|

أجري إلا على رب العالمين * أتتركون في ما ها هنا آمنين * في جنات وعيون *
وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله
وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا
يصلحون) (13).
لقد هدم عليه السلام عقائدهم وثقافاتهم التي تقوم عليها، فدعاهم لأن
يتدبروا وأن يتقوا الله، وأمرهم بطاعته لأن طاعته هي طاعة الله، ثم نفى عن نفسه
أي طمع دنيوي. والدليل أنه لم يسألهم الأجر كما يسألهم كهان الأوثان الأجر
عندما يفتونهم، وليس معنى أنه لا يسألهم الأجر أن ما يقوم به لا وزن له، وإنما له
ثواب وأجر عند الله رب العالمين وهو يطمع في هذا الأجر وهذا الثواب، وبعد أن
قرع عليه السلام آذانهم بالتوحيد. رد عقولهم إلى الحقيقة التي تعاموا عنها
فقال: (أتتركون في ما ها هنا آمنين)؟ أي أنكم لن تتركوا في أرضكم وما
أحاط بكم في أرضكم هذه. وأنتم مطلقوا العنان لا تسألون عما تفعلون وآمنون
من أي مؤاخذة إلهية (14) لقد وعظهم وحذرهم نقم الله أن تحل بهم.. وذكرهم
بأنعم الله حيث أنبت الله لهم الجنات وفجر لهم من العيون الجاريات وأخرج لهم
من الزروع والثمرات (15) لكنهم لم يشكروا النعمة ويضعوها في محلها، وإنما
اتخذوا تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرا وبطرا وعبثا من غير حاجة إلى
سكناها. وأنهم كانوا حانقين متقنين لنحتها ونقشها (16) ولأن ما يفعلوه لا ينفعهم
في الدنيا ولا في الآخرة، أمرهم أن يقبلوا على الله بطاعته. لأن طاعته من طاعة
الله. وأن لا يطيعوا أمر المسرفين.. فلا يقلدوهم ولا يتبعوهم في أعمالهم
وسلوكهم. وخطابه عليه السلام كان للعامة التابعين للمسرفين، وكان للمسرفين
الذين يقلدون آباءهم ويطيعون أمرهم ولقد - أمر بعدم طاعتهم لأنهم يفسدون في
الأرض غير مصلحين. والإفساد لا ومن معه العذاب الإلهي والله عزيز ذو
انتقام.
____________
(13) سورة الشعراء، الآيات: 141 - 152.
(14) الميزان.
(15) تفسير البغوي: 232 / 6.
(16) ابن كثير: 343 / 3، البغوي: 233 / 6.
ولقد حذرهم عليه السلام من الامساك بذيل المسرفين الذين يفسدون في
الأرض ولا يصلحون، لأن الكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة،
والكون ترتبط أجزاءه ارتباطا محكما، وأي انحراف أو تفريط فإن الميل
والانحراف يكون إفسادا للنظام المرسوم. ويتبعه إفساد غاياته. الإنسان الذي هو
أحد أجزاء الكون غير مستثنى من هذه الكلية الجارية، فإن جرى على ما تهديه
إليه الفطرة فاز بالسعادة المقدرة له، وإن تعدى حدود فطرته وأفسد في الأرض،
أخذه الله بالسنين وأنواع النكال والنقمة لعله يرجع إلى الصلاح والسداد. وإن
أقاموا على ذلك الفساد لرسوخه في نفوسهم. أخذهم الله بعذاب الاستئصال،
وطهر الأرض من قذارة فسادهم (17) فماذا قال الجبابرة والمترفون والمسرفون
لصالح عليه السلام عندما دعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من نقمه. وعندما بين
لهم أن الطريق الصحيح لن يكون في ذيل الذين يفسدون في الأرض؟ يقول
تعالى: (قالوا إنما أنت من المسحرين * ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت
من الصادقين) (18) لقد واجهوا النصح بحشد من الاتهامات فاتهموه - بأنه ممن
سحر مرة بعد مرة حتى غلب السحر على عقله (19) وضعوا على كل مرحلة من
مراحل حياته علامة تقول إنه مسحور. صادروا الحكمة والبلاغة والمضمون ودقوا
وتد السحر. وعندما خاطبهم جمعوا له كل العلامات التي وضعوها على امتداد
حياته وقالوا: (إنما أنت من المسحرين) ولم ينس طابور الانحراف أن يلقي
بأثقال الآباء التي ألقي بها من قبل أمام نوح وهود عليهما السلام فقالوا لصالح عليه
السلام: (ما أنت إلا بشر مثلنا) ثم اقترحوا عليه أن يأتيهم بآية تثبت صدقه في
دعواه فقالوا: (فأت بآية إن كنت من الصادقين).
لقد دعاهم عليه السلام لكي يدخلوا في رحاب الأمن الحق الذي يربط
أجزاء الكون بالعدل. ولكن العدل عند خيمة الانحراف، أن تتركهم وما
يفعلون، وأن تتركهم وما يقولون، وأن لا تحول بينهم وبين ما يحبون! العدالة
عندهم أن تتركهم حتى لو أدت أعمالهم إلى احتراق الأخضر واليابس في مشهد
واحد.
____________
(17) الميزان.
(18) سورة الشعراء، الآيتان: 153 - 154.
(19) الميزان.
* 3 - انحراف جديد:
كانت ثمود أمة من أمم الانحراف، والانحراف لا بد وأن يترك تحت رماده
بذور يصلح زرعها على أرض معسكر الانحراف. الذي يستلم الراية فيما بعد.
وهذه البذور تظل تحت الأرض لفترة حتى يأتي من يتعهدها حتى تكبر وتصبح
شجرة من الدنس في نهاية الطريق. وإذا كانت ثمود قد تعهدت شجرة (ما أنت
إلا بشر مثلنا) التي قام كفار قوم نوح بتسليمها لكفار قوم هود، فإن ثمود كان لها
السبق في إضافة معنى آخر يقبل بشرية الرسول بشروط، ولقد اتسعت هذه
الشروط فيما بعد وكان في اتساعها كارثة.
فعندما حاصر صالح عليه السلام ثمود بحججه الدامغة، ولم تجد ثمود فيه
إلا كل الخصال الحميدة، هرول إليه الضعاف واعتنقوا دعوته، وأمام هذا المد
- وإن كان ضعيفا - اهتز الذين يحرصون على الحياة، وأصبحت أوراق فقه
التحقير والانتقاص من البشر الذين يحملون رسالات الله لا تجدي. بعد أن
أحرزت الدعوة تقدما لها في ديار الضعاف. لهذا قام كفار ثمود لتطوير فقه التحقير
والانتقاص بما يسحب البساط من تحت أقدام النبوة فقالوا كما أخبر سبحانه:
(أبشر منا واحد نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو
كذاب أشر) (20) لقد نصبوا شباك الصد عن سبيل الله، شباك صنعت من خيوط
الحسد، وقالوا: " لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا قيادتنا لواحد منا " (21) فلو كان
الوحي حقا، وجاز أن ينزل على البشر لنزل على البشر جميعا (22) باختصار بثت
أبواق ثمود ثقافة جديدة تقول للعامة والخاصة أن إثبات الرسالة لصالح وحده فيه
انتقاص لكم، لأنكم تماثلونه في البشرية، فإذا جاز أن يدعي الرسالة، فمن
حقكم أن تدعوا الانتفاخ بالروح القدس. وهذا البيان لن يصب في النهاية إلا في
سلة الجبابرة. لأن الضعاف لن يجرؤ واحد منهم أن يدعي الانتفاخ أو يدعي
الرسالة. لأنه لا يملك أن يقدم البينة عليها، فالبيان بالنسبة للضعفاء تحصين لهم
في مواجهة صالح عليه السلام. أما بالنسبة للجبابرة، فإنهم إذا ادعوا الرسالة
____________
(20) سورة القمر، الآيتان: 24 - 25.
(21) ابن كثير: 264 / 4، البغوي: 135 / 8.
(22) الميزان.
يمكن أن يلوحوا بما لديهم من عدة وما معهم من جموع، فالعدة والجموع قمم
في عالم الانحراف والشذوذ، وعلى امتداد دعوات الأنبياء والرسل كانت
معسكرات الانحراف ترفض الرسل لأنهم لا عدة لهم ولا جموع معهم، وأمام
النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، دفعوا بما ورثوه عن ثمود (وقالوا
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (23) لقد بدأوا في صدر
البشرية بأهداف خفية حملتها الجماهير، أما عند الرسالة الخاتمة ظهر ما كان
مخبوء. ظهر أن أهل العناد والعتو والتمرد صعب عليهم أن يكونوا مروا سنين
كسائر الناس يعمهم حكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا مال له ولا قوة
من رجال وسلاح. كان الجبابرة في عهد الرسالة الخاتمة هم العنوان. ومن وراء
الجبابرة وقفت الجماهير أتباع الناعق في كل زمان ومكان.
فإذا كانت ثمود قد دقت أوتاد العدة والجموع في أول الزمان، فإن القرآن
الكريم مزق هذه العدة وهذه الجموع في معسكر الباطل، في رده على الذين
قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) فقال تعالى:
(أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا
بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما
يجمعون * ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم
سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسرر عليها يتكئون *
وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين) (24).
قال المفسرون: إن قولهم هذا ينبغي أن يتعجب منه! فإنهم يحكمون فيما
لا يملكون، فهذه معيشتهم في الحياة الدنيا يعيشون بها ويرزقون. وهي رحمة
منا. لا قدر لها ولا منزلة عندنا. وليست إلا متاعا زائلا. نحن نقسمها بينهم وهي
خارجة عن مقدرتهم ومشيئتهم. فكيف يقسمون النبوة التي هي الرحمة الكبرى.
وهي مفتاح سعادة البشر الدائمة والفلاح الخالد. فيعطونها من شاؤوا ويمنعونها
عمن شاؤوا. إن متاع الدنيا من مال وزينة، لا قدر لها عند الله سبحانه ولا منزلة،
ولولا أن يجتمع الناس على الكفر لو شاهدوا تنعم الكافرين، لجعلنا لمن يكفر
____________
(23) سورة الزخرف، الآية: 31.
(24) سورة الزخرف، الآيات: 32 - 35.
بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. ودرجات عليها يظهرون بغيرهم، وكل هذا لا
قيمة له في الآخرة التي جعلها الله للمتقين سعادة دائمة وفلاح خالد (25). إن معيار
الذهب والفضة والسلاح والجموع، لا يصلح إلا في خيام ومعسكرات
الانحراف، فهذه المكاييل إذا كان يمتلكها كافر فلا يحق ولا يجوز له أن يحدد
النبوة على أساسها، لأنه يستعمل مكيال لا قدر له ولا منزلة في تحديد مصدر
سعادة دائمة وفلاح خالد. إن الذي تكون مقدمته لا قدر لها ولا منزلة تكون نتائجه
أيضا لا قدر لها ولا منزلة. ولقد دقت ثمود أوتادا لا قدر لها ولا منزلة. ومن
خيمتهم اختنقت الأرض من الظلم، وبعد أن اتسع الشذوذ ظهر الذين ادعوا
الحكم الإلهي، وظهر الأنبياء الكذبة، والهداة الكذبة، والفقهاء الكذبة،
والأمراء الكذبة، ظهروا بعد أن أصبح المال يعسوبا ودليلا في عالم المجاعات
والأهواء ومع ثقافة المال وهدايته. أصبح الحب مقتا، والنهار ليلا، والأمل
يأسا، والسلم حربا، والفرح ألما، والسعادة شقاء (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا
بعدا لثمود) (26) ولما كانت مقدمة ثمود لا تنام ولا تكل شاء الله لها أن تجثوا
تحت أقدام المسيح الدجال الذي يتاجر بالمال والأهواء. والمسيح الدجال حذر
منه جميع رسل الله وأنبيائه وهو خارج آخر الزمان لا محالة (27) ليتلقط أبناء الشذوذ
والانحراف الذين أخلصوا لخيام معسكرات الانحراف ابتداء من يوم نوح عليه
السلام ومرورا بعاد وثمود وقوم لوط. وانتهاء بأتباع عجل بني إسرائيل والتثليث
والمسجد الضرار. إن الدجال سيلتقط كل من يمثل رقعة من رقعات الشذوذ
ليذيقه الله عذاب الذل والخزي في الدنيا، وفي الآخرة عذاب أليم.
* 4 - المعجزة:
اتهمت ثمود صالح عليه السلام بأنه من المسحرين! وطالبوه بآية إن كان
من الصادقين. وكان بعثه فيهم وهو غلام آية ولكنهم لم يتدبروها، ولقد طالبوه
بإظهار العلامات كما ذكر المسعودي: ليمنعوه من دعائهم. وليعجزوه عن
____________
(25) الميزان.
