الصفحة 138
وغواه واحتنكه وأذله. وبين الرايات جاء حكم الله أن الشيخ الفاني والعجوز العاقر ينجبان الولد. ويبشران بعد الولد بولد. وأن الفتات الآدمي مقطوع دابره والله غني عن العالمين. لا وجود الشباب يغنيه ولا وجود الشيوخ يفقره. فسبحان الذي لا يحتاج إلى حمد الحامدين وشكر الشاكرين. وعندما قضى الله بالولد في أعلى الشامات وبالعذاب في أدناها حملت الملائكة خبر البشرى والعقاب.

1 - خبر البشرى:

أنذر لوط عليه السلام قومه من بطش الله، فقالوا ائتنا بعذاب الله، ونزلت الملائكة ومعهم ما طلبه القوم، لكنهم قبل أن يصبوه على أهل الفحشاء والمنكر والدنس نزلوا أعلى الشامات بالبشرى على إبراهيم خليل الله. يقول تعالى:

(هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون * فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم) (41) قال المفسرون: عندما دخلوا على إبراهيم جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة.

ولم يمنن عليهم أولا فيقول نأتيكم بطعام؟ بل جاء به بسرعة وخفاء. وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتى سمين فقربه إليهم. لم يضعه وقال اقتربوا. بل وضعه بين أيديهم. ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال (ألا تأكلون) على سبيل العرض والتلطف (42). وإبراهيم عليه السلام فعل ما فعل عندما رأى هيئتهم الحسنة عندما مروا عليه وسلموا عليه وهم معتمون. عندئذ قال إبراهيم: لا يخدم هؤلاء إلا أنا نفسي وكان عليه السلام صاحب ضيافة. وعندما شوى العجل وقربه إليهم. رأى أيديهم لا تصل إليه. فنكرهم وأوجس منهم خيفة. فلما رأى جبرائيل عليه السلام ذلك. حسر العمامة عن وجهه. فعرفه إبراهيم: فقال: أنت هو؟ قال: نعم (43) ثم قالوا له: لا تخف وبشروه بغلام عليم فبدلوا خوفه أمنا وسرورا (44).

____________

(41) سورة الذاريات، الآيات: 24 - 28.

(42) ابن كثير: 235 / 4.

(43) الميزان: 328 / 10.

(44) الميزان: 378 / 15.

الصفحة 139
فماذا كان موقع البشرى على الشيخ الذي مسه الكبر وزوجته العجوز العقيم؟ فأما إبراهيم عليه السلام فقد قال: (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) (45) قال المفسرون: تلقى إبراهيم عليه السلام البشرى وهو شيخ كبير هرم. لا عقب له من زوجه ولذا تعجب من قولهم. واستفهمهم.

كيف يبشرونه بالولد وحاله هذه الحال وزوجه عجوز عقيم. والمعنى: إني لأتعجب من بشارتكم إياي. والحال أني شيخ هرم فنى شبابي وفقدت قوى بدني. والعادة تستدعي أن لا يولد لمن هذا شأنه (46) وأمام تعجب إبراهيم قالوا (بشرناك بالحق) أي أن بشارتنا ملازمة للحق غير منفكة منه. فلا تدفعها بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمة الله. فقال إبراهيم: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) أي أن القنوط من رحمة الله ما يختص بالضالين. ولست أنا بضال فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد (47).

أما موقع البشرى على زوجة الخليل. فإنها عندما سمعت (قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) (48) لقد وجدت نفسها أمام مفاجأة. فما لبثت أن قالت بكلمات (يا ويلتي) (أألد وأنا عجوز) (وهذا بعلي شيخا) ثم أجملت (إن هذا لشئ عجيب) ومورد التعجب أنها لما سمعت بشارة الملائكة. تمثل لها الحال. كيف يولد ولد من عجوز عقيم وشيخ هرم بالغين في الكبر ولا يعهد من مثلهما الاستيلاد فهو أمر عجيب. ولقد أنكرت الملائكة تعجبها وقالوا: (أتعجبين من أمر الله) أضافوا الأمر إلى الله لينقطع بذلك كل استعجاب واستغراب لأن ساحة الألوهية لا يشق شئ عليها فهو سبحانه الخالق لكل شئ. ثم نبهوها بقولهم: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) وذلك لأن الله أنزل رحمته وبركاته عليهم أهل البيت. فليس من البعيد أن يكون من ذلك

____________

(45) سورة الحجر، الآيات: 54 - 56.

(46) الميزان: 181 / 12، ابن كثير: 554 / 2.

(47) الميزان: 181 / 12، البغوي: 22 / 5.

(48) سورة هود، الآيات: 72 - 73.

الصفحة 140
تولد مولود من والدين في غير سنهما العادي المألوف لذلك (إنه حميد مجيد) فهو تعالى مصدر كل فعل محمود ومنشأ كل كرم وجود، يفيض من رحمته وبركاته على من يشاء من عباده (49).

إن مولودا في أعلى الشامات أفضل عند الله من ملايين الملايين في أماكن أخرى. فالحق لا يغلب بالكثرة ولا يغلب لقلة، وطاهر واحد من صلب خليل الله خير من الدنيا وما فيها، وإنجاب الولد من والدين بالغين في الكبر صفعة على وجوه الأغبياء الذين لا يتدبرون في آيات الله ويدورون عكس دوران الوجود الذي لا يدور إلا على محور الفطرة.

2 - خبر العذاب:

لما ذهب عن إبراهيم عليه السلام ما اعتراه من الخيفة بعد أن تبين أن النازلين به لا يريدون به سوءا ولا يضمرون له شرا. وبعد أن جاءته البشرى بأن الله سيرزقه وزوجه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. وبعد أن بدل الملائكة خوف إبراهيم أمنا وسرورا قال إبراهيم للملائكة: (ما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين) (50). قال المفسرون: والمعنى (قال) إبراهيم عليه السلام (ما خطبكم) والشأن الخطير الذي لكم (أيها المرسلون) من الملائكة (قالوا) أي الملائكة لإبراهيم (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) نكروهم ولم يسموهم صونا للسان عن التصريح باسمهم تنفرا منه. ومستقبل الكلام يعينهم من هم. وذلك عندما استثنوا في موضع آخر وقالوا: (إلا آل لوط) أي لوط وخاصته فظهر بذلك أن القوم قومه. وإذا كان الملائكة هنا لم يسموا القوم، فإنهم في موضع آخر لم يسموا القرية التي يسكنها القوم صونا للسان عن التصريح باسمها تنفرا منه، فقالوا لإبراهيم عليه السلام: (إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين) (51) قال المفسرون: والإتيان بلفظ الإشارة القريبة - هذه القرية - فيه

____________

(49) الميزان: 325 / 10.

(50) سورة الذاريات، الآيات: 31 - 34.

(51) سورة العنكبوت، الآية: 31.

الصفحة 141
دلالة على قربها من الأرض التي كان إبراهيم عليه السلام نازلا بها. وهي الأرض المقدسة. وبعد أن أخبر الملائكة إبراهيم عليه السلام بأنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين وأنهم مهلكوا أهل هذه القرية لأن أهلها كانوا ظالمين. أخبروه بالقوة التدميرية التي سيصبونها على رؤوس الظالمين فقالوا: (لنرسل عليهم حجارة من طين) طينا متحجرا سماه الله سجيلا (مسومة) معلمة (عند ربك للمسرفين) تختص بهم لإهلاكهم (52).

عندما سمع إبراهيم هذا الهول كان يعلم أن الله تعالى لا يعذب لوطا وهو نبي مرسل. وإن شمل العذاب جميع من سواه من أهل قريته. فالله سبحانه ينجي عباده المخلصين عند ضربات الكون للظالمين من كل اتجاه. كما كان يعلم أن الظالم المفسد في الأرض يعرض نفسه لعقوبة الله. فإذا جاءته فلا يلومن إلا نفسه. لكنه عليه السلام عندما سمع من الملائكة ما سمع قال: (إن فيها لوطا) (53) قال المفسرون: كان يريد بقوله: (إن فيها لوطا) أن يصرف الله العذاب عن أهل القرية كرامة للوط. نظرا لأن فيها القاصر والعاجز والطفل الصغير الذي لا جناية له. ولا جناح عليه. وكان قوله هذا نتيجة لرقة قلبه وصفاء طوياته عليه السلام. فلم يملك نفسه أن بادر بالاستشفاع والجدال. فأجابته الملائكة: (قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) (54) ولقد ذهب العديد إلى أن قوله: (إن فيها لوطا) يعني أن يصرف الله العذاب عنهم لأن فيهم لوطا وإهلاك أهل القرية يشمله. وقول مثل هذا لا يستقيم مع أحداث أيام الغضب الإلهي. فالله تعالى بعث الريح على عاد فمزقت أجسادهم وأفئدتهم في الوقت الذي كان فيه هود عليه السلام وأتباعه تصل إليهم الريح بما يشيع فيهم الأمن. والدليل على أن إبراهيم عليه السلام كان يجادل في قوم لوط وليس من أجل خوفه على لوط نظرا لأن إهلاك القوم يشمله قوله تعالى في سورة هود في هذا الموضع من القصة (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم

____________

(52) الميزان: 183 / 12، 378 / 18، البغوي: 69 / 8.

(53) سورة العنكبوت، الآية: 32.

(54) سورة العنكبوت، الآية: 32.

الصفحة 142
أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) (55) فالآيات أظهر ما يكون في أن إبراهيم عليه السلام كان يدافع عن قوم لوط لا عن لوط نفسه (56) ويقول المفسرون: قوله تعالى: (يجادلنا في قوم لوط) فيه مدح بالغ لإبراهيم عليه السلام. وبيان أنه إنما كان يجادل فيهم لأنه كان حليما لا يعاجل نزول العذاب على الظالمين رجاء أن يأخذهم التوفيق فيصلحوا ويستقيموا. وكان كثير التأثر من ضلال الناس وحلول الهلاك بهم مراجعا إلى الله في نجاتهم لا أنه عليه السلام كان يكره عذاب الظالمين وينتصر لهم بما هم ظالمون وحاشاه عن ذلك. وفي قوله تعالى: (يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) قطع للجدال. حيث علم أن الإلحاح في صرف العذاب. عنهم لن يثمر، فإن القضاء حتم. والعذاب واقع لا محالة. فقولهم:

(يا إبراهيم أعرض عن هذا) أي انصرف عن هذا الجدال ولا تطمع في نجاتهم فإنه طمع فيما لا مطمع فيه (إنه قد جاء أمر ربك) أي بلغ أمره مبلغا لا يدفع بدافع ولا يتبدل بمبدل (وإنهم أتاهم عذاب غير مردود) أي غير مدفوع عنهم بدافع فلله الحكم ولا معقب لحكمه (57).

ومن عند المكان الذي تلقى فيه إبراهيم البشرى وسمع خبر العقاب انطلق الملائكة في اتجاه القرية الظالمة التي أرادت أن تسن سنة يعطل بها النسل وتحط ردائها تشيع الفواحش وثقافة الانحطاط. انطلق الملائكة بعد أن وضعوا في ذاكرة المؤمنين معجزة المولود. والمعجزة لم توضع في الذاكرة الإيمانية بمفردها وإنما وضع بجانبها خبر العقاب. ليكون المشهد مولود هنا واستئصال هناك. مولود هنا يحمل رسالة واستئصال هناك لجموع خفيرة بلا رسالة وبلا هدف يجلدون فطرتهم ويلاحقون الضمير في كل مكان. لقد وضعوا في الذاكرة الإيمانية أن الذين يقطعون السبيل لا يملكون شيئا لأن الذي يجري الماء قادر على أن يجريه في أي مكان وزمان. وإن قاطع السبيل لا يمكن أن يفر من تحت السماء.

____________

(55) سورة هود، الآيات: 74 - 76.

(56) الميزان: 125 / 16.

