. فإن قوتي لك مع فضلك. فبايعه (*) وانطلقا سويا إلى السقيفة
____________
(8) مسلم: 89 / 1.
(9) مسلم: 20 / 5.
(*) تاريخ الخلفاء: ص 65.
ومعهما بعض المهاجرين ولم يكن من بينهم أحدا من بني هاشم. وفي السقيفة
خطب أبو بكر وأشاد بسابقة قريش وبفضل الأنصار (10). ومرت المحاورات بين
منا أمير ومنكم أمير. أو منا أمير ومنكم وزير. وانتهى المطاف بأن لقب المسلمون
أبو بكر بلقب خليفة رسول الله (11). ولم يبايع سعد بن عبادة وتوعد المهاجرين
وقصة تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة (12) وروي أنه خرج إلى الشام وأن الجن
قتلوه وقالوا فيه شعرا. وروي أنه لما انتهت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
أنباء السقيفة قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير. قال:
فهلا احتججتم عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصى بأن يحسن إلى
محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (13). قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟
قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال: فماذا قالت قريش؟
قالوا: احتجت بأنها شجرة رسول الله الله عليه وآله وسلم. فقال: احتجوا
بالشجرة وأضاعوا الثمرة (14).
والباحث في أوراق ما بعد وفاة الرسول لا يجد المعلومات الكافية عن
مجريات الأحداث. ومن المؤكد أن معلومات كثيرة قد فقدت وهي في طريقها
إلينا. وإن معلومات أخرى قد حجبت عندما أمر الخلفاء بعدم التوسع في رواية
الحديث بحجة أنه يؤثر على القرآن. ولكن من خلال المعلومات التي وصلتنا في
كتب السير والتواريخ وغيرها. يمكن للباحث أن يتصور. أنه بعد فتح مكة
اتسعت رقعة النفاق ودخل الإسلام الذين قال الله فيهم:! وجعلنا من بين أيديهم
سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أ أنذرتهم أم لم
تنذرهم لا يؤمنون)(*) وهؤلاء كان الرسول يعرفهم دفي حياته بل وحذر منهم وطرد
____________
(10) أنظر الطبري وابن الأثير حوادث سنة 11.
(11) الإصابة: 101 / 4.
(12) الإصابة: 80 / 3.
(13) وصية الرسول بالأنصار رواها البخاري ومسلم وفيها: (أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي
وعيبتي. وقد قضوا الذي عليهم. وبقي الذي لهم. فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن
مسيئهم) البخاري: 2 / 314، مسلم حديث رقم 1949.
(14) أراد بالشجرة شجرة النبوة والثمرة آل البيت.
(*) سورة يس، الآيتان: 9 - 10.
بعضهم فمن الممكن أن يقال أن هذا الفريق الذي استصغر أسامة بن زيد في قيادة
الحملة العسكرية. كره قيادة علي بن أبي طالب للأمة لأمور عديدة منها أن سيفه
كان له أثرا بليغا في رقابهم. لكنه لم يفصح عن هذه الأمور للصحابة الكبار.
وإنما عرض رفضه على أساس استصغار علي. وأن قيادته ستفرق الشيوخ من
حوله. ويمكن أن يكون كبار الصحابة قد علموا مواطن القوة عند هذا الفريق.
فأبعدوا عليا حتى لا تكون فرقة واختلاف. ويمكن أن نكتشف ذلك من عدة أقوال
حول هذا الحدث. منها قول عمر كما جاء في الصحيح. (أن بيعة أبي بكر
كانت فلتة وقى الله شرها) قال في لسان العرب: أراد الفجأة. لأنها لم تنتظر
العوام وإنما ابتدرها أكابر الصحابة والفلتة كل شئ فعل من غير روية. وشبه
يوم موت النبي بالفلتة في وقوع الشر من ارتداد العرب. والجري على عادة العرب
في ألا يسود القبيلة إلا رجل منها.. ومنها ما رواه ابن عباس. قال: كنت أسير
مع عمر بن الخطاب في ليلة. فقال. أم والله يا بني عبد المطلب لقد كان علي
فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر. فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن
أقلته. فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك وثبتما عليه
واقترعتما الأمر منه دون الناس؟ فقال: إليكم يا بني عبد المطلب. أما إنكم
أصحاب عمر بن الخطاب. قال: فتأخرت عنه وتقدم هنية. ثم قال عمر: سر لا
سرت وقال: أعد علي كلامك. فقلت: إنما ذكرت شيئا فرددت عليك جوابه.
ولو سكت سكتنا. فقال: إنا والله ما فعلنا ما فعلناه عن عداوة. ولكن استصغرناه
وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها. قال: فأردت أن أقول كان
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه فينطح كبشها أفتستصغره أنت وصاحبك.
فقال: لا جرم فكيف ترى؟ والله لا نقطع أمرا دونه. ولا نعمل شيئا حتى
نستأذنه (15) وما ذهبنا إليه يقترب أيضا مما رواه رافع الطائي قال: حدثني أبو بكر
عن بيعته فقال: (بايعوني وقبلتها منهم. وتخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها
ردة) (16) وأخرج ابن إسحاق وابن عابد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر: ما
____________
(15) محاضرات الراغب: 213 / 2 ونقل ابن أبي الحديد مثله في شرح النهج 134 / 1 عن
كتاب السقيفة للجوهري.
(16) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 66.
حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من
ذلك بدا. خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة (17).
فقد تكون البداية أن دوائر النفاق داخل البيت الإسلامي قد لوجت بقبضتها
فكان ما كان ولكن الذي يقف في أول الطريق لا يرى إلا أول الطريق أو وسطه وأما
نهاية الطريق فإنها لا ترى إلا بعد أن تجئ. ونهاية الطريق كانت بكل المقاييس
مأساة لا ينكرها باحث منصف لقد تقاتلت القبائل والطوائف وقامت بتصفية
حساباتها على حساب الإسلام. وأصبح كرسي الحكم غاية وهدف لغلمان قريش
وسفهائها. بل أصبح فيما بعد كعجل بني إسرائيل حوله المستفيد منه والخائف
من عضبة.
2 - الحفائر:
في عصر عمر بن الخطاب طفح على السطح فريق يذهب إلى المساجد
بوجهه ويطلب الإمارة بقلبه. (منهم): المغيرة بن شعبة. ذكر البغوي وابن
شاهين أن المغيرة قال: أنا أول من رشا في الإسلام جئت إلى حاجب عمر وكنت
أجالسه. فقلت له: خذ هذه العمامة فالبسها. فكان يأنس بي ويأذن لي أن
أجلس من داخل الباب. فكنت أجلس في القائلة. فيمر المار فيقول: إن
للمغيرة عند عمر منزلة إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها أحدا (18).
واستعمل عمر المغيرة على البحرين فكرهوه وشكوا منه فعزله. ثم ولاه البصرة.
ثم عزله لما شهد عليه أبو بكرة بالزنا ثم ولاه الكوفة. وأقره عثمان ثم عزله
وبعد قتل عثمان حضر مع الحكمين. ثم بايع معاوية فولاه الكوفة. والمغيرة
الذي اعتبر نفسه أول من رشا في الإسلام. اعتبره التاريخ أول من وضع بذرة
الحكم الملكي في الإسلام. وذلك عندما علم أن معاوية سيعزله أشار إليه
بتنصيب ابنه يزيد من بعده. فلم يعزله معاوية وطلب منه أن يعد العدة لذلك.
(ومنهم): معاوية بن أبي سفيان ولاه عمر الشام وأقره عثمان. ثم إستمر
فلم يبايع عليا بعد قتل عثمان. ثم حاربه واستقل بالشام ثم أضاف إليها مصر ثم
____________
(17) تاريخ الخلفاء /. السيوطي: 66.
(18) الإصابة: 132 / 6.
تسمى بالخلافة بعد صلحه مع الحسن. وقال في الإصابة: عاش ابن هند - يعني
معاوية - عشرين سنة أميرا وعشرين سنة خليفة (19). ومعاوية أسلم يوم الفتح مع
أبيه وأمه. وروى البعض أنه أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره يوم
الفتح وإنه كان في عمرة القضاء مسلما. وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن
سعد. بن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج. فعلناها وهذا يومئذ
كافر (20).
(ومنهم). عمرو بن العاص. نظر عمر بن الخطاب إليه وهو يمشي
فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا (21) ولاه عمر فلسطين
وذكر ابن سعد. أن عثمان لما عزله عن مصر قدم إلى المدينة. فجعل يطعن على
عثمان. فبلغ عثمان ذلك فزجره. فخرج عمرو إلى أرض له بفلسطين. وبعد
قتل عثمان بلغته بيعة علي ثم بلغته وقعة الجمل. وخروج معاوية. فلحق بمعاوية
لعلمه أن عليا لا يشركه في أمره (22). وساند معاوية مقابل شيئا واحدا. أن يعطيه
معاوية مصر طعمة ما بقي(*).
فهذه الطائفة وغيرهم ما كانت الدعوة هدفا من أهدافهم وإنما كان الكرسي
هو الهدف. كانوا في أول الطريق أصحاب أحمال خفيفة. أما في نهاية الطريق
فقد أمطروا الأمة بفتن لا حد لها. وإذا كان عمر بن الخطاب قد اعتمد على
سواعد الولاة القوية في بداية الطريق. فإن عثمان بن عفان لم يتخير إلا أقاربه
حتى ولو كانوا من الذين طردهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(ومنهم): عبد الله بن أبي السرح. قال في الإصابة. كان أبوه من
المنافقين (23). ويوم فتح مكة أمن الرسول الناس كلهم إلا أربعة نفر منهم: ابن
أبي السرح. الذي اختبأ عند عثمان وكان أخوه من الرضاعة. فجاء به عثمان
____________
(19) الإصابة: 113 / 6.