(26) سورة هود، الآية: 68.
(27) راجع سلسلة بحوثنا عن المسيح الدجال.
خطابهم (28).. وكان صالح عليه السلام قد حضر جمعا لهم. فسألوه أن يأتيهم
بمعجزة تجانس أملاكهم، وذلك بعد اتفاق آرائهم. وكان القوم أصحاب إبل..
وتقدم زعيم القوم وقال له: يا صالح إن كنت صادقا في قولك، وأنك معبر عن
ربك، فاظهر لنا من هذه الصخرة ناقة (وكانت صخرة صماء عينوها بأنفسهم،
وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها الكاتبة (29) وكانوا يعظمونها
ويذبحون عندها في رأس كل سنة) (30) ولتكن هذه الناقة: وبراء، سوداء،
عشراء، نتوجا حالكة، صافية اللون، ذا عرف وناصية وشعر ووبر (31).
كان القوم لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله، وحول كل صنم
جماهيره تهتف: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا من هذه الصخرة الناقة التي
سألنا. لقد سأل الجبابرة معجزة من جنس ما يملكون وهتفت الجماهير هتاف
الصخر الذي فيه يعملون. فقال لهم صالح عليه السلام: " لقد سألتموني شيئا
يعظم علي ويهون على ربي سبحانه وتعالى " (32) وعندئذ أوحى إليه الله تعالى:
(إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر * ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل
شرب محتضر) (33) لقد أوحى سبحانه إليه بأنه سيرسل على طريق الإعجاز الناقة
التي سألوها، امتحانا لهم، وأمره أن يصبر على أذاهم، وأن يخبرهم بعد إرسال
الناقة. أن الماء مقسوم بين الناقة وبين القوم، لكل منهما نصيب من الشرب
يحضر عنده صاحبه، فالقوم يحضرون عند شربهم والناقة عند شربها (34) وفي يوم
عيد القوم، وقف صالح عليه السلام أمام الصخرة يستغيث بربه، فتحركت
الصخرة وتململت، وبدا منها حنين وأنين، ثم انصدعت من بعد تمخض
شديد، كتمخض المرأة حين الولادة. وظهر منها ناقة على ما طلبوا من الصفة،
____________
(28) مروج الذهب: 47 / 2.
(29) ابن كثير: 228.
(30) الميزان: 315 / 10.
(31) مروج الذهب 47 / 2.
(32) الأنبياء / العاملي: 105.
(33) سورة القمر، الآيتان: 27 - 28.
(34) الميزان: / 19.
ثم تلاها من الصخرة سقب لها (ولد الناقة) مثلها في الوصف (35) وفي رواية ابن
كثير " ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما
سألوا " (36).
لقد خرجت الناقة بمشيئة الله، أوجدها سبحانه كخلق آدم وحواء من غير
أب ولا أم.. أوجدها تعالى تأييدا لصالح وتصديقا لدعوته، وآية من مبرئ
الأكوان وموجد الزمان والمكان، لتدل على وحدانيته سبحانه، وعندما خرجت
الناقة وولدها من الصخرة آمن خلق كثير (37) وقال صالح عليه السلام: (يا قوم
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية
فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ
جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا
وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) (38).
قال المفسرون: دعاهم أولا أن يعبدوا الله، وكانوا مشركين يعبدون
الأصنام، وأخبرهم أنه قد جاءتهم من ربهم شاهد قاطع في شهادته، وهي الناقة
التي أخرجها الله لهم من الصخرة. آية لنبوته بدعائه عليه السلام لربه، ثم أمرهم
أن يتركوها تأكل من أرض الله، وحذرهم أن يمنعوها أو يمسوها بسوء كالعقر
والنحر، فإن وبال ذلك عذاب أليم يأخذهم، ثم دعاهم إلى أن يوجهوا طاقاتهم
التوجيه الصحيح، بأن يذكروا نعم الله عليهم، وذكرهم أن الله تعالى جعلهم
خلفاء يخلفون أمما من قبلهم كعاد، وأن الله تعالى هو الذي مكنهم في منازلهم
وكما أنه هو الذي أخرج لهم الناقة من بطن الصخرة فإنه تعالى هو الذي أعطاهم
القوة ليتخذوا من السهول قصورا وينحتون من الجبال بيوتا. وهذا يدعوهم إلى
ذكر آلاء الله فيهم، ولا يعثوا في الأرض مفسدين كان هذا توجيه صالح عليه
السلام لهم، بعد أن أخرج الله الناقة من الصخرة الصماء، بين دهشة القوم،
وتهليل وتكبير صالح عليه السلام والذين آمنوا معه.
____________
(35) مروج الذهب: 47 / 2.
(36) ابن كثير: 228 / 2.
(37) مروج الذهب: 47 / 2، ابن كثير: 228 / 2.
(38) سورة الأعراف، الآيتان 73 - 74.
* 5 - مواجهات بين الحق والباطل:
بعد معجزة الناقة آمن الناس، وتوارى بعض من الملأ الذين أصروا على
الاستكبار وراء جدر النفاق أو جدر الصخر. بعد أن كبر عليهم أن يصبحوا من
رعايا الصراط المستقيم وتحت قيادة صالح عليه السلام الذي يصغرهم في السن
ولا يمتلك ما يمتلكوه من مال وجموع، والاستكبار في كل زمان ومكان لا يرضى
إلا بما يشبع نفسه الأمارة بالسوء وأهواءه التي استنقعت في الدنس، الاستكبار هو
الاستكبار من يوم أن رفض الشيطان أن يسجد لآدم وحتى يرث الله الأرض ومن
عليها، كان الاستكبار في ثمود يتنفس برئة آباء معسكر الانحراف ولا يجد لنفسه
وجودا إلا في هذا المعسكر، لذلك كان يعز عليهم أن يروا صالحا عليه السلام،
وهو يحطم عقيدة وثقافة خيام الشذوذ والانحراف. ولأن حياتهم فيما يحطمه
صالح عليه السلام، فإنهم خاضوا العديد من المواجهات معه، منها ما حمل
لافتات الترغيب وعرض المناصب القيادية، ومنها ما حمل لافتات التحقير
والتشاؤم من الذين آمنوا، ومنها ما حمل الخناجر والسيوف لقتل صالح وقتل
الناقة، وكان لكل لافتة زمان ورجال، فالزمن الذي عاصر معجزة الناقة أو سمع
عنها كان المستكبرون يرفعون لافتة الصد المناسبة له، والزمن الذي لم ير ولكنه
سمع كان له لافتة تناسبه، وفي جميع الأزمنة لم تخل الدائرة حول صالح عليه
السلام من المؤمنين به وبرسالته.
1 - الترغيب بدائرة الضوء:
بعد أن امتص المجتمع معجزة الناقة، رأى جبابرة ثمود أن وجود
المستضعفين حول صالح عليه السلام فيه خطر عليهم، فعلموا من أجل امتصاص
الدعوة، بمعنى أن يدخلوها تحت عباءاتهم حتى إذا خرجت لا تحطم طرقهم،
وكان سبيلهم من أجل تحقيق ذلك هو التلويح بالمنصب الرفيع في ثمود لصالح إذا
ترك آلهتهم وشأنها، وقد رويت أحاديث عديدة في محاولات ثمود هذه. وفي
كتاب الله تعالى إشارات تدل على عمليات التلويح بالمنصب. يقول تعالى:
(وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم
من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب * قالوا
يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك
مما تدعونا إليه مريب * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة
فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير * ويا قوم هذه ناقة الله
لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب
قريب) (39).
لقد بدأ حديثه ودعوته بقوله: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) وفي
هذا تحطيم للأرباب والآلهة التي اتخذوها من دون الله. ومنهج صالح عليه
السلام في هذا لا يتبدل ولا يتغير، ثم ذكرهم بعد ذلك بنشأتهم من الأرض.
وبين لهم أن الله الذي أنشأهم من الأرض استخلفهم فيها، وعلى هذا فإنهم لا
يفتقرون في وجودهم وبقائهم إلا إليه تعالى. لأنه تعالى هو الذي أنشأ وهو الذي
استخلف، وبما أنه تعالى هو الذي يجب عليهم أن يعبدوه ويتركوا غيره، لأنه
تعالى خالقهم والمدبر لأمر حياتهم، فيجب عليهم أن يسألوه أن يغفر لهم
معصيتهم التي اقترفوها بعبادة غيره وأن يرجعوا إليه بالإيمان به وعبادته إنه تعالى
قريب مجيب.
هذا معنى ما قاله صالح عليه السلام. فماذا قال له رؤوس القوم الذين
يحافظون على الانحراف؟ (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا)
والمعنى: أن ثمود كانت ترجو منك أن تكون من أفرادها الصالحين. تنفع
بخدماتك مجتمعهم.. لما كانت تشاهد فيك من أمارات الرشد والكمال (40) كنا
نرجوك في عقلك (41) ولكن هذا الرجاء قد خاب (42) لقد يئسوا منك، وسبب
يأسهم منك اليوم أنك تنهاهم من إقامة سنة من سنن دولتهم، وتمحو أظهر مظاهر
قوميتهم (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا) كيف وإن اتخاذ الأوثان من سنن هذا
المجتمع المقدسة، واستمرار إقامة السنن المقدسة من المجتمع دليل على أنهم
ذوو أصل عريق ثابت. ووحدة قومية لها استقامة في الرأي والإرادة (43) ويقول
____________
(39) سورة هود، الآيات: 61 - 64.
(40) الميزان: 312 / 10.
(41) ابن كثير: 451 / 2.
(42) في ظلال القرآن: 1907 / 2.
(43) الميزان: 312 / 10.
صاحب الميزان: وقوله تعالى: (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا) يدل على معنى
العبادة المستمرة وذلك لاتصال عبادة الأبناء بعبادة الآباء.
عندما قالوا لصالح عليه السلام: لقد كان لنا رجاء فيك، وكنت مرجوا فينا
لعلمك ولعقلك ولصدقك ولحسن تدبيرك. عندما قالوا هذا كانوا يلوحون
بالمنصب في حقيقة الأمر. وعندما لوحوا بالمنصب عرضوا مطالبهم عندما قالوا:
فكل شئ يا صالح إلا هذا، وما كنا نتوقع أن تقولها. فيا لخيبة الرجاء فيك (44)
وأمام الترغيب بالمنصب لوحوا بقبضتهم الحديدية في حالة رفض مطالبهم عندما
أخبروه أنهم في شك مما يدعوهم إليه شك يجعلهم يرتابون فيه وفيما يقول:
(وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب). وهكذا عرضت ثمود مطالبها. لقد
أرادت الأصنام رمز وحدتها القومية، فوضعت ما أرادت على سهم حديدي،
مقدمته رجاء إن أصاب هدفه تمت لهم السيطرة على الدعوة، وإلا فثقافة
التشكيك في مؤخرة السهم الحديدي من شأنها أن تقضي على الدعوة وتعود
بالقطيع إلى غابات الآباء.
أمام ثمود وقف صالح عليه السلام يرى معالم الضياع على وجوه القوم، هو
يدعوهم إلى الطهارة وهم يعملون من أجل إقامة سنن دولتهم، وهو قد حذرهم من
قبل أن لا يمسوا الناقة بسوء، وبايعوه على ذلك وها هو يرى علامات النكث ترى
بين طيات فقه التشكيك الذي لوحوا به، فقال لهم ردا على ما أثاروه: (يا قوم
أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة منه فمن ينصرني من الله إن عصيته
فما تزيدونني غير تخسير) (45). والمعنى: أخبروني. إن كنت مؤيدا بآية
معجزة تنبئ عن صحة دعوتي. وأعطاني الله الرسالة وأمرني تبليغ رسالته. فمن
ينجيني من الله ويدفع عني إن أطعتكم فيما تسألون ووافقتكم فيما تريدونه مني،
وما يريدوه مني هو ترك الدعوة (46). إن حرصكم من أجل أن أترك الدعوة وأرجع
إليكم لا يزيدني إلا خسارة. إن اللحوق بكم فيه غضب لله وحرماني شرف
الرسالة وخزي في الدنيا وعذاب في الآخرة وهذا كله خسارة بعد خسارة.
____________
(44) في ظلال القرآن: 1907 / 2.
(45) سورة هود، الآية: 63.
(46) الميزان: 313 / 10.