(57) الميزان: 327 / 10.

الصفحة 143

* 4 - الطريق إلى قوم لوط:

يقول تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) (58) قال المفسرون: والمعنى: لما جاءت رسلنا لوطا وهم الملائكة الذين نزلوا عند إبراهيم، ساء مجيئهم لوطا، وعجز عن الاحتيال لنجاتهم من شر القوم. فالملائكة دخلوا عليه في صورة غلمان صبيحي المنظر.

وكان قومه ذوي حرص شديد على إتيان الفحشاء وما كان من المترقب أن يعرضوا عنهم ويتركوهم على حالهم. ولذلك لم يملك لوط نفسه دون أن قال: (هذا يوم عصيب) أي شديد ملتف بعض شره ببعض (59) وروي أن الملائكة أتوا لوطا وهو في زراعة قرب القرية، فسلموا عليه وهم معتمون، فلما رأى هيئتهم حسنة. عليهم ثياب بيض وعمائم بيض. قال لهم: المنزل. فقالوا: نعم.

فتقدموا هم ومشوا خلفه، فندم على عرضه المنزل عليهم. فقال: أي شئ صنعت؟ آتي بهم قومي وأنا أعرفهم؟ ثم قال لهم: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله. قال جبرائيل: لا نعجل عليهم حتى يشهد عليهم ثلاث مرات. هذه واحدة. فمشى لوط ساعة ثم التفت إليهم فقال: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله. فقال جبرائيل: هذه اثنتان. ثم مشى فلما بلغ باب المدينة التفت إليهم ثم قال: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله. فقال جبرائيل: هذه الثالثة. ثم دخل ودخلوا معه حتى دخل منزله، فلما رأتهم امرأته. رأت هيئة حسنة. فصعدت فوق السطح فصفقت فلم يسمعوا. فدخنت فلما رأوا الدخان أقبلوا إلى الباب يهرعون! حتى جاؤوا على الباب فنزلت إليهم فقالت. عندنا قوم ما رأيت قط قوما أحسن منهم هيئة، فجاؤوا إلى الباب ليدخلوا (60) يقول تعالى: (وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد * قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) (61).

____________

(58) سورة هود، الآية: 77.

(59) الميزان: 338 / 10.

(60) الميزان: 348 / 10.

(61) سورة هود، الآيتان: 78 - 79.

الصفحة 144
قال المفسرون: كان قومه قد نهوه أن يضيف رجلا، وعندما علموا بمن عنده. أسرعوا إليه فرحين بذلك (62) ومن قبل ذلك كانوا يقترفون المعاصي ويأتون بالمنكرات. فكانوا مجترئين على إيقاع الفحشاء. معتادين بذلك لا ينصرفون عنه بصارف. ولا يحجبهم من ذلك استحياء أو استشناع. ولا ينزجرون بموعظة أو ملامة أو مذمة. لأن العادة تسهل كل صعب وتزين كل قبيح ووقيح (63) ولما رآهم تجمعوا على الشر لا يصرفهم عن ذلك مجرد القول بعظة أو إغلاظ في الكلام. أراد أن يصرفهم عنه بتبديل ما يريدون من الفحشاء مما لا معصية فيه من الحلال فعرض بناته عليهم.. وقيل إن المراد بقوله (هؤلاء بناتي) الإشارة إلى نساء القوم لأن النبي أبو أمته فنساؤه بناته كما أن رجالهم بنوه (64) وكان عليه السلام يريد أن قصد الإناث وهو سبيل فطري، خير لهم وأطهر من قصد الذكور من طريق الفحشاء (65) وبعد أن ردهم إلى الطريق الفطري قال لهم: (اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي) قال المفسرون: أضاف الضيف إلى نفسه (66). وذكر الخزي الوارد عليه من التعرض لهم، كل ذلك رجاء أن يهيج صفة الفتوة والكرامة فيهم، ولذلك عقب ذلك بالاستغاثة والاستنصار بقوله: (أليس منكم رجل رشيد) لعله يجد فيهم ذا رشد إنساني فينتصر له وينجيه وضيوفه من أيدي أولئك الظالمين. لكن القوم لم يؤثر ذلك فيهم أي أثر وأجابوه بما آيسوه به (67): (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) هذا جواب القوم عما دعاهم إليه لوط من النكاح المباح. أخبروه أن ما يدعوهم إليه ليس حقا لهم، وهو يعلم ذلك ويعلم ما هو بغيتهم في هذا الهجوم وماذا يردون. فلوط يعرف ما يريدون لأنه كان ينهاهم عن سنتهم القومية الجارية بينهم ويقول لهم: (إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) (68) (أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق

____________

(62) ابن كثير: 453 / 3.

(63) الميزان: 338 / 10.

(64) ابن كثير: 453 / 2.

(65) الميزان: 339 / 10.

(66) الميزان: 340 / 10.

(67) الميزان: 340 / 10.

(68) سورة الأعراف، الآية: 81.

الصفحة 145
لكم ربكم من أزواجكم) (69) وبما أن الشذوذ في سنتهم القومية قاعدة الخارج عنها خارج على القانون! فلقد قاموا بنفي أي حق لا يتفق مع الحق الذي تجري عليه السنة القومية التي أصلتها أهواؤهم، ولا شك أن السنة القومية الجارية على فعل شئ يثبت حقا فيه، والجارية على تركه ينفي الحق. وقد قيل في معنى نفيهم الحق الكثير، وبالجملة فهم يلفتون نظره عليه السلام إلى ما يعلم من انتفاء حقهم عن بناته بما هن نساء. بحسب السنة القومية. وما يعلم من إرادتهم في الهجوم على داره (70).

أفسدوا كل شئ وسخروا من كل فضيلة وطاردوا كل طاهر. وكل هذا باسم الحق والقانون لا يستطيع طاهر أن يبث شكواه لأحد ما دامت شكواك ضد السنة القومية الجارية. المواطن الصالح هناك هو نهاز الفرص. الذي يتربص ويفعل الشئ المناسب في الوقت المناسب دون أن يتعرض للخطر! والفقيه الفذ في عالم عدالتهم هو الذي بعد ساعة من التأمل يستطيع أن يقدم عرضا فريدا لجمهور الأشراف والأمراء داخل نواديهم! والمثقف البارع هناك هو الذي يقدم كوميديا الشذوذ للسوقة والرعاع، كي يوصل فيهم القومية ليؤدي كل منهم دوره في الحياة بلغة غير معروفة، لغة يجهلها الكون من حولهم ومن الصعب أن يفهمها غيرهم!

فهذا هو الحق في عالم الشذوذ. لقد طفحت الأهواء بالدنس فغزلوا من الدنس قانونا قدم فيه الشيطان حلول مشاكلهم!

(قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) (71) بعد أن أخبروا لوطا عليه السلام. بأنه يعلم أنهم لا حق لهم في النساء لأنهم لا إرب لهم فيهن ولا يشتهونهن وأنه ليس لهم غرض إلا في الذكور وهو يعلم ذلك (72) قال لوط عليه السلام: (لو أن لي بكم قوة) قال المفسرون: أي ليت لي قدرة بانضمام رجل منكم رشيد يقوم بنصرتي فأدفعكم به - وقيل إن المعنى: أتمنى أن يكون لي منعة وقدرة وجماعة

____________

(69) سورة الشعراء، الآيتان: 5 16 - 166.

(70) الميزان: 341 / 10.

(71) سورة هود، الآيتان: 79 - 80.

(72) تفسير ابن كثير: 453 / 3.

الصفحة 146
أتقوى بها عليكم فأدفعكم عن أضيافي (73) وقيل إن المعنى: لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي (74).

لم يكن لوط عليه السلام يعلم أن معه في الحجرة ركن من أقوى الأركان.

وأي ركن أشد من جبرائيل عليه السلام؟ وكان مع لوط تحت سقف واحد!!

1 - الخروج ليلا:

بعد أن طالبهم لوط عليه السلام بالناصر الرشيد. أقاموا على أنفسهم الحجة بأنه لا يوجد بينهم رجل رشيد. وتدافعوا على الباب وكسروه ثم توجهوا إلى باب لوط. وعندما كان لوط مع الملائكة في الحجرة بدأ الملائكة بمقدمات يعرفون بها لوطا بحقيقة أمرهم وكما أن إبراهيم عليه السلام أنكرهم عندما رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام، أنكرهم لوط عليه السلام أيضا عندما شاهد منهم ما شاهد (قال إنكم قوم منكرون) (75) فلما قال ذلك عندما شاهد منهم فعلا غير معهود (قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وأتيناك بالحق وإنا لصادقون) (76) والمراد بما كانوا فيه يمترون. العذاب الذي كان ينذرهم به لوط وهم يشكونه فيه والمراد بإتيانهم بالحق. إتيانهم بقضاء حق في أمر القوم لا معدل عنه وقيل المراد: وآتيناك بالعذاب الذي لا شك فيه (77) وإظهار الضيوف حقيقتهم في يوم الهجوم على بيت لوط ورد في موضع آخر في سورة هود (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) (78) وأشاعوا الطمأنينة في نفسه كما في سورة العنكبوت (قالوا لا تخف ولا تحزن) (79).

وبالجملة لما بلغ الأمر المبلغ. قالت الملائكة مخاطبين لوطا إنا رسل ربك. وأظهروا له أنهم ملائكة. وعرفوه أنهم مرسلون من عند الله. وطيبوا نفسه

____________

(73) الميزان: 341 / 10.

(74) تفسير ابن كثير: 353 / 4.

(75) سورة الحجر، الآية: 62.

(76) سورة الحجر، الآيتان: 63 - 64.

(77) الميزان: 182 / 12.

(78) سورة هود، الآية: 81.

(79) سورة العنكبوت، الآية: 33.

الصفحة 147
أن القوم لن يصلوا إليه، ولن يقدروا أن يصيبوا منه ما يريدون، وأنهم جاؤوا للقوم بالعذاب الذي لا شك فيه، وروي أن جبرائيل قال يا لوط دعهم يدخلون. فلما دخلوا أهوى جبرائيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم (80) وفي رواية أن جبرائيل أخذ كفا من بطحاء فضرب بها وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فعمي أهل المدينة كلهم (81) وقال تعالى: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم) (82) وروي أنه بعد أن طمست عيونهم رجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان ويتوعدون لوطا عليه السلام بالصباح (83) ولم يكن يعلمون أن الصباح عليهم عذاب لا محيص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه.

وبينما كان القوم يتخبطون في الظلام يسيرون بجانب الجدران يتصايحون مطالبين بالانتقام. كان لوط عليه السلام يأخذ تعليمات النجاة من الملائكة (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) (84) فالقول دستور من الملائكة للوط عليه السلام، إرشادا له إلى النجاة من العذاب النازل بالقوم صبيحة ليلتهم هذه، وفيه معنى الاستعجال كما يشعر به قوله. (إن موعدهم الصبح) والمعنى: انج بنفسك وأهلك وسيروا أنت وأهلك بقطع من هذا الليل واخرجوا من ديارهم فإنهم هالكون بعذاب الصبيحة ليلتهم هذه. ولا كثير وقت بينك وبين الصبح ولا ينظر أحدكم إلى الوراء وقوله: (إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم) ظاهر السياق أنه استثناء من قوله: (أهلك) لا من قوله (أحد) وفي قوله: (إنه مصيبها ما أصابهم) بيان السبب لاستثنائها (85) وقال تعالى في غير موضع: (إلا امرأتك قدرنا إنها لمن الغابرين) (86) وبدأ لوط عليه السلام يستعد للخروج من القرية الظالمة التي قدر الله ضربها وموعد هلاكها الصبح،

____________

(80) الميزان: 82 / 19.

(81) الميزان: 346 / 10.

(82) سورة القمر، الآية: 37.

(83) البغوي: 138 / 8.

(84) سورة هود، الآية: 81.

