|

(رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا
يلدوا إلا فاجرا كفارا) (62) كان واقعا بعد وحي الله له (أنه لن يؤمن من قومك
إلا من قد آمن) وذلك لأنه لا سبيل إلى العلم بعدم إيمان الكفار في المستقبل إلا
عن طريق الوحي، فهو عليه السلام. علم أولا من وحيه تعالى إليه أنه لن يؤمن
من قومه إلا من قد آمن، وأن أحدا منهم لا يؤمن بعد ذلك ولا في نسلهم من
سيؤمن بالله، ثم دعا عليهم بالعذاب، وذكر في دعائه ما أوحي إليه (63).
دعا نوح عليه السلام ربه بعد أن أصبح القوم لا فائدة في بقائهم. لأنهم
أولا يضلون المؤمنين ولأنهم ثانيا لا فائدة فيهم لمن يلدونه من الأولاد، فهم لا
يلدون إلا فاجرا كفارا، والفجور هو الفسق الشديد، والكفار هو الذي يبالغ في
الكفر، واستجاب تعالى دعوته، وأمره سبحانه بصنع السفينة وأخبره أنهم
مغرقون.
3 - أوامر النجاة:
أوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا
تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) (64) قال المفسرون والمعنى. واصنع
السفينة تحت مراقبتنا الكاملة وتعليمنا إياك، ولا تسألني صرف العذاب عن هؤلاء
الذين ظلموا، فإنهم مقضي عليهم الغرق، قضاء حتم لا مرد له (65). وأوحى الله
تعالى إليه: (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك
إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) (66)
قال المفسرون: السياق يشهد على كون فوران التنور بالماء، أمارة نزول العذاب
عليهم. وفوران الماء من التنور وهو محل النار من عجيب الأمر. ثم أمره تعالى
بأن يدخل في الفلك زوجين اثنين: ذكر وأنثى من كل نوع من الحيوان. وأهله
والظاهر أنهم أهل بيته والمؤمنون به، والمراد بمن سبق عليه القول فمنهم امرأته
____________
(62) سورة نوح، الآيتان: 26 - 27.
(63) الميزان: 222 / 10.
(64) سورة هود، الآية: 37.
(65) الميزان: 224 / 10.
(66) سورة المؤمنون، الآية: 27.
الكافرة على ما فهم نوح عليه السلام، وابنه الذي أبى ركوب السفينة وقوله
تعالى: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) فكأنه قيل: أنهاك عن
أصل تكليمي فيهم. فضلا عن أن تشفع لهم. فقد شملهم غضبي شمولا لا
يدفعه دافع (67).
وبعد أن أوحى الله إليه بصنع السفينة وعلامة العذاب وهي فوران التنور،
وبعد أن نهاه عن الشفاعة في الذين ظلموا قال تعالى: (فإذا استويت أنت ومن
معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني
منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) (68) قال المفسرون: علمه أن يحمد الله بعد
الاستواء على الفلك. على تنجيته تعالى من القوم الظالمين. وهذا بيان بعد بيان
لكونهم هالكين مغرقين حتما. وأن يسأله أن ينجيه من الطوفان وينزله على الأرض
إنزالا مباركا. ذا خير كثير ثابت. فإنه خير المنزلين (69).
4 - يوم الغضب:
وبدأ نوح عليه السلام في صناعة السفينة يقول تعالى: (ويصنع الفلك
وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما
تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) (70)
قال المفسرون: لم يقل عليه السلام إن تسخروا مني فإني أسخر منكم، وفي هذا
إشارة إلى أن أهله وأتباعه كانوا يشاركونه في صنع السفينة، وكانت السخرية
تتناولهم جميعا، وإن كانوا لم يذكروا في هزئهم إلا نوحا فقط، والطبع والعادة
يقضيان أن يكونوا يسخرون من أتباعه أيضا. كما كانوا يسخرون منه، فهم أهل
مجتمع واحد. تربط المعاشرة بعضهم ببعض. وإن كانت سخريتهم سخرية منه
في الحقيقة. لأنه هو الأصل الذي تقوم به الدعوة ولذا قيل: (سخروا منه)
ولم يقل: " سخروا منه ومن المؤمنين " وعندما سخر القوم من نوح وأتباعه قال
لهم عليه السلام: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم فنقول لكم: سوف تعلمون من
____________
(67) الميزان: 30 / 15.
(68) سورة المؤمنون، الآيتان: 28 - 29.
(69) ا لميزان: 30 / 15.
(70) سورة هود، الآيتان: 38 - 39.
يأتيه عذاب يخزيه؟ نحن أو أنتم؟ - والمراد به عذاب الاستئصال في الدنيا -
ويحل عليه عذاب مقيم - أي ينزل عليه عذاب ثابت لازم لا يفارق. وهو عذاب
النار في الآخرة (71).
لقد قذفهم بعذابين الأول موصوف بالخزي والثاني موصوف بالإقامة (72)
قذفهم بالعذاب القادم لا محالة بعد أن تتابعوا عليه جماعة بعد جماعة، يسخرون
منه لأنه يصنع الفلك على وجه الأرض من غير ماء. وكان عليه السلام يصنع
الفلك على مرأى منهم وفي ممر عام. لقد كان الصنع بوحي من الله وكان في
الصنع معجزة، ولكن القوم لم يجدوا في عالمهم وثقافتهم سوى السخرية
والتحقير والانتقاص. وظلوا على هذا الحال. حتى جاء اليوم الأليم. وفار
التنور. وبدأ نوح عليه السلام يحمل في السفينة من آمن به. وما آمن بالله مع نوح
إلا قليل. وحمل عليه السلام معه من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين
اثنين، وكان القوم يشاهدون حركة نوح والذين آمنوا معه في اتجاه السفينة. فلا
تزيدهم الحركة إلا سخرية. فلم يكن الذين كفروا يعلمون ماذا يعني بالنسبة لهم
فوران التنور. وما إن استقر الذين آمنوا مع نوح عليه السلام على ظهر السفينة.
حتى لاحت بوادر غضب الله على الذين كفروا. فالسماء بدأت تزمجر إعلانا ليوم
الغضب. وانهمر الماء من كل مكان. يقول تعالى:
(ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء
على أمر قد قدر) (73) قال المفسرون: صبت السماء الماء صبا بلا قطر، صبا
متواليا كأنه مدخر وراء باب مسدود ثم فتح هذا الباب، فانصب أشد ما يكون أما
الأرض فجعلها عيونا متفجرة عن الماء. تجري جريانا متوافقا متتابعا. فالتقى ماء
السماء مع ماء الأرض على أهداف محددة، تنفيذا لأمر قدره الله تعالى، من غير
نقص ولا زيادة ولا عجل ولا مهل. وفي هذا الهول قال نوح عليه السلام:
(بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) (74) قال المفسرون: قوله
____________
(71) الميزان: 225 / 10.
(72) ابن كثير: 445 / 2.
(73) سورة القمر، الآيتان: 11 - 12.
(74) سورة هود، ا لآية: 41.
هذا تسمية منه عليه السلام. يجلب به الخير والبركة لجري السفينة وإرسائها،
فإن في تعليق فعل من الأفعال، أو أمر من الأمور، على اسم الله تعالى وربطه
به، صيانة له من الهلاك والفساد، واتقاء من الضلال والخسران، فالله تعالى
رفيع الدرجات ومن تعلق به مصون لا محالة من تطرق عارض السوء. وروي أنه
كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله. فجرت. وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله
فرست.
وعندما كانت السفينة تجري بهم على وجه الماء الذي جرى في كل مكان،
كان الكفار يهرولون إلى كل مرتفع من الأرض طمعا في أن لا يصل الماء إليهم.
صعدوا فوق سقوف بيوتهم وفوق جذوع النخل وعلى قمم الجبال، ولكن قممهم
لم تغن عنهم من الله شيئا، فالأمواج طالت مرتفعاتهم، وصفعت وجوه الظالمين
وألقت بهم في أحضان العذاب الأليم، كانوا يشاهدون السفينة التي صنعت من
ألواح ودسر وهي تجري في موج كالجبال وعلى متنها الذين وصفهم الأشراف يوما
بالأراذل، لقد شاهدوا ما كانوا يسخرون منه. فوجدوا نوحا وأتباعه في رحاب
الأمن. بينما هم في أحضان العذاب الأليم يتجرعون عذاب الخزي وهم في
طريقهم إلى العذاب المقيم. وبينما كانت السفينة تجري على وجه الماء طلت
الأحداث الأليمة في اليوم الأليم يقول تعالى: (وهي تجري بهم في موج
كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين *
قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم
وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) (75) قال المفسرون: قيل إن هذا الابن
الرابع لنوح عليه السلام (76) وكان هذا الابن قد عزل نفسه عن أبيه والمؤمنين في
مكان لا يقرب منهم. ولذلك قال: (ونادى نوح ابنه) ولم يقل: وقال نوح
لابنه. والمعنى: ونادى نوح ابنه. وكان ابنه في مكان منعزل بعيد منهم. وقال
في ندائه. يا بني - بالتصغير والإضافة دلالة على الاشفاق والرحمة - اركب معنا
ولا تكن مع الكافرين فتشاركهم في البلاء كما شاركتهم في الصحبة وعدم ركوب
السفينة. ولم يقل عليه السلام: ولا تكن من الكافرين. لأنه لم يكن يعلم نفاقه
____________
(75) سورة هود، الآيتان: 42 - 43.
(76) ابن كثير: 246 / 4.
وأنه غير مؤمن إلا باللفظ ولذلك دعاه إلى الركوب: (قال سآوي إلى جبل
يعصمني من الماء...) أي سأنضم إلى جبل يعصمني ويقيني من الماء فلا
أغرق (قال لا عاصم اليوم من أمر الله) أي قال نوح: لا عاصم اليوم - وهو يوم
اشتد غضب الله وقضى بالغرق لأهل الأرض، إلا من التجأ منهم إلى الله - من الله
لا جبل ولا غيره. وبعد أن قال نوح ذلك لابنه. حال بينهما الموج فكان ابنه من
المغرقين. ولو لم يحل الموج بينهما ولم ينقطع الكلام بذلك. لعرف كفره وتبرأ
منه (77).
إن نوحا عليه السلام. لو كان يعلم إبطان ابنه للكفر ما كان يحزنه أمره لأنه
القائل: (فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) (78) وهو
القائل: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (79) لم يكن نوح عليه
السلام يعلم حقيقة ابنه، وعندما حال بينهما الموج توجه عليه السلام بوجدانه
وشعوره إلى ربه جل وعلا: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن
وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين) (80) قال المفسرون: رفع صوته بالدعاء.
كما يدل عليه قوله تعالى: (ونادى نوح ربه) ولم يقل: سأل أو قال أو دعا.
ورفع الصوت بالاستغاثة من المضطر الذي اشتد به الضر وهاج به الوجد أمر
طبيعي. وفي نداء نوح عليه السلام لم يجترئ أن يسأل نجاة ابنه بالتضرع. بل
أورد القول كالمستفسر عن حقيقة الأمر. وابتدر بذكر ما وعده الله من نجاة أهله
حين أمره أن يجمع الناجين معه في السفينة فقال له: (احمل فيها من كل زوجين
اثنين وأهلك) ولذلك قال عليه السلام: (رب إن ابني من أهلي وإن وعدك
الحق)... فذكر وعد ربه وضم إليه أن ابنه من أهله.. فابنه كان مؤمنا به ظاهرا
ولم يكن نوح يعلم ما يضمره ابنه في قلبه. فقوله: (إن ابني من أهلي) و (إن
وعدك الحق) ينتجان بانضمام بعضهما إلى بعض الحكم بلزوم نجاة ابنه.
ومعنى الآية: (رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك حق كل الحق، وإن
____________
(77) الميزان: 230 / 10.
(78) سورة الشعراء، الآية: 118.
(79) سورة نوح، الآية: 26.
(80) سورة هود، الآية: 45.