فطريقكم لا شئ فيه إلا التخسير. وبعد أن رفض عليه السلام أطروحاتهم،
وضع قضية الناقة أمام عيونهم، لأن رفضه لمطالبهم سيترتب عليه صد عن السبيل
وهذا الصد إذا اقترب من ناقة الله فستكون الكارثة بالنسبة لهم، فقال لهم:
(هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم
عذاب قريب) (47) أخبرهم بوضوح شديد، أن الناقة تأكل في أرض الله
محررة، وحذرهم أن يمسوها بسوء، بجرح، أو قتل أو حتى ضرب وأخبرهم
أنهم إن فعلوا ذلك أخذهم عذاب قريب معجل، وبرفضه عليه السلام لعرضهم
احترقت ورقة الاستكبار التي رغب بها صالح عليه السلام للدخول في دائرة الضوء
الثامودي.
2 - حملات التشكيك:
قبل ظهور معجزة الناقة آمن بصالح عليه السلام أصحاب القلوب الصافية
والعقول السليمة، وهؤلاء في الغالب من المستضعفين. آمنوا بمجرد أن دعا
صالح إلى الله تعالى، كما هو الحال مع سائر الأنبياء والرسل، أما رؤساء القوم
وشيوخهم فكانوا في شك من نبوة صالح عليه السلام ورسالته وصدقه في كل ما
يدعيه وبعد معجزة الناقة وخروجها من الصخرة حسب طلبهم وبعد اتفاقهم على
ذلك، آمنت منهم جموع كثيرة، ودخلوا في دائرة الاستبصار. ولكن الحال لم
يستمر على هذا طويلا. فظهور الناقة أمامهم يوم شربها أصبح عادة كما أن العديد
منهم ضاق ذرعا بالناقة نظرا لأن دوابهم كانت تخاف منها وتفر من طريقها رغم أن
الناقة لا تؤذيها. ومع طول الأمد بدأ الاغواء الشيطاني وإغواء النفس الأمارة
بالسوء، وتحرك الاستكبار من وراء الجدر ومن داخل الساحات العامة، وتحرك
الملحدين الجفاة الغلاظ، وجروا معهم ضعاف الإيمان وجماهير الغوغاء أهل
الطيش الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يعمل لهم رغيفا.
كان يعيش على أرض ثمود من رأى معجزة خروج الناقة وسمع الوصية بها،
ومن لم ير خروجها ولكنه سمع عنه وعن الوصية، ومن آمن بصالح عليه السلام
سواء رأى المعجزة أو لم يرها. وبالإضافة إلى هؤلاء كان على أرض ثمود عمالقة
____________
(47) سورة هود، الآية: 64.
الانحراف ومديري أجهزة الصد عن سبيل الله، ومن هذه الفئات جميعا تكون
حزبين، أو فريقين: فريق مؤمن، وفريق استحب العمى على الهدى، وقام
الفريق الثاني فريق الكفر باقتحام الساحة بشذوذه معلنا حملات التشكيك في
رسالة صالح عليه السلام والناقة أمام عيونهم في الطرقات.
وبدأ معسكر الباطل في العدوان يقول تعالى في تحركهم: (قال الملأ
الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا
مرسل من ربه؟ قالوا: إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي
آمنتم به كافرون) (48).
لقد وقف الاستكبار أمام رقعة الاستضعاف. ووجه حديثه إلى الذين آمنوا
بصالح. كي تصل رسالة الاستكبار بطريق غير مباشر إلى جموع المستضعفين في
ثمود، وكانوا في الغالب الأعم يلجأون إلى صالح ويسمعون منه، ولقد دل
سبحانه بيان قوله: (للذين استضعفوا) بقوله: (لمن آمن منهم) على أن
المستضعفين هم المؤمنون، وأن المؤمنين إنما كانوا من المستضعفين، ولم يكن
يؤمن به أحد من المستكبرين (49) فأمام رقعة الاستضعاف وقف الذين استكبروا
وطرحوا على المستضعفين سؤالا (أتعلمون أن صالحا مرسلا من ربه؟) إنه
سؤال التشكيك بعد أن طال الأمد إلى حد ما وأصبحت معجزة الناقة تخضع
للتراث، إن شاؤوا أضافوا إليه أساطير التشويه، وإن شاؤوا تركوه على حاله
ولتفعل الأموال ما تريد فإن لم يكن فالسياط، وأمام السؤال كان الجواب
(قالوا: إنا بما أرسل به مؤمنون) إنه جواب الثقة بالنفس. جواب من لا يخاف
التهديد والتخويف. لقد أعلنوا الإيمان بما أرسل به، وما أرسل به لا يخضع
لأساطير التشويه لأنهم على يقين من أمرهم. ولا يهتز أمام السخرية والاستنكار،
لأنه راسخ في أعماق الفطرة وأعماق الوجود، ولا يخاف من سياسات التجويع
والتخويف، لأن من عرف الحق لا يجوع ومن تمسك بالصبر لا يخاف. وأمام
هذا المشهد ألقى الاستكبار بورقته التي تحمل شهوة الملك (قال الذين
استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون) لم تعد القضية قضية الناقة، لقد كفروا
____________
(48) سورة الأعراف، الآيتان: 75 - 76.
(49) الميزان: 182 / 8.
بالصراط المستقيم وفقهه وبأنبياء الله ورسله، وتمرغوا لأصنامهم ولأهوائهم في
التراب، بعد أن كبر عليهم أن يصبحوا من رعايا الصراط المستقيم تحت قيادة
صالح عليه السلام، الذي كان في منتهى الحزن من أجلهم لأنهم قومه وقبيلته
وعشيرته، ولو أطاعوا ربهم لأصبحوا أحباءه. وبعد المفاصلة بين الإيمان
والكفر، بدأ أسلوب العصي الغليظة، وفي عالم العصي الغليظة تصبح الرحمة
شذوذا. وبدأ أسلوب التشهير والتجريح والتحقير، وتحت ثقافة من هذا النوع
تفقد الإنسانية إنسانيتها! لأنها فقدت غايتها، وبدأ فريق الاستكبار يقوم بتوسيع
دائرة تشكيكه. ولم يجد هذا الفريق ورقة يلعب بها غير ورقة التشاؤم، فأظهروا
ضيقهم بصالح وبالذين معه، تحت عنوان أنهم يرونهم شؤما عليهم، ويتوقعون
الشر من ورائهم. يقول تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا
الله فإذا هم فريقان يختصمون * قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا
تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله
بل أنتم قوم تفتنون) (50) يقول المفسرون:
لقد طرح صالح عليه السلام دعوته في حقيقة واحدة (أن اعبدوا الله)
فكانت النتيجة ظهور فريقان. فريق مؤمن وفريق كافر (51) فأما الفريق الكافر فلقد
استثمر مشاكله التي جاءت نتيجة لأفعاله في الصد عن سبيل الله، وذلك عندما
دعاهم صالح عليه السلام بأن يستغفروا الله لعله سبحانه أن يرحمهم. فقالوا له:
(اطيرنا بك وبمن معك) (أي ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا) لقد
تشاءمنا بك وبمن معك ممن آمن بك، وبما أن قيامك بالدعوة وإيمانهم بك،
قارن ما ابتلينا به من المحن والبلايا! فلن نؤمن بك ولن نستغفر (52)!
إنهم يشككون في صالح وأتباعه مستغلين أوضاعهم الاقتصادية في هذا
التشكيك. أي يستثمرون مشاكلهم في الصد عن سبيل الله، طامعين أن يعود
عليهم هذا الاستثمار بالنصر المظفر على صالح عليه السلام والذين آمنوا معه
(ألا بعدا لثمود) إن منطق التشكيك باستثمار المشاكل منطق غير سليم لأنه
____________
(50) سورة النمل، الآيات.: 45 - 47.
(51) ابن كثير: 367 / 3، البغوي: 290 / 6.
(52) الميزان: 373 / 15.
بالنسبة لثمود وهي أول من دق وتده في المسيرة البشرية، يستند على قاعدة غير
سليمة، وهي قاعدة التشاؤم، فالتطير والتشاؤم مأخوذ من عادات الأقوام الجاهلية
التي تجري وراء الخرافات والأوهام، ولقد كانوا يتشاءمون كثيرا بالطير، ولذا
سموا التشاؤم تطيرا. إنهم ليشككوا في الدعوة قالوا: (ما رأينا على وجهك
ووجوه من اتبعك خيرا)! إن هذا منطق أصحاب الجيوب المنتفخة والعقول
المنتفخة. وأمام منطقهم العاجز الذي نبت في تيه الوهم والخرافة. وقف صالح
عليه السلام. ليردهم إلى نور اليقين وإلى الحقيقة الواضحة، البعيدة عن
الضباب والظلام " قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون " والمعنى:
(طائركم الذي فيه نصيبكم من الشر عند الله، وهو كتاب أعمالكم، ولست أنا
ومن معي ذوي أثر فيكم حتى نسوق إليكم هذه الابتلاءات، بل أنتم قوم تختبرون
بهذه الأمور ليمتاز مؤمنكم من كافركم ومطيعكم من عاصيكم) (53).
وأمام منطق صالح عليه السلام وحججه الدامغة! بدأ الشيطان يقود قافلة
الانحراف بعد أن دعاها ولبت نداءه. وبدأت القافلة تخطط إلى ما هو أبعد من
التشكيك، كي تحتفظ بالقومية التي شيد آباؤهم خيامها في معسكر الانحراف.
* 6 - نظرات في حركة الناقة:
لقد حافظ الانحراف في كل رمز من رموزه من أيام ابن آدم الأول قاتل
أخيه. واحتوت خيامه على كل ثقافة للشذوذ وللتوثين تركها كفار قوم نوح وقوم
هود. ولم تحفظ ذاكرة ثمود معجزة ناقة خرجت من الصخر بلا أب وبلا أم،
ونسبها الله إلى نفسه وقال: (ناقة الله) لقد احتفظت ذاكرتهم بكل ما يبعدهم
عن الله، وأبت عقولهم إلا أن تشرب من أوعية الدنس والعار التي تحتوي على
ثقافة اتباع الهوى وطول الأمل.. تلك الثقافة التي خط الشيطان خطوطها
الأولى. فمن ثمود من شاهد الناقة وهي تخرج من الصخرة ومن ورائها يجري
ولدها، وسمع بأم أذنيه تحذير صالح عليه السلام من مساسها بأي سوء، ومنهم
من سمع ولم يشاهد. ولكن هذا وذاك في معسكر الانحراف. لا قيمة لسمعهم
____________
(53) الميزان: 373 / 15.
ولا قيمة لأبصارهم ولا قيمة في أولادهم ولا قيمة في أموالهم، لأنهم ركبوا بما
يضمرون في أنفسهم قطار الاستدراج الذي ينتهي بهم إلى محطة الاستئصال،
وهناك يقطع الله تعالى دابرهم فلا ترى لهم من باقية.
إن أتباع الانحراف لهم آذان لا يسمعون بها ولهم عيون لا يبصرون بها ولهم
قلوب لا يفقهون بها، لأنهم يستعملون حواسهم فيما لا يعود عليهم وعلى
الإنسانية بالسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، وهم ما فقدوا مقياس الاستعمال
الصحيح لحواسهم إلا بعد أن نسوا أو تعاموا عن الدليل الحق الذي يقودهم إلى
الطريق الحق، ومن كانت مقدمته النسيان أو التعامي عن الحق في أول الطريق
تمرغ في نهاية الطريق على أرض السراب بحثا عن الماء ولن يجد الماء! لأن
المقدمة كانت تقوم على نسيان الله ومن نسي الله في أول الطريق أنساه الله نفسه
على امتداد الطريق وانتهى أمره إلى الهلاك والله غني عن العالمين. وثمود نست
وتعامت ففقدت الدليل، والدليل يحدثها من كل جانب. يقول لهم قولا واحدا:
(يا قوم اعبدوا الله) ويحذرهم تحذيرا واحدا (هذه ناقة الله لكم آية فذروها
تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) (54) لقد كان لوجود
الناقة بينهم حكمة، ومن وراء هذه الحكمة هدف، إن الناقة كانت شيئا ماديا يروه
بأم أعينهم في طرقاتهم. كانت دابة على هيئة لم يألفوها، اختار عباقرتهم
وفقهاؤهم أوصافها بأنفسهم وأخرجها الله لهم من الصخرة التي عينوها أيضا
بأنفسهم، وهذا في حد ذاته دعوة للتدبر على امتداد أجيال ثمود، وإذا كانت
الناقة وهيئتها هي الجزء المادي من المعجزة! فإن أفعالها هي الشطر الثاني من
المعجزة وأفعال الناقة كانت حجة على الجميع من الطفل الرضيع وحتى الشيخ
الفاني. كانت حجة على الذي رأى وسمع والذي لم ير ولم يسمع من ثمود.