(85) الميزان: 343 / 10.

(86) سورة الحجر، الآية: 60.

الصفحة 148
والصبح هو صدر النهار بعد طلوع الفجر حين الشروق كما قال تعالى في موضع آخر: (فأخذتهم الصيحة مشرقين) (87) وقال المفسرون في قوله: (إن موعدهم الصبح...) ومن الجائز أن يكون لوط عليه السلام يستعجلهم في عذاب القوم فيجيبوه بقولهم: (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) أي أن المقدر أن يهلكوا بالصبح وليس موعدا بعيدا، أو يكون الجملة الأولى: (إن موعدهم الصبح) استعجالا من الملائكة. والثانية: (أليس الصبح بقريب) تسلية منهم للوط في استعجاله (88). وبالجملة. بدأ لوط عليه السلام يستعد للخروج ليلا قبل أن يهل الصبح، وبدأت الملائكة تقدم للوط إرشادات السير والمحل الذي يتوجهون إليه. (فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون) (89) قال المفسرون: والمعنى. وإذا جئناك بعذاب غير مردود وأمر من الله ماض يجب عليك أن تسير بأهلك ليلا.

وتأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلفوا عن السير. ولا يلتفت أحد منكم إلى ورائه.

وامضوا حيث تؤمرون. وفيه دلالة على أنه كانت أمامهم هداية إلهية تهديهم وقائد يقودهم (90).

وبدأت قافلة الهداية تخرج من القرية الظالمة. ولم تكن قافلة الهداية جموعا غفيرة. لقد كان عددها قليلا قليلا. لكنها كانت تحمل الإيمان بالله.

يقول تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) (91) قال المفسرون: البيت هو بيت آل لوط (92) بيت واحد في مدن عامرة. وقد روي كما جاء في الدر المنثور أن عدد أهل هذه القرى كان أربعة آلاف ألف (93) وإن كان العدد فيه أقوال كثيرة للمفسرين إلا أن كثرة الباطل ثابتة ونسبته عالية، حيث لم يخرج من القرى الخمس إلا لوطا وأهل بيته. والمعنى

____________

(87) سورة الحجر، الآية: 73.

(88) الميزان: 343 / 10.

(89) سورة الحجر، الآية: 65.

(90) الميزان: 183 / 12، البغوي: 23 / 5.

(91) سورة الذاريات، الآيتان: 35 - 36.

(92) الميزان: 379 / 18، البغوي: 69 / 8، ابن كثير: 69 / 8.

(93) الميزان: 350 / 10.

الصفحة 149
الذي وراء هذا. أن قوم لوط لم يتقدموا قدما في اتجاه التوبة، لم يكن في بيوتهم وأنديتهم من يفكر في الطهارة: كان الجميع تحت عقيدة واحدة ويشربون من إناء ثقافة واحدة. لذلك عندما استشفع إبراهيم عليه السلام لهم كانت الإجابة:

(قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) (94) (إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) (95).

لقد طمست عيون القرية التي كان يسكنها لوط عليه السلام بإشارة من إصبع جبرائيل عليه السلام وطمست عيون القرى بحفنة من تراب ألقاها وقال شاهت الوجوه. وقضى الله أن يتخبطوا في الظلام كي يذوقوا مرارة الفزع قبل أن يأتيهم العذاب الأليم حيث لا ينفعهم قانون ولا ينفعهم قاضي الغلمان. لقد عاش قوم لوط ككتل آدمية تربت في الظلام، تنفخ فيها ثقافة فتجعلها تكبر سريعا. وكلما اشتد عودها كلما اعوجت وبدأت فظة مغمورة بالدنس. لقد اشتغلوا في حياتهم قطاع طرق، ليس من أجل سرقة الأمتعة فقط، وإنما من أجل سلب نور الفطرة بوضع أغطية الشذوذ عليها ليصبح الإنسان في مرتبة أدنى من مرتبة البهيمة. وفي الوقت الذي كانوا يقطعون نور الفطرة ببث ثقافتهم هنا وهناك، كانوا يحاربون الإنسان في كل مكان تحت عنوان قطع سبيل التناسل، وأمام سلبهم لنور الفطرة طمس الله على عيونهم وتركهم في ظلمات يتخبطون. حتى يأتي الصباح، فعند الصباح سيدفعون ثمن الجريمة كاملا، وفي الآخرة عذاب أليم.

2 - عندما جاء الصباح:

يقول تعالى لرسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) (96) قال المفسرون: يقول الله تعالى لنبيه محمد. أقسم بحياتك وبقائك يا محمد. إنهم لفي سكرتهم. وهي غفلتهم

____________

(94) سورة العنكبوت، الآية: 32.

(95) سورة هود، الآيتان: 75 - 76.

(96) سورة الحجر، الآيات: 72 - 74.

الصفحة 150
بانغمارهم في الفحشاء والمنكر. يترددون متحيرين. (فأخذتهم الصيحة) وهي الصوت الهائل (مشرقين) أي حال كونهم داخلين في إشراق الصبح.

فجعلنا عالي بلادهم سافلها. وفوقها تحتها، وأمطرنا وأنزلنا من السماء عليهم حجارة من سجيل (97) لقد أقسم الجبار سبحانه بحياة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. وعن ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. قال له الله: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) يقول له وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا: (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) رواه ابن جرير (98).

لقد كانوا في الضلالة يلعبون.. ركبوا طريق قطع النسل، بعد أن زين لهم الشيطان أعمالهم، وأغواهم حتى ساروا في طريق كراهية البشر. ذلك الطريق الذي لون الشيطان لافتاته. فتارة يحشر جمعه تحت لافتة رفض البشر الرسول وتارة تحت لافتة قطع نسل البشر. وكل ذلك لأن الله خلقه من نار وخلق آدم من طين، وها هم قوم لوط يضربون بحجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين، وخسر الشيطان جولته كاملة على أرض قوم لوط، لقد سقطت ورقة تحقير البشر في صورتها الأخيرة. وتمت إبادة الدنس (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) (99) قال المفسرون: والمعنى: وقضينا أمرنا العظيم في عذابهم موحيا ذلك إلى لوط. وهو أن دابر هؤلاء وأثرهم الذي من شأنه أن يبقى بعدهم من نسل وبناء وعمل مقطوع حال كونهم مصبحين (100) لقد سقطت ورقة الشيطان التي أقام قوم لوط عليها ثقافتهم. وعلى مكان ليس ببعيد من أرض لوط. بشر الله تعالى إبراهيم بالولد، وبهذا الولد ستنهزم أوراق الشيطان ولافتاته، لأن المولود هو إسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب ثم بقية أنبياء بني إسرائيل. والأنبياء من عباد الله المخلصين الذين لا يستطيع الشيطان غوايتهم.

والخلاصة: لم تكن الضربات موجهة إلى قوم لوط وحدهم، وإنما كانت

____________

(97) الميزان: 185 / 12.

(98) البغوي: 24 / 5، تفسير ابن كثير: 24 / 5، تفسير ابن كثير: 555 / 2.

(99) سورة الحجر، الآية: 66.

(100) الميزان: 184 / 12.

الصفحة 151
موجهة للشيطان أيضا فعلاوة على هزيمة ورقة تزيينه التي أراد منها إبادة النسل، فإن الله أباد أتباع الشيطان في مكان، ورزق الولد الذي لا يقدر عليه الشيطان في مكان آخر. إن الشيطان زين ورقة لقوم لوط فصارت الزينة ليل دائم (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) (101) (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) (102) يقول المفسرون: والمعنى. لما جاء أمرنا بالعذاب وهو أمره تعالى الملائكة بعذابهم وهو كلمة (كن) التي أشار إليها سبحانه في قوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن) (103) جعلنا عالي أرضهم وبلادهم سافلها بتقليبها عليهم. وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود معلمة عند ربك. وفي علمه ليس لها أن تخطئ هدفها الذي رميت لأجل إصابته. وذكر البعض: أن القلب وقع على بلادهم والأمطار بالسجيل عذب به الغائبون منهم.

وقيل: إن القرية هي التي أمطرت حين رفعها جبرائيل ليخسفها. وقيل: إنما أمطرت عليهم الحجارة بعد ما قلبت قريتهم تغليظا في العقوبة (104).

لقد كان هناك قلب. وصيحة. وإمطار بالحجارة. (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) (105) (وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) (106) والمطر كان من حجارة من سجيل منضود، والحجارة مسومة قال المفسرون: منضود: قال بعضهم منضود في السماء أي معدة لذلك، وقال آخرون: منضود: أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم، ومسومة: أي معلمة مختومة عليها أسماء أصحابها، كل حجر عليه اسم الذي ينزل عليه، وقيل مسومة: مطوقة بحمرة، وذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها. فبينما أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إذ جاءه حجر من

____________

(101) سورة الحجر، الآية: 74.

(102) سورة هود، الآية: 82.

(103) سورة يس، الآية: 82.

(104) الميزان: 344 / 10.

(105) سورة الشعراء، الآية: 173.

(106) سورة الأعراف، الآية: 84.

الصفحة 152
السماء فيسقط عليه من بين الناس فدمره. فتتبعتهم الحجارة في سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم ولم يتبق منهم أحد (107).

لقد تتبعت الحجارة الذين يعملون من أجل تصدير وتسويق بضاعة الدنس. وتتبعت أتباع الدنس والعار في كل مكان يشترون فيه ويبيعون، لأن للكون نظاما، وكل حركة فيه من أجل هدف ومن وراء هذا الهدف حكمة، والذين خرجوا يستوردون ويصدرون لأهداف لهم لا تستقيم مع الفطرة، ولأنهم ضد حركة الوجود، قلبوا. بين الصيحة والإمطار، والله غني عن العالمين.

وروي في عذابهم، أنه لما انتصف الليل، سار لوط ببناته، وولت امرأته مدبرة إلى قومها، تخبرهم أن لوطا قد سار ببناته وخرج عن ديارهم، فقال جبرائيل عليه السلام: وإني نوديت من تلقاء العرش لما طلع الفجر يا جبرائيل: حق القول من الله محتما بعذاب قوم لوط، فاقلع قريتهم من تحت سبع أرضين، ثم أعرج بها إلى السماء. فأوقفها، حتى يأتيك أمر الجبار في قلبها. ودع منها آية من منزل لوط عبرة للسيارة، فهبطت على أهل القرية. فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليه شرقيها، وضربت بجناحي الأيسر على ما حوى عليها غربيها فاقتلعتها من تحت سبع أرضين. إلا منزل آل لوط.. ثم عرجت بها في خوافي جناحي.

فأوقفتها حيث يسمع أهل السماء صياح ديوكها ونباح كلابها، فلما طلعت الشمس. نوديت من تلقاء العرش. يا جبرائيل أقلب القرية على القوم. فقلبتها عليهم. حتى صار أسفلها أعلاها. وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل (108) ولا خلاف بين الأمم وأهل الأديان في قلب مدائن لوط، ولكن يوجد اختلاف في كيفية خسف بلادهم وقلبها.

3 - عبرة وتذكرة:

لقد ذهبت أصول الدنس وقطع الله دابر قوم لوط ولم يبق منهم أحد ولكن ثقافتهم تسللت، تماما كما تسللت ثقافة كفار قوم نوح الذين قطع الله دابرهم بالطوفان، فمن الذي حمل الشذوذ من عالم السكون وألقاه في عالم الضجيج.

____________

(107) ابن كثير: 455 / 3.

(108) كتاب الأنبياء: 163.