ذلك يدل على أن لا تأخذه سبحانك بعذاب القوم بالغرق، ومع ذلك فالحكم
الحق إليك فأنت سبحانك أحكم الحاكمين، كأنه عليه السلام يستوضح ما هو
حقيقة الأمر، ولم يذكر نجاة ابنه. ولا زاد على هذا. وبعد استفسار نوح عليه
السلام. قال تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا
تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (81) قال
المفسرون: بين الله سبحانه لنوح عليه السلام وجه الصواب فيما ذكره. فنوح
قال: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) فقال تعالى: (إنه ليس من
أهلك) فارتفع بذلك أثر حجته. والمراد بكونه ليس من أهله - والله أعلم - أنه
ليس من أهله الذين وعده الله بنجاتهم، لأن المراد بالأهل في قوله: (وأهلك
إلا من سبق عليه القول) الأهل الصالحون وهو ليس بصالح وإن كان ابنه ومن
أهله ولذلك علل قوله: (إنه ليس من أهلك) بقوله: (إنه عمل غير صالح)
أي أن ابنك هذا ذو عمل غير صالح فليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم.
ويؤيد هذا المعنى قراءة من قرأ: (إنه عمل غير مالح) بالفعل الماضي. أي
عمل عملا غير صالح. وقوله تعالى: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) أي
لكونه عملا غير صالح. وأنت لا سبيل لك إلى العلم بذلك. فإياك أن تبادر إلى
سؤال نجاته لأنه سؤال ما ليس لك به علم، وقوله: (إني أعظك أن تكون من
الجاهلين) أي أني أنصح لك في القول أن لا تكون بسؤالك هذا من الجاهلين،
وبعد أن نادى نوح ربه في يوم الغضب يوم العذاب الأليم. وبعد أن أخبره ربه
بالمخبوء من أمر ابنه قال نوح: (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به
علم وألا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) (82) قال المفسرون. لما تبين
لنوح عليه السلام. إنه لو ساقه طبع الخطاب الذي خاطب به ربه إلى السؤال،
كان سائلا ما ليس له به علم وكان من الجاهلين، وإن عناية الله حالت بينه وبين
الهلكة، شكر ربه فاستعاذ بمغفرته ورحمته.
كانت هذه المشاهد وهذا النداء وإجابته في وقت كان الموج يضرب فيه
بكل عنف، وروي أن الماء قد أطبق جميع الأرض. وارتفع على رؤوس الجبال
____________
(81) سورة هود، الآية 46.
(82) سورة هود، الآية: 47.
بخمسة عشر ذراعا (83). وكانت السفينة جارية على وجه الماء، سائرة بإذن الله
وتحت كنفه وعنايته وحراسته، وروي أن السفينة سارت على وجه الماء بنوح
وأتباعه مائة وخمسون يوما (84) وبعد أن غاب وجه الظلم تحت الماء في أعماق
الطين. جاء أمر الله (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء
وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) (85). (قيل) إن
النداء نداء العظمة. والقائل هو الله. والأمر تحمله كلمة (كن) والأمر يترتب
عليه من غير فصل. أن تبتلع الأرض. ما على وجهها من الماء وأن تكف السماء
عن أمطارها.
وفي قوله تعالى: (وغيض الماء) لم يذكر الأرض. وفي قوله:
(واستوت على الجودي) لم يذكر السفينة. وفي قوله: (بعدا للقوم
الظالمين) لم يقل بأنهم الظالمين من قوم نوح. إنها العظمة. ومن أراد أسماء
النتائج فعليه بالمقدمات. وفي المقدمة قوم ظالمون وعدهم الله بالغرق. وبما أن
هناك غرق ونجاة فلا بد من سفينة وماء. وعلى هذا فلو غيض الماء. فإنما تغيضه
الأرض ولو استقر شئ واستوى، فإنما هي السفينة، وإذا قيل بعدا للقوم
الظالمين، فإن القائل هو الله. والقوم هم المقضي عليهم بالعذاب، ولو قيل:
قضي الأمر. فإنما القاضي هو الله. والأمر هو ما نهى عنه نوح في مخاطبته في
الذين ظلموا. وروي أن السفينة استقرت بهم على الجودي شهر (86) والماء من
حولها يذهب شيئا فشيئا بعد أن طهر الأرض من الذين وضعوا بذرة استعباد الإنسان
لأخيه الإنسان ودونوا لهذا الاستعباد فقهاء عريضا ذو ثقافة واسعة هدفها تحقير
الإنسان وانتقاصه لصالح الأهداف الشيطانية.
وبعد أن غيض الماء يقول تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات
عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) (87) قال
____________
(83) ابن كثير: 446 / 2.
(84) البداية والنهاية 116 / 1.
(85) سورة هود، الآية: 44.
(86) البداية والنهاية: 116 / 1.
(87) سورة هود، الآية: 48.
المفسرون: معناه والله أعلم. يا نوح انزل مع سلامة من العذاب - الطوفان -
وبركات وخيرات نازلة منا عليك. أو انزل بتحية وبركات نازلة منا عليك. وعلى
من معك من المؤمنين ومن سيظهر من نسلهم من الصالحين. وممن معك أمم أو
هناك أمم سنمتعهم ثم نعذبهم وهم غير مأذون لهم في التصرف في أمتعة الحياة
إذن كرامة وزلفى.. وهذا الخطاب الإلهي تلقاه نوح عليه السلام في وقت لا
يوجد فيه متنفس على وجه الأرض من إنسان وحيوان. فقد أغرقوا جميعا. ولم
يبق منهم إلا جماعة المؤمنين بالسفينة. وهؤلاء هم الذين قضى الله أن ينزلوا إلى
الأرض فيعمرها ويعيشوا فيها إلى حين.
الخاتمة:
لقد كان الغرق شاملا وهناك أدلة تثبت أن الطوفان كان شاملا وعم الأرض
كلها. ومنها أن الله تعالى أمر نوحا عليه السلام بأن يحمل من كل زوجين اثنين،
فلو كان الطوفان في بقعة معينة. لم يكن في حاجة إلى أن يحمل في السفينة من
كل جنس من أجناس الحيوان زوجين، ودعوة نوح عليه السلام كانت دعوة عامة،
ولقد قام عليه السلام بالتحرك في المجتمعات البشرية قلت أو كثرت على امتداد
دعوته، وعموم الدعوة يقضي بعموم العذاب، لهذا قال في دعائه: (رب لا
تذر على الأرض من الكافرين ديارا) فالطائفة التي نزلت عند الجودي وهو جبل
قيل إنه بديار نكر من الموصل. وقيل إنه شرقي دجلة على جزيرة ابن عمر. هذه
الطائفة هي البذرة الأولى للمسيرة البشرية بعد الطوفان. وإلى هذه النواة ينتهي
نسل البشر اليوم.
لقد شاء الله أن يجعل اليوم الأليم فاتحة لاستقرار طائفة المؤمنين على
الأرض، لترى البشرية على امتداد مسيرها أن أول لبنة في ماضيها من طين وماء،
فأما الطين فباطنه عذاب خزي وعذاب أليم. وأما الماء فعلى صفحته جرت سفينة
ذات ألواح ودسر وعلى ظهرها المتقين، لقد جعل الله العذاب الأليم بداية. كي
تنظر الأمم في البدايات لتعتبر يقول تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة
وجعلناها آية للعالمين) (88) قال المفسرون: الضمير للواقعة أو النجاة.
____________
(88) سورة العنكبوت، الآية: 15.
والعالمين الجماعات الكثيرة المختلفة من الأجيال اللاحقة بهم. فالله جعل
الواقعة أو النجاة آية ليتدبر فيها جميع الأجيال قال تعالى: (ثم أغرقنا بعد
الباقين) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) (89) وقال (ولقد تركناها
آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر) (90) إن اليوم الأليم الذي ضرب
انتفاخ الاستكبار أول الزمان دعوة لكي يكون الإنسان كريما. وهو لن يكون كريما
إلا إذا أصبح حرا، والعبودية لله هي الحرية الحقيقية. وقافلة المؤمنين على
السفينة الذين كان الانتفاخ الإستكباري يحتقرهم يوما ما. دعوة لكل إنسان على
الصراط المستقيم. كي يمسك المؤمن عصيدته الحقة بأسنان الصبر. وأن يقبض
على دينه وإن كان كالجمر، وأن يجعل قلبه بيتا للإيمان بالله، وأن يكون على
يقين بأن العاقبة للمتقين حتى لو طال الليل ألف سنة إلا خمسين عاما. أو أكثر من
ذلك.
وبعد أن قص الله تعالى قصة نوح عليه السلام في القرآن الكريم. توجه
سبحانه بالخطاب إلى نبيه الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (تلك
من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن
العاقبة للمتقين) (91) قال المفسرون: أي إذا علمت ما آل إليه أمر نوح وقومه.
من هلاك قومه ونجاة من معه. وأن الله تعالى قد أورثهم الأرض على ما صبروا.
ونصر نوحا على أعدائه على ما صبر. فاصبر على الحق. فإن العاقبة للمتقين.
وبعد الطوفان اتسعت القافلة البشرية حول الجودي. ثم تفرقت بعد ذلك
هنا وهناك. وعندما طال الأمد نشأت أجيال اجتالتهم الشياطين بعد أن ساروا بلا
رصيد إيماني في دروب الحياة متبعين أهواءهم. وهذه الأجيال هي الأجيال التي
أخبر الله تعالى بها نوحا بأنه سيمتعهم ثم يعذبهم، ولقد هرولوا في طريق
الانحراف والشذوذ، وعلى امتداد الطريق زودهم الشيطان بالفقه المعدل
لأطروحة رفض الرسول البشر كي ينسجم الفقه مع كل عصر، كما زودهم بأكثر
من فقه ينتقصون ويحتقرون به بعضهم بعضا. وعلى امتداد رحلة التحقير خسر
حزب الشيطان في كل العصور. وكانت العاقبة للمتقين في كل العصور.
____________
(89) سورة الشعراء، الآيتان 120 - 121.
(90) سورة القمر، الآيتان: 15 - 16.
(91) سورة هود، الآية: 49.
انحرافات عاد قوم هود عليه السلام
(فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة)
سورة فصلت، الآية: 15
* عاد! والأعمدة العالية
إنحراف القوة
مقدمة:
بعد الطوفان.. استقرت القافلة البشرية عند الجودي وما حوله، وقام نوح
عليه السلام ومن معه بإقامة مدينة ثمانين، نسبة إلى عدد الناجين من قوم نوح (1)
وكان نوح عليه السلام يبين للناس ما اختلفوا فيه ويبشر بينهم بنبي يأتي من بعده
اسمه هود. وروي أن نوحا عليه السلام قال لأتباعه: إن الله سيبعث هودا وإنه
سيدعو قومه وإن قومه سيكذبونه وعندئذ سيهلكهم الله تعالى بالريح. وأوصى نوح
عليه السلام بأن على من يدرك هودا أن يؤمن به. كما أمر ابنه سام بأن يتعاهد هذه
الوصية وأن يعلنها على الملأ عند رأس كل سنة وأن يكون يوم الاعلان هذا عيدا
للقوم يتذكرون فيه بعث هود. وظل سام بن نوح يعمل بوصية والده (2) وتبشير
النبي السابق بالنبي اللاحق لطف من الله ورحمة بعباده.. فوضع أوصاف النبي
الذي ما زال في علم الغيب في ذاكرة قافلة التوحيد، يجعل الذاكرة تحمل على
الدوام الأمل الذي يقاوم كل معاني الكفر والانحراف، ومع هذا الأمل تمتد جذور
الفطرة إلى جميع ملكات النفس الإنسانية فتحفظ لها توازنها في عالم يعمل من
أجل فرض سياسات التوثين وثقافات التضليل، فالذاكرة عندما تحتضن الأمل يعبر
____________
(1) مروج الذهب / المسعودي: 26 / 1.
(2) الميزان: / 10.