وكما أن الناقة بهيئتها معجزة تقود إلى الله الحق فإن أفعال الناقة كانت أيضا معجزة
تقود إلى الله الحق، وبما أن طريق الله الحق يبينه لثمود صالح عليه السلام! فإن
معجزة الناقة المادية والفعلية هدفها أن تقف ثمود منصتة إلى الرسول الحق الذي
يدلهم إلى الطريق الحق.
لقد كان عمل الناقة الوحيد أن تشرب يوما ولا يحضر شربها غيرها، وأن
____________
(54) سورة الأعراف، الآية: 73.
يشرب القوم يوما ولا يحضر شربهم غيرهم. وكانت الناقة إذا كان يوم شربها
خرجت بلونها البهي الجذاب لكونها حمراء شقراء وبراء، وسارت في الطرقات
بجسمها العظيم الضخم الذي تمتاز به عن غيرها من سائر نوق الدنيا، وتوجهت
إلى الماء فتشرب حتى إنها لم تبق لهم شيئا من الماء يوم شربها. كما كانت تتوجه
إلى المرعى فتأكل ما تشاء ولا يجوز لأحد منعها ومعارضتها، ثم تعود إلى حيث
تبيت دون أن تضر أحدا في نفسه أو زرعه وشجره. تعود كما خرجت وهي في
جميع تحركاتها لا تحتاج إلى حارس ولا سائس، وكانت سائر الدواب تخاف منها
عندما تراها خارجة للذهاب إلى الماء والمرعى أو عائدة إلى ديارها، كانت سائر
الدواب تخاف منها وتفر من طريقها وهي لا تؤذيها كما روي (55) أما في يوم شرب
القوم فإنها لا تقرب الماء يوم شربهم ولا تزاحمهم، هكذا من نفسها، لأن واقع
أمرها لا يدركه إلا الذي خلقها وسواها. وكانت عندما تعود لمبيتها يحلبونها، فلا
يبقى في بلدتهم صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها في ذلك اليوم. هكذا جرت
عليهم الأيام. يشربون لبن الناقة في اليوم الذي لا يشربون فيه الماء. ولا تأخذ
الناقة منهم شيئا في اليوم الذي لا يحق لها أن تشرب من الماء.
إن فقدان الماء في يوم وخاصة في عالم الصحراء. وبالأخص في عالم
ثمود الذي يقوم فيه العمال والجنود بنحت الصخور. يكون أمرا شاقا على مستوى
الفرد وعلى مستوى الدولة التي تريد أن تنفذ خطتها وفق أطروحة الآمال الطويلة،
وهو أمر شاق أيضا على سير التجارة وانتقال القوافل من هنا إلى هناك، لأن نقطة
بدء الرحلة يتحدد يومها وفقا للقسمة بين الناقة وبين القوم. كي تتزود القوافل
بالماء اللازم في اليوم المحدد لها. هذا إذا توفر لها الماء فعلا، نظرا لأن الناقة
في يومها كانت إما تشربه جميعا أو تشرب معظمه، وليس الماء فقط بل نبات
المراعي أيضا الذي تتزود منه القوافل ليكون زادا لدوابهم. باختصار كان في
فقدان الماء ليوم واحد فقط خطورة عظيمة تهدد أركان ثمود، وبما أن الماء في يد
القدرة الإلهية فكان أمام ثمود حلا واحدا لا بديل له. وهو الإيمان بالله وعبادته
وفقا لهذا الإيمان. وخطوط هذه العبادة تكمن في طاعتهم لصالح عليه السلام لأن
طاعته من طاعة الله.
____________
(55) ابن كثير: 228 / 2.
وثمود عندما كانوا في دائرة الاستبصار بعد خروج الناقة من الصخرة، كانت
الناقة لا تشرب من الماء إلا قليلا، وكلما ابتعدت ثمود عن دائرة الاستبصار، كلما
شربت الناقة، من الماء بقدر ابتعادهم، حتى جاء اليوم الذي انهار فيه
اقتصادهم. وتشاءموا من صالح عليه السلام. لقد كانوا يبتعدون. والناقة
بأفعالها تدعوهم إلى دائرة الاستبصار. وصالح عليه السلام بأقواله وأفعاله
يدعوهم إلى الهدى والطريق المستقيم يقول تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة
فظلموا بها) (56) قال المفسرون: (مبصرة) صفة للناقة. أي تدل ثمود إلى
الطريق الحق، وبأفعالها تدل على وحدانية من خلقها، وصدق رسوله الذي
أجاب الله دعاؤه فيها.. فالناقة كانت مبصرة، ومعجزتها ظاهرة البينة، لقد كانت
تتعامل مع الماء بحكمة فيها إعجاز تلتفت إليه ثمود، ولكن ثمود ركبت دواب
استعجال السيئات، ولم ينصتوا لصوت الحكمة الذي تبثه الناقة، ولا لصوت
العقل الذي يبثه صالح عليه السلام. لقد طالبهم بأن لا يستعجلوا بالسيئة قبل
الحسنة. لأن حضور السيئة يبعد عنهم الماء. وأمرهم بأن يستغفروا الله، لأن مع
الاستغفار يكون الماء. وبما أن الله تعالى جعلهم خلائف من بعد عاد، فصالح
عليه السلام لم يقل لهم إلا ما قاله هود لعاد: (يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا
إليه يرسل السماء عليكم مدرارا) (57) ولم يقل لهم إلا ما قاله نوع لقومه:
(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا) (58) إن
الناقة على الأرض مقياس للماء. ولله في خلقه شؤون. ولكن أصحاب الأدمغة
الفارغة، والأحلام التافهة، لم يفقهوا حقيقة الأمر، ورفضوا الاستغفار
واستثمروا أوضاعهم الاقتصادية المنهارة. التي يرجع سببها الرئيسي لكفرانهم
بالنعمة ولصدهم عن سبيل الله.. استثمروها في مربعات التشكيك بصالح
والذين معه، قائلين له: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا! (قال يا
قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا
اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون) (59).
____________
(56) سورة الإسراء، الآية: 59.
(57) سورة هود، الآية: 52.
(58) سورة نوح، الآيتان: 10 - 11.
(59) سورة النمل، الآيتان: 46 - 47.
لقد كانت الناقة دعوة للتأمل والتدبر. فخلقها عظيم مهيب، وكانت دعوة
للشكر، لأن على لبنها عاش القوم، وكانت دعوة للاستغفار من الذنوب. لأنها
مقياس للماء على أرض ثمود صاحبة الأعلام والجنود، كانت الناقة إشارة للذين
يحفرون الصخور طلبا للخلود. إشارة تقول إذا كان هناك قوم قد أهلكوا
بالطوفان! فليس بالضرورة أن يكون هلاك آخرين به. وقد يكون الهلاك في عدم
وجود ماء. (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) (60) إن
ذاكرة ثمود لم تع الحدث العظيم، لأنها استنقعت في أبوال إبل آباء معسكر
الانحراف، وعندما تناسوا أو تعاموا عن الحدث وحكمته ابتعدوا عن دائرة
الاستبصار، واقتربوا من دوائر الفتن، التي يجري على الهالك فيها قانون
الاستدراج وهو قانون يضرب كل مفتون وكل جبار يرفض التوبة والاستغفار. لقد
كانت الناقة علما بذاتها. علما يحمل لهم الخير. خيرا يدخل في أجوافهم.
وخيرا يدخل عقولهم لو تدبروا. وكانت الناقة جدارا يحميهم من الفتن لأنها
تردهم إلى صالح. لأنهم إذا سقطوا في الفتن بلا دليل. فلا أمل في نجاتهم.
وصالح عليه السلام حذرهم من الفتن التي ليس فيها دليل يقود حين قال لهم:
(طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون) (61) إن النجاة في عالم الفتنة لا تكون إلا
لأصحاب البصائر الذين يعلمون أن طائرهم عند الله، ولأنهم يبدأون طريقهم من
الله! فإنهم على امتداد الطريق تكون همتهم بالله وشغلهم فيه وفرارهم إليه،
وثمود قامت بحملات الترغيب والترهيب والتشكيك من أجل الصد عن سبيل
الله، وقال الذين استكبروا للذين آمنوا: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه
قالوا: إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به
كافرون) (62) وثمود لم يسمعوا للدليل الذي بعثه الله فيهم ليقودهم إلى الطريق
المستقيم. لم يسمعوا له حين قال لهم: (فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر
المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) (63) ولقد عصوا الله
وأطاعوا أمر المسرفين لأن معهم مصالحهم وفي أوعيتهم أهواءهم. وعندما عصوا
____________
(60) سورة الملك، الآية: 30.
(61) سورة النمل، الآية: 47.
(62) سورة الأعراف، الآيتان: 75 - 76.
(63) سورة الشعراء، الآيات: 150 - 152.
الله ورسوله ولم يتدبروا في معجزة الناقة كفرت ثمود. وفي عالم الكفر والظلام.
ركبت ثمود دواب المسرفين كي يصلوا بها إلى خيمة الآباء العتيقة في معسكر
الشذوذ والانحراف، وبينما هم في رحلة الانحراف اتخذت ثمود أخطر قراراتها.
ألا وهو قرار قتل الناقة! الناقة التي تساعدهم كي يستغفروا، وتساعدهم كي لا
يقعوا في بحور الفتن، وتدفعهم دفعا في اتجاه المبعوث فيهم. وبقرار ثمود قتل
الناقة، يكونون قد دخلوا في حرب مع الله، لأن على الناقة تحذير، وهذا
التحذير نقله إليهم صالح عليه السلام: (يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها
تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) (64) (قال هذه ناقة
لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم
عظيم) (65). لقد كانت الناقة لهم امتحان كما في قوله تعالى: (إنا مرسلوا
الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر) (66) فإذا كانت الناقة امتحان فإن الخروج عليها
جريمة. ولما كانت الناقة لها علاقة بالماء والنبات والزمان! فإن الخروج عليها
في حقيقة الأمر خروج على النظام الكوني الذي ترتبط أجزاؤه بعضها ببعض.
وعلى هذا يكون قرار ثمود جريمة ما بعدها جريمة. وما أكثر الجرائم التي ارتكبت
في عالم الفتن وظن أصحابها أنها إنما وقعت على أرضية لا يفسد فيها للود قضية،
هذا ظنهم ولكن الحقيقة أن هذه الجرائم من جنس الجريمة التي في ملف ثمود
ويترتب عليها بصورة أو بأخرى ما أصاب ثمود.
* 7 - سفك الدماء:
خرجت الناقة بلا حارس وبلا سائس في اليوم المحدد لها ومعها فصيلها
(ابنها) وروي أن ثمود مشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة
واستريحوا منها. لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم. ثم قالوا: من
الذي يقتلها ونجعل له جعلا ما أحب؟ فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق. ولد زنا
لا يعرف له أب. يقال له: قدار. شقي الأشقياء. شؤم عليه. فجعلوا له
جعلا. فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده. تركها حتى شربت وأقبلت
____________
(64) سورة هود، الآية: 64.
(65) سورة الشعراء، الآيتان: 155 - 156.
(66) سورة القمر، الآية: 27.
راجعة. فقعد لها في طريقها. فضربها بالسيف ضربة. فلم تعمل شيئا.
فضربها ضربة أخرى فقتلها. وخرت على الأرض على جنبها. وهرب فصيلها
حتى صعد إلى الجبل. فرغا ثلاث مرات إلى السماء (67) وروي أن جماعة تبعوا
فصيلها لما هرب منهم فرماه أحدهم بسهم فأصابه في قلبه. فسقط على الأرض
ثم جروه برجليه وأنزلوه. ووضعوا لحمه مع لحم أمه واقتسموه بينهم (68).
وروى ابن كثير أنها عندما شد عليها قدار بالسيف. خرت ساقطة إلى
الأرض. ورغت رغاء واحدا تخدر سقبها (فصيلها) ثم طعنها قدار في لبتها
فنحرها، وانطلق سقبها (فصيلها) حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه
ورغا.. وقال ابن كثير يقال إنه رغا ثلاث مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها.
ويقال: إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه (69) وبلغ الخبر صالحا عليه السلام. فجاءهم
وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك
وعد غير مكذوب) (70) وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء (71) وكان الله تعالى قد
أوحى إلى نبيه صالح: أن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثها الله إليهم حجة
عليهم، ولم يكن لهم منها ضرر. ولم يكن لهم فيها ضرر. وكان لهم أعظم
المنفعة، فقل لهم: إني مرسل إليهم عذابي إلى ثلاثة أيام. فإن هم تابوا
ورجعوا قبلت توبتهم.. وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في
اليوم الثالث.. فلما أبلغهم صالح عليه السلام الذي أوحاه إليه ربه. اشتدوا
وعتوا وتمردوا وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (72).