(20) الإصابة: 113 / 6.
(21) الإصابة: 3 / 5.
(22) الإصابة: 61 / 6.
(*) ابن الأثير: 179 / 1.
(23) الإصابة: 77 / 4.
حتى أوقفه على النبي وهو يبايع الناس. فقال يا رسول الله: بايع عبد الله. فبايعه
بعد ثلاث. ثم أقبل النبي على أصحابه وقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى
هذا حين رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله (24) وعبد الله هذا ولاه عثمان على
مصر. وكان على الصعيد في زمن عمر ثم ضم إليه عثمان مصر كلها (25) وفي
مصر فرض عبد الله الضرائب وعامل الشعب هناك بقسوة. وترتب على هذا كله
الخروج على عثمان وقتله.
(ومنهم): الوليد بن عقبة الذي نزل فيه:! يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم
فاسق بنبأ فتبينوا) وقال ابن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم أن الآية نزلت
فيه (26) والوليد نشأ في كنف عثمان وكان أخوه لأمه. استخلفه عثمان على
الكوفة. وقصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران مشهورة مخرجة (27) وكان
الوليد شاعرا وروي أنه كان يحرض معاوية على قتال علي بكتبه وبشعره (28).
(ومنهم): الحكم بن العاص. عم عثمان ووالد مروان. أسلم يوم الفتح
وسكن المدينة ثم نفاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف. ثم أعيد إلى
المدينة في خلافة عثمان (29) وروي في سبب طرده أنه كان يتبع سر رسول الله (30)
وروي أن أصحاب النبي دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص. فقالوا:
أفلا نلعنه نحن؟ قال: لا. فإني أنظر إلى بنيه يصعدون منبري وينزلونه. فقالوا
يا رسول الله ألا نأخذهم؟ قال: لا. ونفاه (31) وروي أن الحكم مر على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي. (ويل لأمتي مما في صلب هذا " (32)
____________
(24) الإصابة: 77 / 4.
(25) الإصابة: 77 / 4.
(26) الإصابة: 321 / 6.
(27) الإصابة: 322 / 6.
(28) الإصابة: 322 / 6.
(29) الإصابة: 28 / 2.
(30) الإصابة: 29 / 2.
(31) الإصابة: 28 / 2.
(32) الإصابة: 29 / 2.
والنبي لم يأمر بقتله. لأن الحكم وأمثاله ثمرة طريق وباب للفتن والرسالة أغلقت
في وجوه هؤلاء الأبواب. فمن فتح الباب عليه استقبل الرياح.
(ومنهم): مروان بن الحكم. وهو ابن عم عثمان وكاتبه في خلافته (33)
كان قد خرج مع أبيه إلى الطائف حين نفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعندما أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة رجع مع أبيه (34) روي أن عائشة
قالت لمروان: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله. لعن أباك وأنت في
صلبه (35). وكان مروان من أسباب قتل عثمان (36) وشهد الجمل مع عائشة ثم
صفين مع معاوية ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية وخرج منها في أوائل إمرة يزيد بن
معاوية. وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية. فبايع بعض أهل
الشام مروان. وعندما تمت له المبايعة من هؤلاء. أراد أن يستحوذ على الشام
بأسرها. فكانت الواقعة بينه وبين الضحاك بن قيس. وانتصر مروان واستوثق له
ملك الشام. ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها. وكان الطريد هذا وابن الطريد
يلقب حينئذ بأمير المؤمنين في بلاده. إلى أن مات فعهد إلى ولده
(أمير المؤمنين) عبد الملك بن مروان. لتبدأ سلسلة أمراء المؤمنين الذين طرد
رسول الله أكبر رأس فيهم إن الفريق الذي كان يذهب إلى المساجد بوجهه ويطلب
الإمارة بقلبه. حفر في نفوس الشعوب الحفائر العديدة. وهذه الحفائر أنتجت
ثقافة. وعلى هذه الثقافة جاء غلمان قريش وسفهائها كل منهم يطلب الكرسي
لنفسه. ولقد مهدت حفائر كل حلقة للأخرى حتى إستقرت عند الطريد الذي مهد
إلى الضياع. ولقد كان بين كل حلقة وأخرى فتوحات. ولكن الفتوحات جاءت
بالأموال حتى كثر التنافس الذي جر الفتن. والإسلام لم يكن في أصوله البحث
عن الأموال والنعيم. وإنما في أصوله البحث عن الفطرة التي تئن تحت أحمال
الجاهلية في أصول الإسلام أن وضع الفطرة في المكان الصحيح يترتب عليه
____________
(33) الإصابة: 156 / 6.
(34) الإصابة: 157 / 6.
(35) قال في الإصابة أصل القصة عند البخاري بدون هذه الزيادة 29 / 2.
(36) الإصابة: 157 / 6.
دوران صاحبها في اتجاه حركة الكون. ومع هذا الدوران الصحيح سيأتي حتما
الاطعام والأمن. وليس معنى ذلك أن الفتوحات كانت سياسة خاطئة وأن حركة
جميع الولاة كانت في اتجاه الكرسي والمال. فالتاريخ يشهد بأن العديد من
الفتوحات صان بيضة الإسلام من أعدائه المحيطين به. وأن من الولاة من عمل
إبتغاء مرضاة الله. ولكن حركة الفريق الذي قدمناه وأمثالهم طغت على أعمال
غيرهم. ووضعت مقدمات أثمرت نتائج هي بكل المقاييس لا علاقة لها بالإسلام
إلا بالاسم. وهذا إن دل على شئ إنما يدل على أن الحركة لم تكن في الاتجاه
الصحيح. فنحن لا نصدق على سبيل المثال لا الحصر أن ضرب الكعبة ورميها
بالمنجنيق أو دخول الخيل إلى مسجد الرسول في واقعة الحرة أو قتل الحسين.
لا نصدق أن كل هذا كان نتيجة صحيحة لمقدمة صحيحة. ولأننا لا نصدق فإننا
نقول إن حركة هؤلاء الولاة منذ البداية كانت تعمل لخدمة هوى تلبس بالإسلام.
3 - حفائر أهل الكتاب والأهواء:
إن الكفار من أهل الكتاب يقاتلون معاركهم من وراء جدر. فيدخلون
المعارك وراء جدار الجواسيس ويقفون بأسلحتهم وراء الجدر المنيعة. وعلى
هذا إذا رأيناهم داخل منطقة ما من البيت الإسلامي اجتماعية أو تربوية أو اقتصادية
يجب أن نعلم إما أن لهم جدر تحمي حركتهم وإما فتكت أسلحتهم بهذه المنطقة
فدخلوها وهم يعلمون أن أحدا لن يجابههم. وأهل الكتاب لم يستطيعوا أن يقاتلوا
أمام المسلمين بسلاح. ولقد هزموا في جميع معاركهم. وبعد موت الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم بدأوا يعدون لمعارك من نوع آخر يساعدهم فيها
المنافقين داخل البيت الإسلامي. ومن هذه المعارك وضع الأحاديث ورواية
القصص التي تحمل بين طياتها دماء أهل الكتاب. ولقد ساعد أهل الكتاب على
ذلك أن الساحة أعطتهم هذه الفرصة الثمنية وهي لا تدري.
في عصر الرسول كانت رواية الحديث معروفة عملا يقول الله تعالى.
(إ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ". ولم تنقطع رواية الحديث حتى يوم
خطبة الوداع حيث قال فيها النبي: (" ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب) ". وربما
يكون الرسول قد أمر في صدر الدعوة بعدم رواية الحديث حتى يتمكن القرآن من
النفوس. ولكن الحديث اتصلت روايته بعد ذلك. لأن الحديث مكمل
للتشريع. ومبين لمجملات القرآن ومخصص لعموماته ومطلقاته. كما تكفل
لكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية. والذي حدث بعد وفاة
الرسول أن رواية الحديث كانت في نطاق ضيق. وفي عصر عمر بن الخطاب
ضاقت الدائرة أكثر وكان قد قال: (" قلوا الرواية عن محمد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنا شريككم) (37) ثم ضاقت أكثر عندما توعد الخليفة الناس بالعقاب
عليها ونحن نختلف مع الذين قالوا: أن النهي عن الرواية والتدوين في عهد عمر
كان ضرورة حتى لا يلتبس القرآن بالحديث. وحتى لا ينصرف المسلمين عن
كتاب الله. وذلك لأن للقرآن أسلوب لا يبلغه الإنس والجن مجتمعين. فكيف
يلتبس القرآن بالحديث؟ وكيف ينصرف الناس عن كتاب الله وهم يقرأونه في
صلاتهم كل يوم. ويسهرون معه ليلا طويلا. وهل معنى إننا نخاف على القرآن
أن نضيع سنة الرسول؟ لقد كان من الأفضل أن تجتمع هيئة من الأمناء وتدون
الحديث الصحيح كله بعد تدوين القرآن. وبهذا يقطع الطريق على الكذابين
والوضاعين إما أن تمنع رواية الحديث تحت عنوان المحافظة على القرآن. فهذا
لا يقبله عقل سليم ويفتح الطريق للقول بأن عدم الرواية والتدوين الهدف منه
التعتيم على من طالب الرسول بالالتفاف حولهم أو الذين حذر منهم وعلى أي حال
فكما ذكرنا من قبل أن معلومات كثيرة فقدت عن هذه الفترة. ولا ندري السبب
الحقيقي لأمر عمر بن الخطاب بعدم الرواية. ولكن من المؤكد أن حركة الوضع
ترعرعت في هذا السكون وحمل شجرتها كعب الأحبار. وكعب كان من أكبر
أحبار اليهود. أسلم في عهد عمر وسكن المدينة في خلافته. ثم تحول إلى الشام
في عهد عثمان. فاستصغاه معاوية وجعله من مستشاريه لكثرة علمه!! ويقول
الشيخ رشيد رضا: أن كعب كان من زنادقة اليهود. الذين أظهروا الإسلام
والعبادة لتقبل أقوالهم في الدين. وقد راجت دسائسه. وانخدع به بعض
الصحابة ورووا عنه وتناقلوا أقواله (38) وقال ابن كثير في تفسيره: لما أسلم كعب
في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه. فترخص الناس في استماع ما
عنده ونقلوا ما عنده من غث وسمين وذكر أن كعبا كان متخصص في بث
____________
(37) الطبري 90 / 5.