الصفحة 153
من الذي له مصلحة في ذلك؟ إنه الشيطان، فالشيطان يجيد عملية تزيين الأوراق وإعادة ترتيبها وطرحها على أصحاب النفوس الأمارة بالسوء وعلى أصحاب النفوس الضعيفة التي تترك الإيمان عند أول حاجة لها. وإذا كان الشيطان يجيد عمليات التزيين والإغواء. فإن كيده يكون ضعيفا أمام كل متمسك بهدى الصراط المستقيم. فالله تعالى يرسل رحمته على الإنسانية. ويقوم أنبياؤه على امتداد المسيرة بإرشاد العباد إلى الصراط المستقيم. فمن دخل في عقيدة الصراط وثقافته، كان كيد الشيطان أمامه ضعيفا. ومن ابتعد عن الصراط المستقيم.

اقترب في الوقت نفسه من عالم الزينة والإغواء الذي ينادي على كل ضال كي يأتي ويستريح تحت شجرته. وتحت الشجر تدون القوانين التي تضبط الأهواء كما يريد الشيطان، ثم تخرج القوانين لتحمل أسماء براقة: حرية. ديمقراطية.

وهل يوجد من يكره الحرية؟ ولكن أي حرية؟ إن للأهواء حرية، وهذه الحرية ينتظرها حجر ما زال في السماء. وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.

إن أوراق الشيطان التي تحمل بصمات قوم لوط ألقيت في عالم الضجيج.

وتلقفها الذين على هوى قوم لوط. وأضافوا على زينة الشيطان ملايين الزينات، وفي عالم الزينة ظهر الهبوط في كل شئ، كما ظهر مرض الإيدز، وهو مرض يضرب الشاذين جنسيا، وهذا المرض يسري سريان النار في الهشيم. لم يعلم أصحاب قوم لوط في العصر الحديث. أن المرض الذي يضر بهم اليوم، هو من حجر ضرب أشياعهم بالأمس، فلقد روي من طرق عديدة. في قوله تعالى:

(وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود) عن أبي عبد الله (ع) قال: (ما من عبد يخرج من الدنيا يستحل عمل قوم لوط. إلا رماه الله بجند له من تلك الحجارة تكون منيته فيه. ولكن الخلق لا يرونه). وروي أيضا عنه أنه قال: (من بات مصرا على اللواط لم يمت حتى يرميه الله بحجارة تكون فيه منيته ولا يراه أحد) (109) إن الإيدز يفتك وعجز الطب عن مقاومته، وإذا كان حجر الأمس قد أخذ اسما علميا اليوم فهو غدا سيأخذ اسما علميا آخر. ولا بقاء لشئ يطارده الله. (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من

____________

(109) الميزان: 347 / 10.

الصفحة 154
الظالمين ببعيد) (110) تهديد مطلق فوق رؤوس الظالمين. (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين) (111) قال المفسرون: إن في ذلك. أي فيما جرى من الأمر على قوم لوط وفي بلادهم لعلامات من بقايا الآثار للمتفرسين. وإن تلك العلامات لسبيل للعابرين مقيم لم تنمح بالكلية بعد (112) إن التهديد فوق الرؤوس والآثار على الأرض. (وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) (113) (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) (114) قال المسعودي عن ديار قوم لوط:

" وهذه بلاد بين تخوم الشام والحجاز بما يلي الأردن وبلاد فلسطين. إلا أن ذلك في حيز الشام. وهي مبقاة إلى وقتنا هذا. وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، خرابا لا أحد فيها، والحجارة المسومة موجودة فيها يراها الناس السفار سوداء براقة (115) وذكر بعض المؤرخين أنه قد جاءت الأخبار في الآونة الأخيرة أنهم اكتشفوا آثارا هي من آثار مدن قوم لوط وذلك على حافة البحر الميت (116).

إن آثار قوم لوط باقية رآها الناس أو لم يروها. وعقاب قوم لوط باق رآه الناس أو لم يروه.

والخلاصة: أن قوم لوط قطعوا السبيل بمنعهم جريان الماء في مجراه الطبيعي، وهذا ضد حركة الكون لأن الكون حي. وكل شئ فيه خلقه الله بقدر. وقوم لوط أشاعوا الفساد في الأرض، والأرض جعلها الله قرارا. وإشاعة الفساد فيها لا يجعل للمفسدين على ظهرها ثباتا، لقد دار قوم لوط في عكس اتجاه دوران الفطرة فأصابهم ما أصابهم، وذهبوا، وبقيت أعلام الفطرة ترفرف على الكون، وفي سورة النمل بعد أن قص الله تعالى قصة قوم لوط بين سبحانه نعمه العديدة فقال جل شأنه: (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * قل

____________

(110) سورة هود، الآيتان: 82 - 83.

(111) سورة الحجر، الآيات: 74 - 76.

(112) الميزان: 185 / 12، البغوي: 25 / 5.

(113) سورة الذاريات، الآية: 37.

(114) سورة العنكبوت، الآية: 35.

(115) مروج الذهب: 42 / 1.

(116) كتاب الأنباء: 160.

الصفحة 155
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون * أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون * أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون * أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون...) (117).

سبحان الله الذي لا إله إلا هو. سبحان الذي يكشف السوء ويجري الماء فينبت به كل شئ. سبحان الذي جعل الإنسان في الأرض خليفة. وجعل له الأرض قرارا وفيها رواسي حتى لا تميد بمن عليها.. لقد ذهب قوم لوط بعد أن جعلهم الله عبرة لكل من يطلق لشهواته العنان ويصدم الفطرة بهواه ويسخر كل إعلان وإعلام لخدمة أهدافه الدنيئة لقد ذهب قوم لوط أصحاب نوادي المنكر.

وهواهم ما زال يواصل المسير في الوحل بلا كلل. بعد أن ارتدى ثيابا زاهية اقتحم بها أماكن كثيرة تحت عناوين جديدة. ولقد طور أصحاب الوحل مفهوم اللواط فلم يعد يقتصر على الذكران وإنما ضربوا به الفكر حتى جف وضربوا به الإرادة حتى تهاوت. لقد قطع الجدد أكثر من سبيل. ويا ترى إذا مروا على مكانهم القديم وشاهدوا آثارهم على الرمال. سينزجرون؟ أم سينقبون بين الصخور كي يعثروا على دستورهم القديم ليعيدون طبعه من جديد؟

____________

(117) سورة النمل، الآيات: 58 - 62.

الصفحة 156

الصفحة 157

انحرافات قوم شعيب عليه السلام

(قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء...)

سورة هود، الآية: 87


الصفحة 158

الصفحة 159

* الأيكة ولهيب تحت الظلال

[ إنحراف الكيل والميزان ]

مقدمة:

تقع قرية مدين في طريق الشام من الجزيرة (1) ورأس قبيلة مدين هو مدين بن إبراهيم خليل الله عليه السلام (2). وكان أهل القرية وما حولها منعمين بالخصب ورخص الأسعار والرفاهية، فشاع الفساد بينهم برفع الأسعار والتطفيف بنقص المكيال والميزان، وكان القوم يعبدون الأصنام، فبعث الله تعالى إليهم شعيبا عليه السلام وأمره أن ينهاهم عن عبادة الأصنام وعن الفساد في الأرض ونقص المكيال والميزان. وشعيب تأتي قصته مع قومه في كتاب الله بعد قصة لوط. وكان لسانه ولسان قومه عربيا. والله تعالى لم يبعث من العرب إلا خمسة أنبياء هم: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب ومحمد صلى الله عليهم أجمعين ولبث شعيب في قومه مائتين واثنين وأربعين سنة، اشتهر فيها بينهم بالعلم والحكمة والصدق والأمانة، وعندما دعاهم إلى ما أمر الله به وذكرهم بما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط، لم يزدهم ذلك إلا طغيانا وكفرا وفسوقا ولم يؤمن به إلا فئة قليلة، ورماه قومه بالسحر وبالكذب، وأخافوه

____________

(1) الميزان: 377 / 10.

(2) مروج الذهب: 161 / 2.

الصفحة 160
بالرجم، وهددوه بالإخراج من قريتهم!

وروي (أن الله تعالى ما بعث نبيا مرتين إلا شعيبا. مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة. ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة) (3) وروى ابن عساكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي عليه السلام) (4) وروى البغوي أن شعيبا أرسل مرتين (5) وروي في جوامع الجامع " أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة " (6). وقال بعضهم إن مدين والأيكة أمة واحدة، وأن شعيبا لم يرسله الله إلا مرة واحدة، ولم يقدموا حديثا واحدا يثبت ما يقولون، وإنما اعتمدوا على أن شعيبا وعظ هؤلاء وهؤلاء بوفاء المكيال والميزان فدل ذلك على أنهما أمة واحدة، وما ذهب إليه أصحاب هذا القول لا يلازم الحقيقة، لأن الأيكة كانت بالقرب من مدين وكانت مشهورة بترفها الزائد نظرا لأنها كثيرة المياه والأهوار والأشجار والحدائق الملتفة. والأيكة هي على ما قيل شجر ملتف كالغيضة، وكان يسكنها طائفة من كبار التجار. أما مدين فكانت تمتاز بكثافة سكانية. وكان لأصحابها حظ من الترف ولكنه لا يقاس بترف أصحاب الأيكة.. ويمكن القول بأن الأيكة كانت قمة للترف ينساب الترف عبر قنواتها ليغذي مدين. وأصحاب الأيكة أهلكوا بعذاب الظلة أما أهل مدين فأهلكوا بالرجفة وهناك فرق بين الذين يهلكون تحت سحاب ظلة يحمل حرا ونارا، وبين الذين يأتي عليهم الصباح وقد ضربتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كما أصبح أهل ثمود في ديارهم جاثمين من قبل. إن شعيبا عليه السلام بعد أن دمر الله مدين توجه إلى أصحاب الأيكة فوعظهم بمثل ما وعظ به أهل مدين لأن الجميع كانوا على رقعة تجارية واحدة عامودها الفقري: الجشع والطمع والإفساد في الأرض، وشعيب عندما بعثه الله إلى مدين قال سبحانه: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) أما عندما بعثه الله إلى أصحاب الأيكة الغيضة الملتف شجرها، كان أجنبيا عنهم، ولذلك قال

____________

(3) تفسير ابن كثير وقال فيه إسحاق بن بشر وهو ضعيف: 345 / 3.

(4) المصدر السابق وقال غريب وفي رفعه نظر: 345 / 3.

(5) الميزان: 313 / 15.

(6) الميزان: 371 / 10.

 


الصفحة 161
تعالى: (إذ قال لهم شعيب) ولم يقل: أخوهم شعيب بخلاف هود وصالح فقد كانا نسيبين إلى قومهما. وكذا لوط فقد كان نسيبا إلى قومه بالمصاهرة ولذا عبر عنهم سبحانه بقوله: (أخوهم هود) (أخوهم صالح) (أخوهم لوط).

وتضارب الأقوال في أن شعيبا كان له قوم به أو قوم واحد، لا يغير النتيجة عند التأمل، فالنتيجة واحدة هنا وهناك وتحمل قولا واحدا هو أن الله تعالى أهلك الذين بعث فيهم شعيب ودمرهم بسبب تمردهم على الله وعلى رسوله وتكذيبهم له. وشعيب عليه السلام واجه تجار الجشع والطمع على أرض مدين والأيكة بمعارف وعلوم وأدب رفيع وأقام عليهم الحجة في أتم ما يكون، وكان عليه السلام في زمرة الرسل المكرمين. وقد أشركه الله فيمن أثناهم به من الثناء الجميل في كتابه. وقصص شعيب. ذكر الله تعالى طرفا منها في كتابه الكريم في سور: الأعراف، هود، الشعراء، القصص، العنكبوت وكان شعيب عليه السلام معاصرا لموسى عليه السلام. وقد زوجه إحدى ابنتيه على أن يأجره موسى ثمان حجج وإن أتم عشرا فمن عنده، فخدمه موسى عشر سنين، ثم ودعه، وسار بأهله إلى مصر.