صاحبها جميع طرق الانحراف مرتديا رداء الصبر مرتبطا بنبي سابق متجها نحو نبي
لاحق إن أدركه آمن به وإن لم يدركه وقع أجره على الله. والذاكرة التي تحتضن
الأمل لا تأخذ إلا بالحق ولا تعمل إلا به. لأنها من البداية إلى النهاية انتظمت على
الصراط المستقيم ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وعلى امتداد طريقها يكون رداء
الصبر تحصين لها من عقائد وثقافات مظلات الشذوذ فالصبر إذا انطلق من عالم
المشاهدة إلى عالم الغيب المخبوء ليلتقي بأمل يكون له مذاق خاص لأن الغاية
غيب، والغيب في علم الله، فهذا الصبر الممدود يغذي ملكات النفس بالزاد
التوحيدي الذي يشعر معه صاحبه بأنه ليس من نسيج قافلة الانحراف لأنه لا يسير
على صراطها. وكما أن وضع الأنبياء في الذاكرة تحصين للسمع والبصر
والفؤاد، كذلك فإن نسيان هذا الإخبار بالغيب يترتب عليه أن يسير صاحبه في
طريق طويل وهو فاقد الذاكرة، وفاقد الذاكرة بعيد عن قافلة الصراط المستقيم
قريب من دوائر الأهواء والانحراف والشذوذ وهذه الدوائر لا تلتقط إلا أجيال
اللاوعي لتنشئ منهم جدرا يصدون عن سبيل الله. وأجيال اللاوعي هي التي
ينتهي بها الطريق بأن تتصدى لأنبياء الله تعالى عندما يبعثهم الله ليضعوا قواعد
تستقيم مع الفطرة. ورفضهم للأنبياء ارتكاس للفطرة نتيجة لليل طويل قطعوه
وراء اتباع الشياطين الذين يغرسون الأماني المزخرفة في النفوس ويقيمون لها
أصناما من كل الألوان والأشكال والأجناس، وعندما يأتي الرسول أو النبي إليهم
يجدهم مستعدين للدفاع عن ما ألفته نفوسهم وما أصله فيهم آباؤهم وما تركه لهم
أجدادهم.
لقد غرس نوح عليه السلام اسم النبي الذي سيأتي بعده في ذاكرة قومه.
كي تتمسك الذاكرة بعلامات التوحيد وتظل عروة التوحيد تمدهم بالزاد، وهم
يعبرون من على طرق الذين ظلموا أنفسهم ويمتعهم الله ثم يمسهم منه عذاب
أليم. وظل سام بن نوح يعمل بوصية والده، وكان القوم يتعاهدون بعث هود في
يوم عيدهم. وعندما طال الأمد وتفرق الناس في الأمصار، اجتالت الشياطين
الناس، وظهرت الأهواء التي تمهد للوثنية من جديد، وأصبحت وصية نوح بهود
عليهما السلام، لا يهتم بها إلا طلاب العلم الذين عكفوا على كتب العلم وآثار
علم النبوة، وظهرت الأمم التي أخبر الله تعالى بها نوحا عليه السلام بقوله: (يا
نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم
يمسهم منا عذاب أليم) (3) وكانت عاد من هذه الأمم.
* أولا: عاد والدعوة إلى الله:
1 - عاد قوم هود:
ينتسب قوم عاد إلى عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (4) وكان عاد يعبد
القمر (5). ونزل هو وولده بالأحقاف وقيل إن الأحقاف واد بين عمان وأرض
مهرة. وقيل: من عمان إلى حضرموت. وهي رمال مشرفة على البحر بالشحر (6)
وبعد عاد جاء من ولده من يعبد الأصنام فأقام في قومه ثلاثة أصنام عبدوها من دون
الله وهي: صمود، صداء، الهباء (7). وعاد كانت تتكون من عشر قبائل، كانوا
جميعا على هيئة النخل طولا. ولقد خصهم الله تعالى من بين الأقوام ببسطة في
الخلق وعظم الهيكل البدني. وبهذه القوة تمتعت عاد بين الأمم برقي في المدينة
والحضارة. ويكفي بهم حضارة ما ذكره القرآن الكريم عن مدينتهم. عاد التي لم
يخلق مثلها في البلاد، كما كانت أرضهم خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام
كريم. فهذه الأشياء وغيرها تستوجب شكر الله عليها. ولكن عادا فتنت بقوتها
وسارت في قافلة الكفر مبهورة بشبابها. وعلى امتداد طريق الكفر زين الشيطان
لهم أعمالهم، ومحا من ذاكرتهم ليس بعث هود فيهم فحسب، وإنما الأحداث
الحقيقية التي أدت إلى الطوفان الذي أطاح بكفار قوم نوح. فبعد أن طال الأمد
وانتقلت عاد إلى أرضها الجديدة. كانت الأساطير والخرافات قد دثرت أحداث
الطوفان. وعلى امتداد هذه الأساطير وقف العتاة والطغاة في عاد على أن الطوفان
يمكن تفادي خسائره البشرية إذا شيدت الدور والأبنية على أعمدة عالية أو فوق
قمم الجبال وعلى أي مرتفع من الأرض. ووفقا لهذا الفهم الذي تنتهي أصوله
إلى دائرة الآمال الطويلة وحب الحياة، أقامت عاد أول حضارة لها على
الأعمدة... يقول تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم
____________
(3) سورة هود، الآية: 48.
(4) مروج الذهب: 57 / 2، ابن كثير 507 / 4.
(5) مروج الذهب: 44 / 2.
(6) الميزان: 307 / 10.
(7) مروج الذهب: 157 / 2.
يخلق مثلها في البلاد) (8) ذكر ابن كثير البغوي: أن هؤلاء هم عاد الأولى. وإرم
اسم قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها. وكانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع
بالأعمدة الشداد. كما أنهم بنوا عمدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد، وعاد
الأولى دمرها الله تعالى لتكون عبرة لعاد التي بعث الله تعالى إليها هودا عليه
السلام، ولكن أهل الأحقاف لم يعتبروا، وشيدوا حضارتهم بروح حضارة عاد
الأولى، فأقاموا المصانع التي تنحت الأحجار وشيدوا القصور والقلاع على
الأرض، ورفعوا فوق كل مرتفع من الأرض مأوى يحمي الناس من عوامل
الطبيعة، ومع هذه الأخلاق الحديدية ظهرت الثقافة الحديدية التي تنطلق من
منطق القوة، واستكبرت عاد في الأرض استكبارا لا حدود له... يقول تعالى:
(فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة؟ أو لم يروا أن
الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون) (9) لقد بغوا وعتوا
وعصوا. ولأنهم بلوا بشدة تركيبهم وقواهم اعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس
الله (10) ومع عقيدة كهذه وثقافة كهذه، تشنق الخيول المشلولة بلا أي جريرة.
وتحت فقه الغطرسة الذي دونته عاد يكون السب والطعن وشتى الإهانات من
نصيب كل من يحمل بين جنباته فطرة نقية سليمة، فعاد شيدت الحصون على
الأرض وفوق المرتفعات، ووفقا لفقه (من أشد منا قوة) الذي دونه الفقهاء الذين
كانوا بآيات الله يجحدون. انطلقت عاد وراء الخلود خوفا من الموت. وأعلام
الخلود والأماني والآمال العريضة يحملها الشيطان. بربط الناس بالدنيا وهو من
أجل هذا الهدف لا يترك طريقا إلى الأهواء إلا زينه وزخرفه. ومن عالم الزينة
تخرج الأقوال التي ما إن تسمعها الآذان حتى تنصت لها، وتتحرك الأشياء التي ما
إن تراها العيون حتى تحتضنها، إن عالم عاد هو عالم كفران النعمة ونكران
المنعم، الذي يستهان فيه بالقتل ولا يقام فيه للفضيلة أي وزن! وعاد أمسكت
بذيل كفار قوم نوح عندما رفضوا بشرية الرسول (قالوا لو شاء الله ربنا لأنزل
ملائكة) (11) ورفض الرسول البشر، غرس شيطاني يضمن به عدم قبول أكثر
____________
(8) سورة الفجر، الآيتان: 6 - 7.
(9) سورة فصلت، الآية: 15.
(10) ابن كثير 94 / 4.
(11) سورة فصلت، الآية: 14.
الناس الهداية التي تأتيهم من رسول يماثلهم في البشرية، فالشيطان رفض
البشرية من أساسها وظن في نفسه أنه أعلى منها مقاما، ووفقا لهذا المخزون الذي
تحتويه النفس الشيطانية، طرح الشيطان منهج الرفض هذا بما يستقيم مع البشر،
فكل صاحب هوى وكل صاحب عدة وجموع سيرى في نفسه أنه أعلى مقاما من
الذي يدعوه وعلى هذا ستنحصر الهداية في رقعة. وينطلق الشيطان في الرقعة
الأوسع. والشيطان بطابوره الطويل زرع له أولياء مهمتهم الصد عن سبيل الله،
معتمدين في ذلك على فقه التحقير بجميع أدواته من سب وطعن وغير ذلك، والله
تعالى حذر من سبل هؤلاء الأولياء وسيدهم، وأخبر بأنهم أعداء للبشرية جمعاء
ولا يريدون لها الخير. فقال تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا
إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم
لكم عدو وبئس للظالمين بدلا) (12) لقد حذر سبحانه بأنه لا ينبغي للناس أن
يفتتنوا بما يزينه لهم الشيطان وذريته من ملذات الدنيا وشهواتها لكي يعرضوا عن
ذكر الله، ولا ينبغي أن يطيعونهم فيما يدعون إليه!
وعاد افتتنت بما زينه الشيطان لها، وأطاعته فيما يدعي إليه، ورفعت أعلام
(من أشد منا قوة؟) وفي زمان الافتتان هذا، وفي عالم الأخلاق الحديدية هذه،
بعث الله تعالى هودا عليه السلام إلى عاد. ولقد تعرض القرآن الكريم لقصة عاد
والنبي المبعوث فيها هود عليه السلام في عشر سور منه هي: الأعراف، هود،
المؤمنون، الشعراء، فصلت، الأحقاف، الذاريات، القمر، الحاقة،
الفجر، وعاد الأولى هي إرم ذات العماد. وصاحب إرم غير عاد قوم هود، قال
تعالى: (ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) وإنما قال عاد قوم هود
ليتميز عن عاد صاحب إرم ذات العماد. وجبار إرم ذات العماد أهلكه الله لتعتبر
عاد ولكن عادا أمسكت بذيله وسارت على طريقته فبعث الله فيها هودا عليه
السلام، وهود عليه السلام كما يراه القلب من خلال قصته مع عاد، كان إنسانا
وقورا رزينا عاقلا واسعا صدره عظيما عقله، كبيرة نفسه، ذا شعور قوي، زاهدا
عابدا عفيفا أبيا غيورا، صلب الإيمان خشنا في ذات الله سبحانه وتعالى، على
الكافرين عذابا صبا وللمؤمنين أبا رحيما، لا يقابل الشر بمثله بل لا يفارقه العطف
____________
(21) سورة الكهف، الآية: 50.
واللطف والحنان واستعمال اللين والإخلاص في أقواله مع قومه (13) وكان هود عليه
السلام من قبيلة يقال لها الخلود وكان من أوسطهم نسبا (14) وأصبحهم وجها،
وكان في مثل أجسامهم أبيض بادي العنفقة طويل اللحية، وكان عليه السلام ينذر
قومه، ويحذرهم بأس الله، ويضرب لهم الأمثال بقوم عاد الأولى وبقوم نوح عليه
السلام قبلهم ويذكرهم بنعمة الله عليهم.
2 - الدعوة إلى الله:
كان هود عليه السلام أول رسول من الله تعالى بعد نوح عليه السلام. وهو
أول رسول بعث إلى قوم افتتنوا بقوتهم وقالوا (من أشد منا قوة؟) وهود عليه
السلام تجمعه بقومه. صلة القرابة، ودعوة القوم إلى الهداية بواحد منهم يعرفهم
ويعرفونه، يجعل الدعوة تسير بسهولة ويسر، نظرا لأن القوم يعرفون أمانة وصدق
المبعوث إليهم. كما أن عنصر القرابة يكون بمثابة مائدة للتعاطف من خلالها
يفهمون الرسالة ويدافعون عنها وبث الدعوة أولا بين أهل القوم الواحد، لطف من
الله ورحمة بالعباد، فهو سبحانه بعث رسله على أرضية القربى لتفتح) القربى
طريق المودة، ووضع الدعوة في أول خطواتها على أرضية التعاطف والقربى
والمودة إشارة إلى أن دين الله لا إجبار فيه. دين مقدمته قبل أن يتكلم تقوم على
التعاطف. وبهذا كله مما تقبله الفطرة السليمة. ولكن عندما اجتالت الشياطين
الناس أصبح أبناء التراب يرفضون أبناء التراب وأبناء الرحم الواحد يقاتلون
إخوانهم وكل هذا تحت لافتة (أنا خير منه) تلك اللافتة التي رفضت البشر
الرسول ورفضت بعد ذلك جميع الهداة الصادقين على امتداد التاريخ! وفي هذا
العالم الذي ألف دق خيام القسوة والظلم كان طريق الدعوة طريقا شاقا، وقام
الجبابرة العتاة داخل كل قوم باضطهاد النبي المبعوث فيهم والذين آمنوا معه وهم
جميعا من أبناء جلدتهم، فتحت شعار الجبابرة (أنا خير منه) طرد الأنبياء ورجموا
بالحجارة، ونتيجة لمقدمة الذين كفروا التي تحمل الحجر، أصبحت الرسالة
وأتباعها في جانب وأهل الكفر والأهواء في جانب آخر..