(38) المنار: (541 - 783 / 27.
الخرافات في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوالهم والفتن والساعة والآخرة.
وهذه الأمور قادرة على خلق أرضية ثقافية واسعة تخدم مخطط كعب الأحبار. وإذا
كنا لا نعرف على وجه اليقين ماذا كان يريد كعبا من بث هذه الثقافة. إلا أننا يمكننا
بملاحظة الساحة أن نتبين ذلك. فروايات كعب كانت في مجملها قريبة من
القصص. فهو يقص ولا يحدث. وفي الوقت الذي كان فيه عصر عمر شبه خاليا
من رواية الحديث كان هناك قصاص يقصون في المساجد (39) وآخرون يقصون
في مقدمة الجيوش الفاتحة (40) ومن المعروف أن القصص نشأ في عهد عمر.
فكعب جاء بسلعة. الساحة في حاجة إليها. وظل كعب يمد الساحة بإنتاجه حتى
غمرها. وبعد عهد عمر توسع كعب في عهد عثمان ومن عنده تحول إلى الشام
ليكون مستشارا لمعاوية. الذي اتسع القص في أيامه. فكانت هناك طائفة تعرف
بالقصاص تفسر القرآن الكريم. وتخرج تفسيرها بقصص كثيرة تستمدها من
موروثات أهل الكتب السماوية. وكانوا يستغلون ميل الناس إلى الأخبار العجيبة
فيزيدون في قصصهم (41) وكان للأمويين في كل بلد قاص يقص على الناس في
المسجد الجامع ويدعو إلى طاعتهم (42) وقد أمر معاوية أن يكون القصر مرتين في
اليوم مرة بعد صلاة الصبح ومرة بعد صلاة المغرب وعين للقصاص مرتبات
خاصة (43).
وكما فتح عدم رواية الحديث باب القص في المساجد. وترتب على ذلك
جريان دماء أهل الكتاب في هذه القصص. كذلك ترتب على عدم رواية الحديث
وعلى عدم أخذ علوم القرآن من أهله اتساع دائرة الرأي. يقول الشيخ محمد
عبده: (" كان الصحابة إذا رأوا المصلحة في شئ يحكمون به وإن خالف السنة
المتبعة لا (44) ويقول الدكتور عبد الحميد متولي: وكان عمر بن الخطاب من أبرز
____________
(39) طبقات ابن سعد: 5 / 341.
(40) أسد الغابة: 5 / 341.
(41) الفن ومذاهبه في النثر العربي د. شوقي ضيف: ص 66.
(42) خطط المقريزي: 2 / 253 عن المصدر السابق.
(43) الولاة والقضاة / للكندي: 304.
(44) علم أصول الفقه / الشيخ خلاف: 301، المنار / رشيد رضا 210 / 4.
شخصيات الصحابة في هذا الباب. فهو لم يقتصر فحسب على الاجتهاد. حيث
لا نص من كتاب أو سنة. وإنما ذهب إلى مدى أبعد من ذلك. إذ كان يعمد إلى
الاجتهاد. أو بعبارة أخرى: (" استعمال الرأي) ليبحث عن وجه العدالة أو
المصلحة حتى رغم وجود نص من الكتاب أو السنة. فكان لذلك لا يفسر النص
طبقا لحرفيته. وإنما يفسره طبقا لحكمته. أي طبقا لباطنه ولو أدى هذا التفسير
إلى عدم تطبيق النص (45) وقد اتسع مفهوم الرأي وذهب في كل واد بعد عصر
عمر. وعندما ظهرت المذاهب والأحزاب. كان كل فريق ينظر إلى النصوص
بعين مذهبهم (أي أنهم كانوا لا يرجعون إلى نص القرآن أو الحديث. إلا
ليلتمسوا فيه ما يؤيد مذهب إمامهم. ولو أدى ذلك إلى سلوك التعسف في
التفسير. ومما يذكر عن أحد علماء الحنفية وهو عبد الله الكرخي المتوفى 340 ه
أنه قال: (" كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا - يقصد أتباع المذهب - فهو
مؤول أو منسوخ) " (46) واتسعت الدائرة بعد ذلك فيقول الدكتور عبد الحميد
متولي: إنه مما لا ريب فيه أن الرسول الذي خاطبه الله في كتابه الكريم بقوله:
(وإنك لعلى خلق عظيم) هو خير قدوة للبشرية. ولكن هذا لا يعني أن
المسلمين في كل زمان ومكان ملزمون شرعا أو قانونا بالسير على نهجه واتباعه في
جميع ما صدر منه من أقوال وأفعال. حقا لقد قال الله: (! لقد كان لكم في
رسول الله أسوة حسنة) ولكن الأسوة أو القدوة كما يقول الإمام ابن حزم مستحبة
وليست واجبة. ولو كانت الأسوة أو القدوة واجبة لكان النص: (" لقد كان
عليكم) " (47)! وهكذا نشأ الرأي في عصر ما قبل التدوين واستمر بعد التدوين
واستقر في أغلب الدول الإسلامية تحت لافتة تقول: (" الإسلام دين الدولة لا مع
العلم أن هذا الشعار لا يترتب عليه إلزام الدولة بتطبيق الشريعة. وكما قال
البعض. ما هو إلا بمثابة تحية كريمة للعقيدة الدينية التي تدين بها الأغلبية أو
بمثابة كفارة تقدمها الدولة لعدم التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية في تشريعاتها.
____________
(45) أزمة الفكر السياسي في الإسلام / د عبد الحميد متولي: ص 148.
(46) أزمة الفكر السياسي في الإسلام / د. عبد الحميد متولي: ص 36.
(47) أزمة الفكر السياسي في الإسلام / د. عبد الحميد متولي: ص 56.
4 - ما أشبه الليلة بالبارحة.
إذا كان كعب الأحبار قد مهد الطريق لوضع الأحاديث واتساع القصص في
وقت ثم تضييق الخناق فيه على رواية الحديث. وإذا كان ظهور الرأي نتيجة
حتمية لمقدمة لا رواية فيها ولا تأويل. فإن ظهور شعراء النصرانية في الساحة في
وقت مبكر من وفاة الرسول كان مقدمة لنتيجة هي كارثة بجميع المقاييس. وشعراء
النصرانية بدأوا في التسلل نحو المجتمع الإسلامي على امتداد عصور
الفتوحات. وروي أن العديد منهم وفد على عمر بن الخطاب ومنهم حرملة بن
المنذر أبو زيد الشاعر قال في الإصابة: كان نصرانيا وكان يزور عمر وعثمان (48)
وحرملة بن جابر قال في الإصابة: كان نصرانيا يدخل على عمر (49). والحطيئة
الشاعر. قال في الإصابة: أسلم ثم ارتد. كان يقول الشعر. وكعب الأحبار
يقول: هذا والله في التوراة. وكان يتردد على عمر (50) وغير هؤلاء الكثير.
وهؤلاء كانوا مقدمة لآخرين جاؤوا في عهد عثمان. وعن هذا العهد يقول الدكتور
يوسف خليفة: بدأت الموجة في أول الأمر هادئة. حيث كانت أديرة النصارى
المنتشرة في الحيرة النصرانية. تقدم ألوانا هادئة من اللهو. وتهيئ لروادها فرصة
هادئة من الشراب (51). ثم اتسعت الموجة. عندما بدأ الوليد بن عقبة والي
عثمان على الكوفة وأخاه لأمه يشرب الخمر ويستمع إلى الغناء. وروي أنه كان
يسمر مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح. وأنه كان يؤثر بمنادمته صديقا له
من نصارى تغلب هو أبو زبيد الطافي الشاعر. وأنه أنزله دارا على باب المسجد ثم
وهبها له. فكان أبو زبيد يخرج من منزله حتى يشق الجامع على الوليد فيسهر عنده
ويشرب معه. ثم يخرج فيشق المسجد وهو سكران. وروي أن الوليد صلى
بالناس الصبح ذات يوم وهو سكران أربع ركعات. ثم إلتفت إلى الناس وقال.
أزيد كم (52).
____________
(48) الإصابة / ابن حجر: 60 / 2.
(49) الإصابة / ابن حجر: 59 / 2.
(50) الإصابة / ابن حجر: 63 / 2.
(51) حياة الشعر / د. يوسف خليفة: ص 207.
(52) أنظر هذه الأخبار في الأغاني: 5 / 122 - 145، المسعودي. مروج الذهب. -
هكذا بدأت الموجة على أيدي الأمويين الأوائل. أمير يصلي سكران.
وكان هذا الفعل من المقدمات التي مهدت للثورة على عثمان. ومعنى أن الأمير
يتكاتف مع صديقه النصراني في حزمة واحدة. أن ثقافة اللهو قد بلغت مبلغها.