* 1 - من خيام الانحراف:

فطر الله تعالى الإنسان على فطرة تهديه إلى الحق، ولأن الله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض فإنه تعالى فطره على الاجتماع، فطره على أن تكون حياته في مجتمع. لهذا قام الإنسان في البداية بتأسيس المجتمع المنزلي أولا ثم اتسع عالم الاجتماع الإنساني شيئا فشيئا حتى صار مجتمعا مدنيا تقوم عليه حضارات واسعة. والإنسان في خطوته الأولى زوده الله تعالى بالحرية، فله أن يختار جانب الفعل وله أن يختار جانب الترك، فأي فعل يقف عليه له مطلق العنان في أن يختار جانب الفعل. وله أن يختار جانب الترك، وإلى جانب هذه الحرية. فإن للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرق الحياة ويعمل بما شاء من العمل. وليس لأحد من بني نوعه أن يستعلي عليه فيستعبده ويمتلك إرادته وعمله ويحمله على ما يكرهه فهذه الحرية ضمن عجينة الفطرة التي فطر الله الناس عليها. كي يقيم الإنسان المجتمع على الأرض. والإنسان على الأرض أحاطه

الصفحة 162
الله سبحانه بعلل وأسباب كونية تحيط به من جميع الجهات، لا حرية له أمامها، والإنسان أمام هذه العلل والأسباب الكونية لا يأخذ إلا ما أذنت فيه هذه العلل والأسباب، وليس كل ما أحبه الإنسان وأراده بواقع، ولا هو في كل ما اختاره لنفسه بموفق له، ولكي يستقر المجتمع الذي شيده الإنسان على الأرض، لا بد وأن يستقيم مع خط هذه العلل والأسباب حتى لا يحدث التصادم، والاستقامة مع خط العلل لا يكون إلا بالخضوع التام لخالق العلل والأسباب وخالق الإنسان والأرض، وخالق العلل والأسباب التي تحيط بالإنسان من جميع الجهات ولا حرية له أمامها لأنها تملكه وتحيط به. هو الله تعالى. فهو سبحانه الحاكم على الإطلاق والمطاع من غير قيد وشرط. والله تعالى كما ذكرنا فطر الإنسان على الاجتماع، فالإنسان مدني بطبعه، وما دام هناك مجتمع فلا بد أن يكون هناك قانون، لأن المجتمع لا يقوم له صلب دون أن يجري فيه سنن وقوانين يتسلمها الأفراد، فأفراد بلا قانون لا يقيمون مجتمعا، وعدم إقامة المجتمع يكون خروجا عن الفطرة، لأن الفطرة تدعو لإقامة مجتمع إنساني يكون الإنسان فيه خليفة في الأرض، وإذا حدث وأقيم مجتمع ما على قانون يستند على أهواء أفراده. فإن هذا أيضا يكون خروجا عن الفطرة، لأن الأفراد الذين يضعون القانون لا حرية لهم أمام العلل والأسباب الكونية التي تحيط بهم من جميع الجهات. فكيف يضع العاجز قانونا يحمي به الأفراد في حين أنه لا يملك حماية نفسه إن الاجتماع لا يتم إلا بقانون من أخذ به نزلت عليه بركات من السماء ومن خرج عليه أحاطت به النكبات والمعيشة الضنك من كل الاتجاهات. والاجتماع لا يتم من الفرد إلا بإعطائه للأفراد المتعاونين له حقوقا متقابلة محترمة عنده، ليعطوه بإزائها حقوقا يحترمونها، وذلك بأن يعمل للناس كما يعملون له، وينفعهم بمقدار ما ينتفع بهم، والاجتماع لا يتم إلا بوضع حدود وعلامات، فليس للإنسان أن ينطلق ويسترسل في العمل على حساب الآخرين، وليس له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، بل هو حر فيما لا يزاحم حرية الآخرين (7) بهذا وبغيره يقوم المجتمع. ولا يوجد قانون ينظم العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان وبين الإنسان والطبيعة من جهة أخرى إلا قانون خالق الإنسان والطبيعة سبحانه وتعالى.

____________

(7) المصدر السابق: 365 / 10.

الصفحة 163
وشعيب عليه السلام بعث في قوم يعملون كأحرار. كان منهم من يعمل بالزراعة، فيتعامل مع الحبوب معاملة اللص. يبذرها في أرض الله. ليس من أجل أن يفيض الخير ويعم الناس الرخاء، ولكن من أجل أن يسرع الخطى إلى مزيد من المال ليشيد بها أصنام الهوى داخل نفسه. وكان منهم من يعمل بالتجارة فيتعاملوا مع الثمار معاملة قطاع الطرق الذين لا يخشون من اللصوص في أي موقع كانوا، فهم يسرقون وفي نفس الوقت في جيوبهم دليل براءتهم. ومجتمع مثل هذا لا يتاجر إلا في القوت، ومتاجرته هذه لا تشيع إلا الفساد.. لا يمكن بحال أن يكون مجتمعا مستقيما مع فطرة الكون. ولكن يعود هذا المجتمع إلى رحاب الفطرة التي تدعو لإقامة مجتمع لا يفعل فيه الإنسان ما يشاء ويحكم ما يريد. بث شعيب عليه السلام دعوته في عالم عبد الأصنام ونقص الكيل والميزان فأفسد في الأرض. يقول صاحب الميزان: إن الاجتماع المدني الدائر بين أفراد النوع الإنساني مبني على المبادلة حقيقة، فما من مواصلة ومرابطة بين فردين من أفراد النوع، إلا وفيه إعطاء وأخذ، فلا يزال المجتمعون يتعاونون في شؤون حياتهم، يفيد فيه الواحد غيره ليستفيد منه ما يماثله أو يزيد عليه، ويدفع إليه نفعا ليجذب منه إلى نفسه نفعا، وهو المعاملة والمبادلة، ومن أظهر مصاديق هذه المبادلة:

المعاملات المالية، وخاصة في الأمتعة التي لها حجم أو وزن مما يكتال به أو يوزن، فإن ذلك من أقدم ما تنبه الإنسان لوجوب إجراء سنة المبادلة فيه.

فالمعاملات المالية وخاصة البيع والشراء من أركان حياة الإنسان الاجتماعية، فالإنسان يقدر ما يحتاج إليه في حياته الضرورية بالكيل أو الوزن، وما يجب عليه أن يبذله في مقابلة من الثمن. ثم يسير في حياته بانيا لها على هذا التقدير والتدبير، فإذا خانه الذي يعامله ونقص المكيال والميزان من حيث لا يشعر هو، يكون بذلك قد أفسد تدبيره وأبطل تقديره، ويختل بذلك نظام معيشته من الجهتين معا. من جهة ما يقتنيه من لوازم الحياة بالاشتراء. ومن جهة ما يبذله من الثمن الزائد الذي يتعب نفسه في تحصيله بالاكتساب. فيسلب بهذا إصابة النظر وحسن التدبير في حياته. ويتخبط في حياته خبط العشواء وهو الفساد، وإذا شاع ذلك في مجتمع. فقد شاع الفساد فيما بينهم. ولم يلبثوا دون أن يسلبوا الوثوق والاطمئنان واعتماد بعضهم على بعض. ويرتحل بذلك الأمن العام من بينهم وهو

الصفحة 164
النكبة الشاملة التي تحيط بالصالح والطالح والمطفف والذي يوفي المكيال والميزان على حد سواء. ويصبح بذلك اجتماعهم اجتماعا على المكر وإفساد الحياة، لا اجتماعا على التعاون لسعادتها قال تعالى: (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا) (8).

فشعيب عليه السلام جاء لقوم احترفوا الفساد، وركبوا التجارة وساروا بها في اتجاه النكبة الشاملة التي تحيط بالصالح والطالح، وذلك لأن جشعهم امتد إلى غد الإنسان. فهم سرقوه في يومه، والذي سرق منه جزء يقيم صلبه، ولكي يسترده لا بد له من أن يضاعف من عمله كي يأتي بالثمن، وعندما يذهب ليشتري ما يقيم صلبه، يدفعه أهل الطمع والجشع والاحتكار إلى يوم آخر يتعب فيه ليس من أجل نفسه ولكن من أجلهم، ومع اللهب يأتي الفساد ويسود الاضطراب وترفع أعلام العسف والطغيان، وتفقد الإنسانية إنسانيتها، وشعيب عليه السلام جاء إليهم بمشعل الهدى الذي به يقيمون المجتمع الصالح الذي يعرف الإنسان فيه ما له وما عليه، وبين لهم أن القضية لم تكن يوما من أجل أن يمتلك هذا أو ذاك المال الوفير، لأن العلل والأسباب في كون الله لا تسمح لأحد من إنقاذ ثروته إذا جاء أمر الله.

* - مواجهة الانحراف:

يقول تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقية الخير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) (9).

قال المفسرون: يقول تعالى ولقد أرسلنا إلى مدين، وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام. قريبا من معان. بلاد تعرف بهم يقال لها

____________

(8) سورة الإسراء، الآية: 35.

(9) سورة هود، الآيات: 84 - 86.

الصفحة 165
مدين. فأرسل الله إليهم شعيبا وكان من أشرفهم نسبا ولهذا قال (أخاهم شعيبا) (10) فأمرهم شعيب عليه السلام بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة. ثم خصص نقص المكيال والميزان من بين معاصيهم بالذكر، دلالة على شيوعه بينهم وإقبالهم عليه، وإفراطهم فيه. بحيث ظهر فساده وبان سئ أثره. فأوجب ذلك شدة اهتمام به من داعي الحق. فدعاهم إلى تركه بتخصيصه بالذكر من بين المعاصي. ثم قال لهم: (إني أراكم بخير) أي أشاهدكم في خير. وهو ما أنعم الله تعالى عليكم من المال، وسعة الرزق والرخص والخصب. فلا حاجة لكم إلى نقص المكيال والميزان، واختلاس القليل اليسير من أشياء الناس. طمعا في ذلك من غير سبيله المشروع وظلما وعتوا، وعلى هذا فقوله: (إني أراكم بخير) تعليل لقوله (ولا تنقصوا المكيال والميزان).

ويمكن تعميم الخير. بأن يراد به، أنكم مشمولون لعناية الله، معنيون بنعمه، آتاكم عقلا ورشدا ورزقكم رزقا، فلا مسوغ لأن تعبدوا الآلهة من دونه وتشركوا به غيره. وأن تفسدوا في الأرض بنقص المكيال والميزان، وعلى هذا يكون تعليلا لما تقدمه من قوله: (اعبدوا الله) إلخ وقوله: (ولا تنقصوا) إلخ. فمحصل قوله: (إني أراكم) إلى آخر الآية: أن هناك رادعين يجب أن يردعاكم عن معصية الله:

أحدهما: أنكم في خير ولا حاجة لكم إلى بخس أموال الناس من غير سبيل حلها.

وثانيهما: أن وراء مخالفة أمر الله يوما محيطا يخاف عذابه، ومعنى كون اليوم - وهو يوم العذاب - محيطا.. أنه لا مخرج منه ولا مفر ولا ملاذ من دون الله، فلا يدفع فيه ناصر ولا معين، ولا ينفع فيه توبة (11)، وبعد أن أنار عليه السلام لهم الطريق بمشعل الهداية، قال: (يا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم) لقد دعاهم أولا في صدر حديثه إلى الصلاح بالنهي عن

____________

(10) تفسير ابن كثير: 455 / 2.

(11) الميزان: 362 / 10.