وعاد أول من دون فقه الغطرسة، وقفت من هود عليه السلام موقف الضد،
____________
(13) الأنبياء - حياتهم وقصصهم / الحسني العاملي: 102.
(14) ابن كثير: 225 / 2.
كان يدعوهم بكلمة المودة والتعاطف (يا قوم) فيواجهوه بالشر الجسيم والتمرد
العظيم والجرأة الغليظة. وهود عليه السلام ما كان يدعوهم إلا لعبادة الله. وما
كان يخاطبهم إلا بلطف وعطف. وكان عليه السلام يعاتبهم على ما يقومون به من
البناء فوق كل مرتفع من الأرض وعلى اتخاذهم مصانع تصنع لهم الحصون لعلهم
يخلدون، وعلى شدتهم وخشونتهم في تعاملهم مع الناس، وذكرهم بنعم الله
تعالى عليهم من أموال وبنين وجنات وعيون، ودعاهم إلى الرجوع إلى الله، لأن
عدم الرجوع إليه بالتوبة والعمل الصالح سيترتب عليه عذاب يوم عظيم. يقول
تعالى:
(كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم
رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على
رب العالمين * أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم
تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي
أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم
عذاب يوم عظيم) (15).
لقد ردهم عليه السلام في دعوته إليهم إلى الحق الذي عليه تقوم الفطرة،
قال لهم: (يا قوم) ليلقى خطابه القبول في نفوسهم، ودعاهم إلى تقوى الله،
وأخبرهم بأنه أمين لهم وأنه يدلهم على الطريق الذي لا يخيب من سار على
هداه. وأمرهم بطاعته لأن طاعته هي طاعة الله، وبين لهم أنه لا مطمع دنيوي له
فيما يقوله لهم، فهو لم يسألهم الأجر. فإذا كان هو الأمين الذي يعرفون أمانته.
وهو أيضا الذي لم يسألهم الأجر. فإن في كل هذا دليل على أنه ناصح لهم فيما
يدعوهم إليه.
كانت هذه مقدمته عليه السلام عندما خاطبهم. ثم بدأ ينتقد حضارة
الأخلاق الحديدية فقال: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) قال البغوي: الريع:
المكان المرتفع (16).. وكانوا يبنون فوق المرتفعات بنيانا محكما هائلا باهرا (17)
____________
(15) سورة الشعراء، الآيات: 123 - 135.
(16) البغوي: 229 / 6، الميزان.
(17) تفسير البغوي: 229 / 6
والآية: العلامة والبناء على الأماكن المرتفعة، اخترعته عاد الأولى هروبا من
الطوفان بعد أن شوهت الأساطير حقيقة طوفان قوم نوح، واعتبروه ثورة طبيعية
يمكن مقاومتها بالبناء فوق المرتفعات وتحصين المنشآت على الأرض ضد
السيول. وبعد أن أهلك الله عادا الأولى، جاءت عاد الثانية إلى الأحقاف،
وقاموا بسلخ العمد من الجبال حتى إن العمود الواحد كان بطول الجبل، ثم
ينقلون هذه الأعمدة وينصبونها ويبنون عليها القصور (18)، ولقد أخبرهم هود عليه
السلام أن هذا العمل لا يدرج إلا تحت عنوان العبث، لأن اليوم العظيم إذا جاء
فلن تقف أمامه علامات فوق المرتفعات، ولا حصون وقلاع على الأرض
الممهدة، فعملهم هذا عبث لا احتياج إليه، وهو في الحقيقة مجرد لهو وإظهار
للقوة (19) ثم انتقل عليه السلام إلى الشطر الثاني من حضارة القوة فقال:
(وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) قيل: المصانع كانت لنحت الجبال وبناء
القصور. وقيل: هي البروج المشيدة والبنيان المخلد (20) وكان القوم يعتقدون
أن هذه المصانع كافية لحمايتهم من الموت ووقايتهم من مؤثرات الجو ومن غارات
الأعداء.. فقال لهم عليه السلام: أتتخذون مصانع لكي تقيموا فيها أبدا.
وذلك ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم كما زال عمن كان قبلكم (21).
وبعد أن انتقد أعمدة عاد التي أقامت عاد عليها حضارتها وثقافتها الحديدية
انتقل من الأعمدة الصخرية إلى الأعمدة التي. تتكون من لحم ودم وعظم وقال
لهم: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) لقد وصفهم بالقوة والغلظة
والجبروت (22) " إذا بطشتم " أي إذا أخذتم وسطوتم " بطشتم جبارين " أي قتلا
بالسيف وضربا بالسوط. والجبار هو الذي يقتل ويضرب على الغضب (23) لقد
ربط عليه السلام بين الأعمدة. بين الحجارة والدماء. فأعمدة هناك تنحت من
الصخر ليرفع فوقها أعلام التحدي ورجاء الخلود، وأعمدة من لحم ودماء نزلت
____________
(18) كتاب الأنبياء / 96.
(19) البغوي: 229 / 6.
(20) البغوي: 229 / 6.
(21) البغوي 299 / 6.
(22) البغوي: 229 / 6.
(23) ابن كثير: 229 / 6.
بالإنسان إلى أسفل سافلين. فنهش أصحابها أبدان المستضعفين طمعا في
امتلاك جلودهم. إن عالم الأعمدة هو عالم الجوع والخوف. لقد كفروا بالنعمة
وبالمنعم فألبسهم الله لباس الجوع والخوف. إن القلاع،. والحصون خوف
وجوع، وبطش الجبارين خوف وجوع، لأن الاطعام والأمن لا وجود له إلا في
دائرة التقوى على الصراط المستقيم. وعاد قفزت من الدائرة وانحرفت عن
الصراط. وبعد أن انتقد عليه السلام حضارتهم طالبهم بالدخول في دائرة التقوى
وأن يطيعوا الله تعالى فيما يأمرهم به من ترك الترف والاستكبار. لأن الله تعالى هو
الذي أمدهم بما يعلمون من بسطة في الخلق وعظم الهيكل البدني، وهذا ظاهر
لهم حيث يفوقون الأمم من حولهم في هذا، وهذه القوة زادت من قوتهم،
فالواجب عليهم أن يشكروه عليها بوضع النعمة في موضعها، لأن الهلاك سببه
كفران النعمة والطغيان بالمعصية، ثم ذكر لهم عليه السلام ما أمدهم الله به وعليه
قامت أيضا حضارتهم. فالله تعالى أمدهم بالأموال والأنعام والبنين وجعل لهم
الجنات والعيون. فهذا العطاء يجب أن يشكروا الله عليه ويتقوه فيه، لأن عدم
شكر الله قد يحول هذا العطاء من مجرى النعمة إلى مجرى النقمة، ومجرى
النقمة يكون إذا آثروا المعصية على الطاعة. ثم قال عليه السلام: (إني أخاف
عليكم عذاب يوم عظيم) أخبرهم أنه يخاف عليهم لأنهم قومه، ويخاف عليهم
لأنه أمين لا يسألهم أجرا، مشفق عليهم من عذاب الجبار خائف عليهم من نقمته
وحلول غضبه على من تمرد عليه وبغى، ولم يرحم نفسه بخضوعه لله الواحد الذي
له سلطان الدنيا والآخرة.
كان عليه السلام يتعامل معهم على مائدة القوم، مائدة التعاطف، فماذا
كان ردهم؟ لقد جاء الرد بعيدا عن مائدة التعاطف جاء من قوم لا يتعاملون مع
الطبيعة ومع الناس إلا تعامل الجبابرة (قالوا سواء علينا أو عظت أم لم تكن من
الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين) (24) لقد قابلوا خطابه
الذي اتسم باللطف والعطف والخلق الكريم، قابلوه بقسوة وقالوا: ما يعنينا أن
تعظ أو لا تكون أصلا من الواعظين. وأن ما ذكرته من الدعوة إلى التوحيد. وما
____________
(24) سورة الشعراء، الآيات: 136 - 138
بينته من المواعظ في شأن ما تقوم عليه حياتنا. كل هذا من عادة البشر الأولين
الماضين الذين نسمع عنهم في الأساطير والخرافات (25).
والبشر الأولين بالنسبة لعاد هم قوم نوح بعد الطوفان، فبعد نوح عليه
السلام بدأت قوافل التوحيد تتحرك هنا وهناك تدعو إلى الله. وبعد أن طال الأمد
طوى النسيان ما كانت تعظ به هذه القوافل. ثم اقتحم الانحراف بثقافته عالم
النسيان. واعتبر كل ما كان يعظ به الأوائل شذوذ وهكذا فعلت الأهواء
بأصحابها. أنستهم الله فعبدوا الأصنام. وأنستهم معجزات الله يوم الطوفان
فأقاموا الأعمدة لتحميهم من الطوفان. وأنستهم صوت الحق والضمير على امتداد
الأيام فاعتبروا التوبة والاستغفار رجعية. وإذا كانت عاد أول من قالوا: (إن هذا
إلا خلق الأولين)، فلقد أمسك كفار قريش الذين واجهوا الرسالة الخاتمة
بذيلهم (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (26).
وذكر البغوي وابن كثير أن آخرين قرأوا (إن هذا إلا خلق الأولين) بضم الخاء
واللام. يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر، هو دين الأولين من الآباء والأجداد.
ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا. ولا بعث
ولا معاد. ولهذا قالوا: (وما نحن بمعذبين) (27).
لقد انتفخت عاد بالغطرسة وانتفشوا بالغرور وازدادوا عتوا وتمردا وعنادا أمام
رسول الله الذي يدعوهم إلى الإيمان بالله على بصيرة، ومع العتو والغرور. كان
كل يوم يمر تشيد عاد المزيد من الحصون والقلاع والمخازن المملوءة بالحبوب
وفقا لثقافة (من أشد منا قوة)؟
* ثانيا: تكبيل القوة:
لما دعاهم هود عليه السلام إلى الله تعالى وإلى دينه. وبالغ في وعظهم
وإرشادهم. وحذرهم سطوة الجبار العلي القدير وعقوبته في الدنيا والآخرة. فلم
ينفع معهم ولم يفد شيئا. حبس الله سبحانه عنهم المطر كي يتنبهوا ويرتدعوا
____________
(25) البغوي: 220 / 6.
(26) ابن كثير.
(27) ابن كثير: 342 / 1.
ويرجعوا إلى الطاعة. وإمساك المطر عنهم سيبعد بينهم وبين الترف لأن الترف
أصل أصيل في إفساد الفطرة وإفقاد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى
وتتأثر وتستجيب، وإمساك المطر يؤدي بالإنسان إلى دائرة التضرع، ليكون
التضرع مدخلا إلى التوبة. وروي أن الله تعالى أمسك عنهم المطر ثلاث سنوات
حتى جهدوا وأجدبوا وقحطوا. فأبوا إلا تماديا فيما هم عليه، وازدادوا عتوا وتمردا
وعنادا (28) وعلى امتداد زمن القحط كان هود عليه السلام يدعوهم كي يستغفروا
الله فيرسل سبحانه السماء عليهم مدرارا (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي
فطرني أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم
مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين) (29).
لقد دعاهم وقوتهم التي يستندون عليها تئن تحت ضربات القحط. دعاهم
إلى عبادة الله وحده وأخبرهم أنه لا يسألهم على ما يدعوهم إليه أجرا حتى يتهموه
بأنه يريد بدعوته منفعة تعود إليه أو تضربهم، وهو إنما يبغي ثوابه من الذي فطره،
من الله الذي أوجده وأبدعه، ودعاهم إلى تعقل ما يقوله لهم. حتى يتضح لهم أنه
ناصح لهم في دعوته، وأنه ما يريد إلا أنه يحملهم على الحق. كما دعاهم إلى
طلب المغفرة من الله وأن يتوبوا ويرجعوا إليه بالأعمال الصالحة، حتى يرحمهم
بإرسال سحب هاطلة ممطرة يحيي بها الأرض وينبت الزرع والعشب. ويزدهم قوة
الإيمان إلى قوة الأبدان، وأخبرهم أن عبادتهم التي اتخذوها من دون الله إحرام
منهم ومعصية توجب نزول السخط الإلهي عليهم، وفي الآية دلالة على أنهم
كانوا مبتلين بإمساك السماء والجدب وهذا في قوله: (يرسل السماء عليكم)
وكذا قولهم في موضع آخر: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا
عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم) (30) كما أن الآية بها
إشعار أن هناك ارتباطا تاما بين الأعمال الإنسانية وبين الحوادث الكونية التي تمر.