وإذا كان الناس قد شهدوا في أيام عثمان أميرهم يشرب خمرا ويستمع إلى
المغنيات. فإنهم في نهايات العصر الأموي شهدوا خليفة لهم يشرب الخمر
ويتغنى بها ويستمع إلى المغنيات. ويبعث في طلبهن من أقصى الأقاليم
الإسلامية. بل يزيد على ذلك إستهانة بالدين واستهتارا به. وتحللا من القيم
الأخلاقية وإفراطا في المجون والتهتك والخلاعة. وهو الوليد بن يزيد. الني
يصفه صاحب مروج الذهب. بأنه (صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء
وهو أول من حمل المغنين من البلدان إليه. وجالس الملهين وأظهر الشرب
والملاهي والعزف. وغلبت عليه شهوة الغناء في أيامه على الخاص والعام) (53)
ويقول الدكتور يوسف خليفة: ومعنى هذا أننا أمام ظاهرة اجتماعية شديدة
الخطر. لم يسبق للمجتمع الإسلامي أن شهد مثلها. فلأول مرة في تاريخ هذا
المجتمع. نجد أنفسنا أمام خليفة ماجن متهتك خليع. نسي أنه
(أمير المؤمنين)! وأنه (إمام المسلمين!) فاندفع في حياة لاهية مستهترة حتى
أطلق عليه لقب (مروان الخليع) والناس على دين ملوكهم. وفعلا اندفع كثير من
الناس يقلدون خليفتهم. دون أن يجدوا في ذلك حرجا عليهم أو يخشوا تنفيذ
الحدود فيهم. وإذا كان الوليد بن عقبة قد نفذ فيه الحد أيام عثمان عندما ثار
الناس. فإن الخليفة الوليد بن يزيد. لم يجد أحدا ينفذه فيه. لأنه هو نفسه
صاحب الحق الشرعي في تنفيذ الحدود. ولم يكن من المعقول. أن ينفذ الحد
في نفسه. ولم يكن من المعقول أيضا أن ينفذه في غيره (54) ولكنه على أي حال
فقه الرأي.، وهكذا بدأت الحلقة بأمير وانتهت بخليفة. وإذا كان الشعراء قد بدأوا
عالم اللهو على استحياء في عالم القص والوضع والرأي. فإن حركتهم بعد ذلك
1 / 333 - 336، الطبري: 1 / 5 / 2843، العقد الفريد: 34816.
____________
(53) مروج الذهب 2 / 146، 149، الطبري: 2 / 3 / 1740 وما
بعدها، (181، 1812، الأغاني: 7 / 1 - 83.
(54) حياة الشعر في الكوفة 205.
كانت من أجل وضع ثقافة على مثلها يأتي خليفة قبل الوليد بن يزيد. ولقد روي
أن العديد من الشعراء والقصاصين كانوا على علاقة وطيدة بأديرة النصارى.
وعلى أكتاف هؤلاء ظهر شعر المجون الذي زرع ثقافة ظلت تعبر من جيل إلى جيل
وتعمل من أجل تكاتف دائرة الرجس مع دائرة النجس.
يقول الدكتور يوسف خليفة. كان ظهور الوليد بن عقبة وصاحبه النصراني
في هذا الوقت المبكر. بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. إرهاصا لموجة
اللهو التي كانت في طريقها إلى ديار المسلمين لتغمرها شيئا فشيئا. ولعل أهم
شاعر أخذت تغمره هذه الموجة المبكرة هو (الأقيشر الأسدي) وهو أحد
المعمرين يرجح صاحب الأغاني أنه ولد في الجاهلية. وقد طال به العمر حتى
أدرك خلافة عبد الملك بن مروان ومات فيها (55).
وإذا كان الحديث عن الخمر قد ظهر على استحياء في شعر الوليد بن عقبة
حيث قال وهو في طريقه إلى عثمان:
لا تحسبنا فد نسينا الايجاف ** والنشوات من عتيق أوصاف
وعزف قينات علينا عزاف
وهو بذلك يحصر المتعة في ألوان ثلاث هي. الرحلة والشراب والسماع.
فإذا كان ذكر الخمر قد ظهر هنا على استحياء فإن (الأقيشر) لم يتورع عن
التصريح بشربها في خلاعة واستهتار غير مألوفين في هذا الوقت المبكر من حياة
المجتمع الإسلامي. والظاهرة التي تلفت النظر في خمريات (الأقيشر) هي
استهتاره بالإسلام واستخفافه، بشعائره (56) أما لماذا اختار هذا الشاعر الإسلام هدفا
ليرشق فيه نباله. فإن هذا يرجع إلى الدائرة التي كان يعيش فيها. فالأقيشر كان
يتخير ندماءه من أبناء البطارقة النصارى (57) وفي شعره قال:
لا أشربن أبدا راحا مسارقة ** إلا مع الغر أبناء البطاريق
____________
(55) الأغاني 11 / 251، 257، 258.
(56) حياة الشعر 596.
(57) الأغاني: 11 / 253، 254، 257، 259، 560، 263.
والأقيشر هو الذي وضع مبادئ الزندقة في شعره. وأعلن أنه يشرب الخمر
على المنبر. ويقف على الناس خطيبا. لا ليبصرهم بشؤون دينهم. ولا ليحثهم
على مكارم الأخلاق. وإنما ليقلب لهم الأوضاع الدينية والأخلاقية
والاجتماعية (58). وإذا كان الأقيشر قد اكتفى بإلقاء الشعر وتربية أجيال عليه.
فإن (حنين الحيري) وكان معاصرا للأقيشر. قد قام بتوسيع، هذه الدائرة.
وخاصة إنه كان يجمع بين الشعر والغناء. وحنين الحيري كان يتخير لشعره
الأوزان الخفيفة القصيرة والسريعة الانتشار. وكان يتجنب الأوزان الطويلة
الضخمة ليكون شعره صالحا للتحين والغناء. وهذا الاتجاه الموسيقي ازداد
اتجاه الشعراء خلفه. وبخاصة شعراء اللهو. حتى أصبح بدعا فنيا بينهم. وسمة
من السمات المميزة لفنهم (59) وحنين في عالم بني أمية صاغ منهجه بوضوح يقول
الدكتور يوسف خليفة: عندما بدأ في نشر رسالته اللاهية التي زينها للناس. بدأ
وكأنه يقول لهم: هذه هي حياتي فهل تحبون أمثالها. إنه نداء غير مباشر إلى حياة
تقوم على المتعة المتحررة. وما من شك في أن هذا النداء وأمثاله كان يؤثر في
نفوس الكثير من الشباب. ويخلب ألبابهم ويلفت أنظارهم إلى أن الحياة تشيع
فيها البهجة والمتعة. وتسيل الخمر بين أيدي الندامى في ظلال الطبيعة. وفعلا
استجاب كثير من الشباب إلى هذا النداء الساحر. الذي يوقعه مغنيهم على
قيثارته. ومضوا يغرقون همومهم في هذه الحياة الصاخبة المعربدة. لعل رنين
كؤوسها وصخب سكارها ينسيهم أنين الجرحى وعويل الثكالى - في العهد
الأموي - ومضى التيار في ترفعه ورياح المجتمع الجديد تدفعه. والناس من
حوله يغرقون أنفسهم وفنهم فيه (60).
لم يكن هذا يحدث في بقعة واحدة من خيمة بني أمية. إنما كان يحدث
في بقاع شتى. يقول صاحب حياة الشعر: فالأديرة كانت مقصدا لطلاب الخمر
من المسلمين. ويتاح لهم فيها حظ كبير من الحرية والشراب واللهو مع من
____________
(58) حياة الشعر: 597 الشعر في الأغاني: 11 / 268، 269.
(59) حياة الشعر: 599.
(60) حياة الشعر: 598. ()
يقومون على حاناتها من فتيان الرهبان ونساء القساوسة وبناتهم. وخاصة في أيام
الآحاد والأعياد حيث تتوافد مواكب النصارى في أبهى زينة وأجمل زي. وقد
وصف الشعراء هذه الأديرة وما يحيط بها من مظاهر الطبيعة. ووصفوا مجالس
الشراب في حاناتها. ودور الضيافة بها. وتغزلوا في راهباتها الجميلات وفي
أولئك الفتيان والفتيات. الذين كانوا يقدمون عليها ويقدمون الخمر لروادها.
ووصفوا مواكب النصارى في طريقهم إليها. وما كان يجري فيها من ألوان
العبث (61). ولما كانت الأديرة تشرف على الثقافة الجديدة التي تجعل من
الإسلام إسما ومن القرآن رسما بل لينتهي الأمر معها في عصر من العصور أن
يخجل المسلم من الانتساب إلى الإسلام. كان لا بد لتجار المتع أن يطفحوا
بألسنتهم كل ما عندهم في هذا الوقت المبكر. ولهذا فتحت الأديرة أبوابها
للقصاصين والشعراء. يقول صاحب حياة الشعر. كان من بين هؤلاء الشعراء
جماعة يلازمون هذه الأديرة وكثر شعرهم فيها. ولعل أشهرهم شاعران: الثرواني
وبكر بن خارجة. ويذكر الرواة أن الثرواني كان له صديقا من رهبان دير الحريق
بالحيرة. يوفر له جميع ألوان العبث ليفرغ الثرواني ما في جوفه من الشعر الذي
يشيع فيه الجو النصراني. وقد بالغ الثرواني ووصل التطرف في شعره إلى درجة
الرغبة في مشاركة النصارى أعيادهم وصلواتهم وعقائدهم بل إلى الدعوة إليها.
ولا يبالي أن يفتضح أمره بين المسلمين. بل إنه يدعو إلى تعظيم أحبار النصارى
ورهبانهم وصلبانهم التي يبدي إعجابه بها. وينادي بأن يكون مستقره في داخل
البيع مع الرهبان والقساوسة. ثم يعلنها جريئة متطرفة: أنه لا يقول هذا عبثا.