الصفحة 166
نقص المكيال والميزان، ثم عاد ثانيا فأمر بإيفاء المكيال والميزان ونهى عن بخس الناس أشياءهم، إشارة إلى أن مجرد التحرز عن نقص المكيال والميزان لا يكفي في إعطاء هذا الأمر حقه (وإنما نهى عنه أولا: لتكون معرفة إجمالية. هي كالمقدمة لمعرفة التكليف تفصيلا) بل يجب أن يوفي الكائل والوازن مكياله وميزانه، ويعطياهما حقهما ولا يبخسا ولا ينقصا الأشياء المنسوبة إلى الناس بالمعاملة، حتى يعلما أنهما أديا إلى الناس أشياءهم. وردا إليهم مالهم على ما هو عليه (12). ثم نهاهم عليه السلام عن الفساد في الأرض. ثم قال: (بقية الله خير لكم إن كشم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) والبقية بمعنى الباقي. والمراد به الربح الحاصل للبائع، وهو الذي يبقى له بعد تمام المعاملة والمعنى: أن الربح الذي هو بقية. هداكم الله إليه من طريق فطرتكم. هو خير لكم من المال الذي تقتنونه من طريق التطفيف. ونقص المكيال والميزان إن كنتم مؤمنين، فإن المؤمن إنما ينتفع من المال المشروع الذي ساقه الله إليه من طريق حله، وأما غير ذلك مما لا يرتضيه الله ولا يرتضيه الناس، بحسب فطرتهم. فلا خير له فيه ولا حاجة له إليه.

وبعد أن قال لهم إن كنتم مؤمنين علمتم صحة قولي، إن بقية الله خير لكم، قال: (وما أنا عليكم بحفيظ) أي: وما يرجع إلى قدرتي شئ مما عندكم من نفس أو عمل أو طاعة أو رزق أو نعمة، فإنما أنا رسول ليس عليه إلا البلاغ، لكم أن تختاروا ما فيه رشدكم وخيركم، أو تسقطوا في مهبط الهلكة من غير أن أقدر على جلب خير لكم. أو دفع شر منكم (13) فهو كقوله تعالى: (فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ) (14).

هكذا تحدث نبي الله شعيب عليه السلام، هكذا دعا قومه إلى طريق الصواب، وبين لهم العديد من حقائق المعارف التي غفلوا عنها، فماذا كان رد قومه؟ لقد كان ردهم هو رد اللصوص في كل زمان ومكان. رد الذين تخصصوا في سلب كل فرع وكل غصن وكل زهرة وكل ورقة وكل عشب في أرض الله

____________

(12) الميزان: 362 / 10.

(13) الميزان:، 306 / 10.

(14) سورة الأنعام، الآية: 104.

الصفحة 167
الواسعة، ليبيعوها إلى الناس ليسلبوا منهم كل قرش وكل حبة عرق وكل نفس، ليحل الشقاء بأي إنسان ولتظل جيوبهم منتفخة وبطونهم منتفخة وعقولهم أيضا (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) (15) قال في الميزان: مغزى مرادهم: إنا في حرية فيما نختاره لأنفسنا من دين، أو نتصرف به في أموالنا، ولست تأمرنا بكل ما أحببت، أو تنهانا عن كل ما كرهت. فإن ساءك شئ مما تشاهد منا بما تصلي وتتقرب إلى ربك. وأردت أن تأمر وتنهى. فلا تتعد نفسك. لأنك لا تملك إلا إياها.. وقد أدوا مرادهم هذا في صورة مشوبة بالتهكم واللوم معا، ومسبوكة في قالب الاستفهام الإنكاري وهو: إن الذي تريده منا من ترك عبادة الأصنام. وترك ما شئنا من التصرف في أموالنا. هو الذي بعثتك إليه صلاتك. ولست تملكنا أنت ولا صلاتك. لأننا أحرار في شعورنا لإرادتنا، لنا أن نختار أي دين شئنا، ونتصرف في أموالنا أي تصرف أردنا من غير حجر ولا منع، ولم ننتحل إلا ديننا، الذي هو دين آبائنا. ولم نتصرف إلا في أموالنا. ولا حجر على ذي مال في ماله. فما معنى أن تأمرك إياك صلاتك بشئ، ونكون نحن الممتثلون لما أمرتك به؟ وبعبارة أخرى: ما معنى أن تأمرك صلاتك بفعلنا القائم بنا دونك؟ فهل هذا إلا سفها في الرأي؟ وإنك لأنت الرشيد والحليم. لا يعجل في زجر من يراه مسيئا. وانتقام من يراه مجرما. حتى ينجلي له وجه الصواب. والرشيد لا يقدم على أمر فيه غي وضلال فكيف أقدمت على مثل هذا الأمر السفهي. الذي لا صورة له إلا الجهالة والغي؟

وقد ظهر بهذا البيان:

أولا: أنهم إنما نسبوا الأمر إلى الصلاة. لما فيها من البعث والدعوة إلى معارضة القوم في عبادتهم الأصنام ونقصهم المكيال والميزان. وهذا هو السر في تعبيرهم عن ذلك بقولهم: (أصلاتك تأمرك أن نترك..) دون أن يقولوا:

أصلاتك تنهاك أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ مع أن التعبير عن المنع بالنهي عن الفعل أقرب إلى الطبع من التعبير بالأمر بالترك، ولذلك عبر عنه شعيب بالنهي فيما بعد

____________

(15) سورة هود، الآية: 87.

الصفحة 168
في جوابه عن قولهم إذ قال: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ولم يقل: إلى ما آمركم بتركه، والمراد على أي حال: منعه إياهم عن عبادة الأصنام والتطفيف. فافهم ذلك.

ثانيا: أنهم إنما قالوا: (أن نترك ما يعبد آباؤنا) دون أن يقولوا: أن نترك آلهتنا، أو أن نترك الأوثان. ليشيروا بذلك إلى الحجة في ذلك. وهي أن هذه الأصنام. دام على عبادتها آباؤنا، فهي سنة قومية لنا، ولا خير في الجري على سنة قومية. ورثها الخلف من السلف. ونشأ عليها الجيل بعد الجيل. فإنا نعبد آلهتنا وندوم على ديننا. وهو دين آبائنا. ونحفظ رسما مليا عن الضيعة.

ثالثا: أنهم إنما قالوا: (أن نفعل في أموالنا) فذكروا الأموال مضافة إلى أنفسهم. ليكون في ذلك إيماء إلى الحجة. فإن الشئ إذا صار مالا لأحد، لم يشك ذو ريب في أن له أن يتصرف فيه، وليس لغيره ممن يعترف بماليته له، أن يعارضه في ذلك، وللمرء أن يسير في مسير الحياة، ويتدبر في أمر المعيشة، بما يستطيعه من الحذق والاحتيال، ويهديه إليه الذكاء والكياسة.

رابعا: إن قولهم: (أصلاتك تأمرك - إلى قوله - إنك لأنت الحليم الرشيد) مبني على التهكم والاستهزاء. إلا أن التهكم في تعليقهم أمر الصلاة شعيبا على تركهم ما يعبد آباؤهم. وكذا في نسبة الأمر إلى الصلاة لا غير، وأما نسبة الحلم والرشد إليه. فليس فيه تهكم. ولذلك أكد قوله: (إنك لأنت الحليم الرشيد) بإن واللام وإتيان الخبر جملة اسمية، ليكون أقوى في إثبات الحلم والرشد له، فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه. وأن الذي لا شك في حلمه ورشده، قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السفهي. وينتهض على سلب حرية الناس واستقلالهم في الشعور والإرادة (16).

كان هذا بيان التجار وأعوانهم والمستكبرين وأشياعهم: بيان رفض الصلاة، وتمسك بعبادة الآباء ونسب الأموال إلى أنفسهم باعتبارهم أحرارا لهم الحق المطلق في اختيار الدين الذي يرون وفي تدبير أمور معيشتهم كما يريدون.

فماذا كان رد شعيب عليه السلام على هذا البيان؟ لقد دفع إليهم في حاضرهم

____________

(16) الميزان: 366 / 10.

الصفحة 169
ببينة ربه التي تثبت صدق رسالته، ثم دفع ذاكرتهم إلى الوراء حيث قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط. لقد وضعهم بين البينة وبين العقاب لعلهم يعيدوا التفكير على أسس صحيحة. (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب * ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) (17) قال المفسرون: المراد بكونه على بينة من ربه. كونه على آية بينة. وهي آية النبوة والمعجزة الدالة على صدق النبي في دعوى النبوة، والمراد بكونه رزق من الله رزقا حسنا: أن الله آتاه من لدنه وحي النبوة، المشتمل على أصول المعارف والشرائع، والمعنى: أخبروني إن كنت رسولا من الله إليكم، وخصني بوحي المعارف والشرائع وأيدني بآية بينة تدل على صدق دعواي، فهل أنا سفيه في رأيي؟ وهل ما أدعوكم إليه دعوة سفهية؟ وهل في ذلك تحكم مني عليكم أو سلب مني لحريتكم؟ فإنما هو الله المالك لكل شئ، ولستم بأحرار بالنسبة إليه، بل أنتم عباده، يأمركم بما شاء وله الحكم وإليه ترجعون (18).

لقد رفض بيانهم ما سمعوه من شعيب. عندما دعاهم إلى ترك عبادة الأصنام والتطفيف. بحجة أن الدعوة مخالفة لما هم عليه من الحرية التي تسوغ لهم أن يعبدوا من شاؤوا ويفعلوا في أموالهم ما شاؤوا، فبين لهم شعيب أنهم ليسوا بأحرار بالنسبة إلى الله هم عبيد. وأخبرهم: بأن الذي يدعوهم إليه ليس من قبل نفسه. حتى ينافي مسألتهم ذلك حريتهم. ويبطل به استقلالهم في الشعور والإرادة. بل هو رسول من ربهم إليهم، وله على ذلك آية بينة. والذي آتاهم به من عند الله الذي يملكهم ويملك كل شئ، وهم عباده لا حرية لهم قباله، ولا خيرة لهم فيما يريده منهم، ثم ذكر لهم أنه يريد إصلاح مجتمعهم بالعلم النافع والعمل الصالح على مقدار ما له من الاستطاعة التي يوفقه الله تعالى

____________

(17) سورة هود، الآيات: 88 - 90.

(18) الميزان: 367 / 10.

الصفحة 170
إليها. ثم أخبرهم محذرا: احذروا أن يترتب على مخالفتكم ومعاداتكم لي عذاب مثل عذاب قوم نوح وهو الغرق، أو قوم هود وهو الريح العقيم، أو قوم صالح وهو الصيحة والرجفة (وما قوم لوط منكم ببعيد) أي لا فصل كثير بين زمانهم وزمانكم، وكانت الفاصلة الزمانية بين القومين أقل من ثلاثة قرون، وقد كان لوط معاصرا لإبراهيم عليهما السلام، وشعيب معاصرا لموسى عليهما السلام (19) وقيل المراد نفي البعد المكاني، والإشارة إلى بلادهم الخربة، قريبة منكم لقرب مدين من سدوم، بالمعنى: وما مكان قوم لوط منكم ببعيد، تشاهدون مدائنهم المخسوفة وآثارهم الباقية الظاهرة.

وبعد أن أخبرهم بما أخبرهم، وحذرهم بما حذرهم، أمرهم أن يستغفروا الله من ذنوبهم وأن يرجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله، إن الله ذو رحمة ومودة يرحم المستغفرين التائبين ويحبهم، فماذا كان ردهم على البينة التي تحتوي على صدق الرسالة وتشتمل على أصول المعارف؟ ماذا كان ردهم عندما طالبهم بأن يرجعوا بذاكرتهم إلى الماضي حيث الطوفان والريح والصيحة والحجارة؟ ماذا كان ردهم عندما طالبهم بالاستغفار والتوبة؟ لقد كان ردهم عجيبا: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) (20) يقول صاحب في ظلال القرآن: فهم ضيقوا الصدور بالحق الواضح لا يريدون أن يدركوه، وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة، فلا وزن عندهم للحقيقة، القوية التي يحملها شعيب ويواجههم بها، وفي حسابهم عصبية العشيرة، لا عصبية الإعتقاد، وصلة الدم لا صلة القلب، ثم هم يغفلون عن غيرة الله على أوليائه فلا يضعونها في الحساب..