فالأعمال الصالحة توجب فيضان الخيرات ونزول البركات، والأعمال الطالحة
____________
(28) الميزان: 306 / 10، ابن كثير: 225 / 2.
(29) سورة هود، الآيات: 50 - 52.
(30) سورة الأحقاف، الآية: 24.
تستدعي تتابع البلايا والمحن وتجلب النقمة والشقاوة والهلكة (31) كما يشير إليه
قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء
والأرض) (32).
لقد دعاهم هود عليه السلام وهم تحت ضربات القحط إلى التعقل،
فالكون يخضع لنظام دقيق، وإن الاطعام والأمن بين يدي الذي يملك الجوع
والخوف، فمن انحرف عن نظام الاطعام والأمن سقط في دائرة الجوع والخوف
والمد والاستدراج فماذا كان رد عاد في عالم القحط والجدب؟ (قالوا يا هود ما
جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا
اعتراك بعض آلهتنا بسوء) (33) لقد ردوا على هود عليه السلام فيما قاله لهم.
فلقد طالبهم هود بأمرين هما: أن يتركوا آلهتهم ويعبدوا الله وحده، وأن يؤمنوا به
ويطيعوه فيما ينصح لهم، فهذه كانت مطالب هود عليه السلام. أما الرد عليه
فجاء إجمالا وتفصيلا. (أما إجمالا) فبقولهم: (ما جئتنا ببينة) أي ما جئتنا
بحجة وبرهان على ما تدعيه من الرسالة، إن دعوتك لنا خالية من المعجزة. فما
هي معجزتك الخارقة للعادة؟ وبما أنه لا توجد معك معجزة. فلا موجب
للإصغاء إلى ما هذا شأنه (وأما تفصيلا) فلقد رفضوا دعوته التي طالبهم فيها
برفض الشركاء فقالوا: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) كما رفضوا دعوته
إياهم إلى الإيمان والطاعة فقالوا: (وما نحن لك بمؤمنين) ووفقا للإجمال
والتفصيل فقد آيسوه في كلتا الحالتين،. ثم قالوا له: (إن نقول إلا اعتراك بعض
آلهتنا بسوء) أي نعتقد في أمرك أن بعض آلهتنا أصابك بسوء كالخبل والجنون.
لشتمك إياها وذكرك لها بسوء فذهب بذلك عقلك. ومن كان هذا شأنه فلا يعبأ بما
يقوله في دعوته (34).
لقد طالبوه بالمعجزة، وأخبره أنهم لن يتركوا آلهتهم من قوله، أي بمجرد
قوله اتركوهم يتركوهم. وأعلنوه بصراحة أنهم له غير مؤمنين. ثم نظروا إلى
____________
(31) الميزان: 300 / 10.
(32) سورة الأعراف، الآية: 96.
(33) سورة هود، الآيتان: 53 - 54.
(34) الميزان: 301 / 10.
حضارتهم وأعمدتهم وأصنامهم وأخبروه أن ما يقوله لهم ما هو إلا نتيجة لما أصاب
عقله من جنون وخبل، ومصدر هذا الجنون تطاوله على الآلهة ونهيه عن عبادتها!
هكذا تفكر عاد في عالم القحط. وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على عمق
الحضيض الذي تهاووا فيه بعد انحرافهم عن الصراط المستقيم، إن الإنسان
عندما يفقد الماء يتضرع، ولكن أصحاب الأعمدة والصخور كانت لهم قلوب لا
تعاني من فقد الماء. قلوب من حجارة. نبتت وترعرعت في خيام الأخلاق
الحديدية.
* معجزة هود عليه السلام:
لقد انتفخ جبابرة عاد وطالبوه بالمعجزة (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة) ثم
قالوا بأن أصنامهم قد مسته بسوء (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) فجاء
رد هود عليه السلام بما يريدون. جاء بالمعجزة التي تستقيم مع الذي عند قوم
عاد. وعاد عندها القوة وتسير على ثقافة (من أشد منا قوة؟) لهذا جاءتهم
المعجزة التي تقصم ظهر قوتهم: قوة الفرد أو القبيلة أو المرتزقة أو الدولة،
والمعجزة جاءت في رد هود عليه السلام: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ
مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي
وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) (35).
لقد أعلن البراءة من شركائهم. ولا ينفي ذلك كونه برئ منها من أول
مرة. وإعلانه البراءة هنا ليضع القوم أمام التحدي وأمام المعجزة. فلقد قالوا بأن
الأصنام قد مسته بسوء. فرد عليهم بأنه برئ منها لأنها لو كانت آلهة حقا وتتمتع
بعلم وقدرة فيجب عليها أن تقهره وتنتقم منه لنفسها وهو يعلن تبرؤه منها فالتبرء
حجة بينة على أنها ليست بآلهة وعلى أنها لم تعتره بسوء كما ادعوا. وبعد أن
حطم عليه السلام القاعدة الصنمية للأوثان التي من حجر. انتقل إلى القاعدة
الصنمية التي من لحم ودم وعظم. وقدم للجبابرة معجزته التي أذلتهم وهم في
أزهى لباس للقوة قال: (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) لقد كان في قوله لهم
أمر ونهي تعجيزيان لقد طالبهم أن يكيدوا له وفي قوله (جميعا) إشارة إلى أن
____________
(35) سورة هود، الآيات: 54 - 56.
مراده تعجيزهم وتعجيز آلهتهم جميعا، وبهذا التعجيز الشامل يكون قد قدم أتم
دلالة على كونه على الحق وكونهم على الباطل (36). لقد قال للعتاة الذين
يبطشون بطش الجبارين: (فكيدوني جميعا) ليشاهدوا وليعلموا أنهم
بمضارتهم وثقافتهم وقوتهم لن يقدروا عليه بقتل أو بتنكيل. على الرغم من أنهم
ذوي شدة وقوة لا يعادلهم فيها غيرهم من أهل الشدة والبطش. فليفعلوا ولن
يستطيعوا أن يضروه. وعندما يضربهم العجز. فيجب عليهم أن يصدقوه.
ويؤمنوا به وبرسالته التي من عند الله. لأنه لولا أنه نبي من عند الله، صادق فيما
يقوله، مصون من عند ربه.. لقدروا عليه بكل ما أرادوا من عذاب أو دفع،
وأخبرهم بأن معجزة التحدي للقوة لا تعود إلى كونه أشد منهم قوة ولا إلى أنه
ينتمي إلى جنس غير جنس البشر، فهو بشر يخاف ويكره، ولكنه لن يخاف من
قوتهم الطاغية، ليس لأنه يحمل معجزة التحدي للقوة، وإنما لأنه توكل على الله
ربه وربهم، فهو سبحانه الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه. وهو سبحانه
المحيط بهم جميعا والقاهر لهم. وهو سبحانه الذي ينصر الحق ويظهره على
الباطل إذا تقابلا.
وأمام معجزة هود عليه السلام ارتدت عاد ثوب المذلة، فآلهتهم لم تفعل
لهود عليه السلام شيئا رغم سهر فقهاء الجبابرة أمامها وطلبهم تدخلها، والجبابرة
والعتاة لم يستطيعوا أن يضروا هودا وهم أصحاب شعار (من أشد منا قوة؟) إن
دولة تحمل شعارا لا تستطيع العمل بمضمونه هو - وفقا لمقاييس أصحاب القمة -
مذلة وهو - وفقا لمقاييس أصحاب القاع - مهانة. (فأما عاد فاستكبروا في
الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد
منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون) (37). وعندما كانت عاد في ثوب المذلة، كان
هود عليه السلام بين أتباعه في عافية وسلامة لا يستطيع أحد أن يمسه بسوء أو يناله
بشر، وعندما ذاق جبابرة عاد مرارة العجز، انسحبوا من المواجهة، انسحبت
الدولة كلها بأوثانها وفقهائها وجبابرتها وجنودها من أمام هود عليه السلام، ووقفوا
جميعا في خندق من خنادق الصد عن سبيل الله لا يملكون فيه إلا بذاءة اللسان.
____________
(36) الميزان 302 / 10.
(37) سورة فصلت، الآية: 15.
ثالثا: استعجال العذاب:
ظل هود عليه السلام يدعو قومه، لكن الاستكبار كان يجري في دمائهم.
رغم ما يعانون من ذل نتيجة لعدم مقدرتهم على الكيد لهود. ولما يعانونه من
القحط لإمساك المطر عنهم. والمستكبر المحتاج أكثر خطرا من غيره، لأنه
يستعمل جميع أدوات البطش التي لا يستعملها غيره. وإن كان غيره يمكن أن
يدمر من حوله من أجل نفسه فإن المستكبر المحتاج يمكن أن يدمر كل من حوله
حتى نفسه ولا يتنازل عن هواه وجميع الذين استكبروا قبل أن يضربهم عذاب
الاستئصال أوقفهم الله في دائرة الحاجة كي يستغفروا. لكنهم خرجوا من الدائرة
وهم يشهرون مخالبهم في وجه كل طاهر، ويغرسون أنيابهم في جسم كل
عفيف، طمعا في أن يخنقوا الأرض أو يصيبوها بالوباء. إن الاستكبار بجميع
فصائله ينطلق من مملكة الظلم، التي يديرها أصحاب الرؤوس الفارغة والقلوب
القاسية، وهؤلاء لا يتنازلون عن هوى من أهوائهم فيه حاجة لهم. وإن ترتب على
ذلك الهلاك للجميع. لأنهم ببساطة ألد أعداء الجنس البشري وإن كانوا ينتمون
إليه. هم ألد أعداء الإنسانية لأنهم يتصورون أن في عروقهم تجري الدماء
النقية، ووفقا لهذا التصور أو الاعتقاد رفضوا قديما النبي البشر، وتطور الرفض
فيما بعد إلى كل حامل علم لا يستقيم مع أهوائهم وإن كان حامل العلم معه
سلطان وبرهان.
لقد خرجت عاد من دائرة الاحتياج رافضة للتوبة والاستغفار، وأمام العناد
كان هود عليه السلام يبلغ رسالات ربه إليهم (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره أفلا تتقون) (38) لم يحدثهم عن قلاعهم وحصونهم. إنما دعاهم فقط إلى
عبادة الله. ولم يضف على ذلك شيئا. فماذا كان ردهم؟ (قال الملأ الذين
كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين) (39) لقد كان
جوابهم له فيه احتقار ومهانة. واجهوه أولا بأن فيه سفاهة. وواجهوه ثانيا بأنهم
يظنون أنه من الكاذبين.. لتد واجهوه بهذه التهم لأنهم سمعوا منه دعوته أكثر من
____________
(38) سورة الأعراف، الآية: 65
(39) سورة الأعراف، الآية: 66.
مرة، وفي كل مرة كان يعترض على آلهتهم. فأخرجوا من جعبتهم تهمة السفاهة
ورموه بها، والسفاهة: خفة العقل التي تؤدي إلى الخطأ في الآراء. ولقد زادت
عاد وقاحة على قوم نوح، فقوم نوح رموا نوحا بالضلال في الرأي، أما عاد فقد
رموا هودا بالسفاهة. إنها الغطرسة التي تلقي بالتهم هكذا جزافا بلا تدبر ولا
دليل، ثم اتهموه بالكذب في غير تحرج ولا حياء، أنظر إلى قولهم له: (إنا
لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين) ثم انظر إلى جوابه عليه السلام: (يا
قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا
لكم ناصح أمين) (40) لقد رد عليهم ردود الأنبياء. رموه بالسفاهة، فلم يخرجه
ذلك عن وقار النبوة، ولم ينس ما هو الواجب من أدب الدعوة الإلهية، وأخبرهم
أنه ليس به سفاهة، ولكنه رسول من رب العالمين، لا شأن له بما أنه رسول من
الله، إلا تبليغ رسالات الله، وإن كانوا يظنون أنه كاذبا. فهو ليس بغاش لهم فيما
يريد أن يحملهم عليه، ولا خائن لما عنده من الحق، وكل ما يريده منهم هو
التدين بدين التوحيد الذي يراه حقا، لأن هذا الدين هو الذي فيه نفعهم
وخيرهم، وقد وصف عليه السلام نفسه بالأمين محاذاة لقولهم " وإنا لنظنك من
الكاذبين) (41).