وإنما هوجاء فيه. أنه ليس كأولئك الخلفاء المنافقين الذين يصطنعون الخلاعة
اصطناعا لينالوا من ورائها الشهرة. وهو يريد أن يكون أصحاب الخلاعة على
حظ من الشجاعة المعنوية. فإما أن يؤمنوا في نفوسهم بما يفعلونه. وإما أن
يتركوا سبيل العبث والخلاعة. ويلزموا سبيل التقوى والصلاح. فيحافظوا على
الصلوات وشهود الجمعة وملازمة المساجد. أما هذا النفاق الديني فشئ لا يحبه
ولا يرضاه لا لنفسه ولا لهم. ومن شعره في هذا:
عظم الأحبار والرهـ ** ـبان والصلب الملاحا
____________
(61) حياة الشعر: 633.
واجعل البيعة والقصد ** سر جميعا مستراحا
لا كمن يمزح بالشهـ ** ـرة والخلع مزاحا
أو دع الشهرة والزم ** كل من يهوى الصلاحا
والزم الجمعة والبكـ ** ـرة فيها والرواحا (62)
وانطلق هذا الشاعر وأمثاله في الكوفة والبصرة والحيرة والشام وغير ذلك من
البلاد يدعون في أشعارهم إلى شرب الخمر في جو نصراني خالص. عندما تقرع
النواقيس في الأديرة. وعندما يأخذ القساوسة والشمامسة في تراتيلهم الدينية على
أنغام (الأرغن) الناعمة الحالمة (63) وكثرت جماعات المجون وعصابات
السوء. ودوت معزوفات ضخمة. اشترك فيها مجموعات هائلة من العزاف.
وعلى الجسر الذي يصل الشاطئين الأموي والعباسي. أخذت جماعات من
المجان والخلعاء تمر فوقه. مخلفة وراءها الفضيلة التي صرعت على مذابح اللهو
والمجون والخلاعة. لتستقبل على الشاطئ الآخر الرذيلة وقد تجردت من ثيابها
جميعا. وبسطت ذراعيها إلى أقصاهما. لتضم إلى أحضانها هؤلاء الوافدين من
طلابها. وتبلغ الغواية مداها. ويتساقط الشباب تساقط الفراش المتهافت على
النار. وكلما اشتدت ظلمة الهاوية زاد عدد المتخبطين فيها. وفي أعماقها
السحيقة مضت جماعات من الشعراء تضرب على غير هدى. وقد ألف اللهو
بينهم. وربط المجون بين أسبابهم. كلهم فاسق. وكلهم خليع. وكلهم
سكير.. وهذه المدرسة اللاهية. هي التي أرست قواعد غزل النساء وغزل
الغلمان. وكلا اللونين لم يكونا تعبيرا عن عاطفة روحية. وإنما كان تعبيرا عن لذة
حسية. فالغزل في هذه المدرسة. لم يكن حديث العاطفة وإنما كان حديث
الغريزة. ولم يكن نجوى الروح وإنما كان نداء الجسد. وعلى بناء هذه المدرسة
كثرت طائفة الجواري والمغنيات في المجتمع الإسلامي. وعلى أكتاف هذه
المدرسة انتشرت الزندقة ودقت أوتادها. وراج شعر الأديرة (64).
____________
(62) حياة الشعر: 633 - 634.
(63) حياة الشعر: 633.
(64) حياة الشعر: 5 0 6 - 6 0 6.
والخلاصة: مهدت كل دائرة للأخرى في عالم القص والشعر. فالدائرة
التي فيها أمير مهدت للدائرة التي فيها أمير للمؤمنين (!) ومن دائرة أمير المؤمنين
كانت أعلام الضياع. وهكذا أمير عينه على الشام وآخر عينه على مصر وأمير عينه
على كأس. وينتهي الأمر بكارثة. هيمن فيها على الساحة خلف يقرأون القرآن لا
يجاوز تراقيهم. القرآن في واد وهم في واد آخر. وتسير الجموع في طريق
اللاهدف. دليلها أمير يريد كرسي وبيده شعارا إسلاميا ضاع منه الشعور. وإذا
كانت هناك إضافة لهذا الضياع الذي بدأ هادئا وانتهى - بكارثة. فإننا نضيف شيئا
مهما آخر قد ضاع بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في عهد بني
أمية. وهذا الشئ هو الصلاة.
فلقد روى البخاري عن الزهري أنه قال: دخلت على أنس بن مالك
بدمشق وهو يبكي. فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه
الصلاة. وهذه الصلاة قد ضيعت (65) إن أنس لا يعرف حوله أي مظهر من
المظاهر التي كانت على حياة رسول الله. إلا الصلاة. وهذه الصلاة قد
ضيعت. وما ضاعت الصلاة في نهاية الطريق إلا عندما ضاع الحكم في أول
الطريق وهذا هو الدليل. أخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن أبي أمامة
الباهلي أن رسول الله (ص) قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة. فكلما
انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة)(66).
ثانيا: العواصف:
1 - قتل عثمان:
في عهد عثمان بحث ولاة البيت الأموي عن الذهب والمتعة في كل مكان.
وفي نهاية عهد عثمان تعرضت الدولة لانتفاضتين سببهما واحد. ظلم الولاة.
الانتفاضة الأولى: مرت بهدوء ولكنها ألقت بظلالها على الثانية.
____________
(65) البخاري: 13 / 1.
(66) الخصائص الكبرى / السيوطي: 265 / 2.
والإنتفاضة الثانية: كانت عاصفة في عالم من السكون فعثمان كان
محاصرا. على الرغم من وجود أكثر الصحابة في المدينة. وليس معنى هذا أن
سكان المدينة كانوا من الضعف بحيث لا يستطيعون التصدي لحفنة قطعت طريقا
طويلا من مصر إلى المدينة. وضمت إيها حفنة أخرى من هنا أو هناك. ولكن
السكون كان له ما يبرره.
أولا. لم يكن في السياسة ما يشجع للدفاع عنها. وهذه السياسة قام
بتعريتها أبو ذر الغفاري حين فضح معاوية في الشام وعندما رده معاوية إلى عثمان
قام الأخير بنفيه إلى الربذة. وهذا الحدث ثابت في كتب التواريخ والسير
وغيرها.
ثانيا: إن السيدة عائشة أدلت بدلوها في الأحداث وأصدرت فتوى مبكرة
في قتل عثمان وقالت: (اقتلوا نعثلا فقد كفر).
ثالثا. كان هناك من الولاة من يهمه انقلاب الأوضاع طمعا في التهام قطعة
من أرض الأمة. فعمرو بن العاص على سبيل المثال يذكر. ابن سعد بأسانيده. أن
عثمان لما عزله عن مصر قدم إلى المدينة فجعل يطعن على عثمان فبلغ عثمان.
فزجره فخرج إلى أرض فلسطين فأقام بها (67): فهذه العوامل. أي السياسة
الخطأ وشحن ابن العاص لأهل المدينة. وفتوى السيدة عائشة كل هذه عوامل
تبرر هذا السكون الذي يرفع راية السلبية وأكبر رأس في الدولة محاصر، ويضاف
إلى هذا معاوية. لقد روي أنه كان بالمدينة في أوائل الأحداث وعلم أن هناك
خطورة على عثمان ومع ذلك لم نرى على امتداد الأحداث أن معاوية جاء بجيش
جرار للدفاع عن رأس الأمويين. حتى أمراء الأجناد في المدينة وما حولها لم تر
لجيادهم غبار. فإن دل هذا على شئ فإنما يدل على اتفاق يقضي بالتضحية
بثمرة لامتلاك بستان فيه كثير من الثمر. فالأمراء من بني أمية والذهب في أيديهم
وسحق القوى المعارضة مضمون. وعن مثل هذه الأنماط البشرية يقول رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم. " كان في بني إسرائيل جدي في غنم كثيرة ترضعه
أمه. فانفلت فرضع الغنم كلها. ثم لم يشبع. فبلغ ذلك نبيهم. فقال: إن هذا
____________
(67) الإصابة: 61 / 6.
مثل قوم يأتون بعدكم. يعطى الرجل منهم ما يكفي القبيلة أو الأمة ثم لا
يشبع " (68). ومعاوية قال فيه رسول الله (لا أشبع الله له بطنا) وهذا ثابت في
كتب الحديث.
إن عدم حركة بني أمية أثناء الحصار وعدم محاكمة قتلة عثمان بعد أن تولى
معاوية خلافة المسلمين التي تاجر على أول أعتابها بقميص عثمان. هي من
معالم الفئة الباغية التي لا ينكرها أحد. لقد كان السكون يدب في أرجاء
المدينة. ولم يكن في بيت عثمان للدفاع عنه سوى قلة من الرجال من بينهم
الحسن والحسين. جاؤوا لعلمهم بما سيحدث وفقا لأخبار الرسول بما سيجري
بعده. ففي الحديث عن يزيد ابن مريم عن أبيه قال. (قام فينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم. ثم حدثنا ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة " (69) وعن حذيفة قال:
" قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فلم يدع شيئا إلا ذكره إلى أن تقوم
الساعة. عقله من عقله ونسيه من نسيه) فالحسنين كانت دائرة الذهن عندهم
تراقب الأحداث. فجاؤوا ليقيموا الحجة بأنهم ليسوا طرفا في طبخ الفتنة. ولأن
الفتنة واقعة لا محالة لأنها ثمرة لطريق طويل. وقف الحسن والحسين في مربع
المقتول وليس القاتل. والوقوف في مربع المقتول ليس شهادة للمقتول. وإنما
لأن مربع القاتل في دائرته أصابع خفية ستحكم وعندما تحكم ستذيق أمة محمد
الذل ألوانا. وعن علي بن أبي طالب أنه قال عن صناع الفتن: (ما من ثلاثمائة
تخرج إلا ولو شئت سميت سائقها وناعقها إلى يوم القيامة " (70) فحركت الأحداث
عند أمير المؤمنين وأولاده معروفة لأن الرسول أخبر بأسماء رؤوس الهدم على
امتداد التاريخ فعن حذيفة أنه قال: " والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا.