وحين تفرغ النفوس من العقيدة القومية والقيم الرفيعة والمثل العالية، فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا، فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة، ولا لحقيقة كبيرة، ولا تتحرج عن البطش بالداعية، إلا أن تكون له عصبة تؤويه، وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه، أما حرمة العقيدة والحق والدعوة، فلا وزن لها، ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية (21).

____________

(19) الميزان: 373 / 10.

(20) سورة هود، الآية: 91.

(21) في ظلال القرآن: 1922 / 4.

الصفحة 171
(قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) قال صاحب الميزان: لما حاجهم شعيب عليه السلام، وأعياهم بحجته لم يجدوا سبيلا دون أن يقطعوا عليه كلامه من غير طريق الحجة فذكروا له أولا: أن كثيرا مما يقوله غير مفهوم لهم، فيذهب كلامه لغي لا أثر له، وهذا كناية عن أنه يتكلم بما لا فائدة فيه. ثم عقبوه بقولهم: (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي لا نفهم ما تقول، ولست قويا فينا حتى تضطرنا قوتك على الاجتهاد في فهم كلامك والاهتمام بأخذه، والسمع والقبول له، فإنا لا نراك فينا إلا ضعيفا لا يعبأ بأمره ولا يلتفت إلى قوله، ثم هددوه بقولهم: (ولولا رهطك لرجمناك) أي ولولا هذا النفر القليل، الذين هم عشيرتك لرجمناك، لكنا نراعي جانبهم فيك، وفي تقليل العشيرة إيماء إلى أنهم لو أرادوا قتله يوما قتلوه من غير أن يبالوا بعشيرته، وإنما كفهم عن قتله نوع احترام وتكريم منهم لعشيرته. ثم عقبوه بقولهم: (وما أنت علينا بعزيز) تأكيدا لقولهم: (لولا رهطك لرجمناك) أي لست بقوي منيع جانبا علينا، حتى يمنعنا ذلك من قتلك بشر القتل، فإنما يمنعنا رعاية جانب رهطك، فمحصل قولهم إهانة شعيب، وأنهم لا يعبأون به ولا بما قال، وإنما يراعون في ترك التعرض له جانب رهطه (22).

لقد قال لهم إنه على بينة من ربه، وإنه يريد إصلاحهم كي ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة، ثم ذكرهم بالأمم السابقة الذين كذبوا رسل الله وما حل بهم من عذاب، ثم دعاهم إلى الاستغفار والتوبة، فكان الرد عليه بلادة في الفهم وحجر في اليد، رفعوا الحجر أمام الكلمة، ولماذا لا يرفعون الحجر؟ إن الساحة من حولهم تعج باللصوص، والأشرار يحومون في كل مكان، والجميع على استعداد لحمل الحجارة ويلقون بها على كل من حاول أن يهدي إلى الحق، لأن الحق الذي يعرفونه هو الذي مسمره الشيطان على جسر الانحراف الذي عبروا عليه إلى عالم الصم البكم العمي الذين لا يفقهون، وعندما واجهوا شعيبا عليه السلام هذه المواجهة، رد عليه السلام: (قال يا قوم رهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط * ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا

____________

(22) الميزان: 375 / 10.

الصفحة 172
إني معكم رقيب) (23).

قال المفسرون: أي كيف تعززون رهطي وتحترمون جانبهم، ولا تعززون الله ولا تحترمون جانبه؟ وإني أنا الذي أدعوكم إليه من جانبه؟ فهل رهطي أعز عليكم من الله؟ وقد جعلتموه نسيا منسيا، وليس لكم ذلك، وما كان لكم أن تفعلوه. إن ربي بما تعملون محيط، بما له من الإحاطة بكل شئ، وجودا وعلما وقدرة ثم هددهم أشد التهديد: فأخبرهم بأنه على وثوق مما يقول، لا يأخذه قلق ولا اضطراب من كفرهم به وتمردهم على دعوته، فليعملوا على ما لهم من القوة والتمكن، فلهم عملهم وله عمله، فسوف يفاجئهم عذاب مخز، يعلمون عند ذلك من هو الذي يأخذه العذاب. هم أو هو؟ ويعلمون من هو كاذب؟ فليرتقبوا وهو معهم رقيب لا يفارقهم (24).

* 3 - الصد عن سبيل الله:

على أرض مدين دار الصراع بين الباطل الذي أقام جدرانه على أعمدة الظلم والجشع وبين الحق الذي ينصر الفطرة ويهدي إلى الصراط المستقيم، وقمة هذا الصراع ترى أطرافه في سورة الأعراف، فشعيب عليه السلام بعد أن بث دعوته في قومه آمن به فئة قليلة، ولكن الذين يفسدون في الأرض، ركبوا كل طريق من أجل أن يفتنوا الذين آمنوا ويصدوهم عن سبيل الله المستقيم وعندما نهاهم شعيب عليه السلام عما يفعلونه بالذين آمنوا خيروهم إما أن يعودوا في ملتهم وإما الطرد من الديار!

1 - بيان شعيب عليه السلام:

في سورة الأعراف ضوء ساطع، كشف كيف يفكر الذين يبغونها عوجا، فالتفكير عند هؤلاء لا يستند إلا على التهديد والحجر، وقد ظهرت معالم هذا التفكير عندما واجههم شعيب عليه السلام بحجج دامغة يقول تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من

____________

(23) سورة هود، الآيتان: 92 - 93.

(24) الميزان: 375 / 10.

الصفحة 173
ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين * وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين) (25).

قال المفسرون: دعاهم (أولا): بعد التوحيد الذي هو أصل الدين، إلى إيفاء الكيل والميزان وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم. لأن الإفساد في المعاملات كان رائجا فيهم شائعا بينهم. ثم دعاهم (ثانيا): إلى الكف عن الفساد في الأرض بعدما أصلحها الله كي ينتظم أمر الحياة السعيدة، ثم علل دعوته إلى الأمرين بقوله: (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) أما كونه إيفاء الكيل والميزان، وعدم بخس الناس أشياءهم خير، فلأن حياة الإنسان الاجتماعية في استقامتها، مبنية على المبادلة بين الأفراد، بإعطاء كل منهم ما يفضل من حاجته. وأخذ ما يعادله مما يتم به نقصه في ضروريات الحياة وما يتبعها، وهذا يحتاج إلى أمن عام في المعاملات، تحفظ به أوصاف الأشياء ومقاديرها على ما هي عليه. فمن يجوز لنفسه البخس في أشياء الناس، فهو يجوز ذلك لكل من هو مثله، وهو شيوعه. وإذا شاع البخس والغش كان فيه هلاك الأموال والنفوس جميعا. وأما كون الكف عن إفساد الأرض خيرا لهم، فلأن سلب الأمن العام، يوقف رحى المجتمع الإنساني عن حركتها من جميع الجهات، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وفناء الإنسانية فالمعنى: إيفاء الكيل والميزان وعدم البخس والكف عن الفساد في الأرض خير لكم، يظهر لكم خير نية إن كنتم مصدقين لقولي مؤمنين بي. أو المعنى: ذلكم خير لكم تعلمون أنه خير إن كنتم ذوي إيمان بالحق.. ثم دعاهم (ثالثا): إلى ترك التعرض لصراط الله المستقيم.

الذي هو الدين. فإن في الكلام تلويحا إلى أنهم كانوا يقعدون على طريق المؤمنين بشعيب عليه السلام. ويوعدونهم على إيمانهم به. والحضور عنده.

والاستماع منه. وإجراء العبارات الدينية معه. ويصرفونهم عن التدين بدين الحق والسلوك في طريق التوحيد... وبالجملة كانوا يقطعون الطريق على

____________

(25) سورة الأعراف، الآيات: 85 - 87.

الصفحة 174
الإيمان. بكل ما يستطيعون من قوة واحتيال، فنهاهم عن ذلك، ووصاهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، ويعتبروا بالنظر إلى ما يعلمونه من تاريخ الأمم الغابرة، وما آل إليه أمر المفسدين من عاقبة أمرهم. ثم دعاهم (رابعا): إلى الصبر على تقدير وقوع الاختلاف بينهم بالإيمان والكفر، فإنه كان يوصيهم جميعا قبل هذه الوصية. بالاجتماع على الإيمان بالله والعمل الصالح، وكأنه أحس منهم أن ذلك مما لا يكون البتة، وأن الاختلاف كائن لا محالة. وأن الملأ المستكبرين من قومه، وهم الذين كانوا يوعدون ويصدون عن سبيل الله، سيأخذون في إفساد الأرض وإيذاء المؤمنين ويوجب ذلك في المؤمنين وهن عزيمتهم، وتسلط الناس على قلوبهم. فأمرهم جميعا بالصبر. وانتظار أمر الله فيهم ليحكم بينهم وهو خير الحاكمين، فإن في ذلك صلاح المجتمع، أما المؤمنون فلا يقعون في اليأس من الحياة الآمنة. والاضطراب والحيرة من جهة دينهم، وأما الكفار فلا يقعون في ندامة الإقدام من غير رؤية. ومفسدة المظلمة على جهالة، فحكم الله خير فاصل بين الطائفتين. فهو خير الحاكمين لا يساهل في حكم إذا حان حينه، ولا يجور في حكم إذا ما حكم (26).

2 - أنياب طابور الانحراف:

دعاهم شعيب عليه السلام إلى التوحيد. ثم دعاهم ثانيا إلى الكف عن الإفساد في الأرض (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) ثم دعاهم ثالثا إلى ترك التعرض لصراط الله المستقيم (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن) ودعاهم رابعا إلى الصبر حتى يحكم الله بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر (فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين) فماذا كان رد القوم عليه؟ يقول تعالى: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين * وقال الملأ الذين كفروا من

____________

(26) الميزان: 189 / 8.

الصفحة 175
قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) (27).

قال المفسرون: لم يسترشد الملأ المستكبرون من قومه. بما أرشدهم إليه من الصبر وانتظار الحكم الفصل في ذلك من الله سبحانه. بل بادروا بتهديده وتهديد المؤمنين بإخراجهم من أرضهم. إلا أن يرجعوا إلى ملتهم بالارتداد عن دين التوحيد. وفي تأكيدهم القول (لنخرجنك) بالقسم ونون التأكيد. دلالة على قطعهم العزم على ذلك. ولذا بادر عليه السلام بعد استماع هذا القول منهم إلى الاستفتاح من الله سبحانه.. فعندما بلغ الكلام هذا المبلغ. وأخبر الذين كفروا طائفة الحق بعزمهم على أحد أمرين: الإخراج، أو العودة إلى ملتهم..

أخبرهم شعيب عليه السلام بالعزم القاطع على عدم العودة إلى ملتهم والتجأ إلى ربه واستفتح بقوله عن نفسه وعن المؤمنين: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) سأل ربه أن يفتح بين شعيب والمؤمنين به، وبين المشركين من قومه، وهو الحكم الفاصل، فإن الفتح بين شيئين، يستلزم إبعاد كل منهما عن صاحبه، حتى لا يماس هذا ذاك، ولا ذاك هذا (28).

وبعد أن استفتح شعيب من الله تعالى، تمادى الذين كفروا من قومه، فتوجهوا بأشد التهديد إلى الذين آمنوا، وقالوا لهم: (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) فهذا تهديد منهم لمن آمن بشعيب، أو أراد أن يؤمن به وفقا لخطة الصد عن سبيل الله التي نهاهم شعيب عنها من قبل، وقال المفسرون: ويحتمل أن يكون قولهم: (لئن اتبعتم) الاتباع بمعناه الظاهر. وهو اقتفاء أثر الماشي على الطريق، والسالك السبيل. بأن يكون الملأ المستكبرون لما اضطروه ومن معه إلى أحد الأمرين: الخروج من أرضهم أو العودة في ملتهم، ثم سمعوه يرد عليهم العودة إلى ملتهم ردا قاطعا. ثم يدعو بمثل قوله: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق..) لم يشكوا أنه سيتركهم ويهاجر إلى أرض غير أرضهم، ويتبعه في هذه المهاجرة المؤمنون به من القوم، خاطبوا عند ذلك طائفة المؤمنين بقولهم: (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) فهددوهم وخوفوهم بالخسران

____________

(27) سورة الأعراف، الآيات: 88 - 90.