لم يقابل هود عليه السلام الشر بمثله. ولم يفارقه العطف واللطف والحنان
واستعمال اللين والإخلاص في أقواله مع قومه. لقد رموه بالسفاهة، فقال: ليس
بي سفاهة، ورموه بالكذب فقال: أنا لكم ناصح أمين، إنه منطق النبوة في
الوعظ والإرشاد وهود عليه السلام كان واسع الصدر في دولة ترفع شعار (من أشد
منا قوة؟) وكان ذا شعور قوي وزاهدا عابدا عفيفا أبيا غيورا صلب الإيمان في دولة
إذا بطشت بطشت بطش الجبارين، وبعد أن نفى عن نفسه ما ألقوه عليه من تهم
قال لهم: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا
إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم
تفلحون) (42). لقد أراد أن يجذبهم من خيمة الأهواء والغطرسة إلى رحاب
____________
(40) سورة الأعراف، الآيتان: 67 - 68.
(41) الميزان: 178 / 10.
(42) سورة الأعراف، الآية: 69.
الشكر والحمد. فقال لهم: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم
لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذلك، واذكروا نعمة الله عليكم في
جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه،
واشكروا الله الذي جعلكم أطول من أبناء جنسكم. واذكروا نعم الله ومنته عليكم
لعلكم تفلحون (43).
لقد طالبهم بالشكر في أربعة مواضع:
(أولا): أنه سبحانه بعث فيهم رسولا منهم وهذه نعمة تستحق الشكر.
(ثانيا): أنه سبحانه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح دون غيرهم من الأمم.
(ثالثا): أنه سبحانه زادهم في الخلق بصطة. وزيادة الخلق تزيد القوة ويترتب على ذلك إقامة المدينة والحضارة.
(رابعا): أنه سبحانه أعطاهم من النعم ما لا تحصى ولا تعد وكل نعمة من
نعم الله يجب شكرها، وشكرها أن توضع في موضعها، فماذا كان رد الجبابرة
عندما طالبهم هود عليه السلام بأن يذكروا الله ويشكروه؟ (قالوا أجئتنا لنعبد الله
وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) (44) لقد
رفضوا الذكر والشكر. وذلك لرفضهم عبادة الله وحده. كما حافظوا في ردهم
على عبادة ما وجدوا عليه آباءهم. وفي خاتمة ردهم طالبوا بالعذاب. وهكذا
طالب هود بمطالب تنسجم مع الفطرة، فردوا بردود تنسجم مع العذاب العظيم
لقد استكبرت عاد! قالوا لهود عليه السلام: (أجئتنا لنعبد الله وحده) لقد
وجدوا في التوحيد قيد، وجدوا فيه افعل ولا تفعل. أما ما كان يعبد الآباء فلا قيد
فيه. لأن الأصنام لا تأمر ولا تنهى. وعلى هذا تكون أهواء الجبابرة طليقة في
عالم الاغواء والتزيين. والقوي فيهم يكون سيدا للغابة، ولا قانون إلا قانونه،
وفي عالم الغابة هذا، إذا قدمت ماءا صافيا لإنسان، برزت أنيابه كذئب يعوي!
وإذا حملت طعاما نقيا للجائعين، لا ينظرون إليه.. بل إليك! ويقتفون أثرك
____________
(43) ابن كثير: 224 / 2.
(44) سورة الأعراف، الآية: 70.
كاللصوص ليسرقوك. أو كقطاع طرق ليقتلوك وفي عالم الغابة إذا قدمت فكرة!
كلمة! ليتأملها عقل، فستدفع ثمن إنسانيتك غاليا، لأن الفكرة رحمة، والذئاب
تعتبر الرحمة شذوذا. لقد رفض الجبابرة أن يعبدوا الله وحده، وأرادوا أصنام
الآباء وما كان يراه الآباء. فالجماجم تحت التراب تراث. ورفض التراث في
قانونهم جريمة. والجماجم تحت التراب على هداها يسير الأحياء والشيطان لهم
دليل. إنه عالم الصم البكم العمي، رفضوا الشكر في المقدمة ورفعوا ما كان
يعبد آباؤهم في الخاتمة ثم قالوا لهود عليه السلام: (فاتنا بما تعدنا إن كنت من
الصادقين) وعندما قالوا ذلك سمعوا الرد الأخير على أقوالهم. الرد الذي
ستأتيهم من بعده الخاتمة ليكونوا بعد ذلك أحاديث وعبرة لمن أراد الاعتبار.
فعندما سألوا هودا عليه السلام أن يأتيهم بالعذاب: (قال قد وقع عليكم من
ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها
من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين) (45).
أجابهم عليه السلام: بأنه قد وقع عليهم من ربهم رجس وغضب. لأنهم
يحاجونه في هذه الأصنام التي سموها هم وآباؤهم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع،
ولا جعل الله لهم على عبادتها حجة ولا دليل (46) وبأن إصرارهم على عبادة الأوثان
بتقليد آبائهم. أوجب أن يحق عليهم البعد عن الله بالرجس والغضب. ثم
هددهم بما يستعجلون من العذاب. وأخبرهم بنزوله عليهم لا محالة، وأمرهم
بالإنتظار. وأخبرهم بأنه مثلهم في انتظار العذاب (47).
وعلى هذا انتهى الجدل، وانتظر الجميع القول الفصل الذي يحمل
العذاب الشامل على فريق الجبابرة وأتباعهم. ويكون رحمة شاملة على طائفة
المؤمنين مع هود عليه السلام، وجبابرة عاد عندما طلبوا العذاب، ظنوا أن في
هذا الطلب تعجيز لهود عليه السلام مقابل تعجيزه لهم في الكيد له. فأمام معجزته
التي طرحها عليهم (فكيدوني جميعا) قالوا له: (فاتنا بما تعدنا إن كنت من
الصادقين) فقولهم: (إن كنت من الصادقين) يحمل ظنهم في عدم مقدرته
____________
(45) سورة الأعراف، الآية: 71.
(46) ابن كثير: 225 / 2.
(47) الميزان
الإتيان بالعذاب، لأنهم ابتداء يكذبونه في رسالته. وهود عليه السلام عندما
حذرهم من عذاب اليوم العظيم. كان في الحقيقة يحذرهم من عذاب
الاستئصال، لأن سنة الاستئصال كانت هي الجارية في صدر البشرية. وذلك لأن
ظهور المجتمع الشاذ عن سبيل الفطرة في مرحلة تكوين المجتمعات الإنسانية.
قد يؤدي إلى انتشار الشذوذ والانحراف في المجتمعات الأخرى. لهذا كان بتر
العضو المريض الذي لم يتقبل الدواء. رحمة وعبرة وشفاء للإنسانية في كل
مكان. رحمة لأن الداء قد بتر ودفن في مكانه ولم يجتحهم، وعبرة كي يعيد
المنحرف ترتيب أوراقه على أساس صحيح، وشفاء لقوم مؤمنين وتثبيت وإبلاغ
لهم بأن السماء لا يفر من تحتها الظالمون.
لقد دخلت عاد بأقدامها إلى دائرة الاستئصال، وعندما قالوا لهود عليه
السلام: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) (48) لم يزد عليه السلام في رده
عن قوله: (إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما
تجهلون) (49) لقد قصر عليه السلام العلم بنزول العذاب في الله تعالى: (إنما
العلم عند الله) لأن العذاب من الغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل. أما
هود فلا علم له ما هو العذاب؟ ولا كيف هو؟ ولا متى هو؟ ولذلك عقب عليه
السلام بقوله: (وأبلغكم ما أرسلت به) أي أن الذي حملته وأرسلت به إليكم
هو الذي أبلغته إليكم، ولا علم لي بالعذاب الذي أمرت بإنذاركم به ما هو؟
وكيف هو؟ ومتى هو؟ ولا قدرة لي عليه، وإني أراكم قوما تجهلون، فلا تميزون
ما ينفعكم مما يضركم وخيركم من شركم. حين تردون دعوة الله وتكذبون بآياته
وتستهزؤون بما يوعدكم به من العذاب (50). لقد ظنت عاد أن طلبها للعذاب
تعجيز لهود عليه السلام، في الوقت الذي كانوا فيه يسيرون بأقدامهم على طريق
العذاب الذي يصل بهم إلى اليوم العظيم. لقد كانت أقدامهم تدب على أرض
جدباء أخذ أهلها حذرهم من الطوفان فأذلهم العطش.
____________
(48) سورة الأحقاف، الآية: 22.
(49) سورة الأحقاف، الآية: 23.
(50) الميزان: 211 / 18.
* وجاءت الرياح:
جلس قضاة الطاغوت في ديار الجبابرة ومن حولهم جنود عاد الذين شربوا
من إناء الأخلاق الحديدية في ثقافة (من أشد منا قوة؟) جلسوا تحت السماء التي
تمسك عنهم المطر، ومن حولهم نخالة الحبوب الناشفة. وأوراق الأشجار
الميتة، لم يرفعوا أكفهم إلى السماء حتى يرفع الله عنهم العقاب، وإنما انطلقوا
في يوم عيدهم إلى أكبر أصنامهم وتجمعوا حوله يسألونه الماء أساس حضارة
عاد، ففي هذا العيد وكان يوافق دائما يوم الأربعاء. خرج الجبابرة وخدامهم من
الفقهاء والجنود ومن حولهم الغوغاء والرعاع أصحاب العيون التي انطفأ منها كل
بريق يحمل معنى من معاني الرحمة، وأمام الصنم الأكبر وقفوا يبتهلون
ويتضرعون بالآباء تحت لهيب الشمس المحرقة، ولم تكن هناك رياح تسري في
الحدائق سريانها البديع. ولم يكن للنسيم الرقيق وجود بينهم يوم زحامهم على
أصنامهم. كان الحر شديدا وقطرة الماء أمل للإنسان وللحضارة العريضة التي
تتربع عليها عاد، وبينما هم ينظرون في الأفق شاهدوا سحابا ثقيلا يستقبل
أوديتهم. يقول تعالى: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض
ممطرنا) (51) لقد حكموا على العارض بما يعلمون، ولكن الحقيقة لا يعلمها إلا
الله فما كل سحاب يأتي بالماء، وما كل رياح تحمل الخير، فعاد وفقا لحضارتها
وعقيدتها وثقافتها تحكم على الأشياء بما جرت به العادة، فالأب الأول في قافلة
الانحراف ترك صنما، وهذا الصنم عبدته القافلة كلها، فإذا جاءت عاد ووجدته
يكون الخروج عن العادة والتقاليد شذوذا. وأمام العادة والتقاليد فليسقط السمع
والبصر والفؤاد. ووفقا لهذا المقياس شاهدوا العارض فقالوا بأنه ممطر، لأن
علمهم وقف عند الحد الذي يقول بأن السحاب لا يحمل إلا الماء. أما الذين
يؤمنون بالله فيعلمون أن العناصر كلها خاضعة لخالقها، وقد تحمل هذه العناصر
النعم لقوم بينما تحمل النقم لقوم آخرين، وقد تمطر السماء هنا ماء بينما تمطر في
مكان آخر حجارة من سجيل منضود. لهذا كان الإيمان بالله هو روح النظر إلى
الأشياء عند الذين آمنوا. وكانت تقوى الله هي المقياس الذي تتحطم عليه
العادات والتقاليد، وكان الخوف من مكر الله يجعلهم في ارتعاد دائم، لأنهم بشر
____________
(51) سورة الأحقاف، الآية: 24.
يعيشون على الأرض. والأرض يجري عليها الاختبار ويجري عليها الاستدراج
والاستئصال. ويأتي العذاب للظالمين من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
وعندما شاهدت عاد العارض وهي تحت مظلة عقيدة الأصنام وثقافة
الاستكبار (قالوا هذا عارض ممطرنا) لكن الحقيقة كانت على خلاف ذلك
يقول تعالى: (بل هوما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شئ بأمر
ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) (52) فبين
سبحانه أولا أنه العذاب الذي استعجلوه حين قالوا لهود: (فاتنا بما تعدنا إن
كنت من الصادقين) وزاد سبحانه في البيان ثانيا بقوله: (ريح فيها عذاب
أليم) تهلك كل ما مرت عليه من إنسان ودواب وأموال، وفي موضع آخر يقول
سبحانه: (أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته
كالرميم) (53) والريح العقيم هي المفسدة التي لا تنتج شيئا (54) والتي عقمت أن
تأتي بفائدة مطلوبة من فوائد الرياح. كتنشئة سحاب أو تلقيح أشجار أو نفع حيوان
أو تطيب هواء (55) وفي موضع آخر يقول تعالى: (إنا أرسلنا عليها ريحا صرصرا
في يوم نحس مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) (56) وفسر
الصرصر بالريح الشديدة السموم، والشديدة البرودة، والشديدة الصوت،
والشديدة الهبوب (57). وقوله تعالى: (في يوم نحس مستمر) المراد باليوم هنا
قطعة من الزمن، لا اليوم الذي يساوي سبع الأسبوع. لقوله تعالى في موضع
آخر: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات) (58) وقوله تعالى:
(سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) (59). فتبارك الذي يضرب في
كل زمان وكل مكان ويرحم في كل زمان. وكل مكان.