لقد عقروا الناقة وابنها. واقتسموا لحم الابن وأمه بينهم، لقد أكل القوم
ناقة الله! أكلوا ناقة الله! ما هذا؟ على أي درب من دروب الانحراف كان يقف
هذا النمط من بني الإنسان؟ وعندما أكلوا.. دعاهم نبيهم للاستغفار، فقالوا
____________
(67) الميزان: 315 / 10.
(68) كتاب الأنبياء: 106.
(69) ابن كثير: 229 / 2.
(70) سورة هود، الآية: 65.
(71) ابن كثير: 229 / 2، مروج الذهب.
(72) كتاب الأنبياء: 106.
كما قال كفار قوم نوح وقوم هود من قبل: (ائتنا بما تعدنا) فعلى أي شاطئ من
الوحل كان يقف هذا النمط؟ لقد خرجوا على الكون، والصخور التي صنعوها
لتكون لهم سكنا يحميهم من الرياح لن تقف حائلا بينهم وبين ما يستحقون من
عقوبة، ولن تبكي عليهم الأرض ولا السماء وسوف يلعنون على امتداد الرحلة
البشرية داخل معسكرات الذين آمنوا.
لقد عقروا ناقة الله، وعندما عقروها قال لهم الله: (تمتعوا)..
يا لعظمة الانتقام. (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) عقروا ناقة الله التي لا أب لها
ولا أم. الناقة التي خلقها الله عن طريق الإعجاز كما خلق آدم. لتكون حجة
عليهم ومقياسا للماء في ديارهم. وبعد أن عقروها. قال لهم رب العالمين العزيز
الصبور: (تمتعوا) يتمتعون في مدينتهم. ويتنعمون بالحياة. ويتلذذون
بأنواع النعم. ثلاثة أيام. يتمتعون بالحياة الرخيصة، التي صدوا عن سبيل الله
من أجلها، وقتلوا من أجلها ويتلذذون بما لديهم من نعم ظنوا أنها تقودهم إلى
السعادة! وبعد ذلك سيعلمون الحقيقة في وقت لا يجدي فيه الندم.
* 8 - محاولة قتل صالح عليه السلام:
عندما رفض القوم التوبة والاستغفار بعد قتل الناقة، وعدهم صالح عليه
السلام بالعذاب، وكان ذلك يوم الأربعاء يقول المسعودي: فقالوا له مستهزئين:
يا صالح متى يكون ما وعدتنا به من العذاب عن ربك؟ فقال: تصبح وجوهكم
يوم مؤنس (الخميس) مصفرة. ويوم العروبة محمرة. ويوم شبار مسودة. ثم
يصبحكم العذاب يوم أول (73) وعندما أعلن صالح عليه السلام عليهم هذا، كان
بالمدينة تسعة رهط (74)، وهم التسعة الذين أخبر الله عنهم في كتابه. بقوله.
(وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون) (75)، يقول
ابن كثير: عن هؤلاء التسعة إنهم كانوا كبراء ثمود ورؤساءهم (76). وقال
____________
(73) مروج الذهب: 48 / 2.
(74) الرهط الجماعة من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى الأربعين.
(75) سورة النمل، الآية: 48.
(76) ابن كثير: 367 / 3.
البغوي: كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح (77). فهؤلاء
الجبابرة اجتمعوا بعد عقر الناقة. وبعد أن أخبرهم صالح عليه السلام بالعذاب
الذي سيحل بهم. وأصدروا قرارا بقتل صالح عليه السلام. حتى يستطيعوا
العيش كما يريدون. ولا ينغص عليهم أحد هذا العيش. فلقد عقروا الناقة
وأكلوها، ولم يبق إلا الرسول والدعوة، فإذا قتل صالح، فلن يتبقى غير
المستضعفين. وهؤلاء تقومهم السيوف التي قتلت الناقة.
يقول المسعودي: فهم التسعة بقتل صالح وقالوا: إن كان صادقا (فيما
أخبرهم بالعذاب) كنا عاجلناه قبل أن يعاجلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه
بناقته (78). وقام الجبابرة بتحديد خطوات تنفيذ جريمتهم. وقد أخبر الله تعالى
عن خطوطها العريضة فقال: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض
ولا يصلحون * قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك
أهله وإنا لصادقون * ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) (79) قال
المفسرون: قال الرهط المفسدون وقد تقاسموا بالله. لنقتلن صالحا وأهله بالليل
(لنبيتنه وأهله) فالتبيت القصد بالسوء ليلا، وبعد عملية قتله يقولون لوليه إذا
حدث وعرفهم. ما شهدنا هلاك أهله. وفي هذا مكر منهم، لأنهم عندما ينفون
مشاهدتهم لمهلك أهل صالح عليه السلام فإنهم في نفس الوقت ينفون مشاهدة
مهلك صالح نفسه. وأيضا بنفيهم مشاهدة مهلك أهل صالح يضعهم في دائرة
الصدق أمام القوم، لأن الحقيقة أنهم شاهدوا مهلك صالح وأهله جميعا لا مهلك
أهله فقط.
إن ثمود تحرت الدقة في تنفيذها للجريمة كي يبدوا الجبابرة بملابسهم
الفاخرة أمام القوم في دائرة الصدق والشرف والمروءة (ومكروا مكرا ومكرنا
مكرا وهم لا يشعرون) أما مكرهم فهو التواطؤ على تبييته وأهله، والتبييت كما
ذكرنا السوء بالليل. وأما مكره تعالى. فهو تقديره سبحانه هلاكهم جميعا. يقول
المسعودي: فأتوه ليلا، فحالت الملائكة بينهم وبينه وأمطرتهم الحجارة ومنعه
____________
(77) البغوي: 291 / 6.
(78) مروج الذهب: 48 / 2، ابن كثير: 229 / 2.
(79) سورة النمل، الآيات: 48 - 50.
الله منهم (80) وقال ابن كثير والبغوي: قال هؤلاء التسعة بعد ما عقروا الناقة هلم
فلنقتل صالح، فإن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته.
فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله. فدفعتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطأوا على
أصحابهم. أتوا منزل صالح فوجدوهم (أي أصحابهم) منشدخين قد رضخوا
بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه،
ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا، وقد وعدكم أن العذاب نازل
بكم في ثلاث، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا، وإن كان كاذبا،
فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم (81).
(ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة
مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * (82) لقد ضربتهم الحجارة يوم الأربعاء.
اليوم الذي عقروا فيه الناقة. ضربتهم قبل قومهم، ليذوق القوم عذاب الذل.
وهو يرى جبابرته وشيوخه وسادته. يسبحون في بحر من الدماء أمام بيت صالح
عليه السلام. لقد قتلوا في الخلاء بعيدا عن بطون الجبال وأحشائها. وهم الذين
قضوا حياتهم يحفرون في الصخر ليوفروا لأنفسهم نوما آمنا ومعيشة آمنة. لقد
شاهدوا شيوخهم في العراء بعد أن أعطوهم بيعة إلى الأبد ليقتلوا بها كل طاهر
حتى يعيش الجبابرة وفقهاؤهم وجنودهم في أمان. فها هم الجبابرة محت
الحجارة ملامحهم، وها هم الغوغاء والرعاع الذين يرقصون مع كل قرد ينتظرون
ألوانا ثلاثة على وجوههم: صفراء، ومحمرة، ومسودة، وبعد ذلك يأخذهم
العذاب الأليم. كي يلحق التابع بالمتبوع.
* 9 - يوم الصيحة:
بعث الله تعالى في ثمود رسولا منهم فكذبوه. وأيد سبحانه رسوله فيهم بآية
مبصرة هي الناقة فعقروها، والله تعالى عندما يرسل آياته إنما يرسلها تخويفا
للناس ليحذروا بمشاهدتها عما هو أشد منها وأفظع. ولكن ثمود لم يخافوا وتقبلوا
العادة المتوارثة على ما هي عليه، عادة آبائهم كفار قوم نوح وقوم هود الذين قالوا
____________
(80) مروج الذهب: 48 / 2، البغوي: 293 / 6.
(81) ابن كثير: 368 / 3، البغوي: 293 / 6.
(82) سورة النمل، الآيتان: 50 - 51.
لكل رسول عندما أنذرهم عذاب الله: (ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)
وعندما وعدهم صالح عليه السلام بأن العذاب نازل بهم في ثلاثة أيام هموا بقتله
ولكن الله حال بينهم وبينه وأمطرتهم الحجارة. ومنعه الله منهم.
عندما أصبح القوم نظروا إلى وجوههم كما وعدهم صالح. فوجدوا اللون
الأصفر على وجوههم وهو علامة اليوم الأول. فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا:
قد جاءكم ما قال صالح. فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله
وإن كان عظيما. فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة. فمشى
بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح. فقال العتاة منهم
لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها! ولم
يتوبوا ولم يرجعوا! فلما كان اليوم الثالث أصبحوا وجوههم مسودة، فمشى
بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم أتاكم ما قال لكم صالح. فقال العتاة منهم: قد
أتانا ما قال لنا صالح (83).
وهكذا أدار الجبابرة العتاة معركتهم مع التوبة! لقد جرى في عروقهم الدم
والموت، ولكن الاستكبار الذي نقب الصخور! أقام الدليل على أنه التلميذ
الوفي لآبائه الذين كانوا بدورهم أوفياء للشيطان، وفي اليوم الأخير دقق العتاة في
كل شق بكل صخرة وبكل جدار، وعلموا أنهم لن يفعلوا بمشاعلهم شيئا في
الظلام.. وعندما أصبحوا من يوم الأحد. تغيرت الأجسام. وتيقن القوم صدق
الوعد وأن العذاب واقع بهم. فجلسوا ينتظرون نقمة الله وعذابه، لا يدرون ماذا
يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب؟ (84) وأوحى الله تعالى إلى صالح عليه السلام
بالخروج، وخرج صالح في ليلة الأحد من بين ظهرانيهم مع من خف من
المؤمنين فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين، وآتاهم العذاب يوم
الأحد (85) آتاهم جبرائيل عليه السلام فصرخ لهم صرخة خرقت أسماعهم وفلقت
قلوبهم وصدعت أكبادهم، وكانوا قد تحنطوا وتكفنوا في الأيام الثلاثة بعد أن
علموا أن العذاب نازل بهم لا محالة، فماتوا جميعا في طرفة عين. صغيرهم
____________
(83) الميزان: 316 / 10.
(84) ابن كثير: 229 / 2.
(85) مروج الذهب: 48 / 2.
وكبيرهم فلم يبق لهم ناعقة ولا رعية ولا شئ إلا أهلكه الله، فأصبحوا في ديارهم
موتى، وأرسل الله تعالى إليهم مع الصيحة نار من السماء فأحرقتهم
أجمعين (86).
قد ذكر الله تعالى أن سبب هلاكهم أنهم أخذتهم الرجفة فقال تعالى:
(فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) (87) وفي موضع آخر قال
سبحانه: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) (88) وفي موضع ثالث قال سبحانه:
(فأخذتهم صاعقة العذاب الهون) (89) والرجفة والصيحة والصاعقة دثار واحد
لعذاب واحد أحاط بالظالمين من كل مكان وهذا العذاب عنوانه العريض هو
الدمدمة. يقول تعالى: (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه
فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها) (90) والدمدمة
على الشئ: الإطباق عليه. يقال مثلا: دمدم عليه القبر. أي أطبقه عليه.
والدمدمة على ثمود أي شملهم الله بعذاب يقطع دابرهم بسبب ذنبهم. فسوى
الدمدمة بينهم. فلم يفلت منهم قوي ولا ضعيف ولا كبير ولا صغير. وتحت
عنوان الدمدمة تكون الصواعق التي لا تخلو عن صيحة هائلة تقارنها ومع هذا وذاك
ترتجف الأرض نتيجة لملامسة الاهتزاز الجوي الشديد لها، ونتيجة لذلك توجف
القلوب. وترتعد الأركان، فثمود جاء إليها العذاب الأليم من تحت دثار
الدمدمة، عذاب تحمله صاعقة سماوية اقتربت الصيحة هائلة ورجفة في الأرض
وفي قلوبهم. فأصبحوا في دارهم وفي بلدهم جاثمين ساقطين على وجوههم
وركبهم، لقد ضربتهم صيحة واحدة أصبحوا بعدها كالشجر اليابس كما أصبحت
. عاد من قبل كجذوع نخل خاوية. يقول تعالى: (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة
فكانوا كهشيم المحتظر) (91) أصبح العتاة وفقهاء الجبابرة كالشجر اليابس الذي
يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته.. إنه عدل الله، لقد عقروا ناقة الله،
____________
(86) الميزان: 316 / 10.