والله ما ترك رسول الله من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة
فصاعدا. إلا وقد سماه لنا. باسمه وسم أبيه واسم قبيلته " (71). فحركة الإمام
علي والحسنين حركة على بصيرة بالأحداث. لذا وقفوا في مربع المقتول ليقيموا
____________
(68) رواه الطبراني (كنز العمال: 368 / 3).
(69) رواه البغوي وابن عساكر (كنز العمال: 426 / 12).
(70) رواه الحاكم وأقره الذهبي (كنز 472 / 4).
(71) رواه أبو داوود: حديث رقم 4222.
الحجة على كل من سيتاجر بدماء المقتول لأمر في نفسه. وقفوا ليقولوا أن أيديهم
نظيفة ولا إجبار في دين الله.
وبقراءة سريعة لأحداث الانتفاضة الأولى التي مهدت للثانية. نجد سببها
الوليد بن عقبة والي عثمان على الكوفة. ولقد ذكرنا من قبل قصته مع النصارى
والشعر والخمر. والوليد عندما خرجت رائحته. ذهب وفد من الكوفة إلى عثمان
ليشكون إليه الوليد. وتقدم منهم رجلان إلى عثمان وقالا كما ورد في الأغاني:
إنا جئناك في أمر ونحن مخرجوه إليك من أعناقنا. وقد قلنا أنك لا تقبله. قال:
وما هو؟ قالا: رأينا الوليد وهو سكران من خمر شربها. وهذا خاتمه أخذناه وهو
لا يعقل وفي رواية المسعودي: وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه. فرزأهما ودفع في
صدورهما وقال: تنحيا عني. وفي رواية البلاذري: وقد يقال: إن عثمان ضرب
بعض الشهود أسواطا. فأتوا عليا فشكوا إليه. فأتى عثمان وقال. عطلت الحدود
وضربت قوما شهود على أخيك فقلبت الحكم. وأخرج البلاذري: فأتى الشهود
عائشة. فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان. وأن عثمان زبرهم. فنادت
عائشة: إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود.
وأخرج صاحب الأغاني. أن عثمان قال -: أما يجد مراق أهل العراق
وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة. فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم. وقالت: تركت سنة رسول الله صاحب هذا النعل. فتسامع الناس
فجاؤوا حتى ملأوا المسجد فمن قائل. أحسنت. ومن قائل: ما للنساء ولهذا؟
حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال. وأخرج البلاذري. وكان ذلك أول قتال بين
المسلمين بعد النبي. ومرت هذه الانتفاضة بسلام بعد أن أقيم الحد على
الوليد بن عقبة. فأما الانتفاضة الثانية فكان سببها أخو عثمان أيضا ولكن من
الرضاعة. عبد الله بن أبي السرح وكان النبي قد أهدر دمه يوم الفتح ولكنه اختبأ
عند عثمان والقصة ذكرناها من قبل. ومن أسبابها أيضا مروان وهو ابن عم عثمان
ومروان طرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباه ولعنه وذكرنا هذا من قبل.
والخلاصة يقول فيها صاحب الإصابة: كان سبب قتل عثمان. أن أمراء
الأمصار. كانوا من أقاربه. كان بالشام كلها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص
وبمصر عبد الله بن أبي السرح وبخراسان عبد الله بن عامر. وكان من حج من
الناس يشكو من أميره. وكان عثمان يستبدل بعض الأمراء ليرضي الناس. ثم
يعيدهم بعد ذلك إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي السرح. فعزله.
وكتب لهم كتابا بتولية محمد بن أبي بكر. فرضوا بذلك. فلما كانوا في أثناء
الطريق. رأوا راكبا على راحلة. فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار
ابن أبي السرح. ومعاقبة جماعة من أعيانهم. فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه
به. فحلف أنه ما كتب. فقالوا سلمنا كاتبك. فخشي عليه من القتل. وكان
كاتبه مروان بن الحكم وهو ابن عمه. فغضبوا. وحاصروه في داره (72).
وروى ابن أعثم (73). أن أم المؤمنين عائشة لما رأت اتفاق الناس على قتل
عثمان قالت له: أي عثمان خصصت بيت مال المسلمين، لنفسك. وأطلقت
أيدي بني أمية على أموال المسلمين. ووليتهم البلاد وتركت أمة محمد في ضيق
وعسر. قطع الله عنك بركات السماء وحرمك خيرات الأرض. ولولا أنك تصلي
الخمس لنحروك كما تنحر الإبل. فقرأ عليها عثمان:! ضرب الله مثلا للذين
كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم
يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين " (74) وبعد. أن فرغ عثمان
كانت الفتوى. أخرج الطبري وابن أعثم وابن الأثير وغيرهم. أن أم المؤمنين
قالت: (اقتلوا نعثلا فقد كفر) (75) وانتشرت الكلمة على الأفواه. وخرجت
السيدة عائشة قاصدة مكة. ولم ينام بنو أمية على أعتاب دار عثمان. ولم يبدو في
الأفق غبار سرية من سرايا أمراء بني أمية الذين فتحوا البلدان ومصروا الأمصار.
تبشر بفك الحصار المضروب على أكبر رأس في الدولة.
والخلاصة: قتل عثمان!
2 - أضواء على يوم الجمل:
بعد دفن عثمان. تهافت الصحابة الكبار على علي بن أبي طالب. يطلبون
____________
(72) الإصابة: 4 / 223 - 224.
(73) تاريخ ابن أعثم: 155.
(74) سورة التحريم، الآية: 10.
(75) الطبري: 477 / 4، ابن الأثير: 87 / 3، ابن أعثم: 115.
يده للبيعة. كان قد مضى على وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ربع
قرن تقريبا. وخلال هذه المدة لم ترو الأحاديث لتعريف المسلمين بفضائل أهل
البيت. ونتيجة لهذا فإن مساحة عريضة من شباب المسلمين حينئذ لم يكن لديهم
أدنى معرفة بعلي بن أبي طالب عليه السلام. ويبدو هذا بوضوح في تخاذل قواته
فيما بعد في تنفيذ أوامره. فالشباب نشأ في عصر الفتوحات حيث المال والتنافس
والجور. ولقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الثقافة في قوله.
" لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع. فكلما طلع من الجور شئ ذهب من
العدل مثله حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره. ثم يأتي الله تبارك وتعالى
بالعدل فكلما جاء من العدل شئ. ذهب من الجور مثله حتى يولد في العدل من
لا يعرف غيره " (76) باختصار كان أمير المؤمنين يقف في دائرة مملوءة بالغرباء.
وكان من أقواله في هذه الدائرة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم. " طلب
الحق غربة " (77) لقد كان عليه أن يواجه الرؤوس ولكن القاعدة التي سيستند عليها
في معظم الأحوال لم يسهر عليها ولم يربيها بنفسه. وأمام هذه الحقيقة عندما
طالب الصحابة بمبايعته تردد في أول الأمر. ليس خوفا من الموقف. وإنما لعلمه
أن تقدمه سيفتح بابا إلى الجنة وبابا إلى النار. وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد سئل: من يحمل رايتك يوم القيامة يا رسول الله؟ قال. " من يحسن من
يحملها إلا من حملها في الدنيا علي بن أبي طالب) (78) لقد كان أمير المؤمنين
يجد الطريق طويل وعليه يسقط الكثير وهذا ما كان يحزنه. لكنهم عندما أصروا
على مبايعته قبلها ومما ذكره الطبري: فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم. فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام. ولا نجد اليوم أحق
بهذا الأمر منك. لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله. فقال. لا تفعلوا فإني
أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا. فقالوا لا والله ما نحن بفاعلين حتى
نبايعك. قال: ففي المسجد فإن لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضى
المسلمين. وروي بسند آخر: (فجاء فصعد المنبر. فاجتمع الناس إليه.
____________
(76) رواه أحمد (الزوائد: 196 / 5).
(77) رواه ابن عساكر عن علي (كنز العمال: 239 / 1).
(78) رواه الطبراني (كنز العمال: 136 / 12).
فقال: إني قد كنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم. ألا وإنه ليس لي أمر
دونكم. ألا إن مفاتيح مالكم معي. ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم.
رضيتم؟ قالوا: نعم. قال: اللهم إشهد عليهم ثم بايعهم على ذلك (79).
وروي أن طلحة والزبير كانا ضمن الذين بايعوا الإمام - على مشهد من
الناس - وحينما هم أمير المؤمنين لمباشرة أعماله التي بدأها بتغيير الولاة. جرت
الأحداث لتعميق كل هذا. فلقد خرجت عليه السيدة عائشة وانضم إليها طلحة
والزبير بعد أن نكثا ببيعتهما ومما رواه الطبري: أن عائشة سألت عن الأحداث
وهي في طريقها إلى المدينة عبد الله بن أم كلاب. فقال: قتلوا عثمان فمكثوا
ثمانية. قالت. ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالإجماع. إجتمعوا
على علي بن أبي طالب. فقالت: ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي
تقول: قتل عثمان مظلوما. والله لأطلبن بدمه. فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟
فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت. ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر.
قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه. ولد لملت وقالوا. وقولي الأخير خير من قولي
الأول فقال لها:
فمنك البداء ومنك الغبر * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا أنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر
فانصرفت إلى مكة. فنزلت على باب المسجد. فقصدت الحجر
فتسترت. واجتمع إليها الناس. فقالت: " يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوما.