____________
(52) سورة الأحقاف، الآيتان: 24 - 25.
(53) سورة الذاريات، الآيتان: 41 - 42.
(54) ابن كثير: 236 / 4، البغوي: 71 / 8.
(55) الميزان.
(56) سورة القمر، الآيتان: 19 - 20.
(57) ابن كثير: 364 / 4، الميزان /، البغوي: 134 / 8.
(58) سورة فصلت، الآية: 16.
(59) سورة الحاقة، الآية: 7.
لقد جاءت الريح لتضرب المرتفعات والأعمدة وتضرب المنخفضات
والحصون، جاءت الريح العقيم التي عقمت أن تأتي بفائدة مطلوبة في عالم
حضارة عاد، جاءت لتدمر كل شئ (بأمر ربها) فضاع الجبابرة وخدام
الجبابرة أصحاب البطش والأخلاق الحديدية. روي أن الريح كانت تأتي أحدهم
فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار. ثم تنكسه على أم رأسه. فيسقط على الأرض
فتثلغ رأسه. فيبقى جثة بلا رأس (60) ولهذا قال تعالى: (كأنهم أعجاز نخل
منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (61)
وعلى امتداد أيام العذاب كان الجبابرة والمستكبرين يهرولون في كل مكان هربا
من قسوة الرياح حتى إنهم كانوا يتحصنون الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا
لهم في الأرض إلى أنصافهم فلم يغن عنهم ذلك من الله شيئا (62) لقد أقاموا
الأعمدة إلى أعلى وفقا لحسابات الطوفان، وأسرفوا في هذا العبث إسرافا كبيرا،
وعندما جاءتهم الريح جعلوا من أنفسهم أعمدة في بطن الأرض، ولكن هيهات
هيهات
!
لقد طحنت الريح قصورهم وحصونهم ومدائنهم. عصفت عليهم سبع ليال
وثمانية أيام حسوما (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) وكانت
ترفع الرجال والنساء إلى الجو ثم ترمي بهم فيقعون على رؤوسهم منكسين.
وكانت الريح تقلع الرجال والنساء من تحت أرجلهم ثم ترفعهم إلى السماء ثم
تحطمهم حطما، كانت الريح تمر بأهل البادية فحملهم هم ومواشيهم وأموالهم
حتى يكونوا بين السماء والأرض وتلقى بأهل البادية ومواشيهم على أهل
الحاضرة (63) لقد قهرت الريح الذين فشوا في الأرض وقهروا أهلها تحت شعار
(من أشد منا قوة؟) أما هود عليه السلام وأتباعه فروي أنه عليه السلام اعتزل ومن
معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ
الأنفس (64) (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من
____________
(60) البغوي: 135 / 8، ابن كثير: 265 / 4.
(61) سورة القمر، الآيات: 20 - 22.
(62) ابن كثير: 342 / 3، البغوي: 231 / 6.
(63) ابن كثير: 412 / 4.
(64) ابن كثير: 226 / 2.
عذاب غليظ) (65) (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا
بآياتنا وما كانوا مؤمنين) (66).
لقد جاءتهم الريح في يوم نحس كانوا يحتفلون فيه بمجد آبائهم الأوائل.
ففي اليوم النحس جاءتهم الريح لتكون عليهم في أيام نحسات ذات غبار وتراب لا
يرى فيها أحد أحدا. جاءتهم مسخرة من الله عليهم، تضربهم مرة بعد مرة كي
يستوعب الجميع الهلاك وذكر المسعودي: أن الريح أتتهم يوم الأربعاء. فما
جاءت الأربعاء الثانية وفيهم أحد حي (67). وذهبت عاد وأصبحوا عبرة لمن أراد
الاعتبار. وبقيت الريح.. نعم بقيت، فهي على كل مكان من الأرض. وهي
في جوف كل إنسان وهي في مخازن الله. وكما ذكرنا أن للمؤمن مقاييس ينظر بها
إلى الأحداث من حوله وما يمكن أن يترتب عليها، فليس كل ريح تأتي بخير
وليس كل سحاب يأتي بماء. ولقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه. فلما سئل: يا رسول الله إن
الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر. وإذا رأيته أنت عرفنا في
وجهك الكراهية. قال عليه وآله الصلاة والسلام " ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب.
قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب وقالوا هذا عارض ممطرنا " (68) وذهبت
عاد. وقطع دابر الذين كفروا. فلا ترى لهم باقية. ليسر في عصرنا أحد ينتسب
إلى عاد بدمائه لأن دابرهم قد قطع. ولكن في عصرنا من هواه على هوى عاد،
في عصرنا يوجد من يقول: (من أشد منا قوة؟) وفي عصرنا أعلام ورايات
تمارس سياسات التجويع والتخويف، وفي عصرنا فتحت للغطرسة معاهد،
وراجت الأخلاق الحديدية التي لا تقيم للفضيلة وزنا. بل ذبحتها تحت المقاصل
تحت شعار روح العصر الحديث. وفي عالم الأخلاق الحديدية. زخرف
الشيطان كل شئ بما يستقيم مع روح العصر. وفي عالم الزخرف اعتنق الناس
فضائل الأهواء وكل فضيلة من حديد. كل فضيلة ظاهرها الرحمة وباطنها يقبع فيه
____________
(65) سورة هود، الآية: 58.
(66) سورة الأعراف، الآية: 72.
(67) مروج الذهب: 159 / 2.
(68) ابن كثير: 161 / 4.
عمود من أعمدة عاد (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) (69).
وذهبت عاد. ولما كانت عاد في صدر القافلة البشرية من بعد قوم نوح.
وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خاتمة القافلة الإنسانية فإن الله تعالى ربط
بين البلاء والختام في مواضع من القرآن الكريم. وبين سبحانه أن عادا كانوا من
التمكن على درجة عالية لم تكن لكفار مكة. وكان لهم من أدوات الادراك والتمييز
ما يستطيع به الإنسان الاحتيال لدفع المكاره والاتقاء من الحوادث المهلكة
المبيدة. لكن كل هذا لم يغن عنهم. ولم تنفعهم هذه المشاعر والأفئدة شيئا
عندما جحدوا آيات الله. فما الذي يؤمن كفار خاتمة القافلة من عذاب الله وهم
جاحدون لآيات الله يقول تعالى بعد أن أخبر عن هلاك عاد (ولقد مكناهم فيما إن
مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم
ولا أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به
يستهزؤون * ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم
يرجعون) (70) وفي الربط بين البدء والختام أيضا يقول تعالى لرسوله الخاتم
صلى الله عليه وآله وسلم: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد
وثمود) (71) إنها تذكرة إنذارية، ليكون البدء هناك عبرة للخاتمة هنا (وتلك عاد
جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * واتبعوا في هذه الدنيا
لعنة ويوم القيامة ألا إن عاد كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) (72).
* مشهد وحركة:
لقد جحدت عاد بآيات الله من الحكمة والموعظة والمعجزة التي أظهرت
لهم طريق الرشد وميزت لهم الحق من الباطل، جحدوا بها بعد ما جاءهم من
العلم، وعصوا رسول ربهم هودا عليه السلام، ومن قبله من الرسل، لأن عصيان
الواحد منهم هو عصيان للجميع. فكلهم يدعون إلى دين واحد، وعلى ذلك فهم
عندما يعصون هودا يكونون قد عصوا بعصيانه سائر رسل الله، وسلسلة الأنبياء
____________
(69) سورة إبراهيم، الآية: 42.
(70) سورة الأحقاف، الآيتان: 26 - 27.
(71) سورة فصلت، الآية: 13.
(72) سورة هود، الآيتان: 59 - 60.
تنتهي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن سمع به ولم يؤمن بما أنزل معه
يكون بعصيانه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد عصى سائر رسل الله، والذين
عصوا هودا عليه السلام إلى أين ذهبوا؟ لقد ذهبوا إلى كل جبار يقهر الناس بإرادته
ويكرههم على ما أراد واتبعوه. ولم يتبعوا كل جبار فقط ولكنهم اختاروا من بين
الجبابرة كل جبار عنيد، والجبار العنيد علاوة على أنه يقهر الناس إلا أنه فوق هذا
كثير العناد فلا يقبل الحق. (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله
واتبعوا أمر كل جبار عنيد) وهذا الاختيار الذي رفضوا فيه هودا عليه السلام
واتبعوا فيه كل جبار عنيد ألقى بهم في دائرة اللعن في الدنيا ويوم القيامة حيث
العذاب الخالد، يوم يقف التابع والمتبوع من الذين استكبروا وهم ناكسوا
رؤوسهم عند ربهم (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى
بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال
الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل
كنتم مجرمين) (73) في الدنيا كان الجبابرة وخدامهم يضعون الذين آمنوا في مربع
المجرمين. أما في الآخرة فسيقولها الجبابرة لحملة أقلامهم وسياطهم
وغوغائهم. يا لعدل الله.. تأمل قول الخدام لأئمة الكفر: (لولا أنتم لكنا
مؤمنين) يتهمونهم بإجبارهم على الكفر. وأنهم حالوا بينهم وبين الإيمان.
بالرغيف والشهوة والجاه والمال، بالتخويف والتجويع والترغيب والترهيب. ثم
تأمل رد أئمة الكفر في عاد وكل عاد مهما اختلفت الأسماء والأعلام. تأمل ردهم
على الخدام الخلان (أنحن صددناكم؟) أنحن صرفناكم عن الهدى بعد إذ
جاءكم؟! إن بلوغه إليكم بواسطة الرسول أقوى دليل على أننا لم نحل بينه وبينكم
لقد سمعتم الدعوة. وكنتم مختارين بين الإيمان وبين الكفر. لكنكم كنتم
متلبسين بالإجرام مستمرين عليه، فأجرمتم بالكفر بالإيمان لما جاءكم من غير أن
يخبركم عليه، فكفركم منكم ونحن برءاء منه (74) إنه العتاب الذي لا يجدي.
ويؤدي في النهاية إلى ضعف من العذاب لكل من الأئمة والخدام، إن عادا بداية
وعبرة للمجرمين (ولو ترى إذ المجرمين ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا
____________
(73) سورة سبأ، الآيتان: 31 - 32.
(74) الميزان.
وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) (75) أنظر إلى المشهد والحركة في
النص القرآني (ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) لقط أحاط بهم الخزي والذل
فنكسوا رؤوسهم واعترفوا بما كانوا ينكرونه في الدنيا. وسألوا ربهم العودة إلى
الدنيا عندما تبين لهم أن النجاة في الإيمان والعمل الصالح. لقد سألوا العودة.
ولن يعودوا.
لقد اتبع الجبابرة الصغار الجبابرة الكبار في الحياة الدنيا. التف الصغار
حول كل جبار عنيد واتخذوه قدوة من يوم نوح عليه السلام وحتى يوم محمد صلى
الله عليه وسلم وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. ليصدوا عن سبيل الله. ولكن
مدارس الصد على امتداد الزمان هي التي تسقط وهي التي تحترق. إن سقوط
الباطل في كل زمان يعني انتصار الحق في كل زمان والباطل باطل وإن رفع شعار
(من أشد منا قوة؟) وكان معه أكثر الناس، والحق حق وإن قل أتباعه والحق حق
وإن وقف في حظيرة على الأرض. والباطل باطل وإن رفع أبنيته على الأعمدة ألم
تر أن عادا استأصلهم الله وأن هود أنجاه الله برحمة منه. ألم تر أننا نقص هنا أخبار
المجرمين ليرى الحاضر سقوط الباطل المهين في الدنيا والآخرة.
____________
(75) سورة السجدة، الآية: 12.