(28) الميزان: 192 / 8.

الصفحة 176
إن تبعوه في الخروج من أرضهم، ليخرج شعيب وحده (29).

وهذا التفسير الأخير بما يكون الأقرب لفهم بعث شعيب عليه السلام إلى أصحاب الأيكة. بمعنى أنه عليه السلام كانت له مقدمة بأي صورة من الصور إلى مكان خارج مدين. وبما أن خطابه كان فيما بعد للأيكة، فإن الأيكة هي المرشحة لأن تكون هذا المكان، وقد توجه إليها بالدعوة بعد أن فصل الله بينه وبين مدين والله تعالى أعلم.

وخلاصة القول: أن الاستكبار وضع قافلة الإيمان بين (فكي كماشة) كما يقولون. إما الخروج وإما العودة إلى ملتهم، أما قافلة الأيمان فقد وضعت الاستكبار تحت قانون الاستفتاح (على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) لقد وضعوا الاستكبار تحت قوة لا طاقة لهم بها، فشعيب عليه السلام يعرف مصدر القوة، وملجأ الأمان، ويعلم أن ربه تعالى هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان. ولقد قال لهم وهو يقيم عليهم الحجة في أول الطريق: (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب) (30) ثم قال لهم في وسط الطريق: (فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين) (31) ثم دعا ربه في نهاية الطريق: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (32) لقد كان شعيب عليه السلام يتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه، والتي ليس منها مضر، إلا بفتح من ربه ونصر.

* - وجاء الفتح:

لقد دار أهل مدين في اتجاه عكسي لدوران الكون! خالفوا الفطرة، ونصروا الهوى وأشاعوا الفساد في الأرض. إن نقص المكيال والميزان سرقة للأرزاق، وسرقة الأقوات مقدمة يستغلها الشيطان من أجل التشكيك في الرزاق، وبالتشكيك يربط بين ضعاف الإيمان وبين المستكبرين الذين في سعة من زخرف

____________

(29) الميزان: 193 / 8.

(30) سورة هود، الآية: 93.

(31) سورة الأعراف، الآية: 87.

(32) سورة الأعراف، الآية: 89.

الصفحة 177
الحياة الدنيا، فيستعبد القوي الضعيف في مرحلة، ويعبد الضعيف القوي في مرحلة أخرى، إن سرقة الأقوات بكل صورها هي التي ساعدت على قيام الأوثان على الأرض وفقا لسرقات كل عصر، فهناك عصر سرق الإنسان بأي صورة من الصور وباعه في أسواق العبيد! فأدى هذا إلى شرخ في الجدار الإنساني. ترتب عليه سخرة في مكان واستكبار واستعلاء في مكان آخر، وفي عصر آخر قام الاستكبار بوضع أصنامه ومن حولها جيوش عالم السخرة للدفاع عنها. وفي عصر ثالث قام لصوص الأقوات بنقص الكيل والميزان. كي يتسع عالم السخرة، وبدلا من وضع قيود الحديد في رقاب العبيد قديما. وضعوا بدلا منها قيود الديون وبقيود الديون يقف الجميع أمام الصنم الجديد الذي فرضه اللصوص الجدد. إن نقص المكيال والميزان يخضع لفقه الأهواء ولا يشيع إلا الجوع. جوع في القمة يتفنن كل يوم في نقص جديد، وجوع في القاع اضطربت معيشته، وفي عالم المعيشة الضنك يتحول الجميع إلى ذئاب آدمية، الكل ضد الكل. ومدين قامت بوضع وتد من أوتاد الشذوذ، وقامت بنصب خيمة، تحتها وضع قانون لا يقل خطورة عن قانون رفض بشرية الرسول، الذي اعتنى به آباؤهم الأوائل في عاد وثمود، فرفض البشرية تحقير للإنسان وابتعاد به عن منارات الهدى، ونقص المكيال والميزان تحقير للإنسان وإلقاء به في عالم المادة والأوثان، ولأن مدين دارت في عكس دوران الفطرة جاءها العقاب يقول تعالى: (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) (33) وقال تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) (34).

وهم في دارهم أخذتهم الرجفة فوقعوا على وجوههم، وهم في ديارهم أخذتهم الصيحة فوقعوا على وجوههم.

والرجفة: الاضطراب الشديد. والجثوم في المكان: القعود فيه أو البروك على الأرض. وهو كناية عن الموت. والمعنى: أخذهم الاضطراب الشديد أو الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم ميتين لا حراك بهم. لقد ضربتهم الرجفة

____________

(33) سورة العنكبوت، الآية: 37.

(34) سورة هود، الآيتان: 94 - 95.

الصفحة 178
داخل دورهم، وضربتهم الصيحة خارج الجدران وهم في الحقول وعلى قمم الجبال، فمن لم يمت بالرجفة مات بالصيحة، والصيحة صوت هائل ترتعد له القلوب والأركان. لقد جاءتهم الرجفة عندما دخلوا في وقت الصباح، وقت خروجهم من أجل امتصاص الأرزاق، وعندما جاء الصباح لم يجدهم، لأن الرجفة قد أخذتهم في أيسر زمان. يقول تعالى: (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) (35).

قال المفسرون: كان حالهم كحال الذين لم يطيلوا الإقامة في أرضهم.

فإن أمثال هؤلاء يسهل زوالهم لعدم تعلقهم بها في عشيرة أو أهل أو دار أو ضياع وعقار، وأما من تمكن في أرض واستوطنها وأطال المقام بها، وتعلق بها بكل ما يقع به التعلق في الحياة المادية، فإن تركها له متعسر كالمتعذر، وخاصة ترك الأمة القاطنة في أرض أرضها، وما اقتنته فيها طول مقامها، وقد ترك هؤلاء وهم أمة عريقة في الأرض دارهم وما فيها في أيسر زمان أخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وقد كانوا يزعمون أن شعيبا. ومن تبعه سيخسرون، فخاب ظنهم، وانقلبت الدائرة عليهم، فكانوا هم الخاسرين، فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين (36). لقد تصرفوا كأحرار والكون يحيط بهم من كل مكان ولا حرية لهم أمام علله وأسبابه وقد حذرهم شعيب عليه السلام من عذاب محيط (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) (37).

لكنهم لم يفكروا فيما حولهم فجاءهم العذاب الذي يحيط بدارهم وبديارهم. عذاب فيه رجفة تهتز لها الجدران والقلوب وفيه صيحة تقرع أسماع الذين خارج الجدران ويعملون في الحبوب والحقول. وبعدت مدين كما بعدت ثمود.

* 5 - حدائق الأيكة:

روي أن الأيكة كانت قريبة من مدين. وكانت تمتاز بحدائقها الملتفة

____________

(35) سورة الأعراف، الآيتان: 91 - 92.

(36) الميزان: 193 / 8.

(37) سورة هود، الآية: 84.

الصفحة 179
الغناء. وتوابعها الكثيرة: المياه والأهوار والأشجار. ولقد ذكر بعضهم أن الأيكة هي مدين، ولكن خالف العديد أصحاب هذا الرأي، ومنهم قتادة وغيره من الذين ذهبوا إلى أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين (38). والذين قالوا بأن الأيكة غير مدين أصابوا..

أولا: لأنهم استندوا إلى أحاديث أما غيرهم فلم يستند إلا على رأيه.

وثانيا: أنهم استندوا على عذاب الأيكة الذي خالف عذاب مدين من حيث نوعه. فمدين ضربت بالرجفة والصيحة، والأيكة ضربت بعذاب الظلة، واستندوا على كتاب الله، فالله تعالى نسب شعيبا إلى مدين ولم ينسبه إلى الأيكة، ثم إن هناك ملامح طرد وهجرة لأتباع شعيب من مدين في كتاب الله.

فربما أن تكون مقدمة شعيب قد وصلت الأيكة ثم تحرك ركب الإيمان إليهم بعد أن عم التدمير مدين كلها. وأخيرا لقد فجر أصحاب الأيكة قضية رفض البشر الرسول وهو الذي لم يحدث في مدين، وليس معنى هذا أن مدين كانت تعترف ببشرية الرسول، فمدين عبدوا الأصنام وتصرفوا وفقا لأهوائهم، ولكنهم لم يفجروا هذه القضية لأنهم لم يملكوا مؤهلاتها فالقضية لا تفجر إلا في مجتمع مترف. وأصحاب الأيكة امتلكوا الأيكة، وكان من عندهم يتدفق النهر الذي تحمل أمواجه الزخرف، ومدين ما هي إلا موجة من أمواجهم، أراد شعيب عليه السلام أن يطهرهم وبهم يطهر ما حولهم. لكنهم أبوا إلا العذاب، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ودخل شعيب والذين آمنوا معه الأيكة ليبدأوا معها الطريق الذي بدأوه مع مدين. يقول تعالى:

(كذب أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا الناص أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) (39).

____________

(38) البداية والنهاية: 189 / 1.

(39) سورة الشعراء، الآيات، 176 - 184.

الصفحة 180
قال المفسرون: الأيكة الغيضة الملتف شجرها. قيل: إنها كانت غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام. وكان أجنبيا منهم. ولقد أمرهم بتقوى الله. وبين أنه رسول من عند الله. أمين على ما حملته من الرسالة، لا أبلغكم إلا ما أمرني ربي وأراده منكم، ولذا فرع عليه قوله: (فاتقوا الله وأطيعون) فأمرهم بطاعته لأن طاعته طاعة لله، ثم نفى سؤال الأجر لنفي الطمع الدنيوي، وأثبت أن أجره على الله رب العالمين، ثم أمرهم بالعدل في الأخذ والإعطاء بالكيل والوزن، وأن لا يبخسوا الناس سلعهم وأمتعتهم، وأن لا يفسدوا إفسادا في الأرض. ثم أمرهم أن يتقوا الله الذي خلقهم وآباءهم الأولين. الذين فطرهم وقرر في جبلتهم تقبيح الفساد والاعتراف بشؤمه.

لقد خاطبهم في صدر خطابه لهم، كما خاطب هود وصالح عليهما السلام الجبابرة في قومهما، أمرهم بالتقوى ونفي الأجر حتى لا يتهموه ثم أمرهم بما يستقيم مع الفطرة.. فماذا كان ردهم؟ يقول تعالى: (قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربي أعلم بما تعملون) (40).

قال المفسرون: يخبر تعالى عن جوابهم له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها، تشابهت قلوبهم حيث قالوا: (إنما أنت من المسحرين) (41) وبعد ذلك فجروا قضيتهم التي وضع الشيطان بذورها، وقال بها كل مترف مستكبر متكبر عال في الأرض، لقد خاطبوه بعيونهم، حيث شاهدوا من حولهم حدائقهم وعبيدهم وتجارتهم التي تجوب الجزيرة والشام وتأتي إليهم بالمال الوفير، في الوقت الذي لا يمتلك هو وأتباعه ما يعلوهم ويقهرهم. لقد خاطبوه وفقا لفقه الأعمى الذي لا ينظر إلى الوجود بعيون الفطرة، وإنما ينظر إليها وفقا لأعمدة فقه الزينة والإغواء، ولقد اختصر أصحاب الأيكة الطريق، فبعد أن اتهموه بالكذب، طالبوه بالعذاب إن كان من الصادقين، وحددوا العذاب الذي يريدون (فأسقط علينا كسفا من السماء) أي أسقط علينا قطعا من السماء. وقيل:

____________

(40) سورة الشعراء، الآيات: 185 - 188.

(41) ابن كثير: 346 / 3.