(87) سورة الأعراف، الآية: 78.
(88) سورة هود، الآية: 67.
(89) سورة فصلت، الآية: 17.
(90) سورة الشمس، الآيات: 13 - 15.
(91) سورة القمر، الآية: 31.
واستكبروا أن تأكل وتشرب في أرض الله، فجعلهم الله في مماتهم كشجر لا
يصلح إلا للدواب، ولقد رفعوا رقابهم أمام صالح عليه السلام وتطاولوا على
الذين آمنوا. فجعلهم الله في مماتهم ساقطين على وجوههم وركبهم. ولقد
شيدوا دورهم ومساكنهم داخل الصخور وتطاولوا بها على المستضعفين من الذين
آمنوا (فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون * فما استطاعوا من قيام وما كانوا
منتصرين * (92) أي ما تمكنوا من قيام من مجلسهم ليفروا من عذاب الله. وهو
كناية عن أنهم لم يمهلوا حتى بمقدار أن يقوموا من مجلسهم (93). لقد أطبق
العذاب على ثمود فلم يقدروا على دفع العذاب عن أنفسهم لا بأنفسهم ولا بناصر
ينصرهم.. لقد حفروا في الصخور كي يتجنبوا الرياح المهلكة التي أطاحت
بعاد. لكن العذاب جاءهم من طريق أسرع من الرياح. لقد حفروا في الصخور
مخافة الموت فجلسوا فيما حفروا ينتظرون الموت. بعد أن تأكدوا من أن الذي
وعدهم به صالح من عذاب آت لا ريب فيه. وأن عليهم أن يدفعوا ثمن خيانتهم
للفطرة ولأنفسهم وللرسول وللمعجزة وللكون كله الذي ساروا فيه في عكس
اتجاهه. لقد جلسوا وتحنطوا وتكفنوا ولم يعد في ثمود من يثق في أي قول يقال له
من العتاة الذين وثنوا الفطرة ومهدوا السبيل لثقافة الانحراف والشذوذ وصدوا عن
سبيل الله، لم يعد هناك من يثق في قول العتاة وذلك في وقت لن يجدي فيه
الندم، بعد أن أطاحوا بالتوبة والاستغفار يوم أن دعاهم نبيهم إليها.
كان كل فرد في ثمود لا يثق إلا في كفنه، ذلك الشر الذي يطرد الشر من
على صفحة هذه الأرض، وبينما هم في الأكفان جاءتهم الرجفة التي لم يعملوا
لها حساب وفقا لمقاييس فروع الهندسة في عالم العتاة. والرجفة هي الاضطراب
والاهتزاز الشديد كما يحدث في زلزلة الأرض وتلاطم البحر، وعندما ضربتهم،
الرجفة أصبحوا في بيوتهم جاثمين، والجثوم في الإنسان كالبروك في الإبل، لقد
برك الجبابرة وأتباعهم كل داخل دياره وعلى أبدانهم أكفانهم ليذوقوا عذاب
الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشد. جثوا في بطون الجبال (وكانوا
ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما
____________
(92) سورة الذاريات، الآيتان: 44 - 45.
(93) الميزان: 381 / 10.
كانوا يكسبون) (94) لقد جرى عليهم العذاب وفق ما يأذن به الله. وبينما كانت
الدمدمة تحيط بهم من كل جانب. كان صالح عليه السلام ومن معه لا يخافون،
لأنهم في رحاب الرحمة وداخل دائرة الأمن التي لا يشملها الغضب الإلهي
(وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا قي ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها
ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) (95) (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن
في ذلك لآية لقوم يعلمون) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) (96).
وذهبت ثمود. بعد أن جعلها الله عبرة لكل من يعرض عن آيات الله. لقد
كانت الناقة بينهم وتعيش على أرضهم وتنفعهم ولا تضرهم. ولكن قلوب الحجر
التي في الصدور أعرضت عن آيات الله. فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون إن
وجود آية بين الناس حجة بالغة. وقتل هذه الآية جريمة من أعظم الجرائم يترتب
عليها فتح أبواب الفتن وأبواب العقاب. لقد ذهبت ثمود ومن بعدها جاءت أمم
أخذت منها سلاحها وأقوالها وأفعالها. ثم قامت بتطوير هذه الأدوات وهذه
الثقافات وفقا للعصور التي ابتليت بهم. وقامت هذه الأمم ببناء أكثر من جرف
صخري وراء جدر النفس من أجل الصد عن سبيل الله، ولكن تحت السماء لا يفر
الظالمون.. واللسان والقلم في كل عصر مستعدان دوما لأن يحكيان القصة
الأخيرة عند المحطة الأخيرة لهذه الأمم. لأن سقوط الباطل علامة من علامات
الحق. فالباطل طارئ لا أصالة له في الوجود. والباطل مطارد من الله. ولا
بقاء لشئ يطارده الله. إن الباطل مهزوم مهزوم. ولن تبقى إلا آثاره التي تفوح
بالأبخرة النتنة الكريهة تلك الأبخرة التي أنتجها الضمير الآثم على مر العصور.
____________
(94) سورة الحجر، الآيات: 82 - 84.
(95) سورة هود، الآيتان: 67 - 68.
(96) سورة النمل، الآيتان: 52 - 53.
انحرافات قوم لوط عليه السلام
(قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)
سورة النمل، الآية: 56
المؤتفكة وأمطار بلا ماء
إنحراف الماء
مقدمة:
بعد استئصال ثمود ذكر القرآن الكريم قوم لوط. ولوط عليه السلام كان في
فاتحة دعوة إبراهيم عليه السلام.. فهو من السابقين الأولين ممن آمن بإبراهيم
عليه السلام، وهاجر معه إلى الأرض المقدسة، ثم بعثه الله تعالى إلى قومه في
المكان الذي استقر فيه. ولأن أحداث استئصال قوم لوط تتداخل معها بعض
مواقف إبراهيم عليه السلام. رأينا أن نسلط الأضواء على المسيرة الإبراهيمية
الطاهرة فيما يتعلق بمشاركتها لمسيرة لوط عليه السلام.
* قافلة الفطرة.
بعد نوح عليه السلام هاجرت القوافل من حول الجودي الذي استقرت عليه
سفينة نوح، فنزل عاد إلى الأحقاف ونزل ثمود إلى الحجر كما ذكرنا، وقال
المسعودي: " وسار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتى قطع نيل مصر ثم
افترقوا فسارت منهم طائفة ميمنة بين المشرق والمغرب وهم النوبة والبجة
والزنج، وسار فريق منهم نحو المغرب وهم أنواع كثيرة " (1).. " ونزل طسبم
وجديس ابنا لاوز بن أرام إلى اليمامة والبحرين ومعهما أخوهما عمليق بن لاوز بن
____________
(1) مروج الذهب: 2 / 3.
إرم. ومنهم العماليق. تفرقوا في البلاد ونزل أخوهم أميم بن لاوز أرض فارس.
ونزل ماش بن إرم بن سام بابل على شاطئ الفرات فولد نمرود بن ماش وهو
الذي بنى الصرح ببابل. وملك خمسمائة سنة. وهو ملك النبط. وفي زمانه فرق
الله الألسن. فجعل في ولد سام تسعة عشر لسانا، وفي ولد حام سبعة عشر
لسانا، وفي ولد يافث ستة وثلاثين لسانا، وتشعبت بعد ذلك اللغات وتفرقت
الألسن، وتفرق الناس في البلاد، وولد أرفخشد بن سام بن نوح شالخ. فولد
شالخ فالخ بن شالخ (الذي قسم الأرض وهو جد إبراهيم عليه السلام) وعابر بن
شالخ وابنه قحطان بن عابر وابنه يعرب بن قحطان. وقحطان أبو اليمن كلها وهو
أول من تكلم بالعربية لإعرابه عن المعاني وإبانته عنها، ويقطن بن عابر بن شالخ
هو أبو جرهم. وجرهم بنو عم يعرب، وكانت جرهم ممن سكن اليمن وتكلموا
بالعربية. ثم نزلوا بمكة فكانوا بها (2).
لقد تفرقت القبائل وتعددت الألسن، وتعددت دوائر الشذوذ وخطوط
الانحراف عن الصراط المستقيم، فكان إبراهيم عليه السلام رحمة من الله
للبشرية جمعاء، بعثه الله في هذا الاتساع الذي يموج بالفتن، ليكون أبا
للمسلمين وليواجه الانحراف ويبطل عقائد التعدد وربوبية النجوم والنار ويدعو إلى
عبادة الله الواحد. وإذا كان نوح عليه السلام يعتبر أبا للبشرية بعد الطوفان، فإن
إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء وإليه تنتهي أنسابهم. وإذا كان نوح قد نجاه الله
من الغرق لتبدأ البشرية صفحة جديدة، فإن الله سبحانه نجا إبراهيم من الحريق
إيذانا بمنطلق جديد للدعوة إلى الله في عالم البشر الفسيح - لقد كان نوح عليه
السلام بداية وكان إبراهيم عليه السلام بداية - والبداية هنا لا تختلف عن البداية
هناك، لأن كلا منهما من الصراط المستقيم وعليه يقول تعالى: (ولقد أرسلنا
نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة) (3) إنها البداية.. النبوة والكتاب،
فالله تعالى يخبر أنه منذ بعث نوحا عليه السلام لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من
ذريته. وكذلك إبراهيم عليه السلام لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل رسولا ولا
أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته (4) كما قال تعالى: (وجعلنا في
____________
(2) مروج الذهب: 37، 38 / 1.
(3) سورة الحديد، الآية: 26.
(4) ابن كثير: 5 (4 / 3).
ذريتهما النبوة والكتاب) والبداية عند إبراهيم عليه السلام لا تخرج إلا من البداية
عند نوح عليه السلام يقول تعالى: (سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك
نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين * وإن من شيعته
لإبراهيم) (5) والشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم.
وبالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم أو تأخر (6) (وإن من
شيعته لإبراهيم) أي من أهل دينه. وقيل: على منهاجه وسنته (7).
فنوح عليه السلام وذريته من أنبياء الله تصدوا للإستكبار الذي نقب الحجارة
وقال من أشد منا قوة؟ وتصدوا للإستكبار الذي تصدى لآيات الله وعقر الناقة فلم
تغن عنهم بيوت الحجارة من الله شيئا. وإبراهيم عليه السلام وذريته من أنبياء الله
تصدوا للإستكبار الذي انطلق من قلوب أشد قسوة من الحجارة. وتصدوا
للإستكبار الذي عقر كل فضيلة من وراء جدر النفس التي استولى الشيطان على
ملكاتها. وتصدوا للفتات الآدمي الذي اتخذ إلهه هواه. وإذا كان هنالك وفي
عصر نوح وذريته من أنبياء الله فتات رفض بشرية الرسول فإن في عصر إبراهيم
وذريته من أنبياء الله. يوجد أيضا هذا الفتات، وهذا الرفض انتهى آخر الأمر إلى
اتخاذ الأهواء آلهة. فألوهية الهوى ابن طبيعي لعقيدة رفض الرسول البشر،
فالذين رفضوا الرسول البشر لأنهم يماثلونه في البشرية ويملكون من زخرف الحياة
ما لا يملكه، ساقهم الشيطان إلى دائرة الأنانية والطمع ثم إلى دائرة حب الذات
فدائرة عبادة الذات والهوى. لقد أمسكوا بذيل الدنس الذي رفض السجود لآدم
بحجة أفضليته لأن الله خلقه من نار وخلق آدم من طين. والفتات الآدمي بدأ
بمقدمة تقول بأنه أفضل من الأنبياء وانتهى بنتيجة من جنس العمل هي عبادة
الذات والهوى، فإبراهيم عليه السلام وذريته من أنبياء الله جاؤوا ليحطموا هذه
الأوثان الآدمية آخر الزمان بعد أن حطموا حجارتها أول الزمان.
وإبراهيم عليه السلام هو الثاني من أولي العزم وأصحاب الشرائع العامة.
ويقول فيه تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من
____________
(5) سورة الصافات، الآيات: 79 - 83.
(6) الميزان: 147 / 17.
(7) ابن كثير 12 / 4.