والله لأنملة من عثمان خير من علي الدهر كله " (80) وعلى أثر هذا بدأت الحركة.
وهذه الحركة كانت الحجة قد أقيمت عليها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
قبل. فقد روي أن الناس ذهبوا إلى حذيفة وقالوا: إن عثمان قد قتل فما تأمرنا؟
قال: آمركم أن تلزموا عمارا. قالوا: إن عمارا لا يفارق علي. قال: إن الحسد
هو أهلك الجسد. وإنما ينفركم من عمار قربه من علي. فوالله لعلي أفضل من
____________
(79) الطبري: 5 / 152.
(85) الطبري 172 / 5، البلاذري:. 91 / 5.
عمار. أبعد ما بين التراب والسحاب. وإن عمار لمن الأحباب. وهو يعلم أنهم
إن لزموا عمارا كانوا مع علي (81). وأخرج البزار بسند جيد عن يزيد بن وهب
قال: كنا عند حذيفة. فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم
وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى
أمر علي فالزموها فإنها على الحق (82). لقد كان هذا التوجيه حجة على حركة
التاريخ في هذا الوقت. فالذي فتك به الحسد عليه بعمار ليسير مع علي. وفضل
عمار تفيض به كتب الصحاح والمسانيد. ومن لا حسد عنده ولا يريد الخلافة
لأحد من قبيلته. فعليه مباشرة بعلي. ليرى تحت رايته العديد من الصحاح عملا
بتوصية النبي فقد قال. إنها ستكون فتنة؟ قالوا: فما نصنع يا رسول الله؟ قال:
ترجعون إلى أمركم الأول (83) والأمر الأول يقف علي بن أبي طالب في قلب
دائرته. ويواصل النبي إقامة الحجة على حركة الأحداث فعن معاذة الغفارية
قالت. كنت أخرج مع رسول الله في الأسفار أقوم على المرضى وأداوي
الجرحى. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت عائشة وعلي خارج
من عندها. فسمعته يقول لعائشة: إن هذا أحب الرجال إلي وأكرمهم علي.
فاعرفي لي حقه واكرمي مثواه (84) وعن رافع مولى عائشة قال. كنت غلاما أخدمها
إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإنه قال: عادي الله من عادى
عليا (85) وعن ابن عباس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: ليت
شعري. أيتكن صاحبة الجمل الأديب (أي الكثير الشعر) تخرج فتنبحها كلاب
الحوأب. يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير (86). وأحاديث نباح كلاب
الحوأب أخرجها أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم والبيهقي وأبو نعيم. من هذا
كله نعلم أن الحركة كلها تحت مظلة الحجة. فالدين دين الله وحركته حركة
____________
(81) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقاة (الزوائد: 243 / 7).
(82) فتح الباري: 85 / 13 وقال الهيثمي رجاله ثقاة (الزوائد: 236 / 7).
(83) رواه الطبراني (كنز العمال: 149 / 11).
(84) الإصابة: 183 / 8.
(85) الإصابة وقال ابن حجر رواه ابن منده وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه: 2 / 191.
(86) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد: 234 / 3).
مضبوطة لا تسمح لأي إنسان أن يضيف إليها إضافة. لأن الإضافة هوى. والهوى
إذا لبس رداء الدين أفسد الدين. وبدأت الأحداث التي أقيمت عليها الحجة من
قبل. وبدأ الزحف قال ابن عباس: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وهو
يخصف نعله. فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ قلت: لا قيمة لها. فقال. والله
لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. ثم خرج فخطب في
الناس فكان مما قال:... فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه. ما لي
ولقريش. والله لقد قاتلتهم كافرين. ولأقاتلنهم مفتونين. وإني لصاحبهم
بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم (87) وتقدم علي عليه السلام للحرب على بغلة
رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء (88) وتقدمت السيدة عائشة ومعها طلحة
والزبير. وأخرج أحمد وأبو يعلى والبزار. لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر.
نبحت عليها الكلاب. فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب (89). قالت. ما
أظنني إلا راجعه فقال الزبير: لا. تقدمي فيراك الناس ويصلح الله ذات بينهم.
قالت: أظنني إلا راجعة. سمعت رسول الله يقول: كيف بإحداكن إذا نبحتها
كلاب الحوأب (90) وذكر المسعودي أن الزبير قال لها: بالله ما هذا الحوأب! ولقد
غلط فيه من أخبرك به. وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها. فأقسم أن ذلك ليس
بالحوأب. وشهد معها خمسون رجلا ممن كان معهم. فكان ذلك أول شهادة زور
أقيمت في الإسلام (91).
وتقدمت عائشة تاركة وراءها نصيحة العديد ومنهم جارية بن قدامة السعدي
قال: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا
الجمل عرضة للسلاح. إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي من حيث جئت إلى
منزلك. وإن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع (92) وقال لها زيد بن
____________
(87) نهج البلاغة.
(88) مروج الذهب: 390 / 2.
(89) الحوأب منزل بين البصرة ومكة.
(90) الخصائص الكبرى / السيوطي 232 / 2.
(91) مروج الذهب: 367 / 2، البداية والنهاية: 232 / 7.
(92) البداية والنهاية: 233 / 7.
صوحان عندما كتبت له تدعوه إلى نصرتها: أنا في نصرتك ما دمت في منزلك.
وأبى أن يطيعها في ذلك وقال: رحم الله أم المؤمنين. أمرها الله أن تلزم بيتها
وأمرنا أن نقاتل. فخرجت من منزلها وأمرتنا بلزوم بيوتنا التي هي أحق بذلك
منا (93).
وعندما التقى الجمعان دنا عمار من موضع عائشة وقال: ماذا تدعين؟
قالت: الطلب بدم عثمان فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير
الحق. ثم قال. أيها الناس إنكم لتعلمون أينا الممالئ في قتل عثمان (94) وما أن
انتهى عمار. حتى جاء في اتجاه عائشة فوارس أربعة. فهتفت عائشة: فيهم
رجل عرفته إن أبي طالب ورب الكعبة. سلوه ما يريد؟ فقال لها أمير المؤمنين:
أنشدك بالله الذي أنزل الكتاب مع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتك
أتعلمين أن رسول الله جعلني وصيا على أهله وفي أهله. قالت: اللهم نعم.
قال: فما لك؟ قالت أطلب بدم أمير المؤمنين عثمان. قال: أريني قتلة
عثمان. ثم انصرف (95) وقال لطلحة والزبير: أني أراكما قد جمعتما خيلا ورجالا
وعددا. فهل أعددتما عذرا يوم القيامة. فاتقيا الله. ولا تكونا كالتي نقضت غزلها
من بعد قوة أنكاثا (96) ثم قال لطلحة: نشدتك لله سمعت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من
عاداه؟ قال: نعم قال. فلم تقاتلني؟ قال: لم أذكر وانصرف إلى المعسكر (97)
ثم قال للزبير: ألم تذكر قول النبي لك. إنك تقاتلني وأنت ظالم؟ فقال. اللهم
نعم. ولو ذكرت ما سرت سيري هذا. والله لا أقاتلك (98) وكان علي قبل ذلك قد
أقام الحجة في المسجد وقال للناس: أنشد الله من سمع رسول الله يقول يوم غدير
خم من كنت مولاه فعلي مولاه أن يقوم فقام ثلاثون رجلا. وقالوا نشهد أننا قد
____________
(93) البداية: 234 / 7.
(94) مروج الذهب: 371 / 2.
(95) رواه الطبراني (كنز العمال: 238 / 7).
(96) البداية: 241 / 7.
(97) رواه الحاكم (المستدرك: 371 / 3).
(98) البداية والنهاية 241 / 7.
سمعنا هذا. ورجع العديد منهم عن قتال أمير المؤمنين ولكن السواد الأعظم على
الرغم من هذه الحجج الدامغة طافوا حول الجمل. وكما روى الطبري. وإذا
رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل فيفتونه ويشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه
ريح المسك (99) وبدأت المعركة بقول علي عليه السلام: اللهم خذ أيديهم
وأقدامهم (100) ودار القتال وسقط عن يمين الجمل وعن يساره قتلى كثير في رواية
إنهم بلغوا خمسون ألف قتيل. وعندما رأى أمير المؤمنين أفي المعركة لن تنتهي إلا
بقتل الجمل. حيث أن معسكر عائشة كانوا يدافعون عن الجمل. ويعملون على
رفع رأسه. وكلما قتل منهم واحد سارع الآخر ليمسك بزمام الجمل. حتى
قطعت يد سبعين رجلا وهي آخذة بخطام الجمل. أمر عليه السلام بقتل
الجمل. لأن الحرب ستظل قائمة ما دام هذا الجمل واقفا (101).
ولما سقط البعير على الأرض. انهزم أصحابه وحمل هودج عائشة لتعود
إلى بيتها. وكان الهودج كالقنفذ من السهام. ونادى منادي على الناس. إنه لا
يتبع مدبر ولا يذفف على جريح (102) ويقال أن أعين بن ضبعة اطلع في الهودج
فقالت عائشة: إليك. لعنك الله. فقال: والله ما أرى إلا حميراء. فقالت هتك
الله سترك (103). وعن أبي ثابت مولى أبي ذر قال كنت مع علي يوم الجمل فلما
رأيت عائشة دخلني بعض ما يدخل الناس. فكشف الله عني ذلك عند صلاة
الظهر. فقاتلت مع أمير المؤمنين. فلما فرغ ذهبت إلى المدينة. فأتيت أم
سلمة. فقلت أني والله ما جئت أسأل طعاما ولا شرابا. ولكني مولى لأبي ذر.