انحراف ثمود قوم صالح عليه السلام
(وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)
سورة فصلت، الآية: 17
* ثمود! قبور في الصخور
[ أعلام الجحود ]
مقدمة:
بعد هلاك عاد بنحو مائة عام، ظهرت حضارة ومدينة أخرى تقودها ثمود.
وثمود من العرب العاربة. جاءت قافلتهم من حول جبل الجودي الذي استقرت
عليه سفينة نوح عليه السلام. شأنها كشأن العديد مق القوافل التي تركت المنطقة
الأولى وانتشرت في الأرض، وكان على رأس قافلة ثمود: ثمود بن عابر بن
إرم بن سام بن نوح، وانتهى مسيرها إلى موقع بين الشام والحجاز، وكانت أهم
حاضرة لهم مدينة الحجر.. وذكر المسعودي: أن حجر ثمود في الجنوب
الشرقي من أرض مدين وهي مصاقبة لخليج العقبة.. وما زالت آثار ثمود باقية إلى
يومنا هذا والمكان الذي فيه ديارهم يعرف اليوم ب (فج الناقة). والنبي الذي
بعثه الله تعالى إلى ثمود. هو صالح عليه السلام. وكان بينه وبين هود عليه السلام
- كما ذكر المسعودي - نحو مائة عام (1). وصالح عليه السلام ثالث الأنبياء
المذكورين في القرآن الكريم بالقيام بأمر الله والنهضة للتوحيد ضد الوثنية.
ويذكره الله تعالى بعد نوح وهود عليهما السلام. ولقد أثنى الله عليه بما أثنى به
على أنبيائه ورسله. وذكر صالح عليه السلام في القرآن تسع مرات في سور:
الأعراف، هود، الشعراء، وذكرت ثمود في القرآن في أحد عشرة سورة:
____________
(1) مروج الذهب: 47 / 2.
الأعراف، هود، الحجر، الشعراء، النمل، فصلت، الذاريات، النجم،
القمر، الحاقة، الشمس.
* 1 - في خيام الانحراف:
قال تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (2)
ويقول عز وجل: (وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان
أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين) (3) لقد كانت البداية هدى،
وهذا الهدى غزته ثقافة الجودي، ثقافة ما بعد الطوفان التي قامت على أعمدة
التوحيد، وعندما انطلقوا لإقامة مجتمعاتهم الجديدة. كانت الفطرة في أعماقهم
تدلهم على طريق الصواب. وبالجملة. عرفهم الله الحق وما يؤدي إليه والباطل
وماذا يترتب عليه. فمن هنا كانت دائرة الاستبصار، ولكن دائرة الاستبصار هذه
انطفأت في صدور الذين كفروا. وذلك بعد أن زين لهم الشيطان أعمالهم واتبعوا
أهواءهم. وعلى هذا كانت دائرة العمى، وعندما جاءهم رسول من ربهم كي
يعيدهم إلى دائرة الاستبصار، صدوا عن سبيل الله، وإلى هنا شق القوم طريقهم
في اتجاه الاستئصال والله غني عن العالمين، وطريق ثمود نحو الاستئصال هو
نفسه طريق عاد. بكل شعاراته وأعلامه، لقد رفضت ثمود ما رفضته عاد، فمن
خيمة الشذوذ والانحراف رفضوا الرسول البشر.. يقول تعالى: (إذ جاءتهم
الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة
فإنا بما أرسلتم به كافرون) (4) وفي احتجاجهم على نبيهم صالح عليه السلام
قالوا له: (ما أنت إلا بشر مثلنا) (5). لقد أمسكوا بذيل الآباء في رفض البشر
الذين يدعونهم إلى عبادة الله وحده، رغم أنهم يحملون المعجزات التي تؤيد
دعواهم، وذلك لأنهم يشاركونهم في البشرية. هذا في الظاهر. أما الحقيقة
فلأنهم يروا أنفسهم أفضل من الأنبياء، من حيث أنهم يمتلكون الأموال والأولاد
والأنعام وزينة الحياة الدنيا. ولديهم العتاد والجموع وهذا ما لم يتوفر للأنبياء،
____________
(2) سورة فصلت، الآية: 17.
(3) سورة العنكبوت، الآية: 38.
(4) سورة فصلت، الآية: 14.
(5) سورة الشعراء، الآية: 159.
لقد كانوا يرون أنفسهم أفضل بني آدم. فأمسكوا بذيل الشيطان الذي قاس
أفضليته على آدم بأن الله خلقه من نار بينما خلق آدم من طين. إن فقه الغباء لم
يفطن في البداية أن الله هو الخالق ولم يفطن في النهاية إلى أن الله هو الرزاق وأن
له في خلقه شؤون وما خلق سبحانه شيئا إلا بهدف ومن وراء هذا الهدف حكمة.
وإذا كانت ثمود قد أمسكت بذيل عاد في رفض البشر الرسول، فإنهم
سقطوا معهم في قاع اتباع الهوى وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فأورثهم الصد
عن الحق. وأما طول الأمل فأورثهم نسيان الآخرة، ومع ثقافة الصد والنسيان لم
تتدبر ثمود فهلك عاد وقوم نوح من قبل. فأقاموا بيوتهم في بطون الصخر وجعلوا
لها أبوابا ضيقة يتحكمون فيها عند هبوب الرياح. حتى لا يهلكوا كما هلكت
عاد. وكانت عاد من قبل قد شيدت لها أبنية على قمم المرتفعات حتى لا يهلكهم
الطوفان الذي أهلك قوم نوح من قبل. وعن ثمود يقول تعالى: (وكانوا ينحتون
من الجبال بيوتا آمنين) (6) أي يسكنون الكهوف المنحوتة من الحجارة ظنا منهم
أن هذا يجعلهم آمنين من الحوادث الأرضية والسماوية. إنها ثقافة النسيان. التي
انطلقت إلى غابة طول الأمل الشيطانية. وهناك في كل جرف صخري داخل
واديهم السحيق. أقاموا مساكنهم التي ظنوا أنها تدفع عنهم الموت، ولم يكن
يدري أهل ثقافة الانحراف. أن كفران النعمة أورثهم الجوع والخوف. والجائع
لا يشبع من طعام ولا من حياة، ولأنه يريد مزيد من الحياة، خاف من المستقبل،
وفي عالم الخوف يقف الخائف وراء الجدر، فلا يقاتل إلا من ورائها ولا يكيد إلا
من ورائها، وثمود لم تكتف بالوقوف وراء الجدر بل دخلت فيها. يقول تعالى:
(وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) (7) أي الذين ينحتون الصخر ويخرقونه
ليتخذون منه بيوتا (8). لقد ظنوا أن ما يصنعوه يؤمن سعادتهم في الدنيا، ولم يدر
أهل كفران النعمة ونسيان العهد، أن بطون الجبال ستكون عذابا لهم في يوم أليم
وأن حضارتهم لن تحمل للمستقبل إلا دخانا، يدل على أن في هذا المكان يوما ما
اضطرمت نار الغضب، كي يعتبر بهم من أراد الاعتبار.
____________
(6) سورة الحجر، الآية: 82.
(7) سورة الفجر، الآية: 9.
(8) ابن كثير: 508 / 4.
* 2 - الرسول والدعوة.
1 - الرسول:
بعث صالح عليه السلام وكان يومئذ غلام حدث (9) وروي أنه بعث وهو ابن
ست عشرة سنة، فلبث فيهم حتى بلغ مائة وعشرين سنة (10) وذكر ابن الأثير في
الكامل أنه بعث وهو ابن ثلاثين سنة، ومات وهو ابن ثمان وخمسون سنة (11)
ورواية بعثه وهو غلام رواها غير واحد، وهناك روايات ذكرت أن دعوة صالح عليه
السلام كانت عشرين سنة، وهذه مدة غير كافية لنسيان ثقافة خروج الناقة من
الصخرة. ومن المعروف أن معجزة الناقة أدت إلى إيمان العديد وعلى رأسهم
رئيس القوم (12). أما الرواية التي نصت على أن صالحا عليه السلام بعث وهو
غلام أو ابن ست عشرة سنة وأنه لبث فيهم حتى بلغ مائة وعشرين سنة، فهي
تستقيم مع الأحداث لأن المدة كافية لظهور أجيال ترى في الناقة عادة مألوفة، ولا
تراها كمعجزة كما رآها الجيل السابق، ومع هذه الأجيال تدور معارك العقيدة،
بين معسكر الحق ومعسكر الشذوذ الذي يسهر عليه آباء الانحراف الذين لم يؤمنوا
برسالة صالح وتمسكوا بذيول الآباء. فالناقة كانت في الحقيقة حجة على
جيلين. جيل طلب الآية. وجيل لم يطلب الآية ولكنه رآها وهو يشب بين القوم.
الجيل الأول آمن منه من آمن وعاش في ثقافة المعجزة، أما الجيل الثاني فجاء
يسمع ثقافة المعجزة وثقافة الصد عن السبيل، وهو مخير بين هذا وذاك. إما أن
يكون مع الناجين. وإما أن يكون امتدادا لأجيال لن تلد إلا فاجرا كفارا وحينئذ
يكون عذاب الاستئصال.
بعث صالح عليه السلام وهو غلام. وبعث الله تعالى صالحا في هذا السن
معجزة في حد ذاتها. ليرى فيه القوم رجاحة العقل في زمن عز فيه أن يرى عاقل
تنجبه ثقافة الجوع والخوف والصخور، وصالح عليه السلام كان من بيت شرف
____________
(9) مروج الذهب / المسعودي: 47 / 2.
(10) الأنبياء / العاملي: 104.
(11) الفتح الرباني: 46 / 20.
(12) مروج الذهب: 47 / 2، ابن كثير: 228 / 2، تفسير الميزان: 315 / 10.
ومشهود له بالأمانة، وعندما تتوج الأمانة والشرف إنسانا صادقا في عالم يتخذ من
خناجره معاول لتمزيق أحشاء الصخور بحثا عن الأمن. يكون هذا الإنسان في
حد ذاته دعوة للسمع وللبصر. فلعل السمع منه يدل القوم إلى الأمن الذي يقود
إلى السعادة الحقيقية، لأنهم عندما يسمعون سيسمعون من عاقل، وعندما
ينظرون فسينظرون إلى أمين لا يسألهم أجرا، لقد كان بعثه عليه السلام وهو غلام
معجزة لم يتدبرها الأوائل، لأنهم انطلقوا في ليل الانحراف الذي يغشى بأجنحته
السوداء دروب الضياء والمعرفة، وكان عليه السلام يراهم وهم يهرولون في اتجاه
الصخور ويخبرهم أن الطريق إلى الأمن لا يحتاج إلى هذه المشاق. وأنه يبدأ من
توحيد الله وعبادته والسير داخل المجتمع بالعدل والإحسان. وأن لا يسرفوا ولا
يطغوا ولا يعلوا في الأرض. كان يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن
القوم تجنبوه في بداية الأمر، ولم يجبه من قومه إلا نفر يسير من الضعفاء، الذين
لا ينظرون إلى الصورة. ولكن يتعمقون في القول وبلاغته ومضمونه وأهدافه،
ولا ينظرون إلى طول الجسم وما عليه. وإنما ينظرون إلى أعماق الإنسان، حيث
الأمانة والعفة والطهر والنقاء والصدق، كان هذا هو حال الضعفاء الذين اتبعوا
صالحا عليه السلام، أما الجبابرة فتجنبوه لعدم استطاعتهم دفع حججه، وأوهموا
أتباعهم أنهم إنما تركوه لصغر سنه.
وشب صالح عليه السلام في ثمود، وكان كل يوم يمر يشعر معه الجبابرة
بالخطر الذي يحمله صالح عليه السلام. لقد وجدوه يحمل عقيدة تعمل من أجل
الإطاحة بما كان عليه آباؤهم. وهذه العقيدة تلازمه من يوم أن شاهدوه في أول
أمره كنبت أخضر ذي أصل ثابت. يتسلق فرعه في اتجاه السماء، إلى اليوم الذي
أصبح فيه كشجرة تشب مع الأجيال وتحمل لهم الثمار، كان الجبابرة يشعرون
بالخطر، ولأنهم لا يتنفسون إلا من خيمة الانحراف، كان كل يوم يمر لا يزدهم
من الإيمان إلا بعدا، لم يتدبروا يوما في أحوال صالح الذي حمل الرشد والكمال
في شخصه وبيته، ولا يأتي منه إلا الخير. ولا يترقب منه إلا النفع.
2 - الدعوة:
يقول تعالى: (كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا
تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن

  |