المشركين) (8) كان عليه السلام على دين لم يكن عليه أحد غيره، كان أمة
وحده، عاش في طفولته في معزل عن مجتمع قومه، ثم خرج إليهم فوجدهم
يعبدون الأصنام. فلم يرض منهم ذلك، وبدأ عليه السلام يحاج أباه في عبادته
الأصنام، ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه، ولم يزل يحاجه ويلح عليه
حتى طرده وأوعده أن يرجحه إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء، ولم يكتف برفض
الأصنام في حدود البيت، وإنما كان يحاج القوم في أمر الأصنام كما جاء في سورة
الأنبياء والشعراء والصافات. ويحاج أقواما آخرين منهم، يعبدون الشمس والقمر
والكواكب. وشاع خبر إبراهيم في الانحراف عن الأصنام والآلهة، حتى خرج
القوم ذات يوم إلى عبادة جامعة خارج البلد، واعتل هو بالسقم فلم يخرج معهم
وتخلف عنهم، فدخل بيت الأصنام. وانطلق على آلهتهم ضربا باليمين. حتى
جعلهم جذاذا، إلا كبير لهم لعلهم يرجعون إليه، فلما عاد القوم وعلموا بما
حدث بآلهتهم وفتشوا عمن ارتكب ذلك، قال بعضهم: سمعنا فتى يذكر الناس
يقال له إبراهيم، فأحضروه إلى مجمعهم، وأتوا به على مشهد من الناس وبدأوا
يسألوه.. فقالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا
فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقد كان أبقى كبير الأصنام ولم يجذه ووضع الفأس
على عاتقه أو ما يقرب من ذلك ليشهد الحال على أنه هو الذي كسر سائر
الأصنام، وهو عليه السلام قال ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك، لأنهم
يعلمون أنه جماد، لكنه قال ما قال حتى يعترفوا بصريح القول بأن آلهتهم
جمادات لا حياة لهم ولا شعور، ولذلك لما سمعوا قوله، رجعوا إلى أنفسهم
فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، ثم نكسوا على، رؤوسهم. لقد علمت ما هؤلاء
ينطقون. قال: أفتعبدون من دون الله ما لا يضركم ولا ينفعكم. أف لكم ولما
تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون؟
وأقام الحجة الدامغة انطلق أصحاب الأدمغة الفارغة. فقالوا: حرقوه وانصروا
آلهتكم! فبنوا له بنيانا. وأسعروا فيه النار، ثم ألقوه فيها، فجعلها الله بردا عليه
وسلاما، وأبطل كيدهم. كما جاء في سورة الأنبياء والصافات، وقد تصدى عليه
السلام خلال هذه الأيام لملك البلاد وكان يعبده القوم ويتخذونه ربا! فحاج
____________
(8) سورة النحل، الآية: 12.
الملك إبراهيم في ربه. فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، فغالطه الملك
وقال: أنا أحي وأميت! أحضر من يستحق القتل وأطلق سراحه. فحاجه إبراهيم
بأصرح ما يقطع مغالطته فقال: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من
المغرب. فبهت الذي كفر كما جاء في سورة البقرة. ولما أنجاه الله من النار أخذ
عليه السلام يدعو إلى الدين الحنيف دين التوحيد. فآمن له فئة قليلة. وقد سمى
الله تعالى منهم لوطا. ومنهم زوجته التي هاجر بها. ثم تبرأ عليه السلام هو ومن
معه من المؤمنين من قومهم. وتبرأ هو من آزر الذي كان يدعوه أبا. ولم يكن
بوالده الحقيقي. بل كان عمه (9). وهاجر عليه السلام ومن معه وعلى رأسهم
لوط إلى الأرض المقدسة. ليدعو الله سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه
الجفاة الظالمين (10) يقول تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها
للعالمين) (11).
وأثنى الله تعالى على إبراهيم في كتابه أجمل ثناء، وكرر ذكر اسمه في نيف
وستين موضعا من كتابه. وإبراهيم اتخذه الله خليلا (سورة النساء،
الآية: 125) وكان صديقا نبيا (سورة مريم، الآية: 41) وجعله الله للناس
إماما (سورة البقرة، الآية: 124) وآتاه الله العلم والحكمة والكتاب والملك
والهداية وجعلها كلمة باقية في عقبه (سورة النساء، الآية: 54، سورة الأنعام،
الآيات: 74 - 90، سورة الزخرف، الآية: 28) وجعل له لسان صدق في
الآخرين (سورة الشعراء، الآية: 84 سورة مريم، الآية: 50) فهذه بعض من
المنح التي منحها الله تعالى لإبراهيم عليه السلام. الذي رفع لواء الفطرة في عالم
أقام دوائر للشذوذ في كل مكان ووضع حول هذه الدوائر عساكره وخيوله للصد عن
____________
(9) الدليل على أن آزر لم يكن والده أن إبراهيم عليه السلام تبرأ من آزر في أوائل دعوته كما
جاء في سورة التوبة، الآية: 114. ثم استغفر عليه السلام لوالديه وهو على كبر في
آخر عهده فقال: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) سورة
إبراهيم، الآية: 4. وآذر كان عم إبراهيم وليس والده. والعم يطلق عليه لفظ الأب
كما في قوله تعالى: (نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) ومعلوم أن
إسماعيل كان عما ليعقوب وقد أطلق عليه لفظ الأب.
(10) الميزان: 215 / 7.
(1) سورة الأنبياء، الآية: 71.
سبيل الله، وبينما كان إبراهيم والذين معه يرفعون راية الفطرة كان هناك في مكان
آخر قوم يعملون من أجل هدم الفطرة بتعطيلهم للنسل، وذلك عندما ارتكبوا
جريمة لم يسبقهم فيها أحد من العالمين!.
* 1 - النبي والانحراف:
1 - لوط عليه السلام:
كان لوط عليه السلام من كلدان في أرض بابل، ومن السابقين الأولين ممن
آمن بإبراهيم عليه السلام، آمن به وقال: إني مهاجر إلى ربي (سورة
العنكبوت، الآية: 21) فنجاه الله مع إبراهيم إلى الأرض المقدسة أرض
فلسطين (سورة الأنبياء، الآية: 71) يقول المسعودي: " وأرسل لوطا إلى
المدائن الخمس. وهي: سدوم. دعمورا. وادمونا. وصاعورا.
وصابورا " (12) ومدينة سدوم وما والاها من المدائن سماها الله في كتابه
بالمؤتفكات (سورة التوبة، الآية: 70) وكانوا يعبدون الأصنام، ويأتون
بالفاحشة: اللواط وهم أول من شاع فيهم ذلك (سورة الأعراف، الآية: 80)
فأرسل الله لوطا إليهم، فدعاهم إلى تقوى الله وترك الفحشاء والرجوع إلى طريق
الفطرة، وأنذرهم وخوفهم فلم يزدهم إلا عتوا.
ولوط عليه السلام هو ابن هاران بن تارح بن أخي إبراهيم الخليل عليه
السلام، كما ذكر أنه ابن خالته أيضا. وقد ذكر لوط في ثلاث عشر سورة من
القرآن الكريم. هي: الأنعام، الأعراف، هود، الحجر، الأنبياء، الحج،
الشعراء، النمل، العنكبوت، الصافات، ق، القمر، التحريم. والقرآن في
ذكره تارة يفصل وأخرى يوجز في بيان الأحوال، ولقد أثنى تعالى على نبيه لوط
ثناء جميلا فقال تعالى: (ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت
تعمل الخبائث إنهم كانوا قوما فاسقين * وأدخلناه في رحمتنا إنه من
الصالحين) (13).
____________
(12) مروج الذهب: 42 / 1.
(13) سورة الأنبياء، الآيتان: 74 - 75.
2 - الدعوة:
كان قوم لوط أهل لهو ولغو وفساد ودجل وباطل. فلقد خلعوا جلباب الحياء
فكانوا لا يخجلون من فعل القبيح الذي تأباه البهائم وتنفر منه جميع النفوس
البشرية من سابق ولاحق، وكانوا لا يستحي بعضهم من بعض أن يأتي بأفظع
المنكرات، فيجتمع كبيرهم وصغيرهم والأب والابن والسيد والعبد منهم على
نكاح الرجل الغريب واللواط به، ولو في محضر نسائهم وبناتهم. ويتعاقبون
الآخر بعد من سبقه.. ولقد بعث فيهم لوط عليه السلام بعد أن اهتدى بهدى
إبراهيم وتبعه في هجرته ثم افترقا ليعملا بما فرضه الله تعالى عليهما من نشر
الفضائل ونصح الناس وإرشادهم وتبليغهم التكاليف، وكان لوط عليه السلام غاية
في الكرم واستمساك بالزمام ورعاية بالجار والنزيل، فقد بالغ في جهاد الملحدين
ودفع أذاهم، وكان قومه إذا وفد إليهم أحد من الناس وثبوا إليه ليفضحوه ويسلبوا
ماله. فكان عليه السلام يحجز بينهم ويدافعهم ويمنعهم عنه. ويحذر الوافد سوء
معاملتهم حتى لقي منهم ما لقي من التهديد والأذى ولم يكن له فيهم من ناصر،
وكان من أشد الناس إليه أذى: زوجته، فكانت هي عينا لقومها على زوجها،
فكانت كافرة، ولم تؤمن بالله ولا برسوله، فلذلك أهلكها الله تعالى معهم وأصابها
ما أصابهم (14).
وفي هذا الانحراف الساقط ووسط هذا الشذوذ الذي يحيط به الدنس والعار
من كل اتجاه، أطلق لوط عليه السلام صيحاته محذرا، ولكن بجاحة الشهوة لا
سمع لها ولا بصر ولا فؤاد، لقد دار القوم ضد حركة الكون وخرجوا على كل ما
فيه. لقد خلق الله الذكر والأنثى. وجهز كل صنف من الصنفين بأعضاء وأدوات
ومن يتأمل في صنع الله، وإلقائه تعالى غريزة الشهوة في كل منهما والجمع بينهما
بالنكاح. يعلم أن الحكمة من وراء ذلك هي التناسل الحافظ لبقاء النوع حتى
حين، فالرجل مخلوق للمرأة لا لرجل مثله، والمرأة مخلوقة للرجل لا لامرأة
مثلها، والنظرة الإنسانية تهدي إلى ازدواج الرجال بالنساء دون الرجال. وازدواج
النساء بالرجال دون النساء، ولكن القوم أقاموا جدرا داخل نفوسهم فلم يتدبروا.
وأقاموا أسوارا عالية من السحب الداكنة السوداء حول الفطرة فلم يسمحوا لشعاع
____________
(14) كتاب الأنبياء: 158، 174.
من نور يخرج منها ليهديهم، لقد أقاموا الأصنام بداخلهم وطغت أهواؤهم تحت
جلودهم في مستنقع من أبوال الشياطين. وفي هذا المستنقع أصبحت الفاحشة
سنة قومية. الخارج عنها خارج عن القانون! وبدأ لوط عليه السلام دعوته
بالطريقة التي يبدأ بها رسل الله يقول تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين * إذ
قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما
أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) (15) لقد كذبوا جميع
المرسلين، لأن الذي يكذب واحدا منهم يكون في الحقيقة قد كذبهم جميعا.
ولوط عليه السلام عندما دعاهم. دعاهم أولا إلى تقوى الله. وأخبرهم بأنه أمين
لا يغشهم. وأن طاعته من طاعة الله. ولأنه الأمين على ما يحمله إليهم من دعوة.
فهو لم يسألهم على ما يدعوهم أجرا وجزاء. حتى لا يتهموه بأنه يطلب نفعا يعود
إليه. وهو أيضا لا يدعوهم من غير جزاء مطلوب. فدعوته ليست عبثا. ولكنه
إنما يطلب الجزاء من الله رب العالمين. ثم بدأ عليه السلام يبث نداء الفطرة لعل
النداء يقرع مسامعهم. فقال: (أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق
لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) (16) والمعنى: أتأتون أنتم من بين
العالمين هذا العمل الشنيع (17). فيكون في معنى قوله في موضع آخر: (ما
سبقكم بها أحد من العالمين) (18). (أتأتون الذكران من العالمين)
الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والذكران جمع ذكر مقابل الأنثى. وإتيانهم كناية
عن اللواط، والعالمين جمع عالم وهو الجماعة من الناس. أتأتون الذكران
وتتركون ما خلق الله لكم من أزواجكم؟ إنكم بهذا تكونون خارجين عن الحد
الذي خطته لكم الفطرة. عندما قال لهم لوط ذلك، لم يقولوا له ما أنت إلا بشر
مثلنا، ولم يسألوه أن يأتيهم بمعجزة تثبت أنه رسول من الله. لم يسألوا شيئا من
هذا، لأن عقولهم هناك في مباول الشيطان وأفعالهم ضد البشرية لأنها تؤدي إلى
إهمال طريق التناسل. إن القوم يعبدون الأوثان ويأتون الذكران ولا رد عند من هذا
شأنه لذا كان ردهم الوحيد على لوط عليه السلام عندما أراد أن يردهم إلى رحاب
____________
(15) سورة الشعراء، الآيات: 160 - 164.