فقالت: مرحبا. فقصصت عليها قصتي. فقالت: أين كنت حين طارت القلوب
مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس. قالت:
أحسنت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: علي مع القرآن والقرآن
مع علي لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض (104).
____________
(99) الطبري: 213 / 5.
(100) البداية والنهاية: 7 / 8.
(101) البداية والنهاية: 244، 266 / 7.
(102) البداية والنهاية: 245 / 7.
(103) البداية: 245 / 8.
(104) رواه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك: 124 / 3).
وبعد الجمل قال واحد من الناس لأمير المؤمنين لما أظفره الله بأصحاب
الجمل: وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا. ليرى ما نصرك الله به على أعدائك.
فقال له عليه السلام: أهوى أخيك معنا؟ قال: نعم قال: فقد شهدنا. ولقد
شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء. سيرعف بهم
الزمان ويقوى بهم الإيمان (105).
لقد كان لموقعة الجمل أسبابا كثيرة في دوائر كثيرة قد تكون دوائر الحسد
وقد تكون دوائر الطمع في الكرسي وقد تكون الطمع في المال. وقد تكون لا هذا
ولا ذاك. وتكون الموقعة ضمن المخطط العام لبني أمية للسيطرة على جميع
خزائن المال في الدولة. وإشارة ذلك أن مروان ابن طريد رسول الله الحكم.
كان في معسكر عائشة ضد علي. لكن قلبه لم يكن مع عائشة. وكان يعمل
أعمال الطابور الخامس داخل صفوف الجمل. روى البغوي بسند صحيح عن
أبي سبرة. قال. لما كان يوم الجمل. نظر مروان إلى طلحة فقال: لا أطلب
ثأري بعد اليوم. فنزع له بسهم فقتله وروي بسند صحيح عنه أنه قال: رأيت
مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم. فوقع في عين ركبته. فما زال
الدم يسبح إلى أن مات (106) وقتل مروان لطلحة مشهور وصرحت به جميع
المصادر التي تعتني بهذه الأمور. فمروان كان عضوا أصيلا في حركة هدامة تصنع
الحدث وتراقبه. وتستأصل في الأحداث كل من يمثل لهم عقبة من العقبات.
والدليل على أن حركة الهدم تراقب الأحداث. ما ذكره ابن كثير قال. قام عمر بن
العامر في الناس فقال. إن صناديد الكوفة والبصرة قد تقاتلوا يوم الجمل. ولم
يبق مع علي إلا شرذمة قليلة من الناس. وقد قتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان.
فالله الله في حقكم أن تضيعوه (107). قال ذلك عندما هرول إلى معاوية وعقد معه
صفقة. أن يساند معاوية في حربه ضد علي نظير أن يعطيه معاوية مصر طيلة
حياته. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن الزهري. لما بلغ معاوية غلبة
____________
(105) النهج الخطبة 12.
(106) الإصابة: 292 / 3.
(107) البداية: 255 / 7.
علي على أهل الجمل. دعا إلى الطلب بدم عثمان. فأجابه أهل الشام (108) لقد
كانت معركة الجمل ضرورة لحركة الهدم كي يقتل الصناديد ويبقى من يستطيع
معاوية اجتياحه أو اللعب بعقوله.
والخلاصة: لقد اعتبر الخلف أن معارك السلف كانت بين حق وحق وهذه
المقولة قامت بتمييع أمور كثيرة. والقضية لم تكن أبدا محاكمة الموتى. وإنما
هي النظر في خطوات الماضي التي تنطلق إلى الحاضر. فقد يكون الماضي فتنة
وهذه الفتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة وإنما تتعداهم وتصل إلى عقول التمييع
والتلجيم والتكميم وتنطلق بهم إلى الدجال. وما من فتنة صغيرة أو كبيرة منذ
صنعت الدنيا إلا من أجل فتنة الدجال (109) قال تعالى: (! واتقوا فتنة لا تصيبن
الذين ظلموا منكم خاصة) " (110) لقد أمر الله المؤمنين بأن يتقوا فهل من الاتقاء أن
يقال إن معارك الماضي كانت بين حق وحق؟ إن هذه الفتنة التي أمر الله باتقائها.
قال عنها ابن كثير: قال السدي نزلت في أهل بدر. فأصابتهم يوم الجمل
فاقتتلوا.. وقال مجاهد: هي أيضا لكم. وفي قول لابن عباس: أمر الله
المؤمنين أن لا يقربوا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم بعذاب (111).
3 - أضواء على صفين وقتال الخوارج.
إذا جاز لنا أن نضع عنوانا لهذه الموقعة. فإننا نختار قول النبي صلى الله
عليه وآله وسلم: (" علي يعسوب المؤمنين. والمال يعسوب المنافقين) " (112)
وعن علي أنه قال: (" أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الفجار) (113) وقال
مرة. والمال يعسوب الظلمة (114). كان مع علي في قتاله معاوية ثمانون بدريا
____________
(108) فتح الباري: 85 / 13.
(109) حديث مخرج سابقا.
(110) سورة الأنفال، الآية: 25.
(111) ابن كثير في التفسير: 299 / 2.
(112) يعسوب أي ملك المؤمنين. واليعسوب ملك النحل. رواه ابن عدي (كنز العمال: 14 / 11).
(113) رواه أبو نعيم (119 / 13 كنز العمال).
(114) أبو نعيم (كنز: 119 / 13).
ومائة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة (115) أما معاوية فلقد أرسل إلى علي:
(أبلغ عليا أني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل. وقد بلغ في
طاعتهم لمعاوية أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة يوم الأربعاء. ولقد
أعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه عليها (116) والعمود الفقري لهذه المعركة كان
عمار بن ياسر. فهو ميزان الحركة. من في صفه فهو على الحق ومن خالفه فهو
من البغاة. وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (" من عادى عمار عاداه
الله. ومن أبغض عمارا أبغضه الله، (117) وكان عمار مع علي. وقال النبي:
(إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، (118) وقال: (" دوروا مع كتاب الله
حيث دار) فقال الناس: يا رسول الله فإذا اختلف الناس. فمع من نكون؟
فقال. أنظروا الفئة التي فيها ابن سمية. فالزموها. فإنه يدور مع كتاب
الله) " (119) وعلي يدور مع كتاب الله ويقاتل معاركة على تأويله. قال رسول الله:
(" أنا أقاتل على تنزيل القرآن وعلي يقاتل على تأويله) " (120).
وأهم العلامات التي وضعها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (" ويح
عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) " (121) فإذا كانوا
يدعونه إلى النار فكيف يكون قتال السلف حق ضد حق؟؟ وروي في بداية
المعركة أن عمار خطب الناس فقال فيما ذكره الطبري: أيها الناس اقصدوا بنا نحو
هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان. ويزعمون أنه قتل مظلوما. والله ما قصدهم
الأخذ بدمه. ولا الأخذ بثاره. ولكن القوم ذاقوا الدنيا. واستحلوها واستمرأوا
____________
(115) البداية: 255 / 7.
(116) مروج الذهب: 41 / 3.
(117) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني: 329 / 22).
(118) رواه الطبراني (كنز: 721 / 11).
(119) رواه الحاكم (كنز العمال: 168 / 11)، البداية 271 / 7.
(120) الإصابة: 22 / 1 وحديث قتال علي على التأويل أخرجها أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(121) رواه أحمد والبخاري وابن عساكر وابن أبي شيبة (الفتح الرباني: 321 / 22، كنز العمال 724 / 11، البداية والنهاية: 269 / 7.
الآخرة فقلوها. وعلموا أن الحق إذا لزمهم. حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من
دنياهم وشهواتهم. ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس
لهم. ولا الولاية عليهم. ولا تمكنت من قلوبهم خشية الله التي تمنع من تمكنت
من قلبه عن نيل الشهوات. وتعقله عن إرادة الدنيا وطلب العلو فيها. وتحمله
على اتباع الحق والميل إلى أهله. فخدعوا أتباعهم بقولهم إمامنا قتل مظلوما.
ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا. وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون. ولولا ذلك ما تبعهم
من الناس رجلان. ولكانوا أذل وأخس وأقل. ولكن قول الباطل له حلاوة في
أسماع الغافلين. فسيروا إلى الله سيرا جميلا. واذكروا الله ذكرا كثيرا (122).
وقال: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثلاث مرات وهذه الرابعة. والذي نفسي بيده لو ضربونا حتن يبلغوا بنا سعفات
هجر. لعرفت أن مصلحنا على الحق وأنهم على الضلالة (123) وقال: من سره أن
يكتنفه الحور العين فليتقدم بين الصفين محتسبا (124) وأنشد شعرا يقول فيه:
نحن ضربناكم على تنزيله * واليوم يضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله (125)
وكان علي عليه السلام قد خاطب معاوية مرات عديدة كي يدخل في
الجماعة. ويكف عن تعبئة الناس للحرب ولكن معاوية رفض جميع المبادرات
السلمية. ومارس هو وطابوره كل الأعمال لعرقلة مسيرة الاصلاح وعندما جاء
القتال ذكر علماء التاريخ وغيرهم. أن عليا بارز في أيام صفين وقاتل وقتل
خلفا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة. ونادى علي: ويحك يا معاوية. ابرز
إلي ولا تفني العرب بيني وبينك. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: اغتنمه
فقال له معاوية: والله لقد علمت أن عليا لم يقهر قط. وإنما أردت قتلي لتصيب
____________
(122) البداية والنهاية: 292 / 7.
(123) رواه أحمد (البداية: 267 / 7).
(124) أخرجه ابن أبي شيبة (فخ الباري: 86 / 13).
(125) تاريخ الشعر: 354.
   |