(16) سورة الشعراء، الآيتان: 165 - 166.
(17) الميزان: 109 / 15.
(18) سورة الأعراف، الآية: 80.
الفطرة: (لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من
القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون) (19).
لقد لوح أهل الدنس بالقبضة الحديدية في وجه رسول الله، أخبروه بأنه إذا
لم ينته ويكف عن مواعظه ودعوته لهم بترك ما هم عليه، فسيكون من المنفيين من
قريتهم. فكان رده عليه السلام: إني لا أخاف الخروج من قريتكم ولا أكترث
به. بل مبغض لعملكم (20) راغب في النجاة من وباله النازل بكم لا محالة. ثم
دعا عليه السلام ربه أن ينجيه من أصل عملهم الذي يأتون به بمرأى ومسمع منه.
فهو منزجر منه، أو من وبال عملهم والعذاب الذي سيتبعه لا محالة، ولم يذكر
عليه السلام إلا نفسه وأهله إذ لم يكن آمن به من أهل القرية أحد (21)!
* 2 - استعجال العذاب:
لبث لوط في قومه ثلاثين سنة، يدعوهم إلى الله عز وجل. وكانوا لا
يتنظفون من الغائط ولا يتطهرون من الجنابة (22) ولم ييأس لوط عليه السلام من
دعوتهم، وكانوا قد حذروه من قبل أنه إذا لم ينته فسيطرد من القرية! لقد أراد
أصحاب الدنس أن يقطعوا شعاع الرحمة النازل من السماء، وليس في الوجود
أشد حمقا من مثل هؤلاء. إنهم ينامون في الدنس والعار، ولا يريدون أن
يستيقظوا على صوت يدعوهم إلى التفكير في أحوالهم من منطلق فطري. حتى
ولو كان هذا صوت الوحي! إن هذا النوع من الناس ضيق الأفق لا يرى الأمور إلا
من وجهة نظر واحدة هي وجهة نظر الشيطان، ويكفيهم عارا أن الشيطان زين لهم
أدبار الذكران وغواهم في هذه الجزئية، فاعتبروها دستورا لحياتهم. لقد طالبوا
لوطا عليه السلام بالصمت لكن لوطا نبي ليس له إلا أن يبلغ رسالة ربه. وعندما
قام لوط بالبلاغ أصدروا عليه قرار الطرد! يقول تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه
أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل
أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم
____________
(19) سورة الشعراء، الآيات: 167 - 169.
(20) البغوي 235 / 6، ابن كثير: 345 / 3.
(21) الميزان: 310 / 15.
(22) كتاب الأنبياء: 162.
إنهم أناس يتطهرون) (23).
لقد خاطب الإحساس فيهم، فقال: (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون)
أي وأنتم في حال يرى بعضكم بعضا وينظر بعضكم إلى بعض حين
الفحشاء!! (24) (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم
تجهلون) أي بل أنتم قوم مستمرون على الجهل ولا فائدة في توبيخكم والإنكار
عليكم (25) فماذا كان جواب القوم؟ أعلنوا إعلانهم بإخراج آل لوط من القرية.
وسبب قرار الطرد: أن آل لوط يتنزهون عن هذا بالعمل (26) أو يتحرجون من فعل
ما تفعلونه ومن إقرارهم على صنيعهم، فإخراجهم من بين أظهرهم فإنهم لا
يصلحون لمجاورتهم في بلادهم (27)!! وقرار الإخراج ورد أيضا في سورة
الأعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين
إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون * وما كان جواب
قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) (28).
أخبرهم أن ما يفعلوه لم يفعله أحد من الأمم والجماعات من قبل، وأنهم
بهذا العمل تعدوا على سبيل الفطرة، فترك سبيل النساء والاكتفاء بالرجال إسراف
وجهل لأنه وضع للشئ في غير محله. ولم يكن يجد القوم جوابا على خطاب
لوط. لقد كان خطاب لوط فيهم (إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)
فجاءت إجابتهم عليه: (أخرجوهم من قريتكم) لقد وضعوا ما ليس بجواب
موضع الجواب وفي هذا دلالة على سفههم. وعندما أصدروا قرار الطرد أنذرهم
لوط عليه السلام بالعذاب يقول تعالى: (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا
بالنذر) (29) أي خوفهم أخذنا الشديد فجادلوا في إنذاره وتخويفه (30) ولم يلتفتوا
____________
(23) سورة النمل، الآيات: 54 - 56.
(24) الميزان: 376 / 5، البغوي: 594 / 6، ابن كثير: 694 / 6.
(25) الميزان: 376 / 15.
(26) الميزان: 376 / 5.
(27) البغوي: 294 / 6، ابن كثير: 368 / 3.
(28) سورة الأعراف، الآيات: 80 - 82.
(29) سورة القمر، الآية: 36.
(30) الميزان: 81 / 19.
إلى ذلك ولا أصغوا إليه بل شكوا فيه (31).
وفي عالم الجدل العقيم اتسعت دائرة الشذوذ أكثر فأكثر وبدأ القوم يعملون
من أجل تصدير فاحشتهم، فقطعوا الطرق وعندما ابتعد المارة عن طرقهم حين
شاع أمرهم صاروا يطلبون الرجال من البلاد، ويدفعون على ذلك المال (32).
وعند هذا الحد أنذرهم لوط عليه السلام العذاب الأليم، لأن القوم بدأوا يحاربون
الفطرة في أرض الله الواسعة، لكنهم كعهدهم لم يسمعوا ولم ينصتوا إلى صوت
الحق. وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يأتي قوم لوط فيقول لهم: أنهاكم الله
أن تعرضوا لعقوبته. فلم يطيعوه (33) وأنذرهم لوط عليه السلام الإنذار الأخير.
وكان جوابهم عليه هو أيضا الجواب الأخير (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون
الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون
السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله
إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين) (34).
لقد كشف لوط عليه السلام عن الأهداف التي ستنتهي إليها أقدام هذا
الفتات الآدمي المهلهل. الذي شق فيه الشيطان شقوقه وقدم له حلول قضاياه.
فأخبرهم أن فعلهم هذا سيؤدي إلى إهمال طريق التناسل. وهذه جريمة لا تعادلها
جريمة. كما أن فعلهم هذا سيؤدي إلى ثقافة تكون وصمة عار في جبين البشرية.
قال المفسرون: قوله: (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل) هذا
السياق يشهد أن المراد بإتيان الرجل اللواط وبقطع السبيل إهمال طريق التناسل
وإلغاؤها وهي إتيان النساء، فقطع السبيل كناية عن الإعراض عن النساء وترك
نكاحهن (35) فقطع النسل دوران في عكس اتجاه حركة الوجود. وعدم الاستقامة
مع حركة الكون يؤدي إلى الضرب وعذاب الاستئصال. أما الورقة الثقافية التي
ستنتج عن جريمة قوم لوط. يقول المفسرون: قوله: (وتأتون في ناديكم
____________
(31) البغوي: 137 / 8.
(32) كتاب الأنبياء: 162.
(33) ابن كثير: 454 / 3.
(34) سورة العنكبوت، الآيات: 28 - 30.
(35) الميزان: 123 / 15، ابن كثير: 389 / 6، البغوي: 389 / 6.
المنكر) النادي هو المجلس الذي يجتمعون فيه. ولا يسمى ناديا إلا إذا كان فيه
أهله. فوسط الأهل يأتون بالفحشاء أو بمقوماتها الشنيعة على مرأى ومسمع من
الجميع (36) إنها ورقة ثقافية قابلة للتصدير في عالم يعج بالأوثان والشهوات
والرقيق والأهواء. وقيل إن المراد بقطع السبيل: قطع سبيل المارة بديارهم،
فإنهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم، وكانوا يرفعون ابن السبيل
بالخذف. فأيهم أصابه كان أولى به. فيأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة
دراهم وكان لهم قاض يقضي بذلك (37)! ولكن السياق يقضي بخلاف ذلك.
وقد يكون قد فعلوا ذلك. ولكن قطع السبيل بإهمال طريق التناسل وإلغاؤها هو
الذي تدل عليه آيات القرآن في أكثر من موضع كما سيأتي وقيل إن إتيان المنكر في
النادي هو أن مجالسهم كانت تشتمل على أنواع المنكرات والقبائح مثل الشتم
والسخف والقمار وخذف الأحجار على من مر بهم وضرب المعازف والمزامير
وكشف العورات واللواط (38).
لقد بين لهم لوط عليه السلام أن عملهم يقطع النسل ويشوه الوجه البشري
خزيا وعارا. لكن القوم لم يروا أن في هذا إخلالا بالشرف لأنهم لا يعرفون ما هو
الشرف. وأصروا على أن يكتبوا أسماءهم في قائمة الاستئصال وهم مختارون
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) لقد
استهزء أهل اللواط وسخروا، كما استهزء من قبلهم الأكثر منهم فحولة وذكورة.
وأمام طلبهم لم يملك لوط عليه السلام إلا أن يقول: (رب انصرني على القوم
المفسدين) دعاء منه عليهم. وقد عدهم مفسدين لعملهم الذي يفسد الأرض
ويقطع النسل ويهدد الإنسانية بالفناء (39).
* 3 - ملائكة البشرى والعذاب:
كان إبراهيم عليه السلام في مكان قريب من مكان القوم الذين أرسل إليهم
لوط عليه السلام، فبعد ارتحالهم من العراق إلى بلاد الشامات وفلسطين، استقر
____________
(36) - الميزان: 123 / 15.
(37) ابن كثير: 389 / 6.
(38) البغوي: 389 / 6.
(39) الميزان: 124 / 15.
لوط عليه السلام في بلاد الأردن على الأظهر، وكانت قريته التي حل بها وسكنها
اسمها (سدوم) ويجاورها قراها الخمس. وذكر المسعودي: " أن هذه بلاد بين
تخوم الشام والحجاز مما يلي الأردن وبلاد فلسطين إلا أن ذلك من خير
الشام " (40) فهذا مكان لوط عليه السلام. أما مكان إبراهيم عليه السلام فكان في
قلب الأرض التي بارك الله حولها في فلسطين. فالمسافة كانت تسمح بالتزاور
بينهما. والذي نقصده من قرب المسافة أن نضع مكان إبراهيم ومكان لوط على
لوحة واحدة، وننظر فيها بإمعان فإبراهيم عليه السلام هناك كان قد مسه الكبر،
وكانت زوجته عجوزا عقيما. وقضية أن يكون لهما ولد قضية بمقاييس البشر
مستحيلة. فالولد من رجل مسه الكبر وامرأة عجوز عقيم لا يأتي إلا بمعجزة خارقة
للعادة وبأمر (كن) هذا هو الحال في فلسطين، أما في سدوم فالأمر مختلف،
فهناك اتفاق شيطاني للقضاء على النسل. فالغلام والشاب والرجل والكهل.
ردوا على رسالة لوط إليهم بطريقة عملية تستقيم مع طريقة الذين رفضوا البشر
الرسول من قوم نوح وعاد وثمود، فالأوائل رفضوا بشرية الرسول لأنهم يمتلكون ما
لا يمتلكه الرسول، أما قوم لوط فرفضوا البشرية جمعاء بقطعهم السبيل، وهذا
الرفض صورة معدلة من الرفض الشيطاني حين أمر بالسجود لآدم فقال: أنا خير
منه! فالصورة الشيطانية لفقه أنا أخير منه ارتدى أكثر من رداء على امتداد المسيرة
البشرية وجميع الأردية تصب في هدف واحد هو الصد عن سبيل الله.
إذ إبراهيم عليه السلام يقف على أرضية جدباء لا ولد فيها وهو ممتلئ
بالرضا، وقوم لوط هناك يقفون على أرضية يمكن أن يكون عليها الخصب والولد
ولكنهم أسرفوا وأفسدوا وقالوا لنبيهم ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. لقد
وقفوا في خندق المحاربة لله. ومن حارب الله قصمه الله وقطع دابره. إن الله
تعالى لم يخلق شيئا إلا لهدف ومن وراء هذا الهدف حكمة. وما تسقط من ورقة
في هذا الكون الفسيح إلا يعلمها. لقد انطلق إبراهيم ولوط من العراق إلى
الأرض الجديدة رافعين راية التوحيد والفطرة وعلى رقعة واحدة بدأ كل منهما في
تنفيذ ما أمره الله تعالى به. إبراهيم في أعلى الشامات يرفع راية التوحيد والفطرة
ولوط في أدنى الشامات يرفع نفس الراية وسط فتات آدمي مهلهل زين له الشيطان
____________
(40) مروج الذهب: 42 / 1.